Verse. 2388 (AR)

٢٠ - طه

20 - Ta-Ha (AR)

اِذْ تَمْشِيْۗ اُخْتُكَ فَتَقُوْلُ ہَلْ اَدُلُّكُمْ عَلٰي مَنْ يَّكْفُلُہٗ۝۰ۭ فَرَجَعْنٰكَ اِلٰۗى اُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُہَا وَلَا تَحْزَنَ۝۰ۥۭ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنٰكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنّٰكَ فُتُوْنًا۝۰ۥۣ فَلَبِثْتَ سِنِيْنَ فِيْۗ اَہْلِ مَدْيَنَ۝۰ۥۙ ثُمَّ جِئْتَ عَلٰي قَدَرٍ يّٰمُوْسٰى۝۴۰
Ith tamshee okhtuka fataqoolu hal adullukum AAala man yakfuluhu farajaAAnaka ila ommika kay taqarra AAaynuha wala tahzana waqatalta nafsan fanajjaynaka mina alghammi wafatannaka futoonan falabithta sineena fee ahli madyana thumma jita AAala qadarin ya moosa

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«إذ» للتعليل «تمشي أختك» مريم لتتعرف من خبرك وقد أحضروا مراضع وأنت لا تقبل ثدي واحدة منهن «فتقول هل أدلكم على من يكفله» فأجيبت فجاءت بأمه فقبل ثديها «فرجعناك إلى أمك كي تقر عينها» بلقائك «ولا تحزن» حينئذ «وقتلت نفسا» هو القبطي بمصر، فاغتممت لقتله من جهة فرعون «فنجيناك من الغم وفتناك فتونا» اختبرناك بالإيقاع في غير ذلك وخلصناك منه «فلبثت سنين» عشرا «في أهل مدين» بعد مجيئك إليها من مصر عند شعيب النبي وتزوجك بابنته «ثم جئت على قدر» في علمي بالرسالة وهو أربعون سنة من عمرك «يا موسى».

40

Tafseer

المحلي و السيوطي

تفسير : {إِذْ } للتعليل {تَمْشِى أُخْتُكَ } مريم لتتعرّف خبرك وقد أحضروا مراضع وأنت لا تقبل ثدي واحدة منها {فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ مَن يَكْفُلُهُ }؟ فأجيبت فجاءت بأُمّه فقبل ثديها {فَرَجَعْنَٰكَ إِلَىٰ أُمِّكَ كَى تَقَرَّ عَيْنُها } بلقائك {وَلاَ تَحْزَنْ } حينئذ {وَقَتَلْتَ نَفْساً } هو القبطي بمصر، فاغتممت لقتله من جهة فرعون {فَنَجَّيْنَٰكَ مِنَ ٱلْغَمِّ وَفَتَنَّٰكَ فُتُوناً } اختبرناك بالإِيقاع في غير ذلك وخلصناك منه {فَلَبِثْتَ سِنِينَ } عشراً {فِى أَهْلِ مَدْيَنَ } بعد مجيئك إليها من مصر عند شعيب النبيّ وزوجك بابنته {ثُمَّ جِئْتَ عَلَىٰ قَدَرٍ } في علمي بالرسالة وهو أربعون سنة من عمرك { يٰمُوسَىٰ }.

ابن عطية

تفسير : العامل في {إذ} فعل مضمر تقديره ومننا إذ، وتقدم تفسير هذه الآية في القصص المذكرور آنفاً. وقرأت فرقة "تقَر" بفتح القاف، وقرأت فرقة بكسر القاف والنفس التي قتل هي نفس القبطي الذي كان يقاتل الإسرائيلي فوكزه موسى فقضى عليه، و {الغم} هم النفس وكان هم موسى بأمر من طلبه ليثأر به. وقوله {فتناك فتوناً} معناه خلصناك تخليصاً. هذا قول جمهور المفسرين. وقالت فرقة معناه اختبرناك وعلى هذا التأويل لا يراد إلا ما اختبر به موسى بعد بلوغه وتكليفه وما كان قبل ذلك فلا يدخل في اختبار موسى وعدة سنيه {في أهل مدين} عشرة أعوام لأنه إنما قضى أوفى الأجلين وقوله {على قدر} أي بميقات محدود للنبوة التي قد أرداها الله بك ومنه قول الشاعر: [البسيط] شعر : نال الخلافة إذ كانت له قدراً كما أتى ربه موسى على قدر تفسير : {واصطنعتك} معناه جعلتك موضع الصنيعة ومقر الإجمال والإحسان، وقوله {لنفسي} إضافة تشريف، وهكذا كما تقول بيت الله ونحوه والصيام لي وعبر بـ"النفس" عن شدة القرب وقوة الاختصاص.

ابن عبد السلام

تفسير : {فُتُوناً} اختباراً حتى صلحت للرسالة، أو بلاء بعد بلاء خلصناك من محنة بعد محنة، أولها حملته أمه في سنة الذبح، ثم أُلقي في اليم ثم مُنع الرضاع إلا من ثدي أمه، ثم جر بلحية فرعون فهم بقتله فتناول الجمرة بدل الدرة فتركه، ثم جاءه رجل يسعى بما عزموا عليه من قتله "ع" أو أخلصناك إخلاصاً {عَلَى قَدَرٍ} موعد، أو قدر من النبوة والرسالة.

النسفي

تفسير : {إِذْ تَمْشِى } بدل من {إِذْ أَوْحَيْنَا } لأن مشي أخته كان منة عليه {أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ مَن يَكْفُلُهُ } رُوي أن أخته مريم جاءت متعرفة خبره فصادفتهم يطلبون له مرضعة يقبل ثديها وكان لا يقبل ثدي امرأة فقالت: هل أدلكم على من يضمه إلى نفسه فيربيه وأرادت بذلك المرضعة الأم. وتذكير الفعل للفظ {مِنْ }، فقالوا: نعم فجاء بالأم فقبل ثديها وذلك قوله {فَرَجَعْنَـٰكَ } فرددناك {إِلَىٰ أُمّكَ } كما وعدناها بقولنا {أية : إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ }تفسير : [القصص: 7] {كَى تَقَرَّ عَيْنُها } بلقائك {وَلاَ تَحْزَنْ } على فراقك {وَقَتَلْتَ نَفْساً } قبطياً كافراً {فَنَجَّيْنَـٰكَ مِنَ ٱلْغَمّ } من القود. قيل الغم: القتل بلغة قريش وقيل: اغتم بسبب القتل خوفاً من عقاب الله تعالى ومن اقتصاص فرعون فغفر الله له باستغفاره {أية : قَالَ رَبّ إِنّى ظَلَمْتُ نَفْسِى فَٱغْفِرْ لِى }تفسير : [القصص: 16] ونجاه من فرعون بأن ذهب به من مصر إلى مدين {وَفَتَنَّـٰكَ فُتُوناً } ابتليناك ابتلاء بإيقاعك في المحن وتخليصك منها، والفتون مصدر كالقعود أو جمع فتنة أي فتناك ضروباً من الفتن، والفتنة المحنة وكل ما يبتلي الله به عباده فتنة. {أية : وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرّ وَٱلْخَيْرِ فِتْنَةً }تفسير : [الأنبياء: 35] {فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِى أَهْلِ مَدْيَنَ } هي بلدة شعيب عليه السلام على ثمان مراحل من مصر. قال وهب: لبث عند شعيب ثمانياً وعشرين سنة، عشر منها مهر لصفوراء، وأقام عنده ثمان عشرة سنة بعدها حتى ولد له أولاد. {ثُمَّ جِئْتَ عَلَىٰ قَدَرٍ يٰمُوسَىٰ} أي موعد ومقدار للرسالة وهو أربعون سنة {وَٱصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي} اخترتك واصطفيتك لوحي ورسالتي لتتصرف على إرادتي ومحبتي. قال الزجاج: اخترتك لأمري وجعلتك القائم بحجتي والمخاطب بيني وبين خلقي كأني أقمت عليهم الحجة وخاطبتهم. {ٱذْهَبْ أَنتَ وَأَخُوكَ بِـئَايَـٰتِى} بمعجزاتي { وَلاَ تَنِيَا } تفترا من الونى وهو الفتور والتقصير {فِى ذِكْرِى } أي اتخذا ذكري جناحاً تطيران به أو أريد بالذكر تبليغ الرسالة فالذكر يقع على سائر العبادات وتبليغ الرسالة من أعظمها {ٱذْهَبَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ } كرر لأن الأول مطلق والثاني مقيد {إِنَّهُ طَغَىٰ } جاوز الحد بإدعائه الربوبية {فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيّناً } الطفا له في القول لما له من حق تربية موسى، أو كنياه وهو من ذوي الكنى الثلاث: أبو العباس وأبو الوليد وأبو مرة. أو عداه شباباً لا يهرم بعده وملكاً لا ينزع عنه إلا بالموت، أو هو قوله {أية : هَل لَّكَ إِلَىٰ أَن تَزَكَّىٰ وَأَهْدِيَكَ إِلَىٰ رَبّكَ فَتَخْشَىٰ }تفسير : [النازعات: 19] أي يخاف أن يكون الأمر كما تصفان فيجره إنكاره إلى الهلكة. وإنما قال {لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ } مع علمه أنه لا يتذكر لأن الترجي لهما، أي اذهبا على رجائكما وطمعكما وباشرا الأمر مباشرة من يطمع أن يثمر عمله. وجدوى إرسالهما إليه مع العلم بأنه لن يؤمن إلزام الحجة وقطع المعذرة. وقيل: معناه لعله يتذكر متذكر أو يخشى خاش وقد كان ذلك من كثير من الناس. وقيل: {لَعَلَّ } من الله تعالى واجب وقد تذكر ولكن حين لم ينفعه التذكر. وقيل: تذكر فرعون وخشي وأراد اتباع موسى فمنعه هامان وكان لا يقطع أمراً دونه. وتليت عند يحيى بن معاذ فبكى وقال: هذا رفقك بمن يقول أنا إله فكيف بمن قال أنت الإله؟ وهذا رفقك بمن قال أنا ربكم الأعلى فكيف بمن قال سبحان ربي الأعلى. {قَالاَ رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا } يعجل علينا بالعقوبة ومنه الفارط يقال فرط عليه أي عجل {أَوْ أَن يَطْغَىٰ } يجاوز الحد في الإساءة إلينا {قَالَ لاَ تَخَافَا إِنَّنِى مَعَكُمَا } أي حافظكما وناصركما {أَسْمِعْ } أقوالكما {وَأَرَىٰ } أفعالكما. قال ابن عباس رضي الله عنهما: أسمع دعاءكما فأجيبه وأرى ما يراد بكما فأمنع لست بغافل عنكما فلا تهتما {فَأْتِيَاهُ } أي فرعون {فَقُولا إِنَّا رَسُولاَ رَبّكَ } إليك {فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِى إِسْرٰءيلَ } أي أطلقهم عن الاستعباد والاسترقاق {وَلاَ تُعَذّبْهُمْ } بتكليف المشاق {قَدْ جِئْنَـٰكَ بِـئَايَةٍ مّن رَّبّكَ } بحجة على صدق ما ادعيناه، وهذه الجملة جارية من الجملة الأولى ــ وهي {إِنَّا رَسُولاَ رَبّكَ } ــ مجرى البيان والتفسير والتفصيل لأن دعوى الرسالة لا تثبث إلا ببينتها وهي المجيء بالآي فقال فرعون: وما هي؟ فأخرج يده لها شعاع كشعاع الشمس {وَٱلسَّلَـٰمُ عَلَىٰ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلْهُدَىٰ } أي سلم من العذاب من أسلم وليس بتحية. وقيل: وسلام الملائكة الذين هم خزنة الجنة على المهتدين. {إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ ٱلْعَذَابَ } في الدنيا والعقبى {عَلَىٰ مَن كَذَّبَ } بالرسل {وَتَوَلَّىٰ } أعرض عن الإيمان وهي أرجى آي القرآن لأنه جعل جنس السلام للمؤمن وجنس العذاب على المكذب وليس وراء الجنس شيء، فأتياه وأديا الرسالة وقالا له ما أمرا به. {قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يٰمُوسَىٰ} خاطبهما ثم نادى أحدهما لأن موسى هو الأصل في النبوة وهارون تابعه {قَالَ رَبُّنَا ٱلَّذِى أَعْطَىٰ كُلَّ شَىء خَلْقَهُ } {خَلَقَهُ } أول مفعولي {أَعْطَىٰ } أي أعطى خليقته كل شيء يحتاجون إليه ويرتفقون به، أو ثانيهما أي أعطى كل شيء صورته وشكله الذي يطابق المنفعة المنوطة به كما أعطى العين الهيئة التي تطابق الإبصار، والأذن الشكل الذي يوافق الاستماع، وكذا الأنف والرجل واليد كل واحد منها مطابق للمنفعة المنوطة بها، وقرأ نصير {خَلَقَهُ } صفة للمضاف أو للمضاف إليه أي أعطى كل شيء مخلوق عطاء {ثُمَّ هَدَىٰ } عرف كيف يرتفق بما أعطى للمعيشة في الدنيا والسعادة في العقبى.

ابن عادل

تفسير : قوله: "إذ تَمْشِي" (في عامل هذا الظرف أوجه: أحدها: أنَّ العامل فيه "أَلْقَيْتُ"، أي: ألقيتُ عليكَ محبَّةً منِّي وقت مشي أختِك. الثاني: أنه منصوب بقوله: "وَلِتُصْنَعَ"، أي: لتربَّى ويُحْسنَ إليك في هذا الوقت: قال الزمخشري: والعامل في "إذ تَمْشِي" "أَلْقَيْتُ" أو "لِتُصْنَع" وقال أبو البقاء: "إذْ تَمْشِي" يجوز أن يتعلق بأحد الفعلين. يعني بالفعلين ما تقدم من "أَلْقَيْتُ" أو "لِتُصْنَعَ"). وعلى هذا فيجوز أن تكون المسألة من باب التنازع لأن كلاًّ من هذين العاملين يطلب هذا الظرف من حيث المعنى، ويكون من إعمال الثاني للحذف من الأول، وهذا إنما يتجه كل الاتجاه إذا جعلت "وَلِتُصْنَعَ" معطوفاً على علة محذوفة متعلقة بـ "أَلْقَيْتُ". أما إذا جعلته متعلقاً بفعلٍ مضمرٍ بعده فيبعد ذلك، أو يمتنع لكون الثاني صار من جملة أخرى. الثالث: أن يكون "إذْ تَمْشِي" بدلاً من "إذْ أَوْحَيْنَا". قال الزمخشري: فإن قلت: كيف يصح البدل والوقتان مختلفان متباعدان؟ قلت: كما يصح وإن اتسع الوقت وتباعد طرفاه أن يقول لك الرجل: لَقيتُ فَلاَناً سَنَةَ كذا، فتقول: وَأَنَا لَقيتهُ إذْ ذاكَ، وربما لقيه هو في أولها وأنت في آخرها. قال أبو حيان: وليس كما ذكره، لأن السنة تقبل الاتساع، فإذا وقع لقيهما فيها بخلاف هذين الطرفين، فإن كل واحد منهما ضيق ليس بمتسع لتخصيصهما بما أضيفا إليه، فلا يمكن أن يقع الثاني في الطرف الذي وقع فيه الأول، إذ الأول ليس متسعاً لوقوع الوحي فيه ووقع مشي الأخت، فليس وقت وقوع الوحي مشتملاً على أجزاء وقع في بعضها المشي بخلاف السنة. قال شهاب الدين: وهذا تحامل منه عليه، فإن زمن اللقاء أيضاً ضيق لا يسع فعليهما، وإنما ذلك مبني على التساهل، إذ المراد أن الزمان مشتملٌ على فعليهما. وقال أبو البقاء: ويجوز أن يكون بدلاً من (إذ) الأولى: لأنَّ مشيْ أختِه كان مِنَّةً عليه. يعني أن قوله: "إذْ أَوْحَيْنَا" منصوب بقوله: ("مَنَنَّا") فإذا جُعِل "إذْ تَمْشِي" بدلاً منه كان أيضاً ممتناً به عليه. الرابع: أن يكون العامل فيه مضمراً تقديره: اذكر إذ تَمْشِي، وهو على هذا مفعول به (لفساد المعنى على الظرفية). قوله: {إِذْ تَمْشِيۤ أُخْتُكََ} (اسمها مريم). يروى أنه فشا الخبر بمصر أن آل فرعون أخذوا غلاماً في النيل، وكان لا يرتضع من ثدي كل امرأة يؤتى بها، لأن الله - تعالى - حرَّم عليه المراضع غير أمه واضطروا إلى تتبع النساء فخرجت أخته متعرفة خبره، فجاءت إليهم متنكرة فقالت: {هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ مَن يَكْفُلُهُ} أي على امرأة ترضعه؟ قالوا نعم: فجاءت الأم، فَقَِبِلَ ثديهَا، فذلك قوله: {فَرَجَعْنَاكَ إِلَىٰ أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا} بلقائك. قوله: {كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا}. قرأ العامة "تَقَرَّ" بفتح التاء والقاف وقرأت فرقة: "تَقِرَّ" بكسر القاف، وقد تقدم في سورة مريم أنهما لغتان. وقرأ جناح بن حبيش "تُقَرَّ" بضم التاء وفتح القاف على البناء للمفعول "عَيْنُها" رفعاً لما لم يسم فاعله. فإن قيل: (لو قال): كي لا تحزن وتقرَّ عينُها كان الكلام مفيداً لأنه لا يلزم من عدم حصول الحزن حصول السرور لها، فلما قال أولاً {كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا} كان قوله "وَلاَ تَحزَن" فضلاً، لأنه متى حصل السرور وجب زوالُ الغمِّ لا محالة. فالجواب: المراد تقرَّ عينُها بسبب وصولك إليها، ويزول عنها الحزن بسبب عدم وصول لبن غيرها إلى باطنك. قوله: {وَقَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ ٱلْغَمِّ}، وهذه المنّة الخامسة. قال ابن عباس: هو الرجل القبطي الذي قتله خطأ بأن (وكزه) حيث استغاثه الإسرائيلي إليه، فحصل له الغم من وجهين: الأول: من عقاب الدنيا، وهو اقتصاص فرعون منه على ما حكى الله تعالى عنه {أية : فَأَصْبَحَ فِي ٱلْمَدِينَةِ خَآئِفاً يَتَرَقَّبُ} تفسير : [القصص: 18]. والثاني: من عقاب الله حيث قتله لا بأمر الله. فنجاه الله - تعالى - من الغمين، أما من فرعون فوفق له المهاجرة إلى مدين، وأما من عقاب الآخرة (فلأن الله تعالى غفر له ذلك). (قال كعب الأحبار: كان عمره إذ ذاك ابن اثنتي عشرة سنة). قوله: "فُتُوناً" فيه وجهان: أحدهما: أنه مصدر على فُعُول كالقُعُود والجُلُوس، إلا أنَّ فُعُولاً قليل في المتعدي ومنه الشُّكُور والكُفُور والثُّبُور واللُّزُوم قال تعالى: {أية : لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً} تفسير : [الفرقان: 62] وهذا على مذهبهم في تأكيد الأخبار بالمصادر، كقوله تعالى: {أية : وَكَلَّمَ ٱللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيماً} تفسير : [النساء: 164]. والثاني: أنه جمع فِتْن أو فِتْنَة على ترك الاعتداء بتاء التأنيث كحُجُوزٍ وبُدُورٍ في حُجْرَةٍ وبَدْرَة، أي: فَتناكَ ضروباً من الفتن. عن ابن عباس أنه ولُِد في عام يُقْتَل فيه الولدان، وألقته أمه في البحر، وقَتَل القبطيَّ، وأجَّرَ نفسه عشر سنين، وضلَّ عن الطريق وتفرقت غنمه في ليلة مظلمة. ولما سأل سعيد بن جبير عن ذلك أجاب بما تقدم، وصار يقول عند كل واحدة: فهذه فتنة يا ابن جبير، قال معناه الزمخشري. وقال غيره: بفُتُونٍ من الفِتَن أي المِحَن مختبر بها. وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس أن الفتون وقوعه في محنة خلصه الله منها، أولها أنَّ أمه حملت في السنة التي كان فرعون يذبح فيها الأطفال، ثم إلقاؤه في البحر في التابوت، ثم مَنْعُه من الرضاع إلا من ثدي أمه، ثم أَخَذُه بلحيةِ فرعونَ حتى همَّ بقتلِه، ثم تناوله الجمرة بدل الجوهرة ثم قَتْلُه القبطيَّ، وخروجُه إلى مدين خائفاً. فعلى هذا معنى: فتناك أخلصناك من تلك المِحَن كما يُفْتَن الذهب بالنار فيتخلص من كل خبث فيه. فإن قيل: إنه تعالى عدَّد أنواع مِنَنِهِ على موسى في هذا المقام، فكيف يليق بهذا قوله: "وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً"؟ فالجواب من وجهين: الأول: ما تقدم من أنَّ "فَتَنَّاكَ" بمعنى خلصناك تخليصاً. والثاني: أن الفتنة تشديد المحنة يقال: فُتِن فلانٌ عن دينه إذا اشتدت عليه المحنة حتى رجع عن دينه. قال تعالى: {أية : فَإِذَآ أُوذِيَ فِي ٱللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ ٱلنَّاسِ كَعَذَابِ ٱللَّهِ} تفسير : [العنكبوت: 10]، وقال: {أية : أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُوۤاْ أَن يَقُولُوۤاْ آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ} تفسير : [العنكبوت: 2] وقال: {أية : وَلَقَدْ فَتَنَّا ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ ٱلْكَاذِبِينَ} تفسير : [العنكبوت: 3]، ولما كان التشديد في المحنة مما يوجب كثرة الثواب عدَّه الله من جملة النِّعَم. فإن قيل: هل يصح إطلاق الفَتَّان عليه سبحانه اشتقاقاً من قوله: "وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً"؟ فالجواب: لا لأنه صفة ذمٍّ في العرب، وأسماء الله تعالى توقيفية لا سيما فيما يوهم ما لا ينبغي. قوله: {فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْين} والتقدير: "وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً" فخرجت خائفاً إلى أهل مدين فلبثت سنين فيهم وهي إمَّا عشراً وَثَمان لقوله تعالى: {أية : عَلَىٰ أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِندِكَ} تفسير : [القصص: 27] وقال وهب: لَبِثَ مُوسَى عند شعيب عليهما السلام ثمانياً وعشرين سنة منها عشر سنين مهر امرأته. ويرده قوله تعالى: {أية : فَلَمَّا قَضَىٰ مُوسَى ٱلأَجَلَ (وَسَارَ بِأَهْلِهِ} تفسير : [القصص: 29] أي) الأجل المشروط عليه في تزويجه. ومَدْيَن: بَلْدَةُ شُعَيْبٍ على ثَمَان مراحل من مصر. قوله: {ثُمَّ جِئْتَ عَلَىٰ قَدَرٍ يا مُوسَىٰ} هذا الجار متعلق بمحذوف على أنه حال من فاعل "جِئْتَ" أي جئت موافقاً لما قُدِّر لك، كذا قدره أبو البقاء، وهو تفسير معنى، والتفسير الصناعي: ثم جئت مستقراً أو كائناً على مقدار معين، كقول الآخر: شعر : 3656- نَالَ الخِلاَفَةَ أَوْ جَاءَتْ عَلَى قَدَرٍ كَمَا أَتَى رَبَّهُ مُوسَى عَلَى قَدَرِ تفسير : ولا بد من حذف في الكلام، أي: على قدر أمر من الأمور. وقال محمد بن كعب: جئتَ على القدر الذي قدرت أنك تجيء فيه وقال مقاتل: كان موعداً (في تقدير الله. وقال عبد الرحمن بن كيسان: كان على رأس أربعين سنة، وهو القدر الذي) يوحي فيه إلى الأنبياء. وهذا قول أكثر المفسرين، أي على الوعد الذي وعده الله وقدَّر أنه يوحي إليه بالرسالة، وهو أربعون سنة.

التستري

تفسير : قوله تعالى: {وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً}[40] أي فتناً لنفسك الطبيعية وبيناها حتى لا تأمن مكر الله.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَقَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ ٱلْغَمِّ} [الآية: 40]. قال الواسطى رحمه الله: ألقاه فى أعظم كبيرة حتى لا يوجد طعم الاصطفاء بقوله {قَتَلْتَ نَفْساً}. قوله عز وجل: {وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً} [الآية: 40]. قال أبو الحارث الأولاسى: فتناك بنا عما سوانا. وقال ابن عطاء: طبخناك بالبلاء طبخًا حتى صلحت لبساط القرب والأنس. وقال أيضًا: نجيناك من قومك وفتناك بنا عما سوانا. قال سهل: أفنينا نفسك الطبيعى، وربعناها حتى لا تأمن مكر الله. قوله عز وجل: {جِئْتَ عَلَىٰ قَدَرٍ يٰمُوسَىٰ} [الآية: 40]. قال: قدرنا لك سبيل المعرفة ووقتها فجئت على ذلك القدر.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {إِذْ تَمْشِيۤ أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ مَن يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَىٰ أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها}. البلاء على حَسَبِ قوة صاحبه وضعفه، فكلما كان المرء أقوى كان بلاؤه أوفى، وكلما كان أضعف كان بلاؤه أخف. وكانت أمُّ موسى ضعيفةً فَرَدَّ إليها وَلَدَها بعد أيام، وكان يعقوبُ أقوى في حاله فلم يُعِدْ إليه يوسفَ إلا بعد سنين طويلة. قوله جلّ ذكره: {وَقَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ ٱلْغَمِّ}. أجرى اللَّهُ عليه ما هو في صورةِ كبيرةٍ من قَتْلِ النَّفْسِ بغير حق، ثم بيَّن اللَّهُ أنه لا يضره ذلك، فليست العِبْرَةُ فعل العبد في قلَّته وكثرته إنما العِبرةُ بعناية الحقِّ بشأنِ أحدٍ أو عداوته. ويقال قد لا يموت كثيرٌ من الخلْقِ بفنون من العذابِ، وكم من أناس لا يموتون وقد ضُرِبُو ألوفاً من السياط! وصاحبُ موسى عليه السلام ومقتولُه مات بوكزةٍ! إيش الذي أوجب وفاته لولا أنه أراد به فتنةً لموسى؟ وفي بعض الكتب أنه - سبحانه - أقام موسى كذا وكذا مقاماً، وأسمعه كلامه كل مرة بإسماع آخر، وفي كل مرة كان يقول له: {وَقَتَلْتَ نَفْساً} . {فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ ٱلْغَمِّ}: أريناكَ عينَ الجمع حتى زال عنك ما داخَلَكَ من الغمِّ بصفة مقتضى التفرقة، فلمَّا أريناك سِرَّ جريانِ التقديرِ نَجَّيْنَاكَ من الغم. قوله جلّ ذكره: {وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً}. استخلصناكَ لنا حتى لا تكون لغيرنا. ويقال جَنَّسْنَا عليك البلاَءَ ونَوَّعْنَاه حتى جَرَّدْنَاكَ عن كل اختيارٍ وإرادة، ثم حينئذٍ رَقَّيْنَاكَ إلى ما استوجَبْتَه من العِلم الذي أَهَّلْنَاكَ له. قوله جلّ ذكره: {فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِيۤ أَهْلِ مَدْيَنَ}. وكنتَ عند الناسِ أنك أجيرٌ لشعيب، ولم يظهر لهم ما أودعنا فيك، وكان يكفي - عندهم - أن تكون خَتنَاً لشعيب. {ثُمَّ جِئْتَ عَلَىٰ قَدَرٍ يٰمُوسَىٰ}. أي عَدَدْنا أيامَ كونك في مدين شعيب، وكان أهل حضرتنا من الملائكة الذين عرفوا شرَفَكَ ومحبَّتَكَ منتظرين لك؛ فجئتَ على قَدَرٍ. ويقال إنَّ الأَجَل إذا جاء للأشياء فلا تأخيرَ فيه ولا تقديم، وأنشدوا في قريب من هذا المعنى: شعر : بينما خاطرُ المنى بالتلاقى سابحٌ في فؤاده وفؤادي جمع اللَّهُ بيننا فالتقينا هكذا بغتةً بلا ميعادِ

اسماعيل حقي

تفسير : {اذ تمشى اختك} مريم ظرف لتصنع على ان المراد به وقت وقع فيه مشيها الى بيت فرعون وما ترتب عليه من القول والرجع الى امها وتربيتها له بالبر والحنو وهو المصداق لقوله {أية : ولتصنع على عينى}تفسير : اذ لا شفقة اعظم من شفقة الام. قال ابن الشيخ تقييد التربية بزمان مشى اخته صحيح لان التربية انما وقعت زمان المشى ورده الى امه {فتقول} اى لفرعون وآسية حين رأتهما يطلبان له مرضعة يقبل ثديها وكان لا يقبل ثديا وصيغة المضارغ فى الفعلين لحكاية الحال الماضية اى قالت {هل ادلكم}[آيا دلالت كنم شمارا] اى حاضران {على من يكفله}[بركسى كه تكفل اين طفل كند واورا شير دهد] اى يضمه الى نفسه ويربيه وذلك انما يكون بقبول ثديها - يروى - انه فشا الخبر بمصر ان آل فرعون اخذوا غلاما من النيل لا يرضع ثدى امرأة واضطروا الى تتبع النساء فخرجت مريم لتعرف خبره فجاءتهم منكرة فقالت ما قالت وقالوا من هى قالت امى قالوا ألها لبن قالت نعم لبن اخى هارون فجاءت بها فقبل ثديها {فرجعناك الى امك} الفاء فصيحة معربة عن محذوف قبلها يعطف عليه ما بعدها اى فقالوا دلينا عليها فجاءت بامك فرجعناك اليها اى رددناك: وبالفارسية [بس بازكردانيديم ترابسوى ما درتو وبوعده وفاكرديم] وهو قوله {أية : انا رادوه اليك وجاعلوه من المرسلين}تفسير : وذلك لان الهامها كان من الهام الخواص الذى بمنزلة الوحى فلا تستبعد عليها هذه المكالمة المعنوية ويجوز ان يكون ذلك من قبيل الاعلام بالمبشرة {كى تقر عينها} [تاشايدكه روشن شود جشم مادر بلقاء تو]. وقال بعضهم تطيب نفسها بلقائك يقال قرت عينه اذا بردت نقيض سخنت هذه اصله ثم استعير للسرور وهو المراد ههنا كما فى بحر العلوم {ولا تحزن} على فقدك: وبالفارسية [واندوهناك نكردد بفراق تو]. قال فى الكبير فان قيل {ولا تحزن} فضل لان السرور يزيل الغم لا محالة قلنا تقر عينها بوصولك اليها ولا تحزن بوصول لبن غيرها الى باطنك انتهى. وفى الارشاد اى لا يطرأ عليها الحزن بفراقك بعد ذلك والا فزوال الحزن مقدم على السرور المعبر عنه بقرة العين فان التخلية مقتدمة على التحلبة انتهى. يقول الفقير الواو لمطلق الجمع وايضا ان الثانى لتأكيد الاول فلا يرد ما قالوا{وقتلت نفسا}هى نفس القبطى الذى استغاثه الاسرائلى عليه كما يأتى فى سورة القصص {فنجيناك من الغم} اى غم قتله خوفا من عقاب الله بالمغفرة ومن اقتصاص فرعون بالانجاء منه بالمهاجرة الى مدين {وفتناك فتونا} الفتنة والفتون المحنة وكل ما شق على الانسان وكل ما يبتلى الله به عباده فتنة ولا يطلق الفتان على الله لانه صفة ذم عرفا واسماء الله توقيفية. فان قيل كيف يجوز ذكر الفتن عند ذكر النعم. قلنا الفتنة تشديد المحنة ولما اوجب تشديد المحنة كثرة الثواب عده الله فى النعم ألا ترى الى قوله عليه السلام "حديث : ما أوذى نبى مثل ما اوذيت"تفسير : وقد فسره البعض بقوله ما صفى نبى مثل ما صفيت والمعنى ابتليناك ابتلاء. وقال بعضهم طحناك بالبلاء طحنا: وبالفارسية [وبيازموديم ترا آزمودنى يعنى ترادر بوته بلاها افكنديم وخالص بيرون آمدى] ومن ابتلائه قتله القبطى ومهاجرته من الوطن ومفارقة الاحباب والمشى راجلا وفقد الزاد ونحو ذلك مما وقع قبل وصوله الى مدين بقضية الفاء الآتية. وفى التأويلات النجمية منها فتنة صحبتك مع فرعون وتربيتك مع قومه فحفظناك من التدين بدينهم. ومنها فتنة قتل نفس بغير الحق وفرارك من فرعون بسبب قتل القبطى فنجوت منها. ومنها ابتليناك بابنتى شعيب واحتياجهما اليك فى سقى غنمهما فلولا حفظاك لملت اليهما ميل البشر للنساء. ومنها ابتليناك بخدمة شعيب وصحبته واستجاره فوفقناك للخروج من عهدة حقوقه وعهوده. قال بعض الكبار اختبره فى مواطن كثيرة ليتحقق فى نفسه صبره على ما ابتلاه به فاول ما ابتلاه الله به قتل القبطى بما الهمه الله فى سره وان يعلم بذلك الالهام ولكن كان فيه علامة ذلك وهو ان لم يجد فى نفسه مبالاة بقتله فعدم مبالاته بقتله مع عدم انتظاره الوحى علامة كونه ملهما به فى السر والا ينبغى ان يعتريه وحشة عظيمة من ذلك الفعل. وانما قلنا انه عليه السلام كان ملهما فى قتل القبطى لان باطن النبى معصوم من ان يميل الى امر ولم يكن مأمورا به من عند ربه وان كان فى السر ولكون النبى معصوم الباطن من حيث لا يشعر حتى يخبر بان ذلك الامر مأمور به فى السر اراه الخضر حين قصد تنبيهه على ما ذهل عنه من كونه ملهما بقتل القبطى قتل الغلام فانكر عليه قتله ولم يتذكر قتله القبطى فقال له الخضر ما فعلته عن امرى ينبهه على مرتبته قبل ان ينبأ انه كان معصوم الحركة فى قتله فى نفس الامر وان لم يشعر بذلك واراه ايضا حرق السفينة الذى ظاهره هلك وباطنه نجاة من يد الغاصب جعل له ذلك فى مقابلة التابوت الذى كان فى اليم مطبقا عليه فان ظاهره هلاك وباطنه نجاة وانما فعلت به امه ذلك خوفا من يد الغاصب فرعون ان يذبحه مع الوحى الذى الهمها الله من حيث لا تشعر فوجدت فى نفسها انها ترضعه فاذا خافت عليه القته فى اليم وغلب على ظنها ان الله ربما رده اليها لحسن ظنها به وقالت حين الهمت ذلك لعل هذا هو الرسول الذى يهلك فرعون والقبط على يده فعاشت وسرت بهذا التوهم والظن بالنظر اليها اذ لم يكن عندها دليل يفيد العلم بذلك وهذا التوهم والظن علم باعتبار ان متعلقه حق مطابق للواقع متحقق فى نفس الامر {فلبثت سنين} عشر سنين {فى اهل مدين} اى عند شعيب لرعى الاغنام لان شعيبا انكحه بنته صفوراء على أن يخدمه ثمانى سنين فخدمة عشرا قضاء لاكثر الاجلين كما ياتى فى سورة القصص ومدين على ثمانى مراحل من مصر وذكر اللبث دون الوصول اليهم اشارة الى مقاساة شدائد اخرى فى تلك السنين كايجار نفسه ونحوه مما كان من قبيل الفتون. وفى التأويلات النجمية {فلبثت سنين فى اهل مدين} لتستحق بتربية شعيب وملازمته النبوة والرسالة: قال الحافظ شعر : شبان وادى ايمن كهى رسد بمراد كه جند سال بجان خدمت شعيب كند تفسير : يقول الفقير انظر كيف ان الله تعالى جعل فى الامر المكروه امرا محبوبا فان قتل القبطى ساق موسى الى خدمته شعيبا الى ان استعد للنبوة وقس على هذا ما عداه واذا كانت النبوة مما يقدم لها الخدمة مع كونها اختصاصا الهيا فما ظنك بالولاية {ثم جئت} اى الوادى المقدس بعد ضلال الطريق وتفرق الغنم فى الليلة المظلمة ونحوها {على قدر} تقدير قدرته لان اكلمك واستنبئك غير مستقدم وقته المعين ولا مستأخر او على مقدار من السن يوحى فيه الى الانبياء وهو رأس اربعين سنة وفى الحديث "حديث : ما بعث الله نبينا الا على رأس اربعين سنة"تفسير : كما فى بحر العلوم واورده البعض فى الموضوعات لان عيسى عليه السلام نبئ ورفع الى السماء وهو ابن ثلاث وثلاثين ونبئ يوسف عيله السلام فى البئر وهو ابن ثمانى عشر وكذا يحيى عليه السلام اوتى الحكم وهو صبى فاشتراط الاربعين فى حق الانبياء ليس بشئ كما فى المقاصد الحسنة {يا موسى} كرره تشريفا له عليه السلام وتنبيها على انتهاء الحكاية التى هى تفصيل المرة الاخرى التى وقعت قبل المرة المحكية.

الجنابذي

تفسير : {إِذْ تَمْشِيۤ أُخْتُكَ} متعلّق بالقيت او بتصنع يعنى لتربّى وتكمل على عينى وقت وقوعك فى يد فرعون ومحبّته لك وطلبه مرضعة لك وعدم التقامك ثدياً وانتظارهم وتوقّعهم ارتضاعك وحاجتهم الشّديدة الى مرضعةٍ ترضعك اذ تمشى اختك {فَتَقُولُ} لهم {هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ مَن يَكْفُلُهُ} وسألوا من اختك الدّلالة عليها واحضر فرعون امّك وسلّمك اليها للارضاع باجرةٍ ومؤنةٍ {فَرَجَعْنَاكَ إِلَىٰ أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلاَ تَحْزَنَ} امّك او انت {وَقَتَلْتَ نَفْساً} عطف على اوحينا والمراد بقتل النّفس قتل القبطىّ الّذى كان منازعاً مع السّبطىّ فبطشه كما سيأتى {فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ ٱلْغَمِّ} بان الهمناك ودللناك على الخروج من مصر {وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً} ابتليناك من اوّل انعقاد نطفتك بانواع البلايا لتكون عبرةً للنّاظرين والسّامعين لها وحجّةً على الجاحدين المنكرين لقدرة الله الخادعين مع الله بان جعلنا انعقاد نطفتك على باب قصر فرعون فى ليلٍ كان فرّق بين نساء بنى اسرائيل ورجالهم، وحملت بك امّك فى عامٍ كان فرعون وكّل فيه بنساء بنى اسرائيل نساءً من القبطىّ يفتّش النّساء لاستظهار الحمل، ويستحيين حيائهنّ ولم يظهر حملك عليهنّ، وولدت فى عامٍ كان فرعون يقتل كلّ مولودٍ ذكرٍ اسرائيلىٍّ فيه فألقيت على المرأة الموكّلة بأمّك محبّة لك حتّى قالت لأمّك لا تحزنى واصنعى به ما شئت ولم تخبر بك، والقتك أمّك فى البحر فسلّمتك من الغرق وسائر آفات البحر، وسلّمتك الى فرعون وألقيت محبّتك فى قلبه، وربّيتك فى حجر عدوّك حتّى استدعى من امّك ان ترضعك باجرة، وابتليتك بان همّ فرعون بقتلك غير مرّةٍ فسلّمتك، وبان قتلت نفساً منهم ففررت خوفاً منهم من غير رفيقٍ وزادٍ وراحلةٍ الى مدين فسلّمتك الى مدين والى نبيىّ شعيب وزوّجتك ابنته، وابتليتك بان آجرت نفسك عشر سنين لرعى ماشيته بان صرت محبوساً بتلك الاجارة وكان كمالك فى ذلك الحبس، وبعدما خرجت من مدين ابتليتك ببرد شديدٍ وظلمة شديدةٍ وضلال الطّريق وتفرّق الماشية ومخاض المرأة وعدم انقداح الزّند حتّى اخلصتك لمناجاتى وكلامى بذلك {فَلَبِثْتَ سِنِينَ} عشراً {فِيۤ أَهْلِ مَدْيَنَ} على ما روى انّه اتمّ ابعد الاجلين {ثُمَّ جِئْتَ} من مدين الىّ او الى ههنا او الى مصر مشتملاً {عَلَىٰ قَدَرٍ} اى مبلغ يبلغ الرّجال فيه الى الكمال، او على طاقة لحمل أعباء الرّسالة، او على قوّةٍ فى بدنك ونفسك، او على ما قدّر لك من فضل الرّسالة {يٰمُوسَىٰ} فى تكرار النّداء لطف من الله والتذاذ للمنادى.

الهواري

تفسير : قوله: {إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَل أَدُلُّكُمْ عَلَى مَن يَكْفُلُهُ} أي على من يضُمُّه. قال الكلبي: فقالوا: نعم، فجاءت بأمه فقبل ثديها. وقال في سورة طسۤمۤ القصص: {وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ المَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ} فكان كلما جيء به إلى امرأة لم يقبل ثديها. (أية : فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقرَّ عَيْنُهَا وَلاَ تَحْزَنَ) تفسير : [القصص: 12-13]. وقال في هذه الآية: {فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلاَ تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْساً} يعني القبطي الذي كان قتله خطأ، ولم يكن يحل له ضربه ولا قتله. {فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الغَمِّ} أي من الخوف. وقال الحسن: أي: من النفس التي قتلت فلم يصل إليك القوم، فغفرنا لك ذلك الذنب. {وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً} أي: وابتليناك ابتلاءً. وقال الكلبي: هو البلاء في أثر البلاء. وقال بعضهم: ومحصناك تمحيصاً. وهو واحد. قوله عز وجل: {فَلَبِثتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ} أي عشرين سنة. أقام عشراً آخر الأجلين، ثم أقام بعد ذلك عشراً. {ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَامُوسَى} أي: على موعد يا موسى، في تفسير مجاهد. قوله عز وجل: {وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي} أي اخترتك لنفسي ولرسالتي. والاجتباء والاختيار والاصطفاء واحد. قوله عز وجل: {اِذْهَب أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلاَ تَنِيَا فِي ذِكْرِي}. قال مجاهد: أي ولا تضعفا في ذكري. وقال الحسن: في الدعاء إليّ والتبليغ عني رسالتي.

اطفيش

تفسير : {إذْ تَمْشِى أُخْتُكَ} مريم لتتعرف خبرك وقد أحضروا مراضع ولم تَقبل عن واحدة وصادفتهم الأخت فى حال إحضار المراضع وطلبهن، وهى غير أم عيسى فقالت ما قال الله. {فَتقُولُ} الخ، وإذ متعلقة بألقيت أو تصنع، أو بدل من إذ قبله، على أن المراد بهما وقت متسع ويجوز كونها تعليلا لأوحينا أو اقذفى الأول أو الثانى. {هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكفُلُهُ} أى على امرأة ترضعه ويقبل عنها، ومَن واقعة على المؤنث والتذكير نظرا للفظ، فقالوا: نعم فجاءت بأُمه فقيل عنها كما قال الله عز وجل: {فَرَجَعْنَاكَ إلَى أُمِّكَ} وفاء بقولنا: {إنا رادوه إليك} {كَىْ تَقَرَّ}. هى. {عَيْنُها} بلقائك ورؤيتكْ {وَلاَ تَحْزَنْ} هى بفراقك فالفاعل مستتر جوازاً أو لا تحزن أنت على فراقها فالفاعل مستتر وجوبا وموسى عليه الصلاة والسلام فى ذلك الوقت ولو كان صغيراً جعل الله فيه من العقل ما يفرح به ويحزن، أو المراد لا تحزن إذا وصلت حدًّا يمكنك فيه الفرح والحزن. وإن قلت: كيف يقال: لا تحزن بفراقك وقد حزنت بفراقك؟ قلت: المراد لا تحزن بعد أى ليذهب عنها الحزن. تتمة: روى أن موسى هو موسى بن عمران بن يصهر بن فاهث بن لاوى ابن يعقوب. روى أن يعقوب ولد لاوى وقد مضى من عمره تسع وثمانون سنة ثم إن لاوى نكح ثابتة بنت ماوى بن يسخب ولدت له عرشون ومزى وفاهث بن لاوى وولد لاوى فاهث بعد إذ مضى من عمره ست وأربعون سنة فنكح فاهث ابن لاوى فاهى بنت تلويب بن بركيا بن يغشان بن إبراهيم، فولدت له يصهر بعد أن مضى من عمره ستون سنة وكان عمر يصهر مائة وسبعا وأربعين سنة فولد عمران ونكح عمران بن يصهر نجيبا بنت اشموئيل بن تركيا بن يغشان بن إبراهيم فولدت له هارون وموسى. وقيل: اسم أمها ناجية. وقيل: لوحا وهو المشهور وكان عمر عمران مائة وسبعا وثلاثين وولد له موسى. وقد مضى من عمره سبعون سنة. وعاش موسى مائة وعشرين سنة. وموسى اسم سريانى. وعن عكرمة عن ابن عباس: سمى موسى لأنه ألقى بين شجر وماء فالماء بالقبطية مو والشجر سا. وقال المناوى: أصله موشى بالقبطية مو الماء وشا الشجر. وروى أنه لما أراد فرعون ذبحه لظنه أنه الذى يهلك على يده استوهبته منه آسية فوهبه لها فقال: سميه فسمته موسى. وكان طويلا وهارون أطول منه. وكان على أرنبته ولسانه شامة. وكان موسى آدمَ جَعْداً كأنه من رجال شَنُوءة وفى طرف لسانه شامة سوداء وهارون أخوه شقيق كما مر. وقيل: لأمه. وقيل: لأبيه ومات قبل موسى. وروى أنه ولد قبله بسنة، ومر خلافه. ورآه سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء ونصف لحيته أبيض ونصفه أسود تكاد لحيته تضرب إلى سرته من طولها. فقلت: يا جبريل مَن هذا؟ قال: المحبب فى قومه هارون بن عمران وعن بعض أن معنى هارون بالعبرانية المحبب. {وَقَتَلْتَ نَفْسًا} هو القبطى بمصر فاغتممت لقتله من جهة فرعون وخوفاً من عقاب الله وكان موسى وقت النقل صاحب اثنتى عشرة سنة. {فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ} غم القتل وغم الخوف وعقاب الله بأَن استغفر فغفر له. {وَفَتَنَّاكَ} ابتليناك بالإيقاع فى غير ذلك وخلصناك منه. وقيل: اختبرناك والماصَدَقُ واحد. {فُتُونًا} مصدر كالشكور أو جمع فتن أو فتنة مفعول مطلق أى ابتليناك ابتلاء وابتليناك ضربا من الابتلاء فخلصناك مرة بعد أخرى. سأل سعيد بن جبير ابن عباس - رضى الله عنه - عن ذلك فقال: خلصناك من محنة بعد محنة: ولد فى عام يقتل فيه الصبيان، فهذه فتنة يا ابن جبير. وهَمَّ فرعون بقتله، فهذه فتنة يا ابن جبير. وقتل قبطيًّا، وهَمَّ فرعون بقتله، فهذه فتنة يا ابن جبير. وأجَّر نفسه عشر سنين، فهذه فتنة يا ابن جبير. وضل الطريق، فهذه فتنة يا ابن جبير. وتفرقت غنمه فى ليلة مظلمة، فهذه فتنة يا ابن جبير ومشى حافياً جائعًا يأْكل البقل ثمانى ليال إلى مَدْيَنَ حين قتل القبطى، فهذه فتنة يا ابن جبير. وفارق الأحباب والوطن، فهذه فتنة يا ابن جبير؛ فالفتون إجمال لما لقى فى سفره وغيره قبل؛ أو لما لقى فيه فقط. ومن ذلك منعه الرضاع إلا من ثدى أمه. {فَلَبِثْتَ} أقمت {سِنِينَ} عشر سنين يرعى غنم شعيب مهر زوجته وثمانى عشرة بعد ذلك بلا رعى، وذلك ثمان وعشرون سنة أقامها مع شعيب صلى الله عليه وسلم وولد له. وقيل: عشر سنين فقط. والأول قول وهب. وقال الشيخ هود - رحمه الله -: عشرين سنة {فِى أَهْلِ مَدْيَنَ} بلدة على ثمانى مراحل من مصر. وزعم بعض أنها على ثلاث مراحل. {ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى} هو القدر الذى يذكر مع القضاء فى كتب الفقه، أى جئت على ما سبق فى قضائى وقدرى، من وقت مخصوص غير مقدم أو مؤخر أكلمك فيه وأستنبئك. وهو الوقت الذى أوحى فيه إلى أَنبيائى ورسلى وهو تمام أربعين سنة. تلك أن تقول: القدر - بفتح الدال-: القدر المحدود بسكونها. وهو ذلك الوقت. وفسره بعض بالقدرة. وفى الآية تلويح إلى تمثيل حاله بحال من يراه بعض الملوك أهلا لقرب المنزلة واللطف العظيم لجمعه الخصال. ويرشح ذلك قوله: {وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِى} اخترتك لمحبتى وجعلتك محل الإكرام. ويحتمل أن يكون التمثيل فى قوله: {واصطنعتك لنفسى} أى ائتمنتك على وحيى ورسالتى وجعلتك خليفتى حتى كأنى الذى أقمت عليهم الحجة وخاطبتهم.

اطفيش

تفسير : {إِذْ تَمْشى} فى الطريق لطلبك، وتحقيق أمرك، وتقول لمن أنت فى يده هل أدلكم {أخْتُك} اسمها مريم، أو كلثوم متعلق بتصنع، وهو وقت واسع ممتد قدر ما قوع فيه ما ذكر فى الآية مفصول بأزمنة، أو متعلق بألقيت، أو بدل من إذ أوحَينا، وذلك وقت واسع منه وقت وقع فيه كذا، أو وقع فيه كذا، فيصح الإبدال، ولا ضيق فى الوقت، والمضارع لحكاية الحال الماضية من موسى، كأنها حضرت حين يخاطب موسى عليه السلام بذلك، وكذا فى قوله: {فتقول} لفرعون أو آسية، {هل أدلُّكم على من يكفله} يضمه الى نفسه ويربيه {فرجعْناك الى أمِّكَ} فقالوا: دلينا عليه، فجاءت بأمك فقالت: هذه تكفله، فرجعناك إليها، ولا تربية، أحسن من تربية الأم. {كَىْ تقرّ عينُها} سلامتك من البحر، ومن فرعون، وبلقائك {ولا تَحْزن} بالفراق، والمراد لا يدوم عليها الحزن إِذْ حَزنت حين ألقته فى البحر، فمازال الحزن رجع إليها، وقيل المعنى لا يحدث عليها الحزن أو لا تحزن يا موسى بفقد إشفاقها، وفيه أن حزن الوليد مثله غير ظاهر إلا على معنى أنه ألفها فى مدة قصيرة، فلا يطمئن الى غيرها، بل يبكى، وما تقدم أولى، وما فى سورة القصص أنسب به، والقرآن يفسر بعضه بعضاًن ولم يقبل من امرأة ثدياً بعد أن عرضوه على النساء، ودلتهم على أمه، وقالوا لها ما يدريك أنها تنصحه، وهل لها قرابة به، وشكوا وقالت: إنها تحب القرب من الملك، فجاءت إلى بيت امرأة فرعون آسية، فطلبت أن تمكث عندها فقالت لا أضيع دارى، فإن لم ترضوا بأخذه الى بيتى تركته، وقد رأت أنه لم يقبل إلا ثديها فرضوا أن تذهب به. ولما ترعرع قالت امرأة فرعون أرينى ابنى، فوعد لها يوما تزورها به، فجعلت على كل خازن من خزان مالها، ومن تحت يدها، أن يستقبلوه بالهدايا من حين يخرج من بيت مرضعته وهى أمه، الى أن يدخل عليها، وقالت: إنى باعثة من يحصى عليكم هداياكم، وفعلوا فمضت به الى فرعون ليهدى له فجبذ لحيته. {وقَتَلت} بالوكز وأنت صاحب اثنتى عشرة سنة أو رجل {نفْساً} قبطياً اسمه قانون الذى استغاثه عليه الإسرائيلى موسى بن ظفر السامرى، فأصابك به هم {فنجَّيناك من الغمِّ وفتنَّاك} ابتليناك {فتوناً} ابتلاء وهو مصدر كالشكور، بضم الكاف مفرد، أو جمع فتن بفتح الفاء وإسكان التاء كالظنون جمع ظنّ، أو جمع فتنة على إلغاء التاء كإلغائها فى بدرة، إذ جمع على بدور، ومن عشرة آلاف درهم، وفى حجزة إذ جمعوه على حجوز، وهى تكة السراويل، أو فتناك خلصناك من الغش، كما يقال فتنت الذهب بالنار إذا خلصته من الغش، والمراد الفتن تكراره، على أن الفتون جمع كما هو ظاهر، وأما على أنه مفرد فالتكرار يعلم من السياق، والمعنى خلصناك أو ابتليناك مرة بعد أخرى، ووجه عد الابتلاء فى المنن أنه نجاه، وقيل إنه يثاب، والثواب نعمة، وهو ضعيف فى مقام التفسير. وعن ابن عباس رضى الله عنهما وغيره: الفتون بهجرة الوطن، وكونه لا يقبل إلا ثدى أمه، ومفارقة الالآف، والمشى راجلا، وفقد الزاد، وقتله القبطى، والإلقاء فى اليم، والتقاطه وامتناعه من الرضاع، وأخذه لحية فرعون، وغضب فرعون، وإرادة قتله، وأخذه الجمرة، وترك الجوهرة، والهرب الى مدين، وكونه أجيرا لشعيب، ورجوعه الى مصر، وإخطاءه الطريق فى الليلة المظلمة والبرد، وتفرق الغنم، ومرّ أنه أركب زوجه على أتان حين رجع الى مصر، بأن كان قد يركب معها أو ينفرد. والجواب: أن المشى بلا ركوب حين هرب، ولا يحسن عد كونه أجيراً، وإخطاء الطريق والبرد والظلمة وتفرق الغنم، ونحو ذلك لأن المراد ما وقع قبل وصول مدين بدليل الفاء فى قوله: {فلبثْتَ سنين} عشراً أو قيل ثمانياً وعشرين، عشراً فى الرعى لشعيب صداقاً لبنته، والباقى مع زوجه وولده، وقد خرج من مصر، وله من العمر اثنتا عشرة سنة، فذلك أربعون نبىء على رأسها. {فى أهْل مَدْين} بلدة شعيب على ثمانى مراحل من مصر، هرب إليها من فرعون، إذ قتل القبطى وعمره يومئذ اثنا عشر، ولبث فيها ثمانية وعشرين عاما، عشرة فى رعى الغنم مهر زوجته، وثمانية عشر أقام فيها مع شعيب. {ثُمَّ جئْتَ} الى المكان الذى ناديتك فيه، ولا دلالة لثم على مشتاق الطَّريق من ضلال الطريق، وتفرق الغنم وغير ذلك، كما زعم بعض {عَلى قَدر} تقدير من الله وقضائه أو على الوقت المقدر لاستنائك، قيل أو على مقدار من الزمان يكون فيه الاستنباء غالبا، وهو رأس أربعين، وفيه أن هذا يقال فيه قدر بإسكان الدال، أو على موعد وعدتك، وعليه مجاهد، فإن أراد أنه وعد بلا إخبار، فلا إشكال، وقد مر معناه، وإن أراد بإخبار على لسان نبى فغير متبادر {يا موسى} تشريف له، بنداء، وتنبيه على انتهاء الحكاية التى هى تفصيل المرة الأخرى.

الالوسي

تفسير : {إِذْ تَمْشِى أُخْتُكَ } ظرف لتصنع كما قال الحوفي وغيره على أن المراد به وقت وقع فيه مشي الأخت وما ترتب عليه من القول والرجع إلى أمها وتربيتها له بالحنو وهو المصداق لقوله تعالى: {أية : وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِى} تفسير : [طه: 39] إذ لا شفقة أعظم من شفقة الأم وصنيعها على موجب مراعاته تعالى. وجوز أن يكون ظرفاً لألقيت وأن يكون بدلاً من {أية : إِذْ أَوْحَيْنَا } تفسير : [طه: 38] على أن المراد بها وقت متسع فيتحد الظرفان وتصح البدلية ولا يكون من إبدال أحد المتغايرين الذي لا يقع في فصيح الكلام. ورجح هذا صاحب «الكشف» فقال: هو الأوفق لمقام الامتنان لما فيه من تعداد المنة على وجه أبلغ ولما في تخصيص الإلقاء أو التربية بزمان مشي الأخت من العدول إلى الظاهر فقبله كان عليه السلام محبوباً محفوظاً، ثم أولى الوجهين جعله ظرفاً {لِتُصْنَعَ} وأما النصب بإضمار اذكر فضعيف اهـ. وأنت تعلم أن الظاهر كونه ظرفاً لتصنع والتقييد بعلى عيني يسقط التربية قبل في غير حجر الأم عن العين. واعترض أبو حيان وجه البدلية بأن كلاً من الظرفين ضيق ليس بمتسع لتخصيصه بما أضيف إليه وليس ذلك كالسنة في الامتداد وفيه تأمل. واسم أخته عليه السلام مريم، وقيل: كلثوم وصيغة المضارع لحكاية / الحال الماضية، وكذا يقال في قوله تعالى: {فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ مَن يَكْفُلُهُ } أي يضمه إلى نفسه ويربيه. {فَرَجَعْنَـٰكَ إِلَىٰ أُمّكَ } الفاء فصيحة أي فقالوا: دلينا على ذلك فجاءت بأمك فرجعناك إليها {كَى تَقَرَّ عَيْنُها } بلقائك. وقرىء {تقر } بكسر القاف. وقرأ جناح بن حبيش {تقر } بالبناء للمفعول {وَلاَ تَحْزَنْ } أي لا يطرأ عليها الحزن بفراقك بعد ذلك وإلا فزوال الحزن مقدم على السرور المعبر عنه بقرة العين فإن التخلية مقدمة على التحلية. وقيل: الضمير المستتر في {تخزن} لموسى عليه السلام أي ولا تحزن أنت بفقد إشفاقها، وهذا وإن لم يأبه النظم الكريم إلا أن حزن الطفل غير ظاهر، وما في سورة القصص يقتضي الأول والقرآن يفسر بعضه بعضاً. أخرج جماعة من خبر طويل عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن آسية حين أخرجت موسى عليه السلام من التابوت واستوهبته من فرعون فوهبه لها أرسلت إلى من حولها من كل امرأة لها لبن لتختار لها ظئراً فلم يقبل ثدي واحدة منهن حتى أشفقت أن يمتنع من اللبن فيموت فأحزنها ذلك فأمرت به فأخرج إلى السوق مجمع الناس ترجو أن تجد له ظئراً يأخذ ثديها فلم يفعل وأصبحت أمه والهة فقالت لأخته: قصي أثره واطلبيه هل تسمعين له ذكراً أحي ابني أم قد أكلته الدواب؟ ونسيت الذي كان وعدها الله تعالى فبصرت به عن جنب فقالت من الفرح: أنا أدلكم على أهل بيت يكلفونه لكم وهم له ناصحون فأخذوها فقالوا: وما يدريك ما نصحهم له هل يعرفونه؟ وشكوا في ذلك فقالت: نصحهم له وشفقتهم عليه لرغبتهم في رضا الملك والتقرب إليه فتركوها وسألوها الدلالة فانطلقت إلى أمه فأخبرتها الخبر فجاءت فلما وضعته في حجرها نزا إلى ثديها فمصه حتى امتلأ جنباه رياً وانطلق البشرى إلى امرأة فرعون يبشرونها أنا قد وجدنا لابنك ظئراً فأرسلت إليها فأتيت بها وبه فلما رأت ما يصنع بها قالت لها: امكثي عندي ارضعي ابني هذا فإني لم أحب حبه شيئاً قط قالت: لا أستطيع أن أدع بيتي وولدي فيضيع فإن طابت نفسك أن تعطينيه فأذهب به إلى بيتي فيكون معي لا آلوه خيراً فعلت وإلا فإني غير تاركة بيتي وولدي فذكرت أم موسى ما كان الله عز وجل وعدها فتعاسرت على امرأة فرعون لذلك وأيقنت أن الله عز وجل منجز وعده فرجعت بابنها إلى بيتها من يومها فأنبته الله تعالى نباتاً حسناً وحفظه لما قد قضى فيه فلما ترعرع قالت امرأة فرعون لأمه: أريني ابني فوعدتها يوماً تزورها به فيه فقالت لخزانها وقهارمتها: لا يبق منكم أحد إلا استقبل ابني بهدية وكرامة أرى ذلك فيه وأنا باعثة أميناً يحصي ما صنع كل إنسان منكم فلم تزل الهدايا والنحل والكرامة تستقبله من حين خرج من بيت أمه إلى أن دخل عليها فلما دخل أكرمته ونحلته وفرحت به ونحلت أمه لحسن أثرها عليه ثم انطلقت به إلى فرعون لينحله وليكرمه فكان ما تقدم من جذب لحيته، ومن هذا الخبر يعلم أن المراد إذ تمشي أختك في الطريق لطلبك وتحقيق أمرك فتقول: لمن أنت بأيديهم يطلبون لك ظئراً ترضعك هل أدلكم الخ. وفي رواية أنه لما أخذ من التابوت فشا الخبر بأن آل فرعون وجدوا غلاماً في النيل لا يرتضع ثدي امرأة واضطروا إلى تتبع النساء فخرجت أخته لتعرف خبره فجاءتهم متنكرة فقالت ما قالت وقالوا ما قالوا، فالمراد على هذا إذ تمشي أختك إلى بيت فرعون فتقول لفرعون وآسية أو لآسية {هَلْ أَدُلُّكُمْ } الخ. / {وَقَتَلْتَ نَفْساً } هي نفس القبطي واسمه قانون الذي استغاثه عليه الإسرائيلي واسمه موسى بن ظفر وهو السامري، وكان سنه عليه السلام حين قتل على ما في «البحر» اثنتي عشرة سنة، وفي الخبر عن الحبر ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه عليه السلام حين قتل القبطي كان من الرجال وكان قتله إياه بالوكز كما يدل عليه قوله تعالى: {أية : فَوَكَزَهُ مُوسَىٰ فَقَضَىٰ عَلَيْهِ } تفسير : [القصص: 15] وكان المراد وقتلت نفساً فأصابك غم {فَنَجَّيْنَـٰكَ مِنَ ٱلْغَمّ } وهو الغم الناشيء من القتل وقد حصل له من وجهين خوف عقاب الله تعالى حيث لم يقع القتل بأمره سبحانه وخوف اقتصاص فرعون وقد نجاه الله تعالى من ذلك بالمغفرة حين قال: {أية : رَبّ إِنّى ظَلَمْتُ نَفْسِى فَٱغْفِرْ لِى } تفسير : [القصص: 16] وبالمهاجرة إلى مدين، وقيل: هو غم التابوت، وقيل: غم البحر وكلا القولين ليس بشيء، والغم في الأصل ستر الشيء ومنه الغمام لستره ضوء الشمس، ويقال: لما يغم القلب بسبب خوف أو فوات مقصود، وفرق بينه وبين الهم بأنه من أمر ماض والهم من أمر مستقبل، وظاهر كلام كثير عدم الفرق وشمول كل لما يكون من أمر ماض وأمر مستقبل. {وَفَتَنَّـٰكَ فُتُوناً } أي ابتليناك ابتلاء على أن {فُتُوناً } مصدر على فعول في المتعدي كالثبور والشكور والكفور، والأكثر في هذا الوزن أن يكون مصدر اللازم أو فتوناً من الابتلاء على أنه جمع فتن كالظنون جمع ظن أو جمع فتنة على ترك الاعتداد بالتاء لأنها في حكم الانفصال كما قالوا في حجوز جمع حجزة وبدور جمع بدرة، ونظم الابتلاء في سلك المنن قيل: باعتبار أن المراد ابتليناك واختبرناك بإيقاعك في المحن وتلخيصك منها، وقيل: إن المعنى أوقعناك في المحنة وهو ما يشق على الإنسان، ونظم ذلك في ذلك السلك باعتبار أنه موجب للثواب فيكون من قبيل النعم وليس بشيء، وقيل: إن {فتناك} بمعنى خلصناك من قولهم: فتنت الذهب بالنار إذا خلصته بها من الغش ولا يخفى حسنه، والمراد سواء اعتبر الفتون مصدراً أو جمعاً خلصناك مرة بعد أخرى وهو ظاهر على اعتبار الجمعية، وأما على اعتبار المصدرية فلاقتضاء السياق ذلك، وهذا إجمال ما ناله عليه السلام في سفره من الهجرة عن الوطن ومفارقة الإلاف والمشي راجلاً وفقد الزاد. وقد روى جماعة أن سعيد بن جبير سأل ابن عباس عن الفتون فقال له: استأنف النهار يا ابن جبير فإن لها خبراً طويلاً فلما أصبح غدا عليه فأخذ ابن عباس يذكر ذلك فذكر قصة فرعون وقتله أولاد بني إسرائيل ثم قصة إلقاء موسى عليه الصلاة والسلام في اليم والتقاط آل فرعون إياه وامتناعه من الارتضاع من الأجانب وإرجاعه إلى أمه ثم قصة أخذه بلحية فرعون وغضب فرعون من ذلك وإرادته قتله ووضع الجمرة والجوهرة بين يديه وأخذه الجمرة، ثم قصة قتله القبطي ثم هربه إلى مدين وصيرورته أجيراً لشعيب عليه السلام ثم عوده إلى مصر وإخطاء الطريق في الليلة المظلمة وتفرق غنمه فيها وكان رضي الله تعالى عنه عند تمام كل واحدة يقول هذه من الفتون يا ابن جبير. ولكن قيل: الذي يقتضيه النظم الكريم أن لا يعد إجارة نفسه وما بعدها من تلك الفتون ضرورة أن المراد بها ما وقع قبل وصوله عليه السلام إلى مدين بقضية الفاء في قوله تعالى: {فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِى أَهْلِ مَدْيَنَ } إذ لا ريب في أن الإجارة المذكورة وما بعدها مما وقع بعد الوصول إليهم وقد أشير بذكر لبثه عليه السلام فيهم دون وصوله إليهم إلى جميع ما قاساه عليه السلام / من فنون الفتون في تضاعيف مدة اللبث وهي فيما قيل عشر سنين، وقال وهب: ثمان وعشرون سنة أقام في عشر منها يرعى غنم شعيب عليه السلام مهراً لابنته وفي ثماني عشرة مع زوجته وولد له فيها وهو الأوفق بكونه عليه السلام نبىء على رأس الأربعين إذا قلنا بأن سنه عليه السلام حين خرج إلى مدين اثنتا عشرة سنة، ومدين بلدة شعيب عليه السلام على ثمان مراحل من مصر. {ثُمَّ جِئْتَ } أي إلى المكان الذي ناديتك فيه، وفي كلمة التراخي إيذان بأن مجيئه عليه السلام كان بعد اللتيا والتي من ضلال الطريق وتفرق الغنم في الليلة المظلمة الشاتية وغير ذلك {عَلَىٰ قَدَرٍ } أي تقدير والمراد به المقدر أي جئت على وفق الوقت الذي قدرته وعينته لتكليمك واستنبائك بلا تقدم ولا تأخر عنه، وقيل: هو بمعنى المقدار أي جئت على مقدار من الزمان يوحى فيه إلى الأنبياء عليهم السلام وهو رأس أربعين سنة. وضعف بأن المعروف في هذا المعنى القدر بالسكون لا التحريك، وقيل: المراد على موعد وعدناكه وروي ذلك عن مجاهد وهو يقتضي تقدم الوعد على لسان بعض الأنبياء عليهم السلام وهو كما ترى، وقوله تعالى: {يَا مُوسَىٰ } تشريف له عليه السلام وتنبيه على انتهاء الحكاية التي هي تفصيل المرة الأخرى التي وقعت قبل المرة المحكية أولاً.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {إِذْ تَمْشِيۤ أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ مَن يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَىٰ أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلاَ تَحْزَنَ}. اختلف في العامل الناصب للظرف الذي هو "إذْ" من قوله {إِذْ تَمْشِيۤ أُخْتُكَ} فقيل: هو "أَلْقَيْتُ" أي ألقيت عليك محبة مني حين تمشي أختك. وقيل: هو "تصنع" على عيني حين تمشي أختك. وقيل: هو بدل من "إذ" في قوله {أية : إِذْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّكَ} تفسير : [طه: 38]. قال الزمخشري: فإن قلت: كيف يصح البدل والوقتان مختلفان متباعدان؟ قلت: كما يصح وإن اتسع الوقت وتباعد طرفاه أن يقول لك الرجل: لقيت فلاناً سنة كذا. فتقول: وأنا لقيتُه إذ ذاك. وربما لقيه هو في أولها وأنت في آخرها. وهذا الذي ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة: من كون أخته مشت إليهم، وقالت لهم {هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ مَن يَكْفُلُهُ} ـ أوضحه جل وعلا في سورة "القصص" فبين أن أخته المذكورة مرسلة من قبل أمها لتتعرف خبره بعد ذهابه في البحر، وأنها أبصرته من بعد وهم لا يشعرون بذلك. وأن الله حرم عليه المراضع غير أمه تحريماً كونياً قدرياً. فقالت لهم أخته {هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ مَن يَكْفُلُهُ} أي على مرضع يقبل هو ثديها وتكفله لكم بنصح وأمانة ـ وذلك في قوله تعالى: {أية : وَقَالَتْ لأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَن جُنُبٍ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ ٱلْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ فَرَدَدْنَاهُ إِلَىٰ أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلاَ تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} تفسير : [القصص: 11-13] فقوله تعالى في آية "القصص" هذه {وَقَالَتْ لأُخْتِهِ} أي قالت أم موسى لأخته وهي ابنتها {قُصِّيهِ} أي اتبعي أثره، وتطلبي خبره حتى تطَّلعي على حقيقة أمره. وقوله: {فَبَصُرَتْ بِهِ عَن جُنُبٍ} أي رأته من بعيد كالمعرضة عنه، تنظر إليه وكأنها لا تريده {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} بأنها أخته جاءت لتعرف خبره فوجدته ممتنعاً من أن يقبل ثدي مرضعة، لأن الله يقول: {وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ ٱلْمَرَاضِعَ} أي تحريماً كونياً قدرياً، أي منعناه منها ليتيسر بذلك رجوعه إلى أمه، لأنه لو قبل غيرها أعطوه لذلك الغير الذي قبله ليرضعه ويكفله فلم يرجع إلى أمه. وعن ابن عباس: أنه لما قالت لهم {هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ} أخذوها وشكّوا في أمرها وقالوا لها: ما يدريك بنصحهم له وشفقتهم عليه؟! فقالت لهم: نصحهم له، وشفقتهم عليه رغبة في سرور الملك، ورجاء منفعته، فأرسلوها. فلما قالت لهم ذلك وخلصت من أذاهم، ذهبوا معها إلى منزلهم فدخلوا به على أمه فأعطته ثديها فالتقمه ففرحوا بذلك فرحاً شديداً وذهب البشير إلى امرأة الملك فاستدعت أم موسى، وأحسنَتْ إليها، فالتقمه ففرحوا بذلك فرحاً شديداً وذهب البشير إلى امرأة الملك فاستدعت أم موسى، وأحسنَتْ إليها، وأعطتها عطاء جزيلاً وهي لا تعرف أنها أمه في الحقيقة، ولكن لكونه قبل ثديها. ثم سألتها "آسية" أن تقيم عندها فترضعه فأبَتْ عليها وقالت: إن لي بعلاً وأولاداً، ولا أقدر على المقام عندك، ولكن إن أحببت أن أرضعه في بيتي فعلتُ فأجابتها امرأة فرعون إلى ذلك، وأجْرَتْ عليها النفقة والصِّلات والكساوى والإحسان الجزيل. فرجعت أم موسى بولدها قد أبدلها الله بعد خوفها أمناً في عزّ وجاه، ورزق دار (ا هـ) من ابن كثير. وقوله تعالى في آية "القصص": {أية : وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ} تفسير : [القصص: 13] وعد الله المذكور هو قوله: {أية : وَلاَ تَخَافِي وَلاَ تَحْزَنِيۤ إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ} تفسير : [القصص: 7] والمؤرخون يقولون: إن أخت موسى المذكورة اسمها "مريم" وقوله {كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا} إن قلنا فيه: إن "كَيْ" حرف مصدري فاللام محذوفة، أي لكي تقرَّ. وإن قلنا: إنها تعليلية، فالفعل منصوب بأن مضمرة. وقوله: {تَقَرَّ عَيْنُهَا} قيل: أصله من القرار. لأن ما يحبه الإنسان تسكن عينه عليه، ولا تنظر إلى غيره: كما قال أبو الطيب: شعر : وخصر تثبت الأبصار فيه كأن عليه من حدق نطاقا تفسير : وقيل: أصله من القر ـ بضم القاف ـ وهو البرد، تقول العرب: يومٌ قر ـ بالفتح ـ أي بارد، ومنه قول امرئ القيس: شعر : تميم بن مر وأشياعها وكندة حولي جميعاً صبر إذا ركبوا الخيل واستلأموا تحرقت الأرض واليوم قر تفسير : ومنه أيضاً قول حاتم الطائي الجواد: شعر : أوقد فإن الليل ليل قر والريح يا واقد ريح صر عل يرى نارك من يمر إن جلبت ضيفاً فأنت حر تفسير : وعلى هذا القول: فقرة العين من بردها. لأن عين المسرور باردة، ودمع البكاء من السرور بارد جداً، بخلاف عين المحزون فإنها حارة، ودمع البكاء من الحزن حار جداً. ومن أمثال العرب: أحر من دمع المقلات. وهي التي لا يعيش لها ولد، فيشتد حزنها لموت أولادها فتشتد حرارة دمعها لذلك. قوله تعالى: {وَقَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ ٱلْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً}. لم يبين هنا جل وعلا في هذه الآية الكريمة سبب قتله لهذه النفس، ولا ممن هي، ولا يبين السبب الذي نجاه به من ذلك الغم، ولا الفتون الذي فتنه، ولكنه بين في سورة "القصص" خبر القتيل المذكور في قوله تعالى: {أية : وَدَخَلَ ٱلْمَدِينَةَ عَلَىٰ حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلاَنِ هَـٰذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَـٰذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَٱسْتَغَاثَهُ ٱلَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى ٱلَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَىٰ فَقَضَىٰ عَلَيْهِ قَالَ هَـٰذَا مِنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَٱغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ} تفسير : [القصص: 15-16] وأشار إلى القتيل المذكور في قوله: {أية : قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ} تفسير : [القصص: 33] وهو المراد بالذنب في قوله تعالى عن موسى: {أية : فَأَرْسِلْ إِلَىٰ هَارُونَ وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنبٌ فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ} تفسير : [الشعراء: 13-14] وهو مراد فرعون بقوله لموسى فيما ذكره الله عنه: {أية : وَفَعَلْتَ فَعْلَتَك ٱلَّتِي فَعَلْتَ} تفسير : [الشعراء: 19] الآية. وقد أشار تعالى في "القصص" أيضا إلى غم موسى، وإلى السبب الذي أنجاه الله به منه في قوله: {أية : وَجَآءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَى ٱلْمَدِينَةِ يَسْعَىٰ قَالَ يٰمُوسَىٰ إِنَّ ٱلْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَٱخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ ٱلنَّاصِحِينَ فَخَرَجَ مِنْهَا خَآئِفاً يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَآءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَىٰ رَبِّيۤ أَن يَهْدِيَنِي سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ ٱلنَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ ٱمْرَأَتَينِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لاَ نَسْقِي حَتَّىٰ يُصْدِرَ ٱلرِّعَآءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ فَسَقَىٰ لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّىٰ إِلَى ٱلظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَآ أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ فَجَآءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى ٱسْتِحْيَآءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَآءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ ٱلْقَصَصَ قَالَ لاَ تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ} تفسير : [القصص: 20-25]. وقوله: {وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً} قال بعض أهل العلم: الفتون مصدر، وربما جاء مصدر الثلاثي المتعدي على فعول في المتعدي كالثبور والشكور والكفور. وجمع فتن أو فتنة على ترك الاعتداء بتاء التأنيث كحجوز وبدور في حجزة وبدرة أي فتناك ضروباً من الفتن. وقد جاء في تفسير الفتون المذكور حديث معروف عند أهل العلم بحديث "الفتون"، أخرجه النسائي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، وساقه ابن كثير في تفسيره عن النسائي بسنده. وهو حديث طويل يقتضي: أن الفتون يشمل كل ما جرى: على موسى من المحن من فرعون في صغره وكبره، كالخوف عليه من الذبح وهو صغير، ومن أجل ذلك أُلقي في التابوت وقذف في اليم فألقاه اليم بالساحل. وكخوفه وهو كبير من أن يقتله فرعون بالقبطي الذي قتله. وعلى هذا فالآيات التي ذكرت فيها تلك المحن مبينة للفتون على تفسير ابن عباس للفتون المذكور. وقال ابن كثير رحمه الله ـ بعد أن ساق حديث الفتون بطوله: هكذا رواه النسائي في السنن الكبرى. وأخرجه أبو جعفر بن جرير، وابن أبي حاتم في تفسيريهما كلهم من حديث يزيد بن هارون به، وهو موقوف من كلام ابن عباس، وليس فيه مرفوع إلا قليل منه، وكأنه تلقاه ابن عباس رضي الله عنه مما أبيح نقله من الإسرائيليات عن كعب الأحبار أو غيره. والله أعلم. وسمعت شيخنا الحافظ أبا الحجاج المزّي يقول ذلك أيضاً ا هـ. قوله تعالى: {فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِيۤ أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَىٰ قَدَرٍ يٰمُوسَىٰ}. السنين التي لبثها في مدين هي المذكورة في قوله تعالى: {أية : قَالَ إِنِّيۤ أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ٱبْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَىٰ أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِندِكَ} تفسير : [القصص: 27] وقد قدمنا في سورة "مريم" أنه أتم العشر، وبينا دليل ذلك من السنة. وبه تعلم أن الأجل في قوله: {أية : فَلَمَّا قَضَىٰ مُوسَى ٱلأَجَلَ} تفسير : [القصص: 29] أنه عشر سنين لا ثمان. وقال بعض أهل العلم: لبث موسى في مدين ثمان وعشرين سنة، عشر منها مهر ابنة صهره، وثمان عشرة أقامها هو اختياراً، والله تعالى أعلم. وأظهر الأقوال في قوله تعالى: {ثُمَّ جِئْتَ عَلَىٰ قَدَرٍ يٰمُوسَىٰ} أي جئت على القدر الذي قدرته وسبق في علمي أنك تجيء فيه فلم تتأخر عنه ولم تتقدم، كما قال تعالى: {أية : إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} تفسير : [القمر: 49] وقال: {أية : وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ} تفسير : [الرعد: 8]، وقال {أية : وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ قَدَراً مَّقْدُوراً} تفسير : [الأحزاب: 38]. وقال جرير يمدح عمر بن عبدالعزيز. شعر : نال الخلافة أو كانت له قدراً كما أتى ربه موسى على قدر

د. أسعد حومد

تفسير : {فَرَجَعْنَاكَ} {فَنَجَّيْنَاكَ} {وَفَتَنَّاكَ} {يٰمُوسَىٰ} (40) - فَلَمَّا اسْتَقَرَّ مُوسَى عِنْدَ آلِ فِرْعَوْنَ، وَعَرَضُوا عَلَيهِ المَرَاضِعَ فَأَبَاهَا، جَاءَتْ أُخْتُ مُوسى، وَقَالَتْ لآلِ فِرْعَوْنَ: هَلْ تُرِيدُونَ أَنْ أَدُلَّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ، وَيُرْضِعُونَهُ؟ فَأَخَذَتْهُمْ إِلَى أُمِّهَا فَعَرَضَتْ ثَدْيَهَا عَلَى مُوسَى فَأَخَذَهُ، فَفَرِحَ جَمَاعَةُ فِرْعَوْنَ فَرَحاً شَدِيداً، وَاسْتَأْجَرُوهَا لإِرْضَاعِهِ، وَبِذلِكَ قَرَّتْ عَيْنُها، وَاطْمَأَنَّتْ عَلَى سَلاَمَةِ ابْنِهَا، إِذْ أَصْبَحَ مَشْمُولاً بِرِعَايَةِ فِرْعَوْنَ وَزَوْجِهِ. وَلَمَّا كَبرَ مُوسَى، وَجَدَ قِبْطِيّاً يَتَخَاصَمُ مَعَ إِسْرَائِيلِيٍّ، فَضَرَبَ مُوسَى القِبْطِيَّ بِجُمْعِ يَدِهِ فَقَتَلَهُ. وَلَمْ يَعْلَمْ أَحَدٌ بِمَقْتَلِهِ، ثُمَّ وَجَدَ ذلِكَ الإِسْرَائِيلِيَّ يَتَخَاصَمُ مَعَ قِبْطِيٍّ آخَرَ فَاسْتَغَاثَ الإِسْرَائِيلِيُّ بِمُوسَى، فَوَبَّخَهُ مُوسَى عَلَى شُرُورِهِ، فَخَافَ الإِسْرَأئيليُّ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ مُوسَى، وَقَالَ لَهُ لَعَلَّكَ تُرِيدُ قَتْلِي كَمَا قَتَلْتَ القِبْطِيَّ يَوْمَ أَمْسِ. وَعَلِمَ فِرْعَوْنُ بِأَنَّ مُوسَى هُوَ قَاتِلُ القِبْطِيِّ فَهَرَبَ إِلى مَدْيَنَ. وَلَبِثَ فِيهَا عَشْرَ سِنِينَ يَرْعَى الغَنَمَ فِيهَا لِشُعَيْبٍ. ثُمَّ لَمَّا انْتَهَى الأَجَلُ سَارَ مُوسَى بِأَهْلِهِ، وَفِي الطَّرِيقِ أَوْحَى اللهُ تَعَالَى إِلَيْهِ رِسَالَتَهُ فِي الوَقْتِ المُقَدَّرِ. حَدِيثُ الفُتُونِ: وَسَأَلَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍِ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ عَنِ الفُتُونِ الوَارِدِ فِي هذِهِ الآيَةِ فَقَالَ لَهُ: - أَمَرَ فِرْعَوْنُ بِذَبْحِ الذُّكُورِ مِنَ المَوْلُودِينَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَكَانَ رِجَالُهُ يَطُوفُونَ، فَلاَ يَتْرُكُونَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ المَوْجُودِينَ فِي مِصْرَ وَلِيداً ذَكَراً إِلاَّ ذَبُحُوهُ. وَلَمَّا خَافَ الأَقْبَاطُ أَنْ يَفْنَى بَنُو إِسْرَائِيلَ وَلاَ يَبْقَى لِلأَقْبَاطِ مَنْ يَخْدِمُهُمْ، وَيَقُومُ بِالأَعْمَالِ الشَّاقَّةِ لَدَيْهِمْ، اسْتَقَرَّ رَأْيُ فِرْعَوْنَ عَلَى أَنْ يَذْبَحَ ذُكُورَ الأَطْفَالِ سَنَةً، وَيَتْرُكَهُمْ سَنَةً. وَحَمَلَتْ أُمُّ مُوسَى بِهِ فِي عَامٍ يَذْبَحُ فِيهِ الذَّكُورُ، فَخَافَتْ عَلَيْهِ، فَمَا دَخَلَ عَلَى مُوسَى وَهُوَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ، أَوْ مِمّا يُرَادُ بِهِ هُوَ مِنَ الفُتُونِ. - ثُمَّ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ، وَخَافَتْ عَلَيهِ فَقَذَفَتْهُ فِي اليَمِّ بِوَحْيٍ مِنَ اللهِ، فَلَمَّا اخْتَفَى عَنْهَا ابْنُهَا وَسْوَسَ لَهَا الشَّيْطَانُ، فَقَالَتْ فِي نَفْسِهَا: مَا صَنَعْتُ بِابْنِي، لَوْ أَنَّهُ بَقِيَ عِنْدِي وَذُبِحَ فِي حِجْرِي لَوَارَيْتُهُ التُّرَابَ، فَذلِكَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ تَأْكُلَهُ دَوَابُّ البَحْرِ. - وَلَمَّا التَقَطَهُ جَوَارِي امْرأَةِ فِرْعَوْنَ وَهُوَ فِي التَّابُوتِ حَمَلْنَهُ إِلَيْهَا، فَلَمَّا فَتَحَتْهُ وَنَظَرَتْ إِلَيهِ أَحَبَّتْهُ، بِوَحْيٍ مِنَ اللهِ، مَحَبَّةً كَبِيرَةً. وَجَاءَهَا الذَّبَّاحُونَ لِيَذْبَحُوا مُوسَى، وَذَلِكَ مِنَ الفُتُونِ. - فَقَالَتْ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ اتْرُكُوهُ حَتَّى آتِيَ فِرْعَوْنَ فَأَسْتَوْهِبُهُ إِيَّاهُ، فَإِنَّ هَذا الوَاحِدَ لاَ يَزِيدُ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَإِنْ وَهَبَهُ لِي كُنْتُمْ قَدْ أَحْسَنْتُمْ، وَإِنْ أَمَرَ بِذَبْحِهِ لَمْ أَلُمْكُمْ، فَأَتَتْ فِرْعَوْنَ فَقَالَتْ: قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكْ. فَقَالَ فِرْعَوْنُ: قُرَّةُ عَيْنٍ لَكِ، أَمَّا أَنَا فَلاَ حَاجَةَ لِي فِيهِ. - ثُمَّ عَرَضَتْهُ عَلَى المَرَاضِعِ فَأَبَاهَا، وَأَصْبَحَتْ أُمُّ مُوسَى وَالِهاً فَقَالَتْ لابْنَتِهَا قُصِّي أَثَرَهُ فَبَصُرَتْ بِهِ أُخْتُهُ فَعَرَفَتْهُ، وَلَمَّا عَرَفَتْ أَنَّهُ رَفَضَ الرَّضَاعَ مِنَ المُرْضِعَاتِ، تَقَدَّمَتْ إِلَيْهِمْ، فَقَالَتْ: هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ؟ فَقَالُوا وَمَا يُدْرِيكَ مَا نُصْحُهُمْ لَهُ؟ هَلْ تَعْرِفِينَهُ؟ حَتَّى شَكُّوا فِي أَمْرِهَا، وَذلِكَ مِنَ الفُتُونِ. - ثُمَّ وَجَدَ مُوسَى رَجُلاً إِسْرَائِيلِيّاً يَتَخَاصَمُ مَعَ قَبْطِيٍّ فَاسْتَغَاثَ الإِسْرَائِيلِيُّ بِمُوسَى فَقَتَلَ القَبْطِيَّ، وَلَمْ يَعْرِفْ أَحَدٌ مَنْ قَتَلَهُ، فَخَافَ مُوسَى عَلَى نَفْسِهِ. ثُمَّ وَجَدَ مُوسَى ذَلِكَ الإِسْرَائِيلِيَّ يَتَخَاصَمُ مَعَ قِبْطِيٍّ آخَرَ، فَاسْتَاءَ مُوسَى مِنْ فِعْلِ الإِسْرَائِيلِيِّ، فَقَالَ لَهُ إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ. فَخَافَ الإِسْرَائِيلِيُّ أَنْ يَقْتُلَهُ مُوسَى، فَقَالَ لَهُ: أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْساً بِالأَمْسِ؟ فَعَرَفَ القِبْطِيُّ أَنَّ مُوسَى هُوَ الذِي قَتَلَ القِبْطِيَّ الآخَرَ، فَذَهَبَ إِلَى فِرْعَوْنَ يُعْلِمُهُ بِمَا سَمِعَ، فَأَمَرَ فِرْعَوْنُ بِذَبْحِ مُوسَى، وَأَرْسَلَ الذَّبَّاحِينَ يَبْحَثُونَ عَنْهُ، وَسَمِعَ رَجُلٌ مِنْ شِيعَةِ مُوسَى بِمَا أَمَرَ بِهِ فِرْعَوْنُ، فَأَسْرَعَ إِلى مُوسَى يُخْبِرُهُ بِمَا أَمَرَ بِهِ فِرْعَوْنُ، فَهَرَبَ مُوسَى إِلَى أَهْلِ مَدْيَنَ، وَهذا مِنَ الفُتُونِ أيْضاً. وَبَقِيَ مُوسَى عَدداً مِنَ السِّنينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ يَرْعَى الغَنَمَ لِصِهْرِهِ، حَتَّى انْقَضَتِ المُدَّةُ التِي اتَّفَقَا عَلَيْهَا، ثُمَّ جَاءَ فِي الوَقْتِ الذِي قَدَّرَهُ اللهُ وَأَرَادَتْهُ مَشِيئَتُهُ تَعَالَى، مِنْ غَيْرِ مِيعَادٍ، لِيَجْعَلَهُ رَسُولاً. مَنْ يَكْفُلُهُ - مَنْ يَضُمُّهُ إِلَيْهِ وَيُرَبِّيهِ. تَقَرَّ عَيْنُها - تُسَرَّ بِلِقَائِكَ. فَتَنَّاكَ فُتُوناً - خَلَّصْنَاكَ مِنَ المِحَنِ تَخْلِيصاً. جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ - عَلَى وَفْقِ الوَقْتِ المُقَدَّرِ لِرِسَالَتِكَ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : إذن: كان لأخت موسى دور في قصته، كما قال تعالى في موضع آخر: {أية : وَقَالَتْ لأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَن جُنُبٍ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ}تفسير : [القصص: 11]. والمراد: تتبعيه بعد أنْ علمتِ نجاته من اليمّ، فتتبعته، وعرفتْ أنه في بيت فرعون، ثم حرَّم الله عليه المراضع، فكان يعَافُ المرضعات، وهنا تدخلت أخته لتقول: {هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ مَن يَكْفُلُهُ ..} [طه: 40] وهذا الترتيب لا يقدر عليه إلا الله. ويقول تعالى: {فَرَجَعْنَاكَ إِلَىٰ أُمِّكَ ..} [طه: 40] حين نستقرىء مادة (رجع) في القرآن نجدها تأتي مرة لازمة كما في: {أية : وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَىٰ إِلَىٰ قَوْمِهِ ..}تفسير : [الأعراف: 150]. وتأتي متعدية كما في: {فَرَجَعْنَاكَ إِلَىٰ أُمِّكَ ..} [طه: 40] وفي: {أية : فَإِن رَّجَعَكَ ٱللَّهُ إِلَىٰ طَآئِفَةٍ مِّنْهُمْ ..}تفسير : [التوبة: 83]. والفَرْق بين اللازم والمتعدِّي أن اللازم رجع بذاته، أمّا المتعدي فقد أرجعه غيره، فالرجوع أن تصير إلى حال كنتَ عليها وتركتها، فإنْ رجعت بنفسك دون دوافع حملتْك على الرجوع فالفعل لازم، فإنْ كانت هناك أمور دفعتْك للرجوع فالفعل مُتعَدٍّ. ومثل رجعك: أرجعك، إلا أن رجعك: الرجوع - في ظاهر الأمر منك من دون دوافع منك. وأرجعك: أي رَغْماً عن إرادتك. وقوله: {كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها ..} [طه: 40] تقرُّ العين أي: تثبت؛ لأن التطلعات إما أن تكون معنوية أو حِسِّية، فالإنسان لديه أمانٍ يتطلع إلى تحقيقها، فإذا ما تحققت نقول: لم يعُدْ يتطلع إلى شيء. وكذلك في الشيء الحسِّيِّ، فالعرب يقولون للشيء الجميل: قيد النواظر. أي: يقيد العين فلا تتحول عنه؛ لأن الإنسان لا يتحول عن الجميل إلا إذا رأى ما هو أجمل ، وهذا ما يسمونه قُرَّة العين. يعني الشيء الحسن الذي تستقر عنده العين، ولا تطلب عليه مزيداً في الحُسْن. ثم يقول تعالى: {وَقَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ ٱلْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً ..} [طه:40] وهذه مِنَّة أخرى من مِنَن الله تعالى على موسى عليه السلام، فمِنَنُ الله عليه كثيرة كما قال: {أية : وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَىٰ}تفسير : [طه: 37] فهي مرة، لكن هناك مرات. ومسألة القتل هذه وردتْ في قوله تعالى: {أية : وَدَخَلَ ٱلْمَدِينَةَ عَلَىٰ حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلاَنِ هَـٰذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَـٰذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَٱسْتَغَاثَهُ ٱلَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى ٱلَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَىٰ فَقَضَىٰ عَلَيْهِ ..}تفسير : [القصص: 15]. وخرج من المدينة خائفاً يترقب الناس لئلا يلحقوا به فيقتلوه، وهذا معنى {فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ ٱلْغَمِّ ..} [طه: 40] أي: من القتل، أو من الإمساك بك {وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً ..} [طه: 40] أي: عرَّضناك لمحن كثيرة، ثم نجيناك منها، أولها: أنك وُلِدْت في عام يُقتل فيه الأطفال، ثم رمتْكَ أمك في اليم، ثم ما حدث منه مع فرعون لما جذبه من ذقنه. ثم يقول تعالى: {فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِيۤ أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَىٰ قَدَرٍ يٰمُوسَىٰ} [طه: 40] ذكر الله تعالى مدة مُكْثه في أهل مدين على أنها من مننه على موسى مع أنه كان فيها أجيراً، وقال عن نفسه: {أية : رَبِّ إِنِّي لِمَآ أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ}تفسير : [القصص: 24]. وفي مدين تعرّف على شعيب عليه السلام، وتزوج من ابنته وأنجب منها ولداً، وموسى في هذا كله غريب عن وطنه، بعيد عن أمه، فلما أراد الله له الرسالة شَوَّقه إلى وطنه ورؤية أمه، وقَدَّر له العودة؛ فقال تعالى: {ثُمَّ جِئْتَ عَلَىٰ قَدَرٍ يٰمُوسَىٰ} [طه: 40]. أي: على قَدَر من اصطفائك، فقَدَر الله هو الذي حرَّك في قلبك الشوق للعودة، وحملك على أنْ تمشي في الطريق غير المأهول، وتتحمل مشقة البرد وعناء السفر، قَدَر الله هو الذي حرّك فيك خاطر الشوق لأمك، ففي طريق العودة وفي طُوىً أنت على موعد مع الاصطفاء والرسالة. لذلك، فإن الشاعر الذي مدح الخليفة قال له: شعر : جاء الخِلاَفَةَ أوْ كانتْ لَهُ قَدَراً كَما أتَى ربَّه مُوسَى عَلَى قَدَرِ تفسير : ثم يقول الحق سبحانه لموسى: {وَٱصْطَنَعْتُكَ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً} معناه ابتَلَينَاكَ بَلاءً.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 603 : 10 : 11 - سفين (في) قوله {فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ ٱلْغَمِّ} قال، القتل. [الآية 40]. 604 : 11 : 32 - سفين عن رجل عن سعيد بن جبير عن بن عباس {وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً} ابتلاك بيلا. [الآية 40].

النسائي

تفسير : قوله عز وجل: {وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً} [40] حديث الفتون 346 - أنا عبدُ اللهِ بن محمدٍ، نا يزيد بن هارون، أنا أصبغُ بنُ زيد، نا القاسمُ بنُ أبي أيُّوبَ، أني سعيدُ بنُ جُبيرٍ، قال: سألتُ عبد الله بن عباسٍ عن قول الله عزَّ وجلَّ لموسى عليه السلام: {وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً}، فسألتهُ عن الفُتُونِ ما هو؟ قال: استأْنِفِ النهارَ يا ابن جُبيرٍ، فإنَّ لها حديثاً طويلاً، فلما أصبحتُ غدوتُ على ابن عباس لأنتجز منه ما وعدني من حديث الفتونِ، فقال: تذاكر فرعون وجُلساؤُهُ ما كان الله عز وجل وعد إبراهيم صلى الله عليه وسلم أن يجعل في ذُريتهِ أنبياءَ ومُلُوكاً، فقال بعضهم: إن بني إسرائيل ينتظرون ذلك، ما يشكون فيه، وكانوا يظنون أنه يوسف بن يعقوب عليهما السلامُ، فلما هلك قالوا: ليس هكذا كان وعدُ إبراهيم عليه السلام، فقال فرعون: فكيف ترون؟ فائتمروا وأجمعوا أمرهم على أن يبعث رجالاً معهم الشِّفارُ يطوفون في بني إسرائيل فلا يجدون مولوداً ذكراً إِلاَّ ذبحوهُ، ففعلوا ذلك، فلما رأوا أن الكبار من بني إسرائيل يموتون بآجالهم، والصغار يُذبحون، قالوا: تُوشِكُون أن تُفْنُوا بني إسرائيل فتصيروا أن تباشروا من الأعمال والخدمةِ الذي كانوا يكفونكم. فاقتلوا عاماً كل مولودٍ ذكر فيقلُّ نباتهم، ودعوا عاماً فلا تقتلوا منهم أحداً، فينشأَ الصِّغارُ مكان من يموت من الكبار، فإنهم لن يكثروا بمن تستحيون/ منهم فتخافوا مُكاثرتهم إياكم، ولن يفنوا بمن تقتلون وتحتاجون إليهم، فأجمعوا أمرهم على ذلك. فحملت أُمُّ موسى بهارون في العام الذي لا يذبح فيه الغلمانُ فولدته علانيةً آمنةً. فلما كان من قابلٍ حملت بموسى فوقع في قلبها الهمُّ والحُزنُ - وذلك من الفتونِ يا ابن جبيرٍ - ما دخل عليه في بطن أُمه مما يراد به. فأوحى الله جلَّ ذكره إليها {أية : وَلاَ تَخَافِي وَلاَ تَحْزَنِيۤ إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ}تفسير : [القصص: 7] فأمرها إذا ولدت أن تجعلهُ في تابوتٍ وتُلقيهُ في اليمِّ. فلما ولدت فعلت ذلك. فلما توارى عنها ابنُها، أتاها الشيطانُ فقالت في نفسها: ما فعلت بابني؟ لو ذُبح عندي فواريتهُ وكفَّنْتُهُ كان أحبَّ إليَّ أن أُلقيهُ إلى دواب البحرِ وحيتانهِ، فانتهى الماءُ به حتى أوفى به عند فُرْضَةِ مُستقى جواري امرأة فرعون. فلما رَأَيْنَهُ أخذنَهُ فهممنَ أن يفتحنَ التابوت فقال بَعْضُهُنَّ: إنَّ في هذا مالاً، وَإِنَّا إن فتحناهُ لم تُصدقنا امرأة الملك بما وجدنا فيه. فحملنهُ كهيئتِهِ لم يُخرجن منه شيئاً حتى دفعنه إليها، فلما فتحته رأت فيه غلاماً، فألقي عليها منه محبةٌ لم يُلق منها على أحدٍ قطُّ، وأصبح فُؤادُ أُمِّ موسى فارغاً من ذكر كل شيءٍ إلا من ذكر موسى. فلما سمع الذَّبَّاحُونَ بأمرهِ أقبلوا بشفارِهِمْ إلى امرأةِ فرعون ليذبحوه - وذلك من الفتون يا ابن جبير -، فقال لهم: أقِرُّوه، فإن هذا الواحد لا يزيد في بني إسرائيل، حتى آتي فرعون فأستوهبهُ منهُ، فإن وهبه لي كنتم قد أحسنتم وأجملتم، وإن أمر بذبحه لم أًلُمكُمْ، فأتت فرعون فقالت: قُرَّةُ عينٍ لي ولكَ، فقال فرعونُ: يكون لكِ فأما لي فلا حاجةَ لي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : والذي يُحْلفُ به لو أقرَّ فرعون أن يكون له قُرَّةَ عينٍ كما لأقرَّتِ امرأتُهُ لَهَدَاهُ اللهُ كما هداها، ولكنَّ الله حرمهُ ذلك"تفسير : . فأرسلت إلى من حولها؛ إلى كُلِّ امرأةٍ لها لبنٌ/ تختارُ لهُ ظئراً، فجعل كُلَّمَا أخذتهُ امرأةً منهن لترضعهُ لم يُقبل على ثديها، حتى أشفقتِ امرأةُ فرعون أن يمتنع من اللبن فيموت، فأحزنَهَا ذلك فأمرتْ به فأُخْرِجَ إلى السُّوقِ ومجمع الناسِ، ترجو أن تجدَ له ظِئراً تأخَذَهُ منها، فلم يقبل. فأصبحت أُمُّ موسى وَالِهاً، فقالتْ لأُخْتِهِ: قَصِّي أَثَرَهُ واطْلُبِيهِ، هل تسمعين له ذكراً، أَحَيٌّ ابني أمْ أكلتهُ الدوابُّ، ونسيت ما كان اللهُ وعدها فيه، فبصرت به أُخْتُهُ عن جُنُبٍ - والجُنُبُ: أن يسمو بصر الإنسان إلى الشيء البعيد وهو إلى ناحيةٍ لا يُشعرُ به - فقالت من الفرحِ حين أعياهم الضُّؤُوراتُ: أنا أدُلُّكُم على أهل بيتٍ يكفلونه لكم وهم له ناصحون. فأخذوها، فقالوا: ما يُدريكِ ما نُصحُهُم؟ قل تَعرِفَونَهُ؟ حتى شكوا في ذلك - وذلك من الفتون يابن جبير - فقالت: نصيحتهم له، وشفقتهم عليه رغبتهم في صهرِ الملك ورجاءُ منفعة الملكِ. فأرسلوها فانطلقت إلى أُمِّها فأخبرتها الخبر. فجاءت أُمُّهُ، فلما وضعته في حجرها، ثوى إلي ثديها، فمصهُ حتى امتلأَ جنباهُ رِيّاً، وانطلق البُشراءُ إلى امرأة فرعون يُبشرونها أن قد وجدنا لابنك ظئراً، فأرسلت إليها فأتت بها وبه، فلما رأت ما يصنع، قال: امكثي تُرضعي ابني هذا، فإني لم أُحِبَّ شيئاً حُبَّهُ قط، قالت أُمُّ موسى: لا أستطيعُ أن أدع بيتي وولدي فيضيع، فإن طابت نفسك أن تعطينيه فأذهب به إلي بيتي فيكون معي لا آلُوهُ خيراً فعلتُ، فإني غير تاركةٍ بيتي وولدي، وذكرت أُمُّ موسى ما كان الله وعدها، فتعاسرت على امرأة فرعون وأيقنت أن الله مُنجزٌ موعوده. فرجعت إلى بيتها من يومها، فأنبتهُ اللهُ نباتاً حسناً، وحفظ لما قد قضى فيه، فلم يزل بنو إسرائيل وهم في ناحية القرية مُمتنعين من السُّخْرَةِ والظلمِ ما كان فيهم، فلما ترعرع قالت امرأةُ فرعون لأُمِّ موسى: أزيريني/ ابني، فوعدتها يوماً تُزِيرُها إياهُ فيه. وقالت امرأةُ فرعون لخُزَّانِهَا وظُؤُورها وقهارِمَتِهَا: لا يبقينَّ أحدٌ منكم إلا استقبل ابني اليوم بهديةٍ وكرامةٍ، لأرى ذلك فيه، وأنا باعثةٌ أميناً يُحصي كل ما يصنع كل إنسان منكم. فلم تزل الهدايا والكرامةُ والنُّحِلُ تستقبله من حين خرج من بيت أُمهِ إلى أن دخل على امرأة فرعون، فلما دخل عليها نحلته وأكرمته وفرحت به، ونحلتْ أُمَّهُ بحسن أثرها عليه ثم قالت: لآتِينَّ فرعون فلينحلنَّهُ وليكرمنَّه، فلما دخلت به عليه جعله في حجرهِ، فتناول موسى لحية فرعون، فمدها إلى الأرض. قال الغُواةُ من أعداءِ الله لفرعون: ألا ترى ما وعد الله إبراهيم نبيه، إنه زعم أن يَرُبَّكَ ويعلوك ويصرعكَ؟! فأرسل إلى الذَّبَّاحينَ ليذبحوه، - وذلك من الفُتُونِ يا ابن جُبيرٍ - بعد كل بلاءٍ ابتلي به وأريد به فُتُوناً. فجاءت امرأة فرعون [تسعى إلى فرعون] فقال: ما بدا لك في هذا الغُلام الذي وهبتهُ لي، فقال: ألا ترينهُ، إنه يزعمُ سيصرعُني ويعلوني، قالت: اجعل بيني وبينك أمراً يُعرفُ فيه الحقُّ، ائتِ بجمرتين ولؤلُؤتينِ فقرِّبْهُنَّ إليه، فإنْ بطش باللُّؤلُؤِ، واجتنب الجمرتينِ، عرفت أنهُ يعقلُ، وإن تناول الجمرتين ولم يُرد اللؤلؤتين، علمت أن أحداً لا يؤثرُ الجمرتينِ على اللُّؤلُؤتينِ وهو يعقل. فقرب ذلك إليه فتناول الجمرتين فنزعُوهُما منه مخافة أن يحرقا يديهِ، فقالت المرأةُ: ألا ترى؟ فصرفه الله عنه بعد ما كان قد همَّ به، وكان اللهُ بالغاً فيه أمرهُ. فلما بلغ أشدهُ، وكان من الرجال، لم يكن أحدٌ من آل فرعون يخلصُ إلى أحدٍ من بني إسرائيل معهُ بظلمٍ ولا سُخرةٍ حتى امتنعوا كل الامتناع. فبينما موسى عليه السلام يمشي في ناحية المدينة، إذ هو برجلين يقتتلانِ أحدُهُما فرعونيٌّ والآخرُ إسرائيليٌّ، فاستغاثهُ الإسرائيليٌّ على، الفرعونيِّ، فغضب موسى عليه السلامُ غضباً شديداً لأنهُ تناوله وهو يعلم منزله من بني إسرائيل، وحفظهُ لهم، لا يعلمُ الناس إلا أنَّما ذلك من الرضاعِ إلا أُمُّ موسى، إلا أن يكون الله سبحانه أطلع موسى عليه السلامُ من ذلك على ما لم يطلع عليه غيرهُ، ووكز موسى الفرعوني فقتلهُ، وليس يراهما أحدٌ إلا اللهُ عز وجل والإسرائيليُّ، فقال موسى حين قتل الرجلُ: هذا من عمل الشيطانِ، إنَّهُ عدوٌّ مُّضِلٌّ مُّبينٌ، ثم قال: {أية : رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَٱغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ} تفسير : [القصص: 16] فأصبح في المدينة خائفاً يترقب الأخبار، فأُتى فرعون فقيل له: إن بني إسرائيل قتلوا رجلاً من آل فرعون، فَخُذْ لنا بحقك ولا تُرخص لهم. فقال: لا يستقيم له أن يقيد بغير بينةٍ ولا ثبتٍ، فاطلبوا لي علم ذلك آخُذْ لكم بحقكم. فبينما هم يطوفون لا يجدون ثبتاً، إذا موسى من الغد قد رأى ذلك الإسرائيلي يُقاتل رجلاً من آل فرعون آخر، فاستغاثهُ الإسرائيليُّ على الفرعونيِّ، فصادف موسى قد ندم على ما كان منهُ، وكره الذي رأى فغضب الإسرائيليُّ، وهو يريد أن يبطش بالفرعونيِّ، فقال للإسرائيلي لما فعل أمسِ واليوم: إنك لغويٌّ مُبينٌ، فنظر الإسرائيليُّ إلى موسى عليه السلام بعد ما قال له ما قال، فإذا هو غضبانُ كغضبه بالأمسِ، الذي قتل فيه الفرعونيَّ، فخاف أن يكون بعد ما قال له إنك لغويٌّ مبينٌ، أن يكون إياه أراد، ولم يكن أرادهُ، وإنما أراد الفرعونيَّ، فخاف الإسرائيليُّ وقال: يا موسى أتريدُ أن تقتلني كما قتلت نفساً بالأمسِ؟، وإنما قال له مخافة أن يكون إياهُ أراد موسى ليقتله، فتتاركا، وانطلق الفرعونيُّ فأخبرهم بما سمع من الإسرائيليِّ، من الخبر حين يقولُ: أتُريدُ أن تقتلني كما قتلت نفساً/ بالأمسِ، فأرسل فرعون الذَّبَّاحين ليقتلوا موسى، فأخذ رسل فرعون الطريق الأعظم، يمشون على هيئتهم يطلبون موسى، وهم لا يخافون أن يفوتهم، فجاء رجلٌ من شيعةِ موسى من أقصى المدينة، فاختصر طريقاً حتى سبقهم إلى موسى فأخبره الخبر - وذلك من الفُتُونِ يا ابن جُبيرٍ -. فخرج موسى متوجهاً نحو مدين، لم يلق بلاءً قبل ذلك، وليس له علمٌ إلا حُسْنُ ظنهِ بربهِ تعالى، فإنه {أية : قَالَ عَسَىٰ رَبِّيۤ أَن يَهْدِيَنِي سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ * وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ ٱلنَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ ٱمْرَأَتَينِ تَذُودَانِ}تفسير : [القصص: 22-23] يعني بذلك: حابستين غَنَمَهُمَا - فقال لهما: ما خطبكما مُعتزلتين لا تسقيانِ مع الناسِ؟ فقالتا: ليس لنا قوةٌ نُزاحمُ القوم، وإنما ننتظر فضول حياضهم، فسقى لهما، فجعل يغترف في الدَّلوِ ماءً كثيراً حتى كان أول الرعاء، وانصرفتا بغنمهما إلى أبيهما، وانصرف موسى عليه السلامُ، فاستظل بشجرةٍ وقال: {أية : رَبِّ إِنِّي لِمَآ أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} تفسير : [القصص: 24] واستنكر أبوهما سرعة صُدُورِهِمَا بغنمِهما حُفَّلاً بِطَانَا، فقال: إن لكما اليوم لشأناً، فأخبرتاهُ بما صنع موسى، فأمر إحداهما أن تدعوه، فأتت موسى فدعته، فلما كلَّمهُ، قال: لا تخف نجوت من القومِ الظالمين، ليس لفرعون ولا لقومه علينا سُلطانٌ، ولسنا في مملكته، فقالت إحداهما: يا أبتِ استأجره إنَّ خير من استأْجرتَ القويُّ الأمينُ، فاحتملتهُ الغيرةُ على أن قال لها: ما يُدريكِ ما قُوَّتُهُ وما أمانَتُهُ؟ قالت: أمَّا قُوَّتُهُ فما رأيت منه في الدلوِ حين سقى لنا، لم أر رجلاً قطُّ أقوى في ذلك السقي منه، وأما الأمانةُ، فإنهُ نظر إلي حين أقبلت إليه وشخصتُ له، فلما علم أني امرأةٌ صَوَّبَ رأسهُ فلم يرفعه حتى بلغتهُ رسالتك، ثم قال لي: / امشي خلفي، وانعتي لي الطريق، فلم يفعل هذا الأمر إلاَّ وهو أمينٌ. فَسُرِّيَ عن أبيها وصدقها، وظن به الذي قالت، فقال لهُ: هل لك {أية : أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ٱبْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَىٰ أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِندِكَ وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ} تفسير : [القصص: 27] ففعل فكانت على نبيِّ الله موسى ثماني سِنِين واجبةً، وكانت سنتانِ عِدةً منهُ، فقضى اللهُ عنه عدتهُ، فأتمها عشراً. قال سعيدٌ: فلقيني رجلٌ من أهل النصرانية من عُلمائهم، قال: هل تدري أيَّ الأجلين قضى موسى؟، قلتُ: لا، وأنا يومئذٍ لا أدري، فلقيتُ ابن عباسٍ فذكرت ذلك له، فقال: أما علمت أن ثمانياً كانت على نبي الله واجبةً، لم يكن نبي اللهِ صلى الله عليه وسلم لينقص منها شيئاً، ويعلم أن الله كان قاضياً عن موسى عدتهُ التي وعدهُ، فإنه قضى عشر سنين، فلقيت النصراني فأخبرته ذلك، فقال: الذي سألتهُ فأخبرك أعلمُ مِنك بذلك. قلتُ: أجل، وأولى. فلما سار موسى بأهلِهِ كان من أمر النار والعصى ويده ما قصَّ اللهُ عليك في القرآنِ، فشكى إلى الله سبحانه ما يتخوفُ من آلِ فرعون في القتيل، وعُقدَة لسانه، فإنه كان في لسانه عُقدةٌ تمنعه من كثير الكلام، وسأل ربه أن يعينه بأخيه هارون يكون له ردءاً، ويتكلم عنه بكثير مما لا يفصحُ به لسانهُ، فآتاه اللهُ سُؤلهُ وحلَّ عُقدةً من لسانهِ، وأوحى اللهُ إلى هارون وأمرهُ أن يلقاهُ، فاندفع موسى بعصاهُ حتى لقي هارون عليه السلام، فانطلقا جميعاً إلى فرعون، فأقاما على بابه حيناً لا يؤذنُ لهما، ثم أُذن لهما بعد حجابٍ شديدٍ، فقالا: إنا رسولا ربك، قال: فمن ربُّكما؟ فأخبره بالذي قصَّ اللهُ عليك في القرآنِ، قال: فما تُريدان؟ وذكره القتيل فاعتذر بما قد سمعت/، قال: أُريد أن تؤمن بالله، وترسل معي بني إسرائيل، فأبى عليه وقال ائت بآيةٍ إن كنت من الصادقين، فألقى عصاه فإذا هي حيةٌ عظيمةٌ فاغرةً فاها، مُسرعةً إلى فرعون، فلما رآها فرعون قاصدةً إليه خافها فاقتحم عن سريره، واستغاث بموسى أن يكفها عنهُ، ففعل ثم أخرج يده من جيبه، فرآها بيضاء من غير سوءٍ - يعني من غير برصٍ - ثم ردها فعادت إلى لونها الأولِ، فاستشار الملأ حوله فيما رأى، فقالوا له: هذان ساحران يُريدان أن يُخرجاكم من أرضكم بسحرهما، ويذهبا بطريقتكم المُثلى - يعني ملكهم الذي هم فيه والعيش - فأبوا على موسى أن يعطوه شيئاً مما طلب، وقالوا له: اجمع لهما السحرة، فإنهم بأرضك كثيرٌ، حتى يغلب سحرك سحرهما، فأرسل في المدائن فَحُشر له كل ساحرٍ مُتعالمٍ، فلما أتوا فرعون قالوا: بم يعمل هذا الساحرُ؟ قالوا يعمل بالحيات، قالوا: فلا والله ما أحدٌ في الأرض يعمل بالسحر بالحيات، والجبال والعصي الذي نعملُ، وما أجرنا إن نحن غلبنا؟، قال لهم: أنتم أقاربي وخاصتي، وأنا صانعٌ إليكم كل شيء أحببتم. فتواعدوا يوم الزينة، وأن يُحشر الناس ضُحىً. قال سعيدٌ: فحدَّثني ابن عباسٍ: أن يوم الزينة، اليوم الذي أظهر الله فيه موسى على فرعون والسحرة، هو يوم عاشوراء. فلما اجتمعوا في صعيدٍ، قال الناس بعضهم لبعضٍ: انطلقوا فلنحضر هذا الأمر لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين - يعنون موسى وهارون استهزاءً بهما -، فقالوا: يا موسى - لقُدرتهم بسحرهم - إما أن تُلقي، وإما أن نكون نحن المُلقين، قال: بل ألقوا، {أية : فَأَلْقَوْاْ حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُواْ بِعِزَّةِ فِرْعَونَ إِنَّا لَنَحْنُ ٱلْغَالِبُونَ} تفسير : [الشعراء: 44]. فرأى موسى من سحرهم ما أوجس في نفسه خيفةً، فأوحى الله إليهِ أن أَلقِ عصاك، فلما ألقاها صارت ثُعباناً عظيماً فاغرةً فاها/، فجعلت العصا تلبس بالحبال حتى صارت جُرزاً على الثُّعبانِ تدخل فيه، حتى ما أبقت عصاً ولا حبلاً إلا ابتلعتهُ، فلما عرف السحرةُ ذلك، قالوا: لو كان هذا سحراً لم يبلغ من سحرنا كُلُّ هذا، ولكنه أمرٌ من اللهِ، آمنَّا باللهِ وبما جاء به موسى، ونتوبُ إلى الله مما كُنَّا عليه. فكسر اللهُ ظهر فرعون في ذلك الموطن وأتباعِهِ، وظهر الحقُّ وبطل ما كانوا يعملون {أية : فَغُلِبُواْ هُنَالِكَ وَٱنقَلَبُواْ صَاغِرِينَ}تفسير : [الأعراف: 119] وامرأةُ فرعون بارزةٌ تدعو الله بالنصر لموسى على فرعون وأشياعهِ، فمن رآها من آل فرعون، ظنَّ أنها إنما ابتذلت للشفقة على فرعون وأشياعهِ وإنما كان حُزنها وهمُّها لموسى. فلما طال مُكْثُ موسى بمواعدِ فرعون الكاذبة، كُلَّمَا جاءهُ بآيةٍ وعدهُ عندها أن يرسل معهُ بني إسرائيل، فإذا مضت أخلف موعده، وقال: هل يستطيع رَبُّكَ أن يصنع غير هذا؟ فأرسل الله عز وجل على قومِهِ {أية : ٱلطُّوفَانَ وَٱلْجَرَادَ وَٱلْقُمَّلَ وَٱلضَّفَادِعَ وَٱلدَّمَ آيَاتٍ مُّفَصَّلاَتٍ}تفسير : [الأعراف: 133]، كُلُّ ذلك يشكوا إلى موسى، ويطلب إليه أن يكفها عنهُ، ويوافقه على أن يرسل معه بني إسرائيل، فإذا كف ذلك عنه، أخلف موعده، ونكث عهدهُ. حتى أُمر موسى بالخروج بقومِهِ، فخرج بهم ليلاً، فلما أصبح فرعون، فرأى أنهم قد مضوا، أرسل في المدائن حاشرين فتبعه بجنودٍ عظيمةٍ كثيرةٍ، وأوحى اللهُ تعالى إلى البحر إذا ضربك عبدي موسى بعصاه فانفرق اثنتي عشرة فرقةً، حتى يُجاوز موسى ومن معهُ، ثم التق على من بقي بعد من فرعون وأشياعهِ، فنسي موسى أن يضرب البحر بالعصا، فانتهى إلى البحر، وله قصيفٌ مخافة أن يضربهُ موسى بعصاهُ، وهو غافل، فيصير عاصياً للهِ. فلما تراءى الجمعانِ تقاربا، قال قوم موسى: إنا لمدركون، افعل ما أَمَرَكَ به رَبُّكَ فإنه لم يكذب/ ولم تكذب، قال: وعدني ربي إذا أتيتُ البحر انفرق اثنتي عشرةَ فرقةً، حتى أُجاوزهُ، ثم ذكر بعد ذلك العصا، فضرب البحر بعصاه حين دنا أوائلُ جُند فرعون من أواخر جُندِ موسى، فانفرق البحر كما أمرهُ ربُّهُ، وكما وُعِدَ موسى، فلما أن جاز موسى وأصحابه كلهم البحر، ودخل فرعون وأصحابه، التقى عليهم البحر كما أُمر، فلما جاوز موسى البحر قال أصحابُهُ: إنا نخاف ألا يكون فرعون غرق ولا نؤمنُ بهلاكهِ، فدعا رَبَّهُ فأخرجه له ببدنهِ حتى استيقنوا هلاكهُ، ثم مَرُّوا بعد ذلك {أية : عَلَىٰ قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَىٰ أَصْنَامٍ لَّهُمْ قَالُواْ يٰمُوسَىٰ ٱجْعَلْ لَّنَآ إِلَـٰهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ * إِنَّ هَـٰؤُلاۤءِ مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} تفسير : [الأعراف: 138-139] قد رأيتم من العبر، وسمعتم ما يكفيكم. ومضى فأنزلهم موسى منزلاً وقال لهم: أطيعوا هارون فإني قد استخلفته عليكم، فإني ذاهبٌ إلى ربيِّ، وأجَّلَهُمْ ثلاثين يوماً أن يرجع إليهم فيها، فلما أتى ربه [أراد] أن يُكلِّمهُ في ثلاثين يوماً، وقد صامَهُنَّ: ليلهُنَّ ونهارهَنَّ، وكره أن يُكلم ربهُ وَرِيحُ فِيهِ ريحُ فمِ الصَّائِمِ، فتناول موسى من نبات الأرض شيئاً فمضغهُ، فقال له ربه حين أتاهُ: لم أفطرتَ؟ - وهو أعلمُ بالذي كان، قال: يا ربِّ إنِّي كرهتُ أن أُكَلِّمَكَ إلا وفمي طيبُ الريحِ، قال: أو ما علمت يا موسى أن ريح فم الصائم أطيبُ من ريح المسكِ؟، ارجع فصم عشراً، ثم ائتني، ففعل موسى عليه السلام ما أمرهُ بِهِ، فلما رأى قوم موسى أنهُ لم يرجع إليهم في الأجلِ ساءهم ذلك، وكان هارون قد خطبهم وقال: إنكم خرجتم من مصر، ولقوم فرعون عندكم عواري وودائعُ، ولكم فيهم مثل ذلك، وأنا أرى أن تحتسبوا ما لكم عندهم، ولا أُحِلُّ لكم وديعةً استودعتُمُوها، ولا عاريةً، ولسنا برادين إليهم/ شيئاً من ذلك، ولا مُمسيه لأنفسنا، فحفر حفيراً، وأمر كل قومٍ عندهم من ذلك من متاعٍ أو حليةٍ أن يقذفوه في ذلك الحفير، ثم أوقد عليه النار فأحرقهُ، فقال: لا يكون لنا ولا لهم. وكان السامريُّ من قومٍ يعبدون البقر، جيرانٌ لبني إسرائيل، ولم يكن من بني إسرائيل، فاحتمل مع موسى وبني إسرائيل حين احتملوا فقُضِيَ له أن رأى أثراً فأخذ منه قبضةً، فمرَّ بهارون فقال له هارون عليه السلامُ: يا سامريُّ ألا تُلقي ما في يدكَ؟ وهو قابضٌ عليه لا يراه أحدٌ طوال ذلك، فقال: هذه قبضةٌ من أثرِ الرسولِ الذي جاوز بكم البحر، فلا أُلقيها بشيءٍ إلا أن تدعو الله إذا ألقيتُ أن يكون ما أُريدُ، فألقاها ودعا له هارونُ، فقال أُريدُ أن تكون عجلاً، فاجتمع ما كان في الحفرةِ من متاعٍ أو حليةٍ أو نحاسٍ أو حديدٍ فصار عجلاً أجوف ليس فيه روحُ لهُ خُوَارٌ. قال ابنُ عباسٍ: لا واللهِ ما كان لهُ صوتٌ قط، إنما كانت الريحُ تدخلُ من دُبُرِهِ وتخرجُ من فيهِ، فكان ذلك الصوتُ من ذلك. فتفرق بنو إسرائيل فرقاً، فقالت فرقةٌ: يا سامريُّ، ما هذا وأنت أعلمُ به؟ قال: هذا ربُّكُمْ، ولكن موسى أضلَّ الطَّريق، فقالت فرقةٌ: لا نُكذبُ بهذا حتى يرجع إلينا موسى، فإن كان رَبَّنَا لم نكن ضيعناهُ وعجزنا فيه حين رأينا، وإن لم يكن رَبَّنَا فإنَّا نتبعُ قول موسى. وقالت فرقةٌ: هذا عملُ الشيطانِ، وليس بربنا، ولن نؤمن به، ولا نُصَدِّقُ، وأُشربَ فرقةٌ في قلوبهم الصدق بما قال السامريُّ في العجلِ وأعلنُوا التَّكذيب بهِ، فقال لهم هارون: يا قوم إنما فُتنتم به، وإن ربكم الرحمن، [هكذا] قالوا: فما بال موسى وعدنا ثلاثين يوماً ثم أخلفنا؟ هذه أربعون قد مضت. فقال سُفهاؤُهم: أخطأ ربه فهو يطلبه ويتبعه، فلما كلم الله موسى عليه السلام وقال له ما قال، أخبره/ بما لقي قومه من بعده، فرجع موسى إلى قومه غضبان أسفاً، قال لهم ما سمعتم في القرآن وأخذ برأسِ أخيه يجره إليه، وألقى الألواح من الغضب، ثم إنه عذر أخاه بعذره، واستغفر له، فانصرف إلى السامريِّ فقال له ما حملك على ما صنعت، قال: قبضت قبضة من أثر الرسول وفطنتُ إليها، وعميت عليكم، فقذفتها {أية : وَكَذٰلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي * قَالَ فَٱذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي ٱلْحَيَاةِ أَن تَقُولَ لاَ مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً لَّن تُخْلَفَهُ وَٱنظُرْ إِلَىٰ إِلَـٰهِكَ ٱلَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفاً لَّنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي ٱلْيَمِّ نَسْفاً}تفسير : [طه: 96-97]، ولو كان إلهاً لم نخلص إلى ذلك منه، فاستيقن بنو إسرائيل بالفتنة، واغتبط الذين كان رأيهم فيه مثل رأي هارون، فقالوا: - لجماعتهم - يا موسى سل لنا ربك أن يفتح لنا باب توبةٍ نصنعها فيكفر عنا ما عملنا، فاختار موسى قومه سبعين رجلاً لذلك، لا يأْلُوا الخير، خيار بني إسرائيل ومن لم يشرك في العجل، فانطلق بهم يسأل لهم التوبة، فرجفت بهم الأرض واستحيا نبي الله صلى الله عليه وسلم من قومه ومن وفده حين فُعل بهم ما فُعل، فقال {أية : لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِّن قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَّآ} تفسير : [الأعراف: 155] وفيهم من كان الله اطلع منه على ما أُشرب قلبه من حُبِّ العجل وإيمانٍ به، فلذلك رجفت بهم الأرض، فقال: {أية : وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَـاةَ وَٱلَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ * ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِيَّ ٱلأُمِّيَّ ٱلَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَٱلإِنْجِيلِ}تفسير : [الأعراف: 156-157]. فقال: يا رب سألتك التوبة لقومي فقلت: إن رحمتي كتبتها لقومٍ غير قومي فليتك أخرتني حتى تُخرجني في أُمة ذلك الرجل المرحومة، فقال له: إن توبتهم أن يقتل كُلُّ رجلٍ منهم كل من لقي/ من والدٍ وولدٍ، فيقتله بالسيف لا يُبالي من قتل في ذلك الموطن، ويأتي أولئك الذين كان خفي على موسى وهارون، واطلع اللهُ من ذنوبهم فاعترفوا بها وفعلوا ما أُمروا، وغفر اللهُ للقاتل والمقتول، ثم سار بهم موسى صلى الله عليه وسلم مُتوجهاً نحو الأرض المقدسة، وأخذ الألواح بعد ما سكت عنه الغضب، فأمرهم بالذي أُمر به أن يبلغهم من الوظائف، فثقُل ذلك عليهم، وأبوا أن يُقروا بها، فنتق الله عليهم الجبل كأنه ظلةٌ، ودنا منهم حتى خافوا أن يقع عليهم، فأخذوا الكتاب بأيمانهم وهم مُصطفون، ينظرون إلى الجبل والكتاب بأيديهم، وهم من وراء الجبل مخافة أن يقع عليهم، ثم مضوا حتى أتوا الأرض المقدسة، فوجدوا مدينة فيها قومٌ جبارون، خلقهم خلق منكرٌ، وذكر من ثمارهم أمراً عجيباً من عظمِها فقالوا: يا موسى إن فيها قوماً جبارين، لا طاقة لنا بهم، ولا ندخلها ما داموا فيها، فإن يخرجوا منها فإنا داخلون، قال رجلان من الذين يخافون - قيل ليزيد هكذا قرأهُ؟ قال: نعم - من الجبارين آمنا بموسى، وخرجا إليه، فقالوا: نحن أعلمُ بقومنا، إن كُنتم إنما تخافون [من] ما رأيتم من أجسامهم وعددهم، فإنهم لا قلوب لهم، ولا منعة عندهم، فادخلوا عليهم الباب، فإذا دخلتموه فإنكم غالبون. ويقول أُناسٌ: إنهما من قوم موسى، فقال الذين يخافون بنو إسرائيل {أية : قَالُواْ يَامُوسَىۤ إِنَّا لَنْ نَّدْخُلَهَآ أَبَداً مَّا دَامُواْ فِيهَا فَٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاۤ إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ}تفسير : [المائدة: 24] فأغضبوا موسى عليه السلام، فدعا عليهم وسماهم فاسقين، ولم يدع عليهم قبل ذلك، لما رأى منهم من المعصية وإساءتهم حتى كان يومئذٍ، فاستجاب اللهُ تعالى له، وسماهم كما سماهم موسى فاسقين. فحرمها عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض، يُصبحون كل يومٍ فيسيرون/ ليس لهم قرارٌ، ثم ظلل عليهم الغمام في التِّيهِ، وأنزل عليهم المن والسلوى، وجعل لهم ثياباً لا تبلى ولا تتسخُ، وجعل بين أظهرهم حجراً مربعاً، وأمر موسى فضربه بعصاهُ فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً في كل ناحية ثلاثة أعين، وأعلم كُلَّ سبطٍ عينهم التي يشربون منها، فلا يرتحلون من منقلةٍ إلا وجدوا ذلك الحجر بالمكان الذي كان فيه بالأمسِ. رفع ابن عباسٍ هذا الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وصدق ذلك عندي أن معاوية سمع ابن عباسٍ حدث هذا الحديث، فأنكر عليه أن يكون الفرعونيُّ الذي أفشى على موسى أمر القتيل الذي قتل، فقال: كيف يُفشي عليه ولم يكن علم به، ولا ظهر عليه إلا الإسرائيليُّ الذي حضر ذلك، فغضب ابن عباسٍ فأخذ بيد معاوية فانطلق به إلى سعد بن مالكٍ الزُّهري، فقال له: يا أبا إسحاق هل تذكر يوماً حُدِّثنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتيل موسى الذي قتل من آل فرعون؟، الإسرائيليُّ أفشى عليه أم الفرعونيُّ؟ قال: إنما أفشى عليه الفرعونيُّ ما سمع من الإسرائيليِّ شهد على ذلك وحضرهُ.

همام الصنعاني

تفسير : 1813- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {عَلَىٰ قَدَرٍ يٰمُوسَىٰ} [الآية: 40]، قَالَ: على قدر الرسالة والنبوَّة.