٢٠ - طه
20 - Ta-Ha (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
15
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما خاطب موسى عليه السلام بقوله: { أية : فاعبدني وأقم الصلاة لذكري } تفسير : [طه: 14] أتبعه بقوله: {إِنَّ ٱلسَّاعَةَ ءاتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا } وما أليق هذا بتأويل من تأول قوله {لِذِكْرِى } أي لأذكرك بالأمانة والكرامة فقال عقيب ذلك: {إِنَّ ٱلسَّاعَةَ ءاتِيَةٌ } لأنها وقت الإثابة ووقت المجازاة ثم قال: {أَكَادُ أُخْفِيهَا } وفيه سؤالان: السؤال الأول: هو أن كاد نفيه إثبات وإثباته نفي بدليل قوله: { أية : وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ } تفسير : [البقرة: 71] أي وفعلوا ذلك فقوله: {أَكَادُ أُخْفِيهَا } يقتضي أنه ما أخفاها وذلك باطل لوجهين، أحدهما: قوله: { أية : إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ } تفسير : [لقمان: 34]. والثاني: أن قوله: {لِتَجْزِىَ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَىٰ } إنما يليق بالإخفاء لا بالإظهار. والجواب: من وجوه، أحدها: أن كاد موضوع للمقاربة فقط من غير بيان النفي والإثبات فقوله: {أَكَادُ أُخْفِيهَا } معناه قرب الأمر فيه من الإخفاء وأما أنه هل حصل ذلك الإخفاء أو ما حصل فذلك غير مستفاد من اللفظ بل من قرينة قوله: {لِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَىٰ } فإن ذلك إنما يليق بالإخفاء لا بالإظهار. وثانيها: أن كاد من الله واجب فمعنى قوله: {أَكَادُ أُخْفِيهَا } أي أنا أخفيها عن الخلق كقوله: { أية : عَسَىٰ أَن يَكُونَ قَرِيبًا } تفسير : [الإسراء: 51] أي هو قريب قاله الحسن. وثالثها: قال أبو مسلم: {أَكَادُ } بمعنى أريد وهو كقوله: { أية : كَذٰلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ } تفسير : [يوسف: 76] ومن أمثالهم المتداولة لا أفعل ذلك ولا أكاد أي ولا أريد أن أفعله. ورابعها: معناه: {أَكَادُ أُخْفِيهَا } من نفسي وقيل إنها كذلك في مصحف أبي وفي حرف ابن مسعود: {أَكَادُ أُخْفِيهَا } من نفسي فكيف أعلنها لكم قال القاضي هذا بعيد لأن الإخفاء إنما يصح فيمن يصلح له الإظهار وذلك مستحيل على الله تعالى لأن كل معلوم معلوم له فالإظهار والإسرار منه مستحيل، ويمكن أن يجاب عنه بأن ذلك واقع على التقدير يعني لو صح مني إخفاؤه على نفسي لأخفيته عني والإخفاء وإن كان محالاً في نفسه إلا أنه لا يمتنع أن يذكر ذلك على هذا التقدير مبالغة في عدم إطلاع الغير عليه، قال قطرب: هذا على عادة العرب في مخاطبة بعضهم بعضاً يقولون: إذا بالغوا في كتمان الشيء كتمته حتى من نفسي فالله تعالى بالغ في إخفاء الساعة فذكره بأبلغ ما تعرفه العرب في مثله. وخامسها: {أَكَادُ } صلة في الكلام والمعنى: إن الساعة آتية أخفيها، قال زيد الخيل: شعر : سريع إلى الهيجاء شاك سلاحه فما إن يكاد قرنه يتنفس تفسير : والمعنى فما يتنفس قرنه. وسادسها: قال أبو الفتح الموصلي {أَكَادُ أُخْفِيهَا } تأويله أكاد أظهرها وتلخيص هذا اللفظ أكاد أزيل عنها إخفاءها لأن أفعل قد يأتي بمعنى السلب والنفي كقولك أعجمت الكتاب وأشكلته أي أزلت عجمته وإشكاله وأشكيته أي أزلت شكواه. وسابعها: قرىء أخفيها بفتح الألف أي أكاد أظهرها من خفاه إذا أظهره أي قرب إظهاره كقوله: { أية : ٱ;قْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ } تفسير : [القمر: 1] قال امرؤ القيس: شعر : فإن تدفنوا الداء لا نخفه وإن تمنعوا الحرب لا نقعد تفسير : أي لا نظهره قال الزجاج وهذه القراءة أبين لأن معنى أكاد أظهرها يفيد أنه قد أخفاها. وثامنها: أراد أن الساعة آتية أكاد وانقطع الكلام ثم قال أخفيها ثم رجع الكلام الأول إلى أن الأولى الإخفاء: {لِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَىٰ } وهذا الوجه بعيد، والله أعلم. السؤال الثاني: ما الحكمة في إخفاء الساعة وإخفاء وقت الموت؟ الجواب: لأن الله تعالى وعد قبول التوبة فلو عرف وقت الموت لاشتغل بالمعصية إلى قريب من ذلك الوقت ثم يتوب فيتخلص من عقاب المعصية فتعريف وقت الموت كالإغراء بفعل المعصية، وإنه لا يجوز. أما قوله: {لِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَىٰ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: أنه تعالى لما حكم بمجيء يوم القيامة ذكر الدليل عليه وهو أنه لولا القيامة لما تميز المطيع عن العاصي والمحسن عن المسيء وذلك غير جائز وهو الذي عناه الله تعالى بقوله: { أية : أَمْ نَجْعَلُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ كَٱلْمُفْسِدِينَ فِي ٱلأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ ٱلْمُتَّقِينَ كَٱلْفُجَّارِ } تفسير : [ص: 28]. المسألة الثانية: احتجت المعتزلة بهذه الآية على أن الثواب مستحق على العمل لأن الباء للالصاق فقوله: {بِمَا تَسْعَىٰ } يدل على أن المؤثر في ذلك الجزاء هو ذلك السعي. المسألة الثالثة: احتجوا بها على أن فعل العبد غير مخلوق لله تعالى وذلك لأن الآية صريحة في إثبات سعي العبد ولو كان الكل مخلوقاً لله تعالى لم يكن للعبد سعي ألبتة أما قوله: {فَلاَ يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَن لاَّ يُؤْمِنُ بِهَا } فالصد المنع وههنا مسائل: المسألة الأولى: في هذين الضميرين وجهان. أحدهما: قال أبو مسلم لا يصدنك عنها أي عن الصلاة التي أمرتك بها من لا يؤمن بها أي بالساعة فالضمير الأول عائد إلى الصلاة والثاني إلى الساعة ومثل هذا جائز في اللغة فالعرب تلف الخبرين ثم ترمي بجوابهما جملة ليرد السامع إلى كل خبر حقه. وثانيهما: قال ابن عباس فلا يصدنك عن الساعة أي عن الإيمان بمجيئها من لا يؤمن بها فالضميران عائدان إلى يوم القيامة. قال القاضي: وهذا أولى لأن الضمير يجب عوده إلى أقرب المذكورين وههنا الأقرب هو الساعة وما قاله أبو مسلم فإنما يصار إليه عند الضرورة ولا ضرورة ههنا. المسألة الثانية: الخطاب في قوله: {فَلاَ يَصُدَّنَّكَ } يحتمل أن يكون مع موسى عليه السلام وأن يكون مع محمد صلى الله عليه وسلم والأقرب أنه مع موسى لأن الكلام أجمع خطاب له وعلى كلا الوجهين فلا معنى لقول الزجاج إنه ليس بمراد وإنما أريد به غيره وذلك لأنه ظن أن النبي صلى الله عليه وسلم لما لم يجز عليه مع النبوة أن يصده أحد عن الإيمان بالساعة لم يجز أن يكون مخاطباً بذلك وليس الأمر كما ظن، لأنه إذا كان مكلفاً بأن لا يقبل الكفر بالساعة من أحد وكان قادراً على ذلك جاز أن يخاطب به ويكون المراد هو وغيره، ويحتمل أيضاً أن يكون المراد بقوله: {فَلاَ يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا } النهي له عن الميل إليهم ومقاربتهم. المسألة الثالثة: المقصود نهي موسى عليه السلام عن التكذيب بالبعث ولكن ظاهر اللفظ يقتضي نهي من لم يؤمن عن صد موسى عليه السلام وفيه وجهان، أحدهما: أن صد الكافر عن التصديق بها سبب للتكذيب فذكر السبب ليدل على المسبب. والثاني: أن صد الكافر مسبب عن رخاوة الرجل في الدين فذكر المسبب ليدل حمله على السبب كقوله: لا أرينك ههنا المراد نهيه عن مشاهدته والكون بحضرته، فكذا ههنا كأنه قيل: لا تكن رخواً بل كن في الدين شديداً صلباً. المسألة الرابعة: الآية تدل على أن تعلم علم الأصول واجب لأن قوله: {فَلاَ يَصُدَّنَّكَ } يرجع معناه إلى صلابته في الدين وتلك الصلابة إن كان المراد بها التقليد لم يتميز المبطل فيه من المحق فلا بد وأن يكون المراد بهذه الصلابة كونه قوياً في تقرير الدلائل وإزالة الشبهات حتى لا يتمكن الخصم من إزالته عن الدين بل هو يكون متمكناً من إزالة المبطل عن بطلانه. المسألة الخامسة: قال القاضي قوله: {فَلاَ يَصُدَّنَّكَ } يدل على أن العباد هم الذين يصدون ولو كان تعالى هو الخالق لأفعالهم لكان هو الصاد دونهم فدل ذلك على بطلان القول بالجبر، والجواب: المعارضة بمسألة العلم والداعي، والله أعلم، أما قوله تعالى: {وَٱتَّبَعَ هَوَاهُ } فالمعنى أن منكر البعث إنما أنكره اتباعاً للهوى لا لدليل وهذا من أعظم الدلائل على فساد التقليد لأن المقلد متبع للهوى لا الحجة أما قوله: {فَتَرْدَىٰ } فهو بمعنى ولا يصدنك فتردى وإن صدوك وقبلت فليس إلا الهلاك بالنار. واعلم أن المتوغلين في أسرار المعرفة قالوا: المقام مقامان. أحدهما: مقام المحو والفناء عما سوى الله تعالى. والثاني: مقام البقاء بالله والأول مقدم على الثاني لأن من أراد أن يكتب شيئاً في لوح مشغول بكتابة أخرى فلا سبيل له إليه إلا بإزالة الكتابة الأولى ثم بعد ذلك يمكن إثبات الكتابة الثانية والحق سبحانه راعى هذا الترتيب الحسن في هذا الباب لأنه قال لموسى عليه السلام اولا: {فَٱخْلَعْ نَعْلَيْكَ } وهو إشارة إلى تطهير السر عما سوى الله تعالى ثم بعد ذلك أمره بتحصيل ما يجب تحصيله وأصول هذا الباب ترجع إلى ثلاثة: علم المبدأ وعلم الوسط وعلم المعاد، فعلم المبدأ هو معرفة الحق سبحانه وتعالى وهو المراد بقوله: { أية : إِنَّنِى أَنَا ٱللَّهُ لا إِلَـٰهَ إِلا أَنَاْ } تفسير : [طه: 14] وأما علم الوسط فهو علم العبودية ومعناها الأمر الذي يجب أن يشتغل الإنسان به في هذه الحياة الجسمانية وهو المراد بقوله: { أية : فاعبدني وأقم الصلاة لذكري } تفسير : [طه: 14] ثم في هذا أيضاً تعثر لأن قوله: {فَٱعْبُدْنِي } إشارة إلى الأعمال الجسمانية وقوله: {لِذِكْرِي } إشارة إلى الأعمال الروحانية والعبودية أولها الأعمال الجسمانية وآخرها الأعمال الروحانية وأما علم المعاد فهو قوله: {إِنَّ ٱلسَّاعَةَ ءَاتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا } ثم إنه تعالى افتتح هذه التكاليف بمحض اللطف وهو قوله: { أية : إِنّى أَنَاْ رَبُّكَ } تفسير : [طه: 12] واختتمها بمحض القهر وهو قوله: {فَلاَ يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَن لاَّ يُؤْمِنُ بِهَا وَٱتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَىٰ } تنبيهاً على أن رحمته سبقت غضبه وإشارة إلى أن العبد لا بد له في العبودية من الرغبة والرهبة والرجاء والخوف، وعند الوقوف على هذه الجملة تعرف أن هذا الترتيب هو النهاية في الحسن والجودة وأن ذلك لا يتأتى إلا من العالم بكل المعلومات.
المحلي و السيوطي
تفسير : {إِنَّ ٱلسَّاعَةَ ءَاتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا } عن الناس ويظهر لهم قربها بعلاماتها {لِتُجْزَىٰ } فيها {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَىٰ } به من خير أو شرّ.
ابن عطية
تفسير : في قوله {إن الساعة آتية} تحذير ووعيد، أي اعبدني فإن عقابي وثوابي بالمرصاد، و {الساعة} في هذه الآية القيامة بلا خلاف، وقرأ ابن كثير والحسن وعاصم "أكاد أخفيها" بفتح الهمزة بمعنى أظهرها أي أنها من صحة وقوعها وتيقن كونه تكاد تظهر لكن تنحجب إلى الأجل المعلوم، والعرب تقول خفيت الشيء بمعنى أظهرته ومنه قول امرىء القيس: [الطويل] شعر : خفاهن من أنفاقهن كأنما خفاهن ودق من سحاب مجلّب تفسير : ومنه قوله أيضاً: [المتقارب] شعر : فإن تدفنوا الداء لا نخفه وإن توقدوا الحرب لا نقعد تفسير : قال أبو علي: المعنى أزيل خفاءها، وهو ما تلف به القربة ونحوها، وقرأ الجمهور "أُخفيها" بضم الهمزة، واختلف المتأولون في معنى الآية فقالت فرقة: معناه أظهرها وأخفيت من الأضداد، وهذا قول مختل، وقالت فرقة معناه، {أكاد أخفيها} من نفسي على معنى العبارة من شدة غموضها على المخلوقين، فقالت فرقة: المعنى {إن الساعة آتية أكاد} وتم الكلام بمعنى {أكاد} أنفذها لقربها وصحة وقوعها ثم استأنف الإخبار بأن يخفيها، وهذا قلق، وقالت فرقة {أكاد} زائدة لا دخول لها في المعنى بل تضمنت الآية الإخبار بأن الساعة آتية وأن الله يخفي وقت إتيانها عن الناس، وقالت فرقة {أكاد} بمعنى أريد، فالمعنى أريد إخفاءها عنكم {لتجزى كل نفس بما تسعى} واستشهد قائل هذه المقالة بقول الشاعر: [الكامل] شعر : كادت وكدت وتلك خير إرادة تفسير : وقد تقدم هذا المعنى، وقالت فرقة {أكاد} على بابها بمعنى أنها مقاربة ما لم يقع، لكن الكلام جار على استعارة العرب ومجازها، فلما كانت الآية عبارة عن شدة خفاء أمر القيامة ووقتها وكان القطع بإتيانها مع جهل الوقت أهيب على النفوس بالغ قوله تعالى في إبهام وقتها فقال {أكاد أخفيها} حتى لا تظهر البتة ولكن ذلك لا يقع ولا بد من ظهورها، هذا تلخيص هذا المعنى الذي أشار إليه بعض المفسرين وهو الأقوى عندي، ورأى بعض القائلين بأن المعنى {أكاد أخفيها} من نفسي ما في القول من القلق فقالوا معنى من نفسي من تلقائي ومن عندي ع وهذا رفض للمعنى الأول ورجوع إلى هذا القول الذي اخترناه أخيراً فتأمله، واللام في قوله {لتجزى} متعلقة بـ {آتية} وهكذا يترتب الوعيد. و {تسعى} معناه تكسب وتجترح، والضمير في قوله {عنها} يريد الإيمان بالساعة فأوقع الضمير عليها، ويحتمل أن يعود على {أية : الصلاة}تفسير : [طه: 14] وقالت فرقة المراد عن لا إله الا الله ع: وهذا متجه، والأولان أبين وجهاً. وقوله {فتردى} معناه تهلك والردى الهلاك ومنه قوله دريد بن الصمة: [الطويل] شعر : تنادوا فقالوا أدرت الخيل فارساً فقلت أعبد الله ذلكمُ الردي تفسير : وهذا الخطاب كله لموسى عليه السلام وكذلك ما بعده، وقال النقاش: الخطاب بـ {فلا يصدنك} لمحمد عليه السلام وهذا بعيد، وفي مصحف عبدالله بن مسعود "أكاد أخفيها من نفسي" وعلى هذه القراءة تركب ذلك القول المتقدم، وقوله عز وجل {وما تلك بيمينك يا موسى} تقرير مضمنه التنبيه وجمع النفس لتلقي ما يورد عليها وإلا فقد علم ما هي في الأزل، وقوله {بيمينك} من صلة تلك وهذا نظير قول الشاعر يزيد بن ربيعة: [الطويل] شعر : عدسْ ما لعباد عليك إمارة نجوت وهذا تحملين طليق تفسير : قال ابن الجوهري: وروي في بعض الآثار أن الله تعالى عتب على موسى إضافة العصا إلى نفسه في ذلك الموطن فقيل له {أية : ألقها} تفسير : [طه: 19] ليرى منها العجب فيعلم أنه لا ملك له عليها ولا تضاف إليه، وقرأ الحسن وأبو عمرو بخلاف عنه "عصاي" بكسر الياء مثل غلامي، وقرأت فرقة "عصى" وهي لغة هذيل ومنه قول أبي ذؤيب: [الكامل] شعر : سبقوا هويَّ وأعنقوا لهواهم تفسير : وقرأ الجمهور "عصايَ" بفتح الياء، وقرأ ابن أبي إسحاق "عصايْ" بياء ساكنة، ثم ذكر موسى عليه السلام من منافع عصاه عظمها وجمهورها، وأجمل سائر ذلك، وقرأ الجمهور "وأهُشُّ" بضم الهاء والشين المنقوطة ومعناه أخبط بها الشجر حتى ينتثر بها الورق للغنم، وقرأ إبراهيم النخعي "وأهِش" بكسر والمعنى كالذي تقدم، وقرأ عكرمة مولى ابن عباس "وأهُسُّ" بضم الهاء والسين غير المنقوطة ومعناه أزجر بها وأخوف، وقرأت فرقة "على غنمي" بالجر، وقرأت "غنمي" فأوقع الفعل على الغنم، وقرأت "غنْمي" بسكون النون ولا أعرف لها وجهاً، وقوله {أخرى} فوحد مع تقدم الجمع وهو المهيع في توابع جمع ما لا يعقل والكناية عنه فإن ذلك يجري مجرى الواحدة المؤنثة كقوله تعالى: {أية : الأسماء الحسنى} تفسير : [طه:8] وكقوله {أية : يا جبال أوبي معه} تفسير : [سبأ: 10] وقد تقدم القول في هذا المعنى غير مرة، وعصا موسى عليه السلام هي التي كان أخذها من بيت عصا الأنبياء التي كان عند شعيب حين اتفقا على الرعية، وكانت عصا آدم هبط بها من الجنة وكانت من العير الذي في ورق الريحان وهو الجسم المستطيل في وسطها وقد تقدم شرح أمرها فيما مضى.
ابن عبد السلام
تفسير : {أُخْفِيهَا} لا أظهر عليها أحداً فيكون " أكاد " بمعنى أريد، أو أُخفيها من نفسي "ع" مبالغة في تبعيد إعلامه بها، أو أخفيها أظهرها أخفيته كتمته وأظهرته من الأضداد، وأسررته كتمته وأظهرته أيضاً، أو المعنى آتية: أكاد آتي بها فحذف للعلم به ثم استأنف {أُخْفِيهَا لِتُجْزَىَ كُلُّ نَفْسٍ} قال: شعر : هممت ولم أفعل وكدت وليتني تركت على عثمان تبكي حلائله تفسير : أي وكدت أقتله. {بِمَا تَسْعَى} من خير أو شر، أقسم أنه يأتي بها للجزاء، أو أخبر بذلك.
الخازن
تفسير : {إن الساعة آتية أكاد أخفيها} قال أكثر المفسرين: معناه أكاد أخفيها من نفسي فكيف يعلمها مخلوق وكيف أظهرها لكم، ذكر ذلك على عادة العرب إذا بالغوا في الكتمان للشيء يقولون كتمت سرك في نفسي, أي أخفيته غاية الإخفاء، والله تعالى لا يخفى عليه شيء. والمعنى في إخفائها التهويل والتخويف لأنهم إذا لم يعلموا متى تقوم الساعة كانوا على حذر منها كل وقت وكذلك المعنى في إخفاء وقت الموت على الإنسان لأنه إذا عرف وقت موته وانقضاء أجله اشتغل بالمعاصي إلى أن يقرب من ذلك الوقت فيتوب ويصلح العمل فيتخلص من عقاب المعاصي بتعريف وقت الموت، وأنه إذا لم يعرف وقت موته لا يزال على قدم الخوف والوجل فيترك المعاصي أو يتوب منها في كل وقت مخافة معاجلة الأجل. قوله تعالى {لتجزى كل نفس بما تسعى} أي بما تعمل من خير وشر {فلا يصدنك عنها من لا يؤمن بها} أي فلا يصرفك عن الإيمان بالساعة ومجيئها من لا يؤمن بها {واتبع هواه} أي مراده وخالف أمر الله {فتردى} أي فتهلك. قوله عز وجل {وما تلك بيمينك يا موسى} سؤال تقرير والحكمة فيه تنبيه على أنها عصا حتى إذا قلبها حية علم أنها معجزة عظيمة {قال هي عصاي} قيل كان لها شعبتان وفي أسفلها سنان ولها محجن واسمها نبعة {أتوكأ عليها} أي أعتمد عليها إذا مشيت وإذا عييت وعند الوثبة {وأهش بها على غنمي} أي أضرب بها الشجرة اليابسة ليسقط ورقها فترعاه الغنم {ولي فيها مآرب أخرى} أي حاجة ومنافع أخرى، وأراد بالمآرب ما كان يستعمل فيه العصا في السفر فكان يحمل بها الزاد ويشد بها الحبل ويستقي بها الماء من البئر ويقتل بها الحيات ويحارب بها السباع ويستظل بها إذا قعد, وروي عن ابن عباس أن موسى كان يحمل عليها زاده وسقاءه فجعلت تماشيه وتحدثه، وكان يضرب بها الأرض فيخرج له ما يأكل يومه، ويركزها فيخرج الماء فإذا رفعها ذهب الماء وكان إذا اشتهى ثمرة ركزها فتصير غصن تلك الشجرة وتورق وتثمر، وإذا أراد الاستقاء من البئر أدلاها فطالت على طول البئر وصارت شعبتاها كدلو حتى يستقي, وكانت تضيء بالليل كالسراج وإذا ظهر له عدو كانت تحارب وتناضل عنه {قال} الله تعالى {ألقها يا موسى} أي انبذها واطرحها. قال وهب: ظن موسى أنه يقول ارفضها {فألقاها} أي فطرحها على وجه الرفض ثم حانت منه نظرة {فإذا هي حية} صفراء من أعظم ما يكون من الحيات {تسعى} أي تمشي بسرعة على بطنها وقال في موضع آخر كأنها جان، وهي الحية الصغيرة الجسم الخفيفة وقال في موضع آخر ثعبان وهو أكبر ما يكون من الحيات ووجه الجمع أن الحية اسم جامع للكبير والصغير والذكر والأنثى فالجان عبارة عن ابتداء حالها فإنها كانت حية على قدر العصا، ثم كانت تتورم وتنتفخ حتى صارت ثعباناً وهو انتهاء حالها، وقيل إنها كانت في عظم الثعبان وسرعة الجان، قال محمد بن إسحاق: نظر موسى فإذا العصا حية من أعظم ما يكون من الحيات، وصارت شعبتاها شدقين لها، والمحجن عنقاً وعرفاً يهتز كالنيازك، وعيناها تتقدان كالنار تمر بالصخرة العظيمة مثل الخفة من الإبل، فتلقمها وتقصف الشجرة العظيمة بأنيابها ويسمع لأنيابها صريفاً عظيماً، فلما عاين ذلك موسى ولّى مدبراً وهرب، ثم ذكر ربه فوقف استحياء منه ثم نودي موسى أقبل وارجع حيث كنت، فرجع وهو شديد الخوف {قال خذها} يعني بيمينك {ولا تخف} قيل كان خوفه لما عرف ما لقي آدم من الحية، وقيل لما قال له ربه لا تخف بلغ من طمأنينة نفسه وذهاب الخوف عنه أن أدخل يده في فمها وأخذ بلحييها {سنعيدها سيرتها الأولى} أي إلى هيئتها فنردها عصاً كما كانت، وقيل كان على موسى مدرعة صوف قد خللها بعود فلما قال الله تعالى خذها لف طرف المدرعة على يده فأمره الله تعالى أن يكشف يده فكشفها. وذكر بعضهم أنه لما لف كم المدرعة على يده قال له ملك أرأيت لو أمر الله بما تحاذره أكانت المدرعة تغني عنك شيئاً؟؟ قال: لا ولكني ضعيف من ضعف خلقت. قال فكشف عن يده ثم وضعها في فم الحية فإذا هي عصا كما كانت ويده في شعبتيها في الموضع الذي كان يضعها إذا توكأ. قال المفسرون: أراد الله تعالى أن يري موسى ما أعطاه من الآية التي لا يقدر عليها مخلوق ولئلا يفزع منها إذا ألقاها عند فرعون قوله تعالى {واضمم يدك إلى جناحك} يعني إلى إبطك وقيل تحت عضدك {تخرج بيضاء} يعني نيرة مشرقة {من غير سوء} يعني من غير عيب والسوء ها هنا بمعنى البرص قال ابن عباس: كان ليده نور ساطع يضيء بالليل والنهار كضوء الشمس والقمر {آية أخرى} أي دلالة أخر على صدقك سوى العصا {لنريك من آياتنا الكبرى} قال ابن عباس: كانت يد موسى أكبر آياته.
الثعالبي
تفسير : وقولُه تعالى: {إِنَّ ٱلسَّاعَةَ}: يريدُ: القيامةَ آتيةٌ، فيه تحذيرٌ وَوَعِيدٌ. وقرأ ابنُ كَثِير، وعاصِمٌ: «أَكَاد أَخفيها» - بفتح الهمزة - بمعنى: أظْهرها، أيْ: إنها من تيقُّن وقُوعِهَا تَكاد تَظْهَرُ، لكن تَنْحَجِبُ إلى الأَجل المعلومِ، والعربُ تقولُ: خَفَيْتُ الشَّيْءَ بمعنى: أَظْهَرْتُهُ. وقرأ الجمْهورُ: «أُخْفِيهَا» - بضم الهمزة - فقيل: معناه: أظهرها، وزعموا: أَنَّ «أَخْفَيْتُ» من الأَضْدَادِ. وقالت فرقةٌ: {أَكَادُ} بمعنى أُرِيدُ، أيْ: أرِيدُ إخْفَاءَها عنكم؛ لتجزى كل نفس بما تسعى، واسْتَشْهَدُوا بقول الشاعر: [الكامل] شعر : كَادَتْ وَكِدْتَ وَتِلْكَ خَيْرُ إرَادَةٍ ................. تفسير : وقالت فرقةٌ: أَكاد: على بَابها بمعنى: بأَنها مقاربة ما لم يَقَعْ لكن الكلام جَارٍ على ٱستعارةِ العَرَبِ، ومَجَازِهَا، فلما كانت الآيةُ عبارةٌ عن شِدَّةِ خَفَاءِ أَمْرِ القيامة ووقْتِها، وكان القَطْعُ بإتْيَانِها مع جَهْلِ الوَقْتِ أَهْيَبُ على النفوسِ؛ بالغ ـــ سُبْحَانَه ـــ في إبْهَامِ وقْتِها، فقال: {أَكَادُ أُخْفِيهَا}؛ حتَّى لاَ تظهرُ ألْبتةَ، ولكن ذلك لا يقعُ، ولا بُدَّ مِنْ ظُهُورِهَا، وهذا التَّأْوِيلُ هو الأَقْوىٰ عندي. وقوله سبحانه: {فَلاَ يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا}: أيْ: عن الإيمانِ بالسَّاعَةِ، ويحتمل عودُ الضمير على الصَّلاَةِ. وقوله: {فَتَرْدَىٰ}: معناه فتَهْلك، والرَّدَىٰ: الهلاكُ، وهذا الخطابُ كلَّه لموسى عليه السلام، وكذلك ما بعده. وقال النقاشُ: الخطابُ بـــ {لاَ يَصُدَّنَّكَ}: لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم وهذا بَعِيدٌ. وقوله سبحانه: {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَـٰمُوسَىٰ} تقريرٌ مضمنه التَّنْبِيهُ، وجمعُ النفْسِ؛ لتلقى ما يورد عليها، وإلاَّ فقد علم سُبْحَانه مَا هِيَ في الأزَل. قال ابنُ العَرَبِيُّ في «أحكامه»: وأجابَ مُوسَى عليه السلام بقوله: {هِيَ عَصَايَ...} الآية, بأَكْثَرَ مما وقَعَ السؤالُ عنه؛ وهذا كقوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : هو الطَّهُورُ مَاؤهُ، الحِلُّ مَيْتَتُهُ» تفسير : لمن سَأَلهُ عن طَهُوريَّةِ ماء البَحْر. انتهى. * ت *: والمُسْتَحْسَنُ من الجواب: أَنْ يكون مُطَابِقاً للسؤال، أو أَعَمَّ منه؛ كما في الآية، والحديث، أَمَّا كونُه أَخَصَّ منه، فَلاَ. انتهى. {وأَهُشَّ}: معناه: أخْبِطُ بِها الشَّجَر؛ حتَّىٰ ينتثر الوَرَقُ لِلْغَنم، وعَصَا مُوسَى عليه السلام هي الَّتي كان أَخَذَها من بَيْتِ عِصِيِّ الأَنْبِيَاءِ عليهم السلام الَّذِي كان عند شُعَيْب عليه السلام حين اتَّفَقَا عَلَى الرَّعْيِ، وكانت عَصَا آدم عليه السلام، هبط بها من الجَنَّةِ، وكانت من العير الَّذِي في وَرَقِ الرَّيْحَانِ، وهو الجِسْم المُسْتَطيل في وسطها، ولما أَراد اللّهُ سبحانه تَدْرِيب مُوسَىٰ في تلقي النبوءة، وتَكَالِيفها، أمره بإلْقَاءِ العَصَا، فألْقَاهَا، فإذا هي حَيَّةً تَسْعَى، أيْ تَنْتَقِلُ، وتَمْشِي، وكانت عَصاً ذَاتَ شُعْبَتَيْنِ، فصارت الشُّعْبَتَانِ فماً يلتقِمُ الحِجَارَةَ، فلما رآها مُوسَى رَأَىٰ عِبْرةً؛ فولَّى مُدْبِراً ولم يُعَقِّبْ؛ فقال اللّهُ تعالى له: {خُذْهَا وَلاَ تَخَفْ} فأَخذَها بيده، فصارت عَصاً كما كانت أَوَّل مرةٍ؛ وهي سِيرَتُها الأُولَى، {وٱضْمُمْ يَدَكَ إلَىٰ جَنَاحِكَ}، أَيْ: جَنْبِك. قال * ع *: وكُلُّ مَرْعُوبٍ من ظُلْمَةٍ ونحوها فإنه إذا ضَمَّ يده إلَى جناحه، فَتَر رُعْبُهُ، وربط جَأْشه، فجمع اللّه سبحانه لموسى عليه السلام تَفتِير الرُّعْبِ مع الآيةِ في اليَدِ. ورُوِي أَنَّ يدَ مُوسَى خرجت بَيْضَاءَ تَشفّ وتُضِيء؛ كأَنَّها شَمْسٌ من غيرِ سُوءٍ، أَيْ: من غير بَرَصٍ، ولا مثلة، بل هو أمْر ينحسر، ويَعُود بحكم الحَاجَةِ إليه، ولما أَمَرُه اللَّه تعالى بالذَّهَابِ إلَى فِرْعَون، علم أنها الرسالة، وفهم قدر التَّكْلِيف؛ فدعا اللَّهَ في المَعُونة؛ إذْ لاَ حَوْلَ له إلاَّ به. و {ٱشْرَحْ لِي صَدْرِي} معناه: لفهم ما يرد عَلَيّ مِنَ الأُمور، والعُقْدة التي دَعَا في حَلِّها هي التي ٱعترتْهُ بالجَمْرةِ في فِيهِ، حين جَرَّبه فرعون، وروي في ذلك: أَنَّ فِرْعون أراد قَتْلَ مُوسَى، وهو طِفْل حينَ مَدَّ يَدَهُ عليه السلام إلَى لِحْيَةِ فرعون، فقالت له ٱمرأَتُه: إنه لا يَعْقِلُ، فقال: بل هو يَعْقِلُ، وهو عَدُوِّي، فقالت له: نجرِّبُه، فقال لها: أَفْعَلُ، فدَعا بجمَراتٍ من النَّارِ، وبطبقٍ فيه يَاقُوتٌ، فقالا: إنْ أَخذ الياقُوتَ، علِمْنَا أنه يعقِلُ، وإنْ أخذ النارَ، عَذَرْنَاهُ، فمدَّ مُوسَى يده إلى جمرة فأَخذها، فلم تعد على يده، فجعلها فِي فِيهِ، فأَحْرَقَتْهُ، وأوْرثت لِسَانَهُ عُقْدَةٌ، وموسى عليه السلام إنما طلب مِنْ حَلِّ العُقْدَة قدراً يُفْقَهُ معه قولُه، فجائز أَنْ تكون تِلْكَ العقدةُ قد زَالَتْ كُلُّها، وجائِزٌ أَن يكون قَدْ بَقِيَ منها القَلِيلُ، فيجتمع أن يؤتى هو سُؤْلَهُ، وأنْ يقولَ فِرْعَون: {أية : وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ} تفسير : [الزخرف:52]. ولو فرضنا زوالَ العُقْدة جملة، لكانَ قولُ فِرْعَون سَبّاً لمُوسَى بحالته القَدِيمةَ. وَالوَزِير: المُعِين القَائِمُ بوزر الأُمورِ, وهو ثِقَلها فيحتمل الكَلاَمُ أَنَّ طلبَ الوَزِير من أَهْلِهِ على الجملة ثم أَبْدَل هَـٰرونَ من الوزير المَطْلُوب، ويحتمل أنْ يريدَ: وٱجْعل هَـٰرُونَ وَزِيراً، فيكون مفعولاً أَوّلاً لـ {ٱجْعل}، وكان هَـٰرُونَ عليه السلام أكْبر من موسَىٰ عليه السلام بأرْبع سنين، والأَزْرُ: الظهرُ؛ قاله أَبُو عُبَيْدةَ. وقوله: {كَثِيراً} نعتٌ لمصدرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: تسبيحاً كثيراً.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ ٱلسَّاعَةَ ءَاتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا}. (لمَّا خاطب موسى عليه السلام بقوله: {فَٱعْبُدْنِي وَأَقِمِ ٱلصَّلَٰوةَ لِذِكْرِيۤ} أتبعَه بقوله: {إِنَّ ٱلسَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا})، وما أليق هذا بتأويل من تأوّل قوله: "لِذِكْرِي" أي لأذكرك بالإثابة والكرامة فقال عقيب ذلك {إِنَّ ٱلسَّاعَةَ ءَاتِيَةٌ} لأنها وقت الإثابة ووقت المجازاة، ثم قال: "أَكَادُ أُخْفِيهَا". العامة على ضم الهمزة من "أُخْفِيهَا". وفيها تأويلات: أحدها: أن الهمزة في "أُخْفِيهَا" للسلب والإزالة، أي: أزيل خفاءها نحو: أَعْجَمْتُ الكتابَ أي: أزلت عجمتَه، وأشكيتُه أي أزلت شكواه، ثم في ذلك معينان: أحدهما: أن الخفاءَ بمعنى (الستر)، ومتى أزال سترها فقد أظهرها، والمعنى: أنها لتحقّق وقوعها وقربها أكاد أظهرها لولا ما تقتضيه الحكمة من التأخير. والثاني: أن الخفاءَ هو الظهور كما سيأتي، والمعنى: أزيل ظهورها، وإذا أزال ظهورها فقد استترت، والمعنى: أن لشدّة إبهامها أكادُ أخفيهَا فلا أظهرها ألبتة وإن كان لا بد من إظهارها، ولذلك يوجد في بعض المصاحف كمصحف أُبَيّ: "أَكَادُ أُخْفِيهَا من نفسي فكيف أظهركم عليها" وهو على عادة العرب في المبالغة في الإخفاء، قال الشاعر: شعر : 3644- أَيَّامَ تَصْحَبُنِي هِنْدٌ وَأُخْبِرُهَا مَا كِدْتُ أَكْتُمُه عَنِّي مِنَ الخَبَرِ تفسير : وكيف يتصوّر كتمانه من نفسه؟ قال القاضي: هذا بعيد، لأن الإخفاء إنما يصح ممن يصح له الإظهار، وذلك مستحيل عليه تعالى، لأن كلَّ معلومٍ معلومٌ له، فالإظهار والإسرار فيه مستحيل. ويمكن أن يُجاب بأن ذلك واقع على التقدير، بمعنى لو صح مني إخفاؤه عن نفس لأخفيته عني، والإخفاء وإن كان محالاً في نفسه إلا أنه يمتنع أن يذكر على هذا التقدير، مبالغة في عدم إطلاع الغير عليه. والتأويل الثاني: أن (كَادَ) زائدة قاله ابن جبير، وأنشد غيره شاهداً عليه قول زيد الخيل: شعر : 3645- سَرِيعٌ إلَى الهَيْجَاءِ شَاكٍ سِلاَحَهُ فَمَا إِنْ يَكَادُ قِرْنُهُ يَتَنَفَّسُ تفسير : وقول الآخر: شعر : 3646- وَأَنْ لا أَلُومُ النَّفْسَ مِمَّا أَصَابَنِي وَأَنْ لاَ أَكَادُ بالَّذِي نِلْتُ أنْجَحُ تفسير : ولا حجة في شيء منه. والتأويل الثالث: أنَّ الكيدَ ورد بمعنى الإرادة، قاله الأخفش وجماعة، وهو قول أبي مسلم، فهو كقوله: ({أية : كَذَٰلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ} تفسير : [يوسف:76]ومن أمثالهم المتداولة: لا أفْعَلُ ذَلِكَ وَلا أَكَادُ. أي: لا أُريد أَنْ أفعله، وهذا) لا ينفع فيما قصدوه. التأويل الرابع: أنَّ خبرها محذوف، تقديره: أكادُ آتِي بها لقُرْبِها، وأنشدوا قول ضابىء البرجمي: شعر : 3647- هَمسْتُ وَلَمْ أفْعَلْ وَكِدْتُ وَلَيْتَنِي تَرَكْتُ عَلى عُثْمَانَ تَبْكِي حَلاَئِلُهْ تفسير : أي: وكدت أفعل. فالوقف على "أَكَادُ" والابتداء بـ "أُخْفِيهَا"، واستحسنه أبو جعفر. وذكر ابن الخطيب هنا سؤالاً: فقال: إنَّ (كادَ) نفيه إثبات وإثباته نفي، قال تعالى: {أية : وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ} تفسير : [البقرة:71]، أي: ففعلوا ذلك، فقوله: "أكَادُ أُخْفِيهَا" يقتضي أنه ما أخفاها. وذلك باطل لوجهين: أحدهما: لقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ} تفسير : [لقمان: 34] الثاني: إنَّ قوله: {لِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَىٰ} إنما يليق بالإخفاء لا بالإظهار. ثم أجاب بوجوه: الأول: أنَّ "كَادَ" موضوع للمقاربة فقط من غير بيان النفي والإثبات، فقوله: "أَكَادُ أُخْفِيهَا" معناه: قرب الأمر فيه من الإخفاء. وأَمَّا أنَّه هل حصل ذلك الإخفاء أو ما حصل فهو غير مستفاد من اللفظ بل بقرينة قوله: {لِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَىٰ} فإن ذلك إنما يليق بالإخفاء لا بالإظهار. الثاني: أنَّ "كَادَ" من الله: وجب، فمعنى قوله: أَكَادُ أُخْفِيَها أي: أنا أُخْفِيها عن الخلق، كقوله: {أية : عَسَىٰ أَن يَكُونَ قَرِيباً} تفسير : [الإسراء: 51] أي هو قريبٌ قاله الحسن. وذكر باقي التأويلات المتقدمة. وقرأ أبُو الدرداء وابن جبير والحسن ومجاهد وحميد: "أَخْفِيهَا" بفتح الهمزة والمعنى: أظهرها بالتأويل المتقدم، يقال: خَفَيْتُ الشيء: أظهرتُه وأخفيتُه سترتُه هذا هو المشهور وقد نقل عن أبي الخطاب أنَّ خَفَيْتُ وأَخْفَيْتُ بمعنى. وحكى عن أبي عبيد أَنَّ أخْفَى من الأضداد يكون بمعنى أَظْهَر وبمعنى سَتَر. وعلى هذا تتحد (القراءتان). ومن مجيء خَفَيْتُ بمعنى أظهرت قول امرىء القيس: شعر : 3648- خَفَاهُنَّ مِنْ أَنْفَاقِهِنَّ كَأَنَّما خَفَاهُنَّ وَدْقٌ مِنْ عِشِيٍّ مُجَلِّبِ تفسير : (وقول الآخر: شعر : 3649- فَإنْ تَدْفِنُوا الدَّاءَ لاَ نُخْفِهِ وَإنْ تُوقِدُوا الحَرْبَ لا نَقْعُدِ) تفسير : قال الزجاج: وهذه القراءة أبْيَنُ، لأن معناها: أكادُ أَظْهِرُها (فيفيد أنه قد أخفاها). والحكمة في إخفاء الساعة وإخفاء وقت الموت: أنَّ الله تعالى وعد قبلها التوبة عند قربهما، فلو عرف وقت الموت لاشتغل بالمعصية إلى وقت قرب ذلك الوقت ثم يتوب فيتخلص من عقاب المعصية، فتعريف وقت الموت كالإغراء بفعل معصية وهو لا يجوز. قوله: "لِتُجْزَى" هذه لام كي، وليست بمعنى القسم أي: لِتُجْزَيَّن كما نقله أبو البقاء عن بعضهم، وتتعلق هذه اللامِ بأُخْفِيها. وجعلها بعضهم متعلقة بـ (ءَاتِيَةٌ)، وهذا لا يتم إلا إذا قدرت أن "أكَادُ أُخْفِيِهَا" معترضة بين المتعلق والمتعلق به، أما إذا جعلتها صفة (ءَاتِيَةٌ) فلا يتم على مذهب البصريين، لأن اسم الفاعل متى وصف لم يعمل فإن عمل ثم وصف جاز. وقال أبو البقاء: وقيل: بـ (ءَاتِيَةٌ)، ولذلك وقف بعضهم على ذلك وقفة يسيرة إيذاناً بانفصالها عن (أخفيها). قوله: "بِمَا تَسْعَى" متعلق بـ "لِتُجْزَى". و "مَا" يجوز أن تكون مصدرية أو موصولة اسمية، ولا بد من مضاف، أي: لِتُجْزَى بعقاب سعيها، أو: بعقاب ما سعته. فصل لمَّا حكم بمجيء الساعة ذكرَ الدليلَ عليه، وهو أنه لولا القيامة لما تميز المطيع من العاصي، وهو المعنيُّ بقوله: {أية : أَمْ نَجْعَلُ ٱلْمُتَّقِينَ كَٱلْفُجَّارِ} تفسير : [ص: 28]. واحتجت المعتزلة بهذه الآية على أن الثواب مستحق على العمل، لأن (الباءَ) للإلصاق، فقوله: "بِمَا تَسْعَى" يدل على أن المؤثر في ذلك الجزاء هو ذلك السعي واحتجوا بها أيضاً على أن فعل العبد غير مخلوق لله تعالى، لأن الآية صريحة في إثبات سعي العبد، ولو كان الفعل مخلوقاً لله تعالى لم يكن للعبد سعي أَلبتة". قوله: {فَلاَ يَصُدَّنَكَ عَنْهَا مَن لاَ يُؤْمِنُ بِهَا} من لا يؤمن هو المنهي صورة، والمراد غيره، فهو من باب: لا أَرَينَّك هَهُنا. وقيل: إن صدَّ الكافرين عن التصديق بها سبب للتكذيب، فذكر السبب ليدل على المسبب. والضميران في "عَنْهَا" و "بِهَا" للسَّاعة قاله ابن عباس: وذلك لأنه يجب عود الضمير إلى أقرب مذكور وهو هنا الساعة. وقيل: للصلاة. وقال أبو مسلم: الضمير في (عَنْهَا) للصَّلاة، وفي (بِهَا) للسَّاعة، قال: وهذا جائز في اللغة، فالعرب تلف الخبرين ثم ترمي بجوابهما جملة ليرد السامع إلى كل خبر حقه. وأجيب بأنَّ هذا إنما يصار إليه عند الضرورة ولا ضرورة (ههنا). قوله: "فَتَرْدَى" يجوز فيه أن ينتصب في جواب النهي بإضمار (أَنْ) وأن يرتفع على خبر ابتداء مضمر تقديره: فَأَنْتَ تَرْدَى. وقرأ يحيى: "تِرْدَى" بكسر التاء، وقد تقدم أنها لغة والرَّدَى الهلاك يقال: رَدِيَ يَرْدَى رَدًى، قال دُرَيْد (بن الصمة): شعر : 3650- تَنَادَوْا فَقَالُوا أَرْدَتِ الخَيْلُ فَارِسَاً فَقُلْتُ أَعَبْدَ اللهِ ذلِكُمُ الرَّدِي تفسير : فصل الخطابُ في قوله: "فَلاَ يَصُدَّنَّكَ" يحتمل أن يكون مع موسى، وأن يكون مع محمد - عليهما السلام -. والأقرب أنه مع موسى - عليه السلام -، لأنَّ جميع الكلام خطاب له. وعلى كلا الوجهين فلا معنى لقول الزجاج: إنَّه ليس بمراد وإنما أريد به غيره، وذلك لأنه ظن أن النبيَّ - عليه السلام - لما لم يجز عليه مع النُّبَوَّة أن يصده أحد عن الإيمان بالساعة لم يجز أن يكون مخاطَباً بذلك، وليس الأمر كما ظن، لأنه إذا كانَ مكلَّفاً بأنْ لا يقبلَ الكفر بالساعة من أحد وكان قادراً على ذلك جاز أن يخاطب به، (ويكون المراد) هو وغيره. ويحتمل أيضاً أن يكون المراد بقوله: {فَلاَ يَصُدنَّكَ عَنْهَا} النهي عن الميل إليهم ومقاربتهم. فصل المقصودُ نَهْيُ موسى - عليه السلام - عن التكذيب بالبعث، ولكن الظاهر اللفظ يقتضي نهيَ منْ لم يؤمن عن صدِّ موسَى - عليه السلام - وفيه وجهان: أحدهما: أن صدَّ الكافر عن التصديق بها سببٌ للتكذيب، فذكر السبب ليدل على المسبب. (ذلك أن صد الكافر مسبب عن رخاوة الرَّجُل في الدِّين، فذكر المسبب ليدل حمله على السبب) كقولهم: لاَ أَريَنَّكَ هَهُنا. المراد نهيه عن مشاهدته والكون بحضرته فهكذا ههنا، كأنه قيل: لا تكن رخواً بل كن في الدين شديداً. فصل دلَّت الآية على وجوب تعلم علم الأصول، لأن قوله: "فَلاَ يَصُدّنَّكَ" يرجع معناه إلى صلابته في الدين، وتلك الصلابة إن كان المراد بها التقليد لم يتميز المبطل فيه عن المحق، فلا بد وأن يكون المراد بهذه الصلابة كونه قوياً في تقرير الدلائل، وإزالة الشبهات حتى لا يتمكن الخصم من إزالته عن الدين بل يكون هو متمكناً من إزالة المبطل عن بطلانِه. (فصل) قوله: "فَلاَ يَصُدنَّكَ" يدل على أن العبادَ هُمُ الذين يصدون، ولو كان تعالى هو الخالق لأفعالهم لكان هو الصَّادُّ دونهم، فدل ذلك على بطلان القول بالجبر. وأجيب بالمعارضة بمسألة العلم (والداعي). ثم قال تعالى: "واتَّبَعَ هَوَاهُ" والمعنى أن منكر البعث إنَّما أنكره اتباعاً للهوى لا للدليل، وهذا من أعظم الدلائل على فساد التقليد، لأن المقلّد متبعٌ للهوى (لا للحجة) ثم قال: "فَتَرْدَى" أي: فتهلك.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {إن الساعة آتية أكاد أخفيها} يقول: لا أظهر عليها أحداً غيري. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {إن الساعة آتية أكاد أخفيها} قال: أكاد أخفيها من نفسي. وأخرج عبد بن حميد وابن الأنباري في المصاحف، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: {أكاد أخفيها} قال: من نفسي. وأخرج ابن أبي حاتم وابن الأنباري، عن ابن عباس رضي الله عنهما: أنه قرأ "أكاد أخفيها من نفسي". يقول: لأنها لا تخفى من نفس الله أبداً. وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي رضي الله عنه قال: ليس من أهل السموات والأرض أحد إلا وقد أخفى الله عنه علم الساعة، وهي في قراءة ابن مسعود "أكاد أخفيها عن نفسي". يقول: أكتمها من الخلائق حتى لو استطعت أن أكتمها من نفسي لفعلت. وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه قال: في بعض القراءة "أكاد أخفيها عن نفسي". قال: لعمري، لقد أخفاها الله من الملائكة المقربين، ومن الأنبياء والمرسلين. وأخرج عبد بن حميد، عن أبي صالح في قوله: {أكاد أخفيها} قال: يخفيها من نفسه. وأخرج ابن أبي حاتم وابن الأنباري، عن ورقاء قال: أقرأنيها سعيد بن جبير {أكاد أخفيها} يعني بنصب الألف وخفض الفاء. يقول: أظهرها. ثم قال أما سمعت قول الشاعر: شعر : دأت شهرين ثم شهراً دميكاً ما دميكين يخفيان عميرا تفسير : وأخرج ابن الأنباري، عن الفراء قال: في قراءة أبي بن كعب رضي الله عنه "أكاد أخفيها من نفسي فكيف أطلعكم عليها". وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: {لتجزى كل نفس بما تسعى} قال: لتعطى ثواب ما تعمل. أخرج ابن أبي حاتم، عن الشعبي رضي الله عنه وابن شبرمة قال: إنما سمي هوى، لأنه يهوي بصاحبه إلى النار. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس: عصا موسى - قال - : أعطاه إياها ملك من الملائكة، إذ توجه إلى مدين فكانت تضيء له بالليل، ويضرب بها الأرض فيخرج له النبات، ويهش بها على غنمه ورق الشجر. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن زيد في قوله: {هي عصاي أتوكأ عليها} قال: إذا مشى مع غنمه. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن عكرمة رضي الله عنه في قوله: {وأهش بها على غنمي} قال: أضرب بها الشجر فيتساقط منه الورق على غنمي. وأخرج ابن أبي حاتم، عن عمرو بن ميمون في قوله: {وأهش بها على غنمي} قال: الهش أن يخبط الرجل بعصاه الشجر، فيتساقط الورق. وأخرج ابن أبي حاتم، عن عمرو بن ميمون قال: الهش، العصا بين الشعبتين، ثم يحركها حتى يسقط الورق، والخبط، أن يخبط حتى يسقط الورق. وأخرج ابن أبي حاتم، عن مالك بن أنس قال: الهش، أن يضع الرجل المحجن في الغصن، ثم يحركه حتى يسقط ورقه وثمره، ولا يكسر العود، فهذا الهش ولا يخبط. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر، عن قتادة في قوله: {وأهش بها على غنمي} قال: أخبط بها الشجر. {ولي فيها مآرب أخرى} قال: حاجات أخرى. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {ولي فيها مآرب أخرى} قال: حوائج. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: {مآرب أخرى} قال: حاجات ومنافع. وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي رضي الله عنه في قوله: {مآرب أخرى} يقول: حوائج أخرى، أحمل عليها المزود والسقاء. وأخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: {ولي فيها مآرب أخرى} قال: كانت تضيء له بالليل، وكانت عصا آدم عليه السلام. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس: {فألقاها فإذا هي حية تسعى} ولم تكن قبل ذلك حية، فمرت بشجرة فأكلتها، ومرت بصخرة فابتلعتها، فجعل موسى يسمع وقع الصخرة في جوفها فـ {أية : ولى مدبراً} تفسير : [النمل: 10] فنودي أن يا موسى خذها فلم يأخذها ثم نودي الثانية أن {خذها ولا تخف} فقيل له في الثالث: {أية : إنك من الآمنين} تفسير : [القصص: 31] فأخذها. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما {سنعيدها سيرتها الأولى} قال: حالتها الأولى. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: {سنعيدها سيرتها الأولى} قال: هيئتها الأولى: {واضمم يدك إلى جناحك} قال: أدخل كفك تحت عضدك {تخرج بيضاء من غير سوء} قال: من غير برص. وأخرج ابن جرير وابن المنذر، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {من غير سوء} قال: من غير برص. وأخرج ابن أبي حاتم، عن الحسن رضي الله عنه قال: أخرجها كأنها مصباح، فعلم موسى أنه قد لقي ربه، ولهذا قال تعالى: {لنريك من آياتنا الكبرى}.
القشيري
تفسير : الفائدة في تعريف العِباد بِقُرْب الساعةِ أن يستفيقوا من غفلات التفرقة، فإذا حضروا بقلوبهم - ففي حال استدامة الذكر - فما هو موعودٌ في الآجل أكثره للحاضرين موجودٌ في العاجل؛ والحاضرة لهم كالآخرة. وكذلك جعلوا من أمارات الاستقامة شهودَ الوقتِ قيامة.
اسماعيل حقي
تفسير : {ان الساعة آتية} تعليل لوجوب العبادة واقامة الصلاة. والساعة اسم لوقت تقوم فيه القيامة سمى بها لانها ساعة حقيقة يحدث فيها امر عظيم اى القيامة كائنة لا محالة وانما عبر عن ذلك بالاتيان تحقيقا لحصولها بابرازها فى معرض امر محقق متوجه نحو المخاطبين {أكاد أخفيها}. قال فى تفسير الجلالين استرها للتهويل والتعظيم واكاد صلة انتهى. وقال بعضهم كاد وان كان موضوعا للمقاربة الا انه من الله للتحقق والوجوب فالمعنى اريد اخفاء وقتها عن الخلق ليكونوا على الحذر منها كل وقت كما ان عسى فى قوله تعالى {أية : قل عسى ان يكون قريبا}تفسير : للقطع بقربه اى هو قريب. وفى الارشاد لا اظهرها بان اقول هى آتيةولولا ما فى الاخبار بذلك من اللطف وقطع الاعذار لما فعلت. وفى التأويلات النجمية اكاد اخفى الساعة واتيانها واخفى احوال الجنة ونعيمها واهوال النار وعذاب جحيمها لئلا تكون عبادتى مشوبة بطمع الجنة وخوف النار بل تكون خالصة لوجهى كما قال تعالى {أية : وما امروا الا ليعبدوا الله مخلصين له الدين}تفسير : وفى ذلك تهديد عظيم للعباد واظهار عزة وعظمة لنفسه الا انه سبقت رحمتى غضبى فما اخفيت الساعة واتيانها {لتجزى كل نفس بما تسعى} متعلقة بآتية وما بينهما اعتراض وما مصدرية اى بسعيها وعملها خيرا كان او شرا لتمييز المطيع من العاصى وتخصيص السعى بالذكر للايذان بان المراد بالذات من اتيانها هو الاثابة بالعبادة واما العقاب بتركها فمن مقتضيات سوء اختيار العصاة.
الجنابذي
تفسير : {إِنَّ ٱلسَّاعَةَ آتِيَةٌ} تعليلٌ لقوله: اقم الصّلٰوة لذكرى فانّ السّاعة فسّرت فى الاخبار بساعة ظهور القائم (ع)، وبساعة الموت، وبالقيامة، وهذه الثّلاث فى العالم الصّغير متّحدة فانّ ظهور الامام (ع) بملكوته لا يكون الاّ عند الموت الاختيارىّ كما انّه لا يكون الموت الاختيارىّ الاّ عند ظهور الامام (ع) وعند الموت يكون القيامة الصّغرى، وكما يكون ظهور الامام (ع) فى الموت الاختيارىّ يكون فى الموت الاضطرارىّ ايضاً كما فى الاخبار فعلى هذا كان المعنى اقم الصّلٰوة منتظراً لظهور الامام (ع) بملكوته لانّ ساعة ظهوره آتية لا محالة فانتظرها {أَكَادُ أُخْفِيهَا} قرئ بضمّ الهمزة من الاخفاء بمعنى جعل الشّىء خفيّاً، او بمعنى سلب الخفاء عن الشّيء، وقرئ بفتح الهمزة من خفاه بمعنى اظهره، ولكن فى الاخبار اشارة الى معنى السّتر، ولمّا كان ظهور السّاعة من الامور الخفيّة الّتى لا يطّلع عليها النّفوس الضّعيفة بل الكاملة الاّ صاحب الولاية المطلقة الّذى يطّلع على دقائق الامور وخفيّاتها ولذلك قال علىّ (ع): قد خصّصت بعلم المنايا والبلايا؛ فانّ المراد بالمنايا انواع موتات الانسان فى السّلوك وفى البرازخ، وانواع ظهورات السّاعة والقائم عجّل الله فرجه والمراد بالبلايا انواع الامتحانات للخلاص من حجب ظهور السّاعة والامتحان لظهور السّاعة فرّع العلم بكيفيّة ظهورها ووقت اتيانها وفى اخبارنا: اكاد اخفيها من نفسى، وقيل: اكاد اخفيها من نفسى هكذا نزلت، وانّه فى قراءة ابىٍّ كذلك، وهذه الكلمة تقال عند المبالغة فى اخفاء شيء من غير اعتبار واخفاءٍ من النّفس، او المراد بقوله تعالى: من نفسى: من خليفتى، فانّ خليفته فى الارض بمنزله نفسه {لِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَىٰ} تعليل لقوله: انّ السّاعة آتية، لانّ ظهور القائم (ع) يوجب اعطاء كلّ ذى حقّ حقّه، او تعليل لقوله: اكاد اخفيها لانّ فى الاخفاء وعدم الاظهار يحصل الابتلاءات والامتحانات والتّخليصات للسّالكين فى الدّنيا وللمسيئين فى البرازخ بعد الموت على ان يكون المراد بالسّاعة القيامة الكبرى والقيام عند الامام بعد الخلاص ممّا عليه من شوائب المساوى والابتلاءات جزاء ما فعله العبد باقتضاء نفسه ومشتهياتها، او تعليل لكليهما على سبيل التّنازع، والجزاء امّا بعين ما تسعى بناءً على تجسّم الاعمال، او بجزاء ما تسعى، وفى الآية على ما فسّرت اخيراً دلالة على ما قالته الصّوفيّة من انّ السّالك ينبغى ان يكون منتظراً لظهور صاحب الامر (ع) وان لا يكون منظوره من جملة اعماله الاّ ظهور صاحبه، وفى قوله: {أية : أَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِذِكْرِيۤ} تفسير : [طه:14] ايماء الى حصر المقصود من الاعمال فى الذّكر باعتبار مفهوم القيد.
الهواري
تفسير : قوله عز وجل: {إنَّ السَّاعَةَ ءَاتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا}. ذكروا عن ابن عباس قال: أكاد أخفيها من نفسي. ذكروا أنها في قراءة أبيّ: أكاد أخفيها من نفسي. قال بعضهم: قضى الله لا تأتيكم إلا بغتة. وقال بعضهم: (أَكَادُ أُخْفِيهَا) أي: لا أجعل عليها أدلّة ولا أعلاماً. وكل شيء أكاد فهو لم يفعله. وقد جعل الله عليها أدلة وأعلاماً. قوله عز وجل: {لِتُجْزَي كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى} أي: بما تعمل. قوله تعالى: {فَلاَ يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا} أي: عن الإِيمان بالساعة {مَن لاَّ يُؤمِنُ بِهَا} أي: من لا يصدّق بها {وَاتَّبَعَ هَوَاهُ} يعني شهوته {فَتَرْدَى} أي في النار. والتردّي التباعد من الله. وقال بعضهم: (فَتَرْدَى)، أي: فتهلك. قوله تعالى: {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى} يسأله عن العصا التي في يده اليمنى، وهو أعلم بها. قال موسى: {هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي} قال بعضهم: يهش بها على غنمه ورق الشجر، [أي يخبط بها ورق الشجر لغنمه]. {وَلِيَ فِيهَا مَئَارِبُ أُخْرَى} أي: حوائج أخرى. بلغنا أن من تلك الحوائج الأخرى أنه كان يستظل بها.
اطفيش
تفسير : {إنَّ السَّاعَةَ} يوم القيامة {آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا} عن الناس بلا أذكر لهم أنها آتية ولولا اللطف وقطع العذر ما أخبرت بإتيانها. أو المراد بإتيانها قربها فلولا ذلك ما أخبرت بقربها أو أكاد أخفيها بأن لا أجعل علامات ودلائل. وذلك لفرط إرادتى إخفاءها أو أخفى مضاع أخفى الذى همزته للسلب، أى أكاد أزيل خفاءها، بأن أظهرها. ويؤيده قراءة أبى الدرداء وسعيد بن جبير. قيل: وابن كثير وعاصم فتح الهمزة على أنه مضارع خفاء الثلاثى المفتوح الفاء الذى بمعنى أظهره. وقد ذكر هذا المعنى أهل اللغة وبعض شراح اللامية. وقيل: أكاد أخفيها عن نفسى فكيف يعلمها المخلوق. وذلك مبالغة على عادة العرب إذا بالغوا فى كتم شئ وإلا فلا يمكن كتم الشئ عن النفس. وروى هذا عن ابن عباس ونسب للأكثرين قيل: وهو باطل لعدم دليل على ما حذف فيه. قال جار الله: والذى غرهم أن فى مصحف أُتى أكاد أخفيها من نفسى. وفى بعض المصاحف أكاد أخفيها من نفسى فكيف أظهركم عليها! وقالت فرقة: أكاد بمعنى أريد فالأصل أن أخفيها حذفت أن وارتفع الفعل واستشهدوا بقوله: شعر : * كادت وكدت وتلك خير إرادة * تفسير : {لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى} من خير أو شر وما اسم موصول أو حرف موصول واللام متعلقة بآتية. وإن فسرنا الإخفاء بالإحضار تعلقت به أى أكاد أحضرها للجزاء وإنما أخفاها وسترها تهويلا وتفخيما؛ لأنهم إذا لم يعلموا أيان مرساها كانوا على حذر فى كل وقت كما أخفى وقت موت الإنسان.
الالوسي
تفسير : {إِنَّ ٱلسَّاعَةَ ءاتِيَةٌ } تعليل لوجوب العبادة وإقامة الصلاة أي كائنة لا محالة، وإنما عبر عن ذلك بالإتيان تحقيقاً لحصولها بإبرازها في معرض أمر محقق متوجه نحو المخاطبين {أَكَادُ أُخْفِيهَا } أقرب أن أخفي الساعة ولا أظهرها بأن أقول إنها آتية ولولا أن [ما] في الإخبار بذلك من اللطف وقطع الأعذار لما فعلت، وحاصله أكاد أبالغ في إخفائها فلا أجمل كما لم أفصل، والمقاربة هنا مجاز كما نص عليه أبو حيان أو أريد إخفاء وقتها المعين وعدم إظهاره وإلى ذلك ذهب الأخفش وابن الأنباري وأبو مسلم، ومن مجىء كاد بمعنى أراد كما قال ابن جني في «المحتسب» قوله:شعر : كادت وكدت وتلك خير إرادة لو عاد من لهو الصبابة ما مضى تفسير : وروي عن ابن عباس وجعفر الصادق رضي الله تعالى عنهما أن المعنى أكاد أخفيها من نفسي، ويؤيده أن في مصحف أبـي كذلك، وروى ابن خالويه عنه ذلك بزيادة فكيف أظهركم عليها، وفي بعض القراآت بزيادة فكيف أظهرها لكم، وفي مصحف عبد الله بزيادة فكيف يعلمها مخلوق وهذا محمول على ما جرت به عادة العرب من أن أحدهم إذا أراد المبالغة في كتمان الشيء قال: كدت أخفيه من نفسي ومن ذلك قوله:شعر : أيام تصحبني هند وأخبرها ما كدت أكتمه عني من الخبر تفسير : ونحو هذا من المبالغة قوله صلى الله عليه وسلم في حديث السبعة الذين يظلهم تحت ظله«حديث : ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه»تفسير : وبجعل ذلك من باب المبالغة يندفع ما قيل إن إخفاء ذلك من نفسه سبحانه محال فلا يناسب دخول كاد عليه، ولا حاجة لما قيل: إن معنى من نفسي من تلقائي ومن عندي، والقرينة على هذا المحذوف إثباته في المصاحف، وكونه قرينة خارجية لا يضر إذ لا يلزم في القرينة وجودها في الكلام. وقيل: الدليل عليه أنه لا بد لأخفيها من متعلق وهو من يخفى منه. ولا يجوز أن يكون من الخلق لأنه تعالى أخفاها عنهم لقوله سبحانه: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ } تفسير : [لقمان: 34] فيتعين ما ذكر. وفيه أن عدم صحة تقدير من الخلق ممنوع لجواز إرادة إخفاء تفصيلها وتعيينها مع أنه يجوز أن لا يقدر له متعلق، والمعنى أوجد إخفاءها ولا أقول: إنها آتية. وقال أبو علي: المعنى أكاد أظهرها بإيقاعها على أن أخفيها من ألفاظ السلب بمعنى أزيل خفاءها أي ساترها وهو في الأصل ما يلف به القربة ونحوها من كساء وما يجري مجراه. ومن ذلك قول امرىء القيس:شعر : فإن تدفنوا الداء لا نخفه وإن توقدوا الحرب لا نقعد تفسير : ويؤيده قراءة أبـي الدرداء وابن جبير والحسن ومجاهد وحميد ورويت عن ابن كثير وعاصم {أخفيها } بفتح الهمزة فإن خفاه بمعنى أظهره لا غير في المشهور، وقال أبو عبيدة كما حكاه أبو الخطاب أحد رؤساء اللغة: خفيت وأخفيت بمعنى واحد. ومتعلق الإخفاء على الوجه السابق في تفسير قراءة الجمهور والإظهار ليس شيئاً واحداً حتى تتعارض القراءتان. وقالت فرقة: خبر كاد محذوف أكاد آتي بها كما حذف في قول ضابـىء البرجمي:شعر : / هممت ولم أفعل وكدت وليتني تركت على عثمان تبكي حلائله تفسير : أي وكدت أفعل وتم الكلام ثم استأنف الإخبار بأنه تعالى يخفيها، واختاره النحاس وقالت فرقة أخرى: {أَكَادُ } زائدة لا دخول لها في المعنى بل المراد الإخبار بأن الساعة آتية وإن الله تعالى يخفي وقت إتيانها. وروي هذا المعنى عن ابن جبير. واستدلوا على زيادة كاد بقوله تعالى: {أية : لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا } تفسير : [النور: 40]. ويقول زيد الخيل:شعر : سريع إلى الهيجاء شاك سلاحه فما أن يكاد قرنه يتنفس تفسير : ولا حجة في ذلك كما لا يخفى. {لِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَىٰ } متعلق بآتية كما قال صاحب «اللوامح» وغيره وما بينهما اعتراض لا صفة حتى يلزم إعمال اسم الفاعل الموصوف وهو لا يجوز على رأي البصريين أو بأخفيها على أن المراد أظهرها لا على أن المراد أسترها لأنه لا وجه لقولك: أسترها لأجل الجزاء، وبعضهم جوز ذلك، ووجهه بأن تعمية وقتها لتنتظر ساعة فساعة فيحترز عن المعصية ويجتهد في الطاعة. وتعقب بأنه تكلف ظاهر مع أنه لا صحة له إلا بتقدير لينتظر الجزاء أو لتخاف وتخشى، وما مصدرية أي لتجزى بسعيها وعلمها إن خيراً فخير وإن شراً فشر. وهذا التعميم هو الظاهر، وقيل: لتجزى بسعيها في تحصيل ما ذكر من الأمور المأمور بها، وتخصيصه في معرض الغاية لإتيانها مع أنه لجزاء كل نفس بما صدر عنها سواء كان سعياً فيما ذكر أو تقاعداً عنه بالمرة أو سعياً في تحصيل ما يضاده للإيذان بأن المراد بالذات من إتيانها هو الإثابة بالعبادة، وأما العقاب بتركها فمن مقتضيات سوء اختيار العصاة وبأن المأمور به في قوة الوجوب والساعة في شدة الهول والفظاعة بحيث يوجبان على كل نفس أن تسعى في الامتثال بالأمر وتجد في تحصيل ما ينجيها من الطاعات و[حينئذ] تحترز عن اقتراف ما يرديها من المعاصي انتهى. ولا يخفى ما فيه، وقيل: ما موصولة أي بالذي تسعى فيه، وفيه حذف العائد المجرور بالحرف مع فقد شرطه. وأجيب بأنه يجوز أن يكون القائل لا يشترط، وقيل: يقدر منصوباً على التوسع.
الواحدي
تفسير : {إنَّ الساعة} القيامة {آتية أكاد أخفيها} أسترها للتَّهويل والتَّعظيم، و "أكادُ" صلةٌ {لتجزى} في ذلك اليوم {كل نفس بما تسعى} تعمل. {فلا يصدنك} يمنعنَّك {عنها} عن الإِيمان بالسَّاعة {مَنْ لا يؤمن بها واتبع هواه} مراده {فتردى} فتهلك. {وما تلك} وما التي {بيمينك} في يدك اليمنى؟ {قال هي عصاي أتَوَكَّؤُاْ عليها} أتحامل عليها عند المشي والإِعياء {وأهش} أخبط الورق عن الشَّجر {بها على غنمي ولي فيها مآرب أخرى} حاجاتٌ أخرى سوى التَّوَكُّؤِ والهشِّ.
د. أسعد حومد
تفسير : {آتِيَةٌ} (15) - إِنَّ السَّاعَةَ آتيةٌ لاَ مَحَالَةَ وَلاَ شَكَّ فِي ذلِكَ، وَإِنَّهُ تَعَالَى لاَ يُطْلِعُ أَحَداً مِنْ خَلْقِهِ عَلَى مَوْعِدِهَا، حَتَّى إِنَّهُ لَيَكَادُ يُخْفِيهَا عَنْ نَفْسِهِ الكَرِيمَةِ (أَكَادُ أُخْفِيهَا)، فَهِيَ مِمَّا اسْتَأَثَرَ اللهُ بِعِلْمِهِ وَحْدَهُ، لِيَبْقَى النَّاسُ عَلَى حَذَرٍ بِاسْتِمْرَارٍ، وَإِنَّهُ تَعَالَى سَيُقِيمُ السَّاعَةَ، وَيَحْشُرُ النَّاسَ لِلْحِسَابِ، لِيَجْزِيَ كُلَّ نَفْسٍ بِمَا عَمِلَتْ وَكَسَبَتْ. السَّاعَةَ - القِيَامَةَ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : أي: مع ما سبق وَطِّنْ نفسك على أن الساعة آتية لا محالةَ، والساعة هنا هي عمر الكون كله، أمّا أعمار المكين في الكون فمتفاوته، كل حسب أجله، فمَنْ مات فقد قامت قيامته وانتهت المسألة بالنسبة له. إذن: نقول: الساعة نوعان: ساعة لكُلٍّ منا، وهي عمره وأجَله الذي لا يعلم متى سيكون، وساعة للكون كله، وهي القيامة الكبرى. فقوله تعالى: {إِنَّ ٱلسَّاعَةَ آتِيَة} [طه: 15] أي: اجعل ذلك في بالك دائماً، وما دام الموت سينقلك إليها سريعاً فإياك أنْ تقول: سأموت قريباً، أما القيامة فبعد آلاف أو ملايين السنين؛ لأن الزمن مُلغىً بعد الموت، كيف؟ الزمن لا يضبطه إلا الحدث، فإن انعدم الحدث فقد انعدم الزمن، كما يحدث لنا في النوم، وهل تستطيع أنْ تُحدِّد الوقت الذي نمْتَه؟ لذلك قال الحق سبحانه وتعالى: {أية : كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوۤاْ إِلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا}تفسير : [النازعات: 46]. والعبد الذي أماته الله مائة عام لما بعثه قال: يوماً أو بعض يوم، وكذلك قال أهل الكهف بعد ثلاثمائة سنة وتسع، لأن يوماً أو بعض يوم هي أقْصى ما يمكن تصوُّره للنائم حين ينام؛ لذلك نقول: "مَنْ مات فقد قامت قيامته". ومن حكمته سبحانه أن أخفى الساعة، أخفاها للفرد، وأخفاها للجميع؛ وربما لو عرف الإنسان ساعته لقال: أفعل ما أريد ثم أتوب قبل الموت؛ لذلك أخفاها الحق - تبارك وتعالى - لنكون على حذر أنْ نلقى الله على حال معصية. وكذلك أخفى الساعة الكبرى، حتى لا تأخذ ما ليس لك من خَلْق الله، وتنتفع به ظُلْماً وعدواناً، وتعلم أنك إنْ سرقتَ سترجع إلى الله فيحاسبك، فما دُمْتَ سترجع إلى الله فاستقِمْ وعَدِّل من سلوكك، كما يقول أهل الريف (ارع مساوي). وقوله تعالى: {آتِيَةٌ} [طه: 15] أي: ليس مَأْتِياً بها، فهي الآتية، مع أن الحق - تبارك وتعالى - هو الذي سيأتي بها، لكن المعنى (آتية) كأنها منضبطة (أوتوماتيكيا)، فإنْ جاء وقتها حدثتْ. وقوله تعالى: {أَكَادُ أُخْفِيهَا} [طه: 15] كاد: أي: قَرُب مثل: كاد زيد أن يجيء أي: قَرُب لكنه لم يأْتِ بعد، فالمراد: أقرب أن أخفيها، فلا يعلم أحد موعدها، فإذا ما وقعتْ فقد عرفناها. كما قال تعالى: {أية : إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَآ إِلاَّ هُوَ ..}تفسير : [الأعراف: 187]. وقد تكون {أُخْفِيهَا} [طه: 15] بمعنى آخر، فبعض الأفعال الثلاثية تُعطى عكس معناها عند تضعيف الحرف الثاني منها، كما في: مرض أي: أصابه المرض. ومرَّضه الطبيب. أي: عالجه وأزال مرضه. وقَشَرتُ الشيء أي: جعلْتُ له قشرة، وقشَّرتُ البرتقالة أزلْتُ قِشْرها. ومن ذلك قوله تعالى: {أية : تَالله تَفْتَؤُاْ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّىٰ تَكُونَ حَرَضاً}تفسير : [يوسف: 85] والحَرض: هو الهلاك. من: حَرِض مثل: تَعب. وقوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ حَرِّضِ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَى ٱلْقِتَالِ}تفسير : [الأنفال: 65]. ومعنى (حَرِّض) حثَّهم على القتال، الذي يُزيل عنهم الهلاك أمام الكفار؛ لأنهم إنْ لم يجاهدوا هلكوا، فَحرِض: هلك، وحرَّض: أزال الهلاك. وقد يأتي مضاد الفعل بزيادة الهمزة على الفعل مثل: {أية : وَأَمَّا ٱلْقَاسِطُونَ فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَباً}تفسير : [الجن: 15] فالقاسط من قسط. أي: الجائر بالكفر. أما في قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ}تفسير : [المائدة: 42] فالمقسط من أقسط: العادل الذي يُزيل الجوْرَ. وإنْ كانت المادة واحدة هي (قَسَط) فالمصدر مختلف نقول: قسط قِسْطاً أي: عدل، وقسط قَسْطاً وقسوطاً يعني: جار. فهذه الهمزة في أقسط تسمى "همزة الإزالة". ومن الفعل الثلاثي قَسَطَ يستعمل منها: القسط والميزان والفرق بين قَسَط وأقسط: قسط أي: عدل من أول الأمر وبادىء ذي بَدْء، إنما أقسط: إذا وجد ظُلْماً فرفعه وأزاله، فزاد على العدل أنْ أزال جَوْراً. وأيضاً الفعل (عجم) عجم الأمر: أخفاه، وأعجمه: أزال خفاءه. ومن ذلك كلمة المعجم الذي يزيل خفاء الكلمات ويُوضِّحها. وكذلك في قوله تعالى: {أَكَادُ أُخْفِيهَا ..} [طه: 15] خفى بمعنى: استتر وأخفاها: أزال خفاءها، ولا يُزَال خفاء الشيء إلا بإعلانه. ثم يقول تعالى: {لِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَىٰ} [طه: 15]. وإلا لو لم يكُنْ في الآخرة حساب وجزاء لَكَان الذين أسرفوا على أنفسهم وعربدوا في الوجود أكثر حظاً من المؤمنين المتلزمين بمنهج الله؛ لذلك في نقاشنا مع الشيوعيين قُلْنا لهم: لقد قتلتم مَنْ أدركتموه من أعدائكم من الرأسماليين، فما بال مَنْ مات ولم تدركوه؟ وكيف يفلت منكم هؤلاء؟ لقد كان أَوْلَى بكم أن تؤمنوا بمكان آخر لا يفلت منه هؤلاء، وينالون فيه جزاءهم، إنها الآخرة التي تُجزَى فيها كُلُّ نفس بما تسعى. ثم يقول الحق سبحانه: {فَلاَ يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَن لاَّ يُؤْمِنُ ...}.
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أَخبرنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن عطاءِ بن السائب، عن سعيد بن جبير: {أَكَادُ أُخْفِيهَا} [الآية: 15]. أَي من نفسي. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد مثله. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {مَآرِبُ أُخْرَىٰ} [الآية: 18]. يعني: حاجات ومنافع. أَنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: حدثنا آدم، قال نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {سَنُعِيدُهَا سِيَرتَهَا ٱلأُولَىٰ} [الآية: 21]. يعني: هيئتها الأُولى. أَنا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {وَٱضْمُمْ يَدَكَ إِلَىٰ جَنَاحِكَ} يعني كفه {إِلَىٰ جَنَاحِكَ}: يعني تحت عضده. [الآية: 22]. أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوۤءٍ} [الآية: 23]. يعني: من غير برص.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {أَكَادُ أُخْفِيهَا} معناهُ أُظهرُها. وأُخفِيهَا: أكتُمُهَا. وهما ضدٌّ. وخَفيتُ: أَظهرتُ.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : { إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ } أي: لا بد من وقوعها { أَكَادُ أُخْفِيهَا } أي: عن نفسي كما في بعض القراءات، كقوله تعالى: {أية : يَسْأَلَكَ الناس عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ الله } تفسير : وقال: {أية : وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ } تفسير : فعلمها قد أخفاه عن الخلائق كلهم، فلا يعلمها ملك مقرب، ولا نبي مرسل، والحكمة في إتيان الساعة { لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى } من الخير والشر، فهي الباب لدار الجزاء {أية : لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى }.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 600 : 7 : 17 - سفين في قوله {إِنَّ ٱلسَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا} أي من نفسي. [الآية 15].
همام الصنعاني
تفسير : 1807- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة قال: إنَّ في بعض الحروف، {إِنَّ ٱلسَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا}، الآية: 15].
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):