٢٠ - طه
20 - Ta-Ha (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
42
Tafseer
البيضاوي
تفسير : {ٱذْهَبْ أَنتَ وَأَخُوكَ بِـئَايَـٰتِى} بمعجزاتي. {وَلاَ تَنِيَا } ولا تفترا ولا تقصرا، وقرىء {تِنيَا} بكسر التاء. {فِى ذِكْرِي} لا تنسياني حيثما تقلبتما. وقيل في تبليغ ذكري والدعاء إليَّ.
المحلي و السيوطي
تفسير : {ٱذْهَبْ أَنتَ وَأَخُوكَ } إلى الناس {بِئَايَٰتِي } التسع {وَلاَ تَنِيَا } تفترا {فِى ذِكْرِى } بتسبيح وغيره.
ابن عطية
تفسير : أمر الله تعالى موسى وهارون في هذه الآية بالنفوذ إلى دعوة فرعون وخاطب موسى وحده تشريفاً له ويحتمل أن هارون أوحي إليه مع ملك أن ينفذ، و {بآياتي} معناه بعلاماتي التي أعطيتكموها من معجزة وآية ووحي وأمر ونهي كالتوراة، و {تنيا} معناه تضعفا وتبطياً تقول وَنَا فلان في أمر كذا إذا تباطأ فيه عن ضعف ومنه قول الشاعر: [المضارع] شعر : فما أنا بالواني ولا الضرع الغمر تفسير : والونى الكلال والفتور والفشل في البهائم والإنس، وفي مصحف ابن مسعود "ولا تهنا في ذكري" معناه ولا تلينا من قولك هين لين والقول اللين قالت فرقة: معناه كنياه وقالت فرقة بل أمرهما بتحسين الكلمة. قال القاضي أبو محمد: وهذا هو الوجه، وذلك أن كل من يريد دعاء إنسان إلى أمر يكرهه فإنما الوجه أن يحرر في عبارته الذي يريد حتى لا يخل به ولا يحز منه، ثم يجتهد بعد ذلك في أن تكون عبارة لطيفة ومقابلته لينة وذلك أجلب للمراد فأمر الله تعالى موسى وهارون أن يسلكا مع فرعون إكمال الدعوة في لين من القول. وقوله {لعله} معناه على رجائكما وطمعكما فالتوقع فيها إنما هو راجع إلى جهة البشر وقرأ الجمهور "يَفُرط" بفتح الياء وضم الراء ومعناه يعجل ويسرع بمكروه فينا ومنه فارط في الماء وهو الذي يتقدم القوم إليه قال الشاعر القطامي عمير بن شييم: [البسيط] شعر : واستعجلوا وكانوا من صحابتنا كما تعجَّل فرّاط لورّاد تفسير : وقالت فرقة {يُفرِط} بضم الياء وكسر الراء ومعناه يشتط في إذايتنا، وقرأ ابن محيص "يُفرَط" بضم الياء وفتح الراء ومعناها أن يحمله حامل على التسرع إلينا. قوله عز وجل: {إنني معكما أسمع وأرى}. يريد بالنصر والمعونة والقدرة على فرعون، وهذا كما تقول الأمير مع فلان إذا أردت أنه يحميه و {أسمع وأرى} عبارتان عن الإدراك الذي لا تخفى معه خافية تبارك الله رب العالمين.
ابن عبد السلام
تفسير : {وَلا تَنِيَا} تفترا في أمري، أو تضعفا في رسالتي، أو تبطئا "ع"، أو لا تزالا.
التستري
تفسير : قوله: {وَلاَ تَنِيَا فِي ذِكْرِي}[42] أي لا تكثر الذكر باللسان، وتغفل عن مراقبة القلب.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {وَلاَ تَنِيَا فِي ذِكْرِي} [الآية: 42]. قال سهل: لا تكثر الذكر باللسان، وتغفل عن مراقبة القلب.
القشيري
تفسير : تعلّلَ موسى عليه السلام لمَّا أرسله الحقُّ إلى فرعون بوجوهٍ من العِلل مثل قوله: {أية : وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلاَ يَنطَلِقُ لِسَانِي}تفسير : [القصص: 13]، {أية : إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ}تفسير : [القصص: 33].. إلى غير ذلك من الوجوه، فلم ينفعه ذلك، وقال الله: {أية : إِنَّنِي مَعَكُمَآ أَسْمَعُ وَأَرَىٰ}تفسير : [طه: 46]، فاستقل موسى عليه السلام بذلك، وقال: الآن لا أُبالي بعد ما أنت معي.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {وَلاَ تَنِيَا فِي ذِكْرِي} اى اذا ارادتما ان تذكروا فى ذكر فى حتى لا تضعفا تحت اثقال ذكرى فان ذكر القديم لا يحتمل الا بقوة من القديم وايضا لا تغيبا عن تجاهد فى باشتغالكم بامرى حتى لا تكونا فاترين بى عنى قال سهل لا تكثر الذكر باللسان وتغفلا عنهما --- ثم ان الله سبحانه امر موسى وهارون بالذهاب الى فرعون لقطع حجته واظهار كذبه فى دعواه بقوله {ٱذْهَبَآ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ} هذا تهديد لكل من لا يكون معه بينة من الله فى دعوى الحكمة فى ارسال الانبياء الا الاعداء ليعرفوا عجزهم عن هداية الخلق الى الله ومن العجز عن هداية غيره فايضا عن هداية نفسه ويعلم ان الاختصاص لا يكون بالاسباب ويشكروا بما انعم عليهم بلطفه وبما يصطادون من بين الكفرة من يكون له استعداد ونظر الغيب مثل حبيب التجار ورجل من ال فرعون وامارة فرعون والسحرة قال ابن عطا الاشارة الى فرعون هو المنبعث بالحقيقة الى السحرة فان الله يرسل انبيائه الى اعدائه عنده من الخطر ما يرسل اليهم ان عليه ولكن يبعث الانبياء اليهم ليخرج اولياء المؤمنين من اعدائه الكفرة ثم بين سبحانه انه لطف وكرمه للمؤمنين بما اظهر لطفه باعدائه بقوله {فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً} انظر كيف تلطفى باعدائه فهذا لطفه باعدائه فكيف لطفه باوليائه علم عجزه وكذبه وعلمه بنفسه بان اعز العاجزين ولكن ضربتهم الجبُاية ولتطمته اليد على قفاه وبعده من باب العبودية مع استعداده بقول المعرفة ولولا ذلك لما قال {لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ} ومن ذلك الاستعداد فى بحر دعواه ولولا كان فى نفسه شئ من ذلك لم يجترى او يخرج بذلك الدعوى الا ترى ان دعواه لم يقع الا لقليل من الخلق عن الكفرة وفى كل موضع يظهر----- بنعت المباشرة يفيض سكرا كما يفيض لطف الازل سكر افسكر الطف وصف الروح الناطقة ولدعوانا فى الحقيقة وجه من الحقيقة وسكر القهر وصف النفس الامارة لولا اختلاف المكانين والملباسين يقع لفرعون ما يقع لاهل الحقائق من دعوى الانائية ومن عرفنا امر الصقيين المكرمين بان يقولا له قولا لينا لانه يكفى ما عليه من قهره قدمه فاثقال البعد والسقوط من رجات المؤمنين العارفين وفيه اشارة لطف الله بموسى وهاروت ليكونا متخلفين بخلق الله فى تأديب عباد الله وعلم الله سبحانه حدة موسى وقلة احتماله رؤية المخالفين من اعداء الله فاوكد الغرم عليه لئلا يغضبنا عليه فى دعواه الذى قال لئن اتخذت الها غيرى لئلا يسقط سبيل الحجة عليه قال يحيى بن معاذ هذا رفقك بمن اذاك فكيف رفقك بمن يوذى فيك قال النهر جورى قال الله لموسى فولا له قولا لينا لانه احسن اليك فى ابتداء امرك فلم تكافئه فاجبت ان اكافيه عنك.
اسماعيل حقي
تفسير : {اذهب انت} يا موسى والذهاب المضى يقال ذهب بالشئ واذهبه ويستعمل ذلك فى الاعيان والمعانى قال تعالى {أية : انى ذاهب الى ربى}تفسير : وقال {أية : فلما ذهب عن ابرهيم الروع}تفسير : {واخوك} اى وليذهب اخوك هارون حسبما استدعيت عطف عليه لانه كان غائبا عن موسى وقتئذ. والاخوة المشاركة فى الولادة من الطرفين او من احدهما او من الرضاع ويستعار الاخ لكل مشارك لغيره فى القبلة او فى الدين او فى صنعة او فى معاملة او فى مودة او فى غير ذلك من المناسبات {بآياتى} بمعجزاتى والباء للمصاحبة لا للتعدية اذ المراد ذهابهما الى فرعون ملتبسين بالآيات متمسكين بها فى اجراء احكام الرسالة واكمال امر الدعوة لا مجرد اذهابهما وايصالهما اليه. قال ابن عباس رضى الله عنهما يريد الآيات التسع التى انزلت عليه وان كان وقوع بعضها بالفعل مترقبا بعد. ويحتمل ان يكون الجمع للتعظيم والمراد العصا واليد. او لما ان اقل الجمع عند الخليل اثنان يعنى ان اطلاق الآيات على الآيتين وارد على الادنى {ولا تنيا} لا تفترا: وبالفارسية [وسستى ميكنيد] من ونى ينى ونيا فهو وان مثل وعد يعد وعدا فهو واعد بمعنى فتريفتر فتورا {فى ذكرى} اى فى مداومته على كل حال لسانا وجنانا فانه آلة لتحصيل كل المقاصد فان امرا من الامور لا يتمشى لاحد الا بذكرى فالفتور فى الامور بسبب الفتور فى ذكر الله وهو تذكير لقوله {أية : كى نسبحك كثيرا ونذكرك كثيرا } تفسير : قال بعضهم الحكمة فى هذا التكليف فان من ذكر جلال الله تعالى وعظمته استخف غيره فلا يخاف احدا غيره فيتقوى روحه بذلك الذكر فلا يضعف فى مقصود. قال مرجع طريقتنا الجلوتية بالجيم حضرة الهدايى قدس سره التوحيد قبل الوعظ باعث لاصغاء السامين وموجب للتأثير بعون الله الملك القدير. وفى العرائس لا تغيبا عن مشاهدتى باشتغالكما بامرى حتى تكونا فاترين بى عنى. وفى الارشاد فى ذكرى اى بما يليق بى من الصفات الجليلة والافعال الجميلة عند تبليغ رسالتى والدعاء الىّ انتهى. يقول الفقير اهل الشهود ليسوا بغائبين عن المشهود. ففى الآية اشارة الى ادامة الاوراد وتنبيه للطالبين فى الجد والاجتهاد ونعم ما قيل شعر : يا خاطب الحوراء فى حسنها شمر فتقوى الله فى مهرها وكن مجد ولا تكن وانيا وجاهد النفس على صبرها تفسير : قال الخجندى شعر : بكوش تا بكف آرى كليد كنج وجود كه بى طلب نتوان يافت كوهر مقصود تفسير : وقال المولى الجامى شعر : بى طلب نتوان وصالت يافت آرى كى دهد دولت حج دست جز راه بيابان برده را تفسير : وقال الحافظ شعر : مقام عيش ميسر نميشود بى رنج بلى بحكم بلا بسته اند حكم ألست تفسير : - روى - انه تعالى لما نادى موسى بالواد المقدس وارسله الى فرعون واعطاه سؤله انطلق من ذلك الموضع الى فرعون وشيعته الملائكة يصافحون وخلف اهله فى الموضع الذى تركهم فيه [درتيسير آورده كه كسان موسى شب انتظار بردند ونيامد وروز نيز ازوى خبرى نيافتند دران صحرا متحير بماندند] فلم يزالوا مقيمين فيه حتى مر بهم راع من اهل مدين فعرفهم فحملهم الى شعيب فمكثوا عنده حتى بلغهم خبر موسى بعد ما جاوز ببنى اسرائيل البحر وغرق فرعون قومه وبعث بهم شعيب الى موصى بمصر. ففيه اشارة الى ان المؤمن اذا عرض له الامران امر الدنيا وامر الآخرة يختار امر الآخرة فانه امر الله تعالى ألا ترى ان موسى عليه السلام لم ينظر وراءه حين امر بالذهاب الى فرعون ولم يلتفت الى الاهل والعيال بل ولم يخطر بباله سوى الحكيم الفعال اذ يكفيه ان الله خليفته فى كل امر من اموره وقت غيبته وحضوره ومثله ابراهيم عليه السلام حين ترك اسماعيل وامه هاجر بارض مكة وهى يومئذ ارض فقر ولا ماء بها ولا نبات امتثالا لامر الله تعالى من غير اعتراض وانقباض وهكذا تكون المسارعة فى هذا الباب. وسمعت من شيخى وسندى قدس سرده انه نام نومة الضحى يوما فى مدينة فلبه من البلاد الرومية فامر بالهجرة الى مدينة قسطنطينية فلما استيقظ توضأ وصلى فلم يلبث لحظة حتى خرج راجلا وترك الاهل والعيال فى تلك المدينة حتى كان ما كان على ما استوفيناه فى كتابنا الموسوم بتمام الفيض: قال الحافظ شعر : خرم آن روزكه زين مرحله بربندم رخت وزسر كوى توبرسند رفيقان خبرم
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: لسيدنا موسى عليه السلام: {اذهب أنت وأخوك} أي: ليذهب معك أخوك {بآياتي}: بمعجزاتي التي أريتكَهَا، من اليد والعصا، فإنهما وإن كانتا اثنتين، لكن في كل واحدة منهما آيات، فإنَّ في انقلاب العصا حيوانًا: آية، وكونها ثعبانًا عظيمًا: آية، وسرعة حركته، مع عِظَمِ جرمه: آية، وكذلك اليد؛ فإنَّ بياضها في نفسه آية، وشعاعها آية، ثم رجوعها إلى حالَتها الأولى آية. والباء للمصاحبة، أي: اذهبا مصحوبَيْنِ بمعجزاتنا، مستمسكَيْنِ بها، {ولا تَنِيَا}: لا تفترا ولا تقصرا {في ذكري} عند تبليغ رسالتي، ولا يشغلكما معاناة التبليغ عن ذكري، بما يليق بحالكما؛ من ذكر لسان أو تفكر أو شهود، فلا تغيبا عن مشاهدتي باشتغالكما بأمري، حتى لا تكونا فاترين في عيني. {اذهبَا إِلى فرعون إِنه طغى}: تجبر وعلا. ولم يكن هارون حاضرًا وقت هذا الوحي، وإنما جمعهما؛ تغليبًا. رُوي أنه أوحى إلى هارون وهو بمصر أن يتلقى موسى - عليهما السلام -، وقيل: سمع بإقباله فتلقاه. {فقولا له قولاً لينًا}؛ لأنَّ تليين القول مما يكسر ثورة عناد العتاة، ويلين عريكة الطغاة. قال ابن عباس: أي: لا تعنفا في قولكما. وقيل: القول اللين: {هل لك إِلى أن تزكى...} الخ، ويعارضه قوله بعد: {فقولا إِنا رسولا ربك} وقيل: كنِّياه، وكان له ثلاثة كنى: أبو العباس، وأبو الوليد، وأبو مرة. وقيل: عِدَاه على قبول الإيمان شبابًا لا يهرم، ومُلكًا لا ينزع منه إلا بالموت، وتبقى عليه لذة المطعمَ والمشرب والمنكح إلى الموت، وقيل: اللطافة في القول؛ فإنه رباك وأحسن تربيتك، وله عليك حق الأبوة، {لعله يتذكَّر} بما بلغتماه من ذكر، ويرغب فيما رغبتماه فيه، {أو يخشى} عقابي. ومحل الجملة: النصب على الحال من ضمير التثنية، أي: فقولا له قولاً لينًا، رَاجِيَيْنِ تذكرته، أي: باشرا وعظه مباشرةَ من يرجو ويطمع أن يُثمر علمُه ولا يخيب سعيُه. وفائدة هذا الإبهام: الحَثُّ على المبالغة في وعظه. هذا جواب سيبويه عن الإشكال، وهو أنه تعالى عَلِمَ أنه لا يؤمن، وقال: {لعله يتذكَّر}، فصرف الرجاء إلى موسى وهارون، أي: اذهبا على رجائكما. وقال الوراق: قد تذكر حين ألجمه الغرق. وقال الزجاج: خاطبهم بما يعقلون. قلت: كونه تعالى علم أنه لا يؤمن هو من أسرار القدر الذي لا يكشف في هذه الدار، وهو من أسرار الحقيقة، وإنما بُعثت الرسل بإظهار الشرائع، فخاطبهم الحق تعالى بما يناسب التبليغ في عالم الحكمة، والله تعالى أعلم. وجدوى إرسالهما إليه، مع العلم بإحالته، إلزام الحجة وقطع المعذرة. {قالا ربنا إِننا نخاف أن يَفْرُطَ علينا} أي: يعجل علينا بالعقوبة، ولا يصبر إلى تمام الدعوة وإظهار المعجزة. وهو من "فَرطَ" إذا تقدم، ومنه: الفارط، للوليد الذي مات صغيرًا. وقرئ بضم الياء، من "أفرط" إذا حَمله على العجلة، أي: نخاف أن يحمله حامل من الاستكبار والخوف على المُلك أو غيرهما، على المعاجلة والعقاب، {أو أن يطغى}؛ يزداد طغيانًا، كأن يقول في شأنك ما لا ينبغي، لكمال جرأته وقساوته، وإظهار "أن"؛ لإظهار كمال الاعتناء بالأمر، والإشعار بتحقيق الخوف من كل منهما، وهذا القول يحتمل أن يكون قاله موسى ودخل هارون بالتبع، إيذانًا بأصالة موسى عليه السلام في كل قول وفعل، وتبعية هارون عليه السلام، أو يكون هارون قال ذلك بعد تلاقيهما، فحكى الله قولهما عند نزول الآية، كما في قوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ ٱلطَّيِّبَاتِ} تفسير : [المؤمنون: 51]، فإن هذا الخطاب قد حكى لنا بصيغة الجمع، مع أن كلا من المخاطبين لم يخاطب إلا بطريق الانفراد؛ لاستحالة جمعهم في الوجود، فكيف باجتماعهم في الخطاب؟ {قال} تعالى لهما: {لا تخافا}، وهو استئناف بياني، كأن قائلاً قال: فماذا قال لهما ربهما عند تضرعهما إليه؟ فقيل: قال: لا تخافا ما توهمتما من الأمرين، {إِنني معكما} بحفظي ورعايتي ونصري ومعونتي، {أسمعُ وأرى} ما يجري بينكما وبينه من قول وفعل، فأفعل في كل حال ما يليق بها؛ من دفع ضر وشر، وجلب نفع وخير. {فأتياهُ}، أمر بإتيانه، الذي هو عبارة عن الوصول إليه، بعد ما أمر بالذهاب إليه، فلا تكرار، {فقولا} له: {إِنّا لاسولا ربك} إليك، أمر بذلك من أول الأمر، ليعرف الطاغية شأنهما، ويبني جوابه على ذلك، {فأرسِلْ معنا بني إِسرائيل} أي: أطلقهم من الأسر والقهر، وأخرجهم من تحت يدك العادية. وليس المراد إرسالهم معه إلى الشام، بدليل قوله: {ولا تعذِّبْهم} بإبقائهم على ما كانوا عليه من العذاب، فإنهم كانوا تحت مملكة القبط، يستخدمونهم في الأعمال الصعبة، من الحفر ونقل الأحجار، وضرب اللبن والطين، وبناء المدائن، وغير ذلك من الأعمال الشاقة، ويقتلون ذكور أولادهم عامًا دون عام، فكانت رسالة موسى إلى فرعون بالإيمان بالله وحده، وتسريح بني إسرائيل. رُوي أنه لمّا رغبه في الإيمان بذكر ما أعد الله لأهله من الخلود في الجنة والملك الدائم، أعجبه، فقال: حتى أستشير هامان، وكان غائبًا، فقَدِم، فأخبره، فقال هامان: قد كنتُ أرى لك عقلاً، بينما أنت رب تصيرُ مربوبًا، وبينما أنت تُعبد تصير تعبد غيرك، فغلبه على رأيه. فقال له موسى: {قد جئناك بآيةِ من ربك}، قال فرعون: وما هي؟ فأدخل يده في جيب قميصه ثم أخرجها بيضاء، لها شعاع كشعاع الشمس، فعجب منها، ولم يُره العصا إلا بعد ذلك، يوم الزينة. قاله الثعلبي. قلت: والذي يظهر من سورة الشعراء - بل هو صريح فيها - أنه أراه العصا واليد. وإنما أفردت في اللفظ، هنا؛ لأن المراد إثبات الحجة بصحة الرسالة، لا تَعدد الآية، وكذلك قوله تعالى: {أية : قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ} تفسير : [آل عِمرَان: 49]، {أية : أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيءٍ مُّبِينٍ} تفسير : [الشُّعَرَاء: 30]، وأما قوله تعالى: {أية : فَأْتِ بِهَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ} تفسير : [الأعرَاف: 106]؛ فالظاهر أن المراد بها آية من الآيات. ثم قال له: {والسلامُ على مَن اتبعَ الهُدى} أي: وسلام الله وملائكته والمؤمنين المقتضي سلامة الدارين، على من اتبع الهدى، بتصديق آيات الله تعالى الهادية إلى الحق، دون من اتبع الغي والهوى، وفيه من الترغيب، في اتباعها على ألطف وجه، ما لا يخفى. {إِنا قد أُوحي إِلينا} من جهة ربنا، {أنَّ العذابَ} الدنيوي والأخروي {على مَن كذَّب} بآيات الله {وتولى} أي: أعرض عن قبولها، وفيه من التلطف في الوعيد حيث لم يصرح بحلول العذاب به ما لا مزيد عليه. والله تعالى أعلم. الإشارة: ينبغي لأهل العلم ولأهل الوعظ والتذكير أن يتعاونوا على نشر العلم ووعظ العباد، ويتوجهوا إليهم في أقطار البلاد، فإن ذلك فرض كفاية على أهل العلم، ولا يشغلهم نشر العلم عن ذكر الله، ولا تذكير العباد عن شهود الله، كما قال الله تعالى: {ولا تنيا في ذكري} أي: ولا تغفلا عن شهودي وقت إرشاد عبادي، فإن توجهوا إلى الجبابرة والفراعنة فليلينوا لهم المقال، وليدعوهم إلى أسهل الخلال، فإن ذلك أدعى إلى الامتثال، خلافًا لمن قال هذه ملة موسوية، وأما الملة المحمدية فقال تعالى فيها: {أية : وَقُلِ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ} تفسير : [الكهف: 29]؛ فإنَّ بيان الحق لا ينافي أن يكون بملاطفة وإحسان، فإن خاف الواعظ من صولة المتجبر فإن الله معه، يحفظه ويرعاه، ويسمعه ويراه، فإن لم يسمع لقوله ولم يتعظ لوعظه، فقد بلغ ما عليه، وليقل بلسان الحال أو المقال: (والسلام على من اتبع الهدى). وبالله التوفيق. ثمَّ ذكر جواب فرعون: {قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا ...}
اطفيش
تفسير : {اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ} إلى الناس {بِآيَاتِى} معجزاتى التسع وقيل: جميع ما أنزل الله عليه وما أجرى عليه. {وَلاَ تَنِياً} لا تضعفا ولا تقصرا. ويقال: ونى أى فتر وفشل أو أبطأ. وقرأ ابن مسعود ولا تهنا وقرأ بعضهم يكسر التاء. {فِى ذِكْرِى} أى تسبيحى ودعائى. والثناء علىَّ وتبليغ رسالتى. فالمصدر مضاف لما هو مفعول اصطلاحاً ولا يخفى أنه إذا بلّغ الرسالة فقد ذكر الله سبحانه وإنما أمرها بمداومة الذكر ليكون الذكر معونة. وعن بعضهم أن المعنى لا تنيا فى ذكرى بالإحسان إليكما أو من ذكر النعمة: شكرها.
اطفيش
تفسير : {اذْهَبْ أنْت وأخُوك} هارون على مقتضى اصطناعى لك {بآياتى} أى اليد، والعصا، وحل العقدة، أو اليد والعصا، أو الآيات التسع أو العصا، ونزع اليد بيضاء لأنه لما قال: "أية : فأت بآية" تفسير : [الشعراء: 154] ألقى العصا ونزع اليد، "أية : فذانك برهانان من ربك" تفسير : [القصص: 32] وإطلاق الجمع على اثنين جائز مع اشتمالهما على آيات كسرعة الحية، وعظمها، وبلعها الصخرة، ورجوعها عصاً، وشدة شعاع اليد، ورجوعها كما كانت، وأكثر التسع لم يتحقق عند الآية، بل كمل بعد، فالأولى أن لا تفسر بها الآية. {ولا تَنِيا فى ذكرى} ونى ينى كوعد يعد بمعنى فتر، واختار ابن مالك أنه من باب: مازال وما فتىء وما برح وما انفك، وفى الصحاح فلان لا ينبىء يفعل كذا أى لا يزال، وهو من معنى الفتور، ومعنى فى ذكرى ذكره بالصفات والأفعال الجميلة، وكل صفاته وأفعاله جميلة دُوماً على الذكر فى جميع أحوالكما، وعند التبليغ والدعاء الى العبادة، أو الذكر نفس التبليغ، وهو أجل العبادات وهارون غائب عن موسى، لا يسمع الخطاب، لكن غلب الحاضر فى مقام الكلام على الغالب عنه.
الالوسي
تفسير : وقوله تعالى: {اذْهَبْ أَنتَ وَأَخُوكَ بِـئَايَـٰتِى } استئناف مسوق لبيان ما هو المقصود بالاصطناع، {وَأَخُوكَ } فاعل بفعل مضمر أي وليذهب أخوك حسبما استدعيت، وقيل: معطوف على الضمير المستتر المؤكد بالضمير البارز، ورب شيء يصح تبعاً ولا يصح استقلالاً. والآيات المعجزات، والمراد بها في قول اليد والعصا وحل العقدة، وعن ابن عباس الآيات التسع، وقيل: الأولان فقط وإطلاق الجمع على الاثنين شائع؛ ويؤيد ذلك أن فرعون لما قال له عليه السلام: فأت بآية ألقى / العصا ونزع اليد، وقال: {أية : فَذَانِكَ بُرْهَانَـٰنِ}تفسير : [القصص: 32] وقال بعضهم: إنهما وإن كانتا اثنتين لكن في كل منهما آيات شتى كما في قوله تعالى: {أية : آيات بَيّـنَـٰتٌ مَّقَامُ إِبْرٰهِيمَ } تفسير : [آل عمران: 97] فإن انقلاب العصا حيواناً آية، وكونها ثعباناً عظيماً لا يقادر قدره آية أخرى، وسرعة حركته مع عظم جرمه آية أخرى، وكونه مع ذلك مسخراً له عليه السلام بحيث يده في فمه فلا يضره آية أخرى ثم انقلابها عصا كما كانت آية أخرى وكذلك اليد البيضاء فإن بياضها في نفسه آية وشعاعها آية ثم رجوعها إلى حالتها الأولى آية أخرى. وقيل: المراد بها ما أعطي عليه السلام من معجزة ووحي، والذي يميل إليه القلب أنها العصا واليد لما سمعت من المؤيد مع ما تقدم من أنه تعالى بعد ما أمره بإلقاء العصا وأخذها بعد انقلابها حية قال سبحانه: {أية : وَٱضْمُمْ يَدَكَ إِلَىٰ جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوء ءَايَةً أخْرىٰ} تفسير : [طه: 22]، ثم قال سبحانه: {أية : ٱذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ } تفسير : [طه: 24] من غير تنصيص على غير تلك الآيتين ولا تعرض لوصف حل العقدة ولا غيره بكونه آية، ثم إن الباء للمصاحبة لا للتعدية إذ المراد ذهابهما إلى فرعون ملتبسين بالآيات متمسكين بها في إجراء أحكام الرسالة وإكمال الدعوة لا مجرد إذهابها وإيصالها إليه وهذا ظاهر في تحقق الآيات إذ ذاك وأكثر التسع لم يتحقق بعد. {وَلاَ تَنِيَا } من الوني بمعنى الفتور وهو فعل لازم وإذا عدي عدي بفي وبعن، وزعم بعض البغداديين أنه فعل ناقص من أخوات مازال وبمعناها واختاره ابن مالك، وفي «الصحاح» فلان لا يني يفعل كذا أي لا يزال يفعل كذا وكأن هذا المعنى مأخوذ من نفي الفتور، وقرأ ابن وثاب {وَلاَ تَنِيَا } بكسر التاء اتباعاً لحركة النون. وفي مصحف عبد الله {لا تهنا} وحاصله أيضاً لا تفترا {فِى ذِكْرِى } بما يليق بـي من الصفات الجليلة والأفعال الجميلة عند تبليغ رسالتي والدعاء إلى عبادتي، وقيل: المعنى لا تنيا في تبليغ رسالتي فإن الذكر يقع مجازاً على جميع العبادات وهو من أجلها وأعظمها. وروي ذلك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وقيل: لا تنسياني حيثما تقلبتما واستمدا به العون والتأييد واعلما أن أمراً من الأمور لا يتأتى ولا يتسنى إلا بذكري. وجمع هارون مع موسى عليه السلام في صيغة نهي الحاضر بناءً على القول بغيبته إذ ذاك للتغليب ولا بعد في ذلك كما لا يخفى، وكذا جمعه في صيغة أمر الحاضر بناءً على ذلك أيضاً في قوله تعالى: {اذْهَبَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ...}.
ابن عاشور
تفسير : رجوع إلى المقصد بعد المحاورة، فالجملة بيان لجملة: {اذهب إلى فرعون إنّه طغى}، أو هي استئناف بياني لأن قوله: {أية : واصطنعتُك لنفسي}تفسير : [طه: 41] يؤذن بأنه اختاره وأعدّه لأمر عظيم، لأنّ الحكيم لا يتّخذ شيئاً لنفسه إلاّ مريداً جعلَه مظهراً لحكمته، فيترقب المخاطب تعيينها، وقد أمره هنا بالذهاب إلى فرعون وأن يذهب أخوه معه. ومعنى ذلك أنه يبلّغ أخاه أن الله أمره بمرافقته، لأنّ هارون لم يكن حاضراً حين كلّم الله موسى في البقعة المباركة من الشجرة. ولأنه لم يكن الوقت وقت الشروع في الذهاب إلى فرعون، فتعيّن أن الأمر لطلب حصول الذهاب المستقبل عند الوصول إلى مصر بلد فرعون وعند لقائه أخاه هارون وإبلاغه أمر الله إياه، فقرينة عدم إرادة الفور هنا قائمة. والباء للمصاحبة لقصد تطمين موسى بأنّه سيكون مصاحباً لآيات الله، أي الدلائل التي تدلّ على صدقه لدى فرعون. ومعنى {ولاَ تَنِيَا} لا تضعُفا. يقال: ونَى ينِي ونَىً، أي ضعف في العمل، أي لا تننِ أنت وأبلغ هارون أن لا يني، فصيغة النهي مستعملة في حقيقتها ومجازها.
الشنقيطي
تفسير : قال بعض أهل العلم: المراد بالآيات في قوله هنا: {ٱذْهَبْ أَنتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي} الآيات التسع المذكورة في قوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ} تفسير : [الإسراء: 101] الآية، وقوله: {أية : وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوۤءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ} تفسير : [النمل: 12] الآية. والآيات التسع المذكورة هي: العصا واليد البيضاء... إلى آخرها. وقد قدمنا الكلام عليها مستوفى في سورة "بني إسرائيل". وقوله تعالى: {إِنَّهُ طَغَىٰ} أصل الطغيان: مجاوزة الحد، ومنه: {أية : إِنَّا لَمَّا طَغَا ٱلْمَآءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي ٱلْجَارِيَةِ} تفسير : [الحاقة: 11] وقد بين الله تعالى شدة طغيان فرعون ومجاوزته الحد في قوله عند: {أية : فَقَالَ أَنَاْ رَبُّكُمُ ٱلأَعْلَىٰ} تفسير : [النازعات: 24]، وقوله عنه {أية : مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرِي} تفسير : [القصص: 38]، وقوله عنه أيضاً: {أية : لَئِنِ ٱتَّخَذْتَ إِلَـٰهَاً غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ ٱلْمَسْجُونِينَ} تفسير : [الشعراء: 29]. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة، {وَلاَ تَنِيَا} مضارع ونى يني، على أحد قول ابن مالك في الخلاصة: شعر : فا أمراً ومضارع من كوعد احذف وفي كعدة ذاك اطرد تفسير : والونى في اللغة: الضعف، والفتور، والكلال والإعياء، ومنه قول امرئ القيس في معلقته: شعر : مسح إذا ما السابحات على الونى أثرن غباراً بالكديد المركل تفسير : وقول العجاج: شعر : فما ونى محمد مذ أن غفر له الإله ما مضى وما غبر تفسير : فقوله: {وَلاَ تَنِيَا فِي ذِكْرِي} أي لا تضعفا ولا تفترا في ذكري. وقد أثنى الله على من يذكره في جميع حالاته في قوله: {أية : ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ} تفسير : [آل عمران: 191]، وأمر بذكر الله عند لقاء العدو في قوله: {أية : إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَٱثْبُتُواْ وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيراً} تفسير : [الأنفال: 45] كما تقدم إيضاحه. وقال ابن كثير رحمه الله في تفسيره هذه الآية الكريمة: والمراد أنهما لا يفتران في ذكر الله في حال مواجهة فرعون. ليكون ذكر الله عوناً لهما عليه، وقوة لهما وسلطاناً كاسراً له، كما جاء في الحديث: "حديث : إن عبدي كل عبدي الذي يذكرني وهو مُناجز قِرْنه" تفسير : ا هـ منه. وقال بعض أهل العلم: {وَلاَ تَنِيَا فِي ذِكْرِي} لا تزالا في ذكري. واستشهد لذلك بقول طرفة: شعر : كأن القدور الراسيات أمامهم قباب بنوها لا تني أبداً تغلي تفسير : أي لا تزال تغلي. ومعناه راجع إلى ما ذكرنا. والعلم عند الله تعالى.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: بآياتي: أي بالمعجزات التي آتيتك كالعصا واليد وغيرها. ولا تنيا في ذكري: أي لا تفترا ولا تقصرا في ذكري فإنه سر الحياة وعونكما على أداء رسالتكما. إنه طغى: تجاوز قدره بادعائه الألوهية والربوبية. قولا لينا: أي خالياً من الغلظة والعنف. لعله يتذكر: أي فيما تقولان فيهتدي إلى معرفتنا فيخشانا فيؤمن ويسلم ويرسل معكما بني إسرائيل. يفرط علينا: أي يعجل بعقوبتنا قبل أن ندعوه ونبين له. أو أن يطغى: أي يزداد طغياناً وظلما. أسمع وأرى: أي أسمع ما تقولانه وما يقال لكما، وأرى ما تعملان وما يعمل لكما. فأرسل معنا بني إسرائيل: أي لنذهب بهم إلى أرض المعاد أرض أبيهم إبراهيم. بآية: أي معجزة تدل على صدقنا في دعوتنا وأنا رسولا ربك حقاً وصدقاً. والسلام على من اتبع الهدى: أي النجاة من العذاب في الدارين لمن آمن واتقى، إذ الهدى إيمانٌ وتقوى. من كذب وتولى: أي كذب بالحق ودعوته وأعرض عنهما فلم يقبلهما. معنى الكلمات: ما زال السياق الكريم في الحديث عن موسى مع ربه تبارك وتعالى فقد أخبره تعالى في الآية السابقة أنه صنعه لنفسه، فأمره في هذه الآية بالذهاب مع أخيه هارون مزودين بآيات الله وهي حججه التي أعطاهما من العصا واليد البيضاء. ونهاهما عن التواني في ذكر الله بأن يضعفا في ذكر وعده ووعيده فيقصرا في الدعوة إليه تعالى فقال: {ٱذْهَبْ أَنتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلاَ تَنِيَا فِي ذِكْرِي} وبين لهما الى من يذهبا وعلة فقال: {ٱذْهَبَآ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ} أي تجاوز قدره وتعدى حده من إنسان يعبد الله إلى إنسان كفار ادعى أنه رب وإله، وعلمهما اسلوب الدعوة فقال لهما: {فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً} أي خالياً من الغلظة والجفا وسوء الإِلقاء وعلل لذلك فقال {لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ} أي رجاء أن يتذكر معاني كلامكما وما تدعوانه إليه فيراجع نفسه فيؤمن ويهتدي أو يخشى العذاب إن بقي على كفره وظلمه فيسلم لكما بني إسرائيل ويرسلهم معكما، فأبدى موسى وأخوه هارون تخوفاً فقال ما أخبر تعالى به عنهما في قوله: {قَالاَ رَبَّنَآ إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَآ} أي يعجل بعقوبتنا بالضرب أو القتل، {أَوْ أَن يَطْغَىٰ} أي يزداد طغياناً وظلماً. فطمأنهما ربهما عز وجل بأنه معهما بنصره وتأييده وهدايته إلى كل ما فيه عزهما فقال لهما: {لاَ تَخَافَآ} أي من فرعون وملائه: {إِنَّنِي مَعَكُمَآ أَسْمَعُ وَأَرَىٰ} أسمع ما تقولان لفرعون وما يقول لكما. وأرى ما تعملان من عمل وما يعمل فرعون وإني أنصركما عليه فأحق عملكما وأبطل عمله. فاتياه إذاً ولا تترددا فقولا أي لفرعون {إِنَّا رَسُولاَ رَبِّكَ} أي إليك {فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ} لنخرج بهما حيث أمر الله، {وَلاَ تُعَذِّبْهُمْ} بقتل رجالهم واستحياء نسائهم واستعمالهم في أسوء الأعمال وأحطها، {قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكَ} أي بحجة من ربك دالة على أنا رسولا ربك إليك وأنه يأمرك بالعدل والتوحيد وينهاك عن الظلم والكفر ومنع بني إسرائيل من الخروج إلى أرض المعاد معنا. {وَٱلسَّلاَمُ عَلَىٰ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلْهُدَىٰ} أي واعلم يا فرعون أن الأمان والسلامة يحصلان لمن اتبع الهدى الذي جئناك به، فاتبع الهدى تسلم، وإلا فأنت عرضة للمخاوف والهلاك والدمار وذلك لأنه {قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَآ} أي أوحى إلينا ربنا، {إِنَّا أَنَّ ٱلْعَذَابَ عَلَىٰ مَن كَذَّبَ} بالحق الذي جئناك به {وَتَوَلَّىٰ} عنه فأعرض عنه ولم يقبله كبرياءً وعناداً. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- عظم شأن الذكر بالقلب واللسان والجوارح أي بالطاعة فعلاً وتركاً. 2- وجوب مراعاة الحكمة في دعوة الناس إلى ربهم. 3- تقرير معية الله تعالى مع أوليائه وصالحي عباده بنصرهم وتأييدهم. 4- تقرير أن السلامة من عذاب الدنيا والآخرة هي من نصيب متبعي الهدى. 5- شرعية إتيان الظالم وأمره ونهيه والصبر على أذاه. 6- عدم المؤاخذة على الخوف حيث وجدت أسبابه.
القطان
تفسير : آياتي: المعجزات، منها العصا واليد البيضاء. لا تنيا: لا تقصّرا، لا تفترا. في ذكري: في تبليغ رسالتي. قولاً لينا: كلاما لطيفا لا عنف فيه ولا خشونة. ان يفرط علينا: ان يعجّل علينا بالعقوبة. والسلام على من اتبع الهدى: السلامة من العذاب لمن آمن وصدق. بعد ان أجاب الله موسى ما سأله، شرع الكتابُ الكريم يذكر الأوامر والنواهي التي طلب اليه الله ان يقوم بتنفيذها ويؤدي الرسالة على اكمل وجه. اذهبْ انت وأخوك الى فرعون، مؤيدَين بمعجزاتي التي زودتك بها: العصا واليد البيضاء، وغيرها، كما قال تعالى في الآية 101 من سورة الاسراء: {أية : وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ}تفسير : ولا تتهاونا في تأدية الرسالة التي حمَّلتكما إياها. إذهبا الى فرعون معاً وبلِّغاه الرسالة، لأنه طغى وتجبرَّ حتى ادّعى الربوبية {أية : فَقَالَ أَنَاْ رَبُّكُمُ ٱلأَعْلَىٰ}تفسير : [النازعات:24]. وكثيراً ما يخُصُّ فرعونَ بالدعوة لأنه كان متجبرا متألِّهاً، فلو أنه استجابَ للدعوة لآمنَ قومُه جميعا. ثم أرشدهما كيف تكونُ دعوتُهما لفرعون بقوله: {فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ}. فكلِّماه بكلامٍ رقيق لين، ليكون أوقعَ في نفسه، لعلَّه يجيب دعوتكما الى الإيمان، ويخشى عاقبة كفره وطغيانه. قال موسى وهارون متضرّعَين الى الله: يا ربّنا، إننا نعرف هذا الجبّارَ المتكبر، ونخشى ان يبادرَنا بالأذى والعقوبة، او يزدادَ طغياناً وكفرا. وهنا يشجّعهما الله تعالى، بأنه معهما. لا تخافا من فرعون، إنني معكما بالرعاية والحفظ، أسمعُ لكل ما يجري في هذا الكون، وأُبصر ما يفعل فرعونُ وغيره، فلا يستطيع ان يُلحق بكما أذى. اذهبا إلى فرعون فقولا له: إننا رسولان إليك من ربك، جئنا ندعوكَ الى الإيمان به، ونسألك ان تُطلق بني إسرائيل من الأسر والعذاب. وقد أتيناكَ بمعجزةٍ من الله تشهد لنا بصدق ما دعوناك اليه، {وَٱلسَّلاَمُ عَلَىٰ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلْهُدَىٰ}. والسلامةُ والأمنُ من العذاب على من اتبع رسُلَ ربه، واهتدى بآياته التي ترشد الى الحق. وان الله قد اوحى الينا ان عذابه الشديد واقع على من كذّبنا واعرض عن دعوتنا.
د. أسعد حومد
تفسير : {بِآيَاتِي} (42) - اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ هَارُونَ مُؤَيَّدَيْنِ بِمُعْجِزَاتِي، وَحُجَجِي، وَبَرَاهِينِي الدَّالَّةِ عَلَى صِدْقِ نُبُوَّتِكُمَا، إِلَى فِرْعَوْنَ، وَلاَ تَفْتُرا عَنْ ذِكْرِي عنْدَ لِقَائِكُمَا إِيَّاهُ، لِيَكُونَ ذلِكَ عَوْناً لَكُمَا، وَقُوَّةً وَسُلْطَاناً كَاسِراً لَهُ، وَلاَ تَتَهَاوَنَا فِي دَعْوَتِهِ وَتَبْلِيغِهِ مَا أَرْسَلْتُكُمَا بِهِ إِلَيْهِ. لاَ تَنِيَا فِي ذِكْرِي - لاَ تَفْتُرا عَنْ ذِكْرِي حِينَ تَبْلِيغِ رِسَالَتِي إِلَيْهِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : {بِآيَاتِي ..} [طه: 42] الآيات هنا هي المعجزات الباهرات التي تبهر فرعون، فلن تذهبا مُجرَّديْن، بل معكما دليل على صِدْق الرسالة التي تحملونها إليه: {لاَ تَنِيَا فِي ذِكْرِي} [طه: 42] من التَّواني أي: الفتور أو التقصير؛ لأنني أعددتكما الإعداد المناسب لهذه المهمة الشاقة، فإياكم والتهاون فيها، فإنْ حدث منكما تقصير فهو تقصير في الأداء، لا في الإعداد. ومعنى: {فِي ذِكْرِي} [طه: 42] أي: لأكُنْ دائماً على بالكما، فأنا الذي أرسلتُ، وأنا الذي أيدتُ بالمعجزات، وأنا الذي أرعاكما وأرقبكما، وأنا الذي سأجازيكما فلا يَغبْ ذلك عنكما. ثم يقول الحق سبحانه: {ٱذْهَبَآ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ ...}.
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {وَلاَ تَنِيَا فِي ذِكْرِي} [الآية: 42]. يقول: لا تضعفا. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَآ} [الآية: 45]. يقول: يفرط علينا فرعون عقوبة. أَنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {أَعْطَىٰ كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ}. قال: سوى خلق كل دابة. {ثُمَّ هَدَىٰ} [الآية: 50]. يقول: هداها لما يصلحها فعلمها إِياه. أَنا عبد الرحمن، قال: حدثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {لاَّ يَضِلُّ رَبِّي وَلاَ يَنسَى} [الآية: 52]. قال: هما شيء واحد.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : لما امتن الله على موسى بما امتن به، من النعم الدينية والدنيوية قال له: { اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ } هارون { بِآيَاتِي } أي: الآيات التي مني، الدالة على الحق وحسنه، وقبح الباطل، كاليد، والعصا ونحوها، في تسع آيات إلى فرعون وملئه، { وَلا تَنِيَا فِي ذِكْرِي } أي: لا تفترا، ولا تكسلا عن مداومة ذكري بل استمرَّا عليه، والزماه كما وعدتما بذلك { كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا } فإن ذكر الله فيه معونة على جميع الأمور، يسهلها، ويخفف حملها. { اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى } أي: جاوز الحد، في كفره وطغيانه، وظلمه وعدوانه. { فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا } أي: سهلا لطيفا، برفق ولين وأدب في اللفظ من دون فحش ولا صلف، ولا غلظة في المقال، أو فظاظة في الأفعال، { لَعَلَّهُ } بسبب القول اللين { يَتَذَكَّرُ } ما ينفعه فيأتيه، { أَوْ يَخْشَى } ما يضره فيتركه، فإن القول اللين داع لذلك، والقول الغليظ منفر عن صاحبه، وقد فسر القول اللين في قوله: {أية : فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى * وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى } تفسير : فإن في هذا الكلام من لطف القول وسهولته وعدم بشاعته ما لا يخفى على المتأمل فإنه أتى بـ " هل " الدالة على العرض والمشاورة التي لا يشمئز منها أحد ودعاه إلى التزكي والتطهر من الأدناس التي أصلها التطهر من الشرك الذي يقبله كل عقل سليم ولم يقل " أزكيك " بل قال " تزكى " أنت بنفسك ثم دعاه إلى سبيل ربه الذي رباه وأنعم عليه بالنعم الظاهرة والباطنة التي ينبغي مقابلتها بشكرها وذكرها فقال: {أية : وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى } تفسير : فلما لم يقبل هذا الكلام اللين الذي يأخذ حسنه بالقلوب علم أنه لا ينجع فيه تذكير فأخذه الله أخذ عزيز مقتدر. { قَالا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا } أي يبادرنا بالعقوبة والإيقاع بنا قبل أن تبلغه رسالاتك ونقيم عليه الحجة { أَوْ أَنْ يَطْغَى } أي يتمرد عن الحق ويطغى بملكه وسلطانه وجنده وأعوانه، { قَالَ لا تَخَافَا } أن يفرط عليكما { إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى } أي أنتما بحفظي ورعايتي أسمع أقوالكما وأرى جميع أحوالكما فلا تخافا منه فزال الخوف عنهما واطمأنت قلوبهما بوعد ربهما.
همام الصنعاني
تفسير : 1814- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {وَلاَ تَنِيَا فِي ذِكْرِي} [الآية: 42]، يقول لا تضعفا.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):