Verse. 2373 (AR)

٢٠ - طه

20 - Ta-Ha (AR)

قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِيْ صَدْرِيْ۝۲۵ۙ
Qala rabbi ishrah lee sadree

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قال رب اشرح لي صدري» وسّعه لتحمل الرسالة.

25

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن الله تعالى لما أمر موسى عليه السلام بالذهاب إلى فرعون وكان ذلك تكليفاً شاقاً فلا جرم سأل ربه أموراً ثمانية، ثم ختمها بما يجري مجرى العلة لسؤال تلك الأشياء. المطلوب الأول: قوله: {رَبِّ ٱشْرَحْ لِي صَدْرِي } واعلم أنه يقال شرحت الكلام أي بينته وشرحت صدره أي وسعته والأول يقرب منه لأن شرح الكلام لا يحصل إلا ببسطة. والسبب في هذا السؤال ما حكى الله تعالى عنه في موضع آخر وهو قوله: { أية : وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلاَ يَنطَلِقُ لِسَانِي } تفسير : [الشعراء: 13] فسأل الله تعالى أن يبدل ذلك الضيق بالسعة، وقال: {رَبِّ ٱشْرَحْ لِي صَدْرِي } فأفهم عنك ما أنزلت علي من الوحي، وقيل: شجعني لأجترىء به على مخاطبة فرعون ثم الكلام فيه يتعلق بأمور. أحدها: فائدة الدعاء وشرائطه. وثانيها: ما السبب في أن الإنسان لا يذكر وقت الدعاء من أسماء الله تعالى إلا الرب. وثالثها: ما معنى شرح الصدر. ورابعها: بماذا يكون شرح الصدر. وخامسها: كيف كان شرح الصدر في حق موسى عليه السلام ومحمد صلى الله عليه وسلم. وسادسها: صفة صدر موسى عليه السلام هل كان منشرحاً أو لم يكن منشرحاً، فإن كان منشرحاً كان طلب شرح الصدر تحصيلاً للحاصل وهو محال، وإن لم يكن منشرحاً فهو باطل من وجهين. الأول: أنه سبحانه بين له فيما تقدم كل ما يتعلق بالأديان من معرفة الربوبية والعبودية وأحوال المعاد وكل ما يتعلق بشرح الصدر في باب الدين فقد حصل، ثم إنه سبحانه تلطف له بقوله: { أية : وَأَنَا ٱخْتَرْتُكَ فَٱسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى } تفسير : [طه: 13] ثم كلمه على سبيل الملاطفة بقوله: { أية : وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يٰمُوسَىٰ } تفسير : [طه: 17] ثم أظهر له المعجزات العظيمة والكرامات الجسيمة، ثم أعطاه منصب الرسالة بعد أن كان فقيراً وكل ما يتعلق به الإعزاز والإكرام فقد حصل، ولو أن ذرة من هذه المناصب حصلت لأدون الناس لصار منشرح الصدر فبعد حصولها لكليم الله تعالى يستحيل أن لا يصير منشرح الصدر. والثاني: أنه لما لم يصر منشرح الصدر بعد هذه الأشياء لم يجز من الله تعالى تفويض النبوة إليه فإن من كان ضيق القلب مشوش الخاطر لا يصلح للقضاء على ما قال عليه السلام: «حديث : لا يقضي القاضي وهو غضبان» تفسير : فكيف يصلح للنبوة التي أقل مراتبها القضاء؟ فهذا مجموع الأمور التي لا بد من البحث عنها في هذه الآية. أما البحث الأول: وهو فائدة الدعاء وشرائطه فقد تقدم في تفسير قوله: { أية : رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا } تفسير : [البقرة: 286] إلا أنه نذكر منها ههنا بعض الفوائد المتعلقة بهذا الموضع فنقول: اعلم أن للكمال مراتب ودرجات وأعلاها أن يكون كاملاً في ذاته مكملاً لغيره، أما كونه كاملاً في ذاته فكل ما كان كذلك كان كماله من لوازم ذاته، وكل ما كان كذلك كان كاملاً في الأزل ولكنه يستحيل أن يكون مكملاً في الأزل لأن التكميل عبارة عن جعل الشيء كاملاً وذلك لا يتحقق إلا عند عدم الكمال، فإنه لو كان حاصلاً في الأزل لاستحال التأثير فيه، فإن تحصيل الحاصل محال وتكوين الكائن ممتنع فلا جرم أنه سبحانه، وإن كان كاملاً في الأزل إلا أنه يصير مكملاً فيما لا يزال، فإن قيل: إذا كان التكميل من صفات الكمال فحيث لم يكن مكملاً في الأزل فقد كان عارياً عن صفات الكمال فيكون ناقصاً وهو محال، قلنا: النقصان إنما يلزم لو كان ذلك ممكناً في الأزل لكنا بينا أن الفعل الأزلي محال فالتكميل الأزلي محال فعدمه لا يكون نقصاناً، كما أن قولنا: إنه لا يقدر على تكوين مثل نفسه لا يكون نقصاناً لأنه غير ممكن الوجود في نفسه، وكقولنا: إنه لا يعلم عدداً مفصلاً كحركات أهل الجنة لأن كل ما له عدد مفصل فهو متناه، وحركات أهل الجنة غير متناهية فلا يكون له عدد مفصل، فامتنع ذلك لا لقصور في العلم، بل لكونه في نفسه ممتنع الحصول. إذا ثبت هذا فنقول: إنه سبحانه وتعالى لما قصد إلى التكوين وكان الغرض منه تكميل الناقصين لأن الممكنات قابلة للوجود وصفة الوجود صفة كمال فاقتضت قدرة الله تعالى على التكميل وضع مائدة الكمال للممكنات فأجلس على المائدة بعض المعدومات دون البعض لأسباب. أحدها: أن المعدومات غير متناهية فلو أجلس الكل على مائدة الوجود لدخل ما لا نهاية له في الوجود. وثانيها: أنه لو أوجد الكل لما بقي بعد ذلك قادراً على الإيجاد لأن إيجاد الموجود محال، فكان ذلك وإن كان كمالاً للناقص لكنه يقتضي نقصان الكامل فإنه ينقلب القادر من القدرة إلى العجز. وثالثها: أنه لو دخل الكل في الوجود لما بقي فيه تمييز فلا يتميز القادر على الموجب والقدرة كمال والإيجاب بالطبع نقصان، فلهذه الأسباب أخرج بعض الممكنات إلى الوجود فإن قيل عليه سؤالان: أحدهما: أن الموجودات متناهية والمعدومات غير متناهية ولا نسبة للمتناهي إلى غير المتناهي، فتكون أيضاً الضيافة ضيافة للأقل، وأما الحرمان فإنه عدد لما لا نهاية له، وهذا لا يكون وجوداً. الثاني: أن البعض الذي خصه بهذه الضيافة إن كان لاستحقاق حصل فيه دون غيره فذلك الاستحقاق ممن حصل؟ وإن كان لا لهذا الاستحقاق كان ذلك عبثاً وهو محال كما قيل: شعر : يعطي ويمنع لا بخلاً ولا كرماً تفسير : وإنه لا يليق بأكرم الأكرمين. والجواب عن الكل أن هذه الشبهات إنما تدور في العقول والخيالات لأن الإنسان يحاول قياس فعله على فعلنا، وذلك باطل لأنه لا يسأل عما يفعل وهم يسألون. إذا عرفت هذا فهذا الوجود الفائض من نور رحمته على جميع الممكنات هو الضيافة العامة والمائدة الشاملة وهو المراد من قوله: { أية : وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْء } تفسير : [الأعراف: 156] ثم إن الموجودات انقسمت إلى الجمادات وإلى الحيوانات، ولا شك أن الجماد بالنسبة إلى الحيوان كالعدم بالنسبة إلى الوجود لأن الجماد لا خبر عنده من وجوده فوجوده بالنسبة إليه كالعدم وعدمه كالوجود، وأما الحيوان فهو الذي يميز بين الموجود والمعدوم ويتفاوتان بالنسبة إليه ولأن الجماد بالنسبة إلى الحيوان آلة لأن الحيوانات تستعمل الجمادات في أغراض أنفسها ومصالحها وهي كالعبد المطيع المسخر والحيوان كالمالك المستولي، فكانت الحيوانية أفضل من الجمادية فكما أن إحسان الله ورحمته اقتضيا وضع مائدة الوجود لبعض المعدومات دون البعض كذلك اقتضيا وضع مائدة الحياة لبعض الموجودات دون البعض، فلا جرم جعل بعض الموجودات أحياء دون البعض. والحياة بالنسبة إلى الجمادية كالنور بالنسبة إلى الظلمة والبصر بالنسبة إلى العمى والوجود بالنسبة إلى العدم، فعند ذلك صار بعض الموجودات حياً مدركاً للمنافي والملائم واللذة والألم والخير والشر، فمن ثم قالت الأحياء عند ذلك: يا رب الأرباب إنا وإن وجدنا خلعة الوجود وخلعة الحياة وشرفتنا بذلك، لكن ازدادت الحاجة لأنا حال العدم وحال الجمادية ما كنا نحتاج إلى الملائم والموافق وما كنا نخاف المنافي والمؤذي، ولما حصل الوجود والحياة احتجنا إلى طلب الملائم ودفع المنافي فإن لم تكن لنا قدرة على الهرب والطلب والدفع والجذب لبقينا كالزمن المقعد على الطريق عرضة للآفات وهدفاً لسهام البليات فأعطنا من خزائن رحمتك القدرة والقوة التي بها نتمكن من الطلب تارة والهرب أخرى، فاقتضت الرحمة التامة تخصيص بعض الأحياء بالقدرة كما اقتضت تخصيص بعض الموجودات بالحياة وتخصيص بعض المعدومات بالوجود. فقال القادرون عند ذلك: إلهنا الجواد الكريم إن الحياة والقدرة بلا عقل لا تكون إلا لأحد القسمين إما للمجانين المقيدين بالسلاسل والأغلال، وإما للبهائم المستعملة في حمل الأثقال وكل ذلك من صفات النقصان وأنت قد رقيتنا من حضيض النقصان إلى أوج الكمال فأفض علينا من العقل الذي هو أشرف مخلوقاتك وأعز مبدعاتك الذي شرفته بقولك: «بك أهين وبك أثيب وبك أعاقب» حتى تفوز من خزائن رحمتك بالخلع الكاملة والفضيلة التامة فأعطاهم العقل وبعث في أرواحهم نور البصيرة وجوهر الهداية فعند هذه الدرجة فازوا بالخلع الأربعة، الوجود والحياة والقدرة والعقل، فالعقل خاتم الكل والخاتم يجب أن يكون أفضل ألا ترى أن رسولنا صلى الله عليه وسلم لما كان خاتم النبيين كان أفضل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، والإنسان لما كان خاتم المخلوقات الجسمانية كان أفضلها فكذلك العقل لما كان خاتم الخلع الفائضة من حضرة ذي الجلال كان أفضل الخلع وأكملها، ثم نظر العقل في نفسه فرأى نفسه كالجفنة المملوءة من الجواهر النفيسة بل كأنها سماء مملوءة من الكواكب الزاهرة وهي العلوم الضرورية البديهية المركوزة في بدائه العقول وصرائح الأذهان، وكما أن الكواكب المركوزة في السموات علامات يهتدى بها في ظلمات البر والبحر، فكذلك الجواهر المركوزة في سماء العقل كواكب زاهرة يهتدي بها السائرون في ظلمات عالم الأجسام إلى أنوار العالم الروحانية وفسحة السموات وأضوائها. فلما نظر العقل إلى تلك الكواكب الزاهرة والجواهر الباهرة رأى رقم الحدوث على تلك الجواهر وعلى جميع تلك الخلع فاستدل بتلك الأرقام على راقم، وبتلك النقوش على ناقش. وعند ذلك عرف أن النقاش بخلاف النقش والباني بخلاف البناء، فانفتح له من أعلى سماء عالم المحدثات روازن إلى أضواء لوائح عالم القدم وطالع عالم القدم الأزلية والجلال وكان العقل إنما نظر إلى أضواء عالم الأزلية من ظلمات عالم الحدوث والإمكان فغلبته دهشة أنوار الأزلية فعميت عيناه فبقي متحيراً فالتجأ بطبعه إلى مفيض الأنوار، فقال: {رَبِّ ٱشْرَحْ لِي صَدْرِي } فإن البحار عميقة والظلمات متكاثفة، وفي الطريق قطاع من الأعداء الداخلة والخارجة وشياطين الإنس والجن كثيرة فإن لم تشرح لي صدري ولم تكن لي عوناً في كل الأمور انقطعت، وصارت هذه الخلع سبباً لنيل الآفات لا للفوز بالدرجات. فهذا هو المراد من قوله: {رَبِّ ٱشْرَحْ لِي صَدْرِي } ثم قال: {وَيَسّرْ لِي أَمْرِي } وذلك لأن كل ما يصدر من العبد من الأفعال والأقوال والحركات والسكنات فما لم يصر العبد مريداً له استحال أن يصير فاعلاً له، فهذه الإرادة صفة محدثة ولا بد لها من فاعل وفاعلها إن كان هو العبد افتقر في تحصيل تلك الإرادة إلى إرادة أخرى، ولزم التسلسل بل لا بد من الانتهاء إلى إرادة يخلقها مدبر العالم فيكون في الحقيقة هو الميسر للأمور وهو المتمم لجميع الأشياء وتمام التحقيق أن حدوث الصفة لا بد له من قابل وفاعل فعبر عن استعداد القابل بقوله: {رَبِّ ٱشْرَحْ لي صَدْرِي } وعبر عن حصول الفاعل بقوله: {وَيَسّرْ لِي أَمْرِي } وفيه التنبيه على أنه سبحانه وتعالى هو الذي يعطي القابل قابليته والفاعل فاعليته، ولهذا كان السلف رضي الله عنهم يقولون: يا مبتدئاً بالنعم قبل استحقاقها. ومجموع هذين الكلامين كالبرهان القاطع على أن جميع الحوادث في هذا العالم واقعة بقضائه وقدره وحكمته وقدرته. ويمكن أن يقال أيضاً: كأن موسى عليه السلام قال: إلهي لا أكتفي بشرح الصدر ولكن أطلب منك تنفيذ الأمر وتحصيل الغرض فلهذا قال: {وَيَسّرْ لِي أَمْرِي } أو يقال: إنه سبحانه وتعالى لما أعطاه الخلع الأربع وهي الوجود والحياة والقدرة والعقل فكأنه قال له يا موسى أعطيتك هذه الخلع الأربع فلا بد في مقابلتها من خدمات أربع لتقابل كل نعمة بخدمة. فقال موسى عليه السلام: ما تلك الخدمات؟ فقال: وأقم الصلاة لذكري فإن فيها أنواعاً أربعة من الخدمة، القيام والقراءة والركوع والسجود فإذا أتيت بالصلاة فقد قابلت كل نعمة بخدمة، ثم إنه تعالى لما أعطاه الخلعة الخامسة وهي خلعة الرسالة قال: {رَبِّ ٱشْرَحْ لِي صَدْرِي } حتى أعرف أني بأي خدمة أقابل هذه النعمة فقيل له بأن تجتهد في أداء هذه الرسالة على الوجه المطلوب فقال موسى: يا رب إن هذا لا يتأتى مني مع عجزي وضعفي وقلة آلاتي وقوة خصمي فاشرح لي صدري ويسر لي أمري. الفصل الثاني: في قوله: {رَبِّ ٱشْرَحْ لِي صَدْرِي } اعلم أن الدعاء سبب القرب من الله تعالى وإنما اشتغل موسى بهذا الدعاء طلباً للقرب فنفتقر إلى بيان أمرين إلى بيان أن الدعاء سبب القرب ثم إلى بيان أن موسى عليه السلام طلب القرب بهذا الدعاء، أما بيان أن الدعاء سبب القرب فيدل عليه وجوه. الأول: أن الله تعالى ذكر السؤال والجواب في كتابه في عدة مواضع منها أصولية ومنها فروعية، أما الأصولية فأولها في البقرة: { أية : يَسْـئَلُونَكَ عَنِ ٱلأَهِلَّةِ قُلْ هِىَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَٱلْحَجّ } تفسير : [البقرة: 189]. وثانيها: في بني إسرائيل { أية : وَيَسْـئَلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبّى } تفسير : [الإسراء:85]. وثالثها: { أية : وَيَسْـئَلُونَكَ عَنِ ٱلْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبّى نَسْفاً } تفسير : [طه: 105]. ورابعها: { أية : يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَـٰهَا } تفسير : [النازعات: 42] وأما الفروعية فستة منها في البقرة على التوالي. أحدها: { أية : يَسْـئَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُم مّنْ خَيْرٍ فَلِلْوٰلِدَيْنِ وَٱلأَقْرَبِينَ } تفسير : [البقرة: 215] وثانيها: { أية : يَسْـئَلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ } تفسير : [البقرة: 217]. وثالثها: { أية : يَسْـئَلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ } تفسير : [البقرة: 219]. ورابعها: { أية : ويسـئَلونك ماذا ينفقون قل العفو } تفسير : [البقرة: 219]. وخامسها: { أية : وَيَسْـئَلُونَكَ عَنِ ٱلْيَتَـٰمَىٰ قُلْ إصلاحٌ لهم خير } تفسير : [البقرة: 220]. وسادسها: { أية : وَيَسْـئَلُونَكَ عَنِ ٱلْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى } تفسير : [البقرة: 222]. وسابعها: { أية : يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَنفَالِ قُلِ ٱلأَنفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ } تفسير : [الأنفال: 1]. وثامنها: { أية : وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِى ٱلْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُواْ عَلَيْكُم مّنْهُ ذِكْراً } تفسير : [الكهف: 83]. وتاسعها: { أية : وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِى وَرَبّى إِنَّهُ لَحَقٌّ } تفسير : [يونس: 53]. وعاشرها: { أية : يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِى ٱلْكَلَـٰلَةِ } تفسير : [النساء: 176]. والحادية عشر: { أية : وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنّي فَإِنّي قَرِيبٌ } تفسير : [البقرة: 186] إذا عرفت هذا فنقول جاءت هذه الأسئلة والأجوبة على صور مختلفة، فالأغلب فيها أنه سبحانه وتعالى لما ذكر السؤال قال لمحمد صلى الله عليه وسلم قل وفي صورة أخرى جاء الجواب بصيغة فقل مع فاء التعقيب وفي صورة ثالثة ذكر السؤال ولم يذكر الجواب، وهو قوله تعالى: { أية : يَسْـئَلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَـٰهَا } تفسير : [الأعراف: 187] وفي صورة رابعة ذكر الجواب ولم يذكر فيه لفظ قل ولا لفظ فقل وهو قوله تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنّي فَإِنّي قَرِيبٌ } ولا بد لهذه الأشياء من الفائدة فنقول: أما الأجوبة الواردة بلفظ قل فلا إشكال فيها لأن قوله تعالى قل كالتوقيع المحدد في ثبوت نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وكالتشريف المحدد في كونه مخاطباً من الله تعالى بأداء الوحي والتبليغ. وأما الصورة الثانية وهي قوله: { أية : فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبّى نَسْفاً } تفسير : [طه: 105] فالسبب أن قولهم: { أية : وَيَسْـئَلُونَكَ عَنِ ٱلْجِبَالِ } تفسير : [طه: 105] سؤال إما عن قدمها أو عن وجوب بقائها وهذه المسألة من أمهات مسائل أصول الدين فلا جرم أمر الله تعالى محمداً صلى الله عليه وسلم أن يجيب بلفظ الفاء المفيد للتعقيب كأنه سبحانه قال يا محمد أجب عن هذا السؤال في الحال ولا تقتصر فإن الشك فيه كفر ولا تمهل هذا الأمر لئلا يقعوا في الشك والشبهة، ثم كيفية الجواب أنه قال: {فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبّى نَسْفاً } ولا شك أن النسف ممكن لأنه ممكن في حق كل جزء من أجزاء الجبل والحس يدل عليه فوجب أن يكون ممكناً في حق كل الجبل وذلك يدل على أنه ليس بقديم ولا واجب الوجود لأن القديم لا يجوز عليه التغير والنسف، فإن قيل: إنهم قالوا: أخبرنا عن إلهك أهو ذهب أو فضة أو حديد فقال: { أية : قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ } تفسير : [الإخلاص: 1] ولم يقل فقل هو الله أحد مع أن هذه المسألة من المهمات قلنا إنه تعالى لم يحك في هذا الموضع سؤالهم وحرف الفاء من الحروف العاطفة فيستدعي سبق كلام فلما لم يوجد ترك الفاء بخلاف ههنا فإنه تعالى حكى سؤالهم فحسن عطف الجواب عليه بحرف الفاء. وأما الصورة الثالثة: فإنه تعالى لم يذكر الجواب في قوله: {يَسْـئَلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَـٰهَا } فالحكمة فيه أن معرفة وقت الساعة على التعيين مشتملة على المفاسد التي شرحناها فيما سبق فلهذا لم يذكر الله تعالى ذلك الجواب وذلك يدل على أن من الأسئلة ما لا يجاب عنها. وأما الصورة الرابعة: وهي قوله: {فَإِنّي قَرِيبٌ } ولم يذكر في جوابه قل ففيه وجوه. أحدها: أن ذلك يدل على تعظيم حال الدعاء وأنه من أعظم العبادات فكأنه سبحانه قال: يا عبادي أنت إنما تحتاج إلى الواسطة في غير الدعاء أما في مقام الدعاء فلا واسطة بيني وبينك يدل عليه أن كل قصة وقعت لم تكن معرفتها من المهمات. قال لرسوله صلى الله عليه وسلم: اذكر لهم تلك القصة كقوله تعالى: { أية : وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱبْنَىْ ءَادَمَ بِٱلْحَقّ } تفسير : [المائدة: 27]. { أية : وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱلَّذِى ءاتَيْنَـٰهُ ءايَـٰتِنَا فَٱنْسَلَخَ مِنْهَا } تفسير : [الأعراف: 175]. { أية : وَٱذْكُرْ فِى ٱلْكِتَـٰبِ مُوسَىٰ } تفسير : [مريم: 51]، { أية : وَٱذْكُرْ فِى ٱلْكِتَـٰبِ إِسْمَـٰعِيلَ } تفسير : [مريم: 54]. { أية : وَٱذْكُرْ فِى ٱلْكِتَـٰبِ إِدْرِيسَ } تفسير : [مريم: 56]. { أية : وَنَبّئْهُمْ عَن ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ } تفسير : [الحجر: 51]، ثم قال في قصة يوسف: { أية : نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ } تفسير : [يوسف: 3] وفي أصحاب الكهف: { أية : نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نبَأَهُم بِٱلْحَقّ } تفسير : [الكهف: 13]. وما ذاك إلا لما في هاتين القصتين من العجائب والغرائب، والحاصل كأنه سبحانه وتعالى قال: يا محمد إذا سئلت عن غيري فكن أنت المجيب، وإذا سئلت عني فاسكت أنت حتى أكون أنا القائل. وثانيها: أن قوله: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنّي } يدل على أن العبد له [أن يسأل] وقوله: {فَإِنّي قَرِيبٌ } يدل على أن الرب قريب من العبد. وثالثها: لم يقل فالعبد مني قريب، بل قال أنا منه قريب، وهذا فيه سر نفيس فإن العبد ممكن الوجود فهو من حيث هو، هو في مركز العدم وحضيض الفناء، فكيف يكون قريباً، بل القريب هو الحق سبحانه وتعالى فإنه بفضله وإحسانه جعله موجوداً وقربه من نفسه فالقرب منه لا من العبد فلهذا قال: {فَإِنّي قَرِيبٌ }. ورابعها: أن الداعي ما دام يبقى خاطره مشغولاً بغير الله تعالى فإنه لا يكون داعياً لله تعالى فإذا فنى عن الكل وصار مستغرقاً بمعرفة الله الأحد الحق امتنع أن يبقى في مقام الفناء عن غير الله مع الالتفات إلى غير الله تعالى فلا جرم رفعت الواسطة من البين فما قال: فقل إني قريب بل قال: {فَإِنّي قَرِيبٌ } فثبت بما تقرر فضل الدعاء وأنه من أعظم القربات ثم من شأن العبد إذا أراد أن يتحف مولاه أن لا يتحفه إلا بأحسن التحف والهدايا فلا جرم أول ما أراد موسى أن يتحف الحضرة الإلهية بتحف الطاعات والعبادات أتحفها بالدعاء فلا جرم قال: {رَبِّ ٱشْرَحْ لِي صَدْرِي }. والوجه الثاني: في بيان فضل الدعاء قوله عليه السلام: « حديث : الدعاء مخ العبادة » تفسير : ثم إن أول شيء أمر الله تعالى به موسى عليه السلام (العبادة) لأن قوله: { أية : إِنَّنِى أَنَا ٱللَّهُ } تفسير : [طه: 14] إخبار وليس بأمر إنما الأمر قوله: { أية : فَٱعْبُدْنِى } تفسير : [طه: 14] فلما كان أول ما أورد على موسى من الأوامر هو الأمر بالعبادة لا جرم أول ما أتحف به موسى عليه السلام حضرة الربوبية من تحف العبادة هو تحفة الدعاء فقال: {رَبّ ٱشْرَحْ لِى صَدْرِى }. والوجه الثالث: وهو أن الدعاء نوع من أنواع العبادة فكما أنه سبحانه وتعالى أمر بالصلاة والصوم فكذلك أمر بالدعاء ويدل عليه قوله تعالى: { أية : وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنّي فَإِنّي قَرِيبٌ أُجِيبُ } تفسير : [البقرة: 186]. { أية : وَقَالَ رَبُّكُـمْ ٱدْعُونِى أَسْتَجِبْ لَكُمْ } تفسير : [غافر: 60]. { أية : وَٱدْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا } تفسير : [الأعراف: 56]. { أية : ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً } تفسير : [الأعراف: 55]. { أية : هُوَ ٱلْحَىُّ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ فَـٱدْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدّينَ } تفسير : [غافر: 65]. { أية : قُلِ ٱدْعُواْ ٱللَّهَ أَوِ ٱدْعُواْ ٱلرَّحْمَـٰنَ } تفسير : [الإسراء: 110]. { أية : وَٱذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً } تفسير : [الأعراف: 205] وقال صلى الله عليه وسلم: « حديث : ادعوا بياذا الجلال والإكرام » تفسير : فبهذه الآيات عرفنا أن الدعاء عبادة قال بعض الجهال: الدعاء على خلاف العقل من وجوه: أحدها: أنه علام الغيوب يعلم ما في الأنفس وما تخفي الصدور، فأي حاجة بنا إلى الدعاء. وثانيها: أن المطلوب إن كان معلوم الوقوع فلا حاجة إلى الدعاء وإن كان معلوم اللاوقوع فلا فائدة فيه. وثالثها: الدعاء يشبه الأمر والنهي وذلك من العبد في حق المولى سوء أدب. ورابعها: المطلوب بالدعاء إن كان من المصالح فالحكيم لا يهمله وإن لم يكن من المصالح لم يجز طلبه. وخامسها: فقد جاء أن أعظم مقامات الصديقين الرضا بقضاء الله تعالى. وقد ندب إليه والدعاء ينافي ذلك لأنه اشتغال بالالتماس والطلب. وسادسها: قال عليه السلام رواية عن الله تعالى: « حديث : من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطى السائلين » تفسير : فدل على أن الأولى ترك الدعاء والآيات التي ذكرتموها تقتضي وجوب الدعاء. وسابعها: أن إبراهيم عليه السلام لما ترك الدعاء واكتفى بقوله: « حديث : حسبي من سؤالي علمه بحالي » تفسير : استحق المدح العظيم فدل على أن الأولى ترك الدعاء. والجواب عن الأول أنه ليس الغرض من الدعاء الإعلام بل هو نوع تضرع كسائر التضرعات. وعن الثاني: أنه يجري مجرى أن نقول للجائع والعطشان إن كان الشبع معلوم الوقوع فلا حاجة إلى الأكل والشرب وإن كان معلوم اللاوقوع فلا فائدة فيه. وعن الثالث: أن الصيغة وإن كانت صيغة الأمر إلا أن صورة التضرع والخشوع تصرفه عن ذلك. وعن الرابع: يجوز أن يصير مصلحة بشرط سبق الدعاء. وعن الخامس: أنه إذا دعا إظهاراً للتضرع ثم رضي بما قدره الله تعالى فذاك أعظم المقامات وهو الجواب عن البقية إذا ثبت أنه من العبادات، ثم إنه تعالى أمره بالعبادة وبالصلاة أمراً ورد مجملاً لا جرم شرع في أجل العبادات وهو الدعاء. الوجه الرابع: في فضل الدعاء أنه سبحانه لم يقتصر في بيان فضل الدعاء على الأمر به بل بين في آية أخرى أنه يغضب إذا لم يسأل فقال: { أية : فَلَوْلا إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَـٰكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ مَا كَانُواّ يَعْمَلُونَ } تفسير : [الأنعام: 43] وقال عليه السلام: « حديث : لا يقولون أحدكم اللهم اغفر لي إن شئت ولكن يجزم فيقول: اللهم اغفر لي » تفسير : فلهذا السر جزم موسى عليه السلام بالدعاء وقال رب اشرح لي صدري. الوجه الخامس: في فضل الدعاء قوله تعالى: { أية : وَقَالَ رَبُّكُـمْ ٱدْعُونِى أَسْتَجِبْ لَكُمْ } تفسير : [غافر: 60] وفيه كرامة عظيمة لأمتنا لأن بني إسرائيل فضلهم الله تفضيلاً عظيماً فقال في حقهم: { أية : وَأَنّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى ٱلْعَـٰلَمِينَ } تفسير : [البقرة: 47] وقال أيضاً: { أية : وآتاكم ما لم يؤت أحداً من العالمين } تفسير : [المائدة: 20] ثم مع هذه الدرجة العظيمة قالوا لموسى عليه السلام: { أية : ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيّنَ لَّنَا مَا هِىَ } تفسير : [البقرة: 68] وأن الحواريين مع جلالتهم في قولهم: { أية : نَحْنُ أَنْصَارُ ٱللَّهِ } تفسير : [آل عمران: 52] سألوا عيسى عليه السلام أن يسأل لهم مائدة تنزل من السماء ثم إنه سبحانه وتعالى رفع هذه الواسطة في أمتنا فقال مخاطباً لهم من غير واسطة: { أية : ٱدْعُونِى أَسْتَجِبْ لَكُمْ } تفسير : [غافر:60] وقال: { أية : وَٱسْأَلُواْ ٱللَّهَ مِن فَضْلِهِ } تفسير : [النساء: 32] فلهذا السبب لما حصلت هذه الفضيلة لهذه الأمة وكان موسى عليه السلام قد عرفها لا جرم فقال: «اللهم اجعلني من أمة محمد صلى الله عليه وسلم» فلا جرم رفع يديه ابتداء فقال: {رَبِّ ٱشْرَحْ لِي صَدْرِي } واعلم أنه تعالى قال: { أية : وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنّي فَإِنّي قَرِيبٌ } تفسير : [البقرة: 186] ثم إنه تعالى جعل العباد على سبعة أقسام: أحدها: عبد العصمة: { أية : إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَـٰنٌ } تفسير : [الحجر: 42] وموسى عليه السلام كان مخصوصاً بمزيد العصمة: { أية : وَٱصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي } تفسير : [طه: 41] فلا جرم طلب زوائد العصمة فقال: {رَبِّ ٱشْرَحْ لِى صَدْرِى }. وثانيها: عبد الصفوة: { أية : وَسَلَـٰمٌ عَلَىٰ عِبَادِهِ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَى } تفسير : [النمل: 59] وموسى عليه السلام كان مخصوصاً بمزيد الصفوة: { أية : يٰمُوسَىٰ إِنْى ٱصْطَفَيْتُكَ عَلَى ٱلنَّاسِ بِرِسَـٰلَـٰتِي وَبِكَلَـٰمِي } تفسير : [الأعراف: 144] فلا جرم أراد مزيد الصفوة فقال: {رَبِّ ٱشْرَحْ لِي صَدْرِي }. وثالثها: عبد البشارة: { أية : فَبَشّرْ عِبَادِى * ٱلَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ ٱلْقَوْلَ فَيَـتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ } تفسير : [الزمر: 17، 18] وكان موسى عليه السلام مخصوصاً بذلك: { أية : وَأَنَا ٱخْتَرْتُكَ فَٱسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى } تفسير : [طه: 13] فأراد مزيد البشارة فقال: {رَبِّ ٱشْرَحْ لِي صَدْرِي }. ورابعها: عبد الكرامة: { أية : يٰعِبَادِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمُ } تفسير : [الزخرف: 68] وموسى عليه السلام كان مخصوصاً بذلك: { أية : لاَ تَخَافَا إِنَّنِى مَعَكُمَا } تفسير : [طه: 46] فأراد الزيادة عليها فقال: {رَبِّ ٱشْرَحْ لِي صَدْرِي }. وخامسها: عبد المغفرة: { أية : نَبّىء عِبَادِى أَنّى أَنَا ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ } تفسير : [الحجر: 49]، وكان موسى عليه السلام مخصوصاً بذلك: { أية : رَبِّ ٱغْفِرْ لِي } تفسير : [ص: 35] فغفر له فأراد الزيادة فقال: {رَبِّ ٱشْرَحْ لِي صَدْرِي }. وسادسها: عبد الخدمة: {أية : ٱعْبُدُواْ رَبَّكُمُ } تفسير : [البقرة: 21] وموسى عليه السلام كان مخصوصاً بذلك: {وَٱصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي } فطلب الزيادة فيها فقال: {ٱشْرَحْ لِي صَدْرِي }. وسابعها: عبد القربة: { أية : وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنّي فَإِنّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ } تفسير : [البقرة: 186] وموسى عليه السلام كان مخصوصاً بالقرب: { أية : وَنَـٰدَيْنَـٰهُ مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ ٱلأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً } تفسير : [مريم: 52] فأراد كمال القرب فقال: {رَبِّ ٱشْرَحْ لِي صَدْرِي }. الفصل الثالث: في قوله: {رَبِّ ٱشْرَحْ لِي صَدْرِي } وفيه وجوه: أحدها: أنه تعالى لما خاطبه بالأشياء الستة [التي] أحدها: معرفة التوحيد: { أية : إِنَّنِى أَنَا ٱللَّهُ لا إِلَـٰهَ إِلا أَنَاْ } تفسير : [طه: 14]، وثانيها: أمره بالعبادة والصلاة: { أية : فاعبدني وأقم الصلاة لذكري } تفسير : [طه: 14]، وثالثها: معرفة الآخرة: { أية : إِنَّ ٱلسَّاعَةَ ءَاتِيَةٌ } تفسير : [طه: 15] ورابعها: حكمة أفعاله في الدنيا: { أية : وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يٰمُوسَىٰ } تفسير : [طه: 17]، وخامسها: عرض المعجزات الباهرة عليه: { أية : لِنُرِيَكَ مِنْ ءَايَـٰتِنَا ٱلْكُبْرَىٰ } تفسير : [طه: 23]، وسادسها: إرساله إلى أعظم الناس كفراً وعتواً فكانت هذه التكاليف الشاقة سبباً للقهر فأراد موسى عليه السلام جبر هذا القهر بالمعجز فعرفه أن كل من سأله قرب منه فقال: {رَبِّ ٱشْرَحْ لِي صَدْرِي } فأراد جبر القهر الحاصل من هذه التكاليف بالقرب منه فقال: {رَبِّ ٱشْرَحْ لِي صَدْرِي } أو يقال خاف شياطين الإنس والجن فدعا ليصل بسبب الدعاء إلى مقام القرب فيصير مأموناً من غوائل شياطين الجن والإنس. وثانيها: أن المراد أنه أراد الذهاب إلى فرعون وقومه فأراد أن يقطع طمع الخلق عن نفسه بالكلية فعرف أن من دعا ربه قربه له وقربه لديه فحينئذ تنقطع الأطماع بالكلية فقال: {رَبِّ ٱشْرَحْ لِي صَدْرِي }. وثالثها: الوجود كالنور والعدم كالظلمة وكل ما سوى الله تعالى فهو عدم محض فكل شيء هالك إلا وجهه فالكل كأنهم في ظلمات العدم وإظلال عالم الأجسام والإمكان فقال: {رَبِّ ٱشْرَحْ لِي صَدْرِي } حتى يجلس قلبي في بهي ضوء المعرفة وسادة شرح الصدر والجالس في الضوء لا يرى من كان جالساً في الظلمة فحين جلس في ضوء شرح الصدر لا يرى أحداً في الوجود فلهذا عقبه بقوله: {وَيَسّرْ لِي أَمْرِي } فإن العبد في مقام الاستغراق لا يتفرغ لشيء من المهمات. ورابعها: رب اشرح لي صدري فإن عين العين ضعيفة فأطلع يا إلهي شمس التوفيق حتى أرى كل شيء كما هو، وهذا في معنى قول محمد صلى الله عليه وسلم: « حديث : أرنا الأشياء كما هي » تفسير : واعلم أن شرح الصدر مقدمة لسطوع الأنوار الإلهية في القلب والاستماع مقدمة الفهم الحاصل من سماع الكلام فالله تعالى أعطى موسى عليه السلام المقدمة الثانية وهي فاستمع لما يوحى فلا جرم نسج موسى على ذلك المنوال فطلب المقدمة الأخرى فقال: {رَبِّ ٱشْرَحْ لِي صَدْرِي } ولما آل الأمر إلى محمد صلى الله عليه وسلم قيل له: { أية : وَقُل رَّبّ زِدْنِى عِلْماً } تفسير : [طه: 114] والعلم هو المقصود، فلما كان موسى عليه السلام كالمقدمة لمقدم محمد صلى الله عليه وسلم لا جرم أعطى المقدمة، ولما كان محمد كالمقصود لا جرم أعطى المقصود فسبحانه ما أدق حكمته في كل شيء. وسادسها: الداعي له صفتان: إحداهما: أن يكون عبداً للرب: { أية : وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنّي فَإِنّي قَرِيبٌ } تفسير : [البقرة: 186]. وثانيتهما: أن يكون الرب له: { أية : وَقَالَ رَبُّكُـمْ ٱدْعُونِى أَسْتَجِبْ لَكُمْ } تفسير : [غافر: 60] أضاف نفسه إلينا وما أضافنا إلى نفسه والمشتغل بالدعاء قد صار كاملاً من هذين الوجهين فأراد موسى عليه السلام أن يرتع في هذا البستان فقال: {رَبِّ ٱشْرَحْ لِي صَدْرِي }. وسابعها: أن موسى عليه السلام شرفه الله تعالى بقوله: { أية : وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً } تفسير : [مريم: 52] فكأن موسى عليه السلام قال إلهي لما قلت: {وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً } صرت قريباً منك ولكن أريد قربك مني فقال يا موسى أما سمعت قولي: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنّي فَإِنّي قَرِيبٌ } فأشتغل بالدعاء حتى أصير قريباً منك فعند ذلك: {قَالَ رَبِّ ٱشْرَحْ لِي صَدْرِي }. وثامنها: قال موسى عليه السلام: {رَبِّ ٱشْرَحْ لِي صَدْرِي } وقال لمحمد صلى الله عليه وسلم: { أية : أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ } تفسير : [الشرح: 1] ثم إنه تعالى ما تركه على هذه الحالة بل قال: { أية : وَسِرَاجاً مُّنِيراً } تفسير : [الأحزاب: 46] فانظر إلى التفاوت فإن شرح الصدر هو أن يصير الصدر قابلاً للنور والسراج المنير هو أن يعطي النور فالتفاوت بين موسى عليه السلام ومحمد صلى الله عليه وسلم كالتفاوت بين الآخذ والمعطي ثم نقول إلهنا إن ديننا وهي كلمة لا إله إلا الله نور، والوضوء نور، والصلاة نور، والقبر نور، والجنة نور، فبحق أنوارك التي أعطيتنا في الدنيا لا تحرمنا أنوار فضلك وإحسانك يوم القيامة. الفصل الرابع: في قوله: {رَبِّ ٱشْرَحْ لِي صَدْرِي } سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شرح الصدر فقال: نور يقذف في القلب، فقيل: وما أمارته فقال: التجافي عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود والاستعداد للموت قبل النزول، ويدل على أن شرح الصدر عبارة عن النور قوله تعالى: { أية : أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلَـٰمِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مّن رَّبّهِ } تفسير : [الزمر: 22] واعلم أن الله تعالى ذكر عشرة أشياء ووصفها بالنور، أحدها: وصف ذاته بالنور: { أية : ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } تفسير : [النور: 35]. وثانيها: الرسول: { أية : قَدْ جَاءكُمْ مّنَ ٱللَّهِ نُورٌ وَكِتَـٰبٌ مُّبِينٌ } تفسير : [المائدة: 15]. وثالثها: القرآن: { أية : وَٱتَّبَعُواْ ٱلنُّورَ ٱلَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ } تفسير : [الأعراف: 157]. ورابعها: الإيمان: { أية : يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفْوٰهِهِمْ } تفسير : [التوبة: 32]. وخامسها: عدل الله: { أية : وَأَشْرَقَتِ ٱلأَرْضُ بِنُورِ رَبّهَا } تفسير : [الزمر: 69]. وسادسها: ضياء القمر: { أية : وَجَعَلَ ٱلْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً } تفسير : [نوح: 16]، وسابعها: النهار: { أية : وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَـٰتِ وَٱلنُّورَ } تفسير : [الأنعام: 1]. وثامنها: البينات: { أية : إِنَّا أَنزَلْنَا ٱلتَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ } تفسير : [المائدة: 44]. وتاسعها: الأنبياء: { أية : نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ } تفسير : [النور: 35]. وعاشرها: المعرفة: { أية : مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ } تفسير : [النور: 35] إذا ثبت هذا فنقول كأن موسى عليه السلام قال: {رَبِّ ٱشْرَحْ لِي صَدْرِي } بمعرفة أنوار جلالك وكبريائك. وثانيها: رب اشرح لي صدري، بالتخلق بأخلاق رسلك وأنبيائك. وثالثها: رب اشرح لي صدري، باتباع وحيك وامتثال أمرك ونهيك. ورابعها: رب اشرح لي صدري، بنور الإيمان والإيقان بإلهيتك. وخامسها: رب اشرح صدري بالإطلاع على أسرار عدلك في قضائك وحكمك. وسادسها: رب اشرح لي صدري بالإنتقال من نور شمسك وقمرك إلى أنوار جلال عزتك كما فعله إبراهيم عليه السلام حيث انتقل من الكوكب والقمر والشمس إلى حضرة العزة. وسابعها: رب اشرح لي صدري من مطالعة نهارك وليلك إلى مطالعة نهار فضلك وليل عدلك. وثامنها: رب اشرح لي صدري بالإطلاع على مجامع آياتك ومعاقد بيناتك في أرضك وسمواتك. وتاسعها: رب اشرح لي صدري في أن أكون خلف صور الأنبياء المتقدمين ومتشبهاً بهم في الإنقياد لحكم رب العالمين. وعاشرها: رب اشرح لي صدري بأن تجعل سراج الإيمان في قلبي كالمشكاة التي فيها المصباح، واعلم أن شرح الصدر عبارة عن إيقاد النور في القلب حتى يصير القلب كالسراج وذلك النور كالنار، ومعلوم أن من أراد أن يستوقد سراجاً احتاج إلى سبعة أشياء: زند وحجر وحراق وكبريت ومسرجة وفتيلة ودهن. فالعبد إذا طلب النور الذي هو شرح الصدر افتقر إلى هذه السبعة. فأولها: لا بد من زند المجاهدة: { أية : وَٱلَّذِينَ جَـٰهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا } تفسير : [العنكبوت: 69]. وثانيها: حجر التضرع: { أية : ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً } تفسير : [الأعراف: 55]. وثالثها: حراق منع الهوى: { أية : وَنَهَى ٱلنَّفْسَ عَنِ ٱلْهَوَىٰ } تفسير : [النازعات: 40]. ورابعها: كبريت الإنابة: { أية : وَأَنِـيبُواْ إِلَىٰ رَبّكُمْ } تفسير : [الزمر: 54] ملطخاً رؤوس تلك الخشبات بكبريت توبوا إلى الله. وخامسها: مسرجة الصبر: { أية : وَٱسْتَعِينُواْ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلَوٰةِ } تفسير : [البقرة: 45]. وسادسها: فتيلة الشكر: { أية : لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ } تفسير : [إبراهيم: 7]. وسابعها: دهن الرضا: { أية : وَٱصْبِرْ لِحُكْمِ رَبّكَ } تفسير : [الطور: 48] أي ارض بقضاء ربك فإذا صلحت هذه الأدوات فلا تعول عليها بل ينبغي أن لا تطلب المقصود إلا من حضرته: { أية : مَّا يَفْتَحِ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا } تفسير : [فاطر: 2] ثم اطلبها بالخشوع والخضوع: { أية : وَخَشَعَتِ ٱلأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَـٰنِ فَلاَ تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْساً } تفسير : [طه: 108] فعند ذلك ترفع يد التضرع وتقول: {رَبِّ ٱشْرَحْ لِي صَدْرِي } فهنالك تسمع؛ { أية : قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يٰمُوسَىٰ } تفسير : [طه: 36] ثم نقول هذا النور الروحاني المسمى بشرح الصدر أفضل من الشمس الجسمانية لوجوه: أحدها: الشمس تحجبها غمامة وشمس المعرفة لا يحجبها السموات السبع: { أية : إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيّبُ } تفسير : [فاطر: 10]. وثانيها: الشمس تغيب ليلاً وتعود نهاراً قال إبراهيم عليه السلام: { أية : لا أُحِبُّ ٱلأَفِلِينَ } تفسير : [الأنعام: 76] أما شمس المعرفة فلا تغيب ليلاً: { أية : إِنَّ نَاشِئَةَ ٱلَّيْلِ هِىَ أَشَدُّ وطئاً } تفسير : [المزمل: 6] { أية : وَٱلْمُسْتَغْفِرِينَ بِٱلأَسْحَارِ } تفسير : [آل عمران: 17] بل أكمل الخلع الروحانية تحصل في الليل: { أية : سُبْحَانَ ٱلَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلاً } تفسير : [الإسراء: 1]. وثالثها: الشمس تفنى: { أية : إِذَا ٱلشَّمْسُ كُوّرَتْ } تفسير : [التكوير: 1] وشمس المعرفة لا تفنى: { أية : سَلاَمٌ قَوْلاً مّن رَّبّ رَّحِيمٍ } تفسير : [يس: 58]. ورابعها: الشمس إذا قابلها القمر انكسفت أما ههنا فشمس المعرفة وهي معرفة أشهد أن لا إله إلا الله ما لم يقابلها قمر أشهد أن محمداً رسول الله لم يصل نوره إلى عالم الجوارح. وخامسها: الشمس تسود الوجوه والمعرفة تبيضها: { أية : يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ } تفسير : [آل عمران: 106]. وسادسها: الشمس تحرق والمعرفة تنجي من الحرق، جزياً مؤمن فإن نورك قد أطفأ لهبي. وسابعها: الشمس تصدع والمعرفة تصعد: { أية : إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيّبُ } تفسير : [فاطر: 10]. وثامنها: الشمس منفعتها في الدنيا والمعرفة منفعتها في العقبى: { أية : وَٱلْبَـٰقِيَاتُ ٱلصَّـٰلِحَاتُ خَيْرٌ } تفسير : [الكهف: 46]. وتاسعها: الشمس في السماء زينة لأهل الأرض والمعرفة في الأرض زينة لأهل السماء. وعاشرها: الشمس فوقاني الصورة تحتاني المعنى وذلك يدل على الحسد مع التكبر، والمعارف الإلهية تحتانية الصورة فوقانية المعنى، وذلك يدل على التواضع مع الشرف. وحادي عشرها: الشمس تعرف أحوال الخلق وبالمعرفة يصل القلب إلى الخالق. وثاني عشرها: الشمس تقع على الولي والعدو والمعرفة لا تحصل إلا للولي فلما كانت المعرفة موصوفة بهذه الصفات النفيسة لا جرم قال موسى: {رَبِّ ٱشْرَحْ لِي صَدْرِي } وأما النكت: فإحداها: الشمس سراج استوقدها الله تعالى للفناء: { أية : كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ } تفسير : [الرحمن: 26] والمعرفة استوقدها للبقاء فالذي خلقها للفناء لو قرب الشيطان منها لاحترق: { أية : شِهَاباً رَّصَداً } تفسير : [الجن: 9] والمعرفة التي خلقها للبقاء كيف يقرب منها الشيطان: {رَبِّ ٱشْرَحْ لِي صَدْرِي }. وثانيتها: استوقد الله الشمس في السماء وإنها تزيل الظلمة عن بيتك مع بعدها عن بيتك، وأوقد شمس المعرفة في قلبك أفلا تزيل ظلمة المعصية والكفر عن قلبك مع قربها منك. وثالثتها: من استوقد سراجاً فإنه لا يزال يتعهده ويمده والله تعالى هو الموقد لسراج المعرفة: { أية : وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ ٱلإيمَـٰنَ } تفسير : [الحجرات: 7] أفلا يمده وهو معنى قوله: {رَبِّ ٱشْرَحْ لِي صَدْرِي }. ورابعتها: اللص إذا رأى السراج يوقد في البيت لا يقرب منه والله قد أوقد سراج المعرفة في قلبك فكيف يقرب الشيطان منه فلهذا قال: {رَبِّ ٱشْرَحْ لِي صَدْرِي }. وخامستها: المجوس أوقدوا ناراً فلا يريدون إطفاءها والملك القدوس أوقد سراج الإيمان في قلبك فكيف يرضى بإطفائه، واعلم أنه سبحانه وتعالى أعطى قلب المؤمن تسع كرامات، أحدها: الحياة: { أية : أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَـٰهُ } تفسير : [الأنعام: 122] فلما رغب موسى عليه السلام في الحياة الروحانية قال: {رَبِّ ٱشْرَحْ لِي صَدْرِي } ثم النكتة أنه عليه السلام قال من أحيا أرضاً ميتة فهي له فالعبد لما أحيا أرضاً فهي له فالرب لما خلق القلب وأحياه بنور الإيمان فكيف يجوز أن يكون لغيره فيه نصيب: { أية : قُلِ ٱللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ } تفسير : [الأنعام: 91] وكما أن الإيمان حياة القلب بالكفر موته: { أية : أَمْوٰتٌ غَيْرُ أَحْيَاء وَمَا يَشْعُرُونَ } تفسير : [النحل: 21]. وثانيها: الشفاء: { أية : وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ } تفسير : [التوبة: 14] فلما رغب موسى في الشفاء رفع الأيدي قال: {رَبِّ ٱشْرَحْ لِي صَدْرِي } والنكتة أنه تعالى لما جعل الشفاء في العسل بقي شفاء أبداً فههنا لما وضع الشفاء في الصدر فكيف لا يبقى شفاء أبداً. وثالثها: الطهارة: { أية : أُوْلَـئِكَ ٱلَّذِينَ ٱمْتَحَنَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَىٰ } تفسير : [الحجرات: 3] فلما رغب موسى عليه السلام في تحصيل طهارة التقوى قال: {رَبِّ ٱشْرَحْ لِي صَدْرِي } والنكتة أن الصائغ إذا امتحن الذهب مرة فبعد ذلك لا يدخله في النار فههنا لما امتحن الله قلب المؤمن فكيف يدخله النار ثانياً ولكن الله يدخل في النار قلب الكافر: { أية : لِيَمِيزَ ٱللَّهُ ٱلْخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيّبِ } تفسير : [الأنفال: 37]. ورابعها: الهداية ومن يؤمن بالله يهد قلبه فرغب موسى عليه السلام في طلب زوائد الهداية فقال: {رَبِّ ٱشْرَحْ لِي صَدْرِي } والنكتة أن الرسول يهدي نفسك والقرآن يهدي روحك والمولى يهدي قلبك فلما كانت الهداية من الكفر من محمد صلى الله عليه وسلم لا جرم تارة تحصل وأخرى لا تحصل: { أية : إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء } تفسير : [القصص: 56] وهداية الروح لما كانت من القرآن فتارة تحصل وأخرى لا تحصل: { أية : يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا } تفسير : [البقرة: 26] أما هداية القلب فلما كانت من الله تعالى فإنها لا تزول لأن الهادي لا يزول: { أية : وَيَهْدِي مَن يَشَاء إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } تفسير : [يونس: 25]. وخامسها: الكتابة: { أية : أُوْلَـئِكَ كَتَبَ فِى قُلُوبِهِمُ ٱلإيمَـٰنَ } تفسير : [المجادلة: 22] فلما رغب موسى عليه السلام في تلك الكتابة قال: {رَبِّ ٱشْرَحْ لِي صَدْرِي } وفيه نكت: الأولى: أن الكاغدة ليس لها خطر عظيم وإذا كتب فيها القرآن لم يجز إحراقها فقلب المؤمن كتب فيه جميع أحكام ذات الله تعالى وصفاته فكيف يليق بالكريم إحراقه. الثانية: بشر الحافي أكرم كاغداً فيه اسم الله تعالى فنال سعادة الدارين فإكرام قلب فيه معرفة الله تعالى أولى بذلك. والثالثة: كاغد ليس فيه خط إذا كتب فيه اسم الله الأعظم عظم قدره حتى أنه لا يجوز للجنب والحائض أن يمسه بل قال الشافعي رحمه الله تعالى ليس له أن يمس جلد المصحف، وقال الله تعالى: { أية : لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ ٱلْمُطَهَّرُونَ } تفسير : [الواقعة: 79] فالقلب الذي فيه أكرم المخلوقات: { أية : وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي ءَادَمَ } تفسير : [الإسراء: 70] كيف يجوز للشيطان الخبيث أن يمسه والله أعلم. وسادسها: السكينة: { أية : هُوَ ٱلَّذِى أَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ فِى قُلُوبِ ٱلْمُؤْمِنِينَ } تفسير : [الفتح: 4] فلما رغب موسى عليه السلام في طلب السكينة قال: {رَبِّ ٱشْرَحْ لِي صَدْرِي } والنكتة أن أبا بكر رضي الله عنه كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان خائفاً فلما نزلت السكينة عليه قال: لا تحزن فلما نزلت سكينة الإيمان فرجوا أن يسمعوا خطاب: { أية : أَلاَّ تَخَافُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ } تفسير : [فصلت: 30] وأيضاً لما نزلت السكينة صار من الخلفاء: { أية : وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِى ٱلأَرْضِ } تفسير : [النور: 55] أي أن يصيروا خلفاء الله في أرضه. وسابعها: المحبة والزينة: { أية : وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ ٱلإيمَـٰنَ وَزِينَه فِي قُلُوبِكُمْ } تفسير : [الحجرات: 7] والنكتة أن من ألقى حبة في أرض فإنه لا يفسدها ولا يحرقها فهو سبحانه وتعالى ألقى حبة المحبة في أرض القلب فكيف يحرقها. وثامنها: { أية : وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبُكُمْ } تفسير : [الأنفال: 63] والنكتة أن محمداً صلى الله عليه وسلم ألف بين قلوب أصحابه ثم إنه ما تركهم [في] غيبة ولا حضور: « حديث : سلام علينا وعلى عباد الله الصالحين » تفسير : فالرحيم كيف يتركهم. وتاسعها: الطمأنينة: { أية : أَلاَ بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ } تفسير : [الرعد: 28] وموسى طلب الطمأنينة فقال: {رَبِّ ٱشْرَحْ لِي صَدْرِي } والنكتة أن حاجة العبد لا نهاية لها فلهذا لو أعطى كل ما في العالم من الأجسام فإنه لا يكفيه لأن حاجته غير متناهية والأجسام متناهية والمتناهي لا يصير مقابلاً لغير المتناهي بل الذي يكفي في الحاجة الغير المتناهية الكمال الذي لا نهاية له وما ذاك إلا للحق سبحانه وتعالى فلهذا قال: {أَلاَ بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ } ولما عرفت حقيقة شرح الصدر للمؤمنين فاعرف صفات قلوب الكافرين لوجوه: أحدها: فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم. وثانيها: ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم. وثالثها: في قلوبهم مرض. ورابعها: جعلنا قلوبهم قاسية. وخامسها: إنا جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه. وسادسها: ختم الله على قلوبهم. وسابعها: أم على قلوب أقفالها. وثامنها: كلا بل ران على قلوبهم. وتاسعها: أولئك الذين طبع الله على قلوبهم. إلهنا وسيدنا بفضلك وإحسانك أغلق هذه الأبواب التسعة من خذلانك عنا واجبرنا بإحسانك وافتح لنا تلك الأبواب التسعة من إحسانك بفضلك ورحمتك إنك على ما تشاء قدير. الفصل الخامس: في حقيقة شرح الصدر، ذكر العلماء فيه وجهين: الأول: أن لا يبقى للقلب التفات إلى الدنيا لا بالرغبة ولا بالرهبة أما الرغبة فهي أن يكون متعلق القلب بالأهل والولد وبتحصيل مصالحهم ودفع المضار عنهم، وأما الرهبة فهي أن يكون خائفاً من الأعداء والمنازعين فإذا شرح الله صدره صغر كل ما يتعلق بالدنيا في عين همته، فيصير كالذباب والبق والبعوض لا تدعوه رغبة إليها ولا تمنعه رهبة عنها، فيصير الكل عنده كالعدم وحينئذ يقبل القلب بالكلية نحو طلب مرضاة الله تعالى، فإن القلب في المثال كينبوع من الماء والقوة البشرية لضعفها كالينبوع الصغير فإذا فرقت ماء العين الواحدة على الجداول الكثيرة ضعفت الكل فأما إذا انصب الكل في موضع واحد قوي فسأل موسى عليه السلام ربه أن يشرح له صدره بأن يوقفه على معايب الدنيا وقبح صفاتها حتى يصير قلبه نفوراً عنها فإذا حصلت النفرة توجه إلى عالم القدس ومنازل الروحانيات بالكلية. الثاني: أن موسى عليه السلام لما نصب لذلك المنصب العظيم احتاج إلى تكاليف شاقة منها ضبط الوحي والمواظبة على خدمة الخالق سبحانه وتعالى ومنها إصلاح العالم الجسداني فكأنه صار مكلفاً بتدبير العالمين والالتفات إلى أحدهما يمنع من الاشتغال بالآخر، ألا ترى أن المشتغل بالإبصار يصير ممنوعاً عن السماع والمشتغل بالسماع يصير ممنوعاً عن الإبصار والخيال، فهذه القوى متجاذبة متنازعة وأن موسى عليه السلام كان محتاجاً إلى الكل ومن استأنس بجمال الحق استوحش من جمال الخلق فسأل موسى ربه أن يشرح صدره بأن يفيض عليه كمالاً من القوة لتكون قوته وافية بضبط العالمين فهذا هو المراد من شرح الصدر. وذكر العلماء لهذا المعنى أمثلة. المثال الأول: اعلم أن البدن بالكلية كالمملكة والصدر كالقلعة والفؤاد كالقصر والقلب كالتخت والروح كالملك والعقل كالوزير والشهوة كالعامل الكبير الذي يجلب النعم إلى البلدة والغضب كالاسفهسالار الذي يشتغل بالضرب والتأديب أبداً والحواس كالجواسيس وسائر القوى كالخدم والعملة والصناع ثم إن الشيطان خصم لهذه البلدة ولهذه القلعة ولهذا الملك فالشيطان هو الملك والهوى والحرص وسائر الأخلاق الذميمة جنوده فأول ما أخرج الروح وزيره وهو العقل فكذا الشيطان أخرج في مقابلته الهوى فجعل العقل يدعو إلى الله تعالى والهوى يدعو إلى الشيطان ثم إن الروح أخرج الفطنة إعانة للعقل فأخرج الشيطان في مقابلة الفطنة الشهوة، فالفطنة توقفك على معايب الدنيا والشهوة تحركك إلى لذات الدنيا ثم إن الروح أمد الفطنة بالفكرة لتقوي الفطنة بالفكرة فتقف على الحاضر والغائب من المعائب على ما قال عليه السلام: « حديث : تفكر ساعة خير من عبادة سنة » تفسير : فأخرج الشيطان في مقابلة الفكرة الغفلة ثم أخرج الروح الحلم والثبات فإن العجلة ترى الحسن قبيحاً والقبيح حسناً والحلم يوقف العقل على قبح الدنيا فأخرج الشيطان في مقابلته العجلة والسرعة فلهذا قال عليه السلام: « حديث : ما دخل الرفق في شيء إلا زانه ولا الخرق في شيء إلا شانه » تفسير : ولهذا خلق السموات والأرض في ستة أيام ليتعلم منه الرفق والثبات فهذه هي الخصومة الواقعة بين الصنفين، وقلبك وصدرك هو القلعة. ثم إن لهذا الصدر الذي هو القلعة خندقاً وهو الزهد في الدنيا وعدم الرغبة فيها وله سور وهو الرغبة الآخرة ومحبة الله تعالى فإن كان الخندق عظيماً والسور قوياً عجز عسكر الشيطان عن تخريبه فرجعوا وراءهم وتركوا القلعة كما كانت وإن كان خندق الزهد غير عميق وسور حب الآخرة غير قوي قدر الخصم على استفتاح قلعة الصدر فيدخلها ويبيت فيها جنوده من الهوى والعجب والكبر والبخل وسوء الظن بالله تعالى والنميمة والغيبة فينحصر الملك في القصر ويضيق الأمر عليه فإذا جاء مدد التوفيق وأخرج هذا العسكر من القلعة انفسح الأمر وانشرح الصدر وخرجت ظلمات الشيطان ودخلت أنوار هداية رب العالمين وذلك هو المراد بقوله: {رَبّ ٱشْرَحْ لِي صَدْرِي }. المثال الثاني: اعلم أن معدن النور هو القلب واشتغال الإنسان بالزوجة والولد والرغبة في مصاحبة الناس والخوف من الأعداء هو الحجاب المانع من وصول نور شمس القلب إلى فضاء الصدر فإذا قوى الله بصيرة العبد حتى طالع عجز الخلق وقلة فائدتهم في الدارين صغروا في عينه ولا شك في أنهم من حيث هم عدم محض على ما قال تعالى: { أية : كُلُّ شَىْء هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ } تفسير : [القصص: 88] فلا يزال العبد يتأمل فيما سوى الله تعالى إلى أن يشاهد أنهم عدم محض فعند ذلك يزول الحجاب بين قلبه وبين أنوار جلال الله تعالى وإذا زال الحجاب امتلأ القلب من النور فذلك هو انشراح الصدر. الفصل السادس: في الصدر إعلم أنه يجيء والمراد منه القلب: { أية : أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلَـٰمِ } تفسير : [الزمر: 22]، { رَبِّ ٱشْرَحْ لِي صَدْرِي }، { أية : وَحُصّلَ مَا فِي ٱلصُّدُورِ } تفسير : [العاديات: 10]، { أية : يَعْلَمُ خَائِنَةَ ٱلأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي ٱلصُّدُورُ } تفسير : [غافر: 19] وقد يجيء والمراد الفضاء الذي فيه الصدر: { أية : فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى ٱلأَبْصَـٰرُ وَلَـٰكِن تَعْمَىٰ ٱلْقُلُوبُ ٱلَّتِي فِي ٱلصُّدُورِ } تفسير : [الحج: 46] واختلف الناس في أن محل العقل هل هو القلب أو الدماغ وجمهور المتكلمين على أنه القلب، وقد شرحنا هذه المسألة في سورة الشعراء في تفسير قوله: { أية : نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ * عَلَىٰ قَلْبِكَ } تفسير : [الشعراء: 193، 194] وقال بعضهم المواد أربعة: الصدر والقلب والفؤاد واللب فالصدر مقر الإسلام: { أية : أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلَـٰمِ } تفسير : [الزمر: 22] والقلب مقر الإيمان: { أية : وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ ٱلإيمَـٰنَ وَزِينَةٌ فِي قُلُوبِكُمْ } تفسير : [الحجرات: 7] والفؤاد مقر المعرفة: { أية : مَا كَذَبَ ٱلْفُؤَادُ مَا رَأَىٰ } تفسير : [النجم: 11]، { أية : إِنَّ ٱلسَّمْعَ وَٱلْبَصَرَ وَٱلْفُؤَادَ كُلُّ أُولـٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً } تفسير : [الإسراء: 36] واللب مقر التوحيد: { أية : إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُو ٱلأَلْبَـٰبِ } تفسير : [الرعد: 19] واعلم أن القلب أول ما بعث إلى هذا العالم بعث خالياً عن النقوش كاللوح الساذج وهو في عالم البدن كاللوح المحفوظ، ثم إنه تعالى يكتب فيه بقلم الرحمة والعظمة كل ما يتعلق بعالم العقل من نقوش الموجودات وصور الماهيات وذلك يكون كالسطر الواحد إلى آخر قيام القيامة لهذا العالم الأصغر وذلك هو الصورة المجردة والحالة المطهرة، ثم إن العقل يركب سفينة التوفيق ويلقيها في بحار أمواج المعقولات وعوالم الروحانيات فيحصل من مهاب رياح العظمة والكبرياء رخاء السعادة تارة ودبور الإدبار أخرى، فربما وصلت سفينة النظر إلى جانب مشرق الجلال فتسطع عليه أنوار الإلهية ويتخلص العقل عن ظلمات الضلالات، وربما توغلت السفينة في جنوب الجهالات فتنكسر وتغرق فحيثما تكون السفينة في ملتطم أمواج العزة يحتاج حافظ السفينة إلى التماس الأنوار والهدايات فيقول هناك: {رَبّ ٱشْرَحْ لِى صَدْرِى } واعلم أن العقل إذا أخذ في الترقي من سفل الإمكان إلى علو الوجوب كثر اشتغاله بمطالعة الماهيات ومقارفة المجردات والمفارقات، ومعلوم أن كل ماهية فهي إما هي معه أو هي له، فإن كانت هي معه امتلأت البصيرة من أنوار جلال العزة الإلهية فلا يبقى هناك مستطلعاً لمطالعة سائر الأنوار فيضمحل كل ما سواه من بصر وبصيرة، وإن وقعت المطالعة لما هو له حصلت هناك حالة عجيبة، وهي أنه لو وضعت كرة صافية من البلور فوقع عليها شعاع الشمس فينعكس ذلك الشعاع إلى موضع معين فذلك الموضع الذي إليه تنعكس الشعاعات يحترق فجميع الماهيات الممكنة كالبلور الصافي الموضوع في مقابلة شمس القدس ونور العظمة ومشرق الجلال، فإذا وقع للقلب التفات إليها حصلت للقلب نسبة إليها بأسرها فينعكس شعاع كبرياء الإلهية عن كل واحد منها إلى القلب فيحترق القلب، ومعلوم أنه كلما كان المحرق أكثر، كان الإحتراق أتم فقال: {رَبِّ ٱشْرَحْ لِي صَدْرِي } حتى أقوى على إدراك درجات الممكنات فأصل إلى مقام الاحتراق بأنوار الجلال، وهذا هو المراد بقوله عليه السلام: «حديث : أرنا الأشياء كما هي» تفسير : فلما شاهد احتراقها بأنوار الجلال قال: «حديث : لا أحصى ثناء عليك».تفسير : الفصل السابع: في بقية الأبحاث إنما قال: {رَبِّ ٱشْرَحْ لِي صَدْرِي } ولم يقل رب اشرح صدري ليظهر أن منفعة ذلك الشرح عائدة إلى موسى عليه السلام لا إلى الله، وأما كيفية شرح صدر رسول الله صلى الله عليه وسلم والمفاضلة بينه وبين شرح صدر موسى عليه السلام فنذكره إن شاء الله في تفسير قوله: { أية : أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ } تفسير : [الشرح: 1]، والله أعلم بالصواب. المطلوب الثاني: قوله: {وَيَسّرْ لِي أَمْرِي } والمراد منه عند أهل السنة خلقها وعند المعتزلة تحريك الدواعي والبواعث بفعل الألطاف المسهلة، فإن قيل: كل ما أمكن من اللطف فقد فعله الله تعالى فأي فائدة في هذا السؤال، قلنا يحتمل أن يكون هناك من الألطاف ما لا يحسن فعلها إلا بعد هذا السؤال ففائدة السؤال حسن فعل تلك الألطاف. المطلوب الثالث: قوله: {وَٱحْلُلْ عُقْدَةً مّن لِّسَانِي * يَفْقَهُواْ قَوْلِي } وفيه مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن النطق فضيلة عظيمة ويدل عليه وجوه. أحدها: قوله تعالى: { أية : خَلَقَ ٱلإِنسَـٰنَ * عَلَّمَهُ ٱلبَيَانَ } تفسير : [الرحمن: 3، 4] ولم يقل وعلمه البيان لأنه لو عطفه عليه لكان مغايراً له، أما إذا ترك الحرف العاطف صار قوله: {عَلَّمَهُ ٱلبَيَانَ } كالتفسير لقوله: {خَلَقَ ٱلإِنسَـٰنَ } كأنه إنما يكون خالقاً للإنسان إذا علمه البيان، وذلك يرجع إلى الكلام المشهور من أن ماهية الإنسان هي الحيوان الناطق. وثانيها: اتفاق العقلاء على تعظيم أمر اللسان، قال زهير: شعر : لسان الفتى نصف ونصف فؤاده فلم يبق إلا صورة اللحم والدم تفسير : وقال علي: ما الإنسان لولا اللسان إلا بهيمة مهملة أو صورة ممثلة. والمعنى أنا لو أزلنا الإدراك الذهني والنطق اللساني لم يبق من الإنسان إلا القدر الحاصل في البهائم، وقالوا: المرء بأصغريه قلبه ولسانه. وقال صلى الله عليه وسلم: « حديث : المرء مخبوء تحت لسانه » تفسير : . وثالثها: أن في مناظرة آدم مع الملائكة ما ظهرت الفضيلة إلا بالنطق حيث قال: { أية : يَـاءَادَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنبَأَهُم بِأَسْمَائِهِم قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِي أَعْلَمُ غَيْبَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ } تفسير : [البقرة: 33]. ورابعها: أن الإنسان جوهر مركب من الروح والقالب وروحه من عالم الملائكة فهو يستفيد أبداً صور المغيبات من عالم الملائكة ثم بعد تلك الاستفادة يفيضها على عالم الأجسام وواسطته في تلك الاستفادة هي الفكر الذهني وواسطته في هذه الإفادة هي النطق اللساني فكما أن تلك الواسطة أعظم العبادات حتى قيل: « حديث : تفكر ساعة خير من عبادة سنة » تفسير : فكذلك الواسطة في الإفادة يجب أن تكون أشرف الأعضاء فقوله: {رَبِّ ٱشْرَحْ لِي صَدْرِي } إشارة إلى طلب النور الواقع في الروح، وقوله: {وَيَسّرْ لِي أَمْرِي } إشارة إلى تحصيل ذلك وتسهيل ذلك التحصيل، وعند ذلك يحصل الكمال في تلك الاستفادة الروحانية فلا يبقى بعد هذا إلا المقام البياني وهو إفاضة ذلك الكمال على الغير وذلك لا يكون إلا باللسان. فلهذا قال: {وَٱحْلُلْ عُقْدَةً مّن لِّسَانِي }. وخامسها: وهو أن العلم أفضل المخلوقات على ما ثبت والجود والإعطاء أفضل الطاعات، وليس في الأعضاء أفضل من اليد، فاليد لما كانت آلة في العطية الجسمانية قيل: «اليد العليا خير من اليد السفلى» فالعلم الذي هو خير من المال لما كانت آلة إعطائه اللسان وجب أن يكون أشرف الأعضاء، ولا شك أن اللسان هو الآلة في إعطاء المعارف فوجب أن يكون أشرف الأعضاء، ومن الناس من مدح الصمت لوجوه، أحدها: قوله عليه السلام: «حديث : الصمت حكمة وقليل فاعله» تفسير : ويروى أن الإنسان تفكر أعضاؤه اللسان ويقلن اتق الله فينا فإنك إن استقمت استقمنا، وإن اعوججت اعوججنا. وثانيها: أن الكلام على أربعة أقسام منه ما ضرره خالص أو راجح، ومنه ما يستوي الضرر والنفع فيه ومنه ما نفعه راجح ومنه ما هو خالص النفع، أما الذي ضرره خالص أو راجح فواجب الترك، والذي يستوي الأمران فيه فهو عيب، فبقي القسمان الأخيران وتخليصهما عن زيادة الضرر عسر، فالأولى ترك الكلام. وثالثها: أن ما من موجود أو معدوم خالق أو مخلوق معلوم أو موهوم إلا واللسان يتناوله ويتعرض له بإثبات أو نفي، فإن كل ما يتناوله الضمير يعبر عنه اللسان بحق أو باطل، وهذه خاصية لا توجد في سائر الأعضاء، فإن العين لا تصل إلى غير الألوان، والصور والآذان لا تصل إلا إلى الأصوات والحروف، واليد لا تصل إلى غير الأجسام، وكذا سائر الأعضاء بخلاف اللسان فإنه رحب الميدان ليس له نهاية ولا حد فله في الخير مجال رحب وله في الشر بحر سحب، وإنه خفيف المؤنة سهل التحصيل بخلاف سائر المعاصي فإنه يحتاج فيها إلى مؤن كثيرة لا يتيسر تحصيلها في الأكثر فلذلك كان الأولى ترك الكلام. ورابعها: قالوا: ترك الكلام له أربعة أسماء الصمت والسكوت والإنصات والإصاخة، فأما الصمت فهو أعمها لأنه يستعمل فيما يقوى على النطق وفيما لا يقوى عليه ولهذا يقال: مال ناطق وصامت وأما السكوت فهو ترك الكلام ممن يقدر على الكلام والانصات سكوت مع استماع ومتى انفك أحدهما عن الآخر لا يقال له إنصات قال تعالى: { أية : فَٱسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ } تفسير : [الأعراف: 204] والإصاخة استماع إلى ما يصعب إدراكه كالسر والصوت من المكان البعيد. واعلم أن الصمت عدم ولا فضيلة فيه بل النطق في نفسه فضيلة والرذيلة في محاورته ولولاه لما سأل كليم الله ذلك في قوله تعالى: {وَٱحْلُلْ عُقْدَةً مّن لِّسَانِي }. المسألة الثانية: اختلفوا في تلك العقدة التي كانت في لسان موسى عليه السلام على قولين، الأول: كان ذلك التعقد خلقة الله تعالى فسأل الله تعالى إزالته. الثاني: السبب فيه أنه عليه السلام حال صباه أخذ لحية فرعون ونتفها فهم فرعون بقتله وقال هذا هو الذي يزول ملكي على يده فقالت آسية: إنه صبي لا يعقل وعلامته أن تقرب منه التمرة والجمرة فقربا إليه فأخذ الجمرة فجعلها في فيه وهؤلاء اختلفوا فمنهم من قال لم تحترق اليد ولا اللسان لأن اليد آلة أخذ العصا وهي الحجة واللسان آلة الذكر فكيف يحترق ولأن إبراهيم عليه السلام لم يحترق بنار نمروذ وموسى عليه السلام لم يحترق حين ألقى في التنور فكيف يحترق هنا؟ ومنهم من قال: احترقت اليد دون اللسان لئلا يحصل حق المواكلة والممالحة. الثالث: احترق اللسان دون اليد لأن الصولة ظهرت باليد أما اللسان فقد خاطبه بقوله يا أبت. والرابع: احترقا معاً لئلا تحصل المواكلة والمخاطبة. المسألة الثالثة: اختلفوا في أنه عليه السلام لم طلب حل تلك العقدة على وجوه. أحدها: لئلا يقع في أداء الرسالة خلل ألبتة. وثانيها: لإزالة التنفير لأن العقدة في اللسان قد تفضي إلى الإستخفاف بقائلها وعدم الالتفات إليه. وثالثها: إظهاراً للمعجزة فكما أن حبس لسان زكريا عليه السلام عن الكلام كان معجزاً في حقه فكذا إطلاق لسان موسى عليه السلام معجز في حقه. ورابعها: طلب السهولة لأن إيراد مثل هذا الكلام على مثل فرعون في جبروته وكبره عسر جداً فإذا انضم إليه تعقد اللسان بلغ العسر إلى النهاية، فسأل ربه إزالة تلك العقدة تخفيفاً وتسهيلاً. المسألة الرابعة: قال الحسن رحمه الله: إن تلك العقدة زالت بالكلية بدليل قوله تعالى: { أية : قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يٰمُوسَىٰ } تفسير : [طه: 36] وهو ضعيف لأنه عليه السلام لم يقل واحلل العقدة من لساني بل قال: {وَٱحْلُلْ عُقْدَةً مّن لِّسَانِي } فإذا حل عقدة واحدة فقد آتاه الله سؤله، والحق أنه انحل أكثر العقد وبقي منها شيء قليل لقوله: حكاية عن فرعون { أية : أَمْ أَنَا خَيْرٌ مّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ } تفسير : [الزخرف: 52] أي يقارب أن لا يبين وفي ذلك دلالة على أنه كان يبين مع بقاء قدر من الانعقاد في لسانه وأجيب عنه من وجهين. أحدهما: المراد بقوله: ولا يكاد يبين أي لا يأتي ببيان ولا حجة. والثاني: إن كاد بمعنى قرب ولو كان المراد هو البيان اللساني لكان معناه أنه لا يقارب البيان فكان فيه نفي البيان بالكلية وذلك باطل لأنه خاطب فرعون والجمع وكانوا يفقهون كلامه فكيف يمكن نفي البيان أصلاً بل إنما قال ذلك تمويهاً ليصرف الوجوه عنه قال أهل الإشارة إنما قال: {وَٱحْلُلْ عُقْدَةً مّن لِّسَانِي } لأن حل العقد كلها نصيب محمد صلى الله عليه وسلم وقال تعالى: { أية : وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ ٱلْيَتِيمِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِىَ أَحْسَنُ } تفسير : [الأنعام: 152] فلما كان ذلك حقاً ليتيم أبي طالب لا جرم ما دار حوله، والله أعلم. المطلوب الرابع: قوله: {وَٱجْعَل لّي وَزِيراً مّنْ أَهْلِي } واعلم أن طلب الوزير إما أن يكون لأنه خاف من نفسه العجز عن القيام بذلك الأمر فطلب المعين أو لأنه رأى أن للتعاون على الدين والتظاهر عليه مع مخالصة الود وزوال التهمة مزية عظيمة في أمر الدعاء إلى الله ولذلك قال عيسى ابن مريم: { أية : مَنْ أَنصَارِي إِلَى ٱللَّهِ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ ٱللَّهِ } تفسير : [آل عمران: 52] وقال لمحمد صلى الله عليه وسلم: { أية : حَسْبُكَ ٱللَّهُ وَمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } تفسير : [الأنفال: 64] وقال عليه السلام: « حديث : إن لي في السماء وزيرين وفي الأرض وزيرين، فاللذان في السماء جبريل وميكائيل واللذان في الأرض أبو بكر وعمر » تفسير : وههنا مسائل: المسألة الأولى: الوزير من الوزر لأنه يتحمل عن الملك أوزاره ومؤنه أو من الوزر وهو الجبل الذي يتحصن به لأن الملك يعتصم برأيه في رعيته ويفوض إليه أموره أو من الموازرة وهي المعاونة، والموازرة مأخوذة من إزار الرجل وهو الموضع الذي يشده الرجل إذا استعد لعمل أمر صعب قاله الأصمعي وكان القياس أزيراً فقلبت الهمزة إلى الواو. المسألة الثانية: قال عليه السلام: « حديث : إذا أراد الله بملك خيراً قيض له وزيراً صالحاً إن نسي ذكره وإن نوى خيراً أعانه وإن أراد شراً كفه » تفسير : وكان أنوشروان يقول: لا يستغني أجود السيوف عن الصقل، ولا أكرم الدواب عن السوط، ولا أعلم الملوك عن الوزير. المسألة الثالثة: إن قيل الإستعانة بالوزير إنما يحتاج إليها الملوك أما الرسول المكلف بتبليغ الرسالة والوحي من الله تعالى إلى قوم على التعيين فمن أين ينفعه الوزير؟ وأيضاً فإنه عليه السلام سأل ربه أن يجعله شريكاً له في النبوة فقال: {وَأَشْرِكْهُ فِى أَمْرِي } فكيف يكون وزيراً. والجواب: عن الأول أن التعاون على الأمر والتظاهر عليه مع مخالصة الود وزوال التهمة له مزية عظيمة في تأثير الدعاء إلى الله تعالى فكان موسى عليه السلام واثقاً بأخيه هرون فسأل ربه أن يشد به أزره حتى يتحمل عنه ما يمكن من الثقل في الإبلاغ. المطلوب الخامس: أن يكون ذلك الوزير من أهله أي من أقاربه. المطلوب السادس: أن يكون الوزير الذي من أهله هو أخوه هـٰرون وإنما سأل ذلك لوجهين. أحدهما: أن التعاون على الدين منقبة عظيمة فأراد أن لا تحصل هذه الدرجة إلا لأهله، أو لأن كل واحد منهما كان في غاية المحبة لصاحبه والموافقة له، وقوله هـٰرون في انتصابه وجهان. أحدهما: أنه مفعول الجعل على تقدير اجعل هـٰرون أخي وزيراً لي. والثاني: على البدل من وزيراً وأخي نعت لهرون أو بدل، واعلم أن هـٰرون عليه السلام كان مخصوصاً بأمور منها الفصاحة لقوله تعالى عن موسى: { أية : وَأَخِي هَـٰرُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنّي لِسَاناً } تفسير : [القصص: 34] ومنها أنه كان فيه رفق قال: { أية : يَبْنَؤُمَّ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِى وَلاَ بِرَأْسِى } تفسير : [طه: 94] ومنها أنه كان أكبر سناً منه. المطلوب السابع: قوله: {أشدد به أزري} وفيه مسائل: المسألة الأولى: القراءة العامة: {ٱشْدُدْ بِهِ * وَأَشْرِكْهُ } على الدعاء وقرأ ابن عامر وحده: (اشْدُدْ، وَأَشْرِكْهُ ) على الجزاء والجواب، حكاية عن موسى عليه السلام أي أنا أفعل ذلك ويجوز لمن قرأ على لفظ الأمر أن يجعل {أَخي } مرفوعاً على الابتداء {وَٱشْدُدْ بِهِ } خبره ويوقف على هـٰرون. المسألة الثانية: الأزر القوة وآزره قواه قال تعالى: {فَآزَرَهُ } أي أعانه قال أبو عبيدة {أَزْرِي } أي ظهري وفي كتاب الخليل: الأزر الظهر. المسألة الثالثة: أنه عليه السلام لما طلب من الله تعالى أن جعل هرون وزيراً له طلب منه أن يشد به أزره ويجعله ناصراً له لأنه لا اعتماد على القرابة. المطلوب الثامن: قوله: {وَأَشْرِكْهُ فِى أَمْرِي } والأمر ههنا النبوة، وإنما قال ذلك لأنه عليه السلام علم أنه يشد به عضده وهو أكبر منه سناً وأفصح منه لساناً ثم إنه سبحانه وتعالى حكى عنه ما لأجله دعا بهذا الدعاء فقال: {كَيْ نُسَبّحَكَ كَثِيراً * وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً } والتسبيح يحتمل أن يكون باللسان وأن يكون بالاعتقاد، وعلى كلا التقديرين فالتسبيح تنزيه الله تعالى في ذاته وصفاته وأفعاله عما لا يليق به، وأما الذكر فهو عبارة عن وصف الله تعالى بصفات الجلال والكبرياء ولا شك أن النفي مقدم على الإثبات، أما قوله تعالى: {إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيراً } ففيه وجوه: أحدها: إنك عالم بأنا لا نريد بهذه الطاعات إلا وجهك ورضاك ولا نريد بها أحداً سواك. وثانيها: {كُنتَ بِنَا بَصِيراً } لأن هذه الاستعانة بهذه الأشياء لأجل حاجتي في النبوة إليها. وثالثها: إنك بصير بوجوه مصالحنا فأعطنا ما هو أصلح لنا، وإنما قيد الدعاء بهذا إجلالاً لربه عن أن يتحكم عليه وتفويضاً للأمر بالكلية إليه.

البيضاوي

تفسير : {قَالَ رَبِّ ٱشْرَحْ لِى صَدْرِى وَيَسِّرْ لِى أَمْرِى} لما أمره الله بخطب عظيم وأمر جسيم سأله أن يشرح صدره ويفسح قلبه لتحمل أعبائه والصبر على مشاقه، والتلقي لما ينزل عليه ويسهل الأمر له بإحداث الأسباب ورفع الموانع، وفائدة لي إبهام المشروح والميسر أولاً، ثم رفعه بذكر الصدر والأمر تأكيداً ومبالغة. {وَٱحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِى يَفْقَهُواْ قَوْلِي} فإنما يحسن التبليغ من البليغ وكان في لسانه رتة من جمرة أدخلها فاه، وذلك أن فرعون حمله يوماً فأخذ بلحيته ونتفها، فغضب وأمر بقتله فقالت آسية: إنه صبي لا يفرق بين الجمر والياقوت، فأحضرا بين يديه فأخذ الجمرة ووضعها في فيه. ولعل تبييض يده كان لذلك. وقيل احترقت يده فاجتهد فرعون في علاجها فلم تبرأ، ثم لما دعاه قال إلى أي رب تدعوني قال إلى الذي أبرأ يدي وقد عجزت عنه. واختلف في زوال العقدة بكمالها فمن قال به تمسك بقوله {أية : قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يٰمُوسَىٰ }تفسير : [طه: 36] ومن لم يقل احتج بقوله {أية : هُوَ أَفْصَحُ مِنّى لِسَاناً }تفسير : [القصص: 34] وقوله {أية : وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ } تفسير : [الزخرف: 52] وأجاب عن الأول بأنه لم يسأل حل عقدة لسانه مطلقاً بل عقدة تمنع الإِفهام ولذلك نكرها وجعل يفقهوا جواب الأمر، ومن لساني يحتمل أن يكون صفة عقدة وأن يكون صلة احلل. {وَٱجْعَل لِّّى وَزِيراً مِّنْ أَهْلِى هَـٰرُونَ أَخِى} يعينني على ما كلفتني به، واشتقاق الوزير إما من الوزير لأنه يحمل الثقل عن أميره، أو من الوزر وهو الملجأ لأن الأمير يعتصم برأيه ويلتجىء إليه في أموره، ومنه الموازرة وقيل أصله أزير من الأزر بمعنى القوة، فعيل بمعنى مفاعل كالعشير والجليس قلبت همزته واواً كقلبها في موازر. ومفعولاً اجعل وزيراً، و {هَـٰرُونَ} قدم ثانيهما للعناية به و {لِى } صلة أو حال أو {لّى وَزِيراً } و {هَـٰرُونَ } عطف بيان للوزير، أو {وَزِيراً مّنْ أَهْلِى } و {لِى } تبيين كقوله {وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ }. و {أَخِى } على الوجوه بدل من {هَـٰرُونَ } أو مبتدأ خبره. {ٱشْدُدْ بِهِ أَزْرِى وَأَشْرِكْهُ فِى أَمْرِى} على لفظ الأمر وقرأهما ابن عامر بلفظ الخبر على أنهما جواب الأمر. {كَىْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً} فإن التعاون يهيج الرغبات ويؤدي إلى تكاثر الخير وتزايده. {إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيراً } عالماً بأحوالنا وأن التعاون مما يصلحنا، وأن هرون نعم المعين لي فيما أمرتني به. {قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يٰمُوسَىٰ } أي مسؤولك، فعل بمعنى مفعول كالخبز والأكل بمعنى المخبوز والمأكول. {وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَىٰ } أي أنعمنا عليك في وقت آخر. {إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّكَ} بإلهام أو في منام أو على لسان نبي في وقتها أو ملك ـ لا على وجه النبوة ـ كما أوحي إلى مريم. {مَا يُوحَىٰ } ما لا يعلم إلا بالوحي، أو مما ينبغي أن يوحى ولا يخل به لعظم شأنه وفرط الاهتمام به. {أَنِ ٱقْذِفِيهِ فِى ٱلتَّابُوتِ } بأن اقذفيه، أو أي اقذفيه لأن الوحي بمعنى القول. {فَٱقْذِفِيهِ فِى ٱلْيَمِّ} والقذف يقال للإِلقاء وللوضع كقوله تعالى: {أية : وَقَذَفَ فِى قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعْبَ }تفسير : [الأحزاب: 26] وكذلك الرمي كقوله:شعر : غُلاَمٌ رَمَاهُ الله بِالحُسْنِ يَافِعاً تفسير : {فَلْيُلْقِهِ ٱلْيَمُّ بِٱلسَّاحِلِ } لما كان إلقاء البحر إياه إلى الساحل أمراً واجب الحصول لتعلق الإِرادة به، وجعل البحر كأنه ذو تمييز مطيع أمره بذلك وأخرج الجواب مخرج الأمر، والأولى أن تجعل الضمائر كلها لموسى مراعاة للنظم، فالمقذوف في البحر والملقى إلى الساحل وإن كان التابوت بالذات فموسى بالعرض. {يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّى وَعَدُوٌّ لَّهُ} جواب {فَلْيُلْقِهِ } وتكرير {عَدُوٌّ } للمبالغة، أو لأن الأول باعتبار الواقع والثاني باعتبار المتوقع. قيل إنها جعلت في التابوت قطناً ووضعته فيه ثم قبرته وألقته في اليم، وكان يشرع منه إلى بستان فرعون نهر فدفعه الماء إليه فأداه إلى بركة في البستان، وكان فرعون جالساً على رأسها مع امرأته آسية بنت مزاحم، فأمر به فأخرج ففتح فإذا هو صبي أصبح الناس وجهاً فأحبه حباً شديداً كما قال سبحانه وتعالى: {وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّى} أي محبة كائنة مني قد زرعتها في القلوب بحيث لا يكاد يصبر عنك من رآك فلذلك أحبك فرعون، ويجوز أن يتعلق {مِنّي} بـ {ألقيت} أي أحببتك ومن أحبه الله أحبته القلوب، وظاهر اللفظ أن اليم ألقاه بساحله وهو شاطئه لأن الماء يسحله فالتقط منه، لكن لا يبعد أن يؤول الساحل بجنب فوهة نهره. {وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِى} لتربى ويحسن إليك وأنا راعيك وراقبك، والعطف على علة مضمرة مثل ليتعطف عليك، أو على الجملة السابقة بإضمار فعل معلل مثل فعلت ذلك. وقرىء {وَلِتُصْنَعْ} بكسر اللام وسكونها والجزم على أنه أمر {وَلِتُصْنَعَ} بالنصب وفتح التاء أي وليكن عملك على عين مني لئلا تخالف به عن أمري. {إِذْ تَمْشِى أُخْتُكَ} ظرف لـ {ألقيت} أو {لتصنع} أو بدل من {إِذْ أَوْحَيْنَا} على أن المراد بها وقت متسع. {فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ مَن يَكْفُلُهُ} وذلك لأنه كان لا يقبل ثدي المراضع، فجاءت أخته مريم متفحصة خبره فصادفتهم يطلبون له مرضعة يقبل ثديها فقالت {هَلْ أَدُلُّكُمْ } فجاءت بأمه فقبل ثديها. {فَرَجَعْنَـٰكَ إِلَىٰ أُمِّكَ} وفاء بقولنا {أية : إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيْكِ}تفسير : [القصص: 7] {كَى تَقَرَّ عَيْنُها } بلقائك. {وَلاَ تَحْزَنْ } هي بفراقك أو أنت على فراقها وفقد إشفاقها. {وَقَتَلْتَ نَفْساً} نفس القبطي الذي استغاثه عليه الإِسرائيلي. {فَنَجَّيْنَـٰكَ مِنَ ٱلْغَمِّ} غم قتله خوفاً من عقاب الله تعالى واقتصاص فرعون بالمغفرة والأمن منه بالهجرة إلى مدين. {وَفَتَنَّـٰكَ فُتُوناً} وابتليناك ابتلاء، أو أنواعاً من الابتلاء على أنه جمع فتن أو فتنة على ترك الاعتداد بالتاء كحجوز وبدور في حجزة وبدرة، فخلصناك مرة بعد أخرى وهو إجمال لما ناله في سفره من الهجرة عن الوطن ومفارقة الألاّف، والمشي راجلاً على حذر وفقد الزاد وأجر نفسه إلى غير ذلك أوله ولما سبق ذكره. {فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِى أَهْلِ مَدْيَنَ} لبثت فيهم عشر سنين قضاء لأوفى الأجلين، ومدين على ثمان مراحل من مصر. {ثُمَّ جِئْتَ عَلَىٰ قَدَرٍ} قدرته لأن أكلمك وأستنبئك غير مستقدم وقته المعين ولا مستأخر، أو على مقدار من السن يوحى فيه إلى الأنبياء. {يَا مُوسَىٰ} كرره عقيب ما هو غاية الحكاية للتنبيه على ذلك.

المحلي و السيوطي

تفسير : {قَالَ رَبِّ ٱشْرَحْ لِى صَدْرِى } وسِّعه لتحمّل الرسالة.

النسفي

تفسير : {قَالَ رَبّ ٱشْرَحْ لِي صَدْرِى } وسعه ليحتمل الوحي والمشاق ورديء الأخلاق من فرعون وجنده {وَيَسّرْ لِى أَمْرِى } وسهل علي ما أمرتني به من تبليغ الرسالة إلى فرعون. واشرح لي صدري آكد من اشرح صدري لأنه تكرير للمعنى الواحد من طريقي الإجمال والتفصيل لأنه يقول اشرح لي ويسر لي علم أن ثمة مشروحاً وميسراً ثم رفع الإبهام بذكر الصدر والأمر {وَٱحْلُلْ } افتح {عُقْدَةً مّن لّسَانِي} وكان في لسانه رتة للجمرة التي وضعها على لسانه في صباه، وذلك أن موسى أخذ لحية فرعون ولطمه لطمة شديدة في صغره فأراد قتله فقالت آسية: أيها الملك إنه صغير لا يعقل فجعلت في طشت ناراً وفي طشت يواقيت ووضعتهما لدى موسى فقصد اليواقيت فأمال الملك يده إلى النار فرفع جمرة فوضعها على لسانه فاحترق لسانه فصار لكنة منها. وروي أن يده احترقت واجتهد فرعون في علاجها فلم تبرأ ولما دعاه قال: إلى أي رب تدعوني؟ قال: إلى الذي أبرأ يدي وقد عجزت عنها. و{مّن لّسَانِي} صفة لعقدة كأنه قيل: عقدة من عقد لساني، وهذا يشعر بأنه لم تزل العقدة بكمالها وأكثرهم على ذهاب جميعها {يَفْقَهُواْ قَوْلِي } عند تبليغ الرسالة. {وَٱجْعَل لّي وَزِيراً} ظهيراً اعتمد عليه من الوزر الثقل لأنه يتحمل عن الملك أوزاره ومؤنته، أو من الوزر الملجأ لأن الملك يعتصم برأيه ويلتجىء إليه في أموره، أو معيناً من الموازرة وهي المعاونة فـ {وَزِيراً } مفعول أول لـ {اجَعَلَ } والثاني {مّنْ أَهْلِي} أو {لِي} أَوْ {وَزِيراً} مفعولاه وقوله {هَـٰرُونَ } عطف بيان لـ {وَزِيراً } وقوله {أَخِي} بدل أو عطف بيان آخر و{وَزِيراً } و {هَـٰرُونَ } مفعولاه وقدم ثانيهما على أولهما عناية بأمر الوزارة {ٱشْدُدْ بِهِ أَزْرِى } قو به ظهري وقيل الأزر القوة {وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي} اجعله شريكي في النبوة والرسالة. {ٱشْدُدْ } و {أشركه} على حكاية النفس شامي على الجواب، والباقون على الدعاء والسؤال { كَيْ نُسَبّحَكَ } نصلي لك وننزهك تسبيحاً {كَثِيراً وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً } في الصلوات وخارجها {إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيراً } عالماً بأحوالنا فأجابه الله تعالى حيث {قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يٰمُوسَىٰ } أعطيت مسؤولك فالسؤل الطلبة فعل بمعنى مفعول كخبز بمعنى مخبوز. {سولك} بلا همز: أبو عمرو. {وَلَقَدْ مَنَنَّا } أنعمنا {عَلَيْكَ مَرَّةً } كرة {أُخْرَىٰ } قبل هذه ثم فسرها فقال {إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمّكَ مَا يُوحَىٰ } إلهاماً أو مناماً حين ولدت وكان فرعون يقتل أمثالك. و {إِذْ } ظرف لـ {مَنَنَّا } ثم فسر ما يوحى بقوله {أَنِ ٱقْذِفِيهِ } ألقيه {فِى ٱلتَّابُوتِ } و {أن} مفسرة لأن الوحي بمعنى القول {فَٱقْذِفِيهِ فِى ٱلْيَمّ } النيل {فَلْيُلْقِهِ ٱلْيَمُّ بِٱلسَّاحِلِ } الجانب وسمي ساحلاً لأن الماء يسحله أي يقشره، والصيغة أمر ليناسب ما تقدم ومعناه الإخبار أي يلقيه اليم بالساحل {يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لّي وَعَدُوٌّ لَّهُ } يعني فرعون والضمائر كلها راجعة إلى موسى عليه السلام، ورجوع بعضها إليه وبعضها إلى التابوت يفضي إلى تناثر النظم والمقذوف في البحر والملقى إلى الساحل وإن كان هو التابوت لكن موسى في جوف التابوت. رُوي أنها جعلت في التابوت قطناً محلوجاً فوضعته فيه وقيرته ثم ألقته في اليم، وكان يشرع منه إلى بستان فرعون نهر كبير فبينما هو جالس على رأس بركة مع آسية إذا بالتابوت فأمر به فأخرج ففتح فإذا بصبي أصبح الناس وجهاً فأحبه فرعون حباً شديداً فذلك قوله {وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مّنّى } يتعلق {مِنّي } بـ {ألقيت} يعني إني أحببتك ومن أحبه الله أحبته القلوب فما رآه أحد إلا أحبه. قال قتادة: كان في عيني موسى ملاحة ما رآه أحد إلا أحبه {وَلِتُصْنَعَ } معطوف على محذوف تقديره وألقيت عليك محبة لتحب ولتصنع {عَلَىٰ عَيْنِى } أي لتربى بمرأى مني وأصله من صنع الفرس أي أحسن القيام عليه يعني أنا مراعيك ومراقبك كما يراعي الرجل الشيء بعينه إذا اعتنى به {وَلِتُصْنَعَ } بسكون اللام والجزم: يزيد على أنه أمر منه.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن مردويه والخطيب وابن عساكر، عن أسماء بنت عميس قال‏:‏ رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بإزاء ثبير وهو يقول‏:‏ ‏"‏أشرق ثبير أشرق ثبير اللهم إني أسألك بما سألك أخي موسى أن تشرح لي صدري وأن تيسر لي أمري وأن تحل عقدة من لساني ‏ {‏يفقهوا قولي واجعل لي وزيراً من أهلي هارون أخي اشدد به أزري وأشركه في أمري كي نسبحك كثيراً ونذكرك كثيراً إنك كنت بنا بصيرا‏ً} ‏‏. وأخرج السلفي في الطيوريات بسند واه، عن أبي حعفر محمد بن علي قال‏:‏ ‏‏حديث : لما نزلت ‏ {‏واجعل لي وزيراً من أهلي، هارون أخي اشدد به أزري‏}‏ كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على جبل، ثم دعا ربه وقال "اللهم اشدد أزري بأخي علي"‏‏ تفسير : فأجابه إلى ذلك‏. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏ {‏واحلل عقدة من لساني‏} ‏ قال‏:‏ عجمة بجمرة نار أدخلها في فيه، عن أمر امرأة فرعون تدرأ به عنه عقوبة فرعون حين أخذ موسى بلحيته، وهو لا يعقل‏.‏ قال‏:‏ هذا عدوّ لي، فقالت امرأته‏:‏ إنه لا يعقل‏. وأخرج ابن المنذر، عن ابن عباس في قوله‏:‏ {واجعل لي وزيراً من أهلي، هارون أخي‏} ‏ قال‏:‏ كان أكبر من موسى‏. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن عطية في قوله‏:‏ ‏ {‏اشدد به أزري‏}‏ قال ظهري‏. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن زيد في قوله‏:‏ ‏ {‏اشدد به أزري‏}‏ يقول‏:‏ اشدد به أمري وقوّني به، فإن لي به قوّة‏. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏ {‏وأشركه في أمري‏}‏ قال‏:‏ نُبِئَ هرون ساعتئذ حين نبئ موسى عليهما السلام‏. وأخرج ابن أبي حاتم، عن عروة أن عائشة سمعت رجلاً يقول‏:‏ إني لأدري أي أخ في الدنيا كان أنفع لأخيه‏:‏ موسى حين سأل لأخيه النبوّة‏.‏ فقالت‏:‏ صدق والله‏. وأخرج الحاكم، عن وهب قال‏:‏ كان هرون فصيحاً بين النطق يتكلم في تؤدة ويقول بعلم وحلم، وكان أطول من موسى طولاً، وأكبرهما في السن، وأكثرهما لحماً، وأبيضهما جسماً، وأعظمهما ألواحاً، وكان موسى جعداً آدم طوالاً، كأنه من رجال شنوأة، ولم يبعث الله نبياً إلا وقد كان عليه شامة النبوّة في يده اليمنى، إلا أن يكون نبينا - صلى الله عليه وسلم - فإن شامة النبوّة كانت بين كتفيه‏. وأخرج عبد بن حميد، عن عاصم بن أبي النجود أنه قرأ ‏ {‏كي نسبحك كثيراً ونذكرك كثيراً إنك كنت بنا بصيرا‏ً} ‏ بنصب الكاف الأولى في كلهن‏. وأخرج عبد بن حميد عن الأعمش‏:‏ أنه كان يجزم هذه الكافات كلها‏. وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏ {‏فاقذفيه في اليم‏} ‏ قال هو النيل‏. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏ {‏وألقيت عليك محبة مني‏} ‏ قال‏:‏ كان كل من رآه ألقيت عليه منه محبة‏. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن سلمة بن كهيل - رضي الله عنه - في قوله‏:‏ ‏{‏وألقيت عليك محبة مني‏}‏ قال‏:‏ حببتك إلى عبادي‏. وأخرج عبد بن حميد، عن عكرمة في قوله‏:‏ ‏ {‏وألقيت عليك محبة مني‏} ‏ قال‏:‏ حيث نظرت آسية وجه موسى، فرأت حسناً وملاحة، فعندها قالت لفرعون‏:‏ {أية : قرة عين لي ولك لا تقتلوه‏} تفسير : ‏[‏القصص: 9‏]‏‏. وأخرج الحكيم الترمذي، عن أبي رجاء في قوله‏:‏ ‏{‏وألقيت عليك محبة مني‏} ‏ قال‏:‏ الملاحة والحلاوة‏. وأخرج ابن عساكر، عن قتادة في قوله‏:‏ ‏ {‏وألقيت عليك محبة مني‏} ‏ قال‏:‏ حلاوة في عيني موسى، لم ينظر إليه خلق إلا أحبه‏. وأخرج ابن المنذر، عن مجاهد - رضي الله عنه - قال‏:‏ كنت مع عبدالله بن عمر - رضي الله عنه - فتلقاه الناس يسلمون عليه ويحيونه ويثنون عليه ويدعون له - فيضحك ابن عمر - فإذا انصرفوا عنه، أقبل علي فقال‏:‏ إن الناس ليجيئون حتى لو كنت أعطيهم الذهب والفضة ما زادوا عليه، ثم تلا هذه الآية ‏ {‏وألقيت عليك محبة مني‏} ‏‏. وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي نهيك - رضي الله عنه - في قوله‏:‏ ‏ {‏ولتصنع على عيني‏} ‏ قال‏:‏ ولتعمل على عيني‏. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن أبي عمران الجوني رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏ {‏ولتصنع على عيني‏} ‏ قال‏:‏ تربى بعين الله‏. وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله‏:‏ ‏ {‏ولتصنع على عيني‏} ‏ قال‏:‏ ولتغذى على عيني‏. وأخرج ابن المنذر، عن ابن جريج في الآية يقول‏:‏ أنت بعيني إذ جعلتك أمك في التابوت ثم في البحر ‏ {‏إذ تمشي أختك‏}‏‏. وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه والخطيب، عن ابن عمر‏:‏ سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول‏:‏ حديث : إنما قتل موسى الذي قتل من آل فرعون خطأ‏.‏ يقول الله‏:‏ ‏{‏وقتلت نفساً فنجيناك من الغم‏}‏‏ . تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏ {‏فنجيناك من الغم‏}‏ قال‏:‏ من قتل النفس ‏ {‏وفتناك فتونا‏ً} ‏ قال‏:‏ أخلصناك إخلاصا‏ً. وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏ {‏وفتناك فتونا‏ً} ‏ قال‏:‏ ابتليناك إبتلاء‏. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏وفتناك فتونا‏ً} ‏ قال‏:‏ ابتليناك ببلاء نعمة‏. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏وفتناك فتونا‏ً} ‏ قال‏:‏ اختبرناك اختباراً‏. وأخرج عبد بن حميد، عن مجاهد في قوله‏:‏ ‏ {‏وفتناك فتونا‏ً}‏ قال‏:‏ بلاء إلقاؤه في التابوت، ثم في اليم، ثم التقاط آل فرعون إياه، ثم خروجه خائفاً يترقب‏. وأخرج ابن أبي عمر العدني في مسنده، وعبد بن حميد، والنسائي وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه، عن سعيد بن جبير رضي الله عنه قال‏:‏ سألت ابن عباس عن قول الله تعالى لموسى عليه السلام‏:‏ ‏ {‏وفتناك فتونا‏ً} ‏ فسألت عن الفتون ما هو‏؟‏ فقال‏:‏ استأنف النهار يا ابن جبير، فإن لها حديثاً طويلاً، فلما أصبحت غدوت على ابن عباس، لأتنجز ما وعدني من حديث الفتون فقال‏:‏ تذاكر فرعون وجلساؤه ما كان الله عز وجل - وعد إبراهيم عليه السلام - من أن يجعل في ذريته أنبياء وملوكا‏ً.‏ فقال بعضهم‏:‏ إن بني إسرائيل ينتظرون ذلك ما يشكون فيه، ولقد كانوا يظنون أنه يوسف بن يعقوب، فلما هلك قالوا‏:‏ ليس هذا كان وعد الله إبراهيم‏.‏ قال فرعون‏:‏ فكيف ترون‏؟‏ فائتمروا وأجمعوا أمرهم، على أن يبعث رجالاً - معه الشفار - يطوفون في بني إسرائيل‏:‏ فلا يجدون مولوداً إلا ذبحوه، ففعلوا فلما رأوا أن الكبار يموتون بآجالهم، وإن الصغار يذبحون قالوا‏:‏ يوشك أن يفني بنو إسرائيل، فتصيروا تباشروا الأعمال والخدمة التي كانوا يكفونكم، فاقتلوا عاماً كل مولود ذكر، فتقل أبناؤهم‏.‏ ودعوا عاماً لا تقتلوا منهم أحداً، فيشب الصغار مكان من يموت من الكبار؛ فإنهم لن يكثروا فتخافون مكاثرتهم إياكم، ولن يفنوا بمن تقتلون فتحتاجون إليهم، فاجمعوا أمرهم على ذلك، فحملت أم موسى بهرون في العام الذي لا يذبح فيه الغلمان، فولدت علانية آمنة، حتى إذا كان في قابل حملت بموسى، فوقع في قلبها الهم والحزن، فذلك من الفتون يا ابن جبير، لما دخل عليه في بطن أمه ما يراد به، فأوحى الله إليها: أن‏:‏ {أية : لا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين} ‏تفسير : [‏القصص: 7‏]‏ وأمرها إذا ولدته أن تجعله في تابوت، ثم تلقيه في اليم، فلما ولدت فعلت ما أمرت به، حتى إذا توارى عنها ابنها - أتاها الشيطان - وقالت في نفسها‏:‏ ما فعلت بابني‏؟‏‏!‏ لو ذبح عندي فواريته وكفنته كان أحب إليّ من أن ألقيه إلى دواب البحر وحيتانه‏.‏ فانطلق به الماء حتى أوفى به عند مستقى جواري امرأة فرعون، فرأينه فأخذنه فهممن أن يفتحن الباب، فقال بعضهن لبعض‏:‏ إن في هذا لمالاً، وإنا إن فتحناه لم تصدقنا امرأة الملك بما وجدنا فيه، فحملنه بهيئته لم يحركن منه شيئاً، حتى دفعنه إليها، فلما فتحته رأت فيه الغلام، فألقي عليها محبة لم تلق منها على أحد من البشر قط، {أية : وأصبح فؤاد أم موسى فارغاً‏}‏ ‏تفسير : [‏القصص: 10‏]‏ من ذكر كل شيء، إلا من ذكر موسى‏،‏ فلما سمع الذباحون بأمره، أقبلوا إلى امرأة فرعون بشفارهم يريدون أن يذبحوه، وذلك من الفتون يا ابن جبير، فقالت للذباحين‏:‏ إن هذا الواحد لا يزيد في بني إسرائيل، وإني آتي فرعون فأستوهبه منه، فإن وهبه لي فقد أحسنتم وأجملتم، وإن أمر بذبحه لم ألمكم، فلما أتت به فرعون قالت‏:‏ {أية : قرة عين لي ولك لا تقتلوه‏}‏ ‏تفسير : [‏القصص: 9‏]‏ قال فرعون‏:‏ يكون لك، وأمَّا لي فلا حاجة لي فيه‏. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ "حديث : والذي يحلف به، لو أقر فرعون بأن يكون قرة عين له، كما قالت امرأته لهداه الله به، كما هدى به امرأته ولكن الله - عز وجل - حرمه ذلك"تفسير : ، فأرسلت إلى من حولها من كل امرأة لها لبن لتختار له ظئراً، فكلما أخذته امرأة منهن لترضعه، لم يقبل ثديها حتى أشفقت امرأة فرعون أن يمنتع من اللبن، فيموت فأحزنها ذلك، فأمرت به فأخرج إلى السوق، ومجمع الناس ترجو أن تجد له ظئراً يأخذ منها، فلم يفعل، وأصبحت أم موسى والهاً، فقالت لأخته‏:‏ قصي أثره واطلبيه هل تسمعين له ذكراً‏؟‏ أحي أم قد أكلته الدواب‏؟‏ ونسيت الذي كان وعد الله‏ {‏فبصرت به أخته عن جنب وهم لا يشعرون‏}‏ والجنب أن يسمو بصر الإنسان إلى شيء بعيد وهو إلى جنبه، وهو لا يشعر به (فقالت‏) - من الفرح حين أعياهم الظوائر - ‏{هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون}‏ فأخذوها، فقالوا‏:‏ وما يدريك ما نصحهم له‏؟‏ هل يعرفونه حتى شكوا في ذلك‏؟‏ وذلك من الفتون يا ابن جبير‏.‏ فقالت‏:‏ نصحهم له وشفقتهم عليه رغبتهم في جانب الملك رجاء شفقته‏.‏ فتركوها فانطلقت إلى أمه فأخبرتها الخبر فجاءت، فلما وضعته في حجرها نزا إلى ثديها فمصه حتى امتلأ جنباه ريا، وانطلق البشرى إلى امرأة فرعون يبشرونها‏:‏ إنا قد وجدنا لابنك ظئراً‏.‏ فأرسلت إليها فأتيت بها وبه، فلما رأت ما يصنع قالت لها‏:‏ امكثي عندي ‏أرضعي‏‏ ابني هذا - فإني لم أحب حبه شيئاً قط - قالت‏:‏ لا أستطيع أن أدع بيتي وولدي فيضيع، فإن طابت نفسك أن تعطينيه؟ فأذهب به إلى بيتي فيكون معي لا آلوه خيراً فعلت، وإلا فإني غير تاركة بيتي وولدي‏.‏ فذكرت أم موسى ما كان الله عز وجل وعدها، فتعاسرت على امرأة فرعون لذلك، وأيقنت أن الله عز وجل منجز وعده‏.‏ فرجعت بابنها من يومها، فأنبته الله نباتاً حسناً، وحفظه لما قد قضى فيه، فلم يزل بنو إسرائيل - وهم يجتمعون في ناحية القرية - يمتنعون به من الظلم والسخرة منذ كان فيهم، فلما ترعرع، قالت امرأة فرعون لأم موسى‏:‏ أريد أن تريني ابني، فوعدتها يوماً تزورها فيه به‏.‏ فقالت لخزانها وجواريها وقهارمتها‏:‏ لا يبقى منكم اليوم واحد إلا استقبل ابني بهدية وكرامة أرى ذلك فيه، وأنا باعثة أميناً يحضر ما صنع كل إنسان منكم، فلم تزل الهدايا والنحل والكرامة تستقبله من حين خرج من بيت أمه إلى أن دخل عليها، فلما دخل عليها أكرمته ونحلته وفرحت به وأعجبها، ونحلت أمه لحسن أثرها عليه، ثم قالت لأنطلقن به إلى فرعون فلينحلنه وليكرمنه‏.‏ فلما دخلت به عليه وجعلته في حجره، فتناول موسى لحية فرعون فمدها إلى الأرض، فقالت له الغواة - من أعداء الله - ‏:‏ ألا ترى إلى ما وعد الله إبراهيم‏؟‏ إنه يرثك ويصرعك ويعلوك‏.‏ فأرسل إلى الذباحين ليذبحوه‏.‏ وذلك من الفتون يا ابن جبير، بعد كل بلاء ابتلي به، وأريد به فتوناً‏.‏ فجاءت امرأة فرعون تسعى إلى فرعون، فقالت‏:‏ ما بدا لك في هذا الصبي الذي وهبته لي‏؟‏ قال‏:‏ ألا ترينه يزعم أنه يصرعني ويعلوني‏!‏‏؟‏ قالت له‏:‏ اجعل بيني وبينك أمراً تعرف فيه الحق؛ ائت بجمرتين ولؤلؤتين فقربهن إليه، فإن بطش باللؤلؤتين واجتنب الجمرتين علمت أن يعقل، وإن هو تناول الجمرتين ولم يرد اللؤلؤتين، فاعلم أن أحداً لا يؤثر الجمرتين على اللؤلؤتين وهو يعقل‏.‏ فلما قرب إليه الجمرتين واللؤلؤتين أخذ الجمرتين، فانتزعهما منه مخافة أن يحرقا بدنه‏.‏ فقال للمرأة‏:‏ لا يذبح‏.‏ وصرفه الله عنه بعد أن كان هم به، وكان الله بالغ أمره فيه، فلما بلغ أشده - وكان من الرجال - لم يكن أحد من آل فرعون يخلص إلى أحد من بني إسرائيل معه بظلم، ولا بسخرة حتى امتنعوا كل الإمتناع‏.‏ فبينما هو يمشي في ناحية المدينة، إذا هو برجلين يقتتلان - أحدهما من بني إسرائيل والآخر من آل فرعون - فاستغاثة الإسرائيلي على الفرعوني، فغضب موسى واشتد غضبه، لأنه تناوله وهو يعلم منزلة موسى من بني إسرائيل، وحفظه لهم‏:‏ لا يعلم إلا أن ذلك من الرضاع من أم موسى، إلا أن يكون الله تعالى أطلع موسى من ذلك على ما لم يطلع غيره عليه، فوكز موسى الفرعوني فقتله، وليس يراهما أحد إلا الله، وموسى والإسرائيلي‏.‏ ‏(‏فقال‏)‏ موسى‏:‏ حين قتل الرجل ‏{أية : ‏هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين‏} ‏تفسير : [‏القصص: 15‏]‏ ثم ‏{أية : ‏قال ربي إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له إنّه هو الغفور الرحيم} تفسير : [‏القصص : 16‏] {أية : فأصبح في المدينة خائفاً يترقب‏}‏ ‏تفسير : [‏القصص : 18‏]‏ الأخبار، فأتى فرعون فقيل له‏:‏ إن بني إسرائيل قتلوا رجلاً من آل فرعون، فخذ لنا بحقنا ولا ترخص لهم‏.‏ فقال ائتوني به ومن شهد عليه، فإن الملك - وإن كان صفوه مع قومه لا يستقيم له، أن يقيد بغير بينة ولا ثبت، فاطلبوا علم ذلك آخذ لكم بحقكم، فبينما هم يطوفون فلا يجدون بينة ولا ثبتاً، إذا موسى من الغد قد رأى ذلك الإسرائيلي يقاتل فرعونياً آخر، فاستغاثه الإسرائيلي على الفرعوني، فصادف موسى قد ندم على ما كان من وكزه الذي رأى، فغضب من الإسرائيلي لما فعل بالأمس واليوم وقال‏:‏ ‏{أية : ‏إنك لغوي مبين‏}‏ ‏تفسير : [‏القصص: 18‏]‏ فنظر الإسرائيلي إلى موسى حين قال له ما قال - فإذا هو غضبان كغضبه بالأمس - فخاف بعدما قال له‏:‏ {أية : ‏إنك لغوي مبين‏}‏ تفسير : [القصص:18] أن يكون إياه أراد، وإنما الفرعوني {أية : ‏فقال‏‏ يا موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفساً بالأمس‏}‏ ‏تفسير : [‏القصص: 19‏]‏ وإنما قال ذلك مخافة أن يكون إياه أراد موسى؛ فليقتله فيتداركا، فانطلق الفرعوني إلى قومه، فأخبرهم بما سمع من الإسرائيلي حين يقول‏:‏ {أية : أتريد أن تقتلني كما قتلت نفساً بالأمس‏}‏ ‏تفسير : [‏القصص: 19‏]‏ فأرسل فرعون الذباحين ليقتلوا موسى، فأخذ رسل فرعون في الطريق الأعظم يمشون على هينتهم يطلبون موسى وهم لا يخافون أن يفوتهم ‏(وجاء رجل‏)‏ من شيعة موسى {أية : من أقصى المدينة‏} ‏تفسير : [‏القصص: 20‏]‏ فاختصر طريقاً قريباً حتى سبقهم إلى موسى فأخبره الخبر‏،‏ وذلك من الفتون يا ابن جبير‏، فخرج موسى متوجهاً نحو مدين، لم يلق بلاء مثل ذلك، وليس له بالطريق علم إلا حسن ظنه بربه، فإنه ‏{أية : ‏قال عسى ربي أن يهديني سواء السبيل} ‏تفسير : [‏القصص: 22‏]‏ ‏{أية : ‏ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون ووجد من دونهم امرأتين تذودان‏}‏ ‏تفسير : [‏القصص: 23‏]‏ يعني فلم تسقيا غنمهما قال‏:‏ {أية : ما خطبكما‏}‏ ‏تفسير : [‏القصص: 23‏]‏ معتزلتين لا تسقيان مع الناس‏؟‏ قالتا‏:‏ ليست لنا قوة نزاحم القوم، وإنما ننتظر فضول حياضهم ‏{أية : فسقى لهما‏}‏ تفسير : ‏[‏القصص: 24‏]‏ فجعل يغرف في الدلو ماءً كثيراً حتى كانتا أول الرعاة فراغاً - فانصرفتا إلى أبيهما بغنمهما، وانصرف موسى إلى شجرة فاستظل بها {فقال رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير‏} فاستنكر أبو الجاريتين سرعة صدورهما بغنمهما حفلاً بطاناً وقال‏:‏ إن لكما اليوم لشأناً‏:‏ فحدثتاه بما صنع موسى‏.‏ فأمر إحداهما أن تدعوه له، فأتته فدعته‏.‏ فلما كلمه {أية : قال لا تخف نجوت من القوم الظالمين‏} ‏تفسير : [القصص: 25‏]‏ ليس لفرعون ولا لقومه علينا سلطان، ولسنا في مملكته‏.‏ قالت ابنته‏:‏ {أية : يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين‏}‏ ‏تفسير : [‏القصص: 26‏]‏ فحملته الغيرة أن قال‏:‏ وما يدريك ما قوته‏؟‏ وما أمانته‏؟‏ قالت‏:‏ أما قوته‏:‏ فما رأيت منه حين سقى لنا، لم أر رجلاً قط أقوى في ذلك السقي منه حين سقى لنا‏.‏ وأمانته‏:‏ فإنه نظر حين أقبلت إليه وشخصت له، فلما علم أني امرأة، صوب رأسه ولم يرفعه، ولم ينظر إليّ حين أقبلت إليه، حتى بلغته رسالتك‏.‏ فقال لي‏:‏ امشي خلفي وانعتي لي الطريق، فلم يقل هذا إلا وهو أمين،‏ فسري عن أبيها وصدقها وظن به الذي قالت‏.‏ فقال‏:‏ هل لك {أية : ‏أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج فإن أتممت عشراً فمن عندك وما أريد أن أشق عليك‏}‏ ‏تفسير : [‏القصص: 27‏]‏ ففعل وكانت على موسى ثماني حجج واجبة، وكانت سنتان عدة منه، فقضى الله عدته فأتمها عشرا‏ً. قال سعيد‏:‏ فسألني رجل من أهل النصرانية من علمائهم‏:‏ هل تدري أي الأجلين قضى موسى‏؟‏ قلت‏:‏ لا‏.‏ وأنا يومئذ لا أعلم‏.‏ فلقيت ابن عباس، فذكرت له الذي قال النصراني فقال‏:‏ أما كنت تعلم أن ثمانياً واجبة‏؟‏ لم يكن موسى لينتقص منها، وتعلم أن الله تعالى كان قاضياً عن موسى عدته التي وعد‏؟‏ فإنه قضى عشراً، فأخبرت النصراني فقال‏:‏ الذي أخبرك بهذا هو أعلم منك‏.‏ قلت‏؛‏ أجل وأولى‏!‏ ‏(‏سار موسى بأهله‏)‏ ورأى من أمر النار ما قص الله عليك في القرآن، وأمر العصا ويده فشكا إلى ربه ما يتخوف من آل فرعون في القتيل، وعقدة لسانه - فإنه كان في لسانه عقدة تمنعه من كثير من الكلام - فسأل ربه أن يعينه بأخيه هارون؛ ليكون له ردءاً، ويتكلم عنه بكثير مما لا يفصح به، فأتاه الله سؤاله فحل عقدة من لسانه، وأوحى إلى هارون، وأمره أن يلقى موسى‏،‏ فاندفع موسى بالعصا، ولقي هارون فانطلقا جميعاً إلى فرعون، فأقاما ببابه حيناً لا يؤذن لهما، ثم أذن لهما بعد حجاب شديد فقالا‏:‏ ‏{‏إنا رسولا ربك‏} ‏ فقال‏:‏ ‏ {‏ومن ربكما يا موسى‏}‏ فأخبراه بالذي قص الله في القرآن‏.‏ قال‏:‏ فما تريدان‏؟‏ وذكره القتيل فاعتذر بما قد سمعت قال‏:‏ أريد أن تؤمن بالله وترسل معي بني إسرائيل‏.‏ فأبى عليه ذلك. وقال‏:‏ ائت بآية إن كنت من الصادقين فألقى عصاه، فتحوّلت حية عظيمة فاغرة فاها مسرعة إلى فرعون، - فلما رأى فرعون أنها قاصدة إليه - خافها فاقتحم عن سريره واستغاث بموسى‏:‏ (أن يكفها عنه ففعل، وأخرج يده من جيبه بيضاء من غير سوء)‏ يعني برص، ثم أعادها إلى كمه فصارت إلى لونها الأول‏.‏ فاستشار الملأ فيما رأى، فقالوا له‏:‏ ‏ {‏هذان ساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما ويذهبا بطريقتكم المثلى‏} ‏ يعنون ملكهم الذي هم فيه، والعيش، فأبوا على موسى أن يعطوه شيئاً مما طلب‏.‏ وقالوا له‏:‏ اجمع لهم السحرة - فإنهم بأرضنا كثير - حتى تغلب بسحرهم سحرهما ‏{أية : ‏فأرسل فرعون في المدائن حاشرين‏}‏ ‏تفسير : [‏الشعراء: 54‏]‏ فحشر له كل ساحر متعالم، فلما أتوا فرعون قالوا‏:‏ بم يعمل هذا الساحر‏.‏ قالوا‏:‏ يعمل بالحيات والحبال‏.‏ وقالوا‏:‏ فلا والله، ما في الأرض قوم يعملون بالحيات والحبال والعصي بالسحر ما نعمل به‏!‏ فما أجرنا إن غلبناه‏؟‏ قال لهم‏:‏ أنتم أقاربي وخاصتي، وأنا صانع بكم كل شيء أحببتم، فتواعدوا ليوم الزينة ‏ {‏وأن يحشر الناس ضحى‏} ‏ قال سعيد‏:‏ فحدثني ابن عباس‏:‏ أن يوم الزينة - اليوم الذي أظهر الله فيه موسى على فرعون والسحرة - وهو يوم عاشوراء، فلما اجتمعوا في صعيد واحد‏.‏ قال الناس بعضهم لبعض‏:‏ اذهبوا بنا فلنحضر هذا الأمر و {أية : نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين}‏ ‏تفسير : [‏الشعراء: 40‏]‏ - يعنون بذلك موسى وهارون استهزاء بهما - فقالوا‏:‏ يا موسى - لقدرتهم بسحرهم - ‏{أية : ‏إما أن تلقي وإما أن نكون نحن الملقين‏}‏ ‏تفسير : [‏الأعراف: 115‏]‏ قال‏:‏ ألقوا ‏{أية : ‏فألقوا حبالهم وعصيهم وقالوا بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون‏}‏ ‏تفسير : [الأعراف: 44‏]‏ فرأى موسى من سحرهم ما أوجس منه خيفة‏.‏ فأوحى الله إليه ‏{أية : ‏أن ألق عصاك‏}‏ تفسير : ‏[‏القصص: 31‏]‏ فلما ألقاها صارت ثعباناً عظيماً فاغرة فاها، فجعل العصا بدعوة موسى تلتبس بالحبال، حتى صارت ‏[‏‏ ‏‏]‏ جرداً إلى الثعبان، حتى تدخل فيه حتى ما أبقت عصا ولا حبلاً إلا ابتلعته، فلما عاين السحرة ذلك قالوا‏:‏ لو كان هذا سحراً لم تبتلع من سحرنا كل هذا‏!‏ ولكن هذا من أمر الله عز وجل‏.‏ فآمنا بالله، وبما جاء به موسى، ونتوب إلى الله عز وجل مما كنا فيه، فكسر الله ظهر فرعون في ذلك الموطن وأشياعه، فظهر الحق وبطل ما كانوا يعملون {أية : فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين‏}‏ تفسير : ‏[‏الأعراف: 119‏]‏ وامرأة فرعون بارزة متبذلة - تدعو الله بالنصر لموسى على فرعون - فمن رآها - من آل فرعون ظن أنها تبذلت شفقة على فرعون وأشياعه، وإنما كان حزنها وهمها لموسى‏.‏ فلما طال مكث موسى لمواعد فرعون الكاذبة، كلما جاء بآية وعد عندها أن يرسل معه بني إسرائيل، فإذا كشف ذلك عنه، نكث عهده واختلف وعده، حتى أمر موسى بقومه، فخرج بهم ليلاً‏.‏ فلما أصبح فرعون ورأى أنهم قد مضوا بعث في المدينة وحولها حاشرين، فتبعهم جنود عظيمة كثيرة، وأوحى الله إلى البحر‏:‏ إذا ضربك عبدي موسى فانفرق له اثني عشر فرقاً، حتى يجوز موسى ومن معه، ثم التق بعد على من بقي من قوم فرعون وأشياعه‏.‏ فنسي موسى أن يضرب بعصاه، فدفع إلى البحر وله قصيف؛ مخافة أن يضربه بعصاه وهو غافل فيصير عاصياً ‏{أية : ‏فلما ترآءا الجمعان‏}‏ تفسير : [‏الشعراء: 61‏]‏ وتقاربا {أية : قال أصحاب موسى إنا لمدركون} ‏تفسير : [‏الشعراء: 61‏]‏ فافعل ما أمرك به ربك فإنك لم تكذب ولم تكذب‏.‏ قال‏:‏ وعدني ربي إذا انتهيت إلى البحر أن ينفرق لي حتى أجوز، ثم ذكر بعد ذلك العصا، فضرب البحر - حين دنا أوائل جند فرعون - من أواخر جند موسى فانفرق البحر - كما أمره الله وكما وعد موسى، فلما جاز أصحاب موسى كلهم، ودخل أصحاب فرعون كلهم، التقى البحر عليهم كما أمره الله عز وجل، فما أن جاوز البحر ‏{أية : ‏قال أصحاب موسى‏‏ إنا لمدركون} ‏تفسير : [‏الشعراء: 61‏]‏ إنا نخاف أن لا يكون فرعون غرق، ولا نأمن هلاكه‏!‏ فدعا ربه فأخرجه له ببدنه من البحر، حتى استيقنوا‏.‏ ثم مروا بعد ذلك {أية : على قوم يعكفون على أصنام لهم، قالوا يا موسى اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة‏.‏ قال إنكم قوم تجهلون، إن هؤلاء مُتَبَّرٌ ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون} تفسير : ‏[‏الأعراف: 138‏]‏ قد رأيتم من العبر ما يكفيكم وسمعتم به، فمضى حتى أنزلهم منزلاً، ثم قال لهم‏:‏ أطيعوا هارون فإني قد استخلفته عليكم، وإني ذاهب إلى ربي، وأجلهم ثلاثين يوماً أن يرجع إليهم فيها، فلما أتى ربه وأراد أن يكلمه في ثلاثين يوماً - فصامهن ليلهن ونهارهن - كره أن يكلم ربه وريح فمه ريح فم الصائم، فتناول موسى من نبات الأرض شيئاً فمضغه‏.‏ فقال له ربه‏:‏ - حين أتاه - لم أفطرت‏؟‏ وهو أعلم بالذي كان‏.‏ قال‏:‏ يا رب، إني كرهت أن أكلمك إلا وفمي طيب الريح‏.‏ قال‏:‏ وما علمت يا موسى، أن ريح فم الصائم أطيب عندي من ريح المسك‏!‏ ارجع حتى تصوم عشرة أيام ثم ائتني‏.‏ ففعل موسى الذي أمره الله به، فلما رأى قوم موسى أنه لم يأتهم للأجل ساءهم ذلك. وقد كان هارون خطبهم وقال له‏:‏ إنكم خرجتم من مصر وعندكم ودائع لقوم فرعون وعوار، ولكم فيهم مثل ذلك، وأنا أرى أن تحتسبوا ما كان لكم عندهم، ولا أحل لكم وديعة استودعتموها أو عارية، ولسنا نرى أداء شيء من ذلك إليهم، ولا مُمْسِكيه‏.‏ فحفر حفرة وأمر كل قوم عندهم شيء من ذلك من متاع أو حلية بأن يدفنوه في الحفرة، ثم أوقد عليه النار فأحرقه وقال‏:‏ لا يكون لنا ولا لهم‏.‏ وكان السامري رجلاً من قوم يعبدون البقر، ليس من بني إسرائيل، جار لهم، فاحتمل مع بني إسرائيل حين احتملوا، فقضى له أن رأى أثر الفرس، فقبض منه قبضة فمر بهارون فقال له هارون‏:‏ يا سامري‏.‏ ألا تلقي ما في يديك‏؟‏ - وهو قابض عليه لا يراه أحد ‏[‏‏ ‏‏]‏ طوال ذلك - فقال‏:‏ هذه ‏قبضة‏ من أثر الرسول الذي جاوز بكم البحر، فلا ألقيها لشيء، إلا أن تدعو الله إذا ألقيتها، أن يكون ما أريد‏.‏ قال‏:‏ فألقاها ودعا له هارون‏.‏ فقال‏:‏ أريد أن يكون عجلاً، فاجتمع ما كان في الحفرة من متاع‏:‏ نحاس أو حديد أو حلى، فصار عجلاً أجوف ليس فيه روح له خوار‏.‏ فقال ابن عباس‏:‏ والله ما كان له صوت، ولكن الريح كانت تدخل في دبره وتخرج من فيه، فكان ذلك الصوت من ذلك‏.‏ فتفرق بنو إسرائيل فقالت فرقة‏:‏ يا سامري، ما هذا فإنك أنت أعلم به‏؟‏ فقال‏:‏ هذا ربكم، ولكن موسى أخطأ الطريق‏.‏ فقالوا‏:‏ لا نكذب بهذا ‏{أية : ‏حتى يرجع إلينا موسى‏}‏ ‏تفسير : [‏طه: 91‏]‏ فإن يك ربنا لم يكن ضيعنا وعجزنا حين رأيناه، وإن لم يكن ربنا فإننا نتبع قول موسى‏.‏ وقال فرقة‏:‏ هذا من عمل الشيطان، وليس ربنا ولا نصدق به ولا نؤمن به‏.‏ وأشرب فرقة في قلوبهم التصديق بما قال السامري في العجل‏:‏ وأعلنوا التكذيب و ‏ {‏قال لهم هارون يا قوم إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن‏} ‏ وليس بهكذا‏.‏ قالوا‏:‏ فما بال موسى وعدنا ثلاثين ليلة، ثم أخلفنا فهذه أربعون ليلة‏:‏ فقال سفهاؤهم‏:‏ أخطأ ربه فهو يطلبه ويتبعه‏، فلما كلم الله موسى وقال ما قال له، وأخبره بما لقي قومه من بعده، ‏{أية : فرجع موسى إلى قومه غضبان أسفا‏ً}‏تفسير : [الأعراف:150] فقال لهم ما سمعتم في القرآن ‏{أية : وألقى الألواح وأخذ برأس أخيه يجره إليه‏}‏ ‏تفسير : [‏الأعراف: 150‏]‏ من الغضب غير أنه عذر أخاه، واستغفر ربه، ثم انصرف إلى السامري فقال له‏:‏ ما حملك على ما صنعت‏؟‏ فقال‏:‏ ‏ {‏قبضت قبضة من أثر الرسول‏} ‏ وفطنت وعميت عليكم ‏ {‏فقذفتها وكذلك سوّلت لي نفسي‏} ‏ ‏{‏قال فاذهب فإن لك في الحياة أن تقول لا مساس‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏في اليم نسفاً‏}‏ ولو كان إلهاً لم يخلص إلى ذلك‏! فاستيقن بنو إسرائيل بالفتنة، واغتبط الذين كان رأيهم رأي هارون، فقالوا‏:‏ يا موسى، سل ربك أن يفتح لنا باب توبة نعملها ونكفر عنا ما عملنا ‏{أية : ‏فاختار موسى من قومه سبعين رجلاً‏} ‏تفسير : [‏الأعراف: 155‏]‏ لذلك لا يألوا لخير خيار بني إسرائيل، ومن لم يشرك في العجل، فانطلق بهم ليسأل ربهم التوبة، فرجفت الأرض بهم فاستحيا موسى عليه السلام من قومه، ووفده حين فعل بهم ذلك فقال‏:‏ ‏{أية : رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء‏}‏ تفسير : ‏[‏الأعراف: 155‏]‏ الآية‏.‏ ومنهم من قد اطلع الله منه على ما أشرب قلبه العجل والإيمان به؛ فلذلك رجفت بهم الأرض‏.‏ فقال‏:‏ {أية : ‏رحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون‏}‏ تفسير : [الأعراف: 155] إلى قوله‏:‏ ‏{أية : ‏والإنجيل‏} تفسير : ‏[‏الأعراف: 156‏]‏ فقال‏:‏ رب سألتك التوبة لقومي فقلت‏:‏ إن ‏رحمتك‏‏ كتبتها لقوم غير قومي، فليتك أخرتني حتى أخرج في أمة ذلك الرجل المرحومة‏.‏ قال الله عز وجل‏:‏ فإن توبتهم، أن يقتل كل رجل منهم كل من لقي من والد أو ولد، فيقتله بالسيف ولا يبالي من قبل ذلك الموطن‏ فتاب أولئك الذين كان خفي على موسى وهارون، وما اطلع الله عليهم من ذنوبهم فاعترفوا بها‏.‏ وفعلوا ما أمروا به فغفر الله للقاتل والمقتول،‏ ثم سار بهم موسى متوجهاً نحو الأرض المقدسة، فأخذ الألواح بعد ما سكت عنه الغضب، وأمرهم بالذي أمره الله أن يبلغهم من الوظائف، فثقلت عليهم وأبوا أن يقروا بها، حتى نتق الله عليهم الجبل كأنه ظلة، ودنا منهم حتى خافوا أن يقع عليهم، فأخذوا الكتاب بأيمانهم وهم مصغون ينظرون الأرض، والكتاب الذي أخذوه بأيديهم، وهم ينظرون إلى الجبل مخافة أن يقع عليهم‏،‏ ثم مضوا حتى أتوا الأرض المقدسة، فوجدوا فيها مدينة جبارين، خلقهم خلق منكر، وذكروا من ثمارهم أمراً عجيباً من عظمها‏!‏ فقالوا‏:‏ يا موسى {أية : إن فيها قوماً جبارين} ‏تفسير : [‏المائدة: 22‏]‏ لا طاقة لنا اليوم بهم، ولا ندخلها ما داموا فيها ‏{‏فإن يخرجوا منها فإنا داخلون‏} قال رجلان من الجبارين‏:‏ آمنا بموسى، فخرجا إليه فقالا‏:‏ نحن أعلم بقومنا إن كنتم تخافون ما رأيتم من أجسامهم وعددهم، فإنهم ليس لهم قلوب ولا منعة عندهم، ‏{أية : ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون‏}‏ تفسير : ‏[المائدة: 23‏]‏ ويقول أناس إنهما من قوم موسى، وزعم سعيد أنهما من الجبارين، آمنا بموسى‏.‏ يقول‏:‏ ‏{أية : من الذين يخافون أنعم الله عليهما} ‏تفسير : [‏المائدة: 33‏]‏ وإنما يعني بذلك الذين يخافهم بنو إسرائيل‏.‏ فقالوا‏:‏ ‏{أية : ‏يا موسى إنا لن ندخلها أبداً ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون}‏ ‏تفسير : [‏المائدة: 24‏]‏ فأغضبوا موسى فدعا عليهم، فسماهم فاسقين، ولم يدع عليهم قبل ذلك، لما رأى فيهم من المعصية وإساءتهم - حتى كان يومئذ - فدعا عليهم فاستجاب الله له، وسماهم كما سماهم موسى فاسقين ‏{أية : ‏فإنها محرمةٌ عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض} تفسير : ‏[‏المائدة: 26‏]‏ يصبحون كل يوم فيسيرون ليس لهم قرار‏،‏ ثم ظلل عليهم في التيه بالغمام، وأنزل عليهم المن والسلوى، وجعل لهم ثياباً لا تبلى ولا تتسخ، وجعل بين ظهرانيهم حجراً مربعاً، وأمر موسى فضربه بعصاه ‏{أية : فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا‏ً}‏ ‏تفسير : [‏البقرة: 60‏]‏ في كل ناحية ثلاث عيون، وأعلم كل سبط عينهم التي يشربون منها، لا يرتحلون بها من مرحلة إلا وجدوا ذلك الحجر منهم بالمكان الذي كان منهم بالمنزل الأوّل‏.‏ رفع الحديث ابن عباس، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وصدق ذلك عندي‏:‏ أن معاوية بن أبي سفيان سمع من ابن عباس هذا الحديث، فأنكر عليه: أن يكون الفرعوني هو الذي أفشى على موسى أمر القتيل. وقال‏:‏ إنما أفشى عليه الإسرائيلي‏،‏ فأخذ ابن عباس بيده فانطلق إلى سعد بن مالك الزهري فقال‏:‏ أرأيت يوم حدثنا النبي - صلى الله عليه وسلم - عن قتيل موسى من آل فرعون، من أفشى عليه‏؟‏ الإسرائيلي أو الفرعوني‏؟‏ قال‏:‏ أفشى عليه الفرعوني، بما سمع من الإسرائيلي الذي شهد ذلك وحضره‏. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏{‏أية : فلبثت سنين في أهل مدين‏}‏ تفسير : [طه: 40] قال‏:‏ عشر سنين ‏{أية : ‏ثم جئت على قدر يا موسى‏}‏ ‏تفسير : [‏طه: 40‏]‏ قال على موعد‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏{‏ثم جئت على قدر‏}‏ قال‏:‏ الميقات‏. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏ {‏ثم جئت على قدر‏} ‏ قال‏:‏ على موعد‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏{‏ولا تنيا في ذكري‏}‏ قال لا تضعفا‏. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد، عن قتادة - رضي الله عنه - مثله‏. وأخرج عبد بن حميد، عن مجاهد - رضي الله عنه - مثله‏. وأخرج الطستي، عن ابن عباس‏:‏ أن نافع بن الأزرق قال له‏:‏ أخبرني عن قوله - عز وجل - ‏ {‏ولا تنيا عن ذكري‏}‏ قال‏:‏ ولا تضعفا عن أمري‏.‏ قال‏:‏ وهل تعرف العرب ذلك‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ أما سمعت الشاعر وهو يقول‏: شعر : إني وجدك ما ونيت وإنني أبغي الفكاك له بكل سبيل تفسير : وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏ {‏ولا تنيا‏} ‏ قال‏:‏ لا تبطئا‏. وأخرج ابن أبي حاتم، عن علي رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏ {‏فقولا له قولاً لينا‏ً}‏ قال‏:‏ كنه‏. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر، عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏ {‏فقولا له قولاً لينا‏ً}‏ قال‏:‏ كنِّياه. وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن سفيان الثوري‏:‏ ‏ {‏فقولا له قولاً ليناً‏} ‏ قال‏:‏ كنياه يا أبا مرة‏. وأخرج ابن أبي حاتم، عن الحسن ‏{‏فقولا له قولاً لينا‏ً} ‏ قال اعذرا إليه، وقولا له‏:‏ إن لك رباً ولك معاداً وإن بين يديك جنة ونارا‏ً. وأخرج ابن أبي حاتم، عن الفضل بن عيسى الرقاشي أنه تلا هذه الآية ‏ {‏فقولا له قولاً لينا‏ً} ‏ فقال‏:‏ يا من يتحبب إلى من يعاديه، فكيف بمن يتولى ويناديه‏؟‏‏. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏ {‏لعله يتذكر‏}‏ قال‏:‏ هل يتذكر‏. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏ {‏إنا نخاف أن يفرط علينا‏}‏ قال‏:‏ يعجل ‏ {‏أو أن يطغى‏}‏ قال‏:‏ يعتدي‏. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏ {‏إنا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى‏} ‏ قال‏:‏ عقوبة منه‏. وأخرج ابن المنذر، عن ابن جريج في قوله‏:‏ ‏ {‏قال لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى‏}‏ قال‏:‏ أسمع ما يقول ‏ {‏وأرى‏} ‏ ما يجاوبكما، فأوحي إليكما فتجاوباه‏. وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم بسند جيد، عن ابن مسعود قال‏:‏ لما بعث الله موسى إلى فرعون، قال‏:‏ رب، أي شيء أقول‏؟‏ قال‏:‏ قل أهيا شراً هيا‏.‏ قال الأعمش‏:‏ تفسير ذلك، الحي قبل كل شيء، والحي بعد كل شيء‏. وأخرج أحمد في الزهد، عن ابن عباس قال‏:‏ لما بعث الله موسى إلى فرعون قال‏:‏ ‏"‏لا يغرنكما لباسه الذي ألبسته، فإن ناصيته بيدي، فلا ينطق ولا يطرف إلا بإذني، ولا يغرنكما ما متع به من زهرة الدنيا وزينة المترفين، فلو شئت أن أزينكما من زينة الدنيا بشيء، يعرف فرعون أن قدرته تعجز عن ذلك لفعلت، وليس ذلك لهوانكما علي، ولكني ألبستكما نصيبكما من الكرامة على‏ أن لا تنقصكما الدنيا شيئاً، وإني لأذود أوليائي عن الدنيا، كما يذود الراعي إبله عن مبارك الغيرة، وإني لأجنبهم كما يجنب الراعي إبله عن مراتع الهلكة، أريد أن أنور بذلك صدورهم، وأطهر بذلك قلوبهم فيَّ، سيماهم الذين يعرفون وأمرهم الذي يفتخرون به، وأعلم‏:‏ أنه من أخاف لي ولياً فقد بارزني، وأنا الثائر لأوليائي يوم القيامة‏"‏‏.‏ وأخرج عبد الرزاق في المصنف والبخاري ومسلم وابن مردويه من طريق ابن عباس، عن أبي سفيان بن حرب ‏"‏حديث : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كتب إلى هرقل من محمد رسول الله، إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى‏ "‏‏. تفسير : وأخرج عبد الرزاق في المصنف والبيهقي في الشعب، عن قتادة قال‏:‏ التسليم على أهل الكتاب إذا دخلت عليهم بيوتهم أن تقول‏:‏ السلام على من اتبع الهدى‏.

ابو السعود

تفسير : {قَالَ} استئنافٌ مبني على سؤال ينساق إليه الذهنُ، كأنه قيل: فماذا قال عليه الصلاة والسلام حين أُمر بهذا الأمر الخطيرِ والخطبِ العسير؟ فقيل قال مستعيناً بربه عز وجل: {رَبّ ٱشْرَحْ لِى صَدْرِى} {وَيَسّرْ لِى أَمْرِى} لما أُمر بما أمر به من الخطب الجليلِ تضرّع إلى ربه عز وجل وأظهر عجْزَه بقوله: ويضيق صدري ولا ينطلق لساني، وسأله تعالى أن يوسعّ صدرَه ويفسَحَ قلبه ويجعله عليماً بشؤون الحق وأحوالِ الخلقِ حليماً حَمولاً يستقبل ما عسى يرِدُ عليه من الشدائد والمكاره بجميل الصبرِ وحسن الثبات ويتلقّاها بصدر فسيحٍ وجأش رابط، وأن يسّهل عليه مع ذلك أمرَه الذي هو أجلُّ الأمور وأعظمُها وأصعبُ الخطوب وأهولُها بتوفيق الأسبابِ ورفع الموانعِ، وفي زيادة كلمة (لي) مع انتظام الكلامِ بدونها تأكيدٌ لطلب الشرحِ والتيسير بإبهام المشروحِ والميسّر أولاً وتفسيرِهما ثانياً، وفي تقديمها وتكريرِها إظهارُ مزيدِ اعتناءٍ بشأن كل من المطلوبَـيْن وفضلِ اهتمامٍ باستدعاء حصولهما له واختصاصِهما به {وَٱحْلُلْ عُقْدَةً مّن لّسَانِى} روي أنه كان في لسانه عليه الصلاة والسلام رُتّةٌ من جمرة أدخلها فاه في صغره، وذلك أن فرعون حمله ذاتَ يوم فأخذ لحيتَه فنتفها لما كان فيها من الجواهر فغضب وأمر بقتله، فقالت آسيةُ: إنه صبـيٌّ لا يفرق بـين الجمر والياقوت فأُحضِرا بـين يديه فأخذ الجمرةَ فوضعها في فيه، قيل: واحترقت يده فاجتهد فرعونُ في علاجها فلم تبرأ. ثم لما دعاه قال: إلى أي ربّ تدعوني؟ قال: إلى الذي أبرأ يدي وقد عَجزْتَ عنه، واختلف في زوال العُقدة بكمالها فمن قال به تمسك بقوله تعالى: {قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ} [طه: 36] ومن لم يقل به احتج بقوله تعالى: { أية : هُوَ أَفْصَحُ مِنّى} تفسير : [القصص: 34] وقوله تعالى: { أية : وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ} تفسير : [الزخرف: 52] وأجاب عن الأول بأنه لم يسأل حلَّ عُقدة لسانه بالكلية بل حلَّ عقدةٍ تمنع الإفهام ولذلك نكرّها ووصفها بقوله: {مّن لّسَانِى} أي عقدةً كائنة من عُقَد لساني وجعل قوله تعالى: {يَفْقَهُواْ قَوْلِي} جوابَ الأمر وغرضاً من الدعاء، فبحلّها في الجملة يتحقق إيتاءُ سؤلِه عليه الصلاة والسلام، والحقُّ أن ما ذكر لا يدل على بقائها في الجملة أما قوله تعالى: { أية : هُوَ أَفْصَحُ مِنّي} تفسير : [القصص: 34] فلأنه عليه الصلاة والسلام قاله قبل استدعاءِ الحلِّ كما ستعرفه على أن أفصحيّتَه منه عليهما الصلاة والسلام لا تستدعي عدمَ البقاءِ لما أن الأفصحيةَ توجب ثبوتَ أصلِ الفصاحة في المفضول أيضاً وذلك منافٍ للعقدة رأساً، وأما قوله تعالى: { أية : وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ} تفسير : فمن باب غلوِّ اللعين في العتوّ والطغيان وإلا لدل على عدم زوالِها أصلاً، وتنكيرُها إنما يفيد قِلتها في نفسها لا قِلَّتها باعتبار كونِها بعضاً من الكثير، وتعلقُ كلمة مِنْ قوله تعالى: {مّن لّسَانِي} بمحذوف هو صفةٌ لها ليس بمقطوع به، بل الظاهرُ تعلُّقها بنفس الفعل فإن المحلولَ إذا كان متعلقاً بشيء ومتصلاً به فكما يتعلق الحلُّ به يتعلق بذلك الشيء أيضاً باعتبار إزالتِه عنه أو ابتداءِ حصوله منه.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {رَبِّ ٱشْرَحْ لِي صَدْرِي وَيَسِّرْ لِيۤ أَمْرِي وَٱحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي} [الآية: 25-27]. قال ابن عطاء: لما كلم الله موسى عليه السلام لم يكن بعد ذلك فيه من الفضل أن يتكلم مع غيره فلما أمره الله عز وجل بالذهاب إلى فرعون، قال: واحلل عُقدة من لسانى إن لم تطلق لسانى أنت، وتحل هذه العُقدة عنه كيف يتهيأ لى الكلام مع مخلوقٍ بعد أن كلمتنى. وقال ابن عطاء: اكشف لى عن صدرى حتى لا أشاهد غيرك، ويسر لى أمرى حتى لا أنظر، ولا أنطق إلا بمعرفتك، واحلل عقدة الإنسانية من لسانى حتى لا أتكلم إلا بما التقفته منك. وقال أيضاً: أراد به العقدة النفسانية. وقال جعفر: لما كلم الله موسى عقد لسانه موسى عن مكالمة غيره فلما أمره بالذهاب إلى فرعون فأجاب يسره فقال: واحلل عقدة من لسانى لأكون قائمًا بالأمر على أتم مقام. قال ابن عطاء: اشرح لى صدرى "اكشف لى قلبى حتى لا أرى غيرك، وأقتنى عن نفسى حتى لا أرى غير فضلك ومعروفك، ويسر لى أمرى حتى لا أنطق بغير معرفتك وإحسانك، واحلل عقدة الإنسانية من لسانى حتى لا أتكلم إلا بما يقربنى منك. سمعت منصور بن عبد الله الهروى يقول: سمعت أبا بكر بن عبد الله بن طاهر يقول: ضاق صدر موسى بخطاب الآدميين بعد موقفه مع ربه وكلامه فلما أرسله إلى فرعون قال رب اشرح لى صدرى هوِّن علىَّ مخاطبة غيرك بعد أن استعذتنى بخطابك. سمعت منصور بن عبد الله يقول: سمعت أبا القاسم البزار يقول: قال ابن عطاء: فى قوله: {رَبِّ ٱشْرَحْ لِي صَدْرِي} لاستماع كلامك، ويسر لى أمرى بالوقوف معك واحلل عقدة لسانى النفسانية. قال الجنيد رحمه الله فى قوله: {رَبِّ ٱشْرَحْ لِي صَدْرِي وَيَسِّرْ لِيۤ أَمْرِي وَٱحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي}. قال: ما سأل الله موسى إلا الأخلاق. وقال الحسين: لما أزال الحق عنه التوقف وجاء إلى الله بالله ولم يبق عليه باقية بها يتمتع أقيم مقام المواجهة، وأطلق مصطنعة لسانه بطرًا إلى أليق الأحوال به فسأل قلبه، وشرح صدره لتتسع لمقام المواجهة والمخاطبة ثم نظر إلى أليق الأحوال به فإذا هو تيسر أمره فسأل ذلك على تمام الترقى به حاله إلى أرفع المقام وهو المجئ إلى الله بالله لعلمه بأن من وصل إليه لا يعترض عليه عارضة محال ثم نظر إلى أليق الأحوال به فسأل حل العقدة من لسانه ليكون إذ ذاك لنطقه وبيانه فلما تمت له هذه الأحوال صلح إلى الله وكان للمجيد ممن وفى المواقيت حقها غابت عنه الأحوال فلم يرها وذهبت عن عينه وظهوره وما عداها إلا ما كان للحق منه، ومعه حتى تحقق بقوله {قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يٰمُوسَىٰ}. قال بعضهم: سأله حل عقدة الحياء عنه فإنه استحيى أن يخاطب عدو الله فرعون بلسان خاطب الحق.

اسماعيل حقي

تفسير : {قال} موسى مستعينا بالله لما علم انه حمل ثقيل وتكليف عظيم: يعنى [باخود انديشيدكه من ننها بافرعون ولشكر اوجكونه مقاومت توانم كرد بس ازخدا تقويت طلبيده آغاز ودعا كرد وازروى نياز كفت]{رب}[اى بروردكار من]{اشرح لى صدرى}[كشاده كردان براى من سينه مرا] والمراد بالصدر هنا القلب لا العضو الذي فيه القلب اى وسع قلبى حتى لا يضيق بسفاهة المعاندين ولجاجهم ولا يخاف من شوكتهم وكثرتهم. واعلم ان شرح الصدر من نعم الله تعالى على الانبياء وكمل الاولياء وقد اخذ منه نبينا عليه السلام الحظ الاوفى لانه حصل له بصورته ومعناه اذ شق صدره فى صباوته والقى عنه العلقة التى هى حظ الشيطان مغمزه وغسل فى طست من الذهب وايضا فى البلوغ الى الاربعين لينشرح لتحمل اثقال الرسالة وفى المعراج ليتسع لاسرار الحق تعالى فجاء حاملا للاوصاف الجليلة التى لا توصف من الحلم والعفو والصبر والكف واللطف والدعاء والنصيحة الى غير ذلك.

الجنابذي

تفسير : اعلم، أنّه قد تكرّر قصّة موسى (ع) وقومه وقصّته مع فرعون باختلافٍ يسيرٍ فى الالفاظ ووجه التّكرار انّ حكاية موسى (ع) من اوّل انعقاد نطفته الى آخر حياته كلّها عبرة ونصح ووعد ووعيد وانذار وتبشير وتسلية للرّسول (ص) وللمؤمنين، وتقوية لتوكّلهم وصبرهم على ما نالوه من الدّهر والاعداء، وفيها آيات كثيرة دالّة على علمه تعالى وقدرته ولطفه ورحمته ونكاله وعقوبته، وعلى قوّة قلب موسى (ع) وسعة صدره وزيادة تحمّله لما نال من قومه الّذين كانوا اشدّ حمقاً من امم جميع الانبياء، وشدّة صبره على مداراة الاعداء ليكون اسوةً له (ص) وللمؤمنين فى جميع ذلك، وكفى فى قوّة قلبه وسعة صدره فى مقام المناجاة الّذى قلّما ينفكّ المناجى عن الغشى والانسلاخ من الكثرات ومن الشّعور بها بقاء التفاته الى الكثرات بحيث لم يكن يهمل من حقوقها شيئاً، فانّه بعد ما امره الله تعالى وشرّفه بالرّسالة استشعر بانّ الرّسول ينبغى ان يكون طليق اللّسان حتّى يمكنه الدّعوة والمجادلة الّلازمة للدّعوة ودفع الخصم وشبهاته وكان بلسانه لكنة لا يمكنه ذلك، وينبغى ان يكون وسيع الصّدر حتّى يمكنه تحمّل متاعب الرّسالة، ولا ينزعج بكلّ مكروهٍ فانّ الرّسالة يلزمها المكاره الّتى يسلم اكثر النّاس منها، وكان ضيّق الصّدر شديد الغضب سريع الانزعاج من كلّ مكروهٍ، وينبغى ان يكون محبوباً للخلق لا مبغوضاً وكان (ع) مبغوضاً لهم لقتله منهم نفساً، ولذلك اعتذر واستعفى وقال كما فى سورة الشّعراء: {أية : رَبِّ إِنِّيۤ أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلاَ يَنطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَىٰ هَارُونَ وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنبٌ فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ} تفسير : [الشعراء:12-14]، ولعلّه كان الكلام والامر والرّدع من الله والاعتذار والاستعفاء والمسئلة من موسى (ع) مكرّراً وكان استعفاؤه كما فى سورة الشّعراء اوّل ما اجابه فلمّا ردعه الله عنه سأله منه تعالى شرح صدره كما حكى الله عنه فقال: اذا لم يكن بدّ من ارسالى فاشرح لى صدرى.

فرات الكوفي

تفسير : فرات قال: حدّثنا إِبراهيم بن أحمد بن عمر الهمداني معنعناً: عن أسماء بنت عميس [رضي الله عنها. ر] قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم واقفاً بمكة مستقبلاً ثبير [ر: بثبير] مستدبراً حرى وهو يقول: حديث : اللهم إني أقول اليوم كما قال العبد الصالح موسى [بن عمران. ر.عليه الصلاة والسلام. ر، ب]: اللهم اشرح لي صدري ويسر لي أمري [واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي. ب] واجعل لي وزيراً من أهلي علي [بن أبي طالب. ر] أخي أشدد به أزري وأشركه في أمري كي نسبحك كثيراً ونذكرك كثيراً إنك كنت بصيراً . تفسير : فرات قال: حدثني علي بن الحسين القرشي معنعناً: عن أسماء بنت عميس قالت: رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بازاء ثبير وهو يقول: أشرق ثبير، اللهم إني أسألك ما سألك أخي موسى أن تشرح لي صدري وأن تيسر لي أمري وأن تحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي، واجعل لي وزيراً من أهلي علي [أ: علياً] أخي أشدد به أزري وأشركه في أمري كي نسبحك كثيراً ونذكرك كثيراً إنك كنت بنا بصيراً.

اطفيش

تفسير : {قَالَ رَبِّ} يا رب. {اشْرَحْ} وسع لتحمُّل أثقال النبوة {لِى صَدْرِى} قال ابن عباس: يريد حتى لا أخاف غيرك. وذلك أن موسى خاف فرعون خوفا شديدا لشدة شوكته وكثرة جنوده فسأل ربه أن يوسع قلبه حتى يعلم أنه لا يقدر أحد على ضره كائنا ما كان. وإذا علم ذلك لم يخف فرعون.

اطفيش

تفسير : وكأنه قيل فما قال موسى بعد الأمر بالذهاب إليه؟ فقال: قال رب اشرح الخ طالباً من الله جل جلاله ما يتحمل به الشدائد فى التبليغ من سعة الصدر بالنور الإلهى، وغير ذلك، فإن شرح الصدر جعله بحيث لا يقلق، والمراد بالصدر القلب، سمى باسم محله، وذكرنا فى فن البيان أن فى ذكر لى مع صحة الاستغناء عنها زيادة ربط، وتأكيداً بالتليح إجمالا أن ثم مشروحاً وميسراً يطلبان ويفصلان بعد حتى إنه لو لم يذكر صدرى وأمرى لكفى، ولو اقتصر عليهما بدون لى لم يفد الكلام تلك الفائدة، والمراد بأمرى ما يجرى فيه من التبليغ وشأنه.

الالوسي

تفسير : {قَالَ } استئناف بياني كأنه قيل فماذا قال موسى عليه السلام حين قيل له ما قيل؟ فأجيب بأنه قال: {رَبِّ اشْرَحْ لي صَدْري}.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: اشرح لي صدري: أي وسعه لأتحمل الرسالة. ويسر لي أمري: أي سهله حتى أقوى على القيام به. واحلل عقدة من لساني: أي حبسة حتى أُفهم من أُخاطب. اشدد به أزري: أي قوي به ظهري. وأشركه في أمري: أي اجعله نبياً كما نبأتني. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في حديث موسى عليه السلام مع ربه سبحانه وتعالى إنه بعد أن أمر الله تعالى موسى بالذهاب إلى فرعون ليدعوه إلى عبادة الله وحده وإرسال بني إسرائيل مع موسى ليذهب به إلى أرض القدس قال موسى عليه السلام لربه تعالى {ٱشْرَحْ لِي صَدْرِي} لأتحمل أعباء الرسالة {وَيَسِّرْ لِيۤ أَمْرِي} أي سهل مهمتي عليَّ وارزقني العون عليها فإنها صعبة شاقة. {وَٱحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي} تلك العقدة التي نشأت بسبب الجمرة التي ألقاها في فمه بتدبير الله عزوجل حيث عزم فرعون على قتله لما وضعه في حجره يلاعبه فأخذ موسى بلحية فرعون ونتفها فغضب فقالت له آسية إنه لا يعقل لصغر سنه وقالت له تختبره بوضع جواهر في طبق وجمر في طست ونقدمهما له فإن أخذ الجواهر فهو عاقل ودونك افعل به ما شئت، وإن أخذ الجمر فهو غير عاقل فلا تحفل به ولا تغتم لفعله، وقدم لموسى الطبق والطست فمد يده إلى الطست بتدبير الله فأخذ جمرة فكانت سبب هذه العقدة فسأل موسى ربه أن يحلها من لسانه ليفصح إذا خاطب فرعون وبين فيفُهم قوله، وبذلك يؤدي رسالته. هذا معنى قوله: {وَٱحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي يَفْقَهُواْ قَوْلِي}. وقوله تعالى فيما أخبر عن موسى {وَٱجْعَل لِّي وَزِيراً مِّنْ أَهْلِي هَارُونَ أَخِي} أي طلب من الله تعالى أن يجعل له من أخيه هارون معيناً على تبليغ الرسالة وتحمل أعبائها. وقوله: {ٱشْدُدْ بِهِ أَزْرِي} أي قوّ به ظهري. وقوله: {وَأَشْرِكْهُ فِيۤ أَمْرِي} وذلك بتنبئته وإرساله ليكون هارون نبياً رسولاً. وعلل موسى عليه الصلاة والسلام لطلبه هذا بقوله: {كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً}، وقوله {إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيراً} أي أنك كنت ذا بصر بنا لا يخفى عليك شيء من أمرنا وهذا من موسى توسل إلى الله تعالى في قبول دعائه وما طلبه من ربه توسل إليه بعلمه تعالى به وبأخيه وبحالهما. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- وجوب اللجأ إلى الله تعالى في كل ما يهم العبد. 2- مشروعية الأخذ بالأُهبة والاستعداد لما يعتزم العبد القيام به. 3- فضيلة التسبيح والذكر، والتوسل بأسماء الله وصفاته.

د. أسعد حومد

تفسير : (25) - فَسَأَلَ مُوسَى رَبَّهُ أَنْ يَشْرَحَ لَهُ صَدْرَهُ (وَشَرْحُ الصَّدْرِ يَعْنِي اطْمِئْنَانَ النَّفْسِ إِلَى مَا يَقُومُ بِهِ الإِنْسَانُ مِنْ عَمَلٍ، وَإِذا اطْمَأَنَّتِ النَّفْسُ إِلَى مَا تَقُومُ بِهِ تَحَوَّلَتْ مَشَقَّةُ التَّكْلِيفِ إِلَى مُتْعةٍ).

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : كأنه قال: يا رب أنا سأنفّذ أوامرك؛ لكني لا أريد أنْ أُقبل على هذه المهمة وأنا منقبض الصدر منْ ناحيتها؛ لأن انقباضَ الصدر من الشيء يُهدِر الطاقة ويُبدِّدها، ويعين الأحداث على النفس. لذلك دعا موسى بهذا الدعاء: {رَبِّ ٱشْرَحْ لِي صَدْرِي} [طه: 25] ليوفر قوته لأداء هذه المهمة الصعبة التي تحتاج إلى مجهود يناسبها، ومعنى ذلك أنه انقبض صدره من لقاء فرعون للأسباب التي ذُكِرت. ثم قال: {وَيَسِّرْ لِيۤ ...}.