٢٠ - طه
20 - Ta-Ha (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
24
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {ٱذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ } لما آنسه بالعصا واليد، وأراه ما يدل على أنه رسول، أمره بالذهاب إلى فرعون، وأن يدعوه. «طغى» معناه عصى وتكبر وكفر وتجبر وجاوز الحد. {قَالَ رَبِّ ٱشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِيۤ أَمْرِي * وَٱحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي * يَفْقَهُواْ قَوْلِي * وَٱجْعَل لِّي وَزِيراً مِّنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي} طلب الإعانة لتبليغ الرسالة. ويقال: إن الله أعلمه بأنه ربط على قلب فرعون وأنه لا يؤمن؛ فقال موسى: يا رب فكيف تأمرني أن آتيه وقد ربطت على قلبه؛ فأتاه ملك من خزان الريح فقال: يا موسى انطلق إلى ما أمرك الله به. فقال موسى عند ذلك: {رَبِّ ٱشْرَحْ لِي صَدْرِي} أي وسِّعه ونوّره بالإيمان والنبوّة. {وَيَسِّرْ لِيۤ أَمْرِي } أي سهّل عليّ ما أمرتني به من تبليغ الرسالة إلى فرعون. {وَٱحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي } يعني العجمة التي كانت فيه من جمرة النار التي أطفأها في فِيهِ وهو طفل. قال ابن عباس: كانت في لسانه رُتَّة. وذلك أنه كان في حجر فرعون ذات يوم وهو طفل فلطمه لطمة، وأخذ بلحيته فنتفها فقال فرعون لآسية: هذا عدوّي فهات الذبّاحين. فقالت آسية: على رِسْلك فإنه صبيّ لا يفرق بين الأشياء. ثم أتت بطَسْتين فجعلت في أحدهما جمراً وفي الآخر جوهراً، فأخذ جبريل بيد موسى فوضعها على النار حتى رفع جمرة ووضعها في فيه على لسانه، فكانت تلك الرتّة. وروي أن يده احترقت وأن فرعون اجتهد في علاجها فلم تبرأ. ولما دعاه قال: إلى أيّ ربٍّ تدعوني؟ قال: إلى الذي أبرأ يدي وقد عجزت عنها. وعن بعضهم: إنما لم تبرأ يده لئلا يدخلها مع فرعون في قَصْعة واحدة فتنعقد بينهما حرمة المؤاكلة. ثم اختلف هل زالت تلك الرتّة؛ فقيل: زالت بدليل قوله: {قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يٰمُوسَىٰ }. وقيل: لم تزل كلها؛ بدليل قوله حكاية عن فرعون: {أية : وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ} تفسير : [الزخرف: 52]. ولأنه لم يقل احلل كل لساني، فدل على أنه بقي في لسانه شيء من الاستمساك. وقيل: زالت بالكلية بدليل قوله: «أُوتِيتَ سُوْلَكَ» وإنما قال فرعون: {أية : وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ} تفسير : [الزخرف: 52] لأنه عرف منه تلك العقدة في التربية، وما ثبت عنده أن الآفة زالت. قلت: وهذا فيه نظر؛ لأنه لو كان ذلك لما قال فرعون: {وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ} حين كلمه موسى بلسان ذَلِق فصيح. والله أعلم. وقيل: إن تلك العقدة حدثت بلسانه عند مناجاة ربه، حتى لا يكلم غيره إلا بإذنه. {يَفْقَهُواْ قَوْلِي} أي يعلموا ما أقوله لهم ويفهموه. والفقه في كلام العرب الفهم. قال أعرابي لعيسى بن عمر: شهدت عليك بالفقه. تقول منه: فَقِه الرجل بالكسر. وفلان لا يَفْقَه ولا يَنْقَه. وأفقهتك الشيء. ثم خُصّ به علم الشريعة، والعالم به فقيه. وقد فَقُه بالضم فَقَاهَة وفَقَّهه الله وتَفَقَّه إذا تعاطى ذلك. وفاقهته إذا باحثته في العلم؛ قاله الجوهري. والوزير المؤازر كالأكيل المؤاكل؛ لأنه يحمل عن السلطان وزره أي ثقله. وفي كتاب النسائي عن القاسم بن محمد: سمعت عمتي تقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من ولي منكم عملاً فأراد الله به خيراً جعل له وزيراً صالحاً إن نسي ذَكَّره وإن ذَكَر أعانه»تفسير : . ومن هذا المعنى قوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : ما بعث الله من نبيّ ولا استخلف من خليفة إلا كانت له بطانتان بطانة تأمره بالمعروف وتحضّه عليه وبطانة تأمره بالشر وتحضه عليه فالمعصوم من عصمه الله» تفسير : رواه البخاري. فسأل موسى الله تعالى أن يجعل له وزيراً، إلا أنه لم يرد أن يكون مقصوراً على الوزارة حتى لا يكون شريكاً له في النبوّة، ولولا ذلك لجاز أن يستوزره من غير مسألة. وعَيَّن فقال: «هَرُونَ». وانتصب على البدل من قوله: «وَزِيراً». أو يكون منصوباً بـ«ـاجعل» على التقديم والتأخير، والتقدير: واجعل لي هارون أخي وزيراً. وكان هارون أكبر من موسى بسنة، وقيل: بثلاث. {ٱشْدُدْ بِهِ أَزْرِي } أي ظهري. والأزر الظهر من موضع الحَقْوين، ومعناه تقوى به نفسي؛ والأزر القوّة، وآزره قوّاه. ومنه قوله تعالى: {أية : فَآزَرَهُ فَٱسْتَغْلَظَ} تفسير : [الفتح: 29]. وقال أبو طالب:شعر : أليس أبونا هاشمٌ شَدَّ أَزْرَه وأَوْصى بنيه بالطِّعانِ وبالضَّرْبِ تفسير : وقيل: الأزر العون. أي يكون عوناً يستقيم به أمري. قال الشاعر:شعر : شَددتُ به أَزْرِي وأَيقنْتُ أَنَّهُ أخو الفقر من ضاقت عليه مذاهبُه تفسير : وكان هارون أكثر لحماً من موسى، وأتم طولاً، وأبيض جسماً، وأفصح لساناً. ومات قبل موسى بثلاث سنين. وكان في جبهة هارون شامة، وعلى أرنبة أنف موسى شامة، وعلى طرف لسانه شامة، ولم تكن على أحد قبله ولا تكون على أحد بعده، وقيل: إنها كانت سبب العقدة التي في لسانه. والله أعلم. {وَأَشْرِكْهُ فِيۤ أَمْرِي } أي في النبوة وتبليغ الرسالة. قال المفسرون: كان هارون يومئذٍ بمصر، فأمر الله موسى أن يأتي هو هارون، وأوحى إلى هارون وهو بمصر أن يتلقى موسى، فتلقاه إلى مرحلة وأخبره بما أوحى إليه؛ فقال له موسى: إن الله أمرني أن آتي فرعون فسألت ربي أن يجعلك معي رسولاً. وقرأ العامة «أخي ٱشْدُدْ» بوصل الألف «وَأَشْرِكْهُ» بفتح الهمزة على الدعاء، أي اشدد يا رب أزري، وأشركه معي في أمري. وقرأ ابن عامر ويحيـى بن الحارث وأبو حَيْوة والحسن وعبد الله بن أبي إسحاق «أَشْدُدْ» بقطع الألف «وَأُشرِكْه» [بضم الألف أي أنا أفعل ذلك أشدد أنا به أزري «وأشركه»] أي أنا يا رب «في أمري». قال النحاس: جعلوا الفعلين في موضع جزم جواباً لقوله: {وَٱجْعَل لِّي وَزِيراً} وهذه القراءة شاذة بعيدة؛ لأن جواب مثل هذا إنما يتخرج بمعنى الشرط والمجازاة؛ فيكون المعنى: إن تجعل لي وزيراً من أهلي أشدد به أزري، وأشركه في أمري. وأمره النبوة والرسالة، وليس هذا إليه صلى الله عليه وسلم فيخبر به، إنما سأل الله عز وجل أن يشركه معه في النبوة. وفتح الياء من «أَخِي» ابن كثير وأبو عمرو. {كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً } قيل: معنى «نسبحك» نصلي لك. ويحتمل أن يكون التسبيح باللسان. أي ننزهك عما لا يليق بجلالك. «وكَثِيراً» نعت لمصدر محذوف. ويجوز أن يكون نعتاً لوقت. والإدغام حسن؛ وكذا {وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً }. {إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيراً } قال الخطابي: البصير المبصر، والبصير العالم بخفيات الأمور، فالمعنى؛ أي عالماً بنا، ومدركاً لنا في صغرنا فأحسنت إلينا، فأحسن إلينا أيضاً كذلك يا رب.
البيضاوي
تفسير : {ٱذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ} بهاتين الآيتين وادعه إلى العبادة. {إِنَّهُ طَغَىٰ} عصى وتكبر.
المحلي و السيوطي
تفسير : {ٱذْهَبْ } رسولاً {إِلَىٰ فِرْعَوْنَ } ومن معه {إِنَّهُ طَغَىٰ } جاوز الحدّ في كفره إلى ادّعاء الألوهية.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {اذهب إلى فرعون إنه طغى} يعني جاوز الحد في العصيان والتمرد وإنما خص فرعون بالذكر مع أن موسى كان مبعوثاً إلى الكل لأنه ادعى الإلهية وتكبر متبوعاً فكان ذكره الأولى قال وهب: قال الله تعالى لموسى اسمع كلامي واحفظ وصيتي وانطلق برسالتي وإنك بعيني وسمعي وإن معك يدي وبصري وإني ألبسك حلة من سلطاني تستكمل بها القوة في أمري بعثتك بعزتي لولا الحجة التي وضعت بيني وبين خلقي لبطشت به بطشة جبار ولكن هان علي وسقط من عيني فبلغه رسالتي وادعه إلى عبادتي وحذره نقمتي {وقولا له قولاً ليناً} لا يغتر بلباس الدنيا فإن ناصيته بيدي ولا يتنفس إلا بعلمي قال فسكت موسى فجاء ملك وقال له أجب ربك {قال}. يعني موسى {رب اشرح لي صدري} يعني وسعه للحق، قال ابن عباس: يريد حتى لا أخاف غيرك، وذلك أن موسى كان يخاف فرعون خوفاً شديداً لشدة شوكته وكثرة جنوده، فكان يضيق بما كلف من مقاومة فرعون وحده، فسأل الله تعالى أن يوسع قلبه للحق حتى يعلم أن أحداً لا يقدر على مضرته إلا بإذن الله تعالى، وإذ علم ذلك لم يخف من فرعون وشدة شوكته وكثرة جنوده {ويسر لي أمري} أي سهل علي ما أمرتني به من تبليغ الرسالة إلى فرعون {واحلل عقدة من لساني} وذلك أن موسى كان في حجرة فرعون ذات يوم في صغره فلطم فرعون لطمة وأخذ بلحيته، فقال فرعون لامرأته آسية إن هذا عدوي وأراد أن يقتله، فقالت له آسية إنه صبي لا يعقل، وقيل إن أم موسى لما فطمته ردته إلى فرعون فنشأ في حجره وحجر امراته يربيانه واتخذاه ولداً، فبينما هو يلعب بين يدي فرعون وبيده قضيب إذ رفعه فضرب به رأس فرعون فغضب فرعون وتطير منه حتى همَّ بقتله، فقالت آسية: أيها الملك إنه صبي لا يعقل جربه إن شئت، فجاءت بطشتين في أحدهما جمر وفي الآخر جوهر فوضعها بين يدي موسى، فأراد أن يأخذ الجوهر فأخذ جبريل يد موسى فوضعها على الجمر فأخذ جمرة فوضعها في فيه فاحترق لسانه وصارت فيه عقدة {يفقهوا قولي} يعني احلل العقدة كي يفهموا قولي {واجعل لي وزيراً من أهلي} يعني معيناً وظهيراً، والوزير من يوازرك ويحتمل عنك بعض ثقل عملك ثم بين من هو فقال {هارون أخي} وكان هارون أكبر من موسى وأفصح لساناً وأجمل وأوسم وكان أبيض اللون وكان موسى آدم أقنى جعداً {اشدد به أزري} يعني قو به ظهري {وأشركه في أمري} يعني في أمر النبوة وتبليغ الرسالة {كي نسبحك كثيراً} يعني نصلي كثيراً {ونذكرك كثيراً} يعني نحمدك ونثني عليك بما أوليتنا من جميل نعمك {إنك كنت بنا بصيراً} يعني خبيراً عليماً {قال} الله تعالى {قد أوتيت سؤلك يا موسى} أي أعطيت جميع ما سألته {ولقد مننا عليك مرة أخرى} يعني قيل هذه المرة بين تلك المنة بقوله تعالى {إذ أوحينا إلى أمك ما يوحى} يعني ما يلهم ثم فسر ذلك الإلهام وعدد نعمه عليه فقال {أن اقذفيه في التابوت} يعني ألهمناها أن اجعليه في التابوت {فاقذفيه في اليم} يعني نهر النيل {فليلقه اليم بالساحل} يعني شاطىء البحر {يأخذه عدو لي وعدو له} يعني فرعون. فأخذت تابوتاً وجعلت فيه قطناً ووضعت فيه موسى, وقيرت رأسه وشقوقه ثم ألقته في النيل. وكان يشرع منه نهر كبير في دار فرعون. فبينما فرعون جالس على البركة مع امرأته آسية، إذ هو بتابوت يجيء به الماء فأمر الغلمان والجواري بإخراجه، فأخرجوه وفتحوا رأسه فإذا بصبي من أصبح الناس وجهاً، فلما رآه فرعون أحبه بحيث لم يتمالك نفسه وعقله فذلك قوله تعالى {وألقيت عليك محبة مني} قال ابن عباس: أحبه وحببه إلى خلقه، قيل ما رآه أحد إلا أحبه لملاحة كانت في عيني موسى {ولتصنع على عيني} لتربى ويحسن إليك وأنا مراعيك مراقبك كما يراعي الرجل الشيء بعينه إذا اعتنى به ونظر إليه {إذ تمشي أختك} واسمها مريم متعرفة خبره {فتقول هل أدلكم على من يكفله} أي على امرأة ترضعه وتضمه إليها، وذلك أنه كان لا يقبل ثدي امرأة فلما قالت لهم أخته ذلك قالوا نعم. فجاءت بالأم فقبل ثديها فذلك قوله تعالى {فرجعناك إلى أمك كي تقر عينها} أي بلقائك ورؤيتك {ولا تحزن} أي وليذهب عنها الحزن {وقتلت نفساً}. قال ابن عباس: كان قتل قبطياً كافراً قيل كان عمره إذ ذاك اثنتي عشر سنة {فنجيناك من الغم} أي من غم القتل وكربه {وفتناك فتوناً} قال ابن عباس: اختبرناك اختباراً وقيل ابتليناك ابتلاء، قال ابن عباس: الفتون وقوعه في محنة بعد محنة وخلصه الله تعالى، منها أولها أن أمه حملته في السنة التي كان فرعون يذبح فيها الأطفال، ثم إلقاؤه في البحر في التابوت، ثم منعه من الرضاع إلا من ثدي أمه، ثم أخذه بلحية فرعون حتى هم قتله، ثم ناوله الجمرة بدل الجوهرة، ثم قتله القبطي وخروجه إلى مدين خائفاً {فلبثت} أي مكثت {سنين في أهل مدين} هي بلدة شعيب على ثمان مراحل من مصر، هرب إليها موسى قال وهب: لبث موسى عند شعيب. ثمانياً وعشرين سنة عشر سنين منها يرعى الغنم مهر زوجته صفوراء ابنة شعيب وثمان عشرة سنة أقام عنده بعد ذلك حتى ولد له وخرج من مصر ابن اثنتي عشرة سنة هارباً {ثم جئت على قدر يا موسى} أي جئت على القدر الذي قدرت أن تجيء فيه. قيل على رأس أربعين سنة وهو القدر الذي يوحى إلى الأنبياء فيه.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {ٱذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ} لما أظهر له الآيات عقبها بأَنْ أمره بالذهاب إلى فرعون، وبيَّن العلة في ذلك، وهو أنه طغى، وإنما خص فرعون بالذكر مع أنه بُعِثَ موسى إلى الكل لأنه ادعى الإلهية وتكبَّر، وكان متبوعاً فكان ذكره أولى. ومعنى "طَغَى" جاوز الحد في العصيان والتمرد، فبلِّغْهُ رسالتي وادْعُهُ إلى عبادتي وحذِّرْهُ نِقمتي. قال موسى: {رَبِّ ٱشْرَحْ لِي صَدْرِي} وسّعه للحقّ. (قال ابن عباس): يريد حتى لا أخاف غيرك. والسبب في هذا السؤال ما حكى الله تعالى عنه في موضع آخر {أية : وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلاَ يَنطَلِقُ لِسَانِي} تفسير : [الشعراء: 13] وذلك أن موسى كان يخاف فرعون خوفاً شديداً، لشدة شوكته وكثرة جنوده، وكان يضيق صدراً (بما كُلِّفَ) من مقاومة فرعون فسأل الله تعالى أن يوسع قلبه حتى يعلم أن أحداً لا يقدر على مضرته إلا بإذن الله تعالى، وإذا علم ذلك لم يَخَفْ فرعون وشدة شوكته وكثرة جنوده. (قوله: "لي) صَدْرِي" متعلق بـ "اشْرَحْ"، قال الزمخشري: فإن قلت: (لي) في قوله: {ٱشْرَحْ لِي صَدْرِي وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي} ما جدواه والأمر مستتب بدونه. قلت: قد أبهم الكلام أولاً فقال: "اشْرَحْ لِي" "وَيَسِّرْ لِي" فعلم أن ثَمَّ مشروحاً وميسراً، ثم بين ورفع الإبهام بذكرهما، فكان آكد لطلب الشرح لصدره، والتيسير لأمره. ويقال: يَسَّرْتُهُ لكذا، ومنه "فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى" ويسرت له كذا، ومنه هذه الآية. قوله: {وَيَسِّرْ لِي أمْرِي} أي سَهِّل عليَّ ما أمرتني به من تبليغ الرسالة إلى فرعون. وذلك لأن كل ما يصدر من العبد من الأفعال، والأقوال والحركات، والسكنات فما لم يصر العبد مريداً له استحال أن يصير فاعلاً له، فهذه الإرادة صفة محدثة، ولا بد لها من فاعل، وفاعلها إن كان هو العبد افتقر في تحصيل تلك الإرادة إلى إرادة أخرى ولزم التسلسل بل لا بد من الانتهاء إلى إرادة يخلقها مدبر العالم ففي الحقيقة هو الميسر للأمور. قوله: {وَٱحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِسَانِي}، وذلك أن موسى كان في حجر فرعون ذات يوم في صغره، فلطم فرعون لطمةً، وأخذ بلحيته، فقال فرعون لآسية امرأته: إن هذا عدوِّي وأراد أن يقتله، فقالت آسية: إنه صبي لا يَعْقِل ولا يميز جَرِّبْه إن شئت، فجاء بطشتين في أحدهما جمر، والآخر جوهر، فوضعهما بين يدي موسى، فأراد أن يأخذ الجوهر، فأخذ جبريل عليه السلام يد موسى فوضعها على النار، فأخذ جمرة فوضعها في فيه، فاحترق لسانه، (وصارت عليه عقدة). وقيل: قرَّبا إليه ثمرةً وجمرة، فأخذ الجمرة فوضعها في فيه فاحترق لسانه. [قالوا]: ولم تحترق اليد، لأنها آلة أخذ العصا. وقيل: كان ذلك التعقد خلقة فسأل الله تعالى إزالته. واختلفوا في أنه لِمَ طلب حل العقدة؟ فقيل: لئلا يقع في خلل في أداء الوحي. وقيل: لئلا يستخف بكلامه فينفروا عنه ولا يلتفتوا إليه. وقيل: لإظهار المعجزة كما أن حبس لسان زكريا عن الكلام كان معجزاً في حقه، فكذا إطلاق لسان موسى - عليه السلام - معجز في حقه. فصل قال الحسن: إن تلك العقدة زالت بالكلية، لقوله تعالى: {أية : قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَٰمُوسَىٰ} تفسير : [طه:36]، وقيل: هذا ضعيف، لأنه عليه السلام لم يقل: واحْلُلْ العقدة من لساني بل قال: {وَٱحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي}، فإذا حل عقدة واحدة فقد آتاه الله سؤله، والحق أنه انحل أكثر العقد وبقي منها شيء لقوله حكاية عن فرعون {أية : أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ}تفسير : [الزخرف:52] مع بقاء قدر من الانعقاد في لسانه وأجيب عنه بوجهين: أحدهما: أن المراد بقوله: {وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ} أي لا يأتي ببيان وحجة. والثاني: أن (كَادَ) بمعنى قَرُبَ. فلو كَانَ المراد هو البيان اللساني، لكان معناه: أنه لا يقارب البيان، فكان فيه نفي البيان بالكلية، وذلك باطل، لأنه خاطب فرعون وقومه، وكانوا يفهمون، فكيف يمكن نفي البيان، بل إنما قالوا ذلك تمويهاً ليصرفوا الوجوه عنه. واعلم أن النطق فضيلة عظيمة، ويدل عليه وجوه: الأول: قوله تعالى: {أية : خَلَقَ ٱلإِنسَانَ عَلَّمَهُ ٱلبَيَانَ} تفسير : [الرحمن: 3، 4]، ولهذا قيل للإنسان: هو الحيوان الناطق. الثاني: اتفاق العقلاء على تعظيم أمر اللسان قال زهير: شعر : 3654- لِسَانُ الفَتَى نِصْفٌ وَنصْفٌ فؤاده فَلَمْ يَبْقَ إلاَّ صُورَةُ اللَّّحْمِ وَالدَّمِ تفسير : وقالوا: ما الإنسان لولا اللسان إلا بهيمة مرسلة. أي لو ذهب النطق اللساني لم يبق من الإنسان إلا القدر الحاصل في البهائم. وقالوا: المَرْءُ بأصغريه أي قلبِه ولسانِه. وقالوا: "المَرْءُ مَخْبُوءٌ تَحْتَ لِسَانِه". الثالث: أن في مناظرة آدم - عليه السلام - مع الملائكة ما ظهرت الفضيلة إلا بالنطق حيث قال: {أية : يَآءَادَمُ أَنبِئْهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ فَلَمَّآ أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِم قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ إِنِيۤ أَعْلَمُ غَيْبَ ٱلسَّمَٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ} تفسير : [البقرة: 33]. قوله: "مِنْ لِسَانِي" يجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه صفة لـ "عُقْدَة" أي: من عقد لساني، ولم يذكر الزمخشري غيره. ويجوز أن يتعلق بنفس "احلُلْ"، والأول أولى. قوله: {وٱجْعَلْ لِي وَزِيراً} يجوز أن يكون مفعولاً ثانياً مقدَّماً و "وَزِيراً" هو المفعول الأول، و "مِنْ أَهْلِي" على هذا يجوز أن يكون صفة لـ "وَزِيراً"، ويجوز أن يكون متعلقاً بالجعل، و "هَارونَ" بدل من "وَزِيراً" وجوَّز أبو البقاء أن يكون "هَارُونَ" عطف بيان لـ "وَزيراَ". ولم يذكر الزمخشري غيره. ولما حكى أبو حيان هذا لم يعقبه بنكير، وهو عجب منه فإنَّ عطفَ البيان يُشترط فيه التوافق تعريفاً وتنكيراً، وقد عرفت أن وزيراً نكرة، وهارون معرفة. والزمخشري قد تقدَّم له مثل ذلك في قوله تعالى: {أية : فِيهِ ءَايَاتٌ بَيِّـنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ} تفسير : [آل عمران: 97]، وتقدَّم الكلام معه هناك، وهو عائد هنا. ويجوز أن يكون "هارون" منصوباً بفعل محذوف كأنه قال: أخصُّ من بينهم هارون من بين أهلي ويجوز أن يكون "وَزيراً" مفعولاً ثانياً و "هارُونَ" هو الأول، وقدم الثاني عليه اعتناء بأمر الوزارة. وعلى هذا فقوله: "لِي" يجوز أن يتعلق بنفس الجعل، وأن يتعلق بمحذوف على أنه حال من "وَزيراً" إذ هو في الأصل صفة له، و "مِنْ أَهْلِي" على ما تقدم من وجهيه ويجوز أن يكون "وَزِيراً" مفعولاً أول، و "مِنْ أَهْلِي" هو الثاني. وقوله: "لِي" مثل قوله: {أية : وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ} تفسير : [الإخلاص: 4] يعنون أنه به يتم المعنى. ذكر ذلك أبو البقاء. ولما حكاه أبو حيان لم يعقبه بنكير، وهو عجب، لأن شرط المفعولين في باب النواسخ صحة انعقاد الجملة الاسمية، وأنت لو ابتدأت بوزير وأخبرت عنه بـ (مِنْ أَهْلِي) لم يجز، إذ لا مسوِّغ للابتداء به. و "أَخِي" بدل أو عطف بيان لـ "هَارُونَ". وقال الزمخشري: وإن جعل عطف بيان آخر جازِ وحَسُن. قال أبو حيَّان: ويبعُدُ فيه عطفُ البيان، لأن عطف البيانِ الأكثر فيه أن يكون الأول دونه في الشهرة، وهذا بالعكس. قال شهاب الدين: لم يُرِد الزمخشري أنَّ "أَخِي" عطفُ بيان لـ "هَارُونَ" حتى يقول الشيخ: إن الأول وهو "هَاروُنَ" أشهر من الثاني وهو "أَخِي"، إنما عنى الزمخشري أنه عطفٌ بيان أيضاً لـ "وزيراً"، ولذلك قال: آخر، ولا بد من الإتيان بلفظه ليعرف أنه لم يرد إلا ما ذكرته. قال: "وَزيراً" و "هَارُونَ" مفعولاً قوله: "اجْعَلْ"، أوْ "لي وَزِيراً" مفعولاه، و "هَارونَ" عطفُ بيان للوزير، و "أخِي" في الوجهين بدل من "هَاروُنَ"، وإن جعل عطف بيان آخر جازَ وحَسُن فقوله: (آخر) يُعَينُ أن يكون عطفَ بيان لما جُعِل عنه عطف بيان قبل ذلك. وجوَّز الزمخشري (في "أَخِي") أن يرتفع بالابتداء، ويكون خبره الجملة من قوله: "اشْدُدْ بِهِ"، وذلك على قراءة الجمهور له بصيغة الدعاء، وعلى هذا فالوقف على "هَارُونَ". وقرأ ابن عامر "أَشْدُد" للمضارعة، وجزم الفعل جواباً للأمر، "وَأُشْرِكْهُ" بضم الهمزة للمضارعة، وجزم الفعل نسقاً على ما قبله حكاية عن موسى: أنا أفعل ذلك. وقرأ الباقون بحذف همزة الوصل من الأول، وفتح همزة القطع في الثاني على أنهما دعاء من موسى لربه بذلك، وعلى هذه الجملة قد ترك فيها العطف خاصة دون ما تقدمها من جمل الدعاء وقرأ الحسن "أُشَدِّدْ" مضارع شدد بالتشديد. والوزير: قيل: مشتق من الوِزْر، وهو الثقل. وسمي به لأنه تحمل أعباء الملك ومؤنَه، فهو معين عَلَى أمْر المُلك وقائم بأمره. وقيل: هو من الوَزر، وهو الحبل الذي يتحصن به وهو الملجأ لقوله تعالى: {كَلاَّ لاَ وَزَرَ} قال: شعر : 3655- مِنَ السِّبَاع الضَّوَارِي دُونَهَا وَزَرٌ وَالنَّاسُ شَرُّهُمُ مَا دُونَهُ وَزَرُ كَمْ مَعْشَرٍ سَلِمُوا لَمْ يُؤذِهِمْ سَبْعٌ وَلاَ تَرَى بَشَراً لَمْ يُؤْذِهِم بَشَرُ تفسير : وقيل: من المُؤَازَرة، وهي المعاونة، نقله الزمخشري عن الأصمعي قال: وكان القياس أَزيراً يعني بالهمزة، لأن المادة كذلك، قال الزمخشري: (فقلبت): الهمزة إلى الواو، ووجه قلبها إليها أنَّ فَعِيلاً جاء بمعنى مُفَاعل مجيئا صالحاً كقولهم: عَشِيرِ، وجَلِيس، وخَلِيط وصَدِيق، وخَلِيل، ونَدِيم فلما قلبت في أخيه قلبت فيه، وحمل الشيء على نظيره ليس بعزيز، ونظر إلى يُؤَازر وإخوته وإلى المؤازرة. يعني أن وزيراً بمعنى مُؤَازر، ومُؤازر تقلب فيه الهمزة واواً قليلة قياساً، لأنها همزة مفتوحة بعد ضمة فهو نظير مُؤَجل ويُؤاخذكم وشبهه، فَحُمِل أَزير عليه في القلب، وإنْ لم يكن فيه سبب القلب. والمُؤازرة مأخوذةٌ من إزار الرجل، وهو الموضع الذي يشده الرجل إذا استعد لعمل متعب. فصل اعلم أن طلبَ الوزير إما أنه خاف على نفسه العجزَ عن القيام بذلك الأمر فطلب المُعين، أو لآنه رأى أنَّ التعاونَ على الدين والتظاهرَ عليه مع مخالصة الود وزوال التهمة قربةٌ عظيمة في الدعاء إلى الله تعالى، ولذلك قال عيسى ابن مريم: {أية : مَنْ أَنصَارِيۤ إِلَى ٱللَّهِ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ ٱللَّهِ} تفسير : [آل عمران: 52]، وقال لمحمد عليه السلام {أية : يَٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ حَسْبُكَ ٱللَّهُ وَمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} تفسير : [الأنفال: 64] وقال عليه السلام: "حديث : إنَّ لِي في السَّمَاءَ وَزيرَيْن، وَفِي الأَرْضِ وَزِيرَيْن فاللَّذانَ فِي السَّماءِ جِبْريلُ وميكائيلُ (عليهما السلام) وَاللَّذانِ في الأرض أبو بكرٍ وَعمَرُ (رضي الله عنهما") . تفسير : وقال عليه السلام: "حديث : إذَا أَرادَ اللهُ بِمَلِكٍ خيراً قَيَّضَ اللهُ لَهُ وَزِيراً صَالِحاً إنْ نَسِيَ ذكَّره، وإنْ نَوَى خَيْراً أعانَه، وإنْ أَرَادَ شَرَّاً كَفَّهُ" تفسير : وقال أنوشروان: لاَ يَسْتَغْنِي أجودُ السيوف عن الصقل، ولا أكرمُ الدوابِّ عن السَّوْط (ولا أعلمُ الملوك عن الوزير). وأراد موسى - عليه السلام - أن يكون ذلك الوزير من أهله أي من أقاربه، وأن يكون أخاه هارون، والسببُ فيه إما لأن التعاونَ على الدين منفعة عظيمة فأراد أن لا تحصل هذه الدرجة إلا بأهله، أو لأن كل واحد منهما كان في غاية المحبة لصاحبه. وكان هارونُ أكبرَ سناً من موسى بأربع سنين، وكان أفصحَ منه لساناً، وأجملَ وأوسمَ أبيض اللون، وكان موسى آدم اللون أقْنَى جَعْداً. و "اشْدُدْ بِهِ (أزري" قَوِّ) ظَهْرِي، {وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي} في النبوة. والأَزْرُ القوة، وَآزَرَهُ: قَوَّاه. وقال أبو عبيدة: أَزْرِي: ظَهْرِي. وفي كتاب الخليل: الأَزْرُ الظَّهرُ. ثم إنه تعالى حكى عنه ما لأجله دعا بهذا الدعاء فقال: {كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثيراً} قال الكلبي: نُصَلِّي لكَ كثيراً، ونحمدكُ، ونثني عليك. والتَّسبيحُ: تنزيهُ اللهِ تعالى في ذاته وصفاته عمَّا لا يليق به. "وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً" أي: نصفُك بصفاتِ الجَلالِ والكِبْرِيَاء. قوله: "كَثِيراً" نعت لمصدر محذوف، أو حال من ضمير المصدر كما هو رأي سيبويه. وجوَّز أبو البقاء: أن يكون نعتاً لزمان محذوف، أي: زماناً كثيراً. قوله: {إنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصيراً} أي عالِماً بأنَّا لا نريد بهذه الطاعات إلا وجهَك ورضاك، أو بصيراً بأنَّ الاستعانَةَ بهذه الأشياء لأجل حاجتي في النبوة إليه، أو بصيراً بوجوه مصالحنا فأَعْطِنَا ما هو أصلح لنا.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {ٱذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ}. بعدما أسمعه كلامه من غير واسطة، وشَرَّفَ مقامَه، وأَجْزَلَ إكرامَه أَمَرَه بالذهاب ليدعوَ فرعونَ إلى الله - مع عِلْمِه بأنه لا يؤمن ولا يجيب ولا يسمع ولا يَعْرِف - فشَقَّ على موسى ذهابُه إلى فرعون، وسماعُ جْحدِه منه، بعد ما سمع من الله كلامه سبحانه، ولكنه آثر أَمْرَ محنته على مرادِ نفسه. ويقال لمَّا أَمَرَه بالذهاب إلى فرعونَ سأل اللَّهَ أُهْبَةَ النَّقْلِ وما به يتمُّ تبليغ ما حمل من الرسالة، ومن ذلك قوله: {قَالَ رَبِّ ٱشْرَحْ لِي صَدْرِي وَيَسِّرْ لِيۤ أَمْرِي وَٱحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي يَفْقَهُواْ قَوْلِي}. ليُعْلَمَ أَنَّ مِنْ شَرْطِ التكليفِ التَّمَكُّنَ مِنْ أَداءِ المأمور به. ويقال إن موسى لما أَخَذَ في المخاطبة مع الله كاد لا يسكت من كثرة ما سأله فظل يدعو: {رَبِّ ٱشْرَحْ لِي صَدْرِي وَيَسِّرْ لِيۤ أَمْرِي....} وهكذا إلى آخر الآيات والأسئلة. قوله: {قَالَ رَبِّ ٱشْرَحْ لِي صَدْرِي وَيَسِّرْ لِيۤ أَمْرِي}: حتى أُطِيقَ أنْ أَسمعَ كلامَ غيرك بعدما سَمِعْتُ منك {وَٱحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي}: حتى ينطلقَ بمخاطبة غيرك، وقَوِّني حتى أرُدَّ ما أردُّ... بِكَ لا بي.
البقلي
تفسير : قال سبحانه {ٱذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ} الحكمة فيه ان موسى كان فى مشاهدة قرب جلال الازل شاهدا الربوبية وكاد ان يفنى فى العزة فشغله الحق بالشريعة عن الفناء فى الحقيقة فلما علم موسى مراد الحق منه بمكابدة الاعداء والرجوع من المشاهدة الى المجاهدة سال عن الحق سبحانه شرح الصدر واطلاق اللسان وتيسير الامر ليطيق احتمال صحبة الاصداد ومكايدتهم وذلك انه كان فى مشاهدة الحق الطف من الهواء فى خطابه ارق من ماء السماء قطب قوة الوهيته وتمكينا ---- بقوله {قَالَ رَبِّ ٱشْرَحْ لِي صَدْرِي وَيَسِّرْ لِيۤ أَمْرِي} عرف مكان مباشرة الشريعة انها احق الله وحق الله فى العبودية مقام الامتحان وفى الامتحان حجاب عن مشاهدة الاصل فخاف من ذلك وسال شرح الصدر اى اذا كنت فى عين الشريعة عن مشاهدة غيب الحقيقة اشرح صدرى بنور وقائع المكاشفة حتى لا يكون محجوبا بها عنك الا ترى الى سيد الانبياء والاولياء صلوات الله عليه كيف اخبر عن ذلك الغبن وشكا عن صحبة ---- فى اداء الرسالة بقوله انه ليغان على قلبيى وانى لاستغفر الله فى كل يوم سبعين مرة اشرح لى صدرى بنور القدس حتى اكون معك فى مقام الانس وادى عجائب الغيبوب وغرائب الكشوف {وَيَسِّرْ لِيۤ أَمْرِي} هيئ لى قوة من قوتك حتى اقوم بنعت الاستقامة معك فى اداء رسالتك ونشر شريعتك {وَٱحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي} لا عجمة الانسانية حتى اطيق ان اشرح ما كاشفت لى لعبادك بلسان شرعى نبوى {يَفْقَهُواْ قَوْلِي} فان لسانى لسان الحقائق ولو اتكلم معهم بلسان الحقيقة لا يفقهون اشاراتى وعباداتى منك انا اريد الوقوف بسر معك فى شهود الغيب واذا كنت غائبا لا اطيق ان اودّى رسالتك بهيئتها.
اسماعيل حقي
تفسير : {اذهب} يا موسى بطريق الدعوة والتحذير {الى فرعون} وملئه بهاتين الآيتين العصا واليد لقوله تعالى فى سورة القصص {أية : فذانك برهانان من ربك الى فرعون وملئه}تفسير : واما قوله تعالى {أية : اذهب انت واخوك بآياتى}تفسير : فسيأتى معنى الجمع فيه ان شاء الله تعالى {أية : انه طغى}تفسير : اى جاوز حد العبودية بدعوى الربوبية استقلالا لا اشتراكا كما قال{أية : انا ربكم الاعلى } تفسير : وفيه اشارة الى معنيين. احدهما ان السالك الصادق اذا بلغ مرتبة كماله يقضيه الله لدلالة عباده وتربيتهم. والثانى ان كمال البالغين فى ان يرجعوا الى الخلق ومخالطتهم. والصبر على اذاهم ليختبروا بذلك حلمهم وعفوهم. فان قيل لم ارسله الله بالعصا. قلنا لان العصا من آلات الرعاة وموسى عليه السلام كان راعيا فارسله الله مع آلته وايضا كان فرعون بمنزلة الحمار فاحتاج الى العصا والضرب: وفى المثنوى شعر : كرترا عقلست كردم لطفها ورخرى آورده ام عام خررا عصا آنجينان زين آخرت بيرون كنم كز عصا كوش وسرت برخون كنم اندرين آخر خران ومردمان مى نيابند از جفاى تو امان يك عصا آورده ام بهر ادب هرخرى را كونباشد مستحب ازدهائى ميشود در قهر تو كازدهائى كشته در فعل وخو ازدهائى كوهئ توبى امان ليك بنكر ازدهاى آسمان اين عصا ازدوزخ آمد جاشنى كه هلا بكريز اندر روشنى ورنه درمابى تو دردندان من مخلصت نبود زدربندان من اين عصائى بوداين دم ازدهاست تانكوئى دوزخ يزدان كجاست هر كجا خواهد خدادوزخ كند اوج را برمرغ دام وفخ كند هم زدندانت برآيد دردها تابكوئى دوزخست وازدها يا كند آب دهانت را عسل كه بكوئى كه بهشتست وحلل ازبن دندان برو ياند شكر تابدانى قوت حكم قدر يس بدندان بى كنهانرا مكز فكر كن ازضربت نا محترز
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {هارون}: مفعول أول، و {وزيرًا}: مفعول ثان، قُدّم؛ اعتناء بشأن الوزارة، و {لِي}: صلة، لا جعل، أو متعلق بمحذوف؛ حال من {وزيرًا}؛ لأنه صفة له في الأصل. و {من أهلي}: إما صفة وزيرًا، أو صلة لا جعل، وقيل: إن {لي وزيرًا}: مفعولاً اجعل، و {هارون}: عطف بيان لوزير. و {أخي} في الوجهين: بدل من هارون، أو عطف بيان آخر. يقول الحقّ جلّ جلاله: لنبيه موسى عليه السلام: {اذهبْ إِلى فرعونَ} بما رأيته من الآيات الكبرى. وادعه إلى عبادتي وحدي، وحذره من نقمتي، {إِنه طغى} أي: جاوز الحد في التكبر والعتو والتجبر، حتى تجاسر على دعوى الربوبية. {قال} موسى عليه السلام مستعينًا بربه عزّ وجلّ: {ربِّ اشرح لي صدري} أي: وسعه حتى لا يضيق بحمل أعباء الرسالة، {ويسِّرْ لي أمري} أي: سهِّله حتى لا يصعب عليَّ شيء أقصده. والجملة استئنافية بيانية، كأن سائلاً قال: فماذا قال عليه السلام، حين أُمر بهذا الأمر الخطير والخطب العسير؟ فقيل: قال رب اشرح لي صدري... الخ. كأنه، لما أُمر بهذا الخطاب الجليل، تضرع إلى ربه الجليل، وأظهر عجزه وضعفه، وسأل ربه تعالى أن يوسع صدره، ويَفْسَح قلبه، ويجعله عليمًا بشؤون الناس وأحوالهم، حليمًا صفوحًا عنهم، ليلتقي ما عسى أن يرد عليه من الشدائد والمكاره، بجميل الصبر وحسن الثبات، فيلقاها بصدر فسيح، وجأش رابط، وأن يسهل عليه مع ذلك أمره، الذي هو أجلّ الأمور وأعظمها، وأصعب الخطوب وأهولها بتيسير الأسباب ورفع الموانع. وفي زيادة كلمة {لي}، مع انتظام الكلام بدونها، تأكيد لطلب الشرح والتيسير؛ بإبهام المشروح والميسّر أولاً، ثم تفسيرهما ثانيًا، وفي تقديمهما وتكريرهما: إظهار مزيد اعتناء بشأن كل من المطلوبين، وفضل اهتمام باستدعاء حصولهما. ثم قال: {واحْلُلْ} أي: امشط وافسح {عقدة من لساني}، رُوي أنه كان في لسانه رتة من أثر جمرة أدخلها فاه في صغره. وذلك أنه كان في حجر فرعون ذات يوم، فلطمه ونتف لحيته، فقال فرعون لآسية امرأته: هذا عدو لي، فقالت آسية: على رسلك، إنه صبي لا يفرق بين الجمر والياقوت، ثم جاءت بطستين في أحدهما الجمر، وفي الآخر الياقوت، فأخذ جبريل بيد موسى فوضعها على النار، حتى رفع جمرة ووضعها على لسانه، فبقيت له رتة في لسانه، واختلف في زوال العقدة بكمالها؛ فمن قال به تمسك بقوله تعالى: {قال قد أوتيت سؤلك يا موسى}، ومن لم يقل به احتج بقول: {أية : هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَاناً} تفسير : [القَصَص: 34]، وقوله تعالى: {أية : وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ} تفسير : [الزّخرُف: 52]. وأجاب عن الأول: بأنه لم يسأل حلّ عقدة لسانه بالكلية، بل حلّ عقدة تمنع الإفهام، فخفف بعضها لدعائه، لا جميعها، ولذلك نكّرها ووصفها بقوله: {من لساني} أي: عقدة كائنة من عُقد لساني، {يفقهوا قولي} أي: إن تحلل عقدة لساني يفقهوا قولي. {واجعل لي وزيرًا} أي: مُعينًا ومُقويًا {مِنْ أهلي هارونَ أخي}؛ ليعينني على تحمل ما كلفتني به من أعباء التبليغ. {أُشدد به أزري} أي: قِّ به ظهري، {وأَشركه في أمري}؛ واجعله شريكاً لي في أمر الرسالة، حتى نتعاون على أدائها كما ينبغي، {كي نُسبحك كثيرًا}، هو غاية للأدعية الثلاثة الأخيرة، من قوله: {واجعل لي وزيرًا...} الخ، ولا شك أن الاجتماع على العبادة والذكر سبب في دوامهما وتكثيرهما. وفي الحديث: "حديث : يد الله مع الجماعة"تفسير : ، ولذلك ورد الترغيب في الاجتماع على الذكر: والجمع في الصلاة؛ ليقوى الضعيف بالقوي، والكسلان بالنشيط، وقيل: المراد بكثرة التسبيح والذكر ما يكون منها في تضاعيف أداء الرسالة ودعوة المردة العتاة، لأنه هو الذي يختلف في حالتي التعدد والانفراد، فإن كُلاًّ منهما يصدر منه، بتأييد الآخر، من إظهار الحق، ما لا يصدر منه حال الانفراد. والأول أظهر. و {كثيرًا}: وصف لمصدر أو زمن محذوف، أي: ننزهك عما لا يليق بجلالك وجمالك، تنزيهًا كثيرًا، أو زمنًا كثيرًا، ومن جملة ذلك: ما يدعيه فرعونُ الطاغية، وتقبله منه الفئة الباغية من ادعاء الشرك في الألوهية. {ونذكُرَك}؛ بأن نصِفك بما يليق بك من صفات الكمال، ذكرًا {كثيرًا إِنكَ كنت بنا بَصِيرًا} أي: عالمًا بأحوالنا، وبأن ما دعوناك به مما يصلحنا ويقوينا على ما كلفتنا من أداء الرسالة، و {بنا}: متعلق ببصيرًا. والله تعالى أعلم. الإشارة: فإذا انخلعت أيها الفقير عن الكونين، وألقيت عصاك بوادي البيْن، فاذهب إلى فرعون نفسك ووجود حسك، إنه طغى عليك، حيث حجبك عن شهود ربك، فلا حجاب بينك وبين ربك، إلا حِجاب نفسك، ووقوفك مع شهود حسك، فهو أكبر الفراعين في حقك، فاهدم وجوده، وأَغْرِقْ في بحر الحقيقة شهودَه، وذلك بالغيبة عنه في شهود مولاه، فإذا تعسر الأمر عليك فاستعن بمولاك، وقل: اللهم اشرح لي صدري، ووسعه لمعرفتك، ويسر لي أمري في السير إلى حضرة قدسك، واحلل عقدة الكون من قلبي ولساني، حتى لا أعقد إلا على محبتك، ولا أتكلم إلا بذكرك وشكرك، كما قال الشاعر: شعر : فإن تكلمتُ لم أنطق بغيركم وإن صَمَتُّ فأنتم عَقْدُ إضماري تفسير : واجعل لي وزيرًا من أهلي، وهو شيخي، اشدد به أزري، وأشركه في أمري، حتى يتوجه بكلية همته إلى سري، كي ننزهك تنزيهًا كثيرًا، بحيث لا نرى معك غيرك، ونذكرك كثيرًا، بحيث لا نفتر عن ذكرك بالقلب أو الروح أو السر، إنك كنت بنا بصيرًا. قال الورتجبي: قوله تعالى: {اذهب إلى فرعون...} الخ، لما علم موسى مراد الحق منه بمكابدة الأعداء، والرجوع من المشاهدة إلى المجاهدة، سأل من الحق شرح الصدر، وإطلاق اللسان، وتيسير الأمر، ليطيق احتمال صحبة الأضداد ومكابدتهم. ثم قال: فطلب قوةَ الإلهية وتمكينًا قادريًا بقوله: {ربِّ اشرح لي صدري}، عرف مكان مباشرة العبودية أنها حق الله، وحق الله في العبودية مقام امتحان، وفي الامتحان حجاب عن مشاهدة الأصل، فخاف من ذلك، وسأل شرح الصدر، أي: إذا كنتُ في غين الشريعة عن مشاهدة غيب الحقيقة، اشرح صدري بنور وقائع المكاشفة، حتى لا أكون محجوبًا بها عنك. ألا ترى إلى سيد الأنبياء والأولياء صلوات الله عليه، كيف أخبر عن ذلك الغين، وشكى من صحبة الأضداد في أداء الرسالة، بقوله: "إنه ليغان على قلبي فاستغفر الله في اليوم سبعين مرة". هـ. وفيه مقال، إذ هو غين أنوار لا غين أغيار، فتأمله. والله تعالى أعلم. ثمَّ أجاب الحق جل جلاله سؤاله
اطفيش
تفسير : {اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ} فيه دليل للفقهاء على أن الإمام يقصد فى الدعاء إلى التوحيد رئيس القوم وبدعائه يحل دماء للقوم إن لم يجب. واختلف فى البوادى، فقيل كذلك. وقيل: يدعوهم موحد. والمراد ذهب إلى فرعون وقومه. وخص فرعون بالذكر لأنه أعتى وأكفر كما قال عز وعلا: {إِنَّهُ طَغَى} جاوز الحد عصى وتكبر وادعى الربوبية وكان متبوعا فدعاؤه أحق من دعاء غيره، وإلا فموسى صلى الله عليه وسلم مبعوث إلى الكل، فأمره بالذهاب إليه بالآيتين. قال ابن منبه: قال الله تعالى لموسى: اسمع كلامى واحفظ وصيتى وانطلق برسالتى وإنك بعينى وسمعى، وإن معك يدى وبصرى، وإبى ألبسك جبة من سلطان تستكمل بها القوة فى أمرى. بعثتك إلى خلق ضعيف من خلقى، بطر نعمتى وأمن مكرى حتى جحد حقى وانكر ربوبيتى وإنى أقسم بعزتى لولا الحجة التى وضعت بينى وبين خلقى لبطشت به بطشة جهار، ولكن هان علىَّ وسقط من عينى فبلِّغه رسالتى وادْعُه إلى عبادتى وحذِّره نقمتى، وقل له قولا ليِّنا لا يغتر بلباس الدنيا؛ فإن ناصيته بيدى لا يطرف ولا يتنفس إلا بعلمى وموسى ساكت فجاءه ملك فقال: أجب ربك فعلم أن ذلك رسالة وفهم قدر التكليف فدعا الله فى المعونة؛ إذ لا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم كما قال الله عز وجل حكاية عنه:
اطفيش
تفسير : {اذْهَب إلى فِرْعَون} بما رأيت من الآيات، واستعملهن بحضرته، وادعه بهن الى التوحيد والعبادة لى، وحذره نقمتى التى يستحقها من طغى {إِنَّه طَغى} تعليل جملى لاذهب بمعنى أنه جاوز الحد فى التكبر، فادعى أنه إله، واشتد الأمر على موسى لعظم سلطان فرعون، فأوحى الله إليه أنى ناصرك فلا تهبه، وقد ألبستك هيبة وأنت وحدك جند عظيم من جنودى، وأنه ضعيف آمن مكرى وأنه لا ينطق ولا يطرف، ولا يتنفس إلا بأمرى، ومعك عينى ويدى وسمعى، وذكره نعمتى عليه فى أربعمائة سنة، أمطر عليه سمائى وأنبت له أرضى، ولم تصبه آفة، ولم يسقم ولم يهرم، وأمهلته، وإن تاب قبلته. فذهب عليه السلام فى حينه إليه، وهلك من قال مكث سبعة أيام، ومن قال أكثر حتى قال له ملك أنفذ ما أمرك به ربك، وإن صح فمكثه بإذن الله، وقول الملك باذن الله بل استعده من حينه مستعيناً بالله عز وجل.
الالوسي
تفسير : {اذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ } تخلص إلى ما هو المقصد من تمهيد المقدمات السالفة فصل عما قبله من الأوامر إيذاناً بأصالته أي اذهب إليه بما رأيته من آياتنا الكبرى وادعه إلى عبادتي وحذره نقمتي. وقوله تعالى: {إِنَّهُ طَغَىٰ } تعليل للأمر أو لوجوب المأمور به أي جاوز الحد في التكبر والعتو والتجبر حتى تجاسر على العظيمة التي هي دعوى الربوبية، قال وهب بن منبه: إن الله تعالى قال لموسى عليه السلام: ادن فلم يزل يدنيه حتى شد ظهره بجذع الشجرة فاستقر وذهبت عنه الرعدة وجمع يده في العصا وخضع برأسه وعنقه ثم قال له بعد أن عرفه نعمته تعالى عليه: انطلق برسالتي فإنك بعيني وسمعي وإن معك يدي ونصري وإني قد ألبستك جبة من سلطاني تستكمل بها القوة في أمري فأنت جند عظيم من جنودي بعثتك إلى خلق ضعيف من خلقي بطر نعمتي وأمن مكري وغرته الدنيا حتى جحد حقي وأنكر ربوبيتي وعبد من دوني وزعم أنه لا يعرفني وإني لأقسم بعزتي لولا العذر والحجة اللذان وضعت بيني وبين خلقي لبطشت به بطشة جبار يغضب لغضبه السمٰوات والأرض والجبال والبحار فإن أمرت السماء حصبته وإن أمرت الأرض ابتلعته وإن أمرت البحار غرقته وإن أمرت الجبال دمرته ولكنه هان علي وسقط من عيني ووسعه حلمي واستغنيت بما عندي وحق لي أني أنا الغني لا غنى غيري فبلغه رسالتي وادعه إلى عبادتي وتوحيدي وإخلاص اسمي وذكره بأيامي وحذره نقمتي وبأسي وأخبره أنه لا يقوم شيء لغضبي وقل له فيما بين ذلك قولاً لينا لعله يتذكر أو يخشى وأخبره أني إلى العفو والمغفرة أسرع مني إلى الغضب والعقوبة ولا يرو عنك ما ألبسته من لباس الدنيا فإن ناصيته بيدي ليس يطرف ولا ينطق ولا يتنفس إلا بإذني وقل له: أجب ربك فإنه واسع المغفرة وأنه قد أمهلك أربعمائة سنة في كلها أنت مبارزه بالمحاربة تتشبه وتتمثل به وتصد عباده عن سبيله وهو يمطر عليك السماء وينبت لك الأرض لم تسقم ولم تهرم ولم تفتقر ولم تغلب ولو شاء أن يفعل ذلك بك فعل ولكنه ذو أناة وحلم عظيم في كلام طويل. وفي بعض الروايات أن الله تعالى لما أمره عليه السلام بالذهاب إلى فرعون سكت سبعة أيام، وقيل: أكثر فجاءه ملك فقال: أنفذ ما أمرك ربك، وفي القلب من صحة ذلك شيء.
ابن عاشور
تفسير : لما أظهر الله لهُ الآيتين فعلم بذلك أنه مؤيّد من الله تعالى، أمره الله بالأمر العظيم الذي من شأنه أن يُدخل الرّوع في نفس المأمور به وهو مواجهة أعظم ملوك الأرض يومئذ بالموعظة ومكاشفته بفساد حاله، وقد جاء في الآيات الآتية: {أية : قالا ربّنا إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى قال لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى}تفسير : [طه: 45، 46]. والذهاب المأمور به ذهاب خاص، قد فهمه موسى من مقدمات الإخبار باختياره، وإظهار المعجزات له، أو صرح له به وطوي ذكره هنا على طريقة الإيجاز، على أنّ التّعليل الواقع بعده ينبىء به. فجملة {إنه طَغَى} تعليل للأمر بالذهاب إليه، وإنما صلحت للتعليل لأن المراد ذهاب خاص، وهو إبلاغ ما أمر الله بإبلاغه إليه من تغييره عما هو عليه من عبادة غير الله. ولما علم موسى ذلك لم يبادر بالمراجعة في الخوف من ظلم فرعون، بل تلقى الأمر وسأل الله الإعانة عليه، بما يؤول إلى رباطة جأشه وخلق الأسباب التي تعينه على تبليغه، وإعطائه فصاحة القول للإسراع بالإقناع بالحجة. وحكي جواب موسى عن كلام الرب بفعل القول غير معطوف جرياً على طريقة المحاورات. ورتّب موسى الأشياء المسؤولة في كلامه على حسب ترتيبها في الواقع على الأصل في ترتيب الكلام ما لم يكن مقتض للعدل عنه. فالشرح، حقيقته: تقطيع ظاهر شيء ليّن. واستعير هنا لإزالة ما في نفس الإنسان من خواطر تكدره أو توجب تردده في الإقدام على عمل ما تشبيهاً بتشريح اللحم بجامع التوسعة. والقلب: يراد به في كلامهم والعقل. فالمعنى: أزل عن فكري الخوف ونحوه، مما يعترض الإنسان من عقبات تحول بينه وبين الانتفاع بإقدامه وعزامته، وذلك من العُسر، فسأل تيسير أمره، أي إزالة الموانع الحافّة بما كلف به. والأمر هنا: الشأن، وإضافة (أمر) إلى ضمير المتكلّم لإفادة مزيد اختصاصه به وهو أمر الرسالة كما في قوله الآتي {وأشْرِكه في أمْرِي}. والتيسير: جعل الشيء يسيراً، أي ذا يسْر. وقد تقدّم عند قوله تعالى: {أية : يريد الله بكم اليسر}تفسير : في سورة البقرة (185). ثم سأل سلامة آلة التبليغ وهو اللسان بأن يرزقه فصاحة التعبير والمقدرة على أداء مراده بأوضح عبارة، فشبه حُبسة اللسان بالعُقدة في الحبل أوالخيط ونحوهما لأنها تمنع سرعة استعماله. والعُقدة: موضع ربط بعض الخيط أو الحبل ببعض آخر منه، وهي بزنة فُعلة بمعنى مفعول كقُضة وغُرفة؛ أطلقت على عسر النطق بالكلام أو ببعض الحروف على وجه الاستعارة لعدم تصرف اللسان عند النطق بالكلمة وهي استعارة مصرّحة، ويقال لها حُبْسة. يقال: عَقِد اللسان كفرح، فهو أعقد إذا كان لا يبين الكلام. واستعار لإزالتها فعل الحل المناسب العقدة على طريقة الاستعارة المكنية. وزيادة {لِي} بعد {اشْرَحْ} وبعد {يسر} إطناب كما أشار إليه صاحب «المفتاح» لأنّ الكلام مفيد بدونه. ولكن سلك الإطناب لما تفيده اللام من معنى العلّة، أي اشرح صدري لأجلي ويسر أمري لأجلي، وهي اللام الملقبة لامَ التبيين التي تفيد تقوية البيان، فإن قوله {صدري} و {أمري} واضح أن الشرح والتيسير متعلقان به فكان قوله {لي} فيهما زيادة بيان كقوله: {أية : ألم نشرح لك صدرك}تفسير : [الشرح: 1] وهو هنا ضرب من الإلحاح في الدعاء لنفسه. وأمّا تقديم هذا المجرور على متعلقه فليحصل الإجمال ثم التفصيل فيفيد مفاد التأكيد من أجل تكرر الإسناد. ولم يأت بذلك مع قوله {واحْللْ عُقدةً مِن لِساني} لأنّ ذلك سؤال يرجع إلى تبليغ رسالة الله إلى فرعون فليست فائدتها راجعة إليه حتى يأتي لها بلام التبيين. وتنكير {عقدة} للتعظيم، أي عقدة شديدة. و {مِن لِساني} صفة لـ{عُقْدة}. وعدل عن أن يقول: عقدة لساني، بالإضافة ليتأتى التنكير المشعر بأنها عقدة شديدة. وفعل {يَفْقَهُوا} مجزوم في جواب الأمر على الطريقة المتّبعة في القرآن من جعل الشيء المطلوب بمنزلة الحاصل عقب الشرط كقوله تعالى: {أية : قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم}تفسير : [النور: 30] أي إن نقل لهم غضّوا يغضوا، أي شأنهم الامتثال. والفقه: الفهم. والوزير: فعيل بمعنى فاعل، من وَزار على غير قياس، مثل حكيم من أحكم، وهو مشتق من الأزْر، وهو المعونة، والمؤازرة كذلك، والكل مشتق من الأزر، أي الظهر، كما سيأتي قريباً، فحقه أن يكون أزيراً بالهمزة إلا أنّهم قلبوا همزته واواً حملاً على موازر الذي هو بمعناه الذي قلبت همزته واواً لانضمام ما قبلها. فلما كثر في الكلام قولهم: موازر ويوازر بالواو نطقوا بنظيره في المعنى بالواو بدون موجب للقلب إلاّ الحمل على النظير في النطق، أي اعتياد النطق بهمزته واواً، أي اجعَل معيناً من أهلي. وخصّ هارون لفرط ثقته به ولأنه كان فصيح اللسان مقوالاً، فكونه من أهله مظنة النصح له، وكونه أخاه أقوى في المناصحة، وكونه الأخ الخاصّ لأنه معلوم عنده بأصالة الرأي. وجملة {اشْدُدْ به أَزْرِي} على قراءة الجمهور بصيغة الأمر في فعلي {اشدد}، و{أشرك} بيان لجملة {اجْعَل لي وَزِيراً}. سأل الله أن يجعله معيناً له في أعماله، وسأله أن يأذن له بأن يكون شريكاً لموسى في أمره، أي أمر رسالته. وقرأ ابن عامر بصيغة المتكلم ــــ بفتح الهمزة المقطوعة ــــ في «اشدُد» ــــ وبضم همزة ــــ «أشركه»، فالفعلان إذن مجزومان في جواب الدعاء كما جزم {يفقهوا قولي}. و {هٰرُون} مفعول أول لفعل {اجْعَل}، قُدم عليه المفعول الثاني للاهتمام. والشد: الإمساك بقوّة. والأزر: أصله الظهر. ولما كان الظهر مجمع حركة الجسم وقوام استقامته أطلق اسمه على القُوّة إطلاقاً شائعاً يساوي الحقيقة فقيل الأزر للقوّة. وقيل: آزره إذا أعانه وقوّاه. وسمي الإزار إزاراً لأنّه يشدّ به الظهر، وهو في الآية مراد به الظهر ليناسب الشدّ، فيكون الكلام تمثيلاً لهيئة المعين والمعان بهيئة مشدود الظهر بحزام ونحوه وشادّه. وعلّل موسى - عليه السلام - سؤاله تحصيل ما سأله لنفسه ولأخيه، بأن يسبّحا الله كثيراً ويذكُرَا الله كثيراً. ووجه ذلك أنّ فيما سأله لنفسه تسهيلاً لأداء الدعوة بتوفر آلاتها ووجود العون عليها، وذلك مظنة تكثيرها. وأيضاً فيما سأله لأخيه تشريكه في الدعوة ولم يكن لأخيه من قبل، وذلك يجعل من أخيه مضاعفة لدعوته، وذلك يبعث أخاه أيضاً على الدعوة. ودعوةُ كلّ منهما تشتمل على التعريف بصفات الله وتنزيهه فهي مشتملة على التسبيح، وفي الدعوة حثّ على العمل بوصايا الله تعالى عباده، وإدخال الأمة في حضرة الإيمان والتّقوى، وفي ذلك إكثار من ذكر الله بإبلاغ أمره ونهيه. ألا ترى إلى قوله تعالى بعد هذه الآيات {أية : اذهب أنت وأخوك بآياتي ولا تَنِيَا في ذِكري}تفسير : [طه: 42]، أي لا تضعفا في تبليغ الرسالة، فلا جرم كان في تحصيل ما دعا به إكثار من تسبيحهما وذكرهما الله. وأيضاً في التعاون على أداء الرسالة تقليل من الاشتغال بضرورات الحياة، إذ يمكن أن يقتسما العملَ الضروري لحياتهما فيقلّ زَمن اشتغالهما بالضروريات وتتوفّر الأوقات لأداء الرسالة. وتلك فائدة عظيمة لكليهما في التبليغ. والذي ألجأ موسى إلى سؤال ذلك علمُه بشدّة فرعون وطغيانه ومنعه الأمة من مفارقة ضلالهم، فعلم أنّ في دعوته فتنة للداعي فسأل الإعانة على الخلاص من تلك الفتنة ليتوفّرا للتسبيح والذكر كثيراً. وجملة {إنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيراً} تعليل لسؤاله شرح صدره وما بعده، أي لأنك تعلم حالي وحال أخي، وأنّي ما دعوتك بما دعوت إلا لأننا محتاجان لذلك، وفيه تفويض إلى الله تعالى بأنه أعلم بما فيه صلاحهم، وأنه ما سأل سؤاله إلاّ بحسب ما بلغ إليه علمه. وقوله {قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يٰمُوسَى} وعد له بالإجابة، وتصديق له فيما توسمه من المصالح فيما سأله لنفسه ولأخيه. والسُؤْلُ بمعنى المسؤول. وهو وزن فُعْل بمعنى مفعول كالخُبز بمعنى المخبوز، والأكْل بمعنى المأكول. وهذا يدل على أن العقدة زالت عن لسانه، ولذلك لم يحك فيما بعد أنّه أقام هارون بمجادلة فرعون. ووقع في التّوراة في الإصحاح السابع من سفر الخروج: «فقال الرب لموسى أنت تتكلّم بكلّ ما أمرك به وهارون أخوك يكلّم فرعون».
د. أسعد حومد
تفسير : (24) - اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ مَلِكِ مِصْرَ، الذِي خَرَجْتَ هَارِباً مِنْ بَطْشِهِ، فَادْعُهُ إِلَى عِبَادَةِ اللهِ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأْمُرْهُ فَلْيُحْسِنْ إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فَلاَ يُعَذِّبْهُمْ، فَإِنَّهُ قَدْ طَغَى وَبَغَى، وَآثَرَ الحَيَاةَ الدُّنْيا، وَنَسِيَ الرَّبَّ الأَعْلَى. طَغَى - جَاوَزَ الحَدَّ فِي العُتُوِّ وَالتَّجَبُّرِ.
الثعلبي
تفسير : {ٱذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ} عصى وعلا وتكبّر وكفر، فادعه إلى عبادتي، واعلم بأنّي قد ربطت على قلبه، قال: فكيف تأمرني أن آتيه وقد ربطتَ على قلبه؟ فأتاه ملك من خزّان الريح فقال: انطلق، فإنّا اثنا عشر من خزّان الريح منذ خلقنا الله سبحانه نحن في هذا فما علمناه، فامض لأمر الله، فقال موسى عند ذلك {قَالَ رَبِّ ٱشْرَحْ لِي صَدْرِي} وسّع وليّن قلبي بالإيمان والنبوّة {وَيَسِّرْ لِيۤ أَمْرِي} وسهّل عليّ ما أمرتني به من تبليغ الرسالة إلى فرعون {وَٱحْلُلْ} وابسُط وافتح {عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي}. قال ابن عباس: كانت في لسانه رُتّة، وذلك أنّه كان في حجر فرعون ذات يوم فلطمه لطمة وأخذ بلحيته فقال فرعون لآسية امرأته: انَّ هذا عدوّي، فقالت آسية: على رسلك إنّه صبي لا يفرّق بين الأشياء ولا يميّز، ثم جاءت بطستين فجعلت في أحدهما الجمر وفي الأُخرى الجوهر ووضعتهما بين يدي موسى، فأخذ جبرئيل بيد موسى فوضعها على النار حتى رفع جمرة ووضعها على لسانه فتلك الرُتّة {يَفْقَهُواْ قَوْلِي} كي يفهموا كلامي {وَٱجْعَل لِّي وَزِيراً} معيناً وظهيراً { مِّنْ أَهْلِي} ثمَّ بين من هو فقال {هَارُونَ أَخِي * ٱشْدُدْ بِهِ أَزْرِي} قوِّ به ظهري {وَأَشْرِكْهُ فِيۤ أَمْرِي} يعني النبوّة وتبليغ الرسالة {كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً} نصلّي لك {وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً * إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيراً}. وقرأ الحسن وابن أبي إسحاق وابن عامر: اشدد به أزري بفتح الألف وأُشركه بضم الألف على الجزاء والجواب حكاية عن موسى أنّي أفعل ذلك، قال الله سبحانه {قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يٰمُوسَىٰ} قد أُعطيت مرادك وسؤالك يا موسى. {وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَىٰ} قبل هذا وهي {إِذْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّكَ} وحي إلهام مثل وحي النحل {مَا يُوحَىٰ * أَنِ ٱقْذِفِيهِ} أن اجعليه {فِي ٱلتَّابُوتِ}. قال مقاتل: والمؤمن الذي صنع التابوت من آل فرعون اسمه خربيل، وقيل: إنّه كان من بردي {فَٱقْذِفِيهِ فِي ٱلْيَمِّ} يعني نهر النيل {فَلْيُلْقِهِ ٱلْيَمُّ بِٱلسَّاحِلِ} يعني شاطئ النهر، لفظه أمر ومعناه خبر مجازه: حتى يلقيه اليمّ بالساحل {يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ} يعني فرعون، فاتّخذت تابوتاً وجعلت فيه قطناً محلوجاً، ووضعت فيه موسى، وقيّرت رأسه وَخصَاصه يعني شقوقه ثمّ ألقته في النّيل، وكان يشرع منه نهر كبير في دار فرعون، فبينا هو جالس على رأس البركة مع امرأته آسية إذا بتابوت يجيء به الماء، فلمّا رأى ذلك أمر الغلمان والجواري بإخراجه فأخرجوه وفتحوا رأسه فإذا صبيّ من أصبح الناس وجهاً، فلمّا رآه فرعون أحبّه بحيث لم يتمالك، فذلك قوله سبحانه {وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي} قال ابن عباس: أحبّه وحبّبه إلى خلقه، قال عطيّة العوفي: جعل عليه مُسحة من جمال لا تكاد يصبر عنه مَن رآه، قال قتادة: ملاحة كانت في عيني موسى، ما رآه أحد إلاّ عشقه. {وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِيۤ} أي ولتربّى وتغذّى بمرأىً ومنظر منّي {إِذْ تَمْشِيۤ أُخْتُكَ} واسمها مريم متعرّفة خبره {فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ مَن يَكْفُلُهُ} يرضعه ويضمّه إليه، وذلك أنّه كان لا يقبل ثدي امرأة، فلمّا قالت لهم أُخته ذلك قالوا: نعم، فجاءت بالأُمّ فقبل ثديها فذلك قوله {فَرَجَعْنَاكَ} فرددناك {إِلَىٰ أُمِّكَ} . وفي مصحف أُبي فرددناك إلى أُمّك {كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها} بلقائك وبقائك {وَلاَ تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْساً} قال ابن عباس: قتل قبطياً كافراً. قال كعب الأحبار: كان إذ ذاك ابن اثنتي عشرة سنة {فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ ٱلْغَمِّ} أي من غّم القتل وكربته {وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً} . قال ابن عباس: اختبرناك اختباراً. وقال الضحّاك وقتادة ومقاتل، ابتليناك ابتلاءً. وقال مجاهد: أخلصناك إخلاصاً {فَلَبِثْتَ سِنِينَ} يعني عشر سنين { فِيۤ أَهْلِ مَدْيَنَ} وهي بلدة شعيب على ثلاث مراحل من مصر، قال وهب: لبث عند شعيب ثمان وعشرين سنة، عشر سنين منها مهر امرأته صفيرا بنت شعيب وثماني عشرة سنة أقام عنده حتى وُلد لَه. {ثُمَّ جِئْتَ عَلَىٰ قَدَرٍ يٰمُوسَىٰ} . قال مقاتل: على موعد، قال محمد بن كعب: ثم جئت على القدر الذي قدّرت أنك تجيء. قال عبد الرَّحْمن بن كيسان: على رأس أربعين سنة وهو القدر الذي يوحي فيه إلى الأنبياء، قال الكلبي: وافق الكلام عند الشجرة. {وَٱصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي} اخترتك واصطفيتك واختصصتك بالرسالة أو النبوّة {ٱذْهَبْ أَنتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي} اليد والعصا {وَلاَ تَنِيَا} قال ابن عباس: لا تضعفا، وقال السُدّي: لا تفترا، وقال محمد بن كعب: لا تقصّرا. وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: لا تبطئا، وقي قراءة ابن مسعود: ولا تهنا. {ٱذْهَبَآ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ * فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً} قال ابن عباس: لا تعنّفا في قولكما ولا تغلّظا، وقال السدّي وعكرمة: كنّياه قولا له: يا أبا العباس، وقيل: يا أبا الوليد. وقال مقاتل: يعني بالقول اللين هل لك إلى أن تزكّى وأهديك إلى ربّك فتخشى. وقال أهل المعاني: معناه الطُفا له في قولكما فإنّه ربّاك وأحسن تربيتك وله عليك حقّ الأُبوّة فلا تجبهه بمكروه في أوّل قدومك عليه، يقال: وعده على قبول الإيمان شباباً لا يهرم وملكاً لا يُنزع عنه إلاّ بالموت، ويبقى عليه لذّة المطعم والمشرب والمنكح إلى حين موته. قال المفسّرون: وكان هارون يومئذ بمصر فأمر الله عزّ وجلّ أن يأتي هو وهارون، وأوحى إلى هارون وهو بمصر أن يتلقى موسى فتلقّاه إلى مرحلة وأخبره بما أُوحي إليه فقال له موسى: إن الله سبحانه أمرني أن آتي فرعون فسألت ربّي عزّ وجلّ أن يجعلك معي. وقوله {لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ} أي يسلم. فإن قيل: كيف قال: لعله يتذكر أو يخشى وعلمه سابق في فرعون أنّه لا يتذكّر ولا يخشى؟. قال الحسين بن الفضل: هو مصروف إلى غير فرعون، ومجازه: لكي يتذكّر متذكّر أو يخشى خاش إذا رأى برّي وإلطافي بمن خلقته ورزقته، وصححت جسمه وأنعمت عليه ثم ادّعى الربوبية دوني. وقال أبو بكر محمد بن عمر الورّاق: لعلّ ها هنا من الله واجب، ولقد تذّكر فرعون حيث لم تنفعه الذكرى والخشية، وذلك قوله حين الجمَهُ الغرقُ في البحر {أية : آمَنتُ أَنَّهُ لاۤ إِلِـٰهَ إِلاَّ ٱلَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنوۤاْ إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ} تفسير : [يونس: 90]. سمعت أبا القاسم الحسنن بن محمد بن حبيب يقول: سمعت أبي يقول سمعت علىّ بن محمد الوراق يقول: سمعت يحيى بن معاذ الرازي يقول وقرأ هذه الآية: هذا رفقك بمن يقول: أنا الإله، فكيف رفقك بمن يقول: أنت الإله ؟ قال أبو القاسم الحسين فبنيت عليه ألفاظاً اقتديت به فيها فقلت: هذا رفقك بمن ينافيك فكيف رفقك بمن يصافيك؟ هذا رفقك بمن يعاديك فكيف رفقك بمن يواليك؟ هذا رفقك بمن يسبّك فكيف رفقك بمن يحبّك؟ هذا رفقك بمن يقول لك نِدّاً فكيف رفقك بمن يقول فرداً؟ هذا رفقك بمن ضلّ فكيف رفقك بمن ذل هذا رفقك بمن اقترف فكيف رفقك بمن اعترف؟ هذا رفقك بمن أصرَّ فكيف رفقك بمن أقرَّ؟ هذا رفقك بمن استكبر فكيف رفقك بمن استغفر؟ {قَالاَ} يعني موسى وهارون {رَبَّنَآ إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَآ} . قال ابن عباس: يعجّل بالقتل والعقوبة، وقال الضحّاك: تجاوز الحدّ، وقيل: يغلبنا {أَوْ أَن يَطْغَىٰ} يتكبرّ ويستعصي علينا. {قَالَ لاَ تَخَافَآ إِنَّنِي مَعَكُمَآ} بالدفع عنكما {أَسْمَعُ} قولكما وقوله {وَأَرَىٰ} فعله وفعلكما {فَأْتِيَاهُ فَقُولاۤ إِنَّا رَسُولاَ رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ وَلاَ تُعَذِّبْهُمْ} أي ولا تتعبهم في العمل، وكانت بنو إسرائيل عند آل فرعون في عذاب شديد يقتل ابناءهم ويستخدم نساءهم ويكلفهم من العمل واللبن والطين وبناء المدائن ما لا يقدرون عليه. قال موسى {قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكَ} قال فرعون: وما هي؟ قال: فأدخل يده في جيب قميصه ثمَّ أخرجها فإذا هي بيضاء لها شعاع كشعاع الشمس، غلبت نور الشمس، فعجب منها ولم يُره العصا إلاّ بعد ذلك يوم الزينة. {وَٱلسَّلاَمُ عَلَىٰ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلْهُدَىٰ} يعني من أسلم {إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَآ أَنَّ ٱلْعَذَابَ عَلَىٰ مَن كَذَّبَ} أنبياء الله {وَتَوَلَّىٰ} أعرض عن الإيمان، ورأيت في بعض التفاسير أنَّ هذه أرجى آية للموحّدين في القرآن. {قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يٰمُوسَىٰ} يعني يا موسى وهارون فذكر موسى دون هارون لرؤوس الآي. {قَالَ رَبُّنَا ٱلَّذِيۤ أَعْطَىٰ كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ} قال الحسين وقتادة: أعطى كلّ شئ صلاحه وهداه لما يصلحه. وقال مجاهد: لم يجعل الإنسان في خلق البهائم، ولا خلق البهائم في خلق الإنسان، ولكن خلق كلّ شي فقدّره تقديراً. وقال عطيّة: أعطى كلّ شئ خلقه يعني صورته. وقال الضحّاك: أعطى كلّ شيء خلقه، يعني اليد للبطش والرجل للمشي واللسان للنطق والعين للبصر والأُذن للسمع. وأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا عبد الرَّحْمن بن محمد الزهري قال: حدَّثنا أحمد ابن سعيد قال: حدَّثنا سعيد بن سليمان عن إسماعيل بن زكريا عن إسماعيل بن أبي صالح، أعطى كل شي خلقه {ثُمَّ هَدَىٰ} قال: هداه لمعيشته. وقال ابن عباس وسعيد بن جبير: {أَعْطَىٰ كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ} يعني شكله، للإنسان الزوجة وللبعير الناقة وللفرس الرمكة وللحمار الأتان ثمَّ هدى أي عرَّف وعلّم وألهم كيف يأتي الذكر الأُنثى في النكاح. وقرأ نصير خلَقه بفتح اللام على الفعل. {قَالَ} فرعون {فَمَا بَالُ ٱلْقُرُونِ ٱلأُولَىٰ} وإنَما قال هذا فرعون لموسى حين قال موسى: {أية : إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِّثْلَ يَوْمِ ٱلأَحْزَابِ * مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَٱلَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ} تفسير : [غافر: 30-31]، فقال فرعون حينئذ له: فما بال القرون الاولى التي ذكرت؟ فقال موسى {عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ} يعني اللوح المحفوظ، وإنّما ردّ موسى علم ذلك إلى الله سبحانه لأنّه لم يعلم ذلك، وإنَما نزلت التوراة عليه بعد هلاك فرعون وقومه {لاَّ يَضِلُّ رَبِّي} أي لا يخطئ {وَلاَ يَنسَى} فيتذكّر، وقال مجاهد: هما شيء واحد. {ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ مَهْداً} قرأه أهل الكوفة بغير ألف أي فرشاً، وقرأ الباقون مهاداً أي فراشاً واختاره أبو عبيد وأبو حاتم لقوله: {أية : أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ مِهَاداً} تفسير : [النبأ: 6] ولم يختلفوا فيه أنّه بالألف. {وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً} أي أدخل وبيّن وطرّق لكم فيها طرقاً. {وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجاً} أصنافاً {مِّن نَّبَاتٍ شَتَّىٰ} مختلف الألوان والطعوم والمنافع من بين أبيض وأحمر وأخضر وأصفر، ووهب كلّ صنف زوجاً، ومنها للدوابّ ومنها للناس ثمَّ قال { كُلُواْ وَٱرْعَوْا} أي ارتعوا {أَنْعَامَكُمْ} يقول العرب: رعيتُ الغنم فرَعَتْ لازم ومتعدّ. {إِنَّ فِي ذٰلِكَ} الذي ذكرت { لآيَاتٍ لأُوْلِي ٱلنُّهَىٰ} أي لذوي العقول، واحدها نُهية، سُمّيت بذلك لأنّها تنهى صاحبها عن القبائح والفضائح وارتكاب المحظورات والمحرّمات. وقال الضحّاك: {لأُوْلِي ٱلنُّهَىٰ} يعني الذين ينتهون عمّا حُرَّم عليهم. وقال قتادة: لذوي الورع، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: لذوي التقى.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : فلماذا أرسله إلى فرعون أولاً، ولم يرسله إلى قومه؟ قالوا: لأن فرعون فعل فعلاً فظيعاً، حيث ادعى الألوهية، وهي القمة في الاعتداء، ثم استعبد بني إسرائيل، فلا بُدَّ أن نُصفِّي الموقف أولاً مع فرعون. لذلك حدثت معجزة العصا في ثلاثة مواقف. الأول: وكان لِدُرْبة موسى ورياضته على هذه العملية، وكانت هذه المرة بين موسى وربه - عز وجل - تدريباً، حتى إذا أتى وقت مزاولتها أمام فرعون لم يتهيِّب منها أو يتراجع، بل باشرها بقلب ثابت واثق. والثاني: كان مع فرعون بمفرده ترويعاً له. والثالث: مع السَّحَرة تجميعاً. فكُلُّ موقف من هذه المواقف كان لحكمة وله دور، وليس في المسألة تكرار كما يدَّعي البعض. وقوله تعالى: {إِنَّهُ طَغَىٰ} [طه: 24] الطغيان: مجاوزة الحدّ، ومجاوزة الحدِّ يكون بأخْذ ما ليس لك والمبالغة في ذلك، وليْتَه أخذ من المساوي له من العباد، إنما أخذ ما ليس له من صفات الله عز وجل. ولما سمع موسى اسم فرعون، تذكَّر ما كان من أمره في مصر، وأنه تربَّى في بيت هذا الفرعون الذي ادَّعى الألوهية، فكيف سيواجهه. كما تذكَّر قصة الرجل الذي وكَزه فقتله، ثم خرج منها خائفاً يترقب، فلما شعر موسى أن العبء ثقيل قال: {قَالَ رَبِّ ٱشْرَحْ ...}.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : لما أوحى الله إلى موسى، ونبأه، وأراه الآيات الباهرات، أرسله إلى فرعون، ملك مصر، فقال: { اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى } أي: تمرد وزاد على الحد في الكفر والفساد والعلو في الأرض، والقهر للضعفاء، حتى إنه ادعى الربوبية والألوهية -قبحه الله- أي: وطغيانه سبب لهلاكه، ولكن من رحمة الله وحكمته وعدله، أنه لا يعذب أحدا، إلا بعد قيام الحجة بالرسل، فحينئذ علم موسى عليه السلام أنه تحمل حملا عظيما، حيث أرسل إلى هذا الجبار العنيد، الذي ليس له منازع في مصر من الخلق، وموسى عليه السلام، وحده، وقد جرى منه ما جرى من القتل، فامتثل أمر ربه، وتلقاه بالانشراح والقبول، وسأله المعونة وتيسير الأسباب، التي [هي] من تمام الدعوة، فقال: { رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي } أي: وسعه وأفسحه، لأتحمل الأذى القولي والفعلي، ولا يتكدر قلبي بذلك، ولا يضيق صدري، فإن الصدر إذا ضاق، لم يصلح صاحبه لهداية الخلق ودعوتهم. قال الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: {أية : فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ } تفسير : وعسى الخلق يقبلون الحق مع اللين وسعة الصدر وانشراحه عليهم. { وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي } أي: سهل علي كل أمر أسلكه وكل طريق أقصده في سبيلك، وهون علي ما أمامي من الشدائد، ومن تيسير الأمر أن ييسر للداعي أن يأتي جميع الأمور من أبوابها، ويخاطب كل أحد بما يناسب له، ويدعوه بأقرب الطرق الموصلة إلى قبول قوله. { وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي } وكان في لسانه ثقل لا يكاد يفهم عنه الكلام كما قال المفسرون كما قال الله عنه أنه قال: {أية : وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا } تفسير : فسأل الله أن يحل منه عقدة يفقهوا ما يقول فيحصل المقصود التام من المخاطبة والمراجعة والبيان عن المعاني. { وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي } أي معينا يعاونني ويؤازرني ويساعدني على من أرسلت إليهم وسأل أن يكون من أهله لأنه من باب البر وأحق ببر الإنسان قرابته ثم عينه بسؤاله فقال { هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي } أي قوني به وشد به ظهري قال الله: {أية : سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا } تفسير : { وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي } أي في النبوة بأن تجعله نبيا رسولا كما جعلتني. ثم ذكر الفائدة في ذلك فقال { كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا * وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا } علم عليه الصلاة والسلام أن مدار العبادات كلها والدين على ذكر الله فسأل الله أن يجعل أخاه معه يتساعدان ويتعاونان على البر والتقوى فيكثر منهما ذكر الله من التسبيح والتهليل وغيره من أنواع العبادات. { إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا } تعلم حالنا وضعفنا وعجزنا وافتقارنا إليك في كل الأمور وأنت أبصر بنا من أنفسنا وأرحم فمن علينا بما سألناك وأجب لنا فيما دعوناك. فقال الله { قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى } أي أعطيت جميع ما طلبت فسنشرح صدرك ونيسر أمرك ونحل عقدة من لسانك يفقهوا قولك ونشد عضدك بأخيك هارون، {أية : ونجعل لكما سلطانا فلا يصلون إليكما بآياتنا أنتما ومن اتبعكما الغالبون }. تفسير : وهذا السؤال من موسى عليه السلام يدل على كمال معرفته بالله وكمال فطنته ومعرفته للأمور وكمال نصحه وذلك أن الداعي إلى الله المرشد للخلق خصوصا إذا كان المدعو من أهل العناد والتكبر والطغيان يحتاج إلى سعة صدر وحلم تام على ما يصيبه من الأذى ولسان فصيح يتمكن من التعبير به عن ما يريده ويقصده بل الفصاحة والبلاغة لصاحب هذا المقام من ألزم ما يكون لكثرة المراجعات والمراوضات ولحاجته لتحسين الحق وتزيينه بما يقدر عليه ليحببه إلى النفوس وإلى تقبيح الباطل وتهجينه لينفر عنه ويحتاج مع ذلك أيضا أن يتيسر له أمره فيأتي البيوت من أبوابها ويدعو إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن يعامل الناس كلا بحسب حاله وتمام ذلك أن يكون لمن هذه صفته أعوان ووزراء يساعدونه على مطلوبه لأن الأصوات إذا كثرت لا بد أن تؤثر فلذلك سأل عليه الصلاة والسلام هذه الأمور فأعطيها. وإذا نظرت إلى حالة الأنبياء المرسلين إلى الخلق رأيتهم بهذه الحال بحسب أحوالهم خصوصا خاتمهم وأفضلهم محمد صلى الله عليه وسلم فإنه في الذروة العليا من كل صفة كمال وله من شرح الصدر وتيسير الأمر وفصاحة اللسان وحسن التعبير والبيان والأعوان على الحق من الصحابة فمن بعدهم ما ليس لغيره.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):