٢٠ - طه
20 - Ta-Ha (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
38
Tafseer
المحلي و السيوطي
تفسير : {إِذْ } للتعليل {أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّكَ } مناماً أو إلهاماً لما ولدتك وخافت أن يقتلك فرعون في جملة من يولد {مَا يُوحَىٰ } في أمرك.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {إِذْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّكَ مَا يُوحَىٰ أَنِ ٱقْذِفِيهِ فِي ٱلتَّابُوتِ فَٱقْذِفِيهِ فِي ٱلْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ ٱلْيَمُّ بِٱلسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ}. كان ذلك وحيَ إلهامٍ؛ ألقَى اللَّهُ في قلبها أن تجعله في تابوت، وتلقيه في اليمِ يعني نهر النيل، فَفَعَلَتْ، فألقاه النهر على الساحل، فَحُمِلَ إلى فرعون. فَلَمَّا وَقَعَ بَصَرُ امرأةِ فرعون عليه باشر حبُّه قلبَها، وكذلك وقعت محبتُه في قلبِ فرعون، ولكنها كانت أضعفَ قلباً، فسبقت بقولها: {أية : قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ لاَ تَقْتُلُوهُ....}تفسير : [القصص: 9]، ولولا أنها عَلِمَتْ أنه أخذ شعبةً من قلبِ فرعون ما أخذ من قلبها لم تقل: {أية : قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ}تفسير : [القصص: 9]. قوله: {يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ}: ربَّاه في حِجْرِ العدو وكان قد قَتَلَ بسببه ألوفاً من الوالدان... ولكنْ مِنْ مَأمنِهِ يُؤْتى الحَذِرُ! وبلاءُ كلِّ أحدٍ كان بَعْدَه إلا بَلاءَ موسى عليه السلام فإنه تَقَدَّمَ عليه بسنين؛ ففي اليوم الذي أخذ موسى في حِجْرِه كان قد أمر بقتل كثير من الولدان، ثم إنه ربَّاه ليكونَ إهلاكُ مُلْكِهِ على يده... لِيُعْلَمَ أَنَّ أَسرارَ الأقدار لا يعلمها إلا الجبارُ. يقال كان فرعون يُسَمَّى والدَ موسى وأباه - ولم يكن. وكان يقال لأُمِّ موسى ظئر موسى - ولم تكن؛ فَمِنْ حيثُ الدعوى بالأبوة لم يكن لها تحقيق، ومن حيث كان المعنى والحقيقة لم يكن عند ذلك خبر ولا عند الآخر من ذلك معرفة... هكذا الحديث والقصة. ولقد جاء في القصة أنّ موسى لمَّا وَضِعَ في حِجْر فرعون لَطَمَ وجهه فقال: إنَّ هذا من أولاد الأعداء فيجب أَنْ يُقْتَلَ، فقالت امرأتُه: إنه صبيٌّ لا تمييزَ له، ويشهد لهذا أنه لا يُمَيِّزُ بين النار وبين غيرها من الجواهر والأشياء، وأرادت أن يصدِّق زوجُها قالتَها، فاستحضرت شيئاً من النار وشيئاً من الجواهر، فأراد موسى عليه السلام أن يمدَّ يَدَه إلى الجواهر فأخذ جبريلُ عليه السلام بيده وصَرَفَها إلى النار فأخَذَ جَمْرةً بيده، وقرَّبها مِنْ فيه فاحترقَ لِسانُه - ويقال إنَّ العقدةَ التي كانت على لسانه كانت من ذلك الاحتراق - فعند ذلك قالت امرأةُ فرعون: ها قد تبينَّ أن هذا لا تمييزَ له، فقد أخذ الجمرة إلى فيه. وتخلَّص موسى بهذا مما حصل منه من لَطْمِ فرعون. ويقال إنهم شاهدوا ولم يشعروا أنه لم يحترق مِنْ أَخْذِ الجمرة وهو صبيٌّ رضيع، ثم احترق لسانه، فعلم الكلُّ أن هذا الأمر ليس بالقياس. فإنه سبحانه فعَّال لما يريد. قوله جلّ ذكره: {وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي}. أي أحببتك. ويقال في لفظ الناس: فلانٌ ألقى محبته على فلان أي أَحَبَّه. ويقال: {وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي}: أي طَرَحْتُ في قلوب الناس محبةً لك، فالحقُّ إذا أحبَّ عبداً فكلُّ مَنْ شاهده أحبَّه. ويقال لملاحةٍ في عينيه؛ فكان لا يراه أحدٌ إلا أَحَبَّه. ويقال: {وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي}: أي أثْبَتُّ في قلبك محبتي؛ فإن محبةَ العبدِ لله لا تكون إلا بإثباتِ الحق - سبحانه - ذلك في قلبه، وفي معناه أنشدوا: شعر : إنَّ المحبةَ أَمْرُها عَجَبٌ تُلْقَى عليكَ وما لها سَبَبُ تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِيۤ}. أي بمرأىً مني، ويقال لا أُمَكِّن غيري بأَنْ يستَبْعِدَكَ عني. ويقال أحفظك من كل غَيْرٍ، ومن كلِّ حديثٍ سوى حديثنا. ويقال ما وَكَلْنَا حِفْظَكَ إلى أحدٍ.
اسماعيل حقي
تفسير : {اذا اوحينا الى امك} ظرف لمننا والمراد من هذا الوحى ليس الوحى الواصل الى الانبياء لان ام موسى ما كانت من الانبياء فان المرأة لا تصلح للامارة والقضاء فكيف تصلح للنبوة بل الالهام كما فى قوله تعالى {أية : واوحى ربك الى النحل}تفسير : بان اوقع الله فى قلبها عزيمة جازمة على ما فعلته من اتخاذ التابوت والقذف. قال فى الاسئلة المقحمة كيف يجوز لها ان تلقى ولدها فى البحر وتخاطر بروحه بمجرد الالهام والجواب كانت مضطرة الى ركوب احد الخطرين فاختارت له خير الشرين انتهى والظاهر ان الله تعالى قدر انها تكون صدف درة وجود موسى فكما ان الصدف يتنور بنور الدرة نور صدر امه ايضا بنور الوحى من تلألؤ انوار نبوته ورسالته فهذا الالهام من احوال الخواص من اهل الحال {ما يوحى} المراد به ما سيأتى من الامر بقذفه فى التابوت والبحر ابهم اولا تهويلا له وتفخيما لشأنه عليه السلام ثم فسر ليكون اقر عند النفس.
الجنابذي
تفسير : {إِذْ أَوْحَيْنَآ} ظرف لمننّا او بدل من مرّةٍ اخرى ان اعتبر فيها معنى الظّرفيّة فانّ المرّة بمعنى الفعلة من الفعل السّابق عليها لكنّها قد يعتبر فيها معنى الظّرفيّة بتقدير الزّمان قبلها {إِلَىٰ أُمِّكَ} حين تولّدك وخوفها من قتلك {مَا يُوحَىٰ} ما ينبغى ان يوحى ولا يترك لترتّب المصالح العديدة عليه من انجاء بنى اسرائيل من القبطىّ، واهلاك اعداء الله، واحياء العالم بانتشار صيت الرّسالة والوحى كان الهاماً، او على لسان نبىّ وقتها او كان بتحديث الملك فى المنام او فى اليقظة.
اطفيش
تفسير : {إذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى} إذ حرف تعليل أو ظرف بدل من مرة والمعنى إذ أوحينا إلى أمك ما لا يعلم إلا بالوحى وأوحينا إليها ما ينبغى أن يوحى ولا يبخل به لعظم شأنه؛ إذ فيه مصلحة دينية ودنيوية. والإيحاء إلهام أو وحى منام أو على لسان نبى فى وقتها أو ملك لا على وجه النبوة كما أوحى إلى مريم. وقيل: هما نبيتان.
الالوسي
تفسير : ظرف لمننا سواء كان بدلاً من {أية : مَرَّةً} تفسير : [طه: 37] أم لا، وقيل: تعليل وهو خلاف الظاهر، والمراد بالإيحاء عند الجمهور ما كان بإلهام كما في قوله تعالى: {أية : وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَىٰ ٱلنَّحْلِ } تفسير : [النحل: 68] وتعقب بأنه بعيد لأنه قال تعالى في سورة القصص [7] {أية : إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَـٰعِلُوهُ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ } تفسير : ومثله لا يعلم بالإلهام وليس بشيء لأنها قد تكون شاهدت منه عليه السلام ما يدل على نبوته وأنه تعالى لا يضيعه، وإلهام الأنفس القدسية مثل ذلك لا بعد فيه فإنه نوع من الكشف ألا ترى قول عبد المطلب وقد سمى نبينا صلى الله عليه وسلم محمداً فقيل له: لم سميت ولدك محمداً وليس في أسماء آبائك؟: إنه سيحمد، وفي رواية رجوت أن يحمد في السماء والأرض مع أن كون ذلك داخلاً في الملهم ليس بلازم. واستظهر أبو حيان أنه كان ببعث ملك إليها لا على جهة النبوة كما بعث إلى مريم وهو مبني على أن الملك يبعث إلى غير الأنبياء عليهم السلام وهو الصحيح لكن قيل: عليه أنه حينئذ ينتقض تعريف النبـي بأنه من أوحي إليه، ولو قيل: من أوحي إليه على وجه النبوة دار التعريف وأجيب بأنه لا يتعين ذلك. ولو قيل: من أوحي إليه بأحكام شرعية لكنه لم يؤمر بتبليغها لم يلزم محذور. وقال الجبائي: إنه كان بالإراءة مناماً. وقيل: كان على لسان نبـي في وقتها كما في قوله تعالى: {أية : وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى ٱلْحَوَارِيّينَ } تفسير : [المائدة: 111] وتعقب بأنه خلاف الظاهر فإنه لم ينقل أنه كان نبـي في مصر زمن فرعون قبل موسى عليه السلام. وأجيب بأن ذلك لا يتوقف على كون النبـي في مصر، وقد كان شعيب عليه السلام نبياً في زمن فرعون في مدين فيمكن أن يكون أخبرها بذلك على أن كثرة أنبياء بني إسرائيل عليهم السلام مما شاع وذاع، والحق أن إنكار كون ذلك خلاف الظاهر مكابرة. واختلف في اسم أمه عليه السلام والمشهور أنه يوحانذ، وفي «الإتقان» هي محيانة بنت يصهر بن لاوى، وقيل: بارخا، وقيل: بازخت وما اشتهر من خاصية فتح الأقفال به بعد رياضة مخصوصة له مما لم نجد فيه أثراً ولعله حديث خرافة، والمراد بما يوحى ما قصه الله تعالى فيما بعد من الأمر بقذفه في التابوت وقدفه في البحر أبهم أولاً تهويلاً له وتفخيماً لشأنه، ثم فسر ليكون أقر عند النفس، وقيل: معناه ما ينبغي أن يوحى، ولا يخل به لعظم شأنه وفرط الاهتمام به كما يقال هذا مما يكتب، وقيل: ما لا يعلم إلا بالوحي، والأول أوفق بكل من المعاني السابقة المرادة بالإيحاء إلا أنه قيل عليه: إنه لو كان المراد / منه التفخيم والتهويل لقيل إذ أوحينا إلى أمك ما أوحينا كما قال سبحانه {أية : فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَا أَوْحَىٰ }تفسير : [النجم: 10]، وقال تعالى: {أية : فَغَشِيَهُمْ مّنَ ٱلْيَمّ مَا غَشِيَهُمْ } تفسير : [طه: 78] فإن تم هذا فما قيل في معناه ثانياً أولى فتدبر.
د. أسعد حومد
تفسير : (38) - وَكَانَ فِرْعَوْنُ يَقْتُلُ الذُّكُورَ مِنْ مَوَالِيدِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، لِرُؤْيَا رَآهَا فَأَزْعَجَتْهُ، فَلَمَّا وُلِدَ مُوسَى خَافَتْ أُمُّهُ عَلَيْهِ أَنْ يَقْتُلَهُ فِرْعَونُ، فَأَلْهَمَ اللهُ أُمَّ مُوسَى إِلْهَاماً طَمْأَنَ قَلْبَها.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : إذ: يعني وقت أنْ أوحينا إلى أمك ما يُوحَى. فكانت هذه هي المنة الأولى عليك حين وُلدت في عام، يقتل فيه فرعون الذكور، فمنَّنا عليك لما قلنا لأمك: {أية : فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي ٱليَمِّ وَلاَ تَخَافِي وَلاَ تَحْزَنِيۤ إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ}تفسير : [القصص: 7]. ومعنى {مَا يُوحَىٰ} [طه: 38] أي: أمراً عظيماً لك أن تقدره أنت فتذهب فيها نفسك كل مذهب، كما جاء في قوله تعالى: {أية : فَغَشِيَهُمْ مِّنَ ٱلْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ}تفسير : [طه: 78] ويُفصِّل الحق سبحانه هذا الوحي لأم موسى، فيقول تعالى: {أَنِ ٱقْذِفِيهِ فِي ٱلتَّابُوتِ ...}.
الجيلاني
تفسير : وقت {إِذْ أَوْحَيْنَآ} وألهمنا {إِلَىٰ} قلب {أُمِّكَ مَا يُوحَىٰ} [طه: 38] وما يُلهم عند نزول البلاء لنجاة الأحياء وخلاصهم عن ورطة الهلاك، وذلك حين إحاطة شَرَطة فرعون المأمورين بقتل أبناء بني إسرائيل على بيت أمك؛ ليقتلوك ظلماً، فاضطربت أمك، وآيست من حياتك. فألهمناها حينئذٍ: {أَنِ ٱقْذِفِيهِ} واطرحيه {فِي ٱلتَّابُوتِ} المصنوع من الخشب فاتَّخَذتْ تابوتاً ووضعتْك فيها، ثم ألهمناها ثانياً إذا وضعت فيه، توكلي على خالقه وحافظه وفوضي أمره إليه {فَٱقْذِفِيهِ فِي ٱلْيَمِّ} يعني: النيل، ولا تخافي من غرفة {فَلْيُلْقِهِ ٱلْيَمُّ بِٱلسَّاحِلِ} ألبتة؛ إذ من عادة الماء إلقاءُ ما فيه إلى جانبه، فإذا قرب من الساحل ورآه الناس {يَأْخُذْهُ} ويأمره بأخذه {عَدُوٌّ لِّي} يعني: فرعون المفرط بدعوى الإلهية لنفسه {وَعَدُوٌّ لَّهُ} يعني: الوليد، أو هو من أبناء بني إسرائيل، وهو عدوُ لهم بل هو سبب عداوة جميعهم في الحقيقة. {وَ} بعدما أمر عدوك بأخذك والتقاطك من البحر {أَلْقَيْتُ} من كمال قدرتي ووفور حولي وقوتي في نفس فرعون وزوجته آسية - رضي الله عنها - وأهل بيته {عَلَيْكَ} أي: على حفظِك وحضانتِك يا موسى {مَحَبَّةً} في قلوبهم مع شدة عداوتهم معك، وكانت تلك المحبة صادرةُ {مِّنِّي} فظاهرهم حفظاً لك وإظهاراً لكمال قدرتي بأن أربيك في يد عدوك؛ لتكون سبباً لهلاكه {وَ} إنما القيتُ في قلوبهم المحبة مني {لِتُصْنَعَ} ولتربى أنت وإن كنت بيدَي العدو ظاهراً {عَلَىٰ عَيْنِيۤ} [طه: 39] أي: أعيان أوصافي وأسمائي؛ إذ الكل مظاهر ذاتي وأوصافي وأسمائي. ومع إلقاء كمال المحبة والمودة مني في قلوبهم لحفظك وحضانتك، راعيتُ جانب أمك {إِذْ تَمْشِيۤ أُخْتُكَ} مريم حين طلبوا لك مرضعةً بعدما أخروجك من البحر {فَتَقُولُ} لهم على سبيل الوساطة والدلالة: {هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ مَن يَكْفُلُهُ} ويرضعه مع أنهم أحضروا كثيراً من مرضعات البلد عندك لم تممص انت ثديهن؛ إذ حرمنا عليك المراضع إنجازاً لما وعدنا على أمك، فقبلوا منها قولها، فطلبوا أمك، فأرضعتك فاستطابوا وأجروها لإرضاعك. وبالجملة: {فَرَجَعْنَاكَ إِلَىٰ أُمِّكَ} امتناناً لك بأن تحفظ أمك، ولأمّك أيضاً {كَيْ تَقَرَّ} وتنوّر {عَيْنُها} بمشاهتدك بعدما ذهب نور عينها بفمارقتك. {وَ} بالجملة: {لاَ تَحْزَنَ} يا موسى في حالٍ من الأحوال، فأنا رقيبك من جميع ما يضرك ويؤذيك، ومعينك وناصرك على جميع ما أمرتك {وَ} اذكر أيضاً امتناناً عليك وتذكر أيضاً وقت إذ {قَتَلْتَ نَفْساً} أي: شخصاً من آل فرعون، فهمُّوا بقتلك قصاصاً، وخفتَ منهم ومن العقوبة الأخروية أيضاً؛ لأنك قتلت نفساً بلا رخصةٍ شرعيةٍ، وتحزنتَ لشناعة فعلك وخوف عدوك حزناً شديداً {فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ ٱلْغَمِّ} وأزلنا حزنك الأخرويَ بقبول توبتك ورجوعك عن فعلك نادماً مخلصاً، والدنيويَ بإخراجك عن يارهم وإبعادك عنهم. {وَفَتَنَّاكَ} وابتليناك أيضاً بعدما أخرجناك من بينهم {فُتُوناً} أي: ابتلاءً واختباراً كثيراً من الجوع والعطش وضلال الطريق ووحش الغربة وكربة الوحدة وضيق الصدر والكآبة وتحمل مشاق السفر ومتاعبه، حتى تستعد لقبول الإرشاد والتكميل. ثم بعدما اختبرناك بأمثال هذه الشدائد، أوصلناك وهديناك إلى مَدْيَن للاسترشاد والاستكمال {فَلَبِثْتَ سِنِينَ} أي: ثمانيَ أو عشرَ سنين {فِيۤ أَهْلِ مَدْيَنَ} عند نبينا وخليفتنا الكامل المكمل - وهو شعيب عليه السلام - لتسترشد منه، وتستكمل من شرف صبحته، وتتخلق بأخلاقه {ثُمَّ} بعد لُبْثِك فيهم مدةً، واستكمال من الرشد الكامل {جِئْتَ عَلَىٰ} وطنك المألوف على {قَدَرٍ} أي: مقدارٍ عظيم من الكشف والشهود وفوق ما يحصل بالكسب والاجتهاد بل من لدنا {يٰمُوسَىٰ} [طه: 40] تفضلاً وإحساناً. وكيف لا يكون كذلك {وَ} قد {ٱصْطَنَعْتُكَ} أي: اجتبيتك وانتخبتك من بين المكاشفين {لِنَفْسِي} [طه: 41] لتكون خليفتي ونائبي ومولي أمري وحامل أسراري. وإذا أخترتك للرسالة: {ٱذْهَبْ أَنتَ} أصالةً {وَأَخُوكَ} تبعاً لك {بِآيَاتِي} ومعجزاتي الدالة على تصديقي لكما وتقويتي لرسالتكما {وَلاَ تَنِيَا} أي: لا تفترا أو لا تضعفا {فِي} تبليغ {ذِكْرِي} [طه: 42] المشتمل على الأوامر والنواهي اغتراراً وخوفاً. بل {ٱذْهَبَآ} بأمرنا مسرعين {إِلَىٰ فِرْعَوْنَ} المبالغ في التجبر والتكبر مِنْ غير مبالاة والتفاتٍ بعظمته وشوكته {إِنَّهُ طَغَىٰ} [طه: 43] علينا، ولا عبرة بعظمة الطغاة. وإذا ذهبتما إليه: {فَقُولاَ لَهُ} تلطفاً ورفقاً كما هو دأب المرسلين {قَوْلاً لَّيِّناً} رجاء أن يلين قلبه عن صلابة الفساد، وبعد الأداء على وجه التليين والتلطف {لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ} الفطرة الأصلية التي فطر الناس عليها، فصدقكما وآمن بدينكما {أَوْ يَخْشَىٰ} [طه: 44] من نزول العذاب بدعائكما. {قَالاَ} خوفاً من فرعون وأعوانه على مقتضى بشريتهما ملتجئين إلينا: {رَبَّنَآ} وإن ربتنا بحولك وقوتك وأيَّدتَنا بآياتك {إِنَّنَا} من ضعف بشريتنا {نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَآ} بالعقوبة والقتل {أَوْ أَن يَطْغَىٰ} [طه: 45] لك بما لا يليق بجنابك. {قَالَ} سبحانه: {لاَ تَخَافَآ} من إفراطه وطغيانه {إِنَّنِي مَعَكُمَآ} عند أدائكما الرسالة {أَسْمَعُ} أقواله {وَأَرَىٰ} [طه: 46] أفعاله، فإذا أفرط عليكما أقدر على منعه وزجره. {فَأْتِيَاهُ} مجترئين عليه من غير مبالاةٍ بعظمته وشوكته {فَقُولاۤ إِنَّا رَسُولاَ رَبِّكَ} الذي رباك بالعزة وأنواع الكرامة، وأبقاك بها إمهالاً لك إلى تتكبر عليه باستكبارك على عباده، وإذا ظهر كبرك الآن أَرْسَلَنَا إليك أيها المتكبر المتجبر؛ لترسل معنا خواص عباده الذين عندك وتحت قهرك وغلبتك إنجاءً لهم من استكبارك وطغيانك عليهم. ومتى سمعت ما بلغناك بإذن الله ووحيه {فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ} المستوحشين عنك بظلمك وقهرك؛ لينجوا من استيلائك واستعلائك عليهم {وَ} إذ أَرْسَلَناَ الله لإنجائهم وتخليصهم من عذابك {لاَ تُعَذِّبْهُمْ} بعد أدائنا الرسالة إليك لأنا {قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ} ساطعةٍ ومعجزةٍ باهرةٍ ظاهرةٍ إنها {مِّن رَّبِّكَ} الذي هو رب العالمين. إن تأملت فيها حق التأمل والتدبر تركتَ العتو والعناد، وآمنتَ بتوحيده {وَٱلسَّلاَمُ} أي: الأمن والسلامة من الله {عَلَىٰ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلْهُدَىٰ} [طه: 47] وتأملَ الآيات الكبرى وتركَ الهوى، ومن اتبع الهوى فقط ضل وغوى، واستحق عذاب الآخرة والأولى. واعلموا أيها الهالكون في تيه الغفلة والضلال {إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَآ} من عندنا ربنا {أَنَّ ٱلْعَذَابَ} الإلهي ناولُ {عَلَىٰ} كل {مَن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ} [طه: 48] أي: كذّب الحق وأعرض عن أوامره ونواهيه، فلما رأى فرعون جرأتهما وسمع قولهما {قَالَ} لهما تهكماً واستهزاء: {فَمَن رَّبُّكُمَا} الذي رباكما وأرسلكما لإنجاء بني إسرارئيل من عذابي، مع أني لم أعرف لك رباً ربَّاك غيري {يٰمُوسَىٰ} [طه: 49] المقتدى في أمر الرسالة. {قَالَ} له موسى على وجه التنبيه رجاء أن ينتبه: {رَبُّنَا ٱلَّذِيۤ} أظهر الأشياء من العدم {أَعْطَىٰ كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ} أي: مرتبته في النشأة الأولى {ثُمَّ هَدَىٰ} [طه: 50] الكلَّ بالرجوع إليه والانقياد له في النشأة الأخرى؛ إذ منه الابتداء وإليه الانتهاء. {قَالَ} فرعون: إذا كان الكل من عند ربك وبعلمك أحواله {فَمَا بَالُ ٱلْقُرُونِ ٱلأُولَىٰ} [طه: 51] أي: ما أحوال الأمم الماضية، هل هم مهتدونن بمتابعة مثلك أم هم ضالون بمتابعة الهوى مثلي على رعمك؟!.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):