٢٠ - طه
20 - Ta-Ha (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
41
Tafseer
البيضاوي
تفسير : {وَٱصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِى } واصطفيتك لمحبتي مثله فيما خوله من الكرامة بمن قربه الملك واستخلصه لنفسه.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى مخاطباً لموسى عليه السلام: إنه لبث مقيماً في أهل مدين فاراً من فرعون وملئه، يرعى على صهره حتى انتهت المدة وانقضى الأجل، ثم جاء موافقاً لقدر الله وإرادته من غير ميعاد، والأمر كله لله تبارك وتعالى، وهو المسير عباده وخلقه فيما يشاء، ولهذا قال: {ثُمَّ جِئْتَ عَلَىٰ قَدَرٍ يٰمُوسَىٰ} قال مجاهد: أي: على موعد. وقال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة في قوله: {ثُمَّ جِئْتَ عَلَىٰ قَدَرٍ يٰمُوسَىٰ} قال: على قدر الرسالة والنبوة. وقوله: {وَٱصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِى} أي: اصطفيتك واجتبيتك رسولاً لنفسي، أي: كما أريد وأشاء. وقال البخاري عند تفسيرها: حدثنا الصلت بن محمد، حدثنا مهدي بن ميمون، حدثنا محمد بن سيرين عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : التقى آدم وموسى، فقال موسى: أنت الذي أشقيت الناس وأخرجتهم من الجنة، فقال آدم: وأنت الذي اصطفاك الله برسالته واصطفاك لنفسه وأنزل عليك التوراة؟ قال: نعم، قال: فوجدته مكتوباً عليّ قبل أن يخلقني؟ قال: نعم، فحج آدم موسى» تفسير : أخرجاه. وقوله: {ٱذْهَبْ أَنتَ وَأَخُوكَ بِـآيَـٰتِى} أي: بحججي وبراهيني ومعجزاتي {وَلاَ تَنِيَا فِى ذِكْرِى} قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: لا تبطئا، وقال مجاهد عن ابن عباس: لا تضعفا، والمراد أنهما لا يفتران في ذكر الله، بل يذكران الله في حال مواجهة فرعون، ليكون ذكر الله عوناً لهما عليه، وقوة لهما وسلطاناً كاسراً له، كما جاء في الحديث: «حديث : إن عبدي كل عبدي الذي يذكرني وهو مناجز قرنه»تفسير : . وقوله: {ٱذْهَبَآ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ} أي: تمرد وعتا وتجبر على الله وعصاه {فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ} هذه الآية فيها عبرة عظيمة، وهو أن فرعون في غاية العتو والاستكبار، وموسى صفوة الله من خلقه إذ ذاك، ومع هذا أمر أن لا يخاطب فرعون إلا بالملاطفة واللين؛ كما قال يزيد الرقاشي عند قوله: {فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً}:شعر : يا مَنْ يَتَحَبَّب إلى من يعاديه فَكَيْفَ بمَنْ يتولاّه ويُناديه؟ تفسير : وقال وهب بن منبه: قولا له: إني إلى العفو والمغفرة أقرب مني إلى الغضب والعقوبة. وعن عكرمة في قوله: {فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً} قال: لا إله إلا الله، وقال عمرو بن عبيد عن الحسن البصري {فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً} أعذرا إليه، قولا له: إن لك رباً، ولك معاداً، وإن بين يديك جنة وناراً، وقال بقية عن علي بن هارون عن رجل عن الضحاك بن مزاحم عن النزال بن سبرة عن علي في قوله: {فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً} قال: كَنَهِ، وكذا روي عن سفيان الثوري: كَنِّهِ بأبي مرة، والحاصل من أقوالهم أن دعوتهما له تكون بكلام رقيق لين سهل رفيق؛ ليكون أوقع في النفوس وأبلغ وأنجع؛ كما قال تعالى: {أية : ٱدْعُ إِلِىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلْحِكْمَةِ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ وَجَـٰدِلْهُم بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ} تفسير : [النحل: 125]. وقوله: {لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ} أي: لعله يرجع عما هو فيه من الضلال والهلكة، {أو يخشى}، أي: يوجد طاعة من خشية ربه، كما قال تعالى: {لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ يَخْشَىٰ} فالتذكر: الرجوع عن المحذور، والخشية: تحصيل الطاعة، وقال الحسن البصري: {لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ} يقول: لا تقل أنت يا موسى وأخوك هارون: أهلكه قبل أن أعذر إليه، وههنا نذكر شعر زيد بن عمرو بن نفيل، ويروى لأمية بن أبي الصلت فيما ذكره ابن إسحاق:شعر : وأنتَ الذي من فَضْل مَنّ ورحمةٍ بعثتَ إلى موسى رسولاً مُناديا فقلت لهُ: فاذهبْ وهارونَ فادعُوَا إلى الله فرعونَ الذي كان باغيا فقولا له: هل أنتَ سَوَّيْتَ هذهِ بلا وَتِدٍ حتى استقلَّتْ كما هِيا؟ وقولا له: آأنْتَ رَفَّعْتَ هذه بلا عَمَدٍ؟ أرفقْ إذنَ بكَ بانِيا؟ وقولا له: آأنْتَ سوَّيْتَ وسطَها مُنيراً إذا ما جنَّهُ الليلُ هاديا؟ وقولا له: مَنْ يخرجُ الشمسَ بكرةً فيصبحُ ما مَسَّت من الأرضِ ضاحِيا؟ وقولا له: من ينبتُ الحَبَّ في الثَّرَى فيصبحُ منهُ البقلُ يهتز رابِيا ويخرجُ منهُ حبه في رؤوسِهِ؟ ففي ذاك آياتٌ لمنْ كانَ واعيا تفسير : وقوله عز وجل:
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَٱصْطَنَعْتُكَ } اخترتك {لِنَفْسِى } بالرسالة.
الماوردي
تفسير : {وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي} يحتمل وجهان: أحدهما: خلقتك، مأخوذ من الصنعة. الثاني: اخترتك، مأخوذ من الصنيعة. {لِنَفْسِي} فيه وجهان: أحدهما: لمحبتي. الثاني: لرسالتي. قوله تعالى: {وَلاَ تَنِيَا فِي ذِكرِي} فيه أربعة أقاويل: أحدها: لا تفترا في ذكري، قال الشاعر: شعر : فما ونى محمد مذ أن غفر له الإله ما مضى وما غبر تفسير : الثاني: لا تضعفا في رسالتي، قاله قتادة. الثالث: لا تبطنا، قاله ابن عباس. الرابع: لا تزالا، حكاه أبان واستشهد بقول طرفة: شعر : كأن القدور الراسيات أمامهم قباب بنوها لا تني أبداً تغلي تفسير : قوله تعالى: {فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً} فيه وجهان: أحدهما: لطيفاً رقيقاً. الثاني: كنّياه، قاله السدي وقيل إن كنية فرعون أبو مرة، وقيل أبو الوليد. ويحتمل ثالثاً: أن يبدأه بالرغبة قبل الرهبة، ليلين بها فيتوطأ بعدها من رهبة ووعيد قال بعض المتصوفة: يا رب هذا رفقك لمن عاداك، فكيف رفقك بمن والاك؟ وقيل إن فرعون كان يحسن لموسى حين رباه، فأراد أن يجعل رفقه به مكافأة له حين عجز موسى عن مكافأته.
ابن عبد السلام
تفسير : {لِنَفْسِى} لمحبتي، أو لرسالتي.
الخازن
تفسير : {واصطنعتك لنفسي} اخترتك واصطفيتك لوحيي ورسالتي لتتصرف على إرادتي ومحبتي. وذلك أن قيامه بأداء الرسالة تصرف على إرادة الله ومحبته. وقيل معناه اخترتك لأمري وجعلتك القائم بحجتي والمخاطب بيني وبين خلقي كأني الذي أقمت عليهم الحجة وخاطبتهم {اذهب أنت وأخوك بآياتي} أي بدلائلي. قال ابن عباس: يعني الآيات التسع الذي بعث بها موسى عليه السلام {ولا تنيا} أي لا تضعفا وقيل لا تفترا ولا تقصرا {في ذكري} أي لا تقصرا في ذكري بالإحسان إليكما والإنعام عليكما ومن ذكر النعمة شكرها {اذهبا إلى فرعون إنه طغى فقولا له قولاً ليناً} أي دارياه وارفقا به. قال ابن عباس: لا تعنفا في قولكما، وقيل كنياه فقولا له يا أبا العباس وقيل يا أبا الوليد وقيل أراد بالقول اللين قوله {أية : هل لك إلى أن تزكى}تفسير : [النازعات: 18] وقيل الآية إنما أمرهما باللطافة لما له من حق تربية موسى، وقيل عداه على قبول الإيمان شباباً لا يهرم وملكاً لا ينزع منه إلا بالموت وتبقى عليه لذة المطعم والمشرب والمنكح إلى حين موته، وإذا مات دخل الجنة فلما أتاه موسى ووعده بذلك أعجبه وكان لا يقطع أمراً دون هامان وكان غائباً فلما قدم أخبره بالذي دعاه إليه موسى وقال أردت أن أقبل منه فقال له هامان كنت أرى أن لك عقلاً ورأياً، أنت رب تريد أن تكون مربوباً، وأنت تعبد تريد أن تعبد، فقال فرعون صواب ما قلت فغلبه على رأيه. وكان هارون بمصر فأمر الله موسى أن يأتي هارون وأوحى الله إلى هارون وهو بمصر أن يتلقى موسى فتلقاه إلى مرحلة وأخبره بما أوحي إليه. وقوله تعالى {لعله يتذكر أو يخشى} أي يتعظ ويخاف ويسلم فإن قلت كيف قال لعله يتذكر وقد سبق في علمه أنه لا يتذكر ولا يسلم. قلت معناه اذهبا على رجاء منكما وطمع وقضاء الله وراء أمركما، وقيل هو إلزام الحجة وقطع المعذرة كقوله تعالى {أية : ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولاً فنتبع آياتك}تفسير : [طه: 134 ]، وقيل هو ينصرف إلى غير فرعون مجازه لعله يتذكر متذكراً ويخشى خاش إذا رأى بري وإلطافي بمن خلقته وأنعمت عليه ثم ادعى الربوبية، وقيل لعل من الله واجب ولقد تذكر فرعون وخشي حين لم تنفعه الذكرى والخشية وذلك حين ألجمه الغرق وقرأ رجل عند يحيى بن معاذ الرازي {فقولا له قولاً ليناً} الآية فبكى يحيى وقال إلهي هذا رفقك بمن يقول أنا الإله فكيف رفقك بمن يقول أنت الإله {قالا} يعني موسى وهارون {ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا}. قال ابن عباس: يعجل علينا بالقتل والعقوبة {أو أن يطغى} أي يجاوز الحد في الإساءة إلينا {قال} الله تعالى {لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى} قال ابن عباس: أسمع دعاءكما فأجيبه وأرى ما يراد بكما فأمنع لست بغافل عنكما فلا تهتما {فأتياه فقولا إنا رسولا ربك} أي أرسلنا إليك ربك {فأرسل معنا بني إسرائيل} أي خل عنهم وأطلقهم من أعمالك {ولا تعذبهم} أي لا تتعبهم في العمل، وكان فرعون يستعملهم في الأعمال الشاقة كالبناء وقطع الصخور مع قتل الولدان وغير ذلك {قد جئناك بآية من ربك} قال فرعون وما هي فأخرج موسى يده لها شعاع كشعاع الشمس، وقيل معناه قد جئناك بمعجزة وبرهان يدل على صدقنا على ما ادعيناه من الرسالة {والسلام على من اتبع الهدى} ليس المراد منه سلام التحية بل إنما معناه سلم من العذاب من أسلم {إنا قد أوحي إلينا أن العذاب على من كذب وتولى} أي إنما يعذب الله من كذب بما جئنا به وأعرض عنه.
ابن عادل
تفسير : قوله: "وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي" (أي اخترتُك واصطفيتُك افتعال من الصنع لوحيي ورسالتي. وأبدلت التاء طاء)، لأجل حرف الاستعلاء. وهذا مجازٌ عن قرب منزلته، ودنوه من ربه، لأن أحداً لا يصطنع إلا من يختاره. قال القفال: واصطنعتُكَ أصله من قولهم: اصطنع فلانٌ فلاناً إذا أحسن إليه حتى يضاف إليه فيقال: هذا صنيعُ فلانٍ وجريحُ فلانٍ. وقوله: "لِنَفْسِي" أي: لأصرفك في أوامري لئلا تشتغل إلا بما أمرتك به، وهو إقامة حجتي وتبليغ رسالتي، وأن تكون في حركاتك وسكناتك لي لا لنفسك ولا لغيرك. وقال الزجاج: اخترُكَ لأمري، وجعلتك القائم بحجتي، والمخاطب بيني وبين خلقي: كأني الذي أقمت عليهم الحجة وخاطبتهم. قوله: {ٱذْهَبْ أَنتَ وَأَخُوكَ بِآيَٰتِي} لما قال: "وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي" عقبه بذكر ما له اصطنعه، وهو الإبلاغ والأداء، و "الياء" في "بِآيَاتِي" بمعنى (مع)، لأنهما لو ذهبا إليه بدون آيةٍ معهما لم يلزمه الإيمان، وذلك من أقوى الدلائل على فساد التقليد. قال ابن عباس: يعني الآيات التسع التي بعث الله بها موسى. وقيل: إنها العصا واليد، لأنهما اللذان جرى دكرهما في هذا الموضع، ولم يذكر أنه - عليه السلام - أوتي قبل مجيئه إلى فرعون، لا بعد مجيئه حتى لقي فرعون فالتمس منه آية غير هاتين الآيتين، قال تعالى حكاية عن فرعون {أية : إِن كُنتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ فَأَلْقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَآءُ لِلنَّاظِرِينَ} تفسير : [الأعراف:106-107-108]، وقال: {أية : فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِن رَّبِّكَ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ} تفسير : [القصص: 32]. فإن قيل: كيف يطلق لفظ الجمع على الاثنين؟ فالجواب من وجوه: أحدها: أن العصا كانت آيات، انقلابُها حيواناً، ثم إنها كانت في أول الأمر صغيرة، لقوله تعالى: {أية : تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَآنٌّ} تفسير : [النمل: 10]، [القصص: 31] ثم كانت تعظم وهذه آية أخرى، ثم إنه كان عليه السلام يدخل في يده في فمها فلم تضره وهذه آية أخرى، ثم كانت تنقلب عصا وهذه آية أخرى، وكذلك اليد فإن بياضها آية، وشُعَاعَها آية أخرى، ثم زوالهما بعد ذلك آية أخرى، فدل ذلك على أنهما كانتا آيات كثيرة. وثانيها: هَبْ أن العصا أمرٌ واحدٌ ولكن فيها آيات، لأن انقلابها حيةً يدل على وجود إله قادر على الكل عالم بالكل حكيم، ويدل على نبوة موسى، ويدل على جواز الحشر حيث انقلب الجماد حيواناً، فهذه آيات كثيرة، ولذلك قال: {أية : إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً} تفسير : [آل عمران: 96]... إلى قوله... {أية : فِيهِ ءَايَاتٌ بَيِّـنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ ءَامِناً} تفسير : [آل عمران: 97] فهاهنا أولى. وثالثها: قال بعضهم: أقل الجمع اثنان. وقيل: معنى قوله: "بِآيَاتِي" أمُدكُّما بآياتي، وأظهر على أيديكما من الآيات ما تزاح به العلل من فرعون وقومه، والمعنى: فإن آياتي معكما كما يقال: اذهب فإن جندي معك أي: إنِّي أمدك بهم من احتجت. وقيل: الآيات: العصا، واليد، وحل العقدة من لسانه، وذلك أيضاً معجزة. قوله: "وَلاَ تَنِيَا" يقال: وَنَى يَنِي وَنْياً كَوَعَد يَعِدُ وَعْداً، إذا فتَرَ. والوَنْيُ الفُتُور، ومنه: امرَأةٌ أَنَاةٌ، وصفوها بفتور القيام كناية عن ضخامتها. قال زهير: شعر : 3657- مَنَّا الأَنَاةُ وَبَعْضُ القَوْمِ يَحْسِبُنَا أَنَّا بِطَاءٌ وفي إبْطَائِنَا سِرَعُ تفسير : بكسر السين وفتح الراء مصدر (سَرُع) بفتح السين وضم الراء. تقول: سَرُعَ سِرَعاً كصَغُرَ صِغَراً. والأصل: ونَاةٌ، فأبدلوا الهمزة من الواو كأحَد في وَحَد وليس بالقياس، وفي الحديث: "حديث : إنَّ فِيكَ لَخَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللهُ الحِلْمُ والأَنَاةُ ". تفسير : والوَانِي: المقصِّر في أمره، قال الشاعر: شعر : 3658- فَمَا أَنَا بالوَانِي وَلاَ الضِّرْع الغُمْرِ تفسير : ووَنَى فعلٌ لازم يتَعَدى وزعم بعضهم أنه يكون من أخوات (زال وانفك) فيعمل بشرط النفي أو شبهه عمل (كان)، فيقال: مَا وَنِيَ زيدٌ قائماً، وأنشد ابن مالك شاهداً على ذلك قوله: شعر : 3659- لاَ يَنِي الحُبُ شِيمَةَ الحُبِّ مَا دَا مَ فَلاَ يَحْسَبَنَّهُ ذَا ارْعِوَاءِ تفسير : أي: لا يزال الحُبُ بضم الحاء شيمةَ الحِبِّ أي: بكسرها وهو المحب. ومن منع ذلك يتأول البيت على حذف حرف الجر، لأنَّ هذا الفعل يتعدى تارة بـ (عَنْ) وتارة بـ (في) يقال: ما ونَيْتُ عن حاجتك، أو: في حاجتك فالتقدير: لا يفتر الحب في شيمة المحب، وفيه مجاز بليغ وقد عدي في الآية الكريمة بـ (فِي). قرأ يحيى بن وثَّاب "وَلاَ تِنِيَا" بكسر التاء إتباعاً لحركة النون، وسكن الياء في "ذِكْرِي". وقرأ أهل الحجاز وأبو عمرو "لِنَفْسِيَ اذْهَبْ" و "ذِكْرِيَ اذْهَبَا" و {إِنَّ قَوميَ اتَّخَذُوا} [الفرقان:30] و {مِن بَعْدِيَ اسْمُهُ} [الصف:6] بفتح الياء فيهن وافقهم أبو بكر في {مِن بَعْدِيَ اسْمُهُ}. وقرأ الآخرون بإسكانها. والمراد بالذكر تبليغ الرسالة. وقيل: لا تفترا عن ذكر الله. (والحكمة فيه) أنَّ مَنْ ذكر جلالَ الله استخف غيره، فلا يخاف أحداً، ويقوى روحه بذلك الذكر فلا يضعف في مقصوده، ومن ذكر الله فلا بد وأن يكون ذاكراً إحسانه (وذاكرُ إحسانه) لا يفتر في أداء أوامره. وقيل: لاَ تَنِيَا في ذِكْرِي عند فرعون، وكيفية الذكر أن يذكرا لفرعون وقومه أنَّ الله تعالى لا يرضى منهم الكفر، ويذكرا لهم أمر الثواب والعقاب، والترغيب والترهيب.
ابو السعود
تفسير : قوله تعالى: {وَٱصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِى} تذكيرٌ لقوله تعالى: {أَنَاْ ٱخْتَرْتُكَ} وتمهيدٌ لإرساله عليه السلام إلى فرعون مؤيّداً بأخيه حسبما استدعاه بعد تذكيرِ المِنن السابغةِ تأكيداً لوثوقه عليه السلام بحصول نظائرِها اللاحقة، وهذا تمثيلٌ لما خوّله عز وعلا من الكرامة العظمى بتقريب الملِكِ بعضَ خواصّه واصطناعِه لنفسه وترشيحِه لبعض أمورِه الجليلة، والعدولُ عن نون العظمة الواقعة في قوله تعالى: {وَفَتَنَّـٰكَ} ونظيرَيه السابقين تمهيدٌ لإفراد لفظِ النفسِ اللائقِ بالمقام فإنه أدخلُ في تحقيق معنى الاصطناعِ والاستخلاص، أي اصطفيتُك برسالاتي وبكلامي وقوله تعالى: {ٱذْهَبْ أَنتَ وَأَخُوكَ} أي وليذهبْ أخوك حسبما استدعيتَ، استئنافٌ مَسوق لبـيان ما هو المقصودُ بالاصطناع {بِآيَـٰتِي} أي بمعجزاتي التي أرَيتُكَها من اليد والعصا فإنهما وإن كانتا اثنتين لكن في كل منهما آياتٌ شتى كما في قوله تعالى: { أية : فِيهِ ءايَـٰتٌ بَيّـنَـٰتٌ مَّقَامُ إِبْرٰهِيمَ} تفسير : [آل عمران: 97] فإن انقلاب العصا حيواناً آيةٌ، وكونَها ثعباناً عظيماً لا يقادَر قدرُه آيةٌ آخرى، وسرعةَ حركتِه مع عِظم جِرْمه آيةٌ أخرى، وكونَه مع ذلك مسخراً له عليه السلام بحيث كان يُدخل يده في فمه فلا يضره آيةٌ أخرى، ثم انقلابُها عصاً آيةٌ أخرى، وكذلك اليدُ فإن بـياضها في نفسه آيةٌ وشعاعَها آيةٌ، ثم رجوعُها إلى حالتها الأولى آيةٌ أخرى. والباء للمصاحبة لا للتعدية إذ المراد ذهابُهما إلى فرعون ملتبسين بالآيات متمسّكين بها في إجراء أحكامِ الرسالة وإكمالِ أمر الدعوة لا مجردُ إذهابِها وإيصالها إليه {وَلاَ تَنِيَا} لا تفتُرا ولا تقصّرا، وقرىء لا تِنيا بكسر التاء للاتباع {فِى ذِكْرِى} أي بما يليق بـي من الصفات الجليلةِ والأفعال الجميلة عند تبليغِ رسالتي والدعاءِ إليّ، وقيل: المعنى لا تنيا في تبليغ رسالتي فإن الذكرَ يقع على جميع العبادات وهو أجلُّها وأعظمُها، وقيل: لا تنسَياني حيثما تقلبتما واستمِدّا بذكري العونَ والتأيـيدَ واعلما أن أمراً من الأمور لا يتأتى ولا يتسنّى إلا بذكري. {ٱذْهَبَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ} جمعهما في صيغة أمر الحاضرِ مع غَيبة هارون إذ ذاك للتغليب، وكذا الحالُ في صيغة النهي. روي أنه أوحي إلى هارونَ وهو بمصر أن يتلقّى موسى عليهما السلام، وقيل: سمِع بإقباله فتلقاه {إِنَّهُ طَغَىٰ} تعليلٌ لموجب الأمر. والفاء في قوله تعالى: {فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيّناً} لترتيب ما بعدها على طغيانه فإن تليـينَ القولِ مما يكسِر سَوْرةَ عنادِ العُتاة ويُلين عريكةَ الطغاة. قال ابن عباس رضي الله عنهما: لا تُعنّفا في قولكما، وقيل: القولُ اللين مثل: { أية : هَل لَّكَ إِلَىٰ أَن تَزَكَّىٰ * وَأَهْدِيَكَ إِلَىٰ رَبّكَ} تفسير : [النازعات: 18، 19] فإنها دعوةٌ في صورة عَرْض ومَشورة، ويرده ما سيجيء من قوله تعالى: {أية : فَقُولا إِنَّا رَسُولاَ رَبّكَ } تفسير : [طه: 47] الآيتين، وقيل: كنِّياه وكان له ثلاثُ كُنًى: أبو العباس وأبو الوليد وأبو مُرّة، وقيل: عِداه شباباً لا يهرَم ويبقى له لذةُ المطعم والمشرب والمنكِح ومُلكاً لا يزول إلا بالموت، وقرىء لَيْنا {لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ} بما بلغتُماه من ذكري ويرغب فيما رغّبتماه فيه {أَوْ يَخْشَىٰ} عقابـي، ومحلُّ الجملة النصبُ على الحال من ضمير التثنية، أي فقولا له قولاً ليناً راجين أن يتذكر أو يخشى، وكلمةُ أو لمنع الخلوّ أي باشِرا الأمرَ مباشرةَ مَنْ يرجو ويطمع في أن يُثمر عملُه ولا يخيبَ سعيُه وهو يجتهد بطَوْقه ويحتشد بأقصى وُسْعه. وجدوىٰ إرسالِهما إليه مع العلم بحاله إلزامُ الحجة وقطعُ المعذرة.
التستري
تفسير : قوله تعالى: {وَٱصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي}[41] أي تفرد إلي بالتجريد لا يشغلك عني شيء.
السلمي
تفسير : قال الخراز: فى هذه الآية قال: فمن أين وإلى أين فمنه وإليه وبه، وفنا فنائه، لبقا بقائه فحقيقة فنائه. وقيل فى قوله: {وَٱصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي} قال: استخلصتك بسرى وأختصصتك بمخاطبتى. قال: أخلصتك لى حتى لا تصلح لغيرى. وقال أبو سعيد الخراز: فى بعض كتبه غير أن أولياء الله رهائن لله فى أشياء جهنم قد خباهم. وأحقاقهم فى أنفسهم من أنفسهم لنفسه وهذا مقام الاصطناع الذى قال الله لموسى: واصْطَنَعْتُك لنفسى. قال الواسطى رحمه الله: حتى لا يملك غيرى فإن نفوس المؤمنين نفوس آتية استرقها الحق فلا يملكها سواه. قال بعضهم: أوجده طعم الاصطفاء بقوله: واصْطَنَعْتُك لنفسى. قال سهل: أى مفردًا بالتجريد لا يشغلك عنى به شىء. قال الخراز: فطرتك صنعة يدعو إلىّ لا إلى نفسك وغيرك يدعو إلى نفسه لا إلىّ.
القشيري
تفسير : استخلصتُكَ لي حتى لا تَصْلُحَ لأحدٍ غيري، ولا يَتَأَتَّى شيءٌ منك غير تبليغ رسالتي، وما هو مرادي منك. ويقال أفردْتُ سِرَّك لي، وجعلْتُ إقبالَكَ عليَّ دون غيري، وحُلْتُ بينك وبين كل أحدٍ ممن هو دوني. ويقال: {وَٱصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي}: قَطَعَهُ بهذا عن كلِّ أحدٍ، ثم قال له: {ٱذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ}.
اسماعيل حقي
تفسير : {واصطنعتك لنفسى} تذكير لقوله وانا اخترتك اى اصطفيتك على الناس برسالاتى وبكلامى فهو تمثيل لما اعطاه تعالى من الكرامة العظمة بتقريب الملك بعض خواصه واصطناعه لنفسه وترشيحه لبعض اموره الجليلة. وقال الكاشفى [وترا بركزيديم وخالص ساختيم براى محبت خوديعنى ترا دوست كرفتيم]. وفى حواشى ابن شيخ اى اخترك لتحبنى وتتصرف على ارادتى ومحبتى وتشتغل بما امرتك من اقامة حجتى وتبليغ رسالى وان تكون فى حركاتك وسكناتك لوجهى لا لنفسك ولا لغيرك. والاصطناع افتعال من الصنع بالضم وهو مصدر قولك صنع اليه معروفا واصطناع فلان اتخاذه صنيعا محسنا اليه بتقريبه وتخصيص بالتكريم والاجلال. عن القفال قال اصطنعتك اصله من قولهم اصطنع فلان فلانا اذا احسن اليه حتى يضاف اليه فيقال هذا صنيع فلان كما يقال هذا جريح فلان. وفى القاموس واصنعتك لنفسى اخترك لخاصة امر استكفيكه انتهى وحقيقته جعله عليه السلام مرآة قابلة لانوار صفات الجمال والجلال. وفيه اشارة الى ان الخواص انما خلقوا لاجل هذا المعنى الخاص واما غيرهم فبعضهم للدنيا وبعضهم للآخرة فالخواص هم عباد الله حقا وقد تخلصوا من شوب الميل الى الباطل وهو ما سوى الله تعالى: قال لبيد شعر : ألا كل شئ ما خلا الله باطل وكل نعيم لا محالة زائل تفسير : وفى الحديث"حديث : اذا احب الله عبدا ابتلاه فان صبر اجتباه وان رضى اصطفاه"تفسير : فالصبر تجرع المرارات عند نزول المصيبات والرضى سرور القلب بمر القضايا فالعبد الذى أراد الله اصطفاءه يجعله فى بوتقة البلاء اولا فيخلص جوهره مما سواه فطريق هذا المنزل صعب جدا: قال المولى الجامى شعر : مكوكة قطع بيابان عشق آسانست كه كوههاى بلا ريك آن بيابانست تفسير : اللهم اجعلنا من الصابرين الشاكرين الراضين الواصلين.
الجنابذي
تفسير : {وَٱصْطَنَعْتُكَ} مبالغة فى الصّنع يعنى خلقتك وربّيتك وأكملتك كمالاً ينبغى بحال الكمّل من الرّجال خاصّاً {لِنَفْسِي} هذا غاية تشريف وتكريم له (ص)، ولمّا كان مراده ان يرسله الى من هو خائف منه ذكر قبل ذلك ما منّ به عليه مرّاتٍ عديدةً ليكون على ذكر من ذلك ويتسلّى بذلك عن خوفه ويكون على قوّةٍ من القلب حين الذّهاب الى فرعون وقال تعالى {ٱذْهَبْ أَنتَ وَأَخُوكَ} كما سألته {بِآيَاتِي} الى فرعون وقومه اسقطه ههنا بقرينة السّابق واللاّحق {وَلاَ تَنِيَا} لا تفترا {فِي ذِكْرِي} الّذى اخذتماه من شيخكما للدّوام عليه اوفى تذكّرى والتّوجّه الىّ بقلوبكما حيثما تقلّبتم، او حين الدّعاء الىّ، او فى رسالتى، او فى ذكرى بألسنتكم عند فرعون.
اطفيش
تفسير : تذكير لقوله: "أية : وأنا اخترتك" تفسير : [طه: 13] وتمهيد لإرساله الى فرعون، بمعنى جعلتك محل صنيعتى، أى إحسانى لأرسلك الى عدوى، يقال زيد صنيع فلان بمعنى أنه يخصه بالنعم، ومعنى لنفسى لى وحدى على المبالغة بالاصطفاء، ولذلك لم يقل: واصطنعناك، كما قال: "وفتناك "ونجيناك" ورجعناك" ويرجع فى الحقيقة الى معنى رسالتى، وقيل لمحبتى، عبر عنها بالنفس، لأنها أخص شىء بها، وقيل لإقامة حجتى، حتى كأنك أنا لو خاطبتهم تعالى عن الشبه، أو ذلك استعارة تمثيلية فى التقريب المعنوى بالتنبئة والإرسال، وجلائل النعم، كمن هو من خواص الملك بحيث يفيض عليه من كل ما يليق من الخير.
الالوسي
تفسير : وقوله سبحانه: {وَٱصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِى } تذكير لقوله تعالى: {أية : وَأَنَا ٱخْتَرْتُكَ } تفسير : [طه: 13] وتمهيد لإرساله عليه السلام إلى فرعون مؤيداً بأخيه حسبما استدعاه بعد تذكير المنن السابقة تأكيداً لوثوقه عليه السلام بحصول نظائرها اللاحقة، ونظم ذلك الإمام في سلك المنن المحكية وظاهر توسيط النداء يؤيد ما تقدم، والاصطناع افتعال من الصنع بمعنى الصنيعة وهي الإحسان فمعنى اصطنعه جعله محل صنيعته وإحسانه، وقال القفال: يقال اصطنع فلان فلاناً إذا أحسن إليه حتى يضاف إليه فيقال: هذا صنيع فلان وخريجه، ومعنى {لِنَفْسِى } ما روي عن ابن عباس لوحيـي ورسالتي، وقيل: لمحبتي، وعبر عنها بالنفس لأنها أخص شيء بها، وقال الزجاج: المراد اخترتك لإقامة حجتي وجعلتك بيني وبين خلقي حتى صرت في التبليغ عني بالمنزلة التي أكون أنا بها لو خاطبتهم واحتجبت عليهم، وقال غير واحد من المحققين: هذا تمثيل لما خوله عز وجل من جعله نبياً مكرماً كليماً منعماً عليه بجلائل النعم بتقريب الملك من يراه أهلاً لأن يقرب فيصطنعه بالكرامة والأثرة ويجعله من خواص نفسه وندمائه، ولا يخفى حسن هذه الاستعارة وهي أوفق بكلامه تعالى وقوله تعالى: {لِنَفْسِى } عليها ظاهر. وحاصل المعنى جعلتك من خواصي واصطفيتك برسالتي وبكلامي، وفي العدول عن نون العظمة الواقعة في قوله سبحانه: {أية : وَفَتَنَّـٰكَ } تفسير : [طه: 40] ونظيريه السابقين تمهيد لإفراد النفس اللائق بالمقام فإنه أدخل في تحقيق معنى الاصطناع والاستخلاص.
د. أسعد حومد
تفسير : (41) - وَاخْتَرْتُكَ لإِقََامَةِ حُجَّتِي، وَاصْطَفْيتُكَ بِرِسَالَتِي وَبِكَلاَمِي، فَصِرْتَ أَشْبَهَ بِمَنْ يَرَاهُ المَلِكُ أَهْلاً لِكَرَامَتِهِ، فَيُقَرِّبُهُ وَيَجْعَلُهُ مِنْ خَوَاصِّهِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : أي: نجّيْتك وحافظت عليك؛ لأنني أُعِدُّك لمهمة عندي، هي إرسالك رسولاً بمنهجي إلى فرعون وإلى قومك. وقد حاول العلماء إحصاء المطالب التي طلبها موسى عليه السلام من ربه فوجدوها ثمانية: {أية : قَالَ رَبِّ ٱشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِيۤ أَمْرِي * وَٱحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي * يَفْقَهُواْ قَوْلِي * وَٱجْعَل لِّي وَزِيراً مِّنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * ٱشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِيۤ أَمْرِي * كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً * وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً}تفسير : [طه: 25-34]. ثم وجدوا أن الله تعالى أعطاه ثمانية أخرى دون سؤال منه: {أية : إِذْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّكَ مَا يُوحَىٰ * أَنِ ٱقْذِفِيهِ فِي ٱلتَّابُوتِ فَٱقْذِفِيهِ فِي ٱلْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ ٱلْيَمُّ بِٱلسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِيۤ * إِذْ تَمْشِيۤ أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ مَن يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَىٰ أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلاَ تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ ٱلْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِيۤ أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَىٰ قَدَرٍ يٰمُوسَىٰ}تفسير : [طه: 38-40]. فإنْ كان موسى عليه السلام قد طلب من ربه ثمانية مطالب فقد أعطاه ربه عز وجل ثمانية أخرى دون أن يسألها موسى؛ ليجمع له بين العطاء بالسؤال، والعطاء تكرُّماً من غير سؤال؛ لأنك إنْ سألت الله فأعطاك دَلَّ ذلك على قدرته تعالى في إجابة طلبك، لكن إنْ أعطاك بدون سؤال منك دَلَّ ذلك على محبته لك. ثم يقول الحق سبحانه: {ٱذْهَبْ أَنتَ وَأَخُوكَ ...}.
الصابوني
تفسير : المنَاسَبَة: لما ذكر تعالى نعمته على موسى باستجابة دعائه وإِعطائه سُؤْله، ذكر هنا ما خصَّه به من الاصطفاء والاجتباء، وأمره بالذهاب إِلى فرعون مع أخيه هارون لتبليغه دعوة الله، ثم ذكر ما دار من الحوار بين موسى وفرعون وما كان من أمر السحرة وسجودهم لله ربْ العالمين. اللغَة: {ٱصْطَنَعْتُكَ} اصطفيتك واخترتك، وأصل الاصطناع: اتخاذ الصَّنيعة وهو الخير تُسْديه إِلى إِنسان {تَنِيَا} الونى: الضَّعف والفتور قال العجَّاج: شعر : فما وَنى محمدٌ مُذْ أن غَفرْ له الإِلهُ ما مضَى وما غَبَر تفسير : {يَفْرُطَ} يتعجل ويبادر إِلى عقوبتنا، ومنه الفارط الذي يتقدم القوم إِلى الماء {يُسْحِتَكُم} يستأصلكم ويبيدكم وأصله استقصاء الحلق للشَّعْر قال الفرزدق: شعر : وعضُّ زمانٍ يا ابن مروانَ لم يَدعْ من المال إِلا مُسْحتٌ أو مجُلَّف تفسير : ثم استعمل في الإِهلاك والإِذهاب، والسُّحت: المال الحرام لأنه يهلك الإِنسان ويدمّره {ٱلنَّجْوَىٰ} التناجي وهو الإِسرار بالكلام {أَوْجَسَ} أضمر واستشعر الخوف في نفسه. التفسِير: {وَٱصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي} أي اخترتك لرسالتي ووحيي {ٱذْهَبْ أَنتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي} أي اذهب مع هارون بحججي وبراهيني ومعجزاتي قال المفسرون: المراد بالآيات هنا اليد والعصا التي أيّد الله بها موسى {وَلاَ تَنِيَا فِي ذِكْرِي} أي لا تفترا وتقصِّرا في ذكر الله وتسبيحه قال ابن كثير: والمراد ألاّ يفترا عن ذكر الله بل يذكران الله في حال مواجهة فرعون، ليكون ذكر الله عوناً لهما عليه، وقوة لهما وسلطاناً كاسراً له {ٱذْهَبَآ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ} أي تجبَّر وتكبَّر وبلغ النهاية في العتُو والطغيان {فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً} أي قولا لفرعون قولاً لطيفاً رفيقاً {لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ} أي لعله يتذكر عظمة الله أو يخاف عقابه فيرتدع عن طغيانه {قَالاَ رَبَّنَآ إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَآ أَوْ أَن يَطْغَىٰ} أي قال موسى وهارون: يا ربنا إِننا نخاف إِن دعوناه إِلى الإِيمان أن يعجِّل علينا العقوبة، أو يجاوز الحدَّ في الإِساءة إِلينا {قَالَ لاَ تَخَافَآ إِنَّنِي مَعَكُمَآ أَسْمَعُ وَأَرَىٰ} أي لا تخافا من سطوته إِنني معكما بالنصرة والعون أسمع جوابه لكما، وأرى ما يفعل بكما {فَأْتِيَاهُ فَقُولاۤ إِنَّا رَسُولاَ رَبِّكَ} أي إِنا رسولان من عند ربك أرسلنا إِليك، وتخصيصُ الذكر بلفظ {رَبِّكَ} لإِعلامه أنه مربوبٌ وعبدٌ مملوك لله إِذْ كان يدَّعي الربوبية {فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ وَلاَ تُعَذِّبْهُمْ} أي أطلقْ سراح بين إِسرائيل ولا تعذبهم بتكليفهم بالأعمال الشاقة {قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكَ} أي قد جئناك بمعجزة تدل على صدقنا {وَٱلسَّلاَمُ عَلَىٰ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلْهُدَىٰ} أي والسلامة من عذاب الله لمن اهتدى وآمن بالله قال المفسرون: لم يقصد به التحية لأنه ليس بابتداء الخطاب وإِنما قصد به السلام من عذاب الله وسخطه {إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَآ أَنَّ ٱلْعَذَابَ عَلَىٰ مَن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ} أي قد أخبرنا الله فيما أوحاه إِلينا أن العذاب الأليم على من كذَّب أنبياء الله وأعرض عن الإِيمان {قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يٰمُوسَىٰ} أي قال فرعون: ومنْ هذا الربُّ الذي تدعوني إِليه يا موسى؟ فإِني لا أعرفه؟ ولم يقل: من ربّي لغاية عتوّه ونهاية طغيانه بل أضافه إِلى موسى وهارون {مَن رَّبُّكُمَا} {قَالَ رَبُّنَا ٱلَّذِيۤ أَعْطَىٰ كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ} أي ربُّنا هو الذي أبدع كل شيءٍ خَلقه ثم هداه لمنافعه ومصالحه، وهذا جوابٌ في غاية البلاغة والبيان لاختصاره ودلالته على جميع الموجودات بأسرها، فقد أعطى العين الهيئة التي تطابق الإِبصار، والأُذُن الشكل الذي يوافق الاستماع، وكذلك اليد والرجل والأنف واللسان قال الزمخشري: ولله درُّ هذا الجواب ما أخصره وأجمعه وأبينه لمن ألقى الذهن ونظر بعين الإِنصاف {قَالَ فَمَا بَالُ ٱلْقُرُونِ ٱلأُولَىٰ} أي ما حال من هلك من القرون الماضية؟ لِم لَمْ يُبعثوا ولم يُحاسبوا إِن كان ما تقول حقاً؟ قال ابن كثير: لما أخبر موسى بأن ربه الذي أرسله هو الذي خلق ورزق، وقدَّر فهدى، شرع فرعون يحتج بالقرون الأولى كأنه يقول: ما بالهم إِذْ كان الأمر كذلك لم يعبدوا ربَّك بل عبدوا غيره؟ {قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ} أي قال موسى: علم أحوالها وأعمالها عند ربي مسطرٌ في اللوح المحفوظ {لاَّ يَضِلُّ رَبِّي وَلاَ يَنسَى} أي لا يخطئ ربي ولا يغيب عن علمه شيء منها.. ثم شرع موسى يبيّن له الدلائل على وجود الله وآثار قدرته الباهرة فقال {ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ مَهْداً} أي جعل الأرض كالمهد تمتهدونها وتستقرون عليها رحمة بكم {وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً} أي جعل لكم طُرقاً تسلكونها فها لقضاء مصالحكم {وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً} أي أنزل لكم من السحاب المطرَ عذباً فراتاً {فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّن نَّبَاتٍ شَتَّىٰ} أي فأخرج بذلك الماء أنواعاً من النباتات المختلفة الطعم والشكل والرائحة كلُّ صنف منها زوج، وفيه التفاتٌ من الغيبة إِلى المتكلم تنبيهاً على عظمة الله {كُلُواْ وَٱرْعَوْا أَنْعَامَكُمْ} أي كلوا من هذه النباتات والثمار واتركوا أنعامكم تسرح وترعى من الكلأ الذي أخرجه الله، والأمر للإِباحة تذكيراً لهم بالنِّعم {إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ لأُوْلِي ٱلنُّهَىٰ} أي إِنَّ فيما ذُكر لعلامات واضحة لأصحاب العقول السليمة على وجود الله ووحدانيته {مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ} أي من الأرض خلقناكم أيها الناس وإِليها تعودون بعد مماتكم فتصيرون تراباً {وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَىٰ} أي ومن الأرض نخرجكم مرة أخرى للبعث والحساب.. ثم أخبر تعالى عن عتوِّ فرعون وعناده فقال {وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا} أي والله لقد بصَّرنْا فرعون بالمعجزات الدالة على نبوّة موسى من العصا، واليد، والطوفان، والجراد، وسائر الآيات التسع {فَكَذَّبَ وَأَبَىٰ} أي كذَّب بها مع وضوحها وزعم أنها سحر، وأبى الإِيمان والطاعة لعتوِّه واستكباره {قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يٰمُوسَىٰ} أي قال فرعون: أجئتنا يا موسى بهذا السحر لتخرجنا من أرض مصر؟ {فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِّثْلِهِ} أي فلنعارضنَّك بسحرٍ مثل الذي جئت به ليظهر للناس أنك ساحر ولستَ برسول {فَٱجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً} أي عيِّنْ لنا وقت اجتماع {لاَّ نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلاَ أَنتَ مَكَاناً سُوًى} أي لا نخلف ذلك الوعد لا من جهتنا ولا من جهتك ويكون بمكان معيَّن ووقت معَّين {قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ ٱلزِّينَةِ وَأَن يُحْشَرَ ٱلنَّاسُ ضُحًى} أي قال موسى: موعدنا للاجتماع يوم العيد - يومٌ من أيام أعيادهم - وأن يجتمع الناس في ضحى ذلك النهار قال المفسرون: وإِنما عيَّن ذلك اليوم للمبارزة ليظهر الحق ويزهق الباطل على رؤوس الأشهاد، ويشيع ذلك في الأقطار بظهور معجزته للناس {فَتَوَلَّىٰ فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَىٰ} أي انصرف فرعون فجمع السَّحرة ثم أتى الموعد ومعه السَّحرة وأدواتهم وما جمعه من كيد ليطفئ نور الله قال ابن عباس: كانوا اثنين وسبعين ساحراً مع كل ساحر منهم حبال وعصيّ {قَالَ لَهُمْ مُّوسَىٰ وَيْلَكُمْ لاَ تَفْتَرُواْ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُم بِعَذَابٍ} أي قال موسى للسحرة لما جاء بهم فرعون: ويلكم لا تختلقوا على الله الكذب فيهلككم ويستأصلكم بعذاب هائل {وَقَدْ خَابَ مَنِ ٱفْتَرَىٰ} أي خسر وهلك من كذب على الله.. قدَّم لهم النصح والإِنذار لعلَّهم يثوبون إِلى الهُدى، ولما سمع السَّحرة منه هذه المقالة هالهم ذلك ووقعتْ في نفوسهم مهابته ولذلك تنازعوا في أمره {فَتَنَازَعُوۤاْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجْوَىٰ} أي أختلفوا في أمر موسى فقال بعضهم: ما هذا بقول ساحر وأخفوا ذلك عن الناس وأخذوا يتناجون سرّاً {قَالُوۤاْ إِنْ هَـٰذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَن يُخْرِجَاكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا} أي قالوا بعد التناظر والتشاور ما هذان إِلاّ ساحران يريدان الاستيلاء على أرض مصر وإِخراجكم منها بهذا السحر {وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ ٱلْمُثْلَىٰ} أي غرضُهما إِفسادُ دينكم الذي أنتم عليه والذي هو أفضل المذاهب والأديان قال الزمخشري: والظاهر أنهم تشاوروا في السرِّ وتجاذبوا أهداب القول ثم قالوا {إِنْ هَـٰذَانِ لَسَاحِرَانِ} فكانت نجواهم في تلفيق هذا الكلام وتزويره خوفاً من غلبة موسى وهارون لهما وتثبيطاً للناس من اتباعهما {فَأَجْمِعُواْ كَيْدَكُمْ ثُمَّ ٱئْتُواْ صَفّاً} أي أحْكموا أمركم وأعزموا عليه ولا تتنازعوا وارموا عن قوسٍ واحدة، ثم ائتوا إِلى الميدان مصطفين ليكون أهيب في صدور الناظرين {وَقَدْ أَفْلَحَ ٱلْيَوْمَ مَنِ ٱسْتَعْلَىٰ} أي فاز اليوم من علا وغلب قال المفسرون: أرادوا بالفلاح ما وعدهم به فرعون من الإِنعامات العظيمة والهدايا الجزيلة مع التقريب والتكريم كما قال تعالى {أية : قَالُواْ لِفِرْعَوْنَ أَإِنَّ لَنَا لأَجْراً إِن كُنَّا نَحْنُ ٱلْغَالِبِينَ * قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذاً لَّمِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ} تفسير : [الشعراء: 41-42] {قَالُواْ يٰمُوسَىٰ إِمَّآ أَن تُلْقِيَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَىٰ} أي قال السحرة لموسى: إِمَّا أن تبدأ أنتَ بالإِلقاء أو نبدأ نحنُ؟ خيَّروه ثقةً منهم بالغلبة لموسى لأنهم كانوا يعتقدون أنَّ أحداً لا يقاومهم في هذا الميدان {قَالَ بَلْ أَلْقُواْ} أي قال لهم موسى: بل ابدءوا أنتم بالإِلقاء قال أبو السعود: قال ذلك مقابلةً للأدب بأحسنَ من أدبهم حيث بتَّ القول بإِلقائهم أولاً، وإِظهاراً لعدم المبالاة بسحرهم ليُبرزوا ما معهم، ويستفرغوا أقصى جهدهم وقصارى وسعهم، ثم يُظهر الله سلطانه فيقذف بالحق على الباطل فيدمغه {فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ} في الكلام حذفٌ دلَّ عليه المعنى أي فألقوا فإِذا تلك الحبال والعصيُّ التي ألقوها يتخيلها موسى ويظنُّها - من عظمة السحر - أنها حياتٍ تتحرك وتسعى على بطونها، والتعبيرُ يوحي بعظمة السحر حتى إن موسى فزع منها واضطرب {فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَىٰ} أي أحسَّ موسى الخوف في نفسه بمقتضى الطبيعة البشرية لأنه رأى شيئاً هائلاً {قُلْنَا لاَ تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلأَعْلَىٰ} أي قلنا لموسى لا تخفْ ممّا توهمت فإِنك أنت الغالب المنتصر {وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوۤاْ} أي أَلقِ عصاك التي بيمينك تبتلعْ بفمها ما صنعوه من السحر {إِنَّمَا صَنَعُواْ كَيْدُ سَاحِرٍ} أي إِنَّ الذي اخترعوه وافتعلوه هو من باب الشعوذة والسحر {وَلاَ يُفْلِحُ ٱلسَّاحِرُ حَيْثُ أَتَىٰ} أي لا يسعد الساحر حيث كان ولا يفوز بمطلوبه لأنه كاذب مضلِّل {فَأُلْقِيَ ٱلسَّحَرَةُ سُجَّداً قَالُوۤاْ آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَىٰ} أي فألقى موسى عصاه فابتلعت ما صنعوا فخرَّ السحرة حينئذٍ سجداً لله ربّ العالمين لما رأوا من الآية الباهرة قال ابن كثير: لما ألقى موسى العصا صارت ثعباناً عظيماً هائلاً، ذا قوائم وعُنق ورأس وأضراس، فجعلت تتَّبع تلك الحبال والعصي حتى لم تبق شيئاً إِلا ابتلعته، والناس ينظرون إِلى ذلك عياناً نهاراً، فلما عاين السحرة ذلك وشاهدوه علموا علم اليقين أن هذا ليس من قبيل السحر والحيل وأنه حقٌّ لا مرية فيه، فعند ذلك وقعوا سجداً لله، فقامت المعجزة واتضح البرهان، ووقع الحق وبطل السحر، قال ابن عباس: كانوا أول النهار سحرة، وفي آخر النهار شهداء بررة {قَالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ ءَاذَنَ لَكُمْ} أي قال فرعون للسحرة: آمنتم بموسى وصدقتموه بما جاء به قبل أن أسمح لكم بذلك وقبل أن تستأذنوني؟ {إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ ٱلَّذِي عَلَّمَكُمُ ٱلسِّحْرَ} أي إِنه رئيسكم الذي علَّمكم السحر فاتفقتم معه لتذهبوا بملكي قال القرطبي: وإِنما أراد فرعون بقوله أن يُلبِّس على الناس حتى لا يتبعوهم فيؤمنوا كإِيمانهم، ثم توعَّدهم وهدَّدهم بالقتل والتعذيب فقال {فَلأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِّنْ خِلاَفٍ} أي فوالله لأقطعنَّ الأيدي والأرجل منكم مختلفات بقطع اليد اليمنى، والرجل اليسرى أو بالعكس {وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ ٱلنَّخْلِ} أي لأعلقنكم على جذوع النخل وأقتلنكم شرَّ قِتْلة {وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَآ أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَىٰ} أي ولتعلمُنَّ أيها السحرة من هو أشدُّ منا عذاباًَ وأدوم، هل أنا أم ربُّ موسى الذي صدقتم به وآمنتم {قَالُواْ لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَىٰ مَا جَآءَنَا مِنَ ٱلْبَيِّنَاتِ} أي قال السحرة: لن نختارك ونفضّلك على الهدى والإِيمان الذي جاءنا من الله على يد موسى ولو كان في ذلك هلاكنا {وَٱلَّذِي فَطَرَنَا} قسمُ بالله أي مقسمين بالله الذي خلقنا {فَٱقْضِ مَآ أَنتَ قَاضٍ} أي فاصنع ما أنت صانع {إِنَّمَا تَقْضِي هَـٰذِهِ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَآ} أي إِنما ينفذ أمرك في هذه الحياة الدنيا وهي فانية زائلة ورغبتنا في النعيم الخالد قال عكرمة: لما سجدوا أراهم الله في سجودهم منازلهم في الجنة فلذلك قالوا ما قالوا {إِنَّآ آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا} أي آمنا بالله ليغفر لنا الذنوب التي اقترفناها وما صدر منا من الكفر والمعاصي {وَمَآ أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ ٱلسِّحْرِ} أي ويغفر لنا السحر الذي عملناه لإِطفاء نور الله {وَٱللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ} أي والله خيرٌ منك ثواباً وأبقى عذاباً، وهذا جوابُ قوله {وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَآ أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَىٰ} {إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ} هذا من تتمة كلام السحرة عظةً لفرعون أي من يلقى ربه يوم القيامة وهو مجرمٌ باقترافه المعاصي وموته على الكفر، فإِن له نار جهنم {لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَىٰ} أي لا يموت في جهنم فينقضي عذابه، ولا يحيا حياة طيبة هنيئة {وَمَن يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ ٱلصَّالِحَاتِ} أي ومن يلقى ربه مؤمناً موحّداً وقد عمل الطاعات وترك المنهيات {فَأُوْلَـٰئِكَ لَهُمُ ٱلدَّرَجَاتُ ٱلْعُلَىٰ} أي فأولئك المؤمنون العاملون للصالحات لهم المنازل الرفيعة عند الله {جَنَّاتُ عَدْنٍ} بيانٌ للدرجات العُلى أي جناتُ إِقامة ذات الدرجات العاليات، والغُرف الآمنات، والمساكن الطيبات {تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} أي تجري من تحت غرفها وسُرُرها أنهار الجنة من الخمر والعسل، واللَّبن، والماء أية : خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً} تفسير : [النساء: 57] أي ماكثين في الجنة دوماً لا يخرجون منها أبداً {وَذٰلِكَ جَزَآءُ مَن تَزَكَّىٰ} أي وذلك ثواب من تطهَّر من دنسْ الكفر والمعاصي، وفي الحديث "حديث : الجنة مائة درجة، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض، والفردوس أعلاها درجة فإِذا سألتم الله فاسألوه الفردوس ". تفسير : البَلاَغَة: تضمنت الآيات الكريمة وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيما يلي: 1- الاستعارة {وَٱصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي} شبَّه ما خوَّله به من القرب والاصطفاء بحال من يراه الملك أهلاً للكرامة وقرب المنزلة لما فيه من الخلال الحميدة فيصطنعه لنفسه، ويختاره لخلَّته، ويصطفيه لأموره الجليلة واستعار لفظ اصطنع لذلك، ففيه استعارةً تبعية. 2- المقابلة اللطيفة {مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ} حيث قابل بين {مِنْهَا} و {وَفِيهَا} وبين الخلق والإِعادة وهذا من المحسنات البديعية. 3- إيجاز حذف {بَلْ أَلْقُواْ فَإِذَا حِبَالُهُمْ} أي فألقوا فإِذا حبالهم حذف لدلالة المعنى عله ومثله {فَأُلْقِيَ ٱلسَّحَرَةُ سُجَّداً} بعد قوله {وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ} حذف منه كلام طويل وهو فألقى موسى عصاه فتلقفت ما صنعوا من السحر فاُلقي السحرة سجداً، وإِنما حسن الحذف لدلالة المعنى عليه ويسمى إيجاز حذف. 4- الطباق بين {يَمُوتُ.. يَحْيَىٰ} وبين {نُعِيدُ.. ونُخْرِجُ}. 5- المقابلة بين {إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً} وبين {وَمَن يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ ٱلصَّالِحَاتِ} الخ والمقابلة هي أن يؤتى بمعنيين أو أكثر ثم يؤتى بما يقابل ذلك. 6- السجع الحسن غير المتكلف في مثل {سُوًى}، {ضُحًى}، {ٱفْتَرَىٰ}، {يَحْيَىٰ}، {تَزَكَّىٰ} الخ. 7- المؤكدات {إِنَّكَ أَنتَ ٱلأَعْلَىٰ} أكّد الخبر بعدة مؤكدات وهي {إِنَّ} المفيدة للتأكيد، وتكرير الضمير {أَنتَ} وتعريف الخبر {ٱلأَعْلَىٰ} ولفظ العلو الدال على الغلبة، وصيغة التفضيل {ٱلأَعْلَىٰ} ولله در التنزيل ما أبلغه وأروعه، وهذا من خصائص علم المعاني. تنبيه: لم تذكر الآيات الكريمة أن فرعون فعل بالسحرة ما هدَّدهم به، وقد ذكر المفسرون أنه أنفذ فيهم وعيده فقطع أيديهم وأرجلهم وصلبهم فماتوا على الإِيمان ولهذا قال ابن عباس: كانوا في أول النهار سحرة، وفي آخر النهار شهداء بَرَرة.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):