Verse. 2385 (AR)

٢٠ - طه

20 - Ta-Ha (AR)

وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّۃً اُخْرٰۗى۝۳۷ۙ
Walaqad mananna AAalayka marratan okhra

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ولقد مننا عليك مرة أخرى».

37

Tafseer

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَىٰ }.

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات: {ولتصنع} بسكون اللام والعين على الأمر: يزيد الآخرون بكسر اللام ونصب العين {لنفسي اذهب} {في ذكري اذهبا} تفتح ياء المتكلم: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو {خلقه} فتح اللام على أنه فعل: نصير الباقون بالسكون. {مهداً} وكذلك في "الزخرف": عاصم وحمزة وعليّ وخلف وروح. الآخرون {مهاداً} {سوى} بكسر السين: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو وعليّ الآخرون بالضم {لا نخلفه} بالجزم جواباً للأمر: يزيد {يوم الزينة} على الظرف: هبيرة: {وقد خاب} حيث كان بالإمالة: حمزة {فيسحتكم} من الإسحات: حمزة وعليّ وخلف ورويس وحفص. الباقون بفتح الياء والحاء {إن} مخففة: ابن كثير وحفص والمفضل. الباقون مشددة. {هذين} أبو عمرو و {هذان} بالتشديد: ابن كثير. الباقون بالتخفيف {فاجمعوا} بهمزة الوصل وفتح الميم أمراً من الجمع: أبو عمرو. والآخرون على لفظ الأمر من الإجماع: {وقد أفلح} بنقل الحركة إلى الدال حيث كان: ورش وعباس وحمزة في الوقف {تخيل} بالتاء الفوقانية: ابن ذكوان وروح والمعدل عن زيد الباقون وابن مجاهد عن ابن ذكوان بالتحتانية: {تلقف} بالتشديد والرفع على الاستئناف: ابن ذكوان: {تلقف} بالتخفيف والجزم: حفص والفضل. وقرأ البزي وابن فليح مشددة التاء {كيد سحر} على المصدر: حمزة وعلي وخلف. الباقون {كيد ساحر} على الوصف. {قال آمنتم} بالمد: أبو عمرو وسهل ويعقوب وابن عامر وأبو جعفر ونافع وابن كثير عن ابن مجاهد وأبي عون عن قنبل {قال أمنتم} على الخبر بغير مد: حفص وابن مجاهد وأبو عون عن قنبل. الباقون {أآمنتم} بزيادة همزة الاستفهام {ومن يأته} مختلسة الهاء: يزيد وقالون ويعقوب غير زيد، وأبو عمرو عن طريق الهاشمي عن اليزيدي {ومن يأته} بسكون الهاء: خلا دور جاء والعجلي وشجاع واليزيدي غير أبي شعيب ويحيى وحماد. الباقون {يأته} بالإشباع. الوقوف: {أخرى} ه لا لأن "إذ" تفسير المرة {ما يوحى} ه لا لأن ما بعده تفسير {ما يوحى} {وعدوّ له} ط {مني} ج لأن الواو وقد تكون مقحمة وتعلق اللام بـ {ألقيت} وقد تكون عاطفة على محذوف أي لتحب ولتصنع، ومن جزم اللام وقف على {مني} لا محالة {على عيني} م لئلا يوهم أن "إذ" ظرف {لتصنع} {من يكفله} ط لانقطاع النظم وانتهاء الاستفهام على أن فاء التعقيب مع اتحاد القصة يجيز الوصل. {ولا تحزن} ط لابتداء منة أخرى {فتوناً} ه ط {يا موسى} ه {لنفسي} ه لاتساق الكلام مع حق الفاء مضمرة {ذكري} ه ج لمثل ما قلنا والمضمر واو {طغى} ه للآية مع الفاء {يخشى} ه {يطغى} ه {وأرى} ه {ولا تعذبهم} ط لأن "قد" لتوكيد الابتداء وقد انقطع النظم على أن اتحاد المقول يجيز الوصل {من ربك} ط لذلك فإن الواو للابتداء {في كتاب} ج لاحتمال ما بعده الصفة والاستئناف {ولا ينسى} ه بناء على أن "الذي" صفة الرب والأحسن تقدير هو الذي أو أعني الذي {ماء} ط للالتفات {شتى} ه {أنعامكم} ط {النهى} ه {أخرى} ه {وأبى} ه {يا موسى} ه {سوى} ه {ضحى} ه {أتى} ه {بعذاب} ج لاختلاف الجملتين {افترى} ه {النجوى} ه {المثلى} ه {صفاً} ه {استعلى} ه {ألقى} ه {ألقوا} ج لأن التقدير فألقوا ما ألقوه فإذا حبالهم مع فاء التعقيب وإذا المفاجأة المنافيين للوقف {تسعى} ه {موسى} ه {الأعلى} ه {ما صنعوا} ط {كيد ساحر} ط {أتى} ه {وموسى} ه {لكم} ط {السحر} ق للقسم المحذوف ولانقطاع النظم مع فاء التعقيب وإتمام مقصود الكلام {النخل} ج لابتداء معنى القسم ولفظ استفهام يعقبه مع اتفاق الجملة واتحاد الكلام. {وأبقى} ه {قاض} ط {الحياة الدنيا} ط {من السحر} ط {وأبقى} ه {جهنم} ط {ولا يحيى} ه {العلى} ه لا لأن ما بعده بدل {فيها} ط {تزكى} ه. التفسير: منّ عليه مناً أنعم، ومنّ عليه منة أي امتن عليه كأن الله سبحانه قال لموسى: إني راعيت صلاحك قبل سؤالك فكيف لا أعطيك مرادك بعد السؤال، أو كنت ربيتك من غير سابقة حق فلو منعتك الحال مطلوبك لكان ذلك رداً بعد القبول وحرماناً بعد الأحسان وذلك ينافي الكرم الذاتي. قالوا: المنة تهدم الصنيعة فهي نوع من الأذى. فقوله {ولقد مننا عليك} يكون من المن لا من المنة، قلت: يحتمل أن لا تكون المنة من المنعم المطلق أذية وإنما تكون تنبهاً علىالنعم وإيقاظاً من سنة الغفلة حتى يتلقى المكاف النعمة بالشكر والطاعة. وإنما قال {مرة أخرى} لأن الجملة قصة واحدة وإن كانت مشتملة على منن كثيرة، والوحى إلى أم موسى إما أن يكون على لسان نبي في عصرها كشعيب مثلاً، أو عن لسان ملك لا على طريق النبوّة كالوحي إلى مريم في قوله {أية : وإذ قالت الملائكة يا مريم} تفسير : [آل عمران: 42] أو أراها في المنام أنه وضع ولدها في التابوت وقذف في البحر ثم رده الله إليها، أو ألهمها بذلك، أو لعل الأنياء المتقدمين كإبراهيم وإسحق ويعقوب أخبروا بذلك وانتهى خبرهم إليها. ومعنى {ما يوحى} ما يجب أن يوحى لما فيه من المصلحة الدينية ولأنه أمر عظيم ولأنه مما لا يعلم إلا بطريق الوحي. "وأن" هي المفسرة لأن الإيحاء في معنى القول، والقذف يستعمل بمعنى الوضع أي ضعيه في التابوت وقد مر معناه في "البقرة" في قصة طالوت. قال جار الله: الضميران الباقيان في قوله {فاقذفيه في اليم فليلقه} عائدان إلى موسى أيضاً لئلا يؤدي إلى تنافر النظم، فإن المقذوف والملقى إذا كان موسى وهو في جوف التابوت لزم أن يكون التابوت أيضاً مقذوفاً وملقى ويؤيده أن الضمير في قوله {عدوّ له} لموسى بالضرورة لأن عداوة التابوت غير معقولة. وإذا كان الضمير الأول والضمير الأخير لموسى فالأنسب بإعجاز القرآن أن يكون الضمير المتوسط أيضاً له، لأن المعنى صحيح واللفظ متناسب فلا حاجة إلى العدول اعتماداً على القرينة. واليم هو البحر، والمراد ههنا نيل مصر والساحل شاطىء البحر. وأصل السحل القشر ولهذا قال ابن دريد: هو مقلوب لأن الماء سحله فهو مسحول. قال أهل الإشارة: من خصوصة انشراح الصدر بنور الوحي أن يقذف في قلبه قذف الولد الذي هو أعز الأشياء في تابوت التوكل وبحر التسليم حتى يلقيه اليم بساحل إرادة الله ومشيئته. يروى أنها جعلت في التابوت قطناً محلوجاً فوضعته فيه وجصصته وقيرته ثم ألقته في اليم، وكان يشرع منه إلى بستان فرعون نهر كبير فبينا هو جالس على رأس بركة مع اسية إذا بالتابوت فأمر به فأخرج ففتح فإذا صبي أصبح الناس وجهاً فأحبه عدوّ الله حباً شديداً لا يتمالك أن يصبر عنه. وظاهر اللفظ يدل على أن التابوت التقط من الساحل، فلعل اليم ألقاه بموضع من الساحل فيه فوهة نهر فرعون فأداه النهر إلى البركة. أما كون فرعون عدواً لله من جهة كفره وعتوه فظاهر، وأما كونه عدوّاً لموسى وهو صغير فباعتباره المآل، أو لأنه لو ظهر له حاله لقتله فسبحان من يربي حبيبه في حجر عدوّه. قالوا: كان بحضرة فرعون حينئذٍ أربعمائة غلام وجارية، فحين أشار بأخذ التابوت ووعد من يسبق إلى ذلك الإعتاق تسابقوا جميعاً ولم يظفر بأخذه إلا واحد منهم فأعتق الكل. والنكتة فيه أن عدو‍ّ الله لم يجوز من كرمه حرمان البعض إذ عزم الكل على الأخذ، فأكرم الأكرمين كيف لا يعتبر عزائم المؤمنين على الطاعة والخير؟ فالمرجو منه إعتاق الكل من النار وإن وقع لبعضهم تقصير في العمل. قوله {مني} إما أن يتعلق بـ{ألقيت} أو يكون صفة للمحبة أي محبة حاصلة مني وعلى الوجهين فالمحبة إما محبة الله ومن أحبه الله أحبته القلوب، وإما محبة الناس التي زرعها الله في قلوبهم، فقد يروى أنه كانت على وجهه مسحة جمال وفي عينيه ملاحة لا يكاد يصبرعنه من رآه. قال القاضي. هذا الوجه أقرب لأنه في الصغر لا يوصف بمحبة الله التي يرجع معناها إلى إيصال الثواب. ورد بأن محبة الله عبارة عن إرادة الخير والنفع وهو أعم من أن يكون جزاء على العمل أو لا يكون ولهذا بين المحبة بقوله {ولتصنع على عيني} أي لتربى ويحسن إليك وأنا مراعيك ومراقبك كما يراعى الشيء بالعينين إذا عني بحفظه، ولما كان العالم بالشيء حارساً له عن الآفات كما أن الناظر إليه يحرسه أطلق لفظ العين على العلم لاشتباههما من هذا الوجه. وأيضاً العين سبب الحراسة فأطلق السبب وأريد المسبب، ويقال: عين الله عليك إذا دعي له بالحفظ والحياطة، فالجار والمجرور في موضع الحال من ضميرالمبني للمفعول في {لتصنع} وجوز في الكشاف أن يكون {إذ تمشي} ظرفاً {لتصنع} وليس بذلك وإنما هو ظرف بـ {ألقيت} أو بدل من {إذ أوحينا} على الوقتين من زمان واحد واسع يقول الرجل: لقيت فلاناً سنة كذا، ثم تقول وأنا لقيته إذ ذاك وربما لقيه هو في أولها وأنت في آخرها. يروى أنه لما فشا الخبر أن آل فرعون أخذو غلاماً في اليم وأنه لا يرتضع من ثدي امرأة كما قال سبحانه {أية : وحرمنا عليه المراضع} تفسير : [القصص: 12] جاءت أخت موسى عليه السلام واسمها مريم متنكرة فقالت {هل أدلكم على من يكفله} فجاءت بالأم فقبل ثديها وذلك قوله {فرجعناك إلى أمك} وقال في القصص {أية : فرددناه إلى أمه} تفسير : [القصص: 13] تصديقاً لقوله {أية : إنا رادوه إليك} تفسير : [القصص: 7] {كي تقر عينها} بلقائك {ولا تحزن} بسبب وصول لبن غيرها إلى معدتك {وقتلت} وأنت ابن اثنتي عشرة سنة {نفساً} هو القبطي الذي يجيء ذكره في القصص {فنجيناك من الغم} وهو اقتصاص فرعون منك. وقيل: الغم هو القتل بلغة قريش، أو أراد بالغم خوف عقاب الله وذلك قوله {أية : فاغفر لي فغفر له} تفسير : [القصص: 16] {وفتناك فتوناً} مصدر على "فعول" في المتعدي كالشكور والكفور، أو جمع فتن كالظنون للظن، أو جمع فتنة على ترك الاعتداد بتاء التأنيث كبدور في بدرة، وحجوز في حجزة، والقتنة المحنة والابتلاء بخير أو شر قال تعالى {أية : ونبلوكم بالشر والخير فتنة} تفسير : [الأنبياء: 35] وفيها معنى التخليص من قولهم "فتنت الذهب" إذا أردت تخليصه. عن سعيد بن جبير أنه سأل ابن عباس عن الفتون فقال: أي خلصناك من محنة بعد محنة. ولد في عام كان يقتل فيه الولدان، وألقته أمه في البحر، وهمّ فرعون بقتله، وقتل قبطياً، وأجر نفسه عشر سنين، وضل الطريق، وتفرقت غنمه في ليلة مظلمة، وكان يقول عند كل واحدة فهذه فتنة يا ابن جبير. قال العلماء: لا يجوز إطلاق اسم الفتان على الله تعالى وإن جاء {وفتناك} لأنه صفة ذم في العرف وستجيء قصة لبثة في أهل مدين وأنه على ثمان مراحل من مصر في سورة القصص إن شاء العزيز. قوله {على قدر} أي في وقت سبق في قضائي وقدري أن أكلمك وأستنبئك فيه، أو على مقدار من الزمان يوحى فيه إلى الأنبياء وهو رأس أربعين سنة، أو على موعد قد عرفته بأخبار شعيب أو غيره. والصنع بالضم مصدر صنع إليه معروفاً قبيحاً أي فعل، والاصطناع "افتعال" منه واستعماله في الخير أكثر، واصطنع فلان فلاناً إذا اتخذه صنيعة، واصطنعت فلاناً لنفسي إذا اصطنعته وخرجته ومعناه أحسنت إليه حتى إنه يضاف إليّ. وقوله {لنفسي} أي لأصرفن جوامع همتك في أوامري حتى لا تشتغل بغير ما أمرتك به من تبليغ الرسالة وإقامة الحجة. وقال جار الله: مثل حاله بحال من يراه بعض الملوك أهلاً للتقريب والتكريم لخصائص فيه فيصطنعه بالكرامة ويستخلصه لنفسه فلا يبصر إلا بعينه ولا يسمع إلا بأذنه ولا يأتمن على مكنون سره سواه. وقال غيره من المعتزلة: إنه سبحانه إذا كلف عباده وجب عليه أن يلطف بهم، ومن حمله الألطاف ما لا يعلم إلا سمعاً، فلو لم يصطنعه للرسالة لبقي في عهدة الواجب فهذا أمر فعله الله لأجل نفسه حتى يخرج عن عهدة ما يجب عليه. ولما عد عليه المنن السابقة بإزاء الأدعية المذكورة رتب على ذكر ذلك أمراً ونهياً. أما الأمر فقوله {اذهب أنت وأخوك} وفيه بيان ما لأجله اصطنعه وهو الإبلاغ وأداء الرسالة. {بآياتي} أي مع آياتي لأنهما لو ذهبا بدونها لم يلزمه الإيمان وهذا من أقوى الدلائل على فساد التقليد. وما هذه الآيات غير العصا واليد لأنه لم يجر إلا ذكرهما فأطلق الجمع على الاثنين، أو لأن كلاً منهما مشتملة على آيات أخر، أو لأنه يستدل بكل منهما على وجود إله قادر على الكل عالم بالكل وعلى نبوة موسى وعلى جواز الحشر حيث انقلب الجماد حيواناً والمظلم مستنيراً ومثله قوله {أية : فيه آيات بينات مقام إبراهيم} تفسير : [آل عمران: 97] وقيل: هما مع حل العقدة. وقيل: أراد اذهبا إني أمدكما بآياتي وأظهرها على أيديكما متى وقع الاحتياج إليها. وأما النهي فقوله {ولا تنيا} بكسر النون مثل تعدا وقرىء {تنيا} بكسر حرف المضارعة أيضاً للإتباع. والونى بفتحتين الضعف والفتور والكلال والإعياء، والمعنى لا تنسياني بل اتخذا ذكري وسيلة في تحصيل المقاصد واعتقدا أن أمراً من الأمور لا يتمشى لأحد إلا بذكري فإن المداومة على ذكر الله توجب عدم الخوف من غيره. وأن يستحقر في نظره ما سواه لقوة نفسه واستنارة باطنه. وقيل: أراد بالذكر تبليغ الرسالة فإن الذكر يقع على كل العبادات فضلاً عن أعظمها فائدة وأتمها عائدة. وقيل اذكرني عند فرعون وقومه بأني لا أرضى بالكفر وأعاقب عليه وأثيب على الإيمان وأرتضيه، وبالجملة كل ما يتعلق بالترهيب والترغيب. ما الفائدة في تكرير قوله {اذهبا إلى فرعون}؟ والجواب بعد التقرير والتأكيد أمرهما أن يشتغلا بأداء الرسالة معاً لا أن ينفرد به موسى، أو الأول أمر بالذهاب إلى كل بني إسرائيل والقبط، والثاني مخصوص بفرعون الطاغي. ثم إنه خوطب كلاهما وموسى حاضر فقط لأنه أصل، أو هو كقوله {أية : وإذ قتلتم نفساً} تفسير : [البقرة: 72] والقاتل واحد منهم. ويحتمل أن هارون قد حضر وقتئذ فقد روى أن الله عز وجلّ أوحى إلى هارون وهو بمصر أن يتلقى موسى. وقيل: ألهم بذلك. وقيل: سمع بخبره فتلقاه. سؤال: لم أمرا بتليين القول للعدوّ المعاند؟ جوابه لأن من عادة الجبابرة إذا أغلظ لهم في الكلام أن يزدادوا عتواً وعلواً. وقيل: لما له من حق تربية موسى شبه حق الأبوة. وكيف ذلك القول اللين؟ الأصح انه نحو قوله تعالى {أية : هل لك إلى أن تزكى وأهديك إلى ربك فتخشى} تفسير : [النازعات: 18 - 19] لأن ظاهره الاستفهام والمشورة وعرض ما فيه صلاح الدارين. وقيل: أراد عداه شباباً لا يهرم بعده، وملكاً لا ينزع منه إلا بالموت، وأن يبقى له لذة المطعم والمشرب والمنكح إلى حين موته. حكى عمرو بن دينار قال: بلغني أن فرعون عمر أربعمائة وتسعاً وستين سنة. فقال له موسى: إن أطعتني فلك مثل ما عمرت فإذا مت فلك الجنة. وقيل: أراد كنياه وهو من ذوي الكنى الثلاث: أبو العباس وأبو الوليد وأبو مرة. ويحتمل أن يكون أمر بالقول اللين لأنه كان في موسى حدة وخشونة. بحيث إذا غضب اشتعلت قلنسوته ناراً فعالج حدته باللين ليكون حليماً في أداء الرسالة. ومعني الترجي في {لعله} يعود إلى موسى وأخيه أي اذهبا على رجائكما وباشرا الأمر مباشرة من يرجو أن يثمر سعيه فعساه يتذكر بأن يرجع من الإنكار إلى الحق رجوعاً كلياً إذا تأمل فأنصف {أو يخشى} فيقل: إنكاره وإصراره. قالت المعتزلة: جدوى إرسالهما إليه مع العلم بأنه لن يؤمن قطع المعذّرة وإلزامه الحجة. وقالت الأشاعرة: العقول قاصرة عن معرفة سر القدر ولا سبيل إلا التسليم وترك الاعتراض والسكوت بالقلب واللسان. قالوا: إنه كمن يدفع سكيناً إلى من علم قطعاً أنه يمزق بطن نفسه ثم يقول: إني ما أردت بدفع السكين إليه إلا الإحسان. ويروى عن كعب أنه قال: والذي يحلف به كعب إنه مكتوب في التوراة {فقولا له قولاً ليناً} وسأقسي قلبه فلا يؤمن" {قالا ربنا} فيه دليل على أن هارون أيضاً كان حاضراً وقتئذ كما روينا. وسئل أن انشرح صدره وتيسر أمره فكيف قالا {إننا نخاف} فإن حصول الخوف ينافي شرح الصدر؟ وأجيب بأن المراد من شرح الصدر ضبط الأوامر والنواهي وحفظ الشرائع والأحكام بحيث بحيث لا يتطرق إليها خلل وتحريف، وهذا شيء آخر مغاير لزوال الخوف. قلت: لعلهما خافا أن لا يتمكنا من أداء الرسالة بدليل قوله {أن يفرط علينا} أي يسبق رسالتنا ويبادرنا بالعقوبة {وأن يطغى} أي يجاوز الحد بأن يقول فيك ما لا ينبغي أو يجاوز حد الاعتدال في معاقبتنا إن لم يعاجل بنا فلا نتمكن من إقامة وظائف الأداء. وأيضاً الدليل النقلي السمعي إذا انضاف إلى الدليل العقلي زاده إيقاناً وطمأنينة ولهذا {قال لا تخافا إنني معكما} أي بالنصرة والتأييد {أسمع وأرى} ما يجري بينكما وبينه من قول وفعل فأفعل بكما ما يوجب عنايتي وحراستي، فلا يذهب وهمكما إلى أن مواد كرامتي انقطعت عنكما إذا فارقتما مقام المكالمة فصار هذا الوهم سبب خوفكما. ويجوز أن يكون الفعلان متروكي المفعول كأنه قيل: أنا سامع مبصر وإذا كان الحافظ والناصر كذلك تم الحفظ وكملت النصرة. قال بعض الأصوليين: في الآية دلالة على أن الأمر لا يقتضي الفور وإلا كان تعللهما بالخوف معصية وإنها غير جائزة على الرسل في الأصح. وقال بعض المتكلمين: فيها دليل على أن السمع والبصر صفتان زائدتان عن العلم والإلزام التكرار فإن معيته هي بالعلم ولقائل أن يقول: الخاص يغاير العام ولكن لا يباينه. ثم كرر الأمر قائلاً: {فأتياه فقولا} فسئل إنهما أمرا بأن يقولا له قولاً ليناً فكيف غلظاه أوّلاً بقوله {إنا رسولا ربك} ففيه إيجاب انقياده لهما وإكراهه على طاعتهما وهذا مما يعظم على الجبار. وثانياً بقوله {فأرسل معنا بني إسرائيل} وفيه إدخل النقص في ملكه لأنه كان يستخدمهم في الأعمال الشاقة. وثالثاً بقوله {ولا تعذبهم} وفيه منعه عما يريده بهم؟ وأجيب بأن هذا القدر من التغليظ ضروري في أداء الرسالة. قيل: أليس الأولى أن يقولا {إنا رسولا ربك} {قد جئناك بآية من ربك فأرسل معنا بني إسرائيل} فيكون ذكر المعجز مقروناً بادعاء الرسالة. والجواب أن قوله {فأرسل} من تتمة الدعوى، وإنما وحد قوله {بآية} ومعه آيتان بل آيات لقوله {اذهب أنت وأخوك بآياتي} لأنه أراد الجنس كأنه قيل: قد جئناك ببيان من عند الله وبرهان. قال في الكشاف: قلت: وفيه أيضاً نوع من الأدب كما لو قلت: أنا رجل قد حصلت شيئاً من العلم ولعل عندك علوماً جمة على أن تخصيص عدد بالذكر لا يدل على نفي الزائد عليه. وأيضاً الأصل في معجزات موسى كان هي العصا ولهذا وقعت في معرض المعارضة كما أن الأصل في معجزات نبينا صلى الله عليه وسلم كان هو القرآن فوقع لذلك في حيز التحدي {والسلام} أي جنس السلامة أو سلام خزنة الجنة {على من اتبع الهدى} يحتمل أن يكون هذا أيضاً مما أمر بأن يقولاه لفرعون، ويحتمل أن تكون الرسالة قد تمت عند قوله {بآية من ربك} ويكون هذا وعداً بالسلامة من عقوبات الدارين لمن آمن وصدق. قالت الأشاعرة: في قوله {أن العذاب} أي جنسه أو كل فرد منه {على من كذب وتولى} دليل على أنه لا يعاقب أحداً من المؤمنين ترك العمل به في بعض الأوقات، فوجب أن يبقى على أصله في نفي الدوام على أن العقاب المتناهي لا نسبة له إلى النعيم المقيم الذي لا نهاية له فكأنه لم يعاقب أصلاً. وأيضاً العارف بالله قد اتبع الهدى فوجب أن يكون من أهل السلامة {قال فمن ربكما يا موسى} خاطب الاثنين ووجه النداء إلى موسى لأنه الأصل في ادعاء الرسالة وهارون وزيره، ويجوز أنه خص موسى عليه السلام بالنداء لما عرف من فصاحة هارون والرتة التي كانت في لسان موسى. فأراد أن يعجز عن الجواب. قال أهل الأدب: إن فرعون كان شديد البطش جباراً ومع ذلك لم يبدأ بالسفاهة والشغب بل شرع في المناظرة وطلب الحجة، فدل على أن الشغب من غير حجة شيء ما كان يرتضيه فرعون مع كمال جهله وكفره فكيف يليق ذلك بمن يدعي الإسلام والعلم؟! وفي اشتغال موسى بإقامة الدلالة على المطلوب دليل على فساد التقليد وفساد قول القائل بأن معرفة الله تستفاد من قول الرسول، وفيه جواز حكاية كلام المبطل مقروناً بالجواب لئلا يبقى الشك. وفيه أن المحق يجب عليه استماع شبهة المبطل حتى يمكنه الاشتغال بحلها. واعلم أن العلماء اختلفوا في كفر فرعون فقيل: كان عارفاً بالله إلا أنه كان معانداً بدليل قوله {أية : لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السموات والأرض} تفسير : [الإسراء: 102] وقوله {أية : وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلوا} تفسير : [النمل: 14] وقوله في سورة القصص {أية : وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون} تفسير : [الآية: 39] وليس فيه إلا إنكار المعاد دون إنكار المبدأ. وقوله في الشعراء {أية : وما رب العالمين} تفسير : [الشعراء: 23] إلى قوله {أية : إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون} تفسير : [الشعراء: 27] يعني أنا أطلب منه الماهية وهو يشرح الوجود فدل على أنه اعترف بأصل الوجود. وأيضاً إن ملك فرعون لم يتجاوز القبط ولم يبلغ الشام لأن موسى لما هرب إلى مدين قال له شعيب {أية : لا تخف نجوت من القوم الظالمين} تفسير : [القصص: 25] فكيف يعتقد مثل هذا الشخص إنه إله العالم بل كل عاقل مكلف يعلم بالضرورة أنه وجد بعد العدم فلا يكون واجب الوجود. وأيضاً إنه سأل ههنا بمن طالبا للكيفية، وفي "الشعراء" بما طالبا للماهية فكأن موسى لما أقام الدلالة على الوجود ترك المناظرة والمنازعة معه في هذا المقام لظهوره وشرع في مقام أصعب لأن العلم بماهية الله تعالى غير حاصل للبشر. وأيضاً إنه قال في الجواب {ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه} وصلة الذي لا بد أن تكون جملة معلومة الانتساب. ومن الناس من قال: إنه كان جاهلاً بالله بعد اتفاقهم على أن العاقل لا يجوز أن يعتقد في نفسه أنه خالق السموات والأرض وما فيهما. فمنهم من قول: إنه كان دهرياً نافياً للمؤثر أصلاً. ومنهم من قال: إنه فلسفي قائل بالعلة الموجبة أو هو من عبدة الكواكب، أو من الحلولية والمجسمة. وأم إدعاء الالهية والربوبية فبمعنى أنه يجب عليهم طاعته والانقياد لحكمه. قال بعض العلماء: إنما قال {أية : فمن ربكما} تفسير : [طه: 49] ولم يقل "فمن إلهكما" تعريضاً بأنه رب موسى كما قال {أية : ألم نربك فينا وليداً} تفسير : [الشعراء: 18] قلت: يحتمل أن يكون تخصيص موسى بالنداء تنبيهاً على هذا المعنى. ولم يعلم الكافر أن الربوبية التي ادّعاها موسى لله في قوله {إنا رسولا ربك} غير هذه في الحقيقة ولا مشاركة بينهما إلا في اللفظ، وهذا كما عارض نمرود إبراهيم صلوات الرحمن عليه في قوله {أية : أنا أحيي وأميت} تفسير : [البقرة: 258] ولم يعلم أن إحياءه وإماتته ليسا من الإحياء والإماتة في شيء ثم شرع موسى في الدلالة على إثبات الصانع بأحوال المخلوقات، وفيه دلالة على أن موسى كان أصلاً في النبوة وأن هارون راعى الأدب فلم يشتغل بالجواب قبله لأن الأصل في النبوة هو موسى، ولأن فرعون خصص موسى بالنداء. من قرأ {خلقه} بسكون اللام فإما بمعنى الخليقة والضمير المجرور لله وقدم المفعول الثاني ليتصل قوله {ثم اهتدى} والخليقة أعطى الخلائق ما به قوامهم من المطعوم والمشروب والملبوس والمنكوح، ثم هداهم إلى كيفية الانتفاع بها فيستخرجون الحديد من الجبال واللآلىء من البار ويركبون الأغذية والأدوية والأسلحة والأمتعة ونظير هذا الكلام قوله {أية : الذي خلق فسوّى والذي قدر فهدى} تفسير : [الأعلى: 2 - 3] وقوله حكاية عن إبراهيم {أية : الذي خلقني فهو يهدين} تفسير : [الشعراء: 78] وإما أن يكون الخلق بمعنى الصورة والشكل أي أعطى كل شيء صورته وشكله الذي يطابق المنفعة المنوطة به فأعطى العين هيئتها التي تطابق الإبصار، والأذن ما يوافق الاستماع، والأنف للشم، واليد للبطش، بل أعطى رجل الآدمي شكلاً يوافق سعيه، ورجل الحيوانات الأخر شكلاً يطابق مشيها، بل أعطى ذوات القرون رجلاً توافق حاجتهن، وكذا الخف والحافر وذوات المخالب. وقيل: أراد وأعطى كل حيوان نظيره في الخلق والصورة فجعل الحصان والحجر زوجين، وكذا البعير والناقة والرجل والمرأة. ومن قرأ {خلقه} بفتح اللام صفة للمضاف أو المضاف إليه والمفعول الثاني متروك أي كل شيء خلقه الله لم يخله من عطائه وإنعامه. واعلم أن عجائب حكمة الله تعالى في مخلوقاته بحر لا ساحل له، وقد دوّن العلماء طرفاً منها في كتب التشريح وخواص الأحجار والنبات والحيوان، ولنذكر ههنا واحداً منها هي أن الطبيعي يقول: الثقيل هابط والخفيف صاعد، فالماء لذلك فوق الأرض والهواء فوق الماء والنار فوق الكل. ثم إنه سبحانه جعل العظم والشعر أصلب الأعضاء على طبيعة الأرض وجعل مكانهما فوق البدن. وجعل تحته الدماغ الذي هو بمنزلة الماء وجعل تحته النفس الذي هو الهواء، وجعل تحته الحرارة الغريزية في القلب كالنار ليكون دليلاً على وجود الفاعل المختار خلاف ما يقوله الدهري والطبيعي وسائر الكفار. وأيضاً اختصاص كل جسم بقوة وتركيب وهداية إما أن يكون واجباً أو جائزاً، والأول محال وإلا لم يقع فيها تغير. والثاني يستدعي مرجحاً فإن كان ذلك المرجح واجب الوجود لذاته فهو المطلوب، وإن كان جائز الوجود افتقر في اتصافه بالوجود إلى موجد، ولا بد من الانتهاء إلى موجد يجب وجوده لذاته. ثم إنه يستغني عن سمات النقص وشوائب الافتقار وليس إلا الله الواحد القهار. قال أهل النظم: إن موسى عليه السلام لما قرر عليه أمر المبدأ {قال} فرعون إن كان وجود الواجب في هذه الحد من الظهور {فما بال القرون الأولى} لم يؤمنوا وجحدوا فعارض الحجة بالتقليد والبال الحال؟ أو أنه لما هدده بالعذاب في قوله {أن العذاب على من كذب وتولى} قال فما بالهم كذبوا فما عذبوا؟ فأجاب بأن هذا ما استأثر الله بعلمه وما أنا إلا عبد مثلك لا أعلم منه إلا ما يخبرني به علام الغيوب. أو أنه سأله عن أحوال القرون الخالية وعن شقاء من شقي منهم وسعادة من سعد ليصرف موسى عن المقصود ويشغله بالحكايات خوفاً من أن يميل قلوب ملته إلى حجته الباهرة ودلائله الظاهرة، فلم يلتفت موسى إلى حديثه بل {قال علمها عند ربي} ولا يتعلق غرضي بأحوالهم. ويجوز أن يكون الكلام قد انجر ضمناً أو صريحاً إلى إحاطة الله سبحانه بكل شيء فنازعه الكافر قائلاً: ما بال سوالف القرون في تمادي كثرتهم وتباعد أطرافهم كيف أحاط بهم وبأجزائهم وجواهرهم؟ فأجاب بأن كل كائن محيط به علمه ولا يجوز عليه الخطأ والنسيان كما يجوز عليك أيها العبد الذليل والبشر الضئيل. وقوله {علمها عند ربي} مع قوله {في كتاب} لا يتنافيان، بل المراد أنه تعالى عالم بجميع المغيبات مطلع على الكليات والجزئيات من أحوال الموجودات والمعدومات، ومع ذلك فإن جميع الأحوال ثابتة في اللوح المحفوظ ثم كان لقائل أن يقول: لعلها أثبتت في اللوح لاحتمال الخطأ والنسيان فتدارك ذلك بقوله {لا يضل ربي ولا ينسى} قال مجاهد: هما واحد المراد أنه لا يذهب عنه شيء ولا يخفى عليه. والأكثرون على الفرق فقال القفال: الأول إشارة إلى كونه عالماً بالكل، والثاني إشارة إلى بقاء ذلك العلم أي لا يضل عن معرفة الأشياء، وما علم من ذلك لا ينساه ولا يتغير علمه، يقال: ضللت الشيء إذا أخطأته في مكانه فلم تهتد له. وقال مقاتل: لا يخطىء ذلك الكتاب ربي ولا ينسى ما فيه. وقال الحسن: لا يخطىء وقت البعث ولا ينساه. وقال أبو عمر: ولا يغيب عنه شيء ولا يغرب عنه شيء. وقال ابن جرير: لا يخطىء في التدبير فيعتقد غير الصواب صواباً وإذا عرفه لا ينساه والوجوه متقاربة. والتحقيق ما قاله القفال. وعن ابن عباس: لا يترك من كفر حتى ينتقم منه ولا يترك من وحده حتى يجازيه. ولما ذكر الدليل العام المتناول لجميع المخلوقات السمويات والأرضيات من الإنسان وسائر الحيوانات وأنواع النباتات والجمادات ذكر الدلائل الخاصة فقال: {الذي جعل لكم الأرض مهدا} أي كالمهد وهو ما يمهد للصبي. قال أبو عبيدة: الذي أختاره مهاد لأنه اسم لما يمهد والمهد مصدر. وقال غيره: المهد اسم والمهاد جمع. وقال المفضل: هما مصدران {وسلك} أي حصل {لكم فيها سبلاً} ووسطها بين الجبال والأودية والبراري. يقال: سلكت الشيء في الشيء سلكاً بالفتح أي أدخلته فيه {فأخرجنا به} أي بواسطة إنزال الماء. ومن المتكلمين الأقدمين من أنكر تأثير الوسائط رأساً و {أزواجاً} أي أصنافاً فأسميت بذلك لأنها مزدوجة مقترن بعضها ببعض. و{شتى} صفة للأزواج جمع شتيت كمريض ومرضى، أو صفة للنبات لا مصدر سمي به النابت كما سمي بالنبت فاستوى فيه الواحد والجمع يعني أنها مختلفة النفع والطبع والطعم واللون والرائحة والشكل. ثم ههنا إضمار والتقدير وقلنا أو قائلين {كلوا وارعوا أنعامكم} وذلك أن بعضها يصلح للناس وبعضها يصلح للبهائم، وإباحة الأكل تتضمن إباحة سائر وجوه الانتفاع كقوله: {أية : ولا تأكلوا أموالكم} تفسير : [البقرة: 188] ومن نعم الله تعالى أن أرزاق العباد إنما تتحصل بعمل الأنعام وقد جعل الله علفها مما يفضل عن حاجتهم ولا يقدرون على أكله. قال الجوهري: النهية بالضم واحدة النهى وهي العقول لأنها تنهى عن القيبح. وجوز أبو علي الفارسي أن يكون مصدراً كالهدى وخص أرباب العقول بذلك لأنهم هم المنتفعون بالنظر فيها والاستدلال بها على وجود صانعها. {ومنها خلقناكم} لأن آدم مخلوق من الأرض. أو لأن بني آدم خلقوا من النطفة ودم الطمث المتولدين من الأغذية المنتهية إلى العناصر الغالبة عليها الأرضية، أو لما ورد في الخبر أن الملك يأخذ من تربة المكان الذي يدفن فيه الآدمي فيذرّها على النطفة. {وفيها نعيدكم} لأن الجسد يصير تراباً فيختلط بالأرض إلا من رفعه الله إلى السماء، وهو أيضاً يحتمل أن يعاد إليها بعد ذلك. {ومنها يخرجكم تارة أخرى} بالحشر والبعث، أو بأن نخرجكم تراباً وطيناً ثم نحييكم بعد الإخراج، أو المراد الإحياء في القبر. وههنا بحث وهو أن يكون قوله: {الذي جعل لكم الأرض} إلى ههنا من تتمة كلام موسى، أو هو ابتداء كلام من الله تعالى. وعلى الأول يمكن أو يوجه قوله: {فأخرجنا} بأن المراد فأخرجنا نحن معاشر عباده بذلك الماء بالحراثة والزرع {أزواجاً من نبات شتى} إلا أن قوله: {كلوا وارعوا} إلى قوله: {ومنها نخرجكم} لا يطابقه. وإن قيل: إن كلام موسى يتم عند قوله: {وأنزلنا من السماء ماء} لم يصلح قوله: {فأخرجنا} ابتداء كلام من الله لمكان فاء التعقيب، والصواب أن يتم كلام موسى عند قوله: {ولا ينسى} ثم إنه تعالى ابتداء فقال: {الذي} أي هو الذي جعل إلى آخره، وعلى هذا يكون قوله: {فأخرجنا} من قبيل الالتفات علماً للكلام وإيذاناً بأنه مطاع تنقاد الأشياء المختلفة لأمره تخصيصاً بأن مثل هذا لا يدرك تحت قدرة أحد سواه. والحاصل أنه تعالى عدد عليهم ما علق بالأرض من المنافع حيث جعلها لهم فراشاً يتقلبون عليها عند الإقامة. وسوّى لهم فيها مسالك يتقلبون بها في أسفارهم، وأنبت فيها أصناف النبات متاعاً لهم ولأنعامهم. ثم إن الأرض لهم كالأم التي منها انشئوا وهي التي تجمعهم وتضمهم إذا ماتوا. ثم يخرجون من الأجداث خروج الأجنة من الأرحام، ومن ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : تمسحوا بالأرض"تفسير : أي ارقدوا واسجدوا عليها من غير حائل، أو تيمموا بها فإنها بكم برة أي إنها لكم كالأم. ومنا خلقناكم وفيها معايشكم وهي بعد الموت كفاتكم. قوله عز وعلا: {ولقد أريناه آياتنا} أي عرفناه صحتها. ثم إن كان التعريف يستلزم حصول المعرفة فيكون كفره كفر جحود وعناد كقوله: {أية : وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم} تفسير : [النمل: 14] وإلا كان كفر جهالة وضلالة. سؤال الجمع المضاف يفيد العموم ولا سيما إذا أكد بالكل، لكنه تعالى ما أراه جميع الآيات لأن من جملتها ما أظهرها على الأنبياء الأقدمين ولم يتفق لموسى مثلها. الجواب هذا التعريف الإضافي محذوّ به حذو التعريف العهدي لو قيل الآيات كلها وهي التي ذكرت في قوله: {أية : ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات} تفسير : [الإسراء: 101] ولو سلم العموم فالمراد أنه أراه الآيات الدالة على التوحيد في قوله: {ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه} وعلى النبوة بإظهار المعجزات القاهرة وعلى المعاد لأن تسليم القدرة على الإنشاء يستلزم تسليم القدرة على الإعادة بالطريق الأولى، أو أراد أنه أراه آياته المختصة به وعدد عليه سائر آيات الأنبياء وإخبار النبي الصادق جارٍ مجرى العيان، أو إراءة بعض الآيات كإراءة الكل كما أن تكذيب بعض الآيات يستلزم تكذيب الكل كما قال: {فكذب} أي الآيات كلها {وأبى} قول الحق. قال القاضي: الإباء الامتناع وإنه لا يوصف به إلا من يتمكن من الفعل والترك وإلا لم يتوجه الذم. وجواب الأشاعرة أنه لا يسأل عما يفعل. ثم إن فرعون خاف أن تميل قلوب ملته إلى قول موسى فذكر ما يوجب نفار القوم عنه مع القدح في نبوته لادعاء إمكان معارضته قائلاً {أجئتنا لتخرجنا} فإن الإخراج من الديار قرينة القتل بدليل قوله: {أية : أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم} تفسير : [النساء: 66] ثم طالب للمعارضة موعداً فإن جعلته زمان الوعد بدليل قوله: {موعدكم يوم الزينة} بالرفع كان الضمير في {لا نخلفه} عائداً إلى الوعد المعلوم من الموعد أو إلى زمان الوعد مجازاً. وانتصب {مكاناً} على أنه ظرف للوعد المقدر، وإن جعلته مكان الوعد ليكون قوله: {مكاناً} بدلاً منه فوجه عود الضمير في {لا نخلفه} مثل ما قلنا، ويكون قوله: {موعدكم يوم الزينة} مطابقاً له معنى، لأنه لا بد لهم من أن يجتمعوا يوم الزينة في مكان مشتهر عندهم وكأنه قيل: موعدكم مكان الاجتماع في يوم الزينة. وإن جعلته مصدراً ليصح وصفه بعدم الإخلاف من غير ارتكاب إضمار، أو تجوّز انتصب {مكاناً} على أنه ظرف. ثم من قرأ {يوم الزينة} بالنصب فظاهر أي وعدكم أو انجاز وعدكم في يوم الزينة، أو وقت وعدكم في يوم الزينة. وفي يوم {يحشر الناس} هو ضحى أي ضحى ذلك اليوم. ومن قرأ بالرفع فيقدر مضاف محذوف أي وعدكم وعد يوم الزينة ومعنى {سوى} بالكسر والضم عدلاً ووسطاً بين الفريقين. وهو معنى قول مجاهد. فوصف المكان بالاستواء باعتبار المسافة. وقال ابن زيد: أي مستوياً لا يحجب شيئاً بارتفاعه وانخفاضه ليسهل على كل الحاضرين ما يجري بين الفريقين. وقال الكلبي: {مكاناً سوى} هذا المكان الذي نحن فيه الآن. قال القاضي: الأظهر أن قوله: {موعدكم يوم الزينة} من قول فرعون لأنه الطالب للاجتماع. وقال الإمام فخر الدين الرازي: الأقرب أنه من كلام موسى ليكون الكلام مبنياً على السؤال والجواب، ولأن تعيين يوم الزينة يقتضي إطلاع الكل على ما سيقع وهذا إنما يليق بالمحق الواثق بالغلبة لا بالمبطل المزور، على أن موعدكم خطاب الجمع وليس هناك إلا موسى وهارون، فإما أن يرتكب أن أقل الجمع اثنان وهو مذهب مرجوح، وإما أن يقال الجمع للتعظيم ولم يكن فرعون ليعظمهما، ويوم الزينة يوم عيد لهم يتزينون فيه. وعن مقاتل يوم النيروز، وعن سعيد بن جبير يوم سوق لهم. وعن ابن عباس: هو يوم عاشوراء. وإنما قال: {وأن يحشر} من غير تسمية الفاعل لأنهم يجتمعون ذلك اليوم بأنفسهم من غير حشر لهم. ومحل {أن يحشر} رفع أو جر عطفاً على اليوم أو الزينة عين اليوم. ثم الساعة وهي {ضحى} ذلك اليوم. وإنما واعدهم ذلك اليوم ليكون علو كلمة الله وزهوق الباطل على رؤوس الأشهاد ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيى عن بينة، وليشيع أمره العجيب في الأقطار والأعصار والأطراف والأكناف، ففي ذلك تقوية دين الحق وتكثير راغبيه وقلة شوكة المخالف وتوهين عزائمهم {فتولى فرعون} انصرف إلى مقام تهيئة الأسباب المعارضة فإن صاحب السحر يحتاج في تدبير الحسر إلى طول الزمان ولهذا طلب الموعد وقال مقاتل: أعرض وثبت على إعراضه عن الحق {فجمع كيده} أي أسباب الكيد وأدوات الحيلة والتمويه من مهرة السحر وغير ذلك {ثم أتى} الموعد. عن ابن عباس: كانوا اثنين وسبعين ساحراً مع كل واحد منهم حبل وعصا. وقيل: أربعمائة. وقيل: أكثر من ذلك فضرب لفرعون قبة طولها سبعون ذراعاً فجلس فيها ينظر إليهم فبين الله تعالى أن موسى قدم قبل كل شيء الوعيد والتحذير على عادة الصالحين من أهل النصح والإشفاق، ولا سيما الأنبياء المبعوثين رحمة للأمم {ويلكم} نصب على المصدر الذي لا فعل له أو على النداء {لا تفتروا على الله كذباً} بأن تدعوا آياته ومعجزاته سحراً {فيسحتكم} السحت لغة أهل الحجاز والإسحات لغة أهل نجد وبني تميم، ومعناه الاستئصال. حذرهم أمرين: أحدهما عذاب الدارين والتنوين للتعظيم، والآخر الخيبة والحرمان عن المقصود فإن التمويه لا بقاء له {فتنازعوا أمرهم بينهم} كقوله في الكهف: {أية : إذ يتنازعون بينهم أمرهم} تفسير : [الكهف: 21] أي وقع التنازع بينهم {وأسروا النجوى} الضمير لفرعون وقومه. وقيل: للسحرة ويؤده ما روي عن ابن عباس أن نجواهم إن غلبنا موسى اتبعناه. وعن قتادة: إن كان ساحراً فسنغلبه، وإن كان من السماء فله أمر. وعن وهب: لما قال {ويلكم} الآية قالوا: ما هذا بقول ساحر. والأكثرون على الأول وذلك أنهم تفاوضوا وتشاوروا حتى استقروا على شيء واحد وهو أنهم. {قالوا إنْ هذان ساحران} إلى آخر الآية: لا إشكال في قراءة أبي عمرو وكذا في قراءة ابن كثير وحفص، لأنه كقولك "إن زيداً لمنطلق" واللام فارقة بين المخففة والنافية. وأما من قرأ "إن" بالتشديد و{هذان} بالألف فأورد عليه أن "إن" لم يعمل في المثنى. وأجيب بأنه على لغة الحرث بن كعب وخثعم وبعض بني عذرة، ونسبها الزجاج إلى كنانة، وابن جني إلى بعض بني ربيعة، جعلوا التثنية كعصا وسعدى مما آخره ألف فلم يقلبوها ياء في الجر والنصب. وقيل: "إن" بمعنى "نعم" واعترض أن ما بعده حينئذ يصير كقوله: شعر : أم الحليس لعجوز شهربة تفسير : ولا يجوز مثله إلا في ضرورة الشعر. وإنما موضع لام الابتداء في السعة هو المبتدأ. والجواب أن القرآن حجة على غيره، وذكر الزجاج في جوابه أن التقدير لهما ساحران فاللام داخلة على صدر الجملة الصغرى. قال: وقد عرضت هذا القول على محمد بن يزيد وعلي وإسماعيل بن إسحاق فارتضاه كل منهم وذكروا أنه أجود ما سمعنا في هذا الباب، وضعفه ابن جنى بأن المبتدأ إنما يجوز حذفه لو كان أمراً معلوماً جلياً وإلا كان تكليفاً بعلم الغيب للمخاطب، وإذا كان معروفاً فقد استغنى بمعرفته عن تأكيده باللام. وأيضاً إن الحذف من باب الاختصار والتأكيد من باب الإطناب، فالجمع بينهما محال مع أن ذكر المؤكد وحذف التأكيد أحسن في العقول من العكس. وأيضاً امتنع البصريون من جعل النفس في قولك: "زيد ضرب نفسه" تأكيداً للمستكن فدل ذلك على أن تأكيد المنوي غير جائز. وأيضاً لو كان ما ذهب إليه الزجاج جائزاً لحمل النحويون قول الشاعر على ذلك ولم يحملوه على الاضطرار، ولمن تبصر قول الزجاج أن يجيب عن الأول بأن التأكيد إنما هو لنسبة الخبر إلى المبتدأ لا للمبتدأ وحده، ولو سلم فذكر اللام يدل على المبتدأ المنوي وذكر المبتدأ لا يدل على التأكيد فكان حذف المبتدأ أولى. وعن الثاني بأن الكلام قد يكون موجزاً من وجه مطنباً من وجه آخر فلا منافاة، وإنما المنافاة إذا كانت الجهتان واحدة. وعن الثالث بأنهم امتنعوا من حمل النفس على التأكيد في المثال المذكور لأنهم رأوا أن إسناد الفعل إلى المظهر أولى من إسناده إلى المضمر، لا لأن تأكيد المنوي ممتنع على أنا بينا أن المؤكد ليس بمحذوف في الآية مطلقاً فإن أحد طرفي الكلام مذكور. وعن الرابع بأن ذهول المتقدمين عن هذا الوجه لا يقتضي كونه باطلاً فكم ترك الأول للآخر. ولنرجع إلى التفسير قال الفراء: الطريقة اسم لوجوه الناس وأشرافهم الذين هم قدوة لغيرهم. ويقال: هم طريقة قومهم وهو طريقة قومه، قبح أمر موسى في أعين الحاضرين ونفرقهم بأنه ساحر، والطباع نفور عن السحر وبأنه يقصد إخراجكم من دياركم - وهذا أيضاً مما يبغض القاصد إليهم - وبأنه يريد أن يذهب بأشراف قومكم وأكابركم قالوا وهم بنوا إسرائيل لقول موسى أرسل معنا بني إسرائيل وجعلها الزجاج من باب حذف المضاف أي بأهل طريقتكم المثلى وسموا مذهبهم الطريقة المثلى والسنة الفضلى لأن كل حزبٍ بما لديهم فرحون. والمثلى تأنيث الأمثل أي الأشبه بالحق، ومنهم من فسر الطريقة ههنا بالجاه والمنصب والرياسة وكان الأمر على ما يقال به. من قرأ {فأجمعوا} من الجمع فظاهر، ومن قرأ من الإجماع فمعناه اجعلوا كيدكم مجمعاً عليه حتى لا تختلفوا نظيره ما مر في سورة يونس {أية : فأجمعوا أمركم وشركاءكم} تفسير : [الآية:71] سماه كيداً لأنه علم أن السحر لا أصل له. وقال الزجاج: معناه ليكن عزمكم كلكم كالكيد مجمعاً عليه. ثم أمرهم بأن يأتوا صفاً أي مصطفين مجتمعين ليكون أهيب في الصدور وأوقع في النفوس. وعن أبي عبيدة أنه فسر الصف بالمصلى أي مصلى من المصليات أو هو علم لمصلى بعينه لأن الناس يصطفون فيه لعيدهم وصلواتهم. {وقد أفلح اليوم من استعلى} أي فاز من غلب وهو اعتراض. واعلم أن قصة السحرة أكثرها يشبه ما مر في "الأعراف" وقد فسرناها هنالك فنحن الآن نقتصر ونذكر ما هو المختص بهذه السورة. {إما أن تلقي} أي اختر أحد الأمرين إلقاءك أو إلقاءنا {فإذا حبالهم} هي "إذا" المفاجأة وأصلها الوقت أي فاجاً موسى وقت تخييل سعي حبالهم وعصيهم. قال وهب: سحروا أعين موسى عليه السلام حتى تخيل ذلك. وقيل: أراد أنه شاهد شيئاً لولا علمه بأنه لا حقيقة لذلك الشيء لظن فيها أنها تسعى فيكون تمثيلاً {فأوجس} أضمر {في نفسه خيفةً} هو مفعول {أوجس} و {موسى} فاعله أخر للفاصلة. وذلك الخوف إما من جبلة البشرية حين ذهل عن الدليل وهو قول الحسن، وإما لأنه خاف أن يخالج الناس شك فلا يتبعوه قاله مقاتل، أو خاف أن يتأخر نزول الوحي عليه في ذلك الوقت، أو خاف أن يتفرق بعض القوم قبل أن يشاهدوا غلبته، أو خاف تمادي الأمر عليه وتكرره فأزال الله تعالى خوفه مجملاً بقوله {إنك أنت إلاّ على} وفيه من أنواع التأكيد ما لا يخفى وهي الاستئناف والتصدير بأن، والتوسيط بالفصل، وكون الخبر معرفاً ولفظ العلو ومعناه الغلبة وصورة التفضيل ولا فضل لهم ومفصلاً بقوله {وألق ما في يمينك} لم يقل عصاك لما علم في الأعراف ولما في هذه السورة {وما تلك بيمينك} وقال جار الله: هو تصغير لشأن العصا وتهوين لأمر السحرة أي ألق العويد الفرد الصغير الجرم الذي في يمينك فإنه بقدرة الله يبتلع {ما صنعوا} أي زوّروا وافتعلوا على وحدته وكثرتها وصغره وعظمها، أو هو تعظيم لشأنها أي لا تحفل بهذه الأجرام الكبيرة الكثيرة لأن في يمينك شيئاً أعظم شأناً من كلها {إنما صنعوا} إن الذي افتعلوه {كيد سحر} أي ذي سحر، أو ذوي سحر، أو هم في توغلهم في سحرهم كأنهم السحر بعينه، أو الإضافة للبيان أي كيد هو سحر كقولك "علم فقه" وإنما وجد ساحر فيمن قرأ على الوصف ليعلم أن المقصود هو الجنس كما قال. {ولا يفلح الساحر} أي هذا الجنس ولو جمع لأوهم أن المراد هو العدد وإنما نكر أولاً لأن المراد تنكير الكيد كأنه قال: هذا الذي أتوا به قسم واحد من أقسام السحر أو من أفعال السحرة وجميع أقسام السحر، وأفراد السحرة لا فلاح فيها ومن نظائره "إني لأكره أن أرى أحدكم سبهللاً لا في أمر دنيا ولا في أمر آخره". ومعنى سبهللاً أنه يجيء ويذهب في غير شيء. ومعنى {حيث أتى} أينما كان وأية سلك {فألقى السحرة سجداً} قال جار الله: سبحان الله ما أعجب أمرهم قد ألقوا حبالهم وعصيهم للكفر والجحود، ثم ألقوا رؤوسهم بعد ساعة للشكر في السجود، فما أعظم الفرق بين الإلقاءين!‍. وروي أنهم لم يرفعوا رؤسهم حتى رأوا الجنة والنار أو أثواب أهلها، وعن عكرمة: لما خروا سجداً أراهم الله في سجودهم منازلهم التي يصيرون إليها في الجنة. واستبعده القاضي لأنه كالإلجاء إلى الإيمان وأنه ينافي التكليف. وقلت: إذا كان الإيمان مقدماً على هذا الكشف فلا منافاة ولا إلجاء. ثم إن فرعون لعب لعب الحجل وأنكر عليهم إيمانهم وألفى شبهته في البين أنه كبيرهم أي أسحرهم وأعلاهم درجة في الصناعة، أو معلمهم وأستاذهم من قول أهل مكة للمعلم "أمرني كبيري" أي أستاذي في العلم أو غير، وأوعدهم بقطع الأيدي والأرجل {من خلاف} قال في الكشاف: "من" لابتداء الغاية لأن القطع مبتدأ وناشيء من مخالفة العضو والعضو لا من وفاقه إياه. قالت: الأولى أن يقال الخلاف ههنا بمعنى الجهة المخالفة حتى يصح معنى الابتداء أي لأقطعن أيديكم وأرجلكم مبتدأ من الجهتين المتخالفتين يميناً وشمالاً، فيكون الجار والمجرور في موضع الحال أي لأقطعنها مختلفات الجهات. قيل {في جذوع النخل} أي عليها والأصوب أن يقال: هي على أصلها شبه تمكن المصلوب في الجذع بتمكن المظروف في الظرف {أينا أشد} أراد نفسه وموسى وفيه صلف باقتداره وقهره وما ألفه من تعذيب الناس واستخفاف بموسى مع الهزء به، لأن موسى لم يكن قط من التعذيب في شيء قاله في الكشاف. قلت: يحتمل أن يريد بقوله {أينا} الله تعالى ونفسه لنقدم ذكر رب هارون وموسى، وقد سبق عذاب الله في قوله {أن العذاب على من كذب وتولى} وفي قوله { فيسحتكم بعذاب} ويؤيده قول السحرة في جوابه {والله خير وأبقى} {لن نؤثرك} لن نختارك {على ما جاءنا من البينات} المعجزات الظاهرات {و} على {الذي فطرنا} أو الواو للقسم وعلى هذا يجوز أن يكون على ما جاءنا بمعنى فيما جاءنا أي لن نميل إليك والحالة هذه. وعلى الوجه الأول ففحوى الكلام لن نترك طاعة خالقنا والتصديق بمعجزات نبيه لأجل هواك {فاقض ما أنت قاضٍ} بما شئت من العذاب {إنما تقضي هذه الحياة الدنيا} أي في مدة الحياة العاجلة، وقرىء {تقضي} مبنياً للمفعول هذه الحياة بالرفع إجراء للظرف مجرى المفعول به اتساعاً مثل صيم يوم الجمعة. والحاصل أن قضاءك وحكمك منحصر في مدة حياتنا الفانية. والإيمان وثمرته باقٍ لا يزول، والعقل يقتضي تحمل الضرر الفاني للفوز بالسعادة الباقية وللخلاص من العقاب الأبدي وذلك قولهم {إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا} قال الحسن: سبحان الله قوم كفار ثبت في قلوبهم الإيمان طرفة عين فلم يتعاظم عندهم أن قالوا في ذات الله تعالى {فاقض ما أنت قاضٍ} والله إن أحدهم ليصحب القرآن ستين عاماً ثم ليبيع دينه بثمن غبن. ولما كان أقرب خطاياهم عهداً ما أظهروه من السحر قالوا {وما أكرهتنا عليه من السحر} وفي هذا الإكراه وجوه: عن ابن عباس أن الفراعنة كانوا يكرهون فتيانهم على تعلم السحر ليوم الحاجة فكانوا من ذلك القبيل. وروي أنهم قالوا لفرعون: أرنا موسى نائماً ففعل فوجده تحرسه عصاه، فقالوا: ما هذا بسحر الساحر لأن الساحر إذا نام بطل سحره فأبوا أن يعارضوه. وعن الحسن أنهم حشروا من المدائن مكرهين، وزعم عمر بن عبيد أن دعوة السلطان إكراه، وليس بقوي فلا إكراه إلا مع الخوف فحيثما وجد حكم بالإكراه وإلا فلا. وباقي الآيات ابتداء إخبار من الله أو هي من تتمة كلامهم فيه قولان، ولعل الأول أولى {إنه} أي الشأن {من يأت ربه} أي حيث لا حكم إلا هو فيسقط استدلال المجسمة حال كون الآتي {مجرماً فإن له جهنم لا يموت فيها} موتة مريحة {ولا يحيى} حياة ممتعة. قالت المعتزلة: صاحب الكبيرة مجرم وكل مجرم فإن له جهنم بالآية لعموم "من" الشرطية بدليل صحة الاستثناء فيحل القطع بوعيد أصحاب الكبائر. أجابت الأشاعرة بأن المجرم كثيراً ما يجيء في القرآن بمعنى الكافر كقوله {أية : يتساءلون عن المجرمين ما سلككم في سقر}تفسير : [المدثر:40 - 42] إلى قوله {أية : وكنا نكذب بيوم الدين} تفسير : [المدثر: 46] ولا ريب أن التكذيب بالبعث والجزاء كفر، وكقوله {أية : إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون} تفسير : [المطففين: 29] إلى آخر السورة. فلم قلتم: إن المجرم ههنا ليس بمعنى الكافر فتبطل المقدمة الأولى؟ سلمنا لكن المقدمة الثانية كليتها ممنوعة على الإطلاق وإنما هي كلية بشرط عدم العفو، وحينئذٍ لا يحصل القطع بالوعيد على الإطلاق. سلمنا المقدمتين والنتيجة لكنه معارض بعموم الوعد في قوله {ومن يأته مؤمناً} فإن قيل: صاحب الكبيرة لم يأته مؤمناً عندنا. قلنا: يصدق عليه المؤمن لأن الإيمان صدر عنه في الزمان الماضي كالضارب على من قد ضرب أمس وليس بين الحال والزمان الماضي منافاة كلية ولهذا صح "جاءني زيد قد قام" بل صح قوله {قد عمل الصالحات} وأنه حال آخر فكأنه قيل: ومن يأته قد آمن قد عمل. ولئن قيل: إن عقاب المعصية يحبط ثواب الطاعة. قلنا: ممنوع بل العكس أولى لأن الدفع أسهل من الرفع وإقامة الحد على التائب في بعض الصور لأجل المحنة لا لأجل التنكيل. وقوله {نكالاً من الله} في حق من لم يتب بعد من السرقة سلمنا أن قوله {ومن يأته مؤمناً} لا يعم صاحب الكبيرة إلا أن قوله {فأولئك لهم الدرجات العلى} من الجنة لمن أتى بالإيمان والأعمال الصالحات أي الواجبات، لأن الزائدة عليها غير محصور فسائر الدرجات التي غير عالية لا بد أن تكون لغيرهم وما هم إلا العصاة من أهل الإيمان. ثم عظم شأن المذكور بقوله {وذلك جزاء من تزكى} أي قال"لا إله لا إله الله" قاله ابن عباس. وفيه دليل على أن قوله {ومن يأته مؤمناً} يشمل صاحب الكبيرة، وقال آخرون {تزكى} أي تطهر من دنس الذنوب وعلى هذا يقع صاحب الكبيرة خارجاً.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَىٰ * إِذْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّكَ مَا يُوحَىٰ} قيل: هو وَحْي إلهام، وقِيلَ: بملك، وقِيلَ: برؤْيَا رَأَتْهَا، وكان مِنْ قصة موسى عليه السلام فيما رُوي أن فرعون ذُكرَ له أَنَّ خرابَ مُلْكِه يكونُ عَلَى يد غُلاَمٍ من بَنِي إسرائيل؛ فأَمر بِقَتْلِ كُلِّ مَوْلُودٍ يولَدُ لبني إسرائيل، ثم إنه رَأَى مع أَهْل مملكته: أَنَّ فناء بني إسرائيل يعودُ على القِبْطِ بالضَرَرِ؛ إذْ هم كانوا عَمَلَةَ الأَرْضِ، والصناع، ونحو هذا؛ فعزم على أَنْ يقتُلَ الوِلْدَانَ سنةً، ويَسْتَحْيِيَهُم سنةً، فولد هَـٰرونُ عليه السلام في سَنَةِ الاِسْتِحْيَاءِ، ثم ولد مُوسَىٰ عليه السلام في العام الرابع سَنَةَ القَتْلِ، فخافت عليه أُمُّه؛ فأَوْحَىٰ اللَّه إلَيْها: {أنْ ٱقْذِفِيهِ فِي ٱلتَّابُوتِ} فأخذَت تابُوتاً فقذفَتْ فيه مُوسَىٰ راقِداً في فِرَاشٍ، ثم قذفتْهُ في يَمِّ النيل، وكان فرعون جَالِساً في مَوْضِع يُشْرِفُ منه على النِّيلِ إذْ رَأَى التَّابُوتَ فأمَر به، فسِيقَ إليه، وٱمرأته معه، ففُتِحَ فرأَوْهُ فَرَحِمتْهُ ٱمرأَتُه؛ وطلبتْهُ لتتَّخذَهُ ٱبناً، فأباح لها ذلك، ثم إنَّها عرضَتْهُ للرِّضَاعِ، فلم يقبلِ ٱمرأَةٌ فجعلت تنادي عليه في المدينة, ويُطافُ به يُعْرَضُ للمَرَاضِعِ, فكلما عُرِضَتْ عليه امرأةٌ أَباهَا، وكانت أمه قالَتْ لأُخْتِه: {أية : قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ} تفسير : [القصص:11] وفهمت أمره، فقالت لهم: أنا أدلُّكم على أهْل بيت يَكْفلُونه لَكُمْ، وهم له نَاصِحُون، فتعلَّقُوا بِهَا، وقالوا: أنْتِ تَعْرِفينَ هذا الصبيَّ، فأنْكَرتْ، وقَالَتْ: لاَ، غَيْرَ أَني أَعْلم مِنْ أهْل هذا البيْتِ الحِرْصَ على التقرُّبِ إلى المملكةِ، والجدّ في خِدْمتها، ورِضَاهَا، فتَرَكُوها وسَأَلُوها الدَّلاَلة، فجاءت بِأُمِّ مُوسَى، فلما قَرَّبَتْهُ، شَرِبَ ثَدْيَهَا، فسُرّت بذلك آسِيَةُ ٱمرأةُ فِرْعون رضي اللَّه عنها وقالت لها: كُونِي مَعِي في القَصْرِ، فقالت لها: ما كُنْتُ لأَدَعَ بيتي وَوَلَدِي، ولكنه يِكُون عِنْدِي، فقالت: نعم، فأَحسنت إلى أَهْل ذلك البيت غَايَةَ الإحْسَانِ، واعتزَّ بنو إسْرَائِيل بهذا الرِّضاعِ، والسبب من المَمْلَكَةِ, وأقام موسى عليه السلام حتى كَمَلَ رضاعُه، فأرْسَلت إليها آسية: أنْ جِيئِني بولدي لِيَوْمِ كذا، وأمَرتْ خَدَمَها، ومَنْ مَعَها أنْ يلقينه بالتحَفِ، والهَدَايا، واللّباس؛ فوصل إليها علىٰ ذلك، وهو بخيرِ حَالٍ وأجْمَل ثياب، فسُرّت بِهِ، ودخَلتْ به عَلَى فِرْعَوْن؟ ليراه وَيَهَبَ لَهُ فرآه وأعْجَبه، وقرَّبَهُ فأخذ موسى عليه السلام بلِحْيَةِ فرعون، وجَبَذَهَا، فاسْتَشَاطَ فرعونُ، وقال: هذا عَدُوٌّ لي، وأمَر بذبْحِهِ، فَنَاشَدَتْهُ فيه ٱمرَأَتُه، وقالَتْ: إنه لاَ يَعْقِلُ، فقال فِرْعَونُ: بل يَعْقِلُ، فاتَّفَقَا عَلَى تَجْرِيبه بالجمْرَةِ والياقُوتِ؛ حَسَبَ ما تقدَّمَ، فنجاه اللَّهُ من فرعون ورَجَعَ إلى أُمِّه، فَشَبَّ عندها، فَٱعْتَزَّ به بنو إسْرَائِيل إلى أن تَرَعْرَعَ، وكان فَتًى جَلداً فَاضِلاً كَامِلاً، فاعتزت به بنو إسرائيل بظاهر ذلك الرِّضاع، وكان يحميهم، ويكون ضِلعَهُ مَعهم، وهو يَعْلَمُ مِنْ نفسه أنه مِنْهُم، ومِنْ صَمِيمِهم، فكانت بصيرته في حمايتهم أكِيدة، وكان يَعْرِفُ ذلك أَعيانُ بني إسْرَائِيل، ثم وقعت له قِصَّةُ القِبْطِيِّ المتقاتل مع الإسرائيلي على ما سيأتي إنْ شَاءَ اللَّه تَعَالى، وعدد اللَه سبحانه عَلَىٰ موسى في هذه الآية ما تضمنته هذه القِصَّة: مِنْ لُطْفه سُبْحَانه به في كُلِّ فَصْل، وتخليصه من قِصَّةٍ إلَى أُخْرَىٰ، وهذه الفُتُون التي فتنه بها، أيْ: اختبره بها، وخلَّصَهُ حتى صلح لِلنّبوّةِ، وسلم لها. وقوله {مَا يُوحَىٰ} إبهامٌ يتضمن عِظَمَ الأَمْر وَجَلالَتِه وهذا كَقَوْلِهِ تعالى: {أية : إِذْ يَغْشَىٰ ٱلسِّدْرَةَ مَا يَغْشَىٰ} تفسير : [النجم:16] {أية : فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَا أَوْحَىٰ} تفسير : [النجم:10]. وهو كثيرٌ في القرآن، والكلام الفصيح. وقوله: {فَلْيُلْقِهِ ٱلْيَمُّ بِٱلسَّاحِلِ} خبرٌ خرج في صِيغَةِ الأَمر مُبالغةً؛ ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : قُومُوا فَلأُصَلِّ لَكُمْ»تفسير : فأخرج الخبر في صِيغَة الأمْرِ لنفسه، مُبَالغةً، وهذا كَثِيرٌ، والمرادُ بالعدُوِّ في الآية: فرعونُ ثم أخبر تعالى مُوسَى عليه السلام أَنه ألْقى عليه مَحَبَّةً منه. قالت فِرقةٌ: أَرَادَ القَبُولَ الذي يضعه اللَّهُ في الأرضِ لِخَيارِ عِبَادِه، وكان حَظُّ مُوسَىٰ منه في غاية الوَفْرِ؛ وهذا أقْوَىٰ ما قِيلَ هنا مِنَ الأقوال. وقرأَ الجُمْهورُ: «ولِتُصْنَعَ» بكسر اللام، وضم التاء؛ على مَعْنَىٰ: ولِتُغْذى، وتُطْعم، وتربى. وقوله: {عَلَىٰ عَيْنِي} معناه: بمرأَىٰ مِنِّي. وقوله: {عَلَىٰ قَدَرٍ} أيْ: لميقاتٍ محدُودٍ للنبوَّءة التي قد أرادها اللَّهُ تعالى، {وَٱصْطَنَعْتُكَ}: معناه جعلْتُك مَوْضِعَ الصَّنِيعة ومقر الإجْمال والإحْسَان. وقوله: {لِنَفْسِي} إضَافة تَشْرِيف؛ وهذا كما تقولُ: بيتُ اللَّهِ، ونحوه: «والصِّيَامُ لِي» وعبَّر بالنَّفْسِ عن شِدَّة القرب وقوة الاخْتِصَاص. وقوله تعالى {وَلاَ تَنِيَا فِي ذِكْرِي} معناه: لا تُبْطِئَا وتضعفا؛ تقولُ: وَنَى فلانٌ في كذا، إذا تَبَاطَأَ فيه عن ضَعْفٍ، والوَنْيُ: الكَلاَلُ، والفَشَلُ في البَهَائِم والإنْسِ. وفي مُصْحَفِ ابن مَسْعُودٍ: «ولاَ تَهِنَا فِي ذِكْرَي» معناه: لاَ تَلِينَا؛ مِنْ قَوْلِك: هَيِّنٌ لَيِّنٌ. {فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَيِّناً} أيْ: حَسِّنا لَهُ الكلمة مع إكْمَالِ الدَّعْوة. قال ٱبْنُ العَرَبِي في «أحْكَامِهِ»: وفي الآية دَلِيلٌ على جواز الأَمْر بالمعرُوفِ، والنهي عن المنكر بالليِّن لمن معه القُوَّة، وفي الإسرائيليات: أَنَّ مُوسَى عليه السلام أَقامَ بباب فِرْعَوْن سنةً لا يجد مَنْ يبلغ كَلاَمَهُ حَتَّى لقيه حِينَ خَرَج، فجرى له ما قَصَّ اللَّهُ تعالى عَلَيْنَا من خَبَرِه؛ وكان ذلك تَسْلِيةً لمن جاء بعده مِنَ المؤْمِنِينَ في سِيرَتهم مع الظَّالِمِينَ. انتهى. وقولهما: {إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ} معناه: يعجل، ويتسرع إلينا بمكروه. وقوله عز وجل {إنَّنِي مَعَكُمَا} أيْ بالنَّصْر والمعُونَةِ.

البقلي

تفسير : {وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَىٰ} بان البستك نور اصطناعى واصطفانى حين خرجت من العدم وذلك النور قوله {وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي} هذه خاصيّة عجيبة اصطفاه فى الازل لقبول وحيه ورسالته وسماع كلامه ورؤية مشاهدته فلما اراد ان يجعله مسقط نور جلاله وجماله البسه نور محبته الازلية السابقة للانبياء والمرسلين والعبد يقين حتى يكون بقوتها متحملا لحمل انوار صفاته وذاته فمن كل صفة عليه نور ونور المحبة علا على كل صفة ---- مع هيبته وجلاله محبوب وما لوف كل اليف وبذلك النور يكون حسنا مستحسنا مليحا شريفا ظريفا فى عين الخلائق جميعا ولهكذا لحال كل محب للرحمن قال الواسطى فى قوله سولك سال وبه ابتداء شرح صدره فجاز الاقتداء به للعوام دون الخواص لان الله اعلم بما فيه ابلاغ رسالته واذا ----لا ترى الى قوله قد اوتيت الى قوله مرة اخرى فذكر ايام حداثته ثم رده الى اصله ثم رده من اصله الى اصل الاصل فقال واصنعتك لنفسى فاضافه الى نفسه ثم اكد ذلك بقوله انى اصطفيتك على الناس والقيت عليك محبة منى قال السرى السقطى قدس الله روحه القى عليه لطفا من لطفه استجب به قلوب عباده وقال ابن عطا القيت عليك محبة معى لك فمن راى فيك محبتى تلك احبك يحبنى لك وقال فارس زينتك بملاحة من عندى حتى لا تصلح لغيره ويحبك كل من يرى تلك الملاحة فيك فقيل اليس يوسف اعطى شطر الحسن ولم يكن يستوجب المحبة فقال الحسن لا يوجب المحبة والملاحة توجب المحبى الا ترى النبى صلى الله عليه سلم كان عليه ملاحة ممزوجة بهيبته قال بعضهم عنج بينك لا يراك احد الارق لك ومال اليك ولما خصه بكسوة نور محبته جعله محفوظا فى مقلم الامتحان والبلاء لا ينقطع عنه انوار تلك الخاصية وكان فى مجمع حجر وصلة الحق يربيه بايدى الاعداء ليبين منته واصطفائيته كان خاطب لطف قهره {وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِيۤ} اى لتكون مربّى فى مقام القهر بعين اللطف وهذا خاصية عجيبة قال لاواسطى ما نجاني ولاولى من محنته ولا اسلم احد من مشقته وهذا معنى قوله ولتصلح على عينى قال ابن عطا ولتصنع على عينى انا مشاهدتك حافظ ارعيك بعينى ولا اسلم سياستك الى غيرى ليعلمه حن العناية ثم ان الله سبحانه ذكر لموسى منته عليه بان انجاه من كيد العدو وارجاعه الى امه وبان لم ياخذه بجرم القتل بقوله {وَقَتَلْتَ نَفْساً} انه الله سبحانه اعلم الحقائق ان من اصطفاه الله فى الازل بشرائف المعرفة ولطائف الولاية لا يضربه المعصية ولا يزيله من مقام الاصطفائية مباشرة الكبيرة فالقى موسى فى البداية فى محنة المعصية كابنى أدم عليهما السلام ليكون المتواضع مصحف باله الى النهاية ويربيه بحقائق القهر كما يزينه بحقائق اللطف {فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ ٱلْغَمِّ } اى نجيناك من طريان العتاب منا على قلبك {وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً} اخلصناك من النظر الى غيرنا فى جميع انفساك والبسناك انوار لباس ربوبيتنا حتى عرفتنا بمعرفتنا وصرت فنون عجايب لطفنا فى العالم قال الواسطى القاه فى اعظم كبيرة حتى يوجده طعم الاصطفاء بقوله وقتلت نفسا وقال ابو الحارث الاولاسى فتناك بنا عما سوانا وقال ابن عطا فنجيناك بالبلاء طبخا حتى صلحت لبساط الانس وقال سهل افتينا نفسك الطبيبى وجعلناها حتى لا تامن من مكر الله ثم زاد وذكر المنة عليه بان جعل شيخه ومقدمه فى طريقته شعيبا عليه السلام بقوله {فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِيۤ أَهْلِ مَدْيَنَ} لبثه عند شعيب بان رباه الله لصحبه المرسلين ليكون متخلقا بخلقه مهذبا فى أول الحضرة وهذا سنة الله لللمريدين {ثُمَّ جِئْتَ عَلَىٰ قَدَرٍ} اى على قدر زمان الارادة فاذا كنت كاملا جئت على قدر مقام المحبة وطلت بقدر المحبة على بساط القربة بعد قدر الارادة فى مفكر الخدمة جئت بما اصطفيناك فى القدم من العدم لا يتغير قدرك بتقليل بدور العشاق بتحريك ----- بعضهم قدرنا لك سبيل المعرفة وقتها فجئت على ذلك القدر ثم ذكر سبحانه اعظم ---- عليه بقوله {وَٱصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي} اى خمرت سرك بنور سرى وقلبك بنور نورى وعقلك سنا قدس وروحك بجمال ---- والبستك نور محبتى وكسوتك كسوة ربوبيتى لتكون مشكاة انوار صفاتى وذاتى تجلى من جهدك ---- للعالمين وخصصتك بمخاطبتى وسماع كلامى فان زمانك ليس فى العالم سراك محل وقوع نور تجلى كشوف اسرار سرك ولتكون لنفسى خاصا بالمحبة والشوق والعشق لا لغيرى وانا غيور عليك لا يراك احد بغير---- الا ابتليته ولا ترى احدا بعين المحبة الا ابتليك حتى لا يكون فيك نصيب احد غيرى قال الحراز فى قولك واصطنعتك لنفسى فمن اين والى اين ومنه واليه فله وبه وفنى فنائه لبقاء بقائه بحقيقة فنائه وقال فارس --- حتى لا تصلح لغيرى وقال ابو سعيد الحرار فى بعض كتبه غير ان اولياء الله رهائن الله فى اشياحهم قد خباهم واخفاهم فى انفسهم من انفسهم لنفسه وهذا مقام الاصطناع الذى قال الله لموسى واصطنعتك لنفسى وقال سهل ---- بالتجريد لا يشغلك منى شئ.

اسماعيل حقي

تفسير : {ولقد مننا عليك} من قولهم من عليه منا بمعنى انعم عليه لا من قولهم عليه منة بمعنى امتن عليه لان المنةتهدم الصنيعة. وفى الكبير فان قيل ذكر تلك النعم بلفظ المنة مؤذ والمقام مقام التلطف قلنا عرفه انه لم يستحق شيئا منها بذاته وانما خصه بها بمحض التفضل والمعنى وبالله لقد انعمنا عليك يا موسى اكرمنا بكرامات من غير ان تسألنا {مرة اخرى} فى وقت ذى مر وذهاب اى وقتا غير هذا الوقت فان اخرى تأنيث آخر بمعنى غير والمرة فى الاصل اسم للمر الواحد الذى هو مصدر قولك مريمر مرا ومرورا اى ذهب ثم اطلق على فعلة واحدة من الفعلات متعدية كانت او لازمة ثم شاع فى كل فرد واحد من افراد ماله افراد متحدة فصار علما فى ذلك حتى جعل معيارا لما فى معناه من سائر الاشياء فقيل هذا بناء المرةويقرب منها الكرة والتارة والدفعة والمراد به ههنا الممتد الذى وقع فيه ما سيأتى ذكره من المنن العظمية الكثيرة.

الطوسي

تفسير : ثمان آيات بلا خلاف. إلا أن في تفصيلها خلافاً لا نطول بذكره. لما أخبر الله تعالى موسى بأنه قد آتاه ما طلبه واعطاه سؤله، عدد ما تقدم ذلك من نعمه عليه ومننه لديه. فقال {ولقد مننا عليك مرة أخرى} والمنّ نعمة يقطع صاحبها بها عن غيره باختصاصها به. يقال: منّ عليه يمن مناً إذا انعم عليه نعمة يقطعه إياها. واصله القطع، ومنه قوله {أية : لهم أجر غير ممنون} تفسير : اي غير مقطوع. وحبل منين: أي منقطع. والمرة الكرة الواحدة من المر، وذلك ان نعمة الله (عز وجل) عليه مستمرة، فذكره الاجابة مرة وقبلها مرة أخرى. وقوله {إذ أوحينا إلى أمك ما يوحى} أي كانت هذه النعمة عليك حين أوحينا الى أمك ما يوحى، قال قوم: اراد انه ألهمها ذلك. وقال الجبائي: رأت فى المنام أن اقذفيه في التابوت، ثم اقذفيه في اليم، والقذف هو الطرح، واليم البحر قال الراجز: شعر : كنازح اليم سقاه اليم تفسير : وقيل: المراد به ها هنا النيل. وقوله {فليلقه اليم بالساحل} جزاء وخبر أخرج مخرج الامر ومثله {اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم} والتقدير فاطرحيه فى اليم فليلقه اليم بالساحل. وقوله {يأخذه عدوّ لي وعدوّ له} يعني فرعون. وكان عدوّ الله بكفره وحدانيته وادعائه الربوبية، وكان عدو موسى، لتصوره أن ملكه ينقرض على يده. وقوله {وألقيت عليك محبة مني} معناه إني جعلت من رآك احبك حتى احبك فرعون، فسلمت من شره، واحبتك امرأته آسية بنت مزاحم فتبنتك. وقوله {ولتصنع على عيني} قال قتادة: معناه لتغذى على محبتي وارادتي، وتقديره وأنا اراك، يجري امرك على ما اريد بك من الرفاهة في غذائك، كما يقول القائل لغيره: أنت مني بمرءاً ومستمع أى انا مراع لاحوالك. وقوله {إذ تمشي اختك فتقول هل أدلكم على من يكفله} قيل ان موسى امتنع أن يقبل ثدي مرضعة الاثدي امه لما دلتهم عليها أخته، فلذلك قال {فرجعناك إلى أمك كي تقر عينها ولا تحزن}. وقوله {وقتلت نفساً فنجيناك من الغم} وروي عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أن قتله النفس كان خطأ. وقال جماعة من المعتزلة: انه كان صغيرة. وقال اصحابنا: انه كان ترك مندوب اليه، لان الله تعالى قد كان حكم بقتله لكن ندبه الى تأخير قتله الى مدة غير ذلك، وانما نجاه من الفكر فى قتله، كيف لم يؤخره الى الوقت الذى ندبه اليه. وقال قوم: أراد نجيناك من القتل لانهم طلبوه ليقتلوه بالقبطي. وقوله {وفتناك فتوناً} أى اختبرناك اختباراً. والمعنى انا عاملناك معاملة المختبر حتى خلصت للاصطفاء بالرسالة، فكل هذا من اكبر نعمه. وقيل: الفتون وقوعه فى محنة بعد محنة حتى خلصه الله منها: اولها - أن امه حملته فى السنة التي كان فرعون بذبح فيها الاطفال، ثم القاؤه في اليم، ثم منعه من الرضاع إلا من ثدي أمه، ثم جره لحية فرعون حتى هم بقتله، ثم تناوله الجمرة بدل الدرة، فدرأ الله بذلك عنه قتل فرعون، ثم مجيء رجل من شيعته يسعى ليخبره بما عزموا عليه من قتلة. وذلك عن ابن عباس فالمعنى على هذا وخلصناك من المحن تخليصاً. وقيل: معناه اخلصناك إخلاصاً. ذكره مجاهد. وقوله {فلبثت سنين في أهل مدين} يعني اقمت سنين عند شعيب، يعني احوالا اجيراً له ترعى غنمه، فمننا عليك وجعلناك نبياً حتى {جئت على قدر} أي فى الوقت الذي قدر لارسالك، قال الشاعر: شعر : نال الخلافة إذ كانت له قدراً كما اتى ربه موسى على قدر تفسير : وقال الجبائي معنى {وفتناك فتوناً} أي شددنا عليك التعب فى أمر المعاش حتى رعيت لشعيب عشر سنين، ويؤكده قوله {فلبثت سنين في أهل مدين} وهي مدينة شعيب {ثم جئت على قدر يا موسى} وقوله {واصطنعتك} أي اصطفيتك واخلصتك بالالطاف التي فعلتها بك، اخترت عندها الاخلاص لعبادتي. وقوله {لنفسي} أي لتنصرف على ارادتي ومحبتي يقال: اصطنعه يصطنعه اصطناعاً، وهو (افتعال) من لصنع، والصنع اتخاذ الخير لصاحبه. ووجه قوله {لنفسي} يعني محبتي، لان المحبة لما كانت أخص شيء بالنفس حسن أن يجعل ما اختص بها مختصاً بالنفس على هذا الوجه. وقوله {اذهب أنت وأخوك بآياتي} أي بعلاماتي وحججي {ولا تنيا} أي لا تفترا، يقال: ونى في الامر يني ونياً إذا فتر فيه، فهو وان ومتوان. وقيل: معناه لا تضعفا قال العجاج: شعر : فما ونى محمد مذ أن غفر له إلا له ما مضى وما غبر تفسير : وقوله {في ذكري. اذهبا إلى فرعون إنه طغى} أي عتا وخرج عن الحد فى المعاصي {فقولا له قولاً ليناً لعله يتذكر أو يخشى} معناه ادعواه الى الله والى الايمان به وبما جئتما به، على الرجاء والطمع، لا على اليأس من فلاحه. فوقع التعبد لهما على هذا الوجه، لأنه أبلغ فى دعائه الى الحق، بالحرص الذي يكون من الراجي للامر. وقال السدي: معنى قوله {فقولا له قولا لينا} أي كنياه. وقيل: انه كانت كنية فرعون ابا الوليد. وقيل: أبا مرة. قيل: معناه وقّراه وقارباه. وقوله {لعله يتذكر} معناه ليتذكر {أو يخشى} معناه أو يخاف. والمعنى انه يكون أحدهما إما التذكر أو الخشية. وقيل المعنى على رجائكما او طمعكما، لانهما لا يعلمان هل يتذكر أو لا. و {لعل} للترجي إلا أنه يكون لترجي المخاطب تارة ولترجي المخاطب أخرى

الجنابذي

تفسير : كما مننّا عليك فى هذه المرّة بتشريف الرّسالة وباجابة مسؤلك.

الأعقم

تفسير : {ولقد منّنا عليك} نعماً متوالية، فقال سبحانه: {إذ أوحينا إلى أمِّك ما يوحى} الوحي إليها إما أن يكون على لسان نبي في وقتها كقوله: {أية : وإذ أوحيت إلى الحواريين}تفسير : [المائدة: 111]، وقيل: كانت رؤيا في المنام أو تلهمها كقوله: {أية : وأوحى ربك إلى النحل}تفسير : ، ثم فسَّر ذلك الوحي فقال: {أن اقذفيه في التابوت}، قيل: سمع فرعون ممن قرأ الكتب، وقيل: من الكهنة، وقيل: رأى رؤيا فعبّر له أن زوال ملكه على يدي رجل من بني إسرائيل، فأخذ في ذبح الأولاد وشدّ في ذلك، وروي أنه وكّل بكل حامل قبطية تحفظها، فلما ولدت أم موسى حفظته في التابوت وألقته في اليم، وروي أنها وضعت في التابوت عطباً محلوجاً فوضعته فيه، وقيل: أن الذي صنع التابوت مؤمن من آل فرعون اسمه حزقيل {فاقذفيه في اليمِّ} في البحر {فليلقه اليمّ بالساحل} يعني شاطئ البحر {يأخذه عدوّ لي وعدوّ له} كموسى وهو فرعون، وروي أنها وضعته في التابوت وجَصَّصته وقبرته ثم ألقته في اليم، وكان يسرع منه إلى بستان فرعون نهر كبير، فبينما هو جالس على رأس بركته مع آسية إذ بالتابوت فأمر به فأخرج ففتح فإذا صبي أصبح الناس وجهاً، فأحبه عدوّ الله حُبَّاً شديداً لا يتمالك أن يصبر عنه {وألقيت عليك محبة} خالصة أو واقعة {منّي} في القلوب، فلذلك أحبك فرعون وكل من أبصرك، روي أنها كانت على وجهه مسحة جمال، وفي عينيه ملاحة ولا يكاد يصبر عنه من رآه {ولتصنع على عيني} أي لتغذى على محبتي وإرادتي، وهذا من فصيح الكلام {إذ تمشي أختك}، قيل: بعثتها أمها لتنظر حال التابوت، وكان الناس يدخلون ولا يمنعون {فتقول هل أدلّكم على من يكفله} لما امتنع من ثدي أحد قالت أخته واسمها مريم: هل أدلكم على امرأة ترضعه وتربيه؟ فقالوا: نعم، فجاءت بالأم فقبل ثديها فذلك قوله: {فرجعناك إلى أمّك كي تقرّ عينها} الآية {وقتلت نفساً} وهو القبطي الذي استغاثه عليه الاسرائيلي، قتله وهو ابن اثني عشر سنة {فنجَّيناك من الغمِّ} لأنه اغتم بسبب القتل خوفاً من عقاب الله ومن اقتصاص فرعون، فغفر الله له ذلك {وفتنَّاك فتوناً} اخترناك اختياراً {فلبثت سنين في أهل مدين} وذلك حين رعى لشعيب عشر سنين، وروي أن بين مدين ومصر ثمان مراحل {ثم جئت على قدر يا موسى} يعني موعد وهو القدر الذي قدره الله لكلامك ونبوتك {واصطنعتك} اخترتك للرسالة {لنفسي} رسولاً {اذهب أنت وأخوك بآياتي} بالعصا واليد، وقيل: التسع الآيات {ولا تنيا}، قيل: لا تضعفا ولا تبطئا {اذهبا إلى فرعون إنه طغى} جاوز الحد والعصيان {فقولا له قولاً ليِّناً} يعني ارفقا بالدعاء ولا تغلظا له، قيل: كان هارون بمصر فلما أوحى إلى موسى أن يأتي مصراً أوحى إلى هارون أن يلقى موسى، فلقاه على مرحلة واجتمعا وذهبا إلى فرعون {لعلّه يتذكر} والترجي لهما أي اذهبا على رجائكما وطمعكما، وباشرا الأمر مباشرة من يرجو أو يطمع أن يثمر عمله ولا يخيب عمله، وأرسلهما إليه مع علمه بأنه لا يؤمن إلزاماً للحجة وقطعاً للمعذرة.

اطفيش

تفسير : {ولَقَد مننَّا عليْكَ مرةً أخْرى} غير هذه المرة قبل ان تدعونى، وكيف لا أجيبك فى هذه المرة، وقد دعوتنى، وذكر المرة الأخرى فى قوله: {إِذ أوْحَينا إلى أمك ما يُوحَى} الخ وأصل المرة المرور الوحد، ثم أطلق على كل فعلة واحدة، ثم شاع فى كل فرد مما له أفراد، واستعمل فى الزمان، والمراد هنا الزمان الممتد قدر ما يقع فيه خارجا ما ذكر الله عز وجل من الإيحاء الى أم موسى الخ، وأخرى مؤنث آخر بفتح الخاء، بمعنى مغاير، وإذ متعلق بمننا بلا واسطة إبدال من مرة، أو بواسطته، والإيحاء الى أم موسى إلهام عند الجمهور كقوله عز وجل: "أية : وأوحى ربك إلى النحل" تفسير : [النحل: 68] ولا يرده قوله تعالى: "أية : إنا رادُّوه إليك" تفسير : [القصص: 7] الخ إذ لا نسلم أن الإخبار بالرد، ويجعله من المرسلين مختص بالوحى، لجواز أن يكون إلهاماً مع مشاهدتها منه ما يدل عل الرد، والجعل كما سمى عبد المطلب ابن ابنه محمداً صلى الله عليه وسلم، وقال: رجوت له أن يحمد فى السماء والأرض، لما رأيت فيه من تعاطى خصال الشرف. ويمكن أن يكون بعث الله إليها ملكاً كما أرسله الى مريم عليها السلام، لا على طريق الوحى بالشرع الى الأنبياء، بلا إشكال لأن الوحى تارة وحتى شرع الى الأنبياء، وتارة غيرة، وقيل الوحى فى الآية الإرادة فى النوم، وقيل وحى على لسان نبى فى زمانها وهو شعيب، لو كان فى مدين لا فى الشام، كقوله تعالى: "أية : وإذ أوحيت إلى الحواريين" تفسير : [المائدة: 111] فإنه وحى إلى عيسى عليه السلام، واسمها يحانذ أو محيانة بنت يصهر ابن لاوى، أو بارخا أو بازخت، المراد بما يوحى القذف فى اليم، أو ما ينبغى أن يوحى، ولا يهمل كما يقال هذا مما يكتب، أو أوحينا ما لا يعلم إلا بالوحى، والأول أولى. لكن لو كان كذلك لقال: ما أوحينا كما قال: "أية : فأوحى إلى عبده ما أوحى" تفسير : [النجم: 10] وكما قال: "أية : فغشيهم من اليم ما غشيهم" تفسير : [طه: 78] وعلى هذا يكون المعنى الثانى أولى، ولو كان الأول أنسب بالمعانى السابقة المرادة بالإيحاء، إذ بالوحى إليها إجمالا فتتهيأ نفسه الى الاستعداد لفهمه، ثم فصله تفصيلا يجد أنفساً متهيئة فيقر فيها، وفسر الوحى بقوله: {أن اقْذِفيه} ضعيه بلين {فى التَّابوت} فرشاً فرشته بقطن محلوج، أو نطع وكان من خشب، أو برد صنعه مؤمن آل فرعون، وقصصته وقيرته {فاقذفيه} أى ضعى التابوت وفيه موسى بلين {فى اليمّ} البحر ولا داعى الى جعل هذا القذف الثانى قذفا بعنف، ويجوز أن يكون القذفان بعنف على معنى العجلة فيهما، واليم البحر مطلقاً، وقيل العذب، وقيل النيل خاصة، وهو مردود، ولا يجمع لفظ اليم. {فلْيُلقِه اليمُّ بالسَّاحل} جانب البحر، أو ما يقابل الوسط، وهو ما يلى الجانب من البحر، حيث يجرى الماء الى نهر فرعون، وعلى كل هو بمعنى الذى يسحله الماء آى يقشره، فهو فاعل بمعنى مفعول أو للنسب أى ذى سحل، لكن هذا السحل واقع عليه لا صادر منه، فهو راجع الى معنى مفعول، ويجوز أن يكون بمعنى فاعل على معنى يفرق الماء، أو على معنى ينهق تشبيها لصوت الماء عليه بسحيل الحمار، أى نهيقه، واختير صيغة الأمر مع أن المراد الإخبار للمبالغة، كقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : قوموا فالأصل لكم" تفسير : وقد اعتبر معنى الأمر حتى جزم فى جوابه، وهو قوله عز وجل: {يأخُذه عدوّ لى وعدوّ له} أو لما قضى الله عز وجل أن يلقيه اليم، كان قضاؤه كأمر للبحر، جعل البحر كالمتميز الممتثل للأمر، تشبيهاً مصغراً مرموزاً إليه باللازم، وهو الأمر فإن المميز لا يؤمر، فإثبات الأمر تخييل، وهاءات اقذفيه الى قوله: {وعدو له} لموسى، ولو صلح ما قبل عدو له للتابوت، لأن المقصود بالذات موسى، وعليه الكلام، وفى ذلك عدم تفكيك الضمائر، وهو أولى، وقيل عائدات للتابوت إلا هاء {عدو له}. وقال بعض: إن هاء يأخذه لموسى أيضا، وفيه أنه لا فرق بينها وبين سائر الهاءات سوى قرنه بعداوة، كالذى قبله، ولا يتعين عود الضمير للأقرب إذ ترجح عوده لغيره لحكمة، ككون المراد بالذات موسى، وأعاد العدو للمبالغة بذكر عداوتين، إذ لم يقل عدو لى وله، ولو قاله لصح، وليس فيه الجمع بين الحقيقة والمجاز، فضلا عن أن يخرج على عموم المجاز، لأن فرعون عدو لله حين الأخذ، وعدو لموسى أيضا إذ كان يبغض الأولاد لما علم أن ملكه يزول على يد ولد، فلا حاجة الى ما قيل إنه عدو لله فى الحين ولموسى فى ما بعد. {وألْقيتُ علَيْك محبةً منِّى} نعت محبة، أو متعلق بألقيت، ولا يمنعه عمل عامل فى ضميرين لواحد، لأن أحدهما بجار، والمراد محبة عظيمة، ما بالك بشىء هو من الله بإخباره أنه من الله عز وجل، كل من رآه أحبه، ولا يصبر عنه كحال عينيه، ومسحة جمال عليه فى جميع أعضائه، وقيل ذلك الحب حب الله إياه ألقاه فى القلوب إنعاماً عليه، لا على طريق الثواب، لأنه وليد لا عمل له إذا أحب الله عبداً ألقى حبه فى القلوب، ولعله لما سيعمل رأى التابوت هو وزوجه من موضع مشرف على النيل، على رأس بركة فى بستان فى الساحل، فأمر به ففتح فإذا صبى أصبح الناس وجهاً. وقيل إن التابوت جاء الى المشرعة التى تستقى منها جوارى فرعون، فحطن به يحسبنه مالاً، وطلبت أن يتخذه ولداً، وقد أخذ جماله بمجامع قلبها وقلبه، وقالت: إنه قرة عين لى ولك، فقال لها: لك ولا حاجة لى فيه، وقد أخذ حبه بقلبه إذ رآه إلا أنه كتم ذلك، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : لو قال مثلها لهداه الله به كما هداها به" تفسير : كما روى عن ابن عباس وفى حضرته حين رآه أربعمائة غلام وجارية، وقال من أخذه فهو حر، فأخذه واحد وأعتق الكل. {ولتُصْنع على عَيْنى} عطف على المحذوف المتعلق بألقيت، أى وألقيت عليك المحبة لتكون محبوباً عند كسل من رأك، ولتصنع على عينى، أو ليتعطف عليك، ولتصنع على عينى أو متعلق بالمحذوف المعطوف على ألقيت أى فعلت ذلك الإلقاء لتصنع، ومعنى تصنع تكرم، أو تفعل بك الصنيعة، وهى الإحسان، وهو أن يربى بالحنو والشفقة والإرضاع الحسن، وعلى عينى حال من ضمير تصنع، ومعناه بمرأى منى، وذلك على الاستعارة التمثيلية للحفظ والصون، فإن المصون يراعى ويراقب، كما يراقب الشىء بالعين، ويحضر عنده إذا اعتنى به، وهذا إكرام وتخصيص. وليس المراد مطلق كونه بالله فضلا عن أن يرد أن كل أحد كذلك، بل لو أريد هذا لقيل إنه خصت هذه العبارة بموسى، ولو كان معناها لغيره أيضا تشريفاً، كما خص الكعبة ببيت الله، وكل بيت لله تعالى.

الالوسي

تفسير : {وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ } استئناف مسوق لتقرير ما قبله وزيادة توطين لنفس موسى عليه السلام بالقبول ببيان أنه تعالى حيث أنعم عليك بتلك النعم التامة من غير سابقة دعاء وطلب منه فلأن ينعم عليه بمثلها وهو طالب له وداع أولى وأحرى. وتصديره بالقسم لكمال الاعتناء بذلك أي وبالله لقد أنعمنا {مَرَّةً أُخْرَىٰ } أي في وقت غير هذا الوقت على أن أخرى تأنيث آخر بمعنى مغايرة. و{مَرَّةً } ظرف زمان والمراد به الوقت الممتد الذي وقع فيه ما سيأتي إن شاء الله تعالى ذكره في المنن العظيمة الكثيرة. وهو في الأصل اسم للمرور الواحد ثم أطلق على كل فعلة واحدة متعدية كانت أو لازمة ثم شاع في كل فرد واحد من أفراد ماله أفراد متجددة فصار علماً في ذلك حتى جعل معياراً لما في معناه من سائر الأشياء فقيل هذا بناء المرة ويقرب منه الكرة والتارة والدفعة. وقال أبو حيان: المراد منه غير هذه المنة وليست {أُخْرَىٰ } تأنيث آخر بكسر الخاء لتكون مقابلة للأولى. وتوهم ذلك بعضهم فقال: سماها سبحانه أخرى وهي أولى لأنها أخرى في الذكر.

ابن عاشور

تفسير : جملة {ولقد مَنَنَّا عليْكَ} معطوفة على جملة {أية : قد أوتيتَ سُؤْلك}تفسير : [طه: 36] لأنّ جملة {قد أوتيت سؤلك} تتضمن منّة عليه، فعطف عليها تذكير بمنّة عليه أخرى في وقت ازدياده ليعلم أنّه لما كان بمحل العناية من ربّه من أوّل أوقات وجوده فابتدأه بعنايته قبل سؤاله فعنايته به بعدَ سؤاله أحْرى، ولأن تلك العناية الأولى تمهيد لما أراد الله به من الاصطفاء والرسالة، فالكرم يقتضي أن الابتداء بالإحسان يستدعي الاستمرار عليه. فهذا طمأنة لفؤاده وشرح لصدره ليعلم أنه سيكون مؤيّداً في سائر أحواله المستقبلة، كقوله تعالى لمحمد: {أية : ولسوف يعطيك ربك فترضى ألم يجدك يتيماً فآوى ووجدك ضالاً فهدى ووجدك عائلاً فأغنى}تفسير : [الضحى: 5 ــــ 8]. وتأكيد الخبر بلام القسم و (قد) لتحقيق الخبر، لأنّ موسى - عليه السلام - قد علم ذلك، فتحقيق الخبر له تحقيق للازمه المراد منه، وهو أن عناية الله به دائمة لا تنقطع عنه زيادة في تطمين خاطره بعد قوله تعالى: {أية : قد أوتيت سؤلك}تفسير : [طه: 36]. والمَرّة: فَعلة من المرور، غلبت على معنى الفَعلة الواحدة من عمل معيّن يعرف بالإضافة أو بدلالة المقام. وقد تقدمت عند قوله تعالى: {أية : وهم بدأوكم أول مرة} تفسير : في سورة براءة (13). وانتصاب مَرَّةً} هنا على المفعولية المطلقة لفعل {مَنَنَّا}، أي مرّة من المنّ. ووصفها بـ{أخرى} هنا باعتبار أنها غير هذه المنّة. و{إذْ} ظرف للمنّة. والوحي، هنا: وحي الإلهام الصادق. وهو إيقاع معنى في النفس ينثلج له نفس الملقى إليه بحيث يجزم بنجاحه فيه وذلك من توفيق الله تعالى. وقد يكون بطريق الرؤيا الصالحة التي يقذف في نفس الرائي أنها صدق. و{ما يُوحَىٰ} موصول مفيد أهمية ما أوحي إليها. ومفيد تأكيد كونه إلهاماً من قبل الحق. و{أنِ} تفسير لفعل {أوْحَيْنَا} لأنه معنى القول دون حروفه أو تفسير لـ{يوحى}. والقذف: أصله الرمي، وأطلق هنا على الوضع في التابوت، تمثيلاً لهيئة المُخفى عمله، فهو يسرع وضعه من يده كهيئة من يقذف حجراً ونحوه. والتابوت: الصندوق. وتقدّم عند قوله تعالى: {أية : إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت} تفسير : في سورة البقرة (248). واليمّ: البحر، والمراد به نهر النّيل. والساحل: الشاطىء، ولام الأمر في قوله {فَلْيُلْقِهِ} دالة على أمر التكوين، أي سخرنا اليَمّ لأن يلقيه بالساحل، ولا يبتعد به إلى مكان بعيد، والمراد ساحل معهود، وهو الذي يقصده آل فرعون للسباحة. والضمائر الثلاثة المنصوبة يجوز أن تكون عائدة إلى موسى لأنّه المقصود وهو حاضر في ذهن أمّه الموحى إليها، وقَذفه في التّابوت وفي اليَمّ وإلقاؤه في الساحل كلها أفعال متعلّقة بضميره، إذ لا فرق في فعل الإلقاء بين كونه مباشراً أو في ضمن غيره، لأنه هو المقصود بالأفعال الثلاثة. ويجوز جعل الضميرين الأخيرين عائدين إلى التابوت ولا لبس في ذلك. وجزم {يَأْخُذْهُ} في جواب الأمر على طريقة جزم قوله {أية : يفقهوا قولي}تفسير : [طه: 28] المتقدم آنفاً. والعدوّ: فرعون، فهو عدوّ الله لأنه انتحل لنفسه الإلهية، وعدوّ موسى تقديراً في المستقبل، وهو عدوّه لو علم أنه من غلمان إسرائيل لأنّه اعتزم على قتل أبنائهم. {وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّى} عطف على جملة {أوحينا} أي حين أوحينا إلى أمّك ما كان به سلامتك من الموت، وحين ألقيت عليك محبّة لتحصل الرقّة لواجده في اليَمّ، فيحرص على حياته ونمائه ويتخذه ولداً كما جاء في الآية الأخرى {أية : وقالت امرأة فرعون قرّةُ عينٍ لي ولك لا تقتلوه}تفسير : [القصص: 9]؛ لأنّ فرعون قد غلب على ظنه أنّه من غلمان إسرائيل وليس من أبناء القبط، أو لأنه يخطر بباله الأخذ بالاحتياط. وإلقاء المحبة مجاز في تعلّق المحبة به، أي خلق المحبّة في قلب المحبّ بدون سبب عاديّ حتى كأنه وضعٌ باليد لا مقتضي له في العادة. ووصف المحبّة بأنها من الله للدّلالة على أنها محبّة خارقة للعادة لعدم ابتداء أسباب المحبّة العرفيّة من الإلف والانتفاع، ألا ترى قول امرأة فرعون: {أية : عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولداً}تفسير : [القصص: 9] مع قولها: {أية : قرّة عين لي ولك}تفسير : [القصص: 9]، فكان قرة عين لها قبل أن ينفعها وقبل اتخاذه ولداً. جملة {ولتصنع على عيني} عطف على جملة {إذ أوحينا إلى أمك الخ. جُعل الأمران إتماماً لمنّة واحدة لأن إنجاءه من القتل لا يظهر أثره إلاّ إذا أنجاه من الموت بالذبول لترك الرضاعة، ومن الإهمال المفضي إلى الهلاك أو الوهن إذا ولي تربيته من لا يشفق عليه الشفقة الجبليّة. والتقدير: وإذ تمشي أختك فتقول هل أدلكم على من يكفله لأجل أن تُصنع على عيني. والصنع: مستعار للتربية والتنمية، تشبيهاً لذلك بصنع شيء مصنوع، ومنه يقال لمن أنعم عليه أحد نعمة عظيمة: هو صنيعة فلان. وأخت موسى: مريم ابنة عمران. وفي التّوراة: أنّها كانت نبيئة كما في الإصحاح الخامس عشر من سفر الخروج. وتوفيت مريم سنة ثلاث من خروج بني إسرائيل من مصر في برية صِين كما في الإصحاح التاسع عشر من سفر العدد. وذلك سنة 1417 قبل المسيح. وقرأه الجمهور بكسر اللام على أنها لام كي وبنصب فعل تُصنَعَ. وقرأه أبو جعفر بسكون اللاّم على أنها لام الأمر وبجزم الفعل على أنّه أمر تكويني، أي وقلنا: لتصنع. وقوله {على عيني} (على) منه للاستعلاء المجازي، أي المصاحبة المتمكنة، فعلى هنا بمعنى باء المصاحبة قال تعالى: {أية : فإنك بأعيننا}تفسير : [الطور: 48]. والعَين: مجاز في المراعاة والمراقبة كقوله تعالى: {أية : واصنع الفلك بأعيننا}تفسير : [هود: 37]، وقول النابغة:شعر : عهدتك ترعاني بعينٍ بصيرة وتبعثُ حُراساً عليّ وناظِرا تفسير : ووقع اختصار في حكاية قصة مشي أخته، وفصّلت في سورة القصص. والاستفهام في {هَلْ أدُلُكُمْ} للعَرْض. وأرادت بـــ{مَن يَكْفُلُهُ} أمّه. فلذلك قال {فَرَجَعْنٰكَ إلى أُمِّكَ}. وهذه منّة عليه لإكمال نمائه، وعلى أمّه بنجاته فلم تفارق ابنها إلاّ ساعات قلائل، أكرمها الله بسبب ابنها. وعطفُ نفي الحزن على قرّة العين لتوزيع المنّة، لأنّ قرّة عينها برجوعه إليها. وانتفاءَ حزنها بتحقق سلامته من الهلاك ومن الغرق وبوصوله إلى أحسن مأوى. وتقديم قرّة العين على انتفاء الحزن مع أنها أخص فيغني ذكرها عن ذكر انتفاء الحزن؛ روعي فيه مناسبة تعقيب {فَرَجَعْنٰكَ إلى أُمِّكَ} بما فيه من الحكمة، ثم أكمل بذكر الحكمة في مشي أخته فتقول: {هل أدلكم على من يكفله} في بيتها، وكذلك كان شأن المراضع ذوات الأزواج كما جاء في حديث حليمة، وكذلك ثبت في التّوراة في سفر الخروج. فجملة {وقَتَلْتَ} عطف على جملة {ولقد منّنا عليك مرة أخرى} لأنّ المذكور في جملة {وقتلت نفساً} منّة أخرى ثالثة. وقدم ذكر قتله النفس على ذكر الإنجاء من الغم لتعظيم المنّة، حيث افتتحت القصّة بذكر جناية عظيمة التبعة، وهي قتل النّفس ليكون لقوله {فَنَجَّينٰكَ} موقع عظيم من المنّة، إذ أنجاه من عقوبة لا ينجو من مثلها مثلُه. وهذه النفس هي نفس القبطيّ من قوم فرعون الذي اختصم مع رجل من بني إسرائيل في المدينة فاستغاث الإسرائيلي بموسى لينصره فوكز موسى القبطيّ فقضى عليه كما قصّ ذلك في سورة القصص. والغمّ: الحزن. والمعنيّ به ما خامر موسى من خوف الاقتصاص منه، لأنّ فرعون لما بلغه الخبر أضمر الاقتصاص من موسى للقبطي إذ كان القبط سادة الإسرائيليين، فليس اعتداء إسرائيلي على قبطي بهيّن بينهم. ويظهر أنّ فرعون الذي تبنى موسى كان قد هلك قبل ذلك. والفُتون: مصدر فَتن، كالخُروج، والثُبور، والشُكور، وهو مفعول مطلق لتأكيد عامله وهو {فتنّاك}، وتنكيرهُ للتعظيم، أي فتوناً قويّاً عظيماً. والفتون كالفتنة: هو اضطراب حال المرء في مدّة من حياته. وتقدّم عند قوله تعالى: {أية : والفتنة أشدّ من القتل} تفسير : في سورة البقرة (191). ويظهر أن الفتون أصل مصدر فتن بمعنى اختبر، فيكون في الشرّ وفي الخير. وأما الفتنة فلعلّها خاصة باختبار المضرّ. ويظهر أن التنوين في فتوناً للتقليل، وتكون جملة {وفتنٰكَ فُتُوناً} كالاستدراك على قوله {فنجَّيْنٰكَ مِنَ الغَمّ}، أي نجيناك وحصل لك خوف، كقوله {أية : فأصبح في المدينة خائفاً يترقب}تفسير : [القصص: 18] فذلك الفتون. والمراد بهذا الفتون خوف موسى من عقاب فرعون وخروجه من البلد المذكور في قوله تعالى: {أية : فأصبح في المدينة خائفاً يترقب}تفسير : [القصص: 18] إلى قوله: {أية : وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى قال يا موسى إنّ الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج إني لك من الناصحين فخرج منها خائفاً يترقّب قال رب نجنّي من القوم الظالمين}تفسير : [القصص: 21]. وذكر الفتون بين تعداد المنن إدماج للإعلام بأن الله لم يهمل دم القبطيّ الذي قتله موسى، فإنه نفس معصومة الدم إذ لم يحصل ما يوجب قتله لأنّهم لم تَرِد إليهم دعوة إلهية حينئذ. فحين أنجى الله موسى من المؤاخذة بدمه في شرع فرعون ابتلَى موسى بالخوف والغربة عتاباً له على إقدامه على قتل النفس، كما قال في الآية الأخرى: {أية : قال هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين قال رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له}تفسير : [القصص: 15 ــــ 16]. وعباد الله الذين أراد بهم خيراً ورعاهم بعنايته يجعل لهم من كلّ حالة كمالاً يكسبونه، ويُسمى مثل ذلك بالابتلاء، فكان من فتون موسى بقضيّة القبطيّ أن قدر له الخروج إلى أرض مدين ليكتسب رياضة نفس وتهيئةَ ضمير لتحمّل المصاعب، ويتلقّى التهذيب من صهره الرسول شعيب ــــ عليه السلام ــــ. ولهذا المعنى عقب ذكر الفتون بالتفريع في قوله {فَلِبثْتَ سِنينَ في أهلِ مَديَنَ ثمَّ جِئْتَ على قَدَرٍ يامُوسى} فبين له كيف كانت عاقبة الفتون. أو يكون الفتون مشتركاً بين محمود العاقبة وضدّه مثل الابتلاء في قوله: {أية : وبلوناهم بالحسنات والسيئات}تفسير : [الأعراف: 168]، أي واختبرناك اختباراً، والاختبار: تمثيل لحال تكليفه بأمر التبليغ بحال من يختبر، ولهذا اختير هنا دون الفتنة. وأهل مدين: قوم شعيب. ومَدْيَن: اسم أحد أبناء إبراهيم ــــ عليه السلام ــــ سكنت ذريته في مواطن تسمى الأيْكة على شاطىء البحر الأحمر جنوب عقبة أيلة، وغلب اسم القبيلة على الأرض وصار علماً للمكان فمن ثمّ أضيف إليه (أهل). وقد تقدم في سورة الأعراف. ومعنى {جئتَ} حضرتَ لدينا، وهو حضوره بالواد المقدّس لتلقي الوحي. و (على) للاستعلاء المجازي بمعنى التمكن؛ جعل مجيئه في الوقت الصالح للخير بمنزلة المستعلي على ذلك الوقت المتمكن منه. والقدَر: تقدير الشيء على مقدار مناسب لما يريد المقدّر بحيث لم يكن على سبيل المصادفة، فيكون غير ملائم أو في ملاءَمتِه خلَل، قال النّابغة:شعر : فريع قلبي وكانتْ نظرةً عرضت يوماً وتوفيق أقدار لأقدار تفسير : أي موافقة ما كنتُ أرغبه. فقوله {ثم جئت على قدر} يفيد أنّ ما حصل لموسى من الأحوال كان مقدّراً من الله تقديراً مناسباً متدرجاً، بحيث تكون أعماله وأحواله قد قدّرها الله وحددها تحديداً منظماً لأجل اصطفائه وما أراد الله من إرساله، فالقدر هنا كناية عن العناية بتدبير إجراء أحواله على ما يسفر عن عاقبة الخير. فهذا تقدير خاص، وهو العناية بتدرج أحواله إلى أن بلغ الموضع الذي كلّمه الله منه. وليس المراد القَدر العام الذي قدّره الله لتكوين جميع الكائنات، فإن ذلك لا يُشعر بمزية لموسى ــــ عليه السلام ــــ. وقد انتبَه إلى هذا المعنى جرير بذوقه السليم فقال في مدح عمر بن عبد العزيز:شعر : أتى الخلافة إذْ كانت له قَدراً كما أتَى ربّه موسى على قَدَر تفسير : ومن هنا ختم الامتنان بما هو الفذلكة، وذلك جملة {واصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي} الذي هو بمنزلة ردّ العجز على الصدر على قوله {ولتصنع على عيني إذ تمشي أختك} الآية، وهو تخلص بديع إلى الغرض المقصود وهو الخطاب بأعمال الرسالة المبتدأ من قوله: {أية : وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى}تفسير : [طه: 13] ومن قوله: {أية : اذهب إلى فرعون إنّه طغى}تفسير : [طه: 24]. والاصطناع: صنع الشيء باعتناء. واللام للأجْل، أي لأجْل نفسي. والكلام تمثيل لِهيئة الاصطفاء لتبليغ الشريعة بهيئة من يصطنع شيئاً لفائدة نفسه فيصرف فيه غاية إتقان صنعه.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَىٰ إِذْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّكَ مَا يُوحَىٰ أَنِ ٱقْذِفِيهِ فِي ٱلتَّابُوتِ فَٱقْذِفِيهِ فِي ٱلْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ ٱلْيَمُّ بِٱلسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ}. ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة. أنه منَّ على موسى مرة أخرى قبل مَنِّه عليه بالرسالة ورسالة أخيه معه، وذلك بإنجائه من فرعون وهو صغير، إذ أوحى إلى أمه أي ألهمها وقذف في قلبها، وقال بعضهم: هي رؤيا منام. وقال بعضهم: أوحى إليها ذلك بواسطة ملك كلمها بذلك. ولا يلزم من الإيحاء في أمر خاص أن يكون الموحى إليه نبياً، و "أن" في قوله {أَنِ ٱقْذِفِيهِ} هي المفسرة، لأن الإيحاء فيه معنى القول دون حروفه. والتعبير بالموصول في قوله {مَا يُوحَىٰ} للدلالة على تعظيم شأن الأمر المذكور، كقوله: {أية : فَغَشِيَهُمْ مِّنَ ٱلْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ} تفسير : [طه: 78]، وقوله {أية : فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَآ أَوْحَىٰ} تفسير : [النجم: 10] والتابوت: الصندوق. واليم: البحر. والساحل: شاطئ البحر. والبحر المذكور: نيل مصر. والقذف: الإلقاء والوضع، ومنه قوله تعالى: {أية : وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعْبَ} تفسير : [الأحزاب: 26] ومعنى {أَنِ ٱقْذِفِيهِ فِي ٱلتَّابُوتِ} أي ضعيه في الصندوق. والضمير في قوله {أَنِ ٱقْذِفِيهِ} راجع إلى موسى بلا خلاف. وأما الضمير في قوله {فَٱقْذِفِيهِ فِي ٱلْيَمِّ} وقوله {فَلْيُلْقِهِ} فقيل: راجع إلى التابوت. والصواب رجوعه إلى موسى في داخل التابوت، لأن تفريق الضمائر غير حسن، وقوله {يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ} هو فرعون، وصيغة الأمر في قوله {فَلْيُلْقِهِ ٱلْيَمُّ بِٱلسَّاحِلِ} فيها وجهان معروفان عند العلماء: أحدهما ـ أن صيغة الأمر معناها الخبر، قال أبو حيان في البحر المحيط: و {فَلْيُلْقِهِ} أمر معناه الخبر، وجاء بصيغة الأمر مبالغة، إذ الأمر أقطع الأفعال وأوجبها. الوجه الثاني ـ أن صيغة الأمر في قوله {فَلْيُلْقِهِ} أريد بها الأمر الكوني القدري، كقوله {أية : إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} تفسير : [يس: 82] فالبحر لا بد أن يلقيه بالساحل، لأن الله أمره بذلك كوناً وقدراً. وقد قدمنا ما يشبه هذين الوجهين في الكلام على قوله تعالى: {أية : فَلْيَمْدُدْ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ مَدّاً} تفسير : [مريم: 75]. وما ذكره جل وعلا في هذه الآيات ـ أوضحه في غير هذا الموضع، كقوله في "القصص": {أية : وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي ٱليَمِّ وَلاَ تَخَافِي وَلاَ تَحْزَنِيۤ إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ فَٱلْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً} تفسير : [القصص: 7 - 8] وقد بين تعالى شدة جزع أمه عليه لما ألقته في البحر، وألقاه في اليم بالساحل، وأخذه عدوه فرعون في قوله تعالى: {أية : وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَىٰ فَارِغاً إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلاۤ أَن رَّبَطْنَا عَلَىٰ قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} تفسير : [القصص: 10]. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة {يَأْخُذْهُ} مجزوم في جواب الطلب الذي هو {فَلْيُلْقِهِ ٱلْيَمُّ بِٱلسَّاحِلِ} وعلى أنه بمعنى الأمر الكوني فالأمر واضح. وعلى أنه بمعنى الخبر فالجزم مراعاة لصيغة اللفظ. والعلم عند الله تعالى. وذكر في قصتها أنها صنعت له التابوت وطلته بالقار ـ وهو الزفت ـ لئلا يتسرب منه الماء إلى موسى في داخل التابوت، وحشته قطناً محلوجاً. وقيل: إن التابوت المذكور من شجر الجميز، وأن الذي نجره لها هو مؤمن آل فرعون، قيل: واسمه حزقيل. وكانت عقدت في التابوت حبلاً فإذا خافت على موسى من عيون فرعون أرسلته في البحر وأمسكت طرف الحبل عندها، فإذا أمنت جذبته إليها بالحبل. فذهبت مرة لتشد الحبل في منزلها فانفلت منها وذهب البحر بالتابوت الذي فيه موسى فحصل لها بذلك من الغم والهم ما ذكره الله تعالى في قوله {أية : وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَىٰ فَارِغاً} تفسير : [القصص: 10] الآية. وما ذكره جلا وعلا في هذه الآية الكريمة من مننه المتتابعة على موسى حيث قال {وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَىٰ} [طه: 37] ـ أشار إلى ما يشبهه في قوله: {أية : وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَارُونَ} تفسير : [الصافات: 114] الآية. قوله تعالى: {وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي}. من آثار هذه المحبة التي ألقاها الله على عبده ونبيه موسى وعليه وعلى نبينا الصلاة والسلام ـ ما ذكره جل وعلا في "القصص" في قوله: {أية : وَقَالَتِ ٱمْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ لاَ تَقْتُلُوهُ} تفسير : [القصص: 9] الآية، قال ابن عباس {وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي}: أي أحبه الله وحببه إلى خلقه. وقال ابن عطية: جعل عليه مسحة من جمال. لا يكاد يصبر عنه من رآه. وقال قتادة: كانت في عيني موسى ملاحة، ما رآه أحد إلا أحبه وعشقه. قاله القرطبي.

د. أسعد حومد

تفسير : (37) - ثُمَّ قَالَ لَهُ تَعَالَى: إِنَّهُ قَدْ سَبَقَ لَهُ أَنْ مَنَّ اللهُ عَلَيْهِ، مَرَّةً أُخْرَى، إِذْ تَوَلاَّهُ بِعِنَايَتِهِ، وَأَكْرَمَهُ وَحِفَظَهُ وَرَعَاهُ، وَلِذلِكَ فَإِنَّهُ لَنْ يَضَنَّ عَلَيهِ بِإِجَابَةِ دَعْوَتِهِ فِيمَا سَأَلَ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : (مّننا) من المنة، وهي العطاء بلا مقابل على خلاف الجزاء، وهو العطاء مقابل عمل {مَرَّةً أُخْرَىٰ} [طه: 37] إذن: هناك مرة أولى، لكن المراد بالمنّة هنا ما حدث من الوحي إلى أم موسى وهو صغير، فهي في الحقيقة المنّة الأولى إنما قال هنا {مَرَّةً أُخْرَىٰ} [طه: 37] هذا ترتيب ذكري حَسْب ذِكْر الأحداث. فمتى كانت هذه المنّة؟

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : لما ذكر منته على عبده ورسوله، موسى بن عمران، في الدين، والوحي، والرسالة، وإجابة سؤاله، ذكر نعمته عليه، وقت التربية، والتنقلات في أطواره فقال: { وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى } حيث ألهمنا أمك أن تقذفك في التابوت وقت الرضاع، خوفا من فرعون، لأنه أمر بذبح أبناء بني إسرائيل، فأخفته أمه، وخافت عليه خوفا شديدا فقذفته في التابوت، ثم قذفته في اليم، أي: شط نيل مصر، فأمر الله اليم، أن يلقيه في الساحل، وقيض أن يأخذه، أعدى الأعداء لله ولموسى، ويتربى في أولاده، ويكون قرة عين لمن رآه، ولهذا قال: { وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي } فكل من رآه أحبه { وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي } ولتتربى على نظري وفي حفظي وكلاءتي، وأي نظر وكفالة أجلّ وأكمل، من ولاية البر الرحيم، القادر على إيصال مصالح عبده، ودفع المضار عنه؟! فلا ينتقل من حالة إلى حالة، إلا والله تعالى هو الذي دبّر ذلك لمصلحة موسى، ومن حسن تدبيره، أن موسى لما وقع في يد عدوه، قلقت أمه قلقا شديدا، وأصبح فؤادها فارغا، وكادت تخبر به، لولا أن الله ثبتها وربط على قلبها، ففي هذه الحالة، حرم الله على موسى المراضع، فلا يقبل ثدي امرأة قط، ليكون مآله إلى أمه فترضعه، ويكون عندها، مطمئنة ساكنة، قريرة العين، فجعلوا يعرضون عليه المراضع، فلا يقبل ثدياً، فجاءت أخت موسى، فقالت لهم: {أية : هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون }. تفسير : { فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْسًا } وهو القبطي لما دخل المدينة وقت غفلة من أهلها، وجد رجلين يقتتلان، واحد من شيعة موسى، والآخر من عدوه قبطي {أية : فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه فوكزه موسى فقضى عليه } تفسير : فدعا الله وسأله المغفرة، فغفر له، ثم فر هاربا لما سمع أن الملأ طلبوه، يريدون قتله. فنجاه الله من الغم من عقوبة الذنب، ومن القتل، { وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا } أي: اختبرناك، وبلوناك، فوجدناك مستقيما في أحوالك أو نقلناك في أحوالك، وأطوارك، حتى وصلت إلى ما وصلت إليه، { فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ } حين فر هاربا من فرعون وملئه، حين أرادوا قتله، فتوجه إلى مدين، ووصل إليها، وتزوج هناك، ومكث عشر سنين، أو ثمان سنين، { ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى } أي: جئت مجيئا قد مضى به القدر، وعلمه الله وأراده في هذا الوقت وهذا الزمان وهذا المكان، ليس مجيئك اتفاقا من غير قصد ولا تدبير منا، وهذا يدل على كمال اعتناء الله بكليمه موسى عليه السلام، ولهذا قال: { وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي } أي: أجريت عليك صنائعي ونعمي، وحسن عوائدي، وتربيتي، لتكون لنفسي حبيبا مختصا، وتبلغ في ذلك مبلغا لا يناله أحد من الخلق، إلا النادر منهم، وإذا كان الحبيب إذا أراد اصطناع حبيبه من المخلوقين، وأراد أن يبلغ من الكمال المطلوب له ما يبلغ، يبذل غاية جهده، ويسعى نهاية ما يمكنه في إيصاله لذلك، فما ظنك بصنائع الرب القادر الكريم، وما تحسبه يفعل بمن أراده لنفسه، واصطفاه من خلقه؟!!