٢٠ - طه
20 - Ta-Ha (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
36
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن السؤال هو الطلب فعل بمعنى مفعول كقولك خبز بمعنى مخبوز وأكل بمعنى مأكول، واعلم أن موسى عليه السلام لما سأل ربه تلك الأمور الثمانية، وكان من المعلوم أن قيامه بما كلف به تكليف لا يتكامل إلا بإجابته إليها، لا جرم أجابه الله تعالى إليها ليكون أقدر على الإبلاغ على الحد الذي كلف به فقال: {قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يٰمُوسَىٰ } وعد ذلك من النعم العظام عليه لما فيه من وجوه المصالح ثم قال: {وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَىٰ } فنبه بذلك على أمور: أحدها: كأنه تعالى قال: إني راعيت مصلحتك قبل سؤالك فكيف لا أعطيك مرادك بعد السؤال. وثانيها: إني كنت قد ربيتك فلو منعتك الآن مطلوبك لكان ذلك رداً بعد القبول وإساءة بعد الإحسان فكيف يليق بكرمي. وثالثها: إنا لما أعطيناك في الأزمنة السالفة كل ما احتجت إليه ورقيناك من حالة نازلة إلى درجة عالية دل هذا على أنا نصبناك لمنصب عال ومهم عظيم فكيف يليق بمثل هذه الرتبة المنع من المطلوب، وههنا سؤالان: السؤال الأول: لم ذكر تلك النعم بلفظ المنة مع أن هذه اللفظة لفظة مؤذية والمقام مقام التلطف؟ والجواب إنما ذكر ذلك ليعرف موسى عليه السلام أن هذه النعم التي وصلت إليه ما كان مستحقاً لشيء منها بل إنما خصه الله تعالى بها بمحض التفضل والإحسان. السؤال الثاني: لم قال مرة أخرى مع أنه تعالى ذكر منناً كثيرة؟ والجواب: لم يعن بمرة أخرى مرة واحدة من المنن لأن ذلك قد يقال في القليل والكثير. واعلم أن المنن المذكورة ههنا ثمانية: المنة الأولى: قوله: {إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمّكَ مَا يُوحَىٰ * أَنِ ٱقْذِفِيهِ فِى ٱلتَّابُوتِ فَٱقْذِفِيهِ فِى ٱلْيَمّ فَلْيُلْقِهِ ٱلْيَمُّ بِٱلسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لّي وَعَدُوٌّ لَّهُ } أما قوله: {إِذْ أَوْحَيْنَا } فقد اتفق الأكثرون على أن أم موسى عليه السلام ما كانت من الأنبياء والرسل فلا يجوز أن يكون المراد من هذا الوحي هو الوحي الواصل إلى الأنبياء وكيف لا نقول ذلك والمرأة لا تصلح للقضاء والإمامة بل عند الشافعي رحمه الله لا تمكن من تزويجها نفسها فكيف تصلح للنبوة ويدل عليه قوله تعالى: { أية : وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ } تفسير : [الأنبياء: 7] وهذا صريح في الباب، وأيضاً فالوحي قد جاء في القرآن لا بمعنى النبوة قال تعالى: { أية : وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَىٰ ٱلنَّحْلِ } تفسير : [النحل: 68] وقال: { أية : وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى ٱلْحَوَارِيّينَ } تفسير : [المائدة: 111] ثم اختلفوا في المراد بهذا الوحي على وجوه: أحدها: المراد رؤيا رأتها أم موسى عليه السلام وكان تأويلها وضع موسى عليه السلام في التابوت وقذفه في البحر وأن الله تعالى يرده إليها. وثانيها: أن المراد عزيمة جازمة وقعت في قلبها دفعة واحدة فكل من تفكر فيما وقع إليه ظهر له الرأي الذي هو أقرب إلى الخلاص ويقال لذلك الخاطر إنه وحي. وثالثها: المراد منه الإلهام لكنا متى بحثنا عن الإلهام كان معناه خطور رأي بالبال وغلبة على القلب فيصير هذا هوالوجه الثاني وهذه الوجوه الثلاثة يعترض عليها بأن الإلقاء في البحر قريب من الإهلاك وهو مساوٍ للخوف الحاصل من القتل المعتاد من فرعون فكيف يجوز الإقدام على أحدهما لأجل الصيانة عن الثاني. والجواب: لعلها عرفت بالاستقراء صدق رؤياها فكان إفضاء الإلقاء في البحر إلى السلامة أغلب على ظنها من وقوع الولد في يد فرعون. ورابعها: لعله أوحى إلى بعض الأنبياء في ذلك الزمان كشعيب عليه السلام أو غيره ثم إن ذلك النبي عرفها، إما مشافهة أو مراسلة، واعترض عليه بأن الأمر لو كان كذلك لما لحقها من أنواع الخوف ما لحقها. والجواب: أن ذلك الخوف كان من لوازم البشرية كما أن موسى عليه السلام كان يخاف فرعون مع أن الله تعالى كان يأمره بالذهاب إليه مراراً. وخامسها: لعل الأنبياء المتقدمين كإبراهيم وإسحق ويعقوب عليهم السلام أخبروا بذلك وانتهى ذلك الخبر إلى تلك المرأة. وسادسها: لعل الله تعالى بعث إليها ملكاً لا على وجه النبوة كما بعث إلى مريم في قوله: { أية : فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً } تفسير : [مريم: 17] وأما قوله: {مَا يُوحَىٰ } فمعناه وأوحينا إلى أمك ما يجب أن يوحى وإنما وجب ذلك الوحي لأن الواقعة واقعة عظيمة ولا سبيل إلى معرفة المصلحة فيها إلا بالوحي فكان الوحي واجباً أما قوله تعالى: {أَنِ ٱقْذِفِيهِ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: أن هي المفسرة لأن الوحي بمعنى القول. المسألة الثانية: القذف مستعمل في معنى الإلقاء والوضع ومنه قوله تعالى: { أية : وَقَذَفَ فِى قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعْبَ } تفسير : [الأحزاب: 26]. المسألة الثالثة: روى أنها اتخذت تابوتاً وجعلت فيه قطناً محلوجاً ووضعت فيه موسى عليه السلام وقيرت رأسه وشقوقه بالقار ثم ألقته في النيل وكان يشرع منه نهر كبير في دار فرعون فبينا هو جالس على رأس البركة مع امرأته آسية إذ بتابوت يجيء به الماء فلما رآه فرعون أمر الغلمان والجواري بإخراجه فأخرجوه وفتحوا رأسه فإذا صبي من أصبح الناس وجهاً فلما رآه فرعون أحبه وسيأتي تمام القصة في سورة القصص، قال مقاتل: إن الذي صنع التابوت حزقيل مؤمن آل فرعون. المسألة الرابعة: اليم هو البحر والمراد به ههنا نيل مصر في قول الجميع واليم اسم يقع على البحر وعلى النهر العظيم. المسألة الخامسة: قال الكسائي الساحل فاعل بمعنى مفعول سمي بذلك لأن الماء يسحله أي يقذفه إلى أعلاه. المسألة السادسة: قال صاحب «الكشاف» الضمائر كلها راجعة إلى موسى عليه السلام ورجوع بعضها إليه وبعضها إلى التابوت يؤدي إلى تنافر النظم فإن قيل المقذوف في البحر هو التابوت وكذلك الملقى إلى الساحل قلنا لا بأس بأن يقال المقذوف والملقى هو موسى عليه السلام في جوف التابوت حتى لا تتفرق الضمائر ولا يحصل التنافر. المسألة السابعة: لما كان تقدير الله تعالى أن يجري ماء اليم ويلقي بذلك التابوت إلى الساحل سلك في ذلك سبيل المجاز وجعل اليم كأنه ذو تمييز أمر بذلك ليطيع الأمر ويمتثل رسمه فقيل فليلقه اليم بالساحل أما قوله: {يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لّي وَعَدُوٌّ لَّهُ } ففيه أبحاث: البحث الأول: قوله: {يَأْخُذْهُ } جواب الأمر أي اقذفيه يأخذه. البحث الثاني: في كيفية الأخذ قولان، أحدهما: أن امرأة فرعون كانت بحيث تستسقي الجواري فبصرت بالتابوت فأمرت به فأخذت التابوت فيكون المراد من أخذ فرعون التابوت قبوله له واستحبابه إياه. الثاني: أن البحر ألقى التابوت بموضع من الساحل فيه فوهة نهر فرعون ثم أداه النهر إلى بركة فرعون فلما رآه أخذه. البحث الثالث: قوله: {يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لّى وَعَدُوٌّ لَّهُ } فيه إشكال وهو أن موسى عليه السلام لم يكن ذلك الوقت بحيث يعادى. وجوابه: أما كونه عدواً لله من جهة كفره وعتوه فظاهر وأما كونه عدواً لموسى عليه السلام فيحتمل من حيث إنه لو ظهر له حالة لقتله ويحتمل أنه من حيث يؤول أمره إلى ما آل إليه من العداوة. المنة الثانية: قوله: {وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي } وفيه قولان: الأول: وألقيت عليك محبة هي مني قال الزمخشري: {مِنّي } لا يخلو إما أن يتعلق بألقيت فيكون المعنى على أني أحببتك ومن أحبه الله أحبته القلوب، وإما أن يتعلق بمحذوف وهذا هو القول الثاني ويكون ذلك المحذوف صفة لمحبة أي وألقيت عليك محبة حاصلة مني واقعة بخلقي فلذلك أحبتك امرأة فرعون حتى قالت: { أية : قُرَّةُ عَيْنٍ لّى وَلَكَ لاَ تَقْتُلُوهُ } تفسير : [القصص: 9] يروى أنه كانت على وجهه مسحة جمال وفي عينيه ملاحة لا يكاد يصبر عنه من رآه وهو كقوله تعالى: { أية : سَيَجْعَلُ لَهُمُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وُدّاً } تفسير : [مريم: 96] قال القاضي: هذا الوجه أقرب لأنه في حال صغره لا يكاد يوصف بمحبة الله تعالى التي ظاهرها من جهة الدين لأن ذلك إنما يستعمل في المكلف من حيث استحقاق الثواب والمراد أن ما ذكرنا من كيفيته في الخلقة يستحلي ويغتبط فكذلك كانت حاله مع فرعون وامرأته وسهل الله تعالى له منهما في التربية ما لا مزيد عليه ويمكن أن يقال بل الاحتمال الأول أرجح لأن الاحتمال الثاني يحوج إلى الإضمار وهو أن يقال: وألقيت عليك محبة حاصلة مني وواقعة بتخليقي وعلى التقدير الأول لا حاجة إلى هذا الإضمار بقي قوله: إنه حال صباه لا يحصل له محبة الله تعالى قلنا: لا نسلم فإن محبة الله تعالى يرجع معناها إلى إيصال النفع إلى عباده وهذا المعنى كان حاصلاً في حقه في حال صباه وعلم الله تعالى أن ذلك يستمر إلى آخر عمره فلا جرم أطلق عليه لفظ المحبة. المنة الثالثة: قوله: {وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِي } قال القفال: لترى على عيني أي على وفق إرادتي، ومجاز هذا أن من صنع لإنسان شيئاً وهو حاضر ينظر إليه صنعه له كما يحب ولا يمكنه أن يفعل ما يخالف غرضه فكذا ههنا وفي كيفية المجاز قولان: الأول: المراد من العين العلم أن ترى على علم مني ولما كان العالم بالشيء يحرسه عن الآفات كما أن الناظر إليه يحرسه عن الآفات أطلق لفظ العين على العلم لاشتباههما من هذا الوجه. الثاني: المراد من العين الحراسة وذلك لأن الناظر إلى الشيء يحرسه عما يؤذيه فالعين كأنها سبب الحراسة فأطلق اسم السبب على المسبب مجازاً وهو كقوله تعالى: { أية : إِنَّنِى مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَىٰ } تفسير : [طه: 46] ويقال: عين الله عليك إذا دعا لك بالحفظ والحياطة، قال القاضي ظاهر القرآن يدل على أن المراد من قوله: {وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِي } الحفظ والحياطة كقوله تعالى: {إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ مَن يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَـٰكَ إِلَىٰ أُمّكَ كَى تَقَرَّ عَيْنُها وَلاَ تَحْزَنَ } فصار ذلك كالتفسير لحياطة الله تعالى له، بقي ههنا بحثان: الأول: الواو في قوله: {وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِي } فيه ثلاثة أوجه. أحدها: كأنه قيل: {وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِي } ألقيت عليك محبة مني ثم يكون قوله: {إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ } متعلقاً بأول الكلام وهو قوله: {وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَىٰ * إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمّكَ مَا يُوحَىٰ } و{إذ تمشي أختك}. وثانيها: يجوز أن يكون قوله: {وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِي } متعلقاً بما بعده وهو قوله: {إِذْ تَمْشِي } وذكرنا مثل هذين الوجهين في قوله: { أية : وَلِيَكُونَ مِنَ ٱلْمُوقِنِينَ } تفسير : [الأنعام: 75]. وثالثها: يجوز أن تكون الواو مقحمة أي وألقيت عليك محبة مني لتصنع وهذا ضعيف. الثاني: قرىء ولتصنع بكسر اللام وسكونها والجزم على أنه أمر وقرىء ولتصنع بفتح التاء والنصب أي وليكون عملك وتصرفك على علم مني. المنة الرابعة: قوله: {إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ } واعلم أن العامل في إذ تمشى ألقيت أو تصنع، يروى أنه لما فشا الخبر بمصر أن آل فرعون أخذوا غلاماً في النيل وكان لا يرتضع من ثدي كل امرأة يؤتى بها لأن الله تعالى قد حرم عليه المراضع غير أمه اضطروا إلى تتبع النساء فلما رأت ذلك أخت موسى جاءت إليهم متنكرة فقالت: { أية : هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ } تفسير : [القصص: 12] ثم جاءت بالأم فقبل ثديها فرجع إلى أمه بما لطف الله تعالى له من هذا التدبير. أما قوله تعالى: {فَرَجَعْنَـٰكَ إِلَىٰ أُمّكَ } أي رددناك، وقال في موضع آخر: { أية : فَرَدَدْنَـٰهُ إِلَىٰ أُمّهِ } تفسير : [القصص: 13] وهو كقوله: { أية : قَالَ رَبّ ٱرْجِعُونِ } تفسير : [المؤمنون: 99] أي ردوني إلى الدنيا، أما قوله: {كَي تَقَرَّ عَيْنُها وَلاَ تَحْزَنَ } فالمراد أن المقصود من ردك إليها حصول السرور لها وزوال الحزن عنها، فإن قيل: لو قال كي لا تحزن وتقر عينها كان الكلام مفيداً لأنه لا يلزم من نفي الحزن حصول السرور لها، وأما لما قال أولاً كي تقر عينها كان قوله بعد ذلك: {وَلاَ تَحْزَنْ } فضلاً لأنه متى حصل السرور وجب زوال الغم لا محالة، قلنا: المراد أنه تقر عينها بسبب وصولك إليها فيزول عنها الحزن بسبب عدم وصول لبن غيرها إلى باطنك. والمنة الخامسة: قوله: {وَقَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّيْنَـٰكَ مِنَ ٱلْغَمّ } فالمراد به وقتلت بعد كبرك نفساً وهو الرجل الذي قتله خطأ بأن وكزه حيث استغاثه الإسرائيلي عليه وكان قبطياً فحصل له الغم من وجهين، أحدهما: من عقاب الدنيا وهو اقتصاص فرعون منه ما حكى الله تعالى عنه: { أية : فَأَصْبَحَ فِى ٱلْمَدِينَةِ خَائِفاً يَتَرَقَّبُ } تفسير : [القصص: 18] والآخر من عقاب الله تعالى حيث قتله لا بأمر الله فنجاه الله تعالى من الغمين، أما من فرعون فحين وفق له المهاجرة إلى مدين وأما من عقاب الآخرة فلأنه سبحانه وتعالى غفر له ذلك. المنة السادسة: قوله: {وَفَتَنَّـٰكَ فُتُوناً } وفيه أبحاث: البحث الأول: في قوله: {فُتُوناً } وجهان: أحدهما: أنه مصدر كالعكوف والجلوس والمعنى وفتناك حقاً وذلك على مذهبهم في تأكيد الأخبار بالمصادر كقوله تعالى: { أية : وَكَلَّمَ ٱللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيماً } تفسير : [النساء: 164]، والثاني: أنه جمع فتن أو فتنة على ترك الاعتداد بتاء التأنيث كحجوز وبدور في حجزة وبدرة أي فتناك ضروباً من الفتن وههنا سؤالان. السؤال الأول: إن الله تعالى عدد أنواع مننه على موسى عليه السلام في هذا المقام فكيف يليق بهذا الموضع قوله: {وَفَتَنَّـٰكَ فُتُوناً }. الجواب عنه من وجهين: أحدهما: أن الفتنة تشديد المحنة، يقال فتن فلان عن دينه إذا اشتدت عليه المحنة حتى رجع عن دينه قال تعالى: { أية : فَإِذَا أُوذِىَ فِى ٱللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ ٱلنَّاسِ كَعَذَابِ ٱللَّهِ } تفسير : [العنكبوت: 10] وقال تعالى: { أية : الم * أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُواْ أَن يَقُولُواْ ءامَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ ٱلْكَـٰذِبِينَ } تفسير : [العنكبوت: 1 ـ 3] وقال: { أية : أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ ٱلْبَأْسَاء وَٱلضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ حَتَّىٰ يَقُولَ ٱلرَّسُولُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعهُ متَى نَصْرَ الله } تفسير : [البقرة: 214] فالزلزلة المذكورة في الآية ومس البأساء والضراء هي الفتنة والفتون، ولما كان التشديد في المحنة مما يوجب كثرة الثواب لا جرم عده الله تعالى من جملة النعم. وثانيها: {فَتَنَّـٰكَ فُتُوناً } أي خلصناك تخليصاً من قولهم: فتنت الذهب من الفضة إذا أردت تخليصه وسأل سعيد بن جبير ابن عباس عن الفتون فقال: نستأنف له نهاراً يا ابن جبير. ثم لما أصبح أخذ ابن عباس يقرأ عليه الآيات الواردة في شأن موسى عليه السلام من ابتداء أمره فذكر قصة فرعون وقتله أولاد بني إسرائيل ثم قصة إلقاء موسى عليه السلام في اليم والتقاط آل فرعون إياه وامتناعه من الإرتضاع من الأجانب، ثم قصة أن موسى عليه السلام أخذ لحية فرعون ووضعه الجمرة في فيه، ثم قصة قتل القبطي، ثم هربه إلى مدين وصيرورته أجيراً لشعيب عليه السلام، ثم عوده إلى مصر وأنه أخطأ الطريق في الليلة المظلمة واستئناسة بالنار من الشجرة وكان عند تمام كل واحدة منها يقول هذا من الفتون يا ابن جبير. السؤال الثاني: هل يصح إطلاق اسم الفتان عليه سبحانه اشتقاقاً من قوله: {وَفَتَنَّـٰكَ فُتُوناً } والجواب لا لأنه صفة ذم في العرف وأسماء الله تعالى توقيفية لا سيما فيما يوهم ما لا ينبغي. المنة السابعة: قوله تعالى: {فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِى أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَىٰ قَدَرٍ يٰمُوسَىٰ } واعلم أن التقدير: {وَفَتَنَّـٰكَ فُتُوناً } فخرجت خائفاً إلى أهل مدين فلبثت سنين فيهم، أما مدة اللبث فقال أبو مسلم: إنها مشروحة في قوله تعالى: { أية : وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاء مَدْيَنَ } تفسير : [القصص: 22] ـ إلى قوله ـ { أية : فَلَمَّا قَضَىٰ مُوسَى ٱلأَجَلَ } تفسير : [القصص: 29] وهي إما عشرة وإما ثمان لقوله تعالى: { أية : عَلَىٰ أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِندِكَ } تفسير : [القصص: 27] وقال وهب: لبث موسى عليه السلام عند شعيب عليه السلام ثمانياً وعشرين سنة منها عشر سنين مهر امرأته، والآية تدل على أنه عليه السلام لبث عنده عشر سنين وليس فيها ما ينفي الزيادة على العشر، واعلم أن قوله: {فَلَبِثَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ } بعد قوله: {وَفَتَنَّـٰكَ فُتُوناً } كالدلالة على أن لبثه في مدين من الفتون وكذلك كان، فإنه عليه السلام تحمل بسبب الفقر والغربة محناً كثيرة، واحتاج إلى أن آجر نفسه، أما قوله تعالى: {ثُمَّ جِئْتَ عَلَىٰ قَدَرٍ يٰمُوسَىٰ } فلا بد من حذف في الكلام لأنه على قدر أمر من الأمور، وذكروا في ذلك المحذوف وجوهاً. أحدها: أنه سبق في قضائي وقدري أن أجعلك رسولاً لي في وقت معين عينته لذلك فما جئت إلا على ذلك القدر لا قبله ولا بعده، ومنه قوله: { أية : إِنَّا كُلَّ شَىْء خَلَقْنَـٰهُ بِقَدَرٍ } تفسير : [القمر: 49]، وثانيها: على مقدار من الزمان يوحى فيه إلى الأنبياء، وهو رأس أربعين سنة. وثالثها: أن القدر هو الموعد فإن ثبت أنه تقدم هذا الموعد صح حمله عليه، ولا يمتنع ذلك لاحتمال أن شعيباً عليه السلام أو غيره من الأنبياء كانوا قد عينوا ذلك الموعد، فإن قيل: كيف ذكر الله تعالى مجيء موسى عليه السلام في ذلك الوقت من جملة مننه عليه، قلنا: لأنه لولا توفيقه له لما تهيأ شيء من ذلك. المنة الثامنة: قوله تعالى: {وَٱصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي } والاصطناع اتخاذ الصنعة، وهي افتعال من الصنع. يقال: اصطنع فلان فلاناً أي اتخذه صنيعه، فإن قيل: إنه تعالى غني عن الكل فما معنى قوله لنفسي. والجواب عنه من وجوه: الأول: أن هذا تمثيل لأنه تعالى لما أعطاه من منزلة التقريب والتكريم والتكليم مثل حاله بحال من يراه بعض الملوك لجوامع خصال فيه أهلاً لأن يكون أقرب الناس منزلة إليه وأشدهم قرباً منه. وثانيها: قالت المعتزلة: إنه سبحانه وتعالى إذا كلف عباده وجب عليه أن يلطف بهم ومن جملة الألطاف ما لا يعلم إلا سمعاً فلو لم يصطنعه بالرسالة لبقي في عهدة الواجب فصار موسى عليه السلام كالنائب عن ربه في أداء ما وجب على الله تعالى، فصح أن يقول: واصطنعتك لنفسي، قال القفال واصطنعتك أصله من قولهم اصطنع فلان فلاناً إذا أحسن إليه حتى يضاف إليه فيقال: هذا صنيع فلان وجريح فلان وقوله لنفسي: أي لأصرفك في أوامري لئلا تشتغل بغير ما أمرتك به وهو إقامة حجتي وتبليغ رسالتي وأن تكون في حركاتك وسكناتك لي لا لنفسك ولا لغيرك، واعلم أنه سبحانه وتعالى لما عدد عليه المنن الثمانية في مقابلة تلك الالتماسات الثمانية رتب على ذكر ذلك أمراً ونهياً، أما الأمر فهو أنه سبحانه وتعالى أعاد الأمر بالأول فقال: {ٱذْهَبْ أَنتَ وَأَخُوكَ بِآياتِي} واعلم أنه سبحانه وتعالى لما قال: {وَٱصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي } عقبه بذكر ماله اصطنعه وهو الإبلاغ والأداء ثم ههنا مسائل: المسألة الأولى: الباء ههنا بمعنى مع وذلك لأنهما لو ذهبا إليه بدون آية معهما لم يلزمه الإيمان وذلك من أقوى الدلائل على فساد التقليد. المسألة الثانية: اختلفوا في الآيات المذكورة ههنا على ثلاثة أقوال: أحدها: أنها اليد والعصا لأنهما اللذان جرى ذكرهما في هذا الموضع وفي سائر المواضع التي اقتص الله تعالى فيها حديث موسى عليه السلام فإنه تعالى لم يذكر في شيء منها أنه عليه السلام قد أوتي قبل مجيئه إلى فرعون ولا بعد مجيئه حتى لقي فرعون فالتمس منه آية غير هاتين الآيتين قال تعالى عنه: { أية : قَالَ فَأْتِ بآية إن كنت من الصادقين* فَأَلْقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِىَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ * وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِىَ بَيْضَاء لِلنَّـٰظِرِينَ } تفسير : [الشعراء: 31 ـ 33] وقال: { أية : فَذَانِكَ بُرْهَانَـٰنِ مِن رَّبّكَ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ } تفسير : [القصص: 32] فإذا قيل لهؤلاء كيف يطلق لفظ الجمع على الاثنين أجابوا بوجوه: الأول: أن العصا ما كانت آية واحدة بل كانت آيات فإن انقلاب العصا حيواناً آية ثم إنها في أول الأمر كانت صغيرة لقوله تعالى: { أية : تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ } تفسير : [النمل: 10] ثم كانت تعظم وهذه آية أخرى، ثم كانت تصير ثعباناً وهذه آية أخرى. ثم إن موسى عليه السلام كان يدخل يده في فيها فما كانت تضر موسى عليه السلام فهذه آية أخرى ثم كانت تنقلب خشبة فهذه آية أخرى، وكذلك اليد فإن بياضها آية وشعاعها آية أخرى ثم زوالهما بعد حصولهما آية أخرى فصح أنهما كانتا آيات كثيرة لا آيتان. الثاني: هب أن العصا أمر واحد لكن فيها آيات كثيرة لأن انقلابها حية يدل على وجود إله قادر على الكل عالم بالكل حكيم ويدل على نبوة موسى عليه السلام ويدل على جواز الحشر حيث انقلب الجماد حيواناً فهذه آيات كثيرة ولذلك قال: {أية : إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِى بِبَكَّةَ مُبَارَكاً }تفسير : [آل عمران: 96] إلى قوله: { أية : فِيهِ ءايَـٰتٌ بَيّـنَـٰتٌ مَّقَامُ إِبْرٰهِيمَ } تفسير : [آل عمران: 97] فإذا وصف الشيء الواحد بأن فيه آيات فالشيئان أولى بذلك. الثالث: من الناس من قال: أقل الجمع إثنان على ما عرفت في أصول الفقه. القول الثاني: أن قوله: {ٱذْهَبَا بِآياتِي} معناه أني أمدكما بآياتي وأظهر على أيديكما من الآيات ما تزاح به العلل من فرعون وقومه فاذهبا فإن آياتي معكما كما يقال اذهب فإن جندي معك أي أني أمدك بهم متى احتجت. القول الثالث: أن الله تعالى آتاه العصا واليد وحل عقدة لسانه وذلك أيضاً معجز فكانت الآيات ثلاثة هذا هو شرح الأمر أما النهي فهو قوله تعالى: {وَلاَ تَنِيَا فِى ذِكْرِي } الوني الفتور والتقصير وقرىء ولا تنيا بكسر حرف المضارعة للاتباع ثم قيل فيه أقوال: أحدها: المعنى لا تنيا بل اتخذا ذكرى آلة لتحصيل المقاصد واعتقدا أن أمراً من الأمور لا يتمشى لأحد إلا بذكري والحكمة فيه أن من ذكر جلال الله استحقر غيره فلا يخاف أحداً ولأن من ذكر جلال الله تقوى روحه بذلك الذكر فلا يضعف في المقصود، ولأن ذاكر الله تعالى لا بد وأن يكون ذاكراً لإحسانه وذاكر إحسانه لا يفتر في أداء أوامره. وثانيها: المراد بالذكر تبليغ الرسالة فإن الذكر يقع على كل العبادات وتبليغ الرسالة من أعظمها فكان جديراً بأن يطلق عليه اسم الذكر. وثالثها: قوله: {وَلاَ تَنِيَا فِى ذِكْرِي } عند فرعون وكيفية الذكر هو أن يذكرا لفرعون وقومه أن الله تعالى لا يرضى منهم بالكفر ويذكرا لهم أمر الثواب والعقاب والترغيب والترهيب. ورابعها: أن يذكرا لفرعون آلاء الله ونعماءه وأنواع إحسانه إليه ثم قال بعد ذلك: {ٱذْهَبَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ } وفيه سؤالان: الأول: ما الفائدة في ذلك بعد قوله: {ٱذْهَبْ أَنتَ وَأَخُوكَ بآياتي} قال القفال فيه وجهان. أحدهما: أن قوله: {ٱذْهَبْ أَنتَ وَأَخُوكَ بآياتي } يحتمل أن يكون كل واحد منهما مأموراً بالذهاب على الانفراد فقيل مرة أخرى اذهبا ليعرفا أن المراد منه أن يشتغلا بذلك جميعاً لا أن ينفرد به هرون دون موسى. والثاني: أن قوله: {ٱذْهَبْ أَنتَ وَأَخُوكَ بآياتي} أمر بالذهاب إلى كل الناس من بني إسرائيل وقوم فرعون، ثم إن قوله: {ٱذْهَبَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ } أمر بالذهاب إلى فرعون وحده. السؤال الثاني: قوله: {ٱذْهَبَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ } خطاب مع موسى وهـٰرون عليهما السلام وهذا مشكل لأن هـٰرون عليه السلام لم يكن حاضراً هناك وكذلك في قوله تعالى: { أية : قَالاَ رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَن يَطْغَىٰ } تفسير : [طه: 45] أجاب القفال عنه من وجوه. أحدها: أن الكلام كان مع موسى عليه السلام وحده إلا أنه كان متبوع هـٰرون فجعل الخطاب معه خطاباً مع هـٰرون وكلام هـٰرون على سبيل التقدير فالخطاب في تلك الحالة وإن كان مع موسى عليه السلام وحده إلا أنه تعالى أضافه إليهما كما في قوله: { أية : وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا } تفسير : [البقرة: 72] وقوله: { أية : لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى ٱلْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ ٱلأَعَزُّ مِنْهَا ٱلأَذَلَّ } تفسير : [المنافقون: 8] وحكي أن القائل هو عبد الله بن أبي وحده. وثانيها: يحتمل أن الله تعالى لما قال: {قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يٰمُوسَىٰ } سكت حتى لقي أخاه، ثم إن الله تعالى خاطبهما بقوله: {ٱذْهَبَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ }. وثالثها: أنه حكى أنه في مصحف ابن مسعود وحفصة: {قَالاَ رَبُّنَا إِنَّنَا نَخَافُ } أي قال موسى: أنا وأخي نخاف فرعون أما قوله تعالى: {فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيّناً } ففيه سؤالان: السؤال الأول: لم أمر الله تعالى موسى عليه السلام باللين مع الكافر الجاحد. الجواب لوجهين: الأول: أنه عليه السلام كان قد رباه فرعون فأمره أن يخاطبه بالرفق رعاية لتلك الحقوق وهذا تنبيه على نهاية تعظيم حق الأبوين. الثاني: أن من عادة الجبابرة إذا غلظ لهم في الوعظ أن يزدادوا عتواً وتكبراً، والمقصود من البعثة حصول النفع لا حصول زيادة الضرر فلهذا أمر الله تعالى بالرفق. السؤال الثاني: كيف كان ذلك الكلام اللين. الجواب: ذكروا فيه وجوهاً. أحدها: ما حكى الله تعالى بعضه فقال: { أية : هَل لَّكَ إِلَىٰ أَن تَزَكَّىٰ * وَأَهْدِيَكَ إِلَىٰ رَبّكَ فَتَخْشَىٰ } تفسير : [النازعات: 18، 19] وذكر أيضاً في هذه السورة بعض ذلك فقال: { أية : فَأْتِيَاهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولاَ رَبّكَ } تفسير : [طه: 47] إلى قوله: { أية : وَٱلسَّلَـٰمُ عَلَىٰ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلْهُدَىٰ } تفسير : [طه: 47]. وثانيها: أن تعداه شباباً لا يهرم بعده وملكاً لا ينزع منه إلا بالموت وأن يبقى له لذة المطعم والمشرب والمنكح إلى حين موته. وثالثها: كنياه وهو من ذوي الكنى الثلاث أبو العباس وأبو الوليد وأبو مرة. ورابعها: حكي عن عمرو بن دينار قال: بلغني أن فرعون عمر أربعمائة سنة وتسع سنين فقال له موسى عليه السلام: إن أطعتني عمرت مثل ما عمرت فإذا مت فلك الجنة واعترضوا على هذه الوجوه الثلاثة الأخيرة. أما الأول: فقيل لو حصلت له هذه الأمور الثلاثة في هذه المدة الطويلة لصار ذلك كالإلجاء إلى معرفة الله تعالى وذلك لا يصح مع التكليف. وأما الثاني: فلأن خطابه بالكنية أمر سهل فلا يجوز أن يجعل ذلك هو المقصود من قوله: {فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيّناً } بل يجوز أن يكون ذلك من جملة المراد. وأما الثالث: فالاعتراض عليه كما في الأول أما قوله تعالى: {لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ } فاعلم أنه ليس المراد أنه تعالى كان شاكاً في ذلك لأن ذلك محال عليه تعالى وإنما المراد: فقولا له قولاً ليناً، على أن تكونا راجيين لأن يتذكر هو أو يخشى. واعلم أن أحوال القلب ثلاثة. أحدها: الإصرار على الحق. وثانيها: الإصرار على الباطل. وثالثها: التوقف في الأمرين، وأن فرعون كان مصراً على الباطل وهذا القسم أردأ الأقسام فقال تعالى: {فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ } فيرجع من إنكاره إلى الإقرار بالحق وإن لم ينتقل من الإنكار إلى الإقرار لكنه يحصل في قلبه الخوف فيترك الإنكار وإن كان لا ينتقل إلى الإقرار فإن هذا خير من الإصرار على الإنكار واعلم أن هذا التكليف لا يعلم سره إلا الله تعالى لأنه تعالى لما علم أنه لا يؤمن قط كان إيمانه ضداً لذلك العلم الذي يمتنع زواله فيكون سبحانه عالماً بامتناع ذلك الإيمان وإذا كان عالماً بذلك فكيف أمر موسى عليه السلام بذلك الرفق وكيف بالغ في ذلك الأمر بتلطيف دعوته إلى الله تعالى مع علمه استحالة حصول ذلك منه؟ ثم هب أن المعتزلة ينازعون في هذا الامتناع من غير أن يذكروا شبهة قادحة في هذا السؤال ولكنهم سلموا أنه كان عالماً بأنه لايحصل ذلك الإيمان وسلموا أن فرعون لا يستفيد ببعثة موسى عليه السلام إلا استحقاق العقاب والرحيم الكريم كيف يليق به أن يدفع سكيناً إلى من علم قطعاً أنه يمزق بها بطن نفسه ثم يقول: إني ما أردت بدفع السكين إليه إلا الإحسان إليه؟ يا أخى العقول قاصرة عن معرفة هذه الأسرار ولا سبيل فيها إلا التسليم وترك الاعتراض والسكوت بالقلب واللسان، ويروى عن كعب أنه قال: والذي يحلف به كعب إنه لمكتوب في التوراة: فقولا له قولاً ليناً وسأقسي قلبه فلا يؤمن.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يٰمُوسَىٰ } لما سأله شرح الصدر، وتيسير الأمر إلى ما ذكر، أجاب سؤله، وأتاه طِلْبته ومرغوبه. والسؤل الطِّلْبة؛ فُعْل بمعنى مفعول، كقولك خُبز بمعنى مخبوز وأُكل بمعنى مأكول. وقوله تعالى: {وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَىٰ } أي قبل هذه، وهي حفظه سبحانه له من شر الأعداء في الابتداء؛ وذلك حين الذبح. والله أعلم. والمنّ الإحسان والإفضال. وقوله: {إِذْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّكَ مَا يُوحَىٰ } قيل: «أوحينا» ألهمنا. وقيل: أوحي إليها في النوم. وقال ابن عباس رضي الله عنه: أوحي إليها كما أوحي إلى النبيين. {أَنِ ٱقْذِفِيهِ فِي ٱلتَّابُوتِ} قال مقاتل: مؤمن آل فرعون هو الذي صنع التابوت ونَجَره وكان اسمه حِزْقيل. وكان التابوت من جُمَّيز. {فَٱقْذِفِيهِ فِي ٱلْيَمِّ} أي اطرحيه في البحر: نهر النيل. {فَلْيُلْقِهِ} قال الفراء: {فَٱقْذِفِيهِ فِي ٱلْيَمِّ} أمر وفيه معنى المجازاة. أي اقذفيه يلقه اليمُّ. وكذا قوله: {أية : ٱتَّبِعُواْ سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ} تفسير : [العنكبوت: 12]. {يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ} يعني فرعون؛ فاتخذت تابوتاً، وجعلت فيه نطعاً، ووضعت فيه موسى، وقَيَّرت رأسه وخِصَاصه ـ يعني شقوقه ـ ثم ألقته في النيل، وكان يَشْرَع منه نهر كبير في دار فرعون، فساقه الله في ذلك النهر إلى دار فرعون. وروي أنها جعلت في التابوت قطناً محلوجاً، فوضعته فيه وقَيَّرته وجَصَّصته، ثم ألقته في اليمّ. وكان يَشْرَع منه إلى بستان فرعون نهر كبير، فبينا هو جالس على رأس بِركة مع آسية، إذا بالتابوت، فأمر به فأخرج، ففتح فإذا صبيّ أصبح الناس، فأحبه عدوّ الله حبًّا شديداً لا يتمالك أن يصبر عنه. وظاهر القرآن يدل على أن البحر ألقاه بساحله وهو شاطئه، فرأى فرعون التابوت بالساحل فأمر بأخذه. ويحتمل أن يكون إلقاء اليمّ بموضع من الساحل، فيه فُوَّهة نهر فرعون، ثم أدّاه النهر إلى حيث البِركة. والله أعلم. وقيل: وجدته ابنة فرعون وكان بها برص، فلما فتحت التابوت شفيت. وروي أنهم حين التقطوا التابوت عالجوا فتحه فلم يقدروا عليه، وعالجوا كسره فأعياهم، فدنت آسِية فرأت في جوف التابوت نوراً فعالجته ففتحته، فإذا صبيّ نوره بين عينيه، وهو يمصّ إبهامه لبناً فأحبّوه. وكانت لفرعون بنت برصاء، وقال له الأطباء: لا تبرأ إلا من قبل البحر، يوجد فيه شبه إنسان دواؤها رِيقه؛ فلطخت البرصاء برصها بريقه فبرئت. وقيل: لما نظرت إلى وجهه برئت. والله أعلم. وقيل: وجدته جوارٍ لامرأة فرعون، فلما نظر إليه فرعون فرأى صبياً من أصبح الناس وجهاً، فأحبه فرعون؛ فذلك قوله تعالى: {وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي} قال ابن عباس: أحبه الله وحَبَّبه إلى خلقه. وقال ابن عطية: جعل عليه مَسْحة من جمال لا يكاد يصبر عنه من رآه. وقال قَتَادة: كانت في عيني موسى ملاحة ما رآه أحد إلا أحبّه وعشقه. وقال عِكْرمة: المعنى جعلت فيك حسناً وملاحة فلا يراك أحد إلا أحبّك. وقال الطَبري: المعنى وألقيت عليك رحمتي. وقال ابن زيد: جعلت من رآك أحبّك حتى أحبّك فرعون فسلمت من شرّه، وأحبّتك آسِية بنت مُزَاحم فتبنّتك. {وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِيۤ} قال ابن عباس: يريد إن ذلك بعيني حيث جُعلت في التابوت، وحيث ألقي التابوت في البحر، وحيث التقطك جواري امرأة فرعون؛ فأردن أن يفتحن التابوت لينظرن ما فيه، فقالت منهن واحدة: لا تفتحْنه حتى تأتين به سيدتكنّ فهو أحظى لكنّ عندها، وأجدر بألا تتهمكنّ بأنكنّ وجدتن فيه شيئاً فأخذتموه لأنفسكنّ. وكانت امرأة فرعون لا تشرب من الماء إلا ما استقينه أولئك الجواري. فذهبن بالتابوت إليها مغلَقاً، فلما فتحته رأت صبياً لم يُرَ مثله قطّ؛ وألقى عليها محبته فأخذته فدخلت به على فرعون، فقالت له: {أية : قُرَّةُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ} تفسير : [القصص: 9] قال لها فرعون: أمّا لك فَنَعم، وأما لي فلا. فبلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لو أن فرعون قال نعم هو قرة عين لي ولك لآمن وصدّق» تفسير : فقالت: هَبْه لي ولا تقتله؛ فوهبه لها. وقيل: {وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِيۤ} أي تُربَّى وتُغذى على مرأى مني؛ قاله قتادة. قال النحاس: وذلك معروف في اللغة؛ يقال: صنعت الفرس وأصنعته إذا أحسنتَ القيام عليه. والمعنى «ولِتصنع على عينِي» فعلت ذلك. وقيل: اللام متعلقة بما بعدها من قوله: «إِذ تمشِي أختك» على التقديم والتأخير فـ«ـإذ» ظرف «لتصنع». وقيل: الواو في «ولِتصنع» زائدة. وقرأ ابن القَعْقاع «وَلْتُصْنَعْ» بإسكان اللام على الأمر، وظاهره للمخاطب والمأمور غائب. وقرأ أبو نُهَيك «ولِتَصْنَعَ» بفتح التاء. والمعنى ولتكون حركتك وتصرفك بمشيئتي وعلى عين مني. ذكره المهدوي. {إِذْ تَمْشِيۤ أُخْتُكَ} العامل في «إِذ تمشِي» «أَلْقَيْتُ» أو «تصنع». ويجوز أن يكون بدلاً من {إِذْ أَوْحَيْنَآ} وأخته اسمها مريم. {فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ مَن يَكْفُلُهُ} وذلك أنها خرجت متعرفة خبره، وكان موسى لما وهبه فرعون من امرأته طلبت له المراضع، وكان لا يأخذ من أحد حتى أقبلت أخته، فأخذته ووضعته في حجرها وناولته ثديها فمصه وفرح به. فقالوا لها: تقيمين عندنا؛ فقالت: إنه لا لبن لي ولكن أدلكم على من يكفله وهم له ناصحون. قالوا: ومن هي؟ قالت: أمي. فقالوا: لها لبنٌ؟ قالت: لبن أخي هارون. وكان هارون أكبر من موسى بسنة. وقيل: بثلاث. وقيل: بأربع؛ وذلك أن فرعون رحم بني إسرائيل فرفع عنهم القتل أربع سنين، فولد هارون فيها؛ قاله ابن عباس. فجاءت الأم فقبل ثديها. فذلك قوله تعالى: {فَرَجَعْنَاكَ إِلَىٰ أُمِّكَ} وفي مصحف أبيّ «فرددناك» {كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلاَ تَحْزَنَ} وروى عبد الحميد عن ابن عامر «كَيْ تَقِرَّ عَيْنُهَا» بكسر القاف. قال الجوهري: وقرِرتُ به عيناً وقرَرْتُ به قُرّة وقُروراً فيهما. ورجل قرير العين؛ وقد قرّت عينه تَقِرّ وتقَرّ نقيض سخنت. وأقرّ الله عينه أي أعطاه حتى تقرّ فلا تطمح إلى من هو فوقه، ويقال: حتى تبرد ولا تسخن. وللسرور دمعة باردة، وللحزن دمعة حارة. وقد تقدم هذا المعنى في «مريم». {وَلاَ تَحْزَنَ} أي على فقدك. {وَقَتَلْتَ نَفْساً} قال ابن عباس: قتل قبطياً كافراً. قال كعب: وكان إذ ذاك ابن اثنتي عشرة سنة. في صحيح مسلم: وكان قتله خطأ؛ على ما يأتي. {فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ ٱلْغَمِّ} أي آمناك من الخوف والقتل والحبس. {وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً} أي اختبرناك اختباراً حتى صلحت للرسالة. وقال قتادة: بلوناك بلاء. مجاهد: أخلصناك إخلاصاً. وقال ابن عباس: اختبرناك بأشياء قبل الرسالة، أولها حملته أمه في السنة التي كان فرعون يذبح فيها الأطفال، ثم إلقاؤه في اليم، ثم منعه من الرضاع إلا من ثدي أمه، ثم جره بلحية فرعون، ثم تناوله الجمرة بدل الدُّرّة؛ فدرأ ذلك عنه قتل فرعون، ثم قتله القبطي وخروجه خائفاً يترقب، ثم رعايته الغنم ليتدرب بها على رعاية الخلق. فيقال: إنه نَدَّ له من الغنم جَدْي فاتبعه أكثر النهار، وأتعبه، ثم أخذه فقبله وضمه إلى صدره، وقال له: أتعبتني وأتعبت نفسك؛ ولم يغضب عليه. قال وهب بن منبه: ولهذا اتخذه الله تعالى كليماً؛ وقد مضى في «النساء». قوله تعالى: {فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِيۤ أَهْلِ مَدْيَنَ} يريد عشر سنين أتمّ الأجلين. وقال وهب: لبث عند شعيب ثماني وعشرين سنة، منها عشر مهر امرأته صفورا ابنة شعيب، وثماني عشرة إقامة عنده حتى ولد له عنده. وقوله: {ثُمَّ جِئْتَ عَلَىٰ قَدَرٍ يٰمُوسَىٰ } قال ابن عباس وقتادة وعبد الرحمن بن كيسان: يريد موافقاً للنبوة والرسالة؛ لأن الأنبياء لا يبعثون إلا أبناء أربعين سنة. وقال مجاهد ومقاتل: «على قَدَرٍ» على وعد وقال محمد بن كعب: ثم جئت على القدر الذي قدرت لك أنك تجيء فيه. والمعنى واحد. أي جئت في الوقت الذي أردنا إرسالك فيه. وقال الشاعر:شعر : نال الخلافة أو كانت له قَدَراً كما أَتَى ربَّه موسى على قَدَر تفسير : قوله تعالى: {وَٱصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي } قال ابن عباس: أي اصطفيتك لوحيي ورسالتي. وقيل: {وَٱصْطَنَعْتُكَ} خلقتك؛ مأخوذ من الصنعة. وقيل: قوّيتك وعلمتك لتبلّغ عبادي أمري ونهيي. {ٱذْهَبْ أَنتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي} قال ابن عباس: يريد التسع الآيات التي أنزلت عليه. {وَلاَ تَنِيَا فِي ذِكْرِي} قال ابن عباس: تضعفا أي في أمر الرسالة؛ وقاله قتادة. وقيل: تفترا. قال الشاعر:شعر : فَمَا وَنَى محمدٌ مُذَ انْ غَفَرْ له الإلهُ ما مَضَى وما غَبر تفسير : والْوَنَى الضَّعف والفتور، والكَلال والإعياء وكلّه مراد في الآية. وقال امرؤ القيس: شعر : مِسَحٍّ إذا ما السابحاتُ على الوَنَى أَثَرْنَ غُباراً بالكَدِيدِ المرَكَّلِ تفسير : ويقال: ونيت في الأمر أنِي وَنًى ووَنْياً أي ضَعُفت، فأنا وانٍ وناقة وانِية وأونيتها أنا أضعفتها وأتعبتها. وفلان لا يَني كذا، أي لا يزال، وبه فَسَّر أبان معنى الآية واستشهد بقول طَرَفة: شعر : كأنّ القُدُورَ الراسياتِ أَمامَهُمْ قبابٌ بَنَوْها لا تَنِي أبداً تَغْلِي تفسير : وعن ابن عباس أيضاً: لا تبطئا. وفي قراءة ابن مسعود «وَلاَ تَهِنا فِي ذِكرِي» وتحميدي وتمجيدي وتبليغ رسالتي.
ابن كثير
تفسير : هذه إجابة من الله لرسوله موسى عليه السلام فيما سأل من ربه عز وجل، وتذكير له بنعمه السالفة عليه فيما كان ألهم أمه حين كانت ترضعه، وتحذر عليه من فرعون وملئه أن يقتلوه، لأنه كان قد ولد في السنة التي يقتلون فيها الغلمان، فاتخذت له تابوتاً، فكانت ترضعه، ثم تضعه فيه، وترسله في البحر، وهو النيل، وتمسكه إلى منزلها بحبل، فذهبت مرة لتربط الحبل، فانفلت منها، وذهب به البحر، فحصل لها من الغم والهم ما ذكره الله عنها في قوله: {أية : وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَىٰ فَارِغاً إِن كَادَتْ لَتُبْدِى بِهِ لَوْلاۤ أَن رَّبَطْنَا عَلَىٰ قَلْبِهَا} تفسير : [القصص: 10] فذهب به البحر إلى دار فرعون {أية : فَٱلْتَقَطَهُ ءَالُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً} تفسير : [القصص: 8] أي: قدراً مقدوراً من الله، حيث كانوا هم يقتلون الغلمان من بني إسرائيل حذراً من وجود موسى، فحكم الله وله السلطان العظيم والقدرة التامة أن لا يربى إلا على فراش فرعون، ويغذى بطعامه وشرابه مع محبته وزوجته له، ولهذا قال تعالى: {يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّى وَعَدُوٌّ لَّهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّى} أي: عند عدوك، جعلته يحبك، قال سلمة بن كهيل: {وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّى} قال: حببتك إلى عبادي {وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِىۤ} قال أبو عمران الجوني: تربى بعين الله. وقال قتادة: تغذى على عيني. وقال معمر بن المثنى {وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِىۤ} بحيث أرى، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: يعني: أجعله في بيت الملك ينعم ويترف، وغذاؤه عندهم غذاء الملك، فتلك الصنعة. وقوله: {إِذْ تَمْشِىۤ أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ مَن يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَـٰكَ إِلَىٰ أُمِّكَ كَى تَقَرَّ عَيْنُها} وذلك أنه لما استقر عند آل فرعون، عرضوا عليه المراضع فأباها، قال الله تعالى: {أية : وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ ٱلْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ} تفسير : [القصص: 12] فجاءت أخته وقالت: {أية : هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَٰصِحُونَ} تفسير : [القصص: 12] تعني: هل أدلكم على من يرضعه لكم بالأجرة؟ فذهبت به وهم معها إلى أمه، فعرضت عليه ثديها، فقبله، ففرحوا بذلك فرحاً شديداً، واستأجروها على إرضاعه، فنالها بسببه سعادة ورفعة وراحة في الدنيا، وفي الآخرة أغنى وأجزل، ولهذا جاء في الحديث: «حديث : مثل الصانع الذي يحتسب في صنعته الخير كمثل أم موسى، ترضع ولدها، وتأخذ أجرها» تفسير : وقال تعالى ههنا: {فَرَجَعْنَـٰكَ إِلَىٰ أُمِّكَ كَى تَقَرَّ عَيْنُها وَلاَ تَحْزَنَ} أي: عليك {وَقَتَلْتَ نَفْساً} يعني: القبطي {فَنَجَّيْنَـٰكَ مِنَ ٱلْغَمِّ} وهو ما حصل له بسبب عزم آل فرعون على قتله، ففر منهم هارباً حتى ورد ماء مدين، وقال له ذلك الرجل الصالح: {أية : لاَ تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينََ} تفسير : [القصص: 25]. وقوله: {وَفَتَنَّـٰكَ فُتُوناً} قال الإمام أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي رحمه الله في كتاب التفسير من سننه: قوله: {وَفَتَنَّـٰكَ فُتُوناً} (حديث الفتون) حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا يزيد بن هارون، أنبأنا أصبغ بن زيد، حدثنا القاسم بن أبي أيوب، أخبرني سعيد بن جبير قال: سألت عبد الله بن عباس عن قول الله عز وجل لموسى عليه السلام: {وَفَتَنَّـٰكَ فُتُوناً} فسألته عن الفتون ما هو؟ فقال: استأنف النهار يابن جبير؛ فإن لها حديثاً طويلاً، فلما أصبحت، غدوت إلى ابن عباس لأنتجز منه ما وعدني من حديث الفتون، فقال: تذاكر فرعون وجلساؤه ما كان الله وعد إبراهيم عليه السلام أن يجعل في ذريته أنبياء وملوكاً، فقال بعضهم: إن بني إسرائيل ينتظرون ذلك لا يشكون فيه، وكانوا يظنون أنه يوسف بن يعقوب، فلما هلك، قالوا: ليس هكذا كان وعد إبراهيم عليه السلام، فقال فرعون: كيف ترون؟ فائتمروا، وأجمعوا أمرهم على أن يبعث رجالاً معهم الشفار يطوفون في بني إسرائيل، فلا يجدون مولوداً ذكراً إلا ذبحوه، ففعلوا ذلك، فلما رأوا أن الكبار من بني إسرائيل يموتون بآجالهم، والصغار يذبحون، قالوا: ليوشكن أن تفنوا بني إسرائيل، فتصيروا إلى أن تباشروا من الأعمال والخدمة التي كانوا يكفونكم، فاقتلوا عاماً كل مولود ذكر، واتركوا بناتهم، ودعوا عاماً فلا تقتلوا منهم أحداً، فيشب الصغار مكان من يموت من الكبار، فإنهم لن يكثروا بمن تستحيون منهم، فتخافوا مكاثرتهم إياكم، ولم يفنوا بمن تقتلون وتحتاجون إليهم، فأجمعوا أمرهم على ذلك، فحملت أم موسى بهارون في العام الذي لا يذبح فيه الغلمان، فولدته علانية آمنة، فلما كان من قابل، حملت بموسى عليه السلام، فوقع في قلبها الهم والحزن، وذلك من الفتون - يابن جبير - ما دخل عليه وهو في بطن أمه مما يراد به، فأوحى الله إليها: أن {أية : وَلاَ تَخَافِى وَلاَ تَحْزَنِىۤ إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيْكِ وَجَـٰعِلُوهُ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ} تفسير : [القصص:7]، فأمرها إذا ولدت أن تجعله في تابوت، ثم تلقيه في اليم، فلما ولدت، فعلت ذلك، فلما توارى عنها ابنها أتاها الشيطان، فقالت في نفسها: ما فعلت بابني؟ لو ذبح عندي فواريته وكفنته، كان أحب إلي من أن ألقيه إلى دواب البحر وحيتانه. فانتهى الماء به حتى أوفى به عند فرضة مستقى جواري امرأة فرعون، فلما رأينه أخذنه، فأردن أن يفتحن التابوت، فقال بعضهن: إن في هذا مالاً، وإنا إن فتحناه، لم تصدقنا امرأة الملك بما وجدنا فيه، فحملنه كهيئته لم يخرجن منه شيئاً حتى دفعنه إليها، فلما فتحته، رأت فيه غلاماً، فألقى الله عليه منها محبة لم يلق منها على أحد قط، وأصبح فؤاد أم موسى فارغاً من ذكر كل شيء إلا من ذكر موسى، فلما سمع الذباحون بأمره، أقبلوا بشفارهم إلى امرأة فرعون ليذبحوه، وذلك من الفتون يابن جبير، فقالت لهم: أقروه، فإن هذا الواحد لا يزيد في بني إسرائيل، حتى آتي فرعون فأستوهبه منه، فإن وهبه لي كنتم قد أحسنتم وأجملتم، وإن أمر بذبحه لم ألمكم، فأتت فرعون فقالت: قرة عين لي ولك، فقال فرعون: يكون لك، فأما لي فلا حاجة لي فيه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : والذي يحلف به لو أقر فرعون أن يكون قرة عين له كما أقرت امرأته، لهداه الله كما هداها، ولكن حرمه ذلك»تفسير : ، فأرسلت إلى من حولها إلى كل امرأة لها لبن لتختار له ظئراً، فجعل كلما أخذته امرأة منهن لترضعه، لم يقبل على ثديها، حتى أشفقت امرأة فرعون أن يمتنع من اللبن فيموت، فأحزنها ذلك، فأمرت به فأخرج إلى السوق ومجمع الناس، ترجو أن تجد له ظئراً تأخذه منها، فلم يقبل. وأصبحت أم موسى والهاً، فقالت لأخته: قصي أثره، واطلبيه، هل تسمعين له ذكراً؛ أحي ابني أم قد أكلته الدواب؟ ونسيت ما كان الله وعدها فيه، فبصرت به أخته عن جنب وهم لا يشعرون، والجنب أن يسمو بصر الإنسان إلى شيء بعيد، وهو إلى جنبه، وهو لا يشعر به، فقالت من الفرح حين أعياهم الظؤرات: أنا أدلّكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون، فأخذوها، فقالوا: ما يدريك ما نصحهم له، هل يعرفونه؟ حتى شكوا في ذلك، وذلك من الفتون يابن جبير، فقالت: نصحهم له، وشفقتهم عليه: رغبتهم في صهر الملك، ورجاء منفعة الملك، فتركوها، فانطلقت إلى أمها فأخبرتها الخبر، فجاءت أمه، فلما وضعته في حجرها، نزا إلى ثديها فمصه حتى امتلأ جنباه رياً، وانطلق البشراء إلى امرأة فرعون يبشرونها: أن قد وجدنا لابنك ظئراً، فأرسلت إليها، فأتت بها وبه، فلما رأت ما يصنع بها قالت: امكثي ترضعي ابني هذا، فإني لم أحب شيئاً حبه قط. قالت أم موسى: لا أستطيع أن أدع بيتي وولدي فيضيع، فإن طابت نفسك أن تعطينيه، فأذهب به إلى بيتي، فيكون معي، لا آلوه خيراً، فعلت فإني غير تاركة بيتي وولدي، وذكرت أم موسى ما كان الله وعدها فيه، فتعاسرت على امرأة فرعون، وأيقنت أن الله منجز وعده، فرجعت به إلى بيتها من يومها، وأنبته الله نباتاً حسناً، وحفظه لما قد قضى فيه. فلم يزل بنو إسرائيل وهم في ناحية القرية ممتنعين من السخرة والظلم ما كان فيهم، فلما ترعرع، قالت امرأة فرعون لأم موسى: أتريني ابني؟ فَوَعَدَتْها يوماً تريها إياه فيه، وقالت امرأة فرعون لخزانها وظؤرها وقهارمتها: لا يبقين أحد منكم إلا استقبل ابني اليوم بهدية وكرامة لأرى ذلك، وأنا باعثة أميناً يحصي ما يصنع كل إنسان منكم، فلم تزل الهدايا والكرامة والنحل تستقبله من حين خرج من بيت أمه إلى أن دخل على امرأة فرعون، فلما دخل عليها، بجلته وأكرمته وفرحت به، ونحلت أمه؛ لحسن أثرها عليه، ثم قالت: لآتين به فرعون، فلينحلنه وليكرمنه، فلما دخلت به عليه، جعله في حجره، فتناول موسى لحية فرعون، فمدها إلى الأرض، فقال الغواة من أعداء الله لفرعون: ألا ترى ما وعد الله إبراهيم نبيه؟ إنه زعم أن يرثك ويعلوك ويصرعك، فأرسل إلى الذباحين ليذبحوه، وذلك من الفتون يابن جبير بعد كل بلاء ابتلي به. وأريد به فتوناً، فجاءت امرأة فرعون فقالت: ما بدالك في هذا الغلام الذي وهبته لي؟ فقال: ألا ترينه يزعم أنه يصرعني ويعلوني؟ فقالت: اجعل بيني وبينك أمراً يعرف الحق به، ائت بجمرتين ولؤلؤتين، فقدمهن إليه، فإن بطش باللؤلؤتين واجتنب الجمرتين، عرفت أنه يعقل، وإن تناول الجمرتين ولم يرد اللؤلؤتين، علمت أن أحداً لا يؤثر الجمرتين على اللؤلؤتين وهو يعقل، فقرب إليه الجمرتين واللؤلؤتين، فتناول الجمرتين، فانتزعهمامنه مخافة أن يحرقا يده، فقالت المرأة: ألا ترى؟ فصرفه الله عنه بعد ما كان قد هم به، وكان الله بالغاً فيه أمره، فلما بلغ أشده وكان من الرجال، لم يكن أحد من آل فرعون يخلص إلى أحد من بني إسرائيل معه بظلم ولا سخرة، حتى امتنعوا كل الامتناع، فبينما موسى عليه السلام يمشي في ناحية المدينة، إذا هو برجلين يقتتلان، أحدهما فرعوني والآخر إسرائيلي، فاستغاثه الإسرائيلي على الفرعوني، فغضب موسى غضباً شديداً؛ لأنه تناوله، وهو يعلم منزلته من بني إسرائيل، وحفظه لهم، لا يعلم الناس إلا أنما ذلك من الرضاع إلا أم موسى، إلا أن يكون الله أطلع موسى من ذلك على ما لم يطلع عليه غيره، فوكز موسى الفرعوني فقتله، وليس يراهما أحد إلا الله عز وجل والإسرائيلي، فقال موسى حين قتل الرجل: هذا من عمل الشيطان، إنه عدو مضل مبين، ثم قال: {أية : رَب إِنِّى ظَلَمْتُ نَفْسِى فَٱغْفِرْ لِى فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ } تفسير : [القصص: 16]. فأصبح في المدينة خائفاً يترقب الأخبار، فأتى فرعون فقيل له: إن بني إسرائيل قتلوا رجلاً من آل فرعون، فخذ لنا بحقنا، ولا ترخص لهم، فقال: ابغوني قاتله ومن يشهد عليه، فإن الملك، وإن كان صَفْوُه مع قومه، لا يستقيم له أن يقيد بغير بينة ولا ثبت، فاطلبوا لي علم ذلك آخذ لكم بحقكم، فبينما هم يطوفون لا يجدون ثبتاً، إذا بموسى من الغد قد رأى ذلك الإسرائيلي يقاتل رجلاً من آل فرعون آخر، فاستغاثه الإسرائيلي على الفرعوني، فصادف موسى، فندم على ما كان منه، وكره الذي رأى، فغضب الإسرائيلي وهو يريد أن يبطش بالفرعوني، فقال للإسرائيلي لما فعل بالأمس واليوم: {أية : لَهُ مُوسَىٰ إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُّبِينٌ} تفسير : [القصص: 18]، فنظر الإسرائيلي إلى موسى بعد ما قال له ما قال، فإذا هو غضبان كغضبه بالأمس الذي قتل فيه الفرعوني، فخاف أن يكون بعد ما قال له: إنك لغوي مبين، أن يكون إياه أراد، ولم يكن أراده، إنما أراد الفرعوني، فخاف الإسرائيلي وقال: يا موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفساً بالأمس؟ وإنما قاله مخافة أن يكون إياه أراد موسى ليقتله، فتتاركا، وانطلق الفرعوني فأخبرهم بما سمع من الإسرائيلي من الخبر حين يقول: يا موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفساً بالأمس؟ فأرسل فوعون الذباحين ليقتلوا موسى، فأخذ رسل فرعون في الطريق الأعظم يمشون على هينتهم يطلبون موسى، وهم لا يخافون أن يفوتهم، فجاء رجل من شيعة موسى من أقصى المدينة، فاختصر طريقاً حتى سبقهم إلى موسى فأخبره، وذلك من الفتون يابن جبير. فخرج موسى متوجهاً نحو مدين، ولم يلق بلاء قبل ذلك، وليس له بالطريق علم إلا حسن ظنه بربه عز وجل، فإنه قال: {أية : عَسَىٰ رَبِّىۤ أَن يَهْدِيَنِى سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ ٱلنَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ ٱمْرَأَتَينِ تَذُودَانِ} تفسير : [القصص: 22-23] يعني بذلك: حابستين غنمهما، فقال لهما: ما خطبكما معتزلتين لا تسقيان مع الناس؟ قالتا: ليس لنا قوة نزاحم القوم، وإنما نسقي من فضول حياضهم، فسقى لهما، فجعل يغترف في الدلو ماء كثيراً، حتى كان أول الرعاء، فانصرفتا بغنمهما إلى أبيهما، وانصرف موسى عليه السلام فاستظل بشجرة وقال: {أية : رَبِّ إِنِّى لِمَآ أَنزَلْتَ إِلَىَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} تفسير : [القصص: 24] واستنكر أبوهما سرعة صدورهما بغنمهما حفلاً بطاناً، فقال: إن لكما اليوم لشأناً، فأخبرتاه بما صنع موسى، فأمر إحداهما أن تدعوه، فأتت موسى فدعته، فلما كلمه قال: لا تخف نجوت من القوم الظالمين، ليس لفرعون ولا لقومه علينا سلطان، ولسنا في مملكته، فقالت إحداهما: {أية : يٰأَبَتِ ٱسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ ٱسْتَأْجَرْتَ ٱلْقَوِيُّ ٱلأَمِينُ} تفسير : [القصص: 26] فاحتملته الغيرة على أن قال لها: ما يدريك ما قوته وما أمانته؟ فقالت: أما قوته، فما رأيت منه في الدلو حين سقى لنا، لم أر رجلاً قط أقوى في ذلك السقي منه، وأما الأمانة، فإنه نظر إلي حين أقبلت إليه وشخصت له، فلما علم أني امرأة، صوب رأسه فلم يرفعه حتى بلغته رسالتك، ثم قال لي: امشي خلفي، وانعتي لي الطريق، فلم يفعل هذا إلا وهو أمين، فسري عن أبيها، وصدقها، وظن به الذي قالت، فقال له: هل لك {أية : إِنِّيۤ أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ٱبْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَىٰ أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِندِكَ وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ}تفسير : ؟ [القصص: 27] ففعل، فكانت على نبي الله موسى ثمان سنين واجبة، وكانت سنتان عدة منه، فقضى الله عنه عدته، فأتمها عشراً. قال سعيد، وهو ابن جبير: فلقيني رجل من أهل النصرانية من علمائهم، قال: هل تدري أي الأجلين قضى موسى؟ قلت: لا، وأنا يومئذ لا أدري، فلقيت ابن عباس فذكرت له ذلك، فقال: أما علمت أن ثمانياً كانت على نبي الله واجبة، لم يكن نبي الله لينقص منها شيئاً، ويعلم أن الله كان قاضياً عن موسى عدته التي كان وعده، فإنه قضى عشر سنين، فلقيت النصراني فأخبرته ذلك، فقال: الذي سألته فأخبرك أعلم منك بذلك، قلت: أجل وأولى، فلما سار موسى بأهله، كان من أمر النار والعصا ويده ما قص الله عليك في القرآن، فشكا إلى الله تعالى ما يحذر من آل فرعون في القتيل وعقدة لسانه، فإنه كان في لسانه عقدة تمنعه من كثير من الكلام، وسأل ربه أن يعينه بأخيه هارون يكون له ردءاً، ويتكلم عنه بكثير مما لا يفصح به لسانه، فآتاه الله سؤله، وحل عقدة من لسانه، وأوحى الله إلى هارون، وأمره أن يلقاه، فاندفع موسى بعصاه حتى لقي هارون عليهما السلام، فانطلقا جميعاً إلى فرعون، فأقاما على بابه حيناً لا يؤذن لهما، ثم أذن لهما بعد حجاب شديد، فقالا: {إِنَّا رَسُولاَ رَبِّكَ} قال: فمن ربكما؟ فأخبراه بالذي قص الله عليك في القرآن؟ قال: فما تريدان؟ وذكره القتيل، فاعتذر بما قد سمعت، قال: أريد أن تؤمن بالله وترسل معنا بني إسرائيل، فأبى عليه، وقال: ائت بآية إن كنت من الصادقين، فألقى عصاه فإذا هي حية تسعى عظيمة، فاغرة فاها، مسرعة إلى فرعون، فلما رآها فرعون قاصدة إليه، خافها، فاقتحم عن سريره، واستغاث بموسى أن يكفها عنه، ففعل، ثم أخرج يده من جيبه فرآها بيضاء من غير سوء، يعني: من غير برص، ثم ردها فعادت إلى لونها الأول، فاستشار الملأ حوله فيما رأى، فقالوا له: هذان ساحران {أية : يُرِيدَانِ أَن يُخْرِجَاكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ ٱلْمُثْلَىٰ} تفسير : [طه: 63]، يعني ملكهم الذي هم فيه والعيش، وأبوا على موسى أن يعطوه شيئاً مما طلب، وقالوا له: اجمع السحرة، فإنهم بأرضك كثير حتى تغلب بسحرك سحرهما، فأرسل إلى المدائن فحشر له كل ساحر متعالم، فلما أتوا فرعون قالوا: بم يعمل هذا الساحر؟ قالوا: يعمل بالحيات، قالوا: فلا والله ما أحد في الأرض يعمل بالسحر بالحيات والحبال والعصي الذي نعمل، فما أجرنا إن نحن غلبنا؟ قال لهم: أنتم أقاربي وخاصتي، وأنا صانع إليكم كل شيء أحببتم، فتواعدوا يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى. قال سعيد بن جبير: فحدثني ابن عباس أن يوم الزينة اليوم الذي أظهر الله فيه موسى على فرعون والسحرة هو يوم عاشوراء. فلما اجتمعوا في صعيد واحد، قال الناس بعضهم لبعض: انطلقوا فلنحضر هذا الأمر {أية : لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ ٱلسَّحَرَةَ إِن كَانُواْ هُمُ ٱلْغَـٰلِبِينَ} تفسير : [الشعراء: 40] يعنون موسى وهارون استهزاء بهما؟ فقالوا: يا موسى (لقُدْرتهم بسحرهم) {أية : إِمَّآ أَن تُلْقِىَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ نَحْنُ ٱلْمُلْقِينَ} تفسير : [الأعراف: 115] {أية : قَالَ بَلْ أَلْقُواْ} تفسير : [طه: 66] {أية : فَأَلْقَوْاْ حِبَـٰلَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُواْ بِعِزَّةِ فِرْعَونَ إِنَّا لَنَحْنُ ٱلْغَـٰلِبُونَ} تفسير : [الشعراء: 44] فرأى موسى من سحرهم ما أوجس في نفسه خيفة، فأوحى الله إليه أن ألقِ عصاك، فلما ألقاها صارت ثعباناً عظيمة فاغرة فاها، فجعلت العصي تلتبس بالحبال حتى صارت جَزْراً إلى الثعبان تدخل فيه حتى ما أبقت عصاً ولا حبلاً إلا ابتلعته، فلما عرف السحرة ذلك قالوا: لو كان هذا سحراً لم يبلغ من سحرنا كل هذا، ولكن هذا أمر من الله عز وجل، آمنا بالله وبما جاء به موسى من عند الله، ونتوب إلى الله مما كنا عليه، فكسر الله ظهر فرعون في ذلك الموطن وأشياعه، وظهر الحق وبطل ما كانوا يعملون {أية : فَغُلِبُواْ هُنَالِكَ وَٱنقَلَبُواْ صَـٰغِرِينَ} تفسير : [الأعراف: 119] وامرأة فرعون بارزة متبذلة تدعو الله بالنصر لموسى على فرعون وأشياعه، فمن رآها من آل فرعون، ظن أنها إنما ابتذلت للشفقة على فرعون وأشياعه، وإنما كان حزنها وهمها لموسى، فلما طال مكث موسى بمواعيد فرعون الكاذبة، كلما جاء بآية، وعده عندها أن يرسل معه بني إسرائيل، فإذا مضت، أخلف موعده وقال: هل يستطيع ربك أن يصنع غير هذا؟ فأرسل الله على قومه الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات، كل ذلك يشكو إلى موسى ويطلب إليه أن يكفها عنه ويواثقه على أن يرسل معه بني إسرائيل، فإذا كف ذلك عنه، أخلف موعده، ونكث عهده، حتى أمر الله موسى بالخروج بقومه، فخرج بهم ليلاً، فلما أصبح فرعون ورأى أنهم قد مضوا، أرسل في المدائن حاشرين، فتبعه بجنود عظيمة كثيرة، وأوحى الله إلى البحر إذا ضربك عبدي موسى بعصاه فانفلق اثنتي عشرة فرقة حتى يجوز موسى ومن معه، ثم التق على من بقي بعد من فرعون وأشياعه، فنسي موسى أن يضرب البحر بالعصا، وانتهى إلى البحر وله قصيف؛ مخافة أن يضربه موسى بعصاه وهو غافل، فيصير عاصياً لله. فلما تراءى الجمعان وتقاربا، قال أصحاب موسى: إنا لمدركون، افعل ما أمرك به ربك؛ فإنه لم يكذب ولم تكذب. قال: وعدني ربي إذا أتيت البحر انفلق اثنتي عشرة فرقة حتى أجاوزه، ثم ذكر بعد ذلك العصا، فضرب البحر بعصاه حين دنا أوائل جند فرعون من أواخر جند موسى، فانفلق البحر كما أمره ربه، وكما وعد موسى، فلما أن جاز موسى وأصحابه كلهم البحر، ودخل فرعون وأصحابه، التقى عليهم البحر كما أمر، فلما جاوز موسى البحر قال أصحابه: إنا نخاف أن لا يكون فرعون غرق، ولا نؤمن بهلاكه، فدعا ربه، فأخرجه له ببدنه حتى استيقنوا بهلاكه، ثم مروا بعد ذلك على قوم يعكفون على أصنام لهم {أية : قَالُواْ يَٰمُوسَى ٱجْعَلْ لَّنَآ إِلَـٰهًا كَمَا لَهُمْ ءَالِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ إِنَّ هَـٰؤُلاۤءِ مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ وَبَـٰطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } تفسير : [الأعراف: 138 - 139] الآية. قد رأيتم من العبر وسمعتم ما يكفيكم، ومضى فأنزلهم موسى منزلاً، وقال: أطيعوا هارون، فإني قد استخلفته عليكم، فإني ذاهب إلى ربي، وأجلهم ثلاثين يوماً أن يرجع إليهم فيها، فلما أتى ربه، وأراد أن يكلمه في ثلاثين يوماً، وقد صامهن ليلهن ونهارهن، وكره أن يكلم ربه وريح فيه ريح فم الصائم، فتناول موسى من نبات الأرض شيئاً فمضعه، فقال له ربه حين أتاه: لم أفطرت؟ وهو أعلم بالذي كان، قال: يا رب إني كرهت أن أكلمك إلا وفمي طيب الريح. قال: أوما علمت يا موسى أن ريح فم الصائم أطيب عندي من ريح المسك؟ ارجع فصم عشراً ثم ائتني. ففعل موسى عليه السلام ما أمر به، فلما رأى قومه أنه لم يرجع إليهم في الأجل، ساءهم ذلك، وكان هارون قد خطبهم وقال: إنكم قد خرجتم من مصر، ولقوم فرعون عندكم عواري وودائع، ولكم فيهم مثل ذلك، فإني أرى أنكم تحتسبون ما لكم عندهم، ولا أحل لكم وديعة استودعتموها ولا عارية، ولسنا برادين إليهم شيئاً من ذلك ولا ممسكيه لأنفسنا، فحفر حفيراً، وأمر كل قوم عندهم من ذلك من متاع أو حلية أن يقذفوه في ذلك الحفير، ثم أوقد عليه النار فأحرقته، فقال: لا يكون لنا ولا لهم، وكان السامري من قوم يعبدون البقر جيران لبني إسرائيل، ولم يكن من بني إسرائيل، فاحتمل مع موسى وبني إسرائيل حين احتملوا، فقضي له أن رأى أثراً، فقبض منه قبضة، فمر بهارون، فقال له هارون عليه السلام: يا سامري ألا تلقي ما في يدك، وهو قابض عليه لا يراه أحد طوال ذلك؟ فقال: هذه قبضة من أثر الرسول الذي جاوز بكم البحر، ولا ألقيها لشيء إلا أن تدعو الله إذا ألقيتها أن يجعلها ما أريد، فألقاها ودعا له هارون، فقال: أريد أن يكون عجلاً، فاجتمع ما كان في الحفيرة من متاع أو حلية أو نحاس أو حديد، فصار عجلاً أجوف ليس فيه روح، وله خوار، قال ابن عباس: لا والله ما كان له صوت قط، إنما كانت الريح تدخل في دبره وتخرج من فيه، وكان ذلك الصوت من ذلك، فتفرق بنو إسرائيل فرقاً، فقالت فرقة: يا سامري ما هذا وأنت أعلم به؟ قال: هذا ربكم، ولكن موسى أضل الطريق، فقالت فرقة: لا نكذب بهذا حتى يرجع إلينا موسى، فإن كان ربنا، لم نكن ضيعناه وعجزنا فيه حين رأينا، وإن لم يكن ربنا فإنا نتبع قول موسى، وقالت فرقة: هذا من عمل الشيطان، وليس بربنا، ولا نؤمن به ولا نصدق، وأشرب فرقة في قلوبهم الصدق بما قال السامري في العجل، وأعلنوا التكذيب به، فقال لهم هارون: {أية : يٰقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ ٱلرَّحْمَـٰنُ فَٱتَّبِعُونِى وَأَطِيعُوۤاْ أَمْرِى} تفسير : [طه: 90] قالوا: فما بال موسى وعدنا ثلاثين يوماً ثم أخلفنا؟ هذه أربعون يوماً قد مضت، وقال سفهاؤهم: أخطأ ربه فهو يطلبه: يتبعه، فلما كلم الله موسى، وقال له ما قال، أخبره بما لقي قومه من بعده {أية : فَرَجَعَ مُوسَىٰ إِلَىٰ قَوْمِهِ غَضْبَـٰنَ أَسِفاً} تفسير : [طه: 86] فقال لهم ما سمعتم في القرآن، وأخذ برأس أخيه يجره إليه، وألقى الألواح من الغضب، ثم إنه عذر أخاه بعذره، واستغفر له، وانصرف إلى السامري فقال له: ما حملك على ما صنعت؟ قال: قبضت قبضة من أثر الرسول، وفطنت لها، وعميت عليكم {أية : فَنَبَذْتُهَا وَكَذٰلِكَ سَوَّلَتْ لِى نَفْسِى قَالَ فَٱذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِى ٱلْحَيَوٰةِ أَن تَقُولَ لاَ مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً لَّن تُخْلَفَهُ وَٱنظُرْ إِلَىٰ إِلَـٰهِكَ ٱلَّذِى ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفاً لَّنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِى ٱلْيَمِّ نَسْفاً } تفسير : [طه: 96 - 97]، ولو كان إلهاً، لم يخلص إلى ذلك منه، فاستيقن بنو إسرائيل بالفتنة، واغتبط الذين كان رأيهم فيه مثل رأي هارون، فقالوا لجماعتهم: يا موسى سل لنا ربك أن يفتح لنا باب توبة نصنعها، فيكفر عنا ما عملنا، فاختار موسى من قومه سبعين رجلاً لذلك، لا يألو الخير، خيار بني إسرائيل، ومن لم يشرك في العجل، فانطلق بهم يسأل لهم التوبة، فرجفت بهم الأرض فاستحيانبي الله من قومه ومن وفده حين فعل بهم ما فعل، فقال: {أية : رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِّن قَبْلُ وَإِيَّـٰىَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَّآ} تفسير : [الأعراف: 155] وفيهم من كان اطلع الله منه على ما أشرب قلبه من حب العجل وإيمانه به، فلذلك رجفت بهم الأرض، فقال: {أية : وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَـوٰةَ وَٱلَّذِينَ هُم بِـآيَـٰتِنَا يُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِىَّ ٱلأُمِّىَّ ٱلَّذِى يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِى ٱلتَّوْرَاةِ وَٱلإِنجِيلِ} تفسير : [الأعراف: 156 - 157] فقال: يا رب سألتك التوبة لقومي، فقلت: إن رحمتي كتبتها لقوم غير قومي، هلا أخرتني حتى تخرجني في أمة ذلك الرجل المرحومة؟ فقال له: إن توبتهم أن يقتل كل رجل منهم من لقي من والد وولد، فيقتله بالسيف، ولا يبالي من قتل في ذلك الموطن، وتاب أولئك الذين كان خفي على موسى وهارون، واطلع الله من ذنوبهم، فاعترفوا بها وفعلوا ما أمروا، وغفر الله للقاتل والمقتول. ثم سار بهم موسى عليه السلام متوجهاً نحو الأرض المقدسة، وأخذ الألواح بعد ما سكت عنه الغضب، فأمرهم بالذي أمر به أن يبلغهم من الوظائف، فثقل ذلك عليهم، وأبوا أن يقروا بها، فنتق الله عليهم الجبل كأنه ظلة، ودنا منهم حتى خافوا أن يقع عليهم، فأخذوا الكتاب بأيمانهم وهم مصغون، ينظرون إلى الجبل، والكتاب بأيديهم، وهم من وراء الجبل؛ مخافة أن يقع عليهم، ثم مضوا حتى أتوا الأرض المقدسة، فوجدوا مدينة فيها قوم جبارون، خلقهم خلق منكر، وذكروا من ثمارهم أمراً عجيباً من عظمها، فقالوا: يا موسى إن فيها قوماً جبارين لا طاقة لنا بهم، ولا ندخلها ما داموا فيها، فإن يخرجوا منها فإنا داخلون. قال رجلان من الذين يخافون، قيل ليزيد: هكذا قرأه؟ قال: نعم، من الجبارين آمنا بموسى، وخرجا إليه، فقالوا: نحن أعلم بقومنا: إن كنتم إنما تخافون ما رأيتم من أجسامهم وعددهم، فإنهم لا قلوب لهم، ولا منعة عندهم، فادخلوا عليهم الباب، فإذا دخلتموه فإنكم غالبون، ويقول أناس: إنهم من قوم موسى، فقال الذين يخافون من بني إسرائيل: {أية : قَالُواْ يَـٰمُوسَىۤ إِنَّا لَنْ نَّدْخُلَهَآ أَبَداً مَّا دَامُواْ فِيهَا فَٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاۤ إِنَّا هَـٰهُنَا قَـٰعِدُونَ} تفسير : [المائدة؛ 24] فأغضبوا موسى، فدعا عليهم، وسماهم فاسقين، ولم يدع عليهم قبل ذلك؛ لما رأى منهم من المعصية وإساءتهم، حتى كان يومئذ، فاستجاب الله له، وسماهم كما سماهم موسى فاسقين، وحرمها عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض، يصبحون كل يوم فيسيرون ليس لهم قرار، وظلل عليهم الغمام في التيه، وأنزل عليهم المن والسلوى، وجعل لهم ثياباً لا تبلىٰ ولا تتسخ، وجعل بين ظهرانيهم حجراً مربعاً، وأمر موسى فضربه بعصاه، فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً في كل ناحية ثلاثة أعين، وأعلم كل سبط عينهم التي يشربون منها، فلا يرتحلون من مكان بالمنقلة إلا وجدوا ذلك الحجر بينهم بالمكان الذي كان فيه بالأمس. رفع ابن عباس هذا الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم وصدق ذلك عندي أن معاوية سمع ابن عباس يحدث هذا الحديث، فأنكر عليه أن يكون الفرعوني الذي أفشى على موسى أمر القتيل الذي قتل، فقال: كيف يفشي عليه ولم يكن علم به، ولا ظهر عليه إلا الإسرائيلي الذي حضر ذلك؟ فغضب ابن عباس، فأخذ بيد معاوية، فانطلق به إلى سعد بن مالك الزهري، فقال له: يا أبا إسحاق هل تذكر يوم حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتيل موسى الذي قتل من آل فرعون؟ الاسرائيلي الذي أفشى عليه، أم الفرعوني؟ قال: إنما أفشى عليه الفرعوني بما سمع من الإسرائيلي الذي شهد على ذلك وحضره، وهكذا رواه النسائي في "السنن الكبرى"، وأخرجه أبو جعفر بن جرير وابن أبي حاتم في تفسيرهما، كلهم من حديث يزيد بن هارون به، وهو موقوف من كلام ابن عباس، وليس فيه مرفوع إلا قليل منه، وكأنه تلقاه ابن عباس رضي الله عنهما مما أبيح نقله من الإسرائيليات عن كعب الأحبار، أو غيره، والله أعلم، وسمعت شيخنا الحافظ أبا الحجاج المزي يقول ذلك أيضاً. وقوله عز وجل:
المحلي و السيوطي
تفسير : {قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يٰمُوسَىٰ } منّاً عليك.
الشوكاني
تفسير : لما سأل موسى ربه سبحانه أن يشرح صدره وييسر له أمره ويحلل عقدة من لسانه ويجعل له وزيراً من أهله أخبره الله سبحانه بأنه قد أجاب ذلك الدعاء، فقال: {قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يٰمُوسَىٰ} أي: أعطيت ما سألته، والسؤل المسؤول، أي المطلوب، كقولك: خبر بمعنى مخبور، وزيادة قوله: {يا موسى} لتشريفه بالخطاب مع رعاية الفواصل، وجملة: {وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَىٰ } كلام مستأنف لتقوية قلب موسى بتذكيره نعم الله عليه، والمنّ: الإحسان والإفضال، والمعنى: ولقد أحسنا إليك مرّة أخرى قبل هذه المرّة، وهي حفظ الله سبحانه له من شرّ الأعداء كما بينه سبحانه ها هنا، وأخرى تأنيث آخر بمعنى غير. {إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمّكَ مَا يُوحَىٰ } أي مننا ذلك الوقت وهو وقت الإيحاء، فإذ ظرف للإيحاء، والمراد بالإيحاء إليها: إما مجرّد الإلهام لها، أو في النوم بأن أراها ذلك، أو على لسان نبيّ، أو على لسان ملك، لا على طريق النبوّة كالوحي إلى مريم، أو بإخبار الأنبياء المتقدمين بذلك وانتهى الخبر إليها، والمراد بما يوحى: ما سيأتي من الأمر لها، أبهمه أوّلاً، وفسّره ثانياً؛ تفخيماً لشأنه، وجملة: {أَنِ ٱقْذِفِيهِ فِي ٱلتَّابُوتِ } مفسرة؛ لأن الوحي فيه معنى القول، أو مصدرية على تقدير بأن اقذفيه، والقذف ها هنا: الطرح، أي اطرحيه في التابوت وقد مرّ تفسير التابوت في البقرة في قصة طالوت {فَٱقْذِفِيهِ فِي ٱلْيَمّ } أي اطرحيه في البحر، واليم: البحر أو النهر الكبير. قال الفراء: هذا أمر وفيه المجازاة، أي اقذفيه يلقه اليم بالساحل، والأمر للبحر مبني على تنزيله منزلة من يفهم ويميز، لما كان إلقاؤه إياه بالساحل أمراً واجب الوقوع. والساحل: هو شط البحر، سمي ساحلاً، لأن الماء سحله، قاله ابن دريد. والمراد هنا: ما يلي الساحل من البحر لا نفس الساحل، والضمائر هذه كلها لموسى لا للتابوت، وإن كان قد ألقي معه لكن المقصود هو موسى مع كون الضمائر قبل هذا وبعده له، وجملة: {يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لّي وَعَدُوٌّ لَّهُ } جواب الأمر بالإلقاء، والمراد بالعدوّ: فرعون، فإن أمّ موسى لما ألقته في البحر، وهو النيل المعروف، وكان يخرج منه نهر إلى دار فرعون، فساقه الله في ذلك النهر إلى داره، فأخذ التابوت فوجد موسى فيه؛ وقيل: إن البحر ألقاه بالساحل فنظره فرعون فأمر من يأخذه. وقيل: وجدته ابنة فرعون، والأوّل أولى. {وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مّنّى } أي ألقى الله على موسى محبة كائنة منه تعالى في قلوب عباده لا يراه أحد إلا أحبه. وقيل: جعل عليه مسحة من جمال لا يراه أحد من الناس إلا أحبه. وقال ابن جرير: المعنى وألقيت عليك رحمتي. وقيل: كلمة "مِنْ" متعلقة بـ {ألقيت}، فيكون المعنى: ألقيت مني عليك محبة أي أحببتك، ومن أحبه الله أحبه الناس. {وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِى } أي ولتربى وتغذى بمرأى مني، يقال: صنع الرجل جاريته: إذا رباها، وصنع فرسه: إذا داوم على علفه والقيام عليه، وتفسير {عَلَىٰ عَيْنِي}: بمرأى مني صحيح. قال النحاس: وذلك معروف في اللغة، ولكن لا يكون في هذا تخصيص لموسى، فإن جميع الأشياء بمرآى من الله. وقال أبو عبيدة وابن الأنباري: إن المعنى لتغذى على محبتي وإرادتي، تقول: أتخذ الأشياء على عيني، أي على محبتي. قال ابن الأنباري: العين في هذه الآية يقصد بها قصد الإرادة والاختيار، من قول العرب: غدا فلان على عيني، أي على المحبة مني. قيل: واللام متعلقة بمحذوف، أي فعلت ذلك لتصنع، وقيل: متعلقة بـ {ألقيت}، وقيل: متعلقة بما بعده، أي ولتصنع على عيني قدّرنا مشي أختك. وقرأ ابن القعقاع: "ولتصنع" بإسكان اللام على الأمر، وقرأ أبو نهيك بفتح التاء. والمعنى: ولتكون حركتك وتصرّفك بمشيئتي، وعلى عين مني. {إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ } ظرف لألقيت، أو لتصنع، ويجوز أن يكون بدلاً من {إِذْ أَوْحَيْنَا } وأخته اسمها مريم {فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ مَن يَكْفُلُهُ } وذلك أنها خرجت متعرّفة لخبره، فوجدت فرعون وامرأته آسية يطلبان له مرضعة، فقالت لهما هذا القول، أي هل أدلكم على من يضمه إلى نفسه ويربيه؟ فقالا لها: ومن هو؟ قالت: أمي، فقالا: هل لها لبن؟ قالت: نعم لبن أخي هارون، وكان هارون أكبر من موسى بسنة. وقيل: بأكثر، فجاءت الأم فقبل ثديها، وكان لا يقبل ثدي مرضعة غيرها، وهذا هو معنى: {فَرَجَعْنَـٰكَ إِلَىٰ أُمّكَ } وفي مصحف أبيّ: "فرددناك"، والفاء فصيحة. {كَي تَقَرَّ عَيْنُها } قرأ ابن عامر في رواية عبد الحميد عنه: "كي تقرّ" بكسر القاف، وقرأ الباقون بفتحها. قال الجوهري: قررت به عيناً قرّة وقروراً، ورجل قرير العين، وقد قرّت عينه تقرّ وتقرّ، نقيض سخنت، والمراد بقرّة العين: السرور برجوع ولدها إليها بعد أن طرحته في البحر وعظم عليها فراقه. {وَلاَ تَحْزَنْ } أي لا يحصل لها ما يكدّر ذلك السرور من الحزن بسبب من الأسباب، ولو أراد الحزن بالسبب الذي قرّت عينها بزواله لقدّم نفي الحزن على قرّة العين، فيحمل هذا النفي للحزن على ما يحصل بسبب يطرأ بعد ذلك، ويمكن أن يقال: إن الواو لما كانت لمطلق الجمع كان هذا الحمل غير متعين. وقيل: المعنى: ولا تحزن أنت يا موسى بفقد إشفاقها، وهو تعسف {وَقَتَلْتَ نَفْساً } المراد بالنفس هنا: نفس القبطي الذي وكزه موسى فقضى عليه، وكان قتله له خطأ {فَنَجَّيْنَـٰكَ مِنَ ٱلْغَمّ } أي الغمّ الحاصل معك من قتله خوفاً من العقوبة الأخروية أو الدنيوية أو منهما جميعاً؛ وقيل: الغمّ هو القتل بلغة قريش، وما أبعد هذا {وَفَتَنَّـٰكَ فُتُوناً } الفتنة تكون بمعنى المحنة، وبمعنى الأمر الشاقّ، وكل ما يبتلى به الإنسان. والفتون يجوز أن يكون مصدراً كالثبور والشكور والكفور، أي ابتليناك ابتلاءً، واختبرناك اختباراً، ويجوز أن يكون جمع فتنة على ترك الاعتداد بتاء التأنيث كحجور في حجرة وبدور في بدرة، أي خلصناك مرّة بعد مرّة مما وقعت فيه من المحن التي سبق ذكرها قبل أن يصطفيه الله لرسالته. ولعلّ المقصود بذكر تنجيته من الغمّ الحاصل له بذلك السبب وتنجيته من المحن هو: الامتنان عليه بصنع الله سبحانه له، وتقوية قلبه عند ملاقاة ما سيقع له من ذلك مع فرعون وبني إسرائيل {فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِى أَهْلِ مَدْيَنَ } قال الفراء: تقدير الكلام: وفتناك فتوناً، فخرجت إلى أهل مدين فلبثت سنين، ومثل هذا الحذف كثير في التنزيل، وكذا في كلام العرب فإنهم يحذفون كثيراً من الكلام إذا كان المعنى معروفاً. ومدين هي بلد شعيب، وكانت على ثماني مراحل من مصر، هرب إليها موسى فأقام بها عشر سنين، وهي أتمّ الأجلين. وقيل: أقام عند شعيب ثمان وعشرين سنة، منها عشر مهر امرأته ابنة شعيب، ومنها ثماني عشرة سنة بقي فيها عنده حتى ولد له، والفاء في: {فَلَبِثْتَ } تدل على أن المراد بالمحن المذكورة: هي ما كان قبل لبثه في أهل مدين {ثُمَّ جِئْتَ عَلَىٰ قَدَرٍ يٰمُوسَىٰ} أي في وقت سبق في قضائي وقدري أن أكلمك وأجعلك نبياً، أو على مقدار من الزمان يوحى فيه إلى الأنبياء، وهو رأس أربعين سنة، أو على موعد قد عرفته بإخبار شعيب لك به. قال الشاعر:شعر : نال الخلافة إذ كانت له قدرا كما أتى ربه موسى على قدر تفسير : وكلمة: "ثم" المفيدة للتراخي للدلالة على أن مجيئه عليه السلام كان بعد مدّة، وذلك بسبب ما وقع له من ضلال الطريق وتفرّق غنمه ونحو ذلك. {وَٱصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي} الاصطناع: اتخاذ الصنعة، وهي الخير تسديه إلى إنسان، والمعنى: اصطنعتك لوحيـي ورسالتي لتتصرّف على إرادتي. قال الزجاج: تأويله اخترتك لإقامة حجتي، وجعلتك بيني وبين خلقي، وصرت بالتبليغ عني بالمنزلة التي أكون أنا بها لو خاطبتهم واحتججت عليهم. قيل: وهو تمثيل لما خوّله الله سبحانه من الكرامة العظمى بتقريب الملك لبعض خواصه. {ٱذْهَبْ أَنتَ وَأَخُوكَ } أي وليذهب أخوك، وهو كلام مستأنف مسوق لبيان ما هو المقصود من الاصطناع، ومعنى {بِآيَـٰتِي }: بمعجزاتي التي جعلتها لك آية، وهي التسع الآيات. {وَلاَ تَنِيَا فِي ذِكْرِي} أي لا تضعفا ولا تفترا، يقال: ونى يني ونياً: إذا ضعف. قال الشاعر:شعر : فما ونى محمد مذ أن غفر له الإلٰه ما مضى وما غبر تفسير : وقال امرؤ القيس:شعر : يسيح إذا ما السابحات على الوني أثرن غباراً بالكديد الموكل تفسير : قال الفراء: في ذكري وعن ذكري سواء، والمعنى: لا تقصرا عن ذكري بالإحسان إليكما، والإنعام عليكما وذكر النعمة شكرها. وقيل: معنى {لا تنيا}: لا تبطئا في تبليغ الرسالة، وفي قراءة ابن مسعود "لا تَنِيَا فِي ذِكْرِي". {ٱذْهَبَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ } هذا أمر لهما جميعاً بالذهاب، وموسى حاضر وهارون غائب تغليباً لموسى؛ لأنه الأصل في أداء الرسالة، وعلل الأمر بالذهاب بقوله: {إِنَّهُ طَغَىٰ } أي جاوز الحدّ في الكفر والتمرّد، وخص موسى وحده بالأمر بالذهاب فيما تقدّم، وجمعهما هنا تشريفاً لموسى بإفراده، وتأكيداً للأمر بالذهاب بالتكرير. وقيل: إن في هذا دليلاً على أنه لا يكفي ذهاب أحدهما. وقيل الأوّل: أمر لموسى بالذهاب إلى كل الناس، والثاني: أمر لهما بالذهاب إلى فرعون. ثم مرهما سبحانه بإلانة القول له لما في ذلك من التأثير في الإجابة، فإن التخشين بادىء [ذي] بدء يكون من أعظم أسباب النفور والتصلب في الكفر، والقول اللين: هو الذي لا خشونة فيه، يقال: لان الشيء يلين ليناً، والمراد: تركهما للتعنيف، كقولهما: {أية : هَل لَّكَ إِلَىٰ أَن تَزَكَّىٰ } تفسير : [النازعات: 18]. وقيل: القول اللين هو الكنية له، وقيل: أن يعداه بنعيم الدنيا إن أجاب، ثم علل الأمر بإلانة القول له بقوله: {لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ } أي باشرا ذلك مباشرة من يرجو ويطمع، فالرجاء راجع إليهما كما قاله جماعة من النحويين: سيبويه وغيره. وقد تقدّم تحقيقه في غير موضع قال الزجاج: "لَعَلَّ" لفظة طمع وترج، فخاطبهم بما يعقلون. وقيل: لعلّ ها هنا بمعنى الاستفهام. والمعنى: فانظرا هل يتذكر أو يخشى؟ وقيل: بمعنى كي. والتذكر: النظر فيما بلغاه من الذكر وإمعان الفكر فيه حتى يكون ذلك سبباً في الإجابة، والخشية هي خشية عقاب الله الموعود به على لسانهما، وكلمة "أو" لمنع الخلوّ دون الجمع. وقد أخرج ابن أبي حاتم عن السديّ في قوله: {فَٱقْذِفِيهِ فِي ٱلْيَمّ } قال: هو النيل. وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مّنّي } قال: كان كل من رآه ألقيت عليه منه محبته. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن سلمة بن كهيل قال: حببتك إلى عبادي. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي عمران الجوني في قوله: {وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِي } قال: تربى بعين الله. وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في الآية قال: لتغذى على عيني. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في الآية قال: يقول أنت بعيني، إذ جعلتك أمك في التابوت، ثم في البحر، وإذ تمشي أختك. وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه والخطيب عن ابن عمر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : إنما قتل موسى الذي قتل من آل فرعون خطأ"تفسير : يقول الله سبحانه: {وَقَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّيْنَـٰكَ مِنَ ٱلْغَمّ } قال: "حديث : من قتل النفس" تفسير : {وَفَتَنَّـٰكَ فُتُوناً } قال: "حديث : أخلصناك إخلاصاً"تفسير : . وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {وَفَتَنَّـٰكَ فُتُوناً } قال: ابتليناك ابتلاءً. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه قال: اختبرناك اختباراً. وقد أخرج عبد بن حميد، والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس أثراً طويلاً في تفسير الآية، فمن أحبّ استيفاء ذلك فلينظره في كتاب التفسير من سنن النسائي. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: {ثُمَّ جِئْتَ عَلَىٰ قَدَرٍ } قال: لميقات. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد وقتادة {عَلَىٰ قَدَرٍ } قال: موعد. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس {وَلاَ تَنِيَا } قال: لا تبطئا. وأخرج ابن أبي حاتم عن عليّ في قوله: {قَوْلاً لَّيّناً } قال: كنَّه. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن ابن عباس قال: كنياه. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عنه في قوله: {لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ } قال: هل يتذكر؟
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {وَأَلْقَيتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي} فيه أربعة أوجه: أحدها: حببتك إلى عبادي، قاله سلمى بن كميل. الثاني: يعني حسناً وملاحة، قاله عكرمة. الثالث: رحمتي، قاله أبو جعفر (الطبري). الرابع: جعلت من رآك أحبك، حتى أحبك فرعون فسلمت من شره وأحبتك آسية بنت مزاحم فتبنتك، قاله ابن زيد. ويحتمل خامساً: أن يكون معناه: وأظهرت عليك محبتي لك وهي نعمة عليك لأن من أحبه الله أوقع في القلوب محبته. {وَلِتُصْنَعَ عَلَى عيْنِي} فيه وجهان: أحدهما: لتغذي على إرادتي، قاله قتادة. الثاني: لتصنع على عيني أمك بك ما صنعت من إلقائك في اليم ومشاهدتي. ويحتمل ثالثاً: لتكفل وتربى على اختياري، ويحتمل قوله: {عَلَى عَيْنِي} وجهين: أحدهما: على اختياري وإرادتي. الثاني: بحفظي ورعايتي. {كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلاَ تَحزَنَ} يحتمل وجهين: أحدهما: تقر عينها بسلامتك ولا تحزن بفراقك. الثاني: تقر بكفالتك ولا تحزن بنفقتك. {وَقَتَلْتَ نَفْساً} يعني القبطي. {فَنَجَّينَاكَ مِنَ الْغَمِّ} يحتمل وجهين: أحدهما: سلمناك من القَوَد. الثاني: أمناك من الخوف. {وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً} فيه أربعة أقاويل: أحدها: أخبرناك حتى صلحت للرسالة. الثاني: بلوناك بلاء بعد بلاء، قاله قتادة. الثالث: خلصناك تخليصاً محنة بعد محنة، أولها أنها حملته في السنة التي كان يذبح فرعون فيها الأطفال ثم إلقاؤه في اليم، ومنعه الرضاع إلا من ثدي أمه، ثم جره بلحية فرعون حتى همّ بقتله، ثم تناوله الجمرة بدل التمرة، فدرأ ذلك عنه قتل فرعون، ثم مجيىء رجل من شيعته يسعى بما عزموا عليه من قتله قاله ابن عباس. وقال مجاهد: أخلصناك إخلاصاً. {ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى} فيه وجهان: أحدهما: على قدر الرسالة والنبوة، قاله قاله قتادة. الثاني: على موعدة، قاله قتادة، ومجاهد. ويحتمل ثالثاً: جئت على مقدار في الشدة وتقدير المدة، قال الشاعر: شعر : نال الخلافة أو كانت له قدراً كما أتى ربه موسى على قدر
ابن عطية
تفسير : المعنى قال الله تعالى: قد أعطيت يا موسى طلبتك في شرح الصدر وتيسير الامر وحل العقدة إما بالكل وإما على قدر الحاجة في الإفقاه. وإتيان هذا السؤال منة من الله عز وجل فقرن إليها عز وجل قديم منته عنده على جهة التوقيف عليها ليعظم اجتهاده وتقوى بصيرته. وكان من قصة موسى فيما روي أن فرعون ذكر له أن خراب ملكه على يدي غلام من بني إسرائيل فأمر بقتل كل مولود يولد لبني إسرائيل، ثم إنه رأى مع أهل مملكته أن فناء بني إسرائيل يعود على القبط بالضرر إذ هم كانوا عملة الأرض والصناع ونحو هذا، فعزم على أن يقتل الوالدان سنة ويستحييهم سنة، فولد هارون في سنة الاستحياء فكانت أمه آمنة، ثم ولد موسى في العام الرابع سنة القتل فخافت أمه عليه الذبح فبقيت مهتمة فأوحى الله إليها، قيل بملك جاء لها وأخبرها وأمرها، قال بعض من روى هذا لم تكن نبية لأنا نجد في الشرع ورواياته أن الملائكة قد كلمت من لم يكن نبياً، وقال بعضهم بل كانت أم موسى نبية بهذا الوحي، وقالت فرقة بل كان هذا الوحي رؤيا رأتها في النوم، وقالت فرقة بل هو وحي إلهام وتسديد كوحي الله إلى النحل وغير ذلك فأهمها الله إلى أن اتخذت تابوتاً فقذقت فيه موسى راقداً في فراش، ثم قذفته في يم النيل، وكان فرعون جالساً في موضع يشرف على النيل اذا رأى تابوتاً فأمر به، فسيق اليه وامرأته معه ففتح فرحمته امرأته وطلبته لتتخذه أبناً فأباح لها ذلك وروي أن {التابوت} جاء في الماء إلى المشرعة التي كان جواري امرأة فرعون يستقين فيها الماء فأخذن التابوت وجلبنه إليها فأخرجته وأعلمت فرعون وطلبته منه ثم إنها عرضته للرضاع فلم يقبل امرأة، فجعلت تنادي عليه في المدينة ويطاف يعرض للمراضع، فكلما عرضت عليه امرأة أباها. وكانت أمه حين ذهب عنها في النيل بقيت مغمومة فؤادها فارغ إلا من همه فقالت لأخته اطلبي أمره في المدينة عسى أن يقع لنا منه خبر، فبينما الأخت تطوف إذ بصرت به وفهمت أمره قالت لهم أنا أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون، فتعلقوا بها وقالوا أنت تعرفين هذا الصبي، فقالت لا، غير أني أعلم من أهل هذا البيت الحرص على التقرب الى الملكة والجد في خدمتها ورضاها، فتركوها، وسألوها الدلالة فجاءت بأم موسى فلما قربته شرب ثديها، فسرت آسية أمراة فرعون وقالت لها كوني معي في القصر، فقالت لها ما كنت لأدع بيتي وولدي ولكنه يكون عندي، قالت نعم فأحسنت إلى ذلك البيت غاية الإحسان واعتز بنوا إسرائيل بهذا الرضاع، والسبب من الملكة، وأقام موسى حتى كمل رضاعه فأرسلت إليها آسية أن جيئي بولدي ليوم كذا، وأمرت خدمها ومن لها أن يلقينه بالتحف والهدايا واللباس، فوصل إليها على ذلك وهو بخير حال وأجمل ثياب فسرت به ودخلت على فرعون ليراه ويهبه فرآه وأعجبه وقربه فأخذ موسى عليه السلام بلحية فرعون وجذبها، فاستشاط فرعون وقال هذا عدو لي وأمر بذبحه، فناشدته فيه امرأته وقالت إنه لا يعقل، فقال فرعون بل يعقل فاتفقا على تجربته بالجمر والياقوت حسبما ذكرناه آنفاً في حل العقدة، فنجاه الله من فرعون ورجع إلى أمه فشب عندها فاعتز به بنو إسرائيل إلى أن ترعرع، وكان فتى جلداً فاضلاً كاملاً فاعتزت به بنوا اسرائيل بظاهر ذلك الرضاع وكان يحميهم ويكون ضلعه معهم وهو يعلم من نفسه أنه منهم ومن صميمهم، فكانت بصيرته في حمايتهم وكيدة، وكان يعرف ذلك أعيان بني إسرائيل. ثم إن قصة القبطي المتقاتل مع الإسرائيلي نزلت وذكرها في موضعها مستوعب، فخرج موسى عليه السلام من مصر حتى وصل إلى مدين، فكان من أمره مع شعيب ما هو في موضعه مستوعب يختص منه بهذا الموضع أنه تزوج ابنته الصغرى على رعية الغنم عشر سنين، ثم إنه اعتزم الرحيل بزوجته إلى بلاد مصر فجاء في طريقه فضل في ليلة مظلمة فرأى النار حسبما تقدم ذكره، فعدد الله تعالى على موسى في هذه الآية ما تضمنته هذه القصة من لطف الله تعالى به في كل فصل وتخليصه له من قصة إلى أخرى، وهذه الفتون التي فتنه بها أي اختبره وخلصه حتى صلح للنبوءة وسلم لها. وقوله {ما يوحى} إبهام يتضمن عظم الأمر وجلالته في النعم وهذا نحو قوله تعالى {أية : إذ يغشى السدرة ما يغشى} تفسير : [النجم: 16] وهو كثير في القرآن والكلام، و{أن} في قوله {أن اقذفيه} بدل من {ما} والضمير الأول في {اقذفيه} عائد على موسى وفي الثاني على {التابوت}، ويجوز أن يعود على {موسى}. وقوله {فليلقه اليم} خبر خرج في صيغة الأمر إذ الأمر أقطع الأفعال وأوجبها، ومنه قول النبي عليه السلام "حديث : قوموا فلأصل لكم" تفسير : فأخبر الخبر في صيغة الأمر لنفسه مبالغة وهذا كثير، ومن حيث خرج الفعل مخرج الأمر حسن جوابه كذلك، و"العدو" الذي هو لله ولموسى كان فرعون ولكن أم موسى أخبرت به على الإبهام وذلك قالت لأخته قصيه وهي لا تدري أين. ثم أخبر تعالى موسى أنه "ألقى عليه محبة" منه فقال بعض الناس أراد محبة آسية لأنها كانت من الله وكانت سبب حياته. وقالت فرقة: أراد القبول الذي يضعه الله في الأرض لخيار عباده، وكان حظ موسى منه في غاية الوفر. وقالت فرقة: أعطاه جمالاً يحبه به كل من رآه، وقالت فرقة: أعطاه ملاحة العينين، وهذان قولان فيهما ضعف وأقوى الأقوال أنه القبول. وقرأ الجمهور و"لِتُصنع" بكسر اللام وضم التاء على معنى ولتغذى وتطعم وتربى، وقرأ أبو نهيك "ولَتصنع" بفتح التاء، قال ثعلب معناه لتكون حركتك وتصرفك على عين مني، وقرأ أبو جعفر بن القعقاع "ولْتصنع" بسكون اللام على الأمر للغالب وذلك متجه. وقوله {على عيني} معناه بمرأى مني وأمر مدرك مبصر مراعى.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى. وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى} فُعْل بمعنى مَفْعُول كقولك: خُبْزٌ بمعنى مَخْبُوز وأُكْلٌ بمعنى مَأْكُول، ولا ينقاس و "مَرَّةً" مصدر، و "أُخْرَى" تأنيث آخر بمعنى: غير، وزعم بعضهم أنها بمعنى آخرة فتكون مقابلة للأولى، وتخيَّلَ لذلك بأن قال سمّاها أخرَى وهي أولَى، لأنها أخرى في الذكر. فصل إن موسى عليه السلام لما سأل ربه تلك الأمور الثمانية، وكان في المعلوم أن قيامه بما كلفه (لا يتم إلا بإجابته إليها، لا جرم أجابه الله تعالى إليها ليكون أقدر على إبلاغ ما كلف به) فقال: {قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَىٰ. وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَىۤ} فنبه بذلك على أمور: أحدها: كأنه تعالى قال: إني رَاعَيْتُ مَصْلَحتَكَ قبل سؤالك فكيف لا أُعطيك مرادك بعد السؤال. وثانيها: إني كنت ربيتُك فلو منعتك الآن كان ذلك رداً بعد القبول وإساءة بعد الإحسان، فكيف يليق بكرمي. وثالثها: إنا أعطيناك في الأزمنةِ السالفةِ كلَّ ما احتجتَ إليه، ورقَّيْنَاكَ إلى الدرجة العالية، وهي درجة النبوة، فكيف يليق بمثل هذه الرتبة المنع عن المطلوب. ومعنى "مَنَنَّا عَلَيْكَ" أَنْعَمْنَا عَلَيْكَ "مَرَّةً أُخْرَى" فإن قيل: لِمَ ذكر تلك النِّعَم بلفظ المنّة مع أن هذه اللفظة مؤذية والمقامُ مقامُ التلطف؟ فالجواب: إنما ذكر ذلك ليعرف موسى عليه السلام أن هذه النعم التي وصل إليها ما كان مستحقاً لشيء منها، بل إنما خصَّه الله بها لمحض التفضل والإحسان. فإن قيل: لم قال: "مَرَّةً أُخْرَى" مع أنه تعالى ذكر "مِنَناً" كثيرة؟ فالجواب: لَمْ يُعْن بـ "مَرَّةً أُخْرَى" مرة واحدة من المنن، لأن ذلك قد يقال في القليل والكثير. قوله: "إذْ أَوْحَيْنَا" العامل في "إذْ مَنَنا" أي مننا عليك في وقت إيحائنا إلى أمك، وأبهَمَ في قوله: "مَا يُوحَى" للتعظيم كقوله تعالى: {أية : فَغَشِيَهُمْ مِّنَ ٱلْيَمِّ مَا غَشِيَهُم} تفسير : [طه: 78] وهذا وحي إلهام، لأن الأكثرين على أن أم موسى - عليه السلام - ما كانت من الأنبياء، وذلك لأن المرأة لا تصلح للقضاء والإمامة، ولا تمكن عند أكثر العلماء من تزويج نفسها، ويدل على ذلك قوله تعالى: {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِيۤ إِلَيْهِمْ} تفسير : [الأنبياء: 7]. والوحي قد جاء في القرآن لا بمعنى النبوة قال تعالى: {أية : وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَىٰ ٱلنَّحْلِ} تفسير : [النحل: 68] {أية : وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى ٱلْحَوَارِيِّينَ} تفسير : [المائدة: 111] ثم اختلفوا في المراد بهذا الوحي على وجوه: الأول: أنه رؤيا رأتها أم موسى، وكان تأويلها وضع موسى عليه السلام في التابوت، وقذفه في البحر، وأن الله تعالى يرده إليها. الثاني: أنه عزيمة جازمة وقعت في قلبها دفعة واحدة. الثالث: المراد منه خطور البال وغلبته على القلب. فإن قيل: الإلقاء في البحر قريب من الإهلاك، وهو مساوٍ للخوف الحاصل من القتل المعتاد من فرعونَ، فكيف يجوز الإقدام على أحدهما لأجل الصيانَة عن الثاني؟ فالجواب لعلَّها عرفت بالاستقراء صدقَ رؤياها، فكان الإلقاء في البحر إلى السلامة أغلب على ظنها من وقوع الولد في يد فرعون، أو لعله أوْحَى إلى بعض الأنبياء في ذلك الزمان كشُعَيْب أو غيره، ثم أن ذلك النبي عرفها إمّا مشافهة، أو مراسلة. واعترض عليه بأن الأمر لو كان كذلك لما لحقها الخوف. وأجيب: ذلك الخوف كان من لوازم البشرية، كما أن موسى - عليه السلام - كان يخاف من فرعون مع أن الله - تعالى - كان أمره بالذهاب إليه مروراً. الرابع من الأوجه: لعل بعض الأنبياء المتقدمين كإبراهيم وإسحاق ويعقوب - عليهم السلام - أخبروا بذلك الخبر، وانتهى ذلك الخبر إلى أمه. أو لعل الله بعثَ إليها مَلَكاً لا على وجه النبوة كما بعث إلى مريم في قوله: {أية : فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً} تفسير : [مريم: 17]. وأما قوله: "مَا يُوحَى" معناه: أوحينا إلى أمِّكَ ما يجب أن يُوحَى، وإنما وجب ذلك الوحي، لأن الواقعة عظيمة، ولا سبيل إلى معرفة المصلحة فيها إلا بالوحي، فكان الوحي فيها واجباً. قوله: "أَن اقْذِفِيهِ" يجوز أن تكون "أَنْ" مفسِّرة، لأن الوحي بمعنى القول، ولم يذكر الزمخشري غيره. وجوز غيره أن تكون مصدرية، ومحلها حينئذ النصب بدلاً من "مَا يُوحَى" والضمائر في (قوله: "أن) اقْذِفيهِ" إلى آخرِها عائدة على موسى - عليه السلام - لأنه المحدَّث عنه. وجوَّز بعضهم أن يعود الضمير في قوله: {فَٱقْذِفِيهِ فِي ٱلْيَمِّ} للتابوت، وما بعده وما قبله لموسى - عليه السلام - وعَابَه الزمخشري وجعله تنافراً ومُخْرِجاً للقرآن عن إعجازه فإنه قال: والضمائر كلها راجعة إلى موسى، ورجوع بعضها إليه وبعضها إلى التابوت فيه هجنة لما يؤدي إليه من تنافر النظم، فإن قلت: المقذوفُ في البحر هو التابوتُ، وكذلك الملقى إلى الساحل قلت: ما ضرك لو جعلت المقذوف والملقى إلى الساحل هو موسى في جوف التابوت حتى لا تفرق الضمائر، فيتنافر عليك النظم الذي هو أم إعجاز القرآن، والقانون الذي وقع عليه التحدي، ومراعاته أهم ما يجب على المفسِّر. قال أبو حيَّان: ولقائلٍ أن يقول: إن الضمير إذا كانَ صالحاً لأن يعود على الأقرب وعلى الأبعد، كان عوده على الأقرب راجحاً، وقد نص النحويون على هذا، فعوده على التابوت في قوله: {فَٱقْذِفِيهِ فِي ٱلْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ ٱلْيَمُّ} راجح، والجواب: أن أحدهما إذا كان محدَّثاً عنه والآخر فضلة كان عوده على المحدَّث عنه أرجح، ولا يلتفت إلى القرب ولهذا رددنا على أبي محمد بن جزم في دعواه أن الضمير في قوله تعالى: "فَإنَّه رِجْسٌ" عائد على (خِنْزِير) لا على (لَحْم)، لكونه أقرب مذكور، فيحرم بذلك شحمه، وغضروفه وعظمه وجلده، فإن المحدَّث عنه هو لحم خنزير لا خنزير. وقد تقدمت هذه المسألة في الأنعام. قوله: "فَلْيُلْقِهِ اليَمُّ" هذا أمر معناه الخبر، ولكونه أمراً لفظاً جُزم جوابُه في قوله "يَأْخُذهُ"، وإنما خرج بصيغة الأمر مبالغة إذ الأمر أقطعُ الأفعال وآكدها، قال الزمخشري: لما كانت مشيئةُ الله وإرادته أن يجري ماءُ اليَمِّ، ويلقى بذلك التابوت إلى الساحل سلك في ذلك سبيل المجاز، وجعل اليَمَّ كأنَّه ذو تمييزٍ أمر بلك ليطيع الأمر، ويتمثل رسمه فقيل: {فَلْيُلْقِهِ ٱلْيَمُّ بِٱلسَّاحِلِ}. و "بالسَّاحِلِ" يحتمل أن يتعلق بمحذوف على أن الباء للحال. أي: ملتبساً بالسَّاحل. وأن يتعلق بنفس الفعل على أن الباء ظرفية بمعنى (في) والقذفُ يستعمل بمعنى الإلقاء والوضع، ومنه قوله: {أية : وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعْبَ} تفسير : [الأحزاب: 26] واليَمُّ البحر، والمراد به ههنا نيلُ مصرَ (في قول الجميع) واليَمُّ: اسم يقع على النهر والبحر العظيم. قال الكسائي: والسَّاحِلُ فاعل بمعنى مَفْعُول، سمي بذلك لأن الماءَ يسحله أي: يغمره إلى أعلاه. فصل روي أنها اتخذت تابوتاً. قال مقاتل: إن الذي صنع التابوت حُزَيْقِيل مؤمن آل فرعون وجَعَلت في التابوت قطناً محلوجاً، ووضعت فيه موسى، وقيرت رأسه وشقوقه بالقير، ثم ألقته في النيل، وكان يشرع منه نهر كبير في دار فرعون، فبينما فرعون جالس على رأس البركة مع امرأته آسيةَ إذا بتابوت يجيء به الماء، فأمر الغلمان والجواري بإخراجه، فأخرجوه، وفتحوا رأسَه، فإذا صبيٌّ من أصبح الناس وجهاً، فلما رآه فرعون أحبه بحيث لم يتمالك، فذلك قوله: {وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي} قال ابن عباس: أَحَبَّه وحبَّبَهُ إلى خَلْقِه. وقال عكرمة: ما رآه أحد إلا أحبه. فإن قيل: قوله: {يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ} ولم يكن موسى في ذلك الوقت معادياً له. فالجواب: من وجهين: الأول: كونُه كافراً عدواً لله، وكونه عدواً لموسى - عليه السلام -، فإنه بحيث لو ظهر له حاله لقتله. والثاني: عدواً بحيث يؤول أمره إلى عداوته. قوله: "مِنِّي" فيه وجهان: قال الزمخشري: "مِنِّي" لا يخلو إما أن يتعلق بـ "أَلْقَيْتُ" فيكون المعنى: على أني أحببتك، ومن أحبه الله أحبته القلوب. وإما أن يتعلق بمحذوف هو صفة لـ "مَحَبَّةً" أي: محبة حاصلة وواقعة مِني قد ركزتها أنا في القلوب، وزرعتها فيها، فلذلك أحبتك امرأة فرعون حتى قالت: {أية : قُرَّةُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ لاَ تَقْتُلُوهُ} تفسير : [القصص: 9]. روي أنه كان على وجهه مسحة جمال، وفي عينيه ملاحة، لا يكاد يصبر عنه من رآه، وهو كقوله - تعالى-: {أية : سَيَجْعَلُ لَهُمُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وُدّاً} تفسير : [مريم: 96] قال القاضي: هذا الوجه أقرب، لأنه حال صغره لا يكاد يوصف بمحبة الله تعالى التي ظاهرها من جهة الدين؛ لأن ذلك إنما يستعمل في المكلف من حيث استحقاق الثواب. فالمراد أول ما ذكر في كيفيته في الخلقة يستحلى ويغتبط به، وكذلك كانت حاله مع فرعون وامرأته. (ويمكن أن يقال) بل الاحتمال الأول أرجح لأن الاحتمال الثاني يحوج إلى الإضمار، وهو أن يقال: وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً حاصلةً مِنِّي وواقعة بتخليقي، وعلى الأول لا حاجة إلى الإضمار. وأما قوله: إنه حال صباه لا يحصل له محبة الله. فممنوع، لأن معنى الله هو اتصال النفع إلى عباده، وهذا المعنى كان حاصلاً في حقه في زمان صباه، وعلم الله أن ذلك يستمر إلى آخر عمره، فلا جرم أطلق عليه لفظ المحبة. قوله: "وَلِتُصْنَع" قرأ العامة بكسر اللام وضم التاء وفتح النون على البناء للمفعول، ونصب الفعل بإضمار (أنْ) بعد لام (كي)، وفيه وجهان: أحدهما: أن هذه العلة معطوفة على علة مقدرة قبلها. والتقدير: ليتلطف بك ولتصنع، (أو ليعطف عليك). وترأم ولتصنع، وتلك العلة المقدرة متعلقة بقوله: "وَأَلْقَيْتُ" أي: ألقيت عليك المحبة (ليعطف عليك ولتصنع، ففي الحقيقة هو متعلق بما قبله من إلقاء المَحَبَّة). والثاني: أن هذه اللام تتعلق بمضمر بعدها، تقديره: ولتصنع على عيني فعلت ذلك، أي: ألقيت عليكَ محبةً مِنِّي، أو كان كيت وكيت. ومعنى "وَلِتُصْنَعَ" أي لِتُرَبِّى ويُحْسَن إلَيْكَ، وأنا مراعيك، ومراقبك كما يراعى الإنسان الشيء بعينه إذا اعتنى به. قال الزمخشري. ومجاز هذا أنَّ مَنْ صنعَ للإنسان شيئاً وهو حاضر ينظر إليه صنعه كما يُحِبُّ، ولا يمكنه أن يخالف غرضه فكذا هنا. وفي كيفية المجاز قولان: الأول: المراد من العَيْن العلم، أي تُرَبَّى على علمٍ مِنِّي، ولما كان العالم بالشيء يحرسه عن الآفات أطلق لفظ العَيْن على العلم (لاشتباههما) من هذا الوجه. الثاني: المراد من العَيْن الحراسة، لأن الناظر إلى الشيء يحرسه عما لا يريده، فالعين كأنها سبب الحراسة، فأطلق اسم السبب على المسبب مجازاً وهو كقوله تعالى: {أية : إِنَّنِي مَعَكُمَآ أَسْمَعُ وَأَرَىٰ} تفسير : [طه: 46]. ويقال: عَيْنُ الله عليك، إذا دعا له بالحفظ (والحياطة). وقرأ الحسن وأبو نهيك: "وَلِتَصْنَعَ" بفتح التاء. (قال ثعلب): معناه لتكون حركتك وتصرفك على عينٍ مني. وقال قريباً منه الزمخشري. وقال أبو البقاء: أي: لتفعل ما آمرك بمرأى مني. وقرأ أبو جعفر وشيبة "وَلْتُصْنَعْ" بسكون اللام والعين وضم التاء، (وهو أمر معناه: لتُربَّ وليُحْسَن إليك). وروي عن أبي جعفر في هذه القراءة كسر لام الأمر. ويحتمل مع كسر اللام أو سكونها حالة تسكين العين أن تكون لام كي، وإنما سكنت تشبيهاً بكَتْف وكَبد، والفعل منصوب، والتسكين في العين لأجل الإدغام لأنه لا يقرأ في الوصل إلا بإدغام فقط.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يٰمُوسَىٰ} [الآية: 36]. قال الواسطى رحمه الله: سأل ربه ابتداء شرح صدره فجاز الاقتداء به للعوام دون الخواص لأن الله أعلم بما فيه إبلاغ رسالته وأداء أمانته ألا ترى إلى قوله: {قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يٰمُوسَىٰ * وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَىٰ} [الآية: 37]. فذكر أيام حداثته ثم رده إلى أصله، ثم رده من أصله إلى أصل الأصل فقال: {وَٱصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي} [الآية: 41]. فأضافه إلى نفسه ثم أكد ذلك بقوله: {أية : إِنِّي ٱصْطَفَيْتُكَ عَلَى ٱلنَّاسِ بِرِسَالاَتِي} تفسير : [الأعراف: 144].
القشيري
تفسير : أعطيناكَ ما سألتَ، وتناسيت ابتداءَ حالِكَ حين حفظناك في اليمِّ وَنَجَّيْنَا اُمَّكَ من ذلك الغَمِّ، ورَبَّيْنَاك في حِجْرِ العَدُوِّ... فأين - حينذاك - كان سؤالُكَ واختيارُكَ ودعاؤُك؟ وأثبتنا في قلب امرأة فرعون شفقتك، وألقينا عليكَ المحبةَ حتى أحبّكَ عدوُّك، وربَّاكَ حتى قَتَلَ بِسَبَبِكَ ما لا يُحْصَى من الولدان، والذي بَدَأَكَ بهذه المِنَنِ هو الذي آتاك سُوْلَكَ، وحقَّقَ لك مأموَلَكَ.
البقلي
تفسير : {قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يٰمُوسَىٰ} وقال بعضهم ساله حل عقد الحياء عنه فانه --- يخاطب عدو الله فرعون بلسان به خاطب الحق وقال ابن عطا اشرح لى صدرى لاستماع كلامك ---- بالوقوف معك واحلل عقدة النفسانية من لسانى وقال الجنيد ما سال الله موسى فى هذه الأية الأخلاق وقال جعفر لما كلم الله موسى عقد لسان موسى عن مكالمة غيره فلما امره بالذهاب الى فرعون فاجاه بسره ومقال واحلل عقدة من لسانى لاكون قائما بالاوامر على اتم مقام وقال ابن عطا اكشف عن صدر حتى لا اشاهد غيرك ويسر لى امرى حتى لا انطق الا بمعرفتك واحلل عقدة الانسانية من لسانى حتى لا اتكلم بما يتلقنه منك وقال جعفر واحلل عقدة من لسانى عقدة الهيبة والاجلال ولما سال وزارة اخيه بين مراده منه بما اخبر الله عنه بقوله {كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً وَنَذْكُرَكَ كَثِير}. {قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يٰمُوسَىٰ} اى وقع سؤلك محل خاصيتك التى صدر ومنافى الازل قبتلك الخاصية سالت عنا ما موتك وقد اعطيناك سؤلك.
اسماعيل حقي
تفسير : {قال} الله تعالى {قد اوتيت سؤلك يا موسى} مسئولك ومطلوبك فعل بمعنى مفعول كالخبز بمعنى المخبوز والايتاء عبارة عن تعلق ارادته تعالى بوقوع تلك المطالب وحصولها له. قال داود القيصرى قد سره ومن جملة كمالات الاقطاب ومنن الله عليهم ان لا يبتليهم بصحبة الجهلاء بل يرزقهم صحبة العلماء الادباء الامناء يحملون عنهم اثقالهم وينفذون احكامهم واقوالهم انتهى وذلك كما كان آصف بن برخيا وزيرا لسليمان عليه السلام الذى كانت قطب وقته ومتصرفا وخليفة على العالم فظهر عنه ما ظهر من اتيان عرش بلقيس كما حكاه الله تعالى فى القرآن. وكان انوشروان يقول لا يستغنى اجود السيوف عن الصقيل ولا اكرم الدواب عن السوط: ولا اعلم الملوك عن الوزير وفى الحديث "حديث : اذا اراد الله بملك خيرا قيض له وزيرا صالحا ان نسى ذكره وان نوى خيرا اعانه وان نوى شرا كفه"تفسير : وقد كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم وزراء كما قال "حديث : ان لى وزيرين فى الارض ابا بكر وعمر ووزيرين فى السماء جبريل واسرافيل"تفسير : فكان من فى السماء يمده عليه السلام من جهة الروحانية ومن فى الارض من جهة الجسمانية قال الله تعالى{أية : هو الذى ايدك بنصره وبالمؤمنين}تفسير : فنصر الله سماوى ونصر المؤمنين ارضى وبالكل يحصل الامداد مطلقا وفى الحديث "حديث : اذا تحيرتم فى الامور فاستيعنوا من اهل القبور"تفسير : ذكره الكاشفى فى الرسالة العلية وابن الكمال فى شرح الاربعين حديثا والمراد من اهل القبور الروحانيون سواء كانوا فى الاجساد الكثيفة او اللطيفة فافهم. ثم ان العادل يرث من النبى عليه السلام هذه الوزارة واما الظالم فيجعل له وزير سوء وهو علامة غضب الله وانتقامه: قال الشيخ سعدى قدس سره شعر : بقومى كه نيكى بسندد خداى دهد خسروا عادل نيك راى جو خواهد كه ويران كند عالمى كند ملك در بنجه ظالمى تفسير : :وقال الحافظ شعر : زمانه كرنه سر قلب داشتى كارش بدست آصف صاحب عيار بايستى تفسير : ولما كان السلطان ظل الله فى الارض ظهر مظره الحقيقة الجامعة الالهية وهو القطب الذى هو مدار العالم فكما ان للقطب وزراء من العلماء الامناء كذلك لمن هو ظله وزراء من العادلين الادباء وهذه الوزراة ممتدة الى زمن المهدى ووزراؤه سبعة هم اصحاب الكهف يجيبهم الله فى آخر الزمان يختم بهم رتبة الوزراء المهدية ومنهم الوزراء السبعة للملوك العثمانية وهم الذين يسمون بوزراء القبة. واعلم ان موسى بطريق الاشارة سلطاننافى الآفاق وروحنا فى الانفس وهارون هو الوزير ايا من كان فى الآفاق والعقل فى الانفس وفرعون هو رئيس اهل الحرب من النصارى وغيرهم والنفوس الامارة بالسوء فاذا قارن الروح بالعقل الكامل المشير المدبر وهو عقل المعاند يغلب على النفس وقواها ويخلص حصن القلب من ايديها كما ان السلطان اذا اصطفى لوزارته رجلا صالحا عادلا يغلب ان شاء الله تعالى على الاعداء ويتصرف فى بلادهم وحصونهم: وفى المثنوى شعر : عقل تودستور مغلوب هواست در وجودت رهزن راه خداست واى آن شه كه وزيرش اين بود جاى هردو دوزخ بركين بود شاد آن شاهى كه اورا دستكير باشد اندركار جون آصف وزير شاه عادل جون قرين اوشود نام او نور على نور اين بود جون سليمان شاه وجون آصف وزير نور بر نورست وعنبر بر عبير شاه فرعون وجو هامانش وزير هر دورا نبود زبد بختى كزير بسبود ظلمات بعضى فوق بعض نى خرد يارو نه دولت روز عرض عقل جزؤى را وزير خودمكير عقل كل را ساز اى سلطان وزير مر هوارا تو وزير خود مساز كه بر آرد جان باكت از نماز كمين هوا برحرص وحالى بين بود عقل را انديشه يوم الدين بود تفسير : وفى الحديث "حديث : من قلد انسانا عملا وفى رعيته من هو اولى منه فقد خان الله ورسوله وجماعة المؤمنين"تفسير : : قال الشيخ سعدى قدس سره شعر : كسى را كه باخواجه تست جنك بدستش جرامى دهى جوب وسنك سك آخركه باشدكه خوانش نهند بفرماى تا استخوانش نهند مكافات موذى بمالش مكن كه بيخش بر آورد بايد زبن سركرك بايد هم اول بريد نه جون كوسفندان مردم دريد
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {مرة}: منصوب على الظرفية الزمانية، وأصله: فعلة، من المرور، اسم للمرور الواحد، ثم شاع في كل فرد واحد من أفراد أمثاله، ويقرب منها الكرة والرجعة. و {إِذْ}: ظرف لمننّا، و {أنِ اقذفيه}: مفسرة، أو مصدرية، و {يأخذه}: جواب "أن اقذفيه". و {لتُصنع}: متعلق بألقيتُ، عطف على علة مضمرة، أي: ليتعطف عليك ولتربى على حفظي ورعايتي. و {إذ تمشي}: ظرف {لتصنع} على أن المراد وقت مشيها إلى بيت فرعون، وما يترتب عليه من القول والرجع إلى أمه. يقول الحقّ جلّ جلاله: {قال} الله تعالى لموسى عليه السلام: {قد أُوتيتَ سُؤْلك} أي: أعطيت مسؤولك، وبلغنا لك مأمولك في كل ما طبلت منا. والإيتاء، هنا، عبارة عن تعلق الإرادة بوقوع تلك المطالب وحصولها، وإن كان وقوع بعضها مستقبلاً، ولذلك قال: {أية : سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ} تفسير : [القَصَص: 35]، وإعادة النداء في قوله: {يا موسى} تشريفًا له بتوجيه الخطاب بعد تشريفه بإجابة المطلب. ثم ذكَّره بنعمة أخرى قد سلفت، فقال: {ولقد مَنَنَّا عليك مرة أخرى} قبل أن يكون منك لنا طلب، فكيف لا نجيبك بعد الطلب؟ وتلك المنة: {إِذْ أوحينا إِلى أمك} حين تحيرت في أمرك، وخافت عليك من عدوك، فأوحينا إليها وحي منام أو إلهام أو بملك كريم - عليهما السلام - فقلنا لها: {أنِ اقْذِفيه في التابوت} أي: ضعيه فيه، وأغلقي عليه حتى لا يصل الماء عليه، {فاقذفيه في اليمِّ} أي: ألقيه في البحر بتابوته، {فليُلقَه اليمُّ بالساحل} أي: فسيرميه البحرُ بالساحل، ولمّا كان إلقاء البحر له بالساحل أمرًا واجب الوقوع؛ لتعلُق الإرادة الربانية به، جعل البحر كأنه مأمور بإلقائه، ذو تمييز، مطيع، فإنْ يُلْقه {يأْخُذُه عدوٌ لي وعدوٌ له} وهو فرعون. ولا تخافي عليه؛ {أية : إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ} تفسير : [القَصَص: 7]. وتكرير عداوته والتصريح بها؛ للإشعار بأن عداوته له، مع تحققها، لا تضره، بل تؤدي إلى محبته، لأن الأمر بما فيه الهلاك؛ من القذف في البحر، ووقوعه في يد العدو، مشعر بأن هناك ألطافًا خفية، ومننًا كامنة مندرجة تحت قهر صوري. وليس المراد بالساحل نفس الشاطئ، بل ما يقابل الوسط، وهو ما يلي الساحل من البحر، حيث يجري ماؤه إلى نهر فرعون، لِمَا رُوي أنها جعلت في التابوت قطنًا محلوجًا، ووضعته فيه، ثم قيَّرته وألقته في اليم. وقيل: كان التابوت من البردى، صنعته أمه. وقال مقاتل: صنعه لها رجل مؤمن اسمه "حزقيل"، ثم طلته بالقار - أي: الزفت - وألقته في اليم، وكان يشرع منه إلى بستان فرعون نهر كبير، فدفعه الماء إليه، فأتى به إلى بركة في البستان، وكان فرعون جالسًا ثمَّ مع آسية بنت مزاحم، فأمر به فأُخرج، فإذا فيه صبي أصبح الناس وجهًا، فأحبه فرعون حبًا شديدًا لا يكاد يتمالك الصبر عنه، وذلك قوله تعالى: {وألقيتُ عليك محبةً مني} ، قال ابن عباس: "أحبه وحبَّبَه إلى خلقه". وقال قتادة: "ملاحة كانت في عيني موسى، ما رآه أحد إلاَّ عشقه"، أي: وألقيتُ عليك محبة عظيمة كائنة مني، قد زرعت في القلوب، بحيث لا يكاد يصبر عنك من رآك، ولذلك أحبك عدو الله وأهله، وذلك ليتعطف عليك. {ولتُصنع على عيني} أي: ولتربّى بالحنو والشفقة، وتغذى بمرأى مني، مصحوبًا برعايتي وحفظي، في أحسن تربية ونشأة. وكان ابتداء ذلك: {إِذ تمشي أختك} تتبع تابوتك، فلما أُخرجتَ التمسوا لك المراضع، {فتقولُ} لفرعون وآسية، حين رأتهما يَطْلُبَانِ له مُرضعة يقبل ثديها، وكان لا يقبل ثديًا. وصيغة المضارع في الفعلين؛ لحكاية الحال الماضية، والأصل: إذ مشت فقالت: {هل أدلُّكم على مَن يكفله}؟ يضمه إلى نفسه ويربيه، وذلك إنما يكون بقبول ثديها. رُوِيَ أنه فشا الخبر بمصر أن آل فرعون أخذوا غلامًا في النيل لا يرتضي ثدي امرأة، واضطروا إلى تتبع النساء، فخرجت أختُه مريم لتتعرف خبره، فجاءت متنكرة، فقالت ما قالت، وقالوا: نعم، فجاءت بأمه فقبِل ثديها. قال تعالى: {فرَجَعْناك إِلى أمك}؛ وفاء بعهدنا، {كي تقرَّ عينُها} بلقائك، {ولا تحزن} أي: ولا يطرأ عليها حزن بفراقك بعد ذلك، {وقتلتَ} بعد ذلك {نفسًا}، وهي نفس القبطي الذي استغاثه الإسرائيلي عليه. قال كعب: كان إذ ذاك ابن ثنتي عشرة سنة، {فنجيناك من الغَمِّ} أي: غم قتله، خوفًا من عقاب الله تعالى بالمغفرة، ومن اقتصاص فرعون، بوحينا إليك بالمهاجرة، {وفتناك فتونًا} أي: ابتليناك ابتلاءً عظيمًا، وخلصناك مرة بعد أخرى، حتى صَلَحْتَ للنبوة والرسالة، وهو تحمل ما ناله في سفره من الهجرة عن الوطن، ومفارقة الأحباب، والمشي راجلاً، وفقد الزاد، بعد ما خلصه من الذبح، ثم من البحر، ثم من القصاص بالقتل. وسُئل عنها ابن عباس، فقال: خلَّصناك من محنة بعد محنة، ولد في عام كان يقتل فيه الغلمان، فهذه فتنة، وألقته أمه في البحر، وهمّ فرعون بقتله، وقتل قبطيًا، وأجَرَّ نَفسه عشر سنين، وضل الطريق، وتفرقت غنمه في ليلة مظلمة، فكل واحدة من هذه فتنة. هـ. لكن الذي يقتضيه النظم الكريم أن لا تعد إجارته نفسه وما بعدها من الفتون؛ لأن المراد: ما وقع له قبل وصوله إلى مدين، بدليل قوله تعالى: {فلبثتَ سنينَ في أهل مَدْيَنَ}، إذ لا ريب أن الإجارة وما بعدها كانت بعد وصوله إلى مدين، أي: لبثت عشر سنين في أهل مدين. وقال وَهْب: لبث عند شعيب ثمانيًا وعشرين سنة، عشرًا منها في مهر امرأته صفراء بنت شعيب، وثماني عشرة أقام عنده حتى وُلد له. وأشار باللبث في مدين، دون الوصول إليها، إلى ما أصابه في تضاعيفها، من فنون الشدائد والمكاره، التي كل واحد منها فتنة. و "مدين": بلدة شعيب عليه السلام، على ثماني مراحل من مصر، ولم تبلغها مملكة فرعون، خوفًا على نفسه من هيبة النبوة أو يصيبه ما أصاب مَنْ خالفه. {ثم جئتَ} إلى المكان الذي آنستَ فيه النار، ورأيتَ فيه الخوارق، وخُصصتَ فيه بالرسالة، {على قَدَرٍ} قدرته لك في الأزل، ووقت عينته لك، لأكلمك وأرسلك فيه إلى فرعون، فما جئتَ إلا على ذلك القدَر، غير متقدم ولا متأخر، وقيل: على مقدار من الزمان، يُوحى فيه إلى الأنبياء، وهو رأس أربعين سنة. {واصْطنعتُكَ لنفسي} أي: اختصصتك بالرسالة والمحبة و المناجاة، وهو تذكير لقوله: {وأنا اخترتك}، وتمهيد لإرساله عليه السلام إلى فرعون مُؤَيَّدًا بأخيه، حسبما طلب، بعد تذكيره المنن السالفة، زيادة في وثوقه عليه السلام بحصول نظائرهم اللاحقة، والعدول عن نون العظمة الواقعة في قوله تعالى: {وفتناك} إلى تاء المتكلم؛ لمناسبتها للنفس؛ فإنها أدخل في تحقيق الاصطناع والاستخلاص. والله تعالى أعلم. الإشارة: قال قد أوتيت سؤلك أيها الفقير، حيث وصلناك إلى من يأخذ بيدك، ويُرشدك إلى ربك ويُربيك. ولقد مننا عليك مرة أخرى، حيث أنشأناك بين أبوين مسلمين، فقذفناك في تابوت الإسلام، ثم في نهر الإيمان، ثم رميناك في بحر العرفان، وألقينا عليك محبة منا، فأحببناك وأحببتنا، وألقينا محبتك في قلوب عبادنا، فتربيت في حفظنا ورعايتنا، فلما فارقتَ الأوطان وهجرت الإخوان، في طلب تحقيق العرفان، رددناك إليهم بعد التمكين، لتنهضهم إلى الله، فتقرّ أعينهم بطاعة رب العالمين، وقتلت نفسًا كانت تحجبك عن ربك، فنجيناك من غم الحجاب، وأخرجناك من سجن الأكوان، إلى فضاء الشهود والعيان، وفتناك بمجاهدة نفسك فتونًا عظامًا، فتنة الفقر، ثم فتنة الذل، ثم فتنة هجر الأوطان، حتى تخلصت من حبس الأكوان، وجئت إلينا على قدر قدرناه لك، ووقت عيناه لفتحك، فاصطنعتك لنفسي، واجتبيتك لحضرتي بسابق عنايتي، من غير حول منك ولا قوة، فعِنايتنا فيك سابقة، فأين كنت حين واجهتك عنايتنا، وقابلتك رعايتنا؟ لم يكن في أزلنا إخلاص أعمال، ولا وجود أحوال، بل لم يكن هناك إلا محض الإفضال ووجود النوال، كما في الحكم. وأنشدوا: شعر : فَلاَ عَمَلٌ مِنِّي إِلَيْك اكْتَسبْته سِوَى مَحْضِ فَضْلٍ لا بِشَئ يُعَلَّلُ تفسير : وقال آخر: شعر : قَدْ كُنْتُ أَحْسِبُ أنَّ وَصْلَكَ يُشْتَرَى بَنَفائِسِ الأَمْوَالِ والأرْباحِ وَظَنَنْتُ جَهْلاً أنَّ حُبَّكَ هَيِّنٌ تُفْنَىَ عَلَيْه كَرَائِمُ الأرْوَاحِ حَتَّى رَأَيْتُكَ تَجتبي وَتَخُصُّ مَنْ تَخْتارُهُ بلَطَائِفِ الإِمْنَاحِ فَعَلِمْتُ أنَّكَ لا تُنالُ بِحيلَةٍ فَلَوَيْتَ رَأسِي تحت طَيِّ جَنَاحِ وَجَعَلْتُ في عُشِّ الغَرَامِ إِقَامَتِي أبدًا وفيه تَوطُني ورَوَاحِ تفسير : ثمَّ ارسلها الحق تعالى إلى فرعون
الجنابذي
تفسير : قيل فى هذا دلالة على انّه اراد بقوله واحلل عقدةً من لسانى العقدة الباطنيّة لانّ لكنة لسانه الظّاهر كانت باقيةً بدليل قوله تعالى حكاية عن فرعون: {أية : لاَ يَكَادُ يُبِينُ}تفسير : [الزخرف: 52].
اطفيش
تفسير : {قَالَ قَدْ أُوتِيتَ} أعطيت {سُؤلَكَ} أى سؤالك كالأُكْل بضم الهمزة بمعنى المأكول والخبز بمعنى المخبوز {يَا مُوسَى وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى} أنعمنا عليك فى وقت آخر.
اطفيش
تفسير : أجبت دعوتك، والسؤل بمعنى المسئول، كالأكل بضم الهمزة بمعنى المأكول، فحل عقدة لسانه على ما مر كلها أو بعضها، وشد عضده بأخيه هارون وأرسل هارون كما أرسله، ولو لم يدع موسى له بالرسالة، وقد مر أنه لا مانع من أن يدعو له بها، وروى عن ابن عباس رضى الله عنهما فى قوله: "أية : وأشركه فى أمرى" تفسير : [طه: 32] أنه نبىء هارون حين قال هذا، كما نبىء موسى عليه السلام، وفى ندائه "يا موسى" تشريف بالخطاب بعد تشريف.
الالوسي
تفسير : أي قد أعطيت سؤلك ففعل بمعنى مفعول كالخبز والأكل بمعنى المخبوز والمأكول، والإيتاء عبارة عن تعلق إرادته تعالى بوقوع تلك المطالب وحصولها له عليه السلام البتة وتقديره تعالى إياها حتماً فكلها حاصلة له عليه السلام وإن كان وقوع بعضها بالفعل مرتباً بعد كتيسير الأمر وشد الأزر وباعتباره قيل: {أية : سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ } تفسير : [القصص: 35] وظاهر بعض الآثار يقتضي أن شركة هٰرون عليه السلام في النبوة أي استنبائه كموسى عليه السلام وقعت في ذلك المقام وإن لم يكن عليه السلام فيه مع أخيه، فقد أخرج ابن أبـي حاتم عن ابن عباس أنه قال في قوله: {أية : وَأَشْرِكْهُ فِيۤ أَمْرِي } تفسير : [طه: 32] نبـىء هٰرون ساعتئذ حين نبىء موسى عليهما السلام، ونداؤه عليه السلام تشريف له بالخطاب إثر تشريف.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 36- نادى الله رسوله موسى قائلا: قد أعطيتك ما سألت، وهذه منة عليك. 37- ولقد سبق أن تفضلنا عليك بمنة أخرى دون سؤال منك. 38- حين ألهمنا أمك إلهاماً كريماً كانت فيه حياتك. 39- ألْهمناها أن تضعك - طفلا رضيعاً - فى الصندوق، وأن تلقى به فى النيل، لننجيك من قتل فرعون، إذ كان يقتل من يولد فى بنى إسرائيل من الذكور، وسخرنا الماء لِيُلْقى الصندوق بالشاطئ، وشاءت إرادتنا أن يأخذ الصندوق فرعون عدوى وعدوك، وأحببتك حب رحمة وولاية، ليحبك كل من يراك، ولتربى تربية كريمة ملحوظاً برعايتى. 40- واعلم يا موسى سابق عنايتنا بك حين مشت أختك ترقب أمرك، فلما صرت فى قصر فرعون، ورأتهم يبحثون لك عن مُرْضِع دلَّتهم على أمك، فرددناك إليها لتفرح بحياتك وعودتك، ولتكف عن الحزن والبكاء، ولما كبرت وقتلت خطأ رجلا من قوم فرعون نجيناك من الغم الذى لحق بك، وخلَّصناك من شرهم، فذهبت إلى مدين ومكثت فيها سنين عدة، ثم عدت من مدين فى الموعد الذى قدرناه لإرسالك. 41- واصطفيتك لوحيى وحمل رسالتى. 42- اذهب مع أخيك مُؤَيَّدين بمعجزاتى الدالة على النبوة والرسالة، ولا تضْعُفا فى تبليغ رسالتى، ولا تغفلا عن ذكرى والاستعانة بى.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: قد أوتيت سؤلك: أي مسؤولك من انشراح صدرك وتيسير أمرك وانحلال عقدة لسانك، وتنبئة أخيك. ولقد مننا عليك مرة أخرى: أي أنعمنا عليك مرة أخرى قبل هذه. ما يوحى: أي في شأنك وهو قوله: أن اقذفيه الخ. في التابوت: أي الصندوق. فاقذفيه في اليم: أي في نهر النيل. ولتصنع على عيني: تربى بمرأى مني ومحبة وإرادة. على من يكفله: ليكمل له رضاعه. وقتلت نفساً : هو القبطي الذي قتلته بمصر وهو بيت فرعون. فنجيناك من الغم: إذا استغفرتنا فغفرنا لك وأئتمروا بك ليقتلوك فنجيناك منهم. وفتناك فتونا: أي اختبرناك اختبارا وابتليناك ابتلاء عظيما. جئت على قدر: أي جئت للوقت الذي أردنا إرسالك إلى فرعون. واصطنعتك لنفسي: أي أنعمت عليك بتلك النعم اجتباءً منا لك لتحمل رسالتنا. معنى الآيات: ما زال السياق في حديث موسى مع ربه تعالى فقد تقدم أن موسى عليه السلام سأل ربه أموراً لتكون عوناً له على حمل رسالته فأجابه تعالى بقوله: في هذه الآية [36] {قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يٰمُوسَىٰ} أي قد أعطيت ما طلبت، {وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَىٰ} أي قبل هذه الطلبات وهي أنه لما أمر فرعون بذبح أبناء بني إسرائيل {إِذْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّكَ مَا يُوحَىٰ أَنِ ٱقْذِفِيهِ فِي ٱلتَّابُوتِ} أي في الصندوق {فَٱقْذِفِيهِ فِي ٱلْيَمِّ} أي نهر النيل {فَلْيُلْقِهِ ٱلْيَمُّ بِٱلسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ} فهذه النجاة نعمة، ونعمة أخرى تضمنها قوله تعالى: {وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي} أي أضفيت عليك محبتي فأصبح من يراك يحبك، ونعمة أخرى وهي: من أجل أن تُربَّى وتغذى على مرأى مني وإرادة لي أرجعتك بتدبيري إلى أمك لترضعك وتقر عينها ولا تحزن على فراقك، وهو ما تضمنه قوله تعالى: {إِذْ تَمْشِيۤ أُخْتُكَ} فتقول: {هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ مَن يَكْفُلُهُ} لكم أي لارضاعه وتربيته. {فَرَجَعْنَاكَ إِلَىٰ أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلاَ تَحْزَنَ}، ونعمة أخرى وهي أعظم إنجاؤنا لك من الغم الكبير بعد قتلك النفس وائتمار آل فرعون على قتلك {فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ ٱلْغَمِّ} من القتل وغفرنا لك خطيئة القتل. وقوله تعالى: {وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً} أي ابتليناك ابتلاءً عظيما وها هي ذي خلاصته في الأرقام التالية: 1- حمل أمك بك في السنة التي يقتل فيها أطفال بني إسرائيل. 2- إلقاء أُمك بك في اليم. 3- تحريم المراضع عليك حتى رجعت إلى أمك. 4- أخذك بلحية فرعون وهمه بقتلك. 5- قتلك القبطي وائتمار آل فرعون بقتلك. 6- إقامتك في مدين وما عانيت من آلام الغربة. 7- ضلالك الطريق بأهلك وما أصابك من الخوف والتعب. هذه بعض ما يدخل تحت قوله تعالى: {وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً} وقوله {فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِيۤ أَهْلِ مَدْيَنَ} ترعى غنم شعيب عشراً من السنين {ثُمَّ جِئْتَ} من مدين إلى طور سينا {عَلَىٰ قَدَرٍ} منا مقدر ووعد محدد ما كنت تعلمه حتى لاقيته. واصطنعتك لنفسي أي خلقتك وربيتك وابتليتك واتيت بك على موعد قدَّرْته لأُحمِّلك عبء الرسالة إلى فرعون وبني إسرائيل: إلى فرعون لتدعوه إلى عبادتنا وإرسال بني إسرائيل معك إلى أرض المعاد. وإلى بني إسرائيل لهدايتهم وإصلاحهم وإعدادهم للإِسعاد والإِكمال في الدارين إن هم آمنوا واستقاموا. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- مظاهر لطف الله تعالى وحسن تدبيره في خلقه. 2- مظاهر اكرام الله تعالى ولطفه بعبده ورسوله موسى عليه السلام. 3- آية حب الله تعالى لموسى، وأثر ذلك في حب الناس له. 4- تقرير نبوة محمد صلى الله عليه وسلم بإخباره في كتابه بمثل هذه الأحداث في قصص موسى عليه السلام.
القطان
تفسير : سؤلك: مطلوبك. مننا: أنعمنا. أوحينا: ألهمنا. اقذفيه في التابوت: ضعيه فيه. فاقذفيه في اليم: فألقيه في البحر. ولتُصنع على عيني: ولتتربى برعايتي. تقر عينها: تُسر به. وفتنّاك: اختبرناك. مدْين: ببلد في شمال الحجاز معروفة الى الآن. {قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يٰمُوسَىٰ}. بعد ان سأل موسى ربه فأطال السؤال، وبسط حاجته، وهو لا يزال في ذلك الموقف الكريم في ضيافة ربه - منّ عليه ربُّه وأجابه على سؤاله، قائلا: قد اعطيتُك ما سألتَ يا موسى. ولقد سبق ان تفضّلنا عليك بمنةٍ أخرى من قبل، وذلك حين ألهمنا أُمَّك إلهاماً كريما كانت فيه حياتك، ألهمناها ان تضعَك في التابوت، (وهو صندوق صغير) ثم تلقي به في النِّيل، حتى تنجو أنتَ من فرعون، لأنه يقتل كُلَّ ذكر يولد في بني اسرائيل. وشاءت إرادتُنا أن يلقي النيل ذلك التابوت في بستانٍ لفرعون، عدوّي وعدّوك. وبينما فرعون جالس في ذلك البستان مع زوجته إذا بالتابوت يجري به الماء، فأمر فرعونُ غلمانه بإخراجه. وفتحوه، فإذا فيه صبي لطيف. فأحبّه فرعون، وأمر ان يكون تحت رعايته. {وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِيۤ}. وجعلتُ كل من رآك يُحبّك، ومن ثم أحبَّك فرعونُ وزوجته حتى قالت: {أية : قُرَّةُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ لاَ تَقْتُلُوهُ عَسَىٰ أَن يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً}تفسير : [القصص:9]. وحتى تتربَّى برعايتي وكما أُحبّ. ورحمةً بأُمك، هيَّأتُ الظروف حتى جمعتُك بها، وكانت أُختك تمشي متتبّعةً التابوت حتى علمتْ أينَ ذهب. فجاءت متنكّرة الى قصر فرعون حيث وجدتْهم يطلبون لك مرضعا، فقالت: هل أدلُّكم على من يرضعه ويحفظه ويربيه؟ قالوا: نعم، فجاءت بأُمك، ورجعتَ إليها حتى تفرحَ وتُسَرَّ وتقر عينُها بك، ويزول عنها الحزن والقلق عليك. وكنتَ قد قتلتَ نفساً من أهل مصر فنجّيناك مما لحقَكَ من الخوْفِ والغم، كما جاء في سورة القصص 15: {أية : فَٱسْتَغَاثَهُ ٱلَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى ٱلَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَىٰ فَقَضَىٰ عَلَيْهِ}تفسير : وهذا كما يأتي في سورة القصص: حين كبر وشبّ في قصر فرعون، ونزل المدينةَ يوماً فوجد فيها رجلَين يقتتلان: أحدُهما من شيعته والآخر من شيعة فرعون، فاستغاثة الّذي هو من شِيعته، فوكز موسى المصريَّ بيده فسقط ميتاً. ولم يكن موسى ينوي قتله، فاغتمّ لذلك فهربَ الى مَدْيَن، وهذا معنى قوله تعالى: {وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً}. اختبرناك اختباراً شديداً بالغُربة ومفارقة الأهل والوطن. وامتُحن بالخدمة ورعي الغنم، وهو ربيبُ القصور عند الملوك، وجازَ الامتحانَ ونجحَ في كل عمل عمله. {فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِيۤ أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَىٰ قَدَرٍ يٰمُوسَىٰ وَٱصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي}. ونجّيناك من الهمّ الذي لحق بك فذهبتَ الى مدين. وهناك لقيتَ شُعَيْبا وتزوّجت ابنته على شرط ان ترعى له الغنم مدة، وأمضيتَها على أحسنِ حال، ثم عدتَ من مدين في الموعد الذي قدرناه لإرسالك، وقد اصفيتك لنفسي وحملِ رسالتي. وفي هذا تشريف كبير لموسى عليه السلام.
د. أسعد حومد
تفسير : {يٰمُوسَىٰ} (36) - فَأَجَابَ الرَّبُ قَائِلاً: إِنَّ دَعْوَتَهُ قَدِ اسْتُجِيبَتْ جَمِيعَها فِيمَا سَأَلَهُ مِنْ شَرْحِ صَدْرِهِ، وَتَيْسِيرِ أَمْرِهِ، وَشَدِّ أَزْرِهِ بِأَخِيهِ هَارُونَ وَجَعْلِهِ وَزيراً وَنَبِيّاً. أُوتِيتَ سُؤلَكَ - أُعْطِيتَ مَا سَأَلْتَ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : سُؤْل: أي: الشيء المسئول مثل (خُبز) أي: مخبوز، فالمراد: أعطيناك ما سألتَ، بل وأعطيناك قبل أن تسأل، بل وقبل أن تعرف كيف تسأل: {وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً ...}.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر عن إيتاء سؤاله وإعطاء مأموله بقوله تعالى: {قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ} [طه: 36] إلى قوله: {أَوْ يَخْشَىٰ} [طه: 44] {قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يٰمُوسَىٰ} [طه: 36] يشير إلى أن سؤالك أعطيت قبل سؤالك بالتقدير الأزلي وسابقة العناية لا بالتدبير العملي ولاحقة الكفاية {وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَىٰ} [طه: 37] في الأزل {إِذْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّكَ مَا يُوحَىٰ} [طه: 38] أي: إذ جعلناها قابلة مستعدة للوحي بتبعيتك إذ كان التقدير على أنها تكن صدق در وجودك ووصالك. {أَنِ ٱقْذِفِيهِ فِي ٱلتَّابُوتِ فَٱقْذِفِيهِ فِي ٱلْيَمِّ} [طه: 36] به يشير إلى أن من خصوصية انشراح الصدر بنور الوحي: أن يقذف في قلبه قذف الولد في تابوت التوكل، وقذفه في بحر التسليم ويفوض أمره إلى الله {فَلْيُلْقِهِ ٱلْيَمُّ بِٱلسَّاحِلِ} [طه: 39] ساحل إرادة الله ومشيئته على وفق قضائه وقدره {يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ} [طه: 39] أي: دعه حتى يأخذه العدو فإني قادر على تربية الولي في بحر القدر، وتقيه من شره بإلقاء محبة منه عليه كما قال: {وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي} [طه: 39] أي: محبته ومحبتي ليحلك لمحبتي من أحبني بالتحقيق، ويحبك عدوي وعدوك بالتقليد، كما أن آسية أحبته بحب الله على التحقيق وفرعون أحبه لمَّا ألقى الله عليه محبته بالتقليد، ولمَّا كانت محبة فرعون فسدت وبطلت بادئ حركة رآها من موسى عليه السلام، ولمَّا كانت محبة آسية بالتحقيق بقيت عليها، ولم تتغير، وهكذا يكون إرادة أعل التقليد تفسد بأدنى حركة، ولا تكون على وفق طبع المريد المقلد، ولا تفسد إرادة المريد المحقق بأكبر حركة يخالف طبعه وهواه وهو مستسلم في جميع الأحوال. وبقوله: {وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِيۤ} [طه: 39] يشير إلى أن من أدركته العناية الأزلية يكون في جميع حالاته منظور بنظر العناية لا يجري عليه أمر من أمور الدنيا والآخرة ألا يكون فيه صلاح وتربية إلى أن يبلغ درجة ومقاماً قد قدر له قوله: {إِذْ تَمْشِيۤ أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ مَن يَكْفُلُهُ} [طه: 40] ورده إلى أمه من تأثير العناية {فَرَجَعْنَاكَ إِلَىٰ أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها} [طه: 40] بتوكلها على الله في شأن الولد وتسليمه إلى الله {وَلاَ تَحْزَنَ} [طه: 40] على ترك رعاية مصلحته إذا ألقته في اليم وهو معرَّض للهلاك والتلف، وبالتوكل {وَقَتَلْتَ نَفْساً} [طه: 40] وإذ قتلت القبطي بغير أمرنا، وكنت في غم وجوب القصاص عليك وغم مؤاخذتنا إياك بما فعلت. {فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ ٱلْغَمِّ} [طه: 40] بأن خلصناك من القصاص وعفونا عنك {وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً} [طه: 40]: * منها: فتنة صحبتك مع فرعون وتربيتك مع قومه فحفظناك عن التدين بدينهم. * ومنها: فتنة قتل نفس بغير الحق وتدارك من فرعون بسبب قتل القبطي فنجوت منها. * ومنها: ابتليناك بابنتي شعيب واحتياجهما إليك في سقي غنمهما، فلولا حفظنا لملتَ إليهما ميل البشر بالنساء. * ومنها: ابتليناك بخدمة شعيب وصحبته واستئجاره فوقفناك بالخروج عن عهدة حقوقه {فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِيۤ أَهْلِ مَدْيَنَ} [طه: 40] لتستحق بتربية شعيب النبوة والرسالة {ثُمَّ جِئْتَ عَلَىٰ قَدَرٍ يٰمُوسَىٰ} [طه: 40] أي: على قدر قدرنا لك لاستحقاق النبوة والرسالة بحسن التربية حتى بلغت مرتبة قولنا: {وَٱصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي} [طه: 41] أي: جعلتك مرآة قابلاً لظهور صفات جمالي وجلالي {ٱذْهَبْ أَنتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي} [طه: 42] بتقوية ظهور تجلي صفاتي. {وَلاَ تَنِيَا} [طه: 42] أي: ولا تهنا في مداومة {فِي ذِكْرِي} [طه: 42] وملازمته قائماً بسلطان الذكر تغلبان على فرعون الظاهر والباطن. {ٱذْهَبَآ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ * فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً} [طه: 43-44] أي: ارفقا به ولا تعفنا ويسرا ولا تعسرا، فإنه ما دخل الرفق في شيء إلا وقد زانه (لا يتذكر ولا يخشى)، فأقول: إن فائدة هذا الكلام والقول اللين عائدة إلى موسى عليه السلام لوجهين: * أحدهما: أنه كان في موسى حدة وصلابة وخشونة بحيث إذا غضب اشتعلت قلنسوته ناراً فعالج حدته وخشونته؛ ليكون حليماً. * والوجه الثاني: أن فرعون كان تجبر وتكبر وتبور وهو ذو شوكة وسلطة عظيمة، فلو كان في قول موسى خشونة لم يحتمل طبع فرعون وهاج غضبه فعله يقصد موسى بضرب أو قتل {فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ} [طه: 44]، ولم يصيبكما أذى، والله أعلم.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):