٢٠ - طه
20 - Ta-Ha (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
45
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن قوله: {قَالاَ رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ } فيه أسئلة: السؤال الأول: قوله: {قَالاَ رَبَّنَا } يدل على أن المتكلم بذلك موسى وهرون عليهما السلام وهرون لم يكن حاضراً هذا المقال فكيف ذلك وجوابه قد تقدم. السؤال الثاني: أن موسى عليه السلام قال: { أية : رَبِّ ٱشْرَحْ لِي صَدْرِي } تفسير : [طه: 25] فأجابه الله تعالى بقوله: { أية : قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يٰمُوسَىٰ } تفسير : [طه: 36] وهذا يدل على أنه قد انشرح صدره وتيسر أمره فكيف قال بعده: {إِنَّنَا نَخَافُ } فإن حصول الخوف يمنع من حصول شرح الصدر. والجواب: أن شرح الصدر عبارة عن تقويته على ضبط تلك الأوامر والنواحي وحفظ تلك الشرائع على وجه لا يتطرق إليه السهو والتحريف وذلك شيء آخر غير زوال الخوف. السؤال الثالث: أما علم موسى وهرون وقد حملهما الله تعالى الرسالة أنه تعالى يؤمنهما من القتل الذي هو مقطعة عن الأداء. الجواب: قد أمنا ذلك وإن جوزا أن ينالهما السوء من قبل تمام الأداء أو بعده وأيضاً فإنهما استظهرا بأن سألا ربهما ما يزيد في ثبات قلبهما على دعائه وذلك بأن ينضاف الدليل النقلي إلى العقلي زيادة في الطمأنينة كما قال: { أية : وَلَـٰكِن لّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي } تفسير : [البقرة: 260]. السؤال الرابع: لما تكرر الأمر من الله تعالى بالذهاب فعدم الذهاب والتعلل بالخوف هل يدل على المعصية. الجواب: لو اقتضى الأمر الفور لكان ذلك من أقوى الدلائل على المعصية لا سيما وقد أكثر الله تعالى من أنواع التشريف وتقوية القلب وإزالة الغم ولكن ليس الأمر على الفور فزال السؤال وهذا من أقوى الدلائل على أن الأمر لا يقتضي الفور إذا ضممت إليه ما يدل على أن المعصية غير جائزة على الرسل أما قوله تعالى: {أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَن يَطْغَىٰ } فاعلم أن في: {أَن يَفْرُطَ } وجوهاً. أحدها: فرط سبق وتقدم ومنه الفارط الذي يتقدم الواردة وفرس فرط يسبق الخيل والمعنى نخاف أن يعجل علينا بالعقوبة. وثانيها: أنه مأخوذ من أفرط غيره إذا حمله على العجلة فكان موسى وهـٰرون عليهما السلام خافا من أن يحمله حامل على المعاجلة بالعقوبة وذلك الحامل هو إما الشيطان أو إدعاؤه للربوبية أو حبه للرياسة أو قومه وهم القبط المتمردون الذين حكى الله تعالى عنهم: { أية : قَالَ ٱلْمَلاُ مِن قَوْمِهِ } تفسير : [الأعراف: 60]. وثالثها: يفرط من الإفراط في الأذية أما قوله: {أَوْ أَن يَطْغَىٰ } فالمعنى يطغى بالتخطي إلى أن يقول فيك ما لا ينبغي لجراءته عليك واعلم أن من أمر بشيء فحاول دفعه بأعذار يذكرها فلا بد وأن يختم كلامه بما هو الأقوى وهذا كما أن الهدهد ختم عذره بقوله: { أية : وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ ٱللَّهِ } تفسير : [النمل: 24] فكذا ههنا بدأ موسى بقوله: {أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا } وختم بقوله: {أَوْ أَن يَطْغَىٰ } لما أن طغيانه في حق الله تعالى أعظم من إفراطه في حق موسى وهـٰرون عليهما السلام. أما قوله: {قَالَ لاَ تَخَافَا إِنَّنِى مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَىٰ } فالمراد لا تخافا مما عرض في قلبكما من الإفراط والطغيان لأن ذلك هو المفهوم من الكلام يبين ذلك أنه تعالى لم يؤمنهما من الرد ولا من التكذيب بالآيات ومعارضة السحرة أما قوله: {إِنَّنِى مَعَكُمَا } فهو عبارة عن الحراسة والحفظ وعلى هذا الوجه يقال: الله معك على وجه الدعاء وأكد ذلك بقوله: {أَسْمَعُ وَأَرَىٰ } فإن من يكون مع الغير وناصراً له وحافظاً يجوز أن لا يعلم كل ما يناله وإنما يحرسه فيما يعلم فبين سبحانه وتعالى أنه معهما بالحفظ والعلم في جميع ما ينالهما وذلك هو النهاية في إزالة الخوف قال القفال قوله: {أَسْمَعُ وَأَرَىٰ } يحتمل أن يكون مقابلاً لقوله: {أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَن يَطْغَىٰ } والمعنى: {يَفْرُطَ عَلَيْنَا } بأن لا يسمع منا: {أَوْ أَن يَطْغَىٰ } بأن يقتلنا فقال الله تعالى: {إِنَّنِى مَعَكُمَا } أسمع كلامه معكما فأسخره للاستماع منكما وأرى أفعاله فلا أتركه حتى يفعل بكما ما تكرهانه، واعلم أن هذه الآية تدل على أن كونه تعالى سميعاً وبصيراً صفتان زائدتان على العلم لأن قوله: {إِنَّنِى مَعَكُمَا } دل على العلم فقوله: {أَسْمَعُ وَأَرَىٰ } لو دل على العلم لكان ذلك تكريراً وهو خلاف الأصل ثم إنه سبحانه أعاد ذلك التكليف فقال: {فَأْتِيَاهُ } لأنه سبحانه وتعالى قال في المرة الأولى: { أية : لِنُرِيَكَ مِنْ ءَايَـٰتِنَا ٱلْكُبْرَىٰ * ٱذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ } تفسير : [طه: 23، 24] وفي الثانية: {أية : ٱذْهَبْ أَنتَ وَأَخُوكَ } تفسير : [طه:42] وفي الثالثة: قال: { أية : ٱذْهَبَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ } تفسير : [طه: 43] وفي الرابعة قال ههنا فأتياه فإن قيل إنه تعالى أمرهما في المرة الثانية بأن يقولا له: { أية : قَوْلاً لَّيّناً } تفسير : [طه: 44] وفي هذه المرة الرابعة أمرهما أن يقولاَ: {إِنَّا رَسُولاَ رَبّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِى إِسْرٰءيلَ } وفيه تغليظ من وجوه: أحدها: أن قوله: {إِنَّا رَسُولاَ رَبّكَ } فيه أبحاث: البحث الأول: انقياده إليهما والتزامه لطاعتهما وذلك يعظم على الملك المتبوع. البحث الثاني: قوله: {فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِى إِسْرٰءيلَ } فيه إدخال النقص على ملكه لأنه كان محتاجاً إليهم فيما يريده من الأعمال من بناء أو غيره. البحث الثالث: قوله: {وَلاَ تُعَذّبْهُمْ }. البحث الرابع: قوله: {قَدْ جِئْنَـٰكَ بآيةٍ مّن رَّبّكَ } فما الفائدة في التليين أولاً والتغليظ ثانياً؟ قلنا: لأن الإنسان إذا ظهر لجاجه فلا بد له من التغليظ فإن قيل: أليس كان من الواجب أن يقولا إنا رسولا ربك قد جئناك بآية فأرسل معنا بني إسرائيل ولا تعذبهم، لأن ذكر المعجز مقروناً بادعاء الرسالة أولى من تأخيره عنه؟ قلنا: بل هذا أولى من تأخيره عنه لأنهم ذكروا مجموع الدعاوى ثم استدلوا على ذلك المجموع بالمعجزة، أما قوله: {قَدْ جِئْنَـٰكَ بآيةٍ مّن رَّبّكَ } ففيه سؤال وهو أنه تعالى أعطاه آيتين وهما العصا واليد ثم قال: {أية : ٱذْهَبْ أَنتَ وَأَخُوكَ بِآياتي } تفسير : [طه: 42] وذلك يدل على ثلاث آيات وقال ههنا: {جِئْنَـٰكَ بِآيَةٍ } وهذا يدل على أنها كانت واحدة فكيف الجمع؟ أجاب القفال بأن معنى الآية الإشارة إلى جنس الآيات كأنه قال: قد جئناك ببيان من عند الله ثم يجوز أن يكون ذلك حجة واحدة أو حججاً كثيرة، وأما قوله: {وَٱلسَّلَـٰمُ عَلَىٰ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلْهُدَىٰ } فقال بعضهم هو من قول الله تعالى لهما كأنه قال: فقولا إنا رسولا ربك، وقولا له: والسلام على من اتبع الهدى، وقال آخرون بل كلام الله تعالى قد تم عند قوله: {قَدْ جِئْنَـٰكَ بِـآيَةٍ مّن رَّبّكَ } فقوله بعد ذلك: {وَٱلسَّلَـٰمُ عَلَىٰ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلْهُدَىٰ } وعد من قبلهما لمن آمن وصدق بالسلامة له من عقوبات الدنيا والآخرة، والسلام بمعنى السلامة كما يقال رضاع ورضاعة واللام وعلى ههنا بمعنى واحد كما قال { أية : لَهُمُ ٱللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوء ٱلدَّارِ } تفسير : [الرعد: 25] على معنى عليهم وقال تعالى: { أية : مَّنْ عَمِلَ صَـٰلِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا } تفسير : [فصلت: 46] وفي موضع آخر: { أية : إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا } تفسير : [الإسراء: 7]، أما قوله: {إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ ٱلْعَذَابَ عَلَىٰ مَن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ } فاعلم أن هذه الآية من أقوى الدلائل على أن عقاب المؤمن لا يدوم وذلك لأن الألف واللام في قوله: {ٱلْعَذَابَ } تفيد الاستغراق أو تفيد الماهية وعلى التقديرين يقتضي انحصار هذا الجنس فيمن كذب وتولى فوجب في غير المكذب المتولي أن لا يحصل هذا الجنس أصلاً، وظاهر هذه الآية يقتضي القطع بأنه لا يعاقب أحداً من المؤمنين بترك العمل به في بعض الأوقات فوجب أن يبقى على أصله في نفي الدوام لأن العقاب المتناهي إذا حصل بعده السلامة مدة غير متناهية صار ذلك العقاب كأنه لا عقاب فلذلك يحسن مع حصول ذلك القدر أن يقال: إنه لا عقاب، وأيضاً فقوله: {وَٱلسَّلَـٰمُ عَلَىٰ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلْهُدَىٰ }، وقد فسرنا السلام بالسلامة فظاهره يقتضي حصول السلامة لكل من اتبع الهدى، والعارف بالله قد اتبع الهدى فوجب أن يكون صاحب السلامة.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {قَالاَ رَبَّنَآ إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَآ أَوْ أَن يَطْغَىٰ } قال الضحاك: {يَفْرُطَ} يَعْجَل. قال: و{يَطْغَىٰ } يعتدي. النحاس: التقدير نخاف أن يفرط علينا منه أمر، قال الفراء: فَرَط منه أمرٌ أي بدر؛ قال: وأفرط أسرف. قال: وفَرَّط ترك. وقراءة الجمهور «يَفْرُطَ» بفتح الياء وضم الراء، ومعناه يَعْجَل ويبادر بعقوبتنا. يقال: فَرَط مني أمرٌ أي بدر؛ ومنه الفارط في الماء الذي يتقدم القوم إلى الماء. أي يعذّبنا عذاب الفارط في الذنب وهو المتقدم فيه؛ قاله المبرّد. وقرأت فرقة منهم ابن محيصن «يَفْرَطُ» بفتح الياء والراء؛ قال المهدوي: ولعلها لغة. وعنه أيضاً بضم الياء وفتح الراء ومعناها أن يحمله حامل على التسرع إلينا. وقرأت طائفة «يُفْرِط» بضم الياء وكسر الراء؛ وبها قرأ ابن عباس ومجاهد وعكرمة وابن محيصن أيضاً. ومعناه يشطط في أذيتنا؛ قال الراجز:شعر : قـد أَفـرطَ العِـلْـجُ عليـنـا وعَـجَـل
البيضاوي
تفسير : {قَالاَ رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا } أن يعجل علينا بالعقوبة ولا يصبر إلى تمام الدعوة وإظهار المعجزة، من فرط إذا تقدم ومنه الفارط وفرس فرط يسبق الخيل. وقرىء {يَفْرُطَ} من أفرطته إذا حملته على العجلة، أي نخاف أن يحمله حامل من استكبار أو خوف على الملك أو شيطان إنسي أو جني على المعالجة بالعقاب، و {يَفْرُطَ} من الإِفراط في الأذية. {أَوْ أَن يَطْغَىٰ } أو أن يزداد طغياناً فيتخطى إلى أن يقول فيك ما لا ينبغي لجراءته وقساوته وإطلاقه من حسن الأدب.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى إخباراً عن موسى وهارون عليهما السلام، أنهما قالا مستجيرين بالله تعالى شاكيين إليه: {إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَآ أَوْ أَن يَطْغَىٰ} يعنيان: أن يبدر إليهما بعقوبة، أو يعتدي عليهما، فيعاقبهما، وهما لا يستحقان منه ذلك. قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: أن يفرط: يعجل. وقال مجاهد: يبسط علينا. وقال الضحاك عن ابن عباس: أو أن يطغى: يعتدي {قَالَ لاَ تَخَافَآ إِنَّنِى مَعَكُمَآ أَسْمَعُ وَأَرَىٰ} أي: لا تخافا منه، فإنني معكما، أسمع كلامكما وكلامه، وأرى مكانكما ومكانه، لا يخفى عليّ من أمركم شيء، واعلما أن ناصيته بيدي، فلا يتكلم ولا يتنفس ولا يبطش إلا بإذني وبعد أمري، وأنا معكما بحفظي ونصري وتأييدي. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا علي بن محمد الطنافسي، حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن عمرو بن مرة، عن أبي عبيدة عن عبد الله قال: لما بعث الله عز وجل موسى إلى فرعون، قال: رب أي شيء أقول؟ قال: قل: هيا شراهيا. قال الأعمش: فسر ذلك: أنا الحي قبل كل شيء، والحي بعد كل شيء، إسناده جيد، وشيء غريب، {فَأْتِيَاهُ فَقُولاَۤ إِنَّا رَسُولاَ رَبِّكَ} قد تقدم في حديث الفتون عن ابن عباس أنه قال: مكثا على بابه حيناً لا يؤذن لهما حتى أذن لهما بعد حجاب شديد. وذكر محمد بن إسحاق بن يسار أن موسى وأخاه هارون خرجا، فوقفا بباب فرعون يلتمسان الإذن عليه، وهما يقولان: إنا رسولا رب العالمين، فآذنوا بنا هذا الرجل، فمكثا فيما بلغني سنتين يغدوان ويروحان، لا يعلم بهما، ولا يجترىء أحد على أن يخبره بشأنهما، حتى دخل عليه بطال له يلاعبه ويضحكه، فقال له: أيها الملك إن على بابك رجلاً يقول قولاً عجيباً، يزعم أن له إلهاً غيرك أرسله إليك. قال: ببابي؟ قال: نعم، قال: أدخلوه، فدخل ومعه أخوه هارون وفي يده عصاه، فلما وقف على فرعون قال: إني رسول رب العالمين، فعرفه فرعون، وذكر السدي أنه لما قدم بلاد مصر، ضاف أمه وأخاه، وهما لا يعرفانه، وكان طعامهما ليلتئذ الطفيل، وهو اللفت، ثم عرفاه وسلما عليه، فقال له موسى: يا هارون إن ربي قد أمرني أن آتي هذا الرجل فرعون، فأدعوه إلى الله، وأمرك أن تعاونني. قال: افعل ما أمرك ربك، فذهبا، وكان ذلك ليلاً، فضرب موسى باب القصر بعصاه، فسمع فرعون، فغضب وقال: من يجترىء على هذا الصنيع الشديد؟ فأخبره السدنة والبوابون بأن ههنا رجلاً مجنوناً يقول: إنه رسول الله، فقال: علي به، فلما وقفا بين يديه، قالا وقال لهما ما ذكر الله في كتابه. وقوله: {قَدْ جِئْنَـٰكَ بِـآيَةٍ مِّن رَّبِّكَ} أي: بدلالة ومعجزة من ربك {وَٱلسَّلَـٰمُ عَلَىٰ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلْهُدَىٰ} أي: والسلام عليك إن اتبعت الهدى، ولهذا لما كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هرقل عظيم الروم كتاباً، كان أوله: «حديث : بسم الله الرحمن الرحمن، من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد، فإني أدعوك بدعاية الإسلام، فأسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين» تفسير : وكذلك لما كتب مسيلمة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كتاباً صورته: من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله، سلام عليك، أما بعد، فإني قد أشركتك في الأمر، فلك المدر ولي الوبر، ولكن قريشاً قوم يعتدون، فكتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد، فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده، والعاقبة للمتقين» تفسير : ولهذا قال موسى وهارون عليهما السلام لفرعون: {وَٱلسَّلَـٰمُ عَلَىٰ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلْهُدَىٰ إِنَّا قَدْ أُوحِىَ إِلَيْنَآ أَنَّ ٱلْعَذَابَ عَلَىٰ مَن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ} أي: قد أخبرنا الله فيما أوحاه إلينا من الوحي المعصوم: أن العذاب متمحض لمن كذب بآيات الله، وتولى عن طاعته، كما قال تعالى: {أية : فَأَمَّا مَن طَغَىٰ وَءاثَرَ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا فَإِنَّ ٱلْجَحِيمَ هِىَ ٱلْمَأْوَىٰ} تفسير : [النازعات: 37 - 39] وقال تعالى: {أية : فَأَنذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّىٰ لاَ يَصْلَـٰهَآ إِلاَّ ٱلأَشْقَى ٱلَّذِى كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ } تفسير : [الليل: 14 - 16] وقال تعالى: {أية : فَلاَ صَدَّقَ وَلاَ صَلَّىٰ وَلَـٰكِن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ } تفسير : [القيامة: 31 - 32] أي: كذب بقلبه، وتولى بفعله.
المحلي و السيوطي
تفسير : {قَالاَ رَبَّنَآ إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَآ } أي يعجل بالعقوبة {أَوْ أَن يَطْغَىٰ } علينا أي يتكبر.
الشوكاني
تفسير : قرأ الجمهور:{أن يفرط} بفتح الياء وضم الراء، ومعنى ذلك: أننا نخاف أن يعجل ويبادر بعقوبتنا، يقال: فرط منه أمر، أي بدر، ومنه الفارط، وهو الذي يتقدّم القوم إلى الماء، أي يعذبنا عذاب الفارط في الذنب، وهو المتقدّم فيه، كذا قال المبرد، وقال أيضاً: فرط منه أمر وأفرط: أسرف، وفرط: ترك. وقرأ ابن محيصن: "يفرط" بضم الياء وفتح الراء، أي يحمله حامل على التسرّع إلينا، وقرأت طائفة بضم الياء وكسر الراء، ومنهم ابن عباس ومجاهد، وعكرمة من الإفراط، أي يشتطّ في أذيتنا. قال الراجز:شعر : قد أفرط العلج علينا وعجل تفسير : ومعنى {أَوْ أَن يَطْغَىٰ } قد تقدّم قريباً، وجملة: {قَالَ لاَ تَخَافَا } مستأنفة جواب سؤال مقدّر، نهى لهما عن الخوف الذي حصل معهما من فرعون، ثم علل ذلك بقوله: {إِنَّنِى مَعَكُمَا } أي بالنصر لهما، والمعونة على فرعون، ومعنى {أَسْمَعُ وَأَرَىٰ }: إدراك ما يجري بينهما وبينه، بحيث لا يخفى عليه سبحانه منه خافية، وليس بغافل عنهما، ثم أمرهما بإتيانه الذي هو عبارة عن الوصول إليه بعد أمرهما بالذهاب إليه فلا تكرار. {فَقُولا إِنَّا رَسُولاَ رَبّكَ } أرسلنا إليك {فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرٰءيلَ } أي خلّ عنهم وأطلقهم من الأسر {وَلاَ تُعَذّبْهُمْ } بالبقاء على ما كانوا عليه،وقد كانوا عند فرعون في عذاب شديد: يذبح أبناءهم، ويستحيـي نساءهم، ويكلفهم من العمل ما لا يطيقونه، ثم أمرهما سبحانه أن يقولا لفرعون: {قَدْ جِئْنَـٰكَ بِـئَايَةٍ مّن رَّبّكَ } قيل: هي العصا واليد. وقيل إن فرعون قال لهما: وما هي؟ فأدخل موسى يده في جيب قميصه، ثم أخرجها لها شعاع كشعاع الشمس، فعجب فرعون من ذلك، ولم يره موسى العصا إلا يوم الزينة {وَٱلسَّلَـٰمُ عَلَىٰ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلْهُدَىٰ } أي السلامة. قال الزجاج: أي من اتبع الهدى سلم من سخط الله عزّ وجلّ ومن عذابه، وليس بتحية، قال: والدليل على ذلك أنه ليس بابتداء لقاء ولا خطاب. قال الفراء: السلام على من اتبع الهدى، ولمن اتبع الهدى سواء. {إِنَّا قَدْ أُوحِىَ إِلَيْنَا } من جهة الله سبحانه {أَنَّ ٱلْعَذَابَ عَلَىٰ مَن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ } المراد بالعذاب: الهلاك والدمار في الدنيا والخلود في النار. والمراد بالتكذيب: التكذيب بآيات الله وبرسله. والتولي: الإعراض عن قبولها والإيمان بها. {قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يٰمُوسَىٰ} أي قال فرعون لهما: فمن ربكما؟ فأضاف الربّ إليهما ولم يضفه إلى نفسه؛ لعدم تصديقه لهما ولجحده للربوبية. وخص موسى بالنداء لكونه؛ الأصل في الرسالة وقيل: لمطابقة رؤوس الآي. {قَالَ رَبُّنَا ٱلَّذِى أَعْطَىٰ كُلَّ شَيء خَلْقَهُ } أي: قال موسى مجيباً له، و{ربنا} مبتدأ، وخبره {ٱلَّذِي أَعْطَىٰ كُلَّ شَيء خَلْقَهُ }، ويجوز أن يكون {ربنا} خبر مبتدأ محذوف، وما بعده صفته. قرأ الجمهور: {خلقه} بسكون اللام، وروى زائدة عن الأعمش أنه قرأ: "خلقه" بفتح اللام على أنه فعل، وهي قراءة ابن أبي إسحاق، ورواها نصير عن الكسائي. فعلى القراءة الأولى يكون خلقه ثاني مفعولي أعطى. والمعنى: أعطى كل شيء صورته وشكله الذي يطابق المنفعة المنوطة به المطابقة له كاليد للبطش، والرجل للمشي واللسان للنطق، والعين للنظر، والأذن للسمع، كذا قال الضحاك وغيره. وقال الحسن وقتادة: أعطى كل شيء صلاحه وهداه لما يصلحه. وقال مجاهد: المعنى لم يخلق خلق الإنسان في خلق البهائم، ولا خلق البهائم في خلق الإنسان، ولكن خلق كل شيء فقدّره تقديراً، ومنه قول الشاعر:شعر : وله في كل شيء خِلْقُهُ وكذاك الله ما شاء فعل تفسير : وقال الفراء: المعنى خلق للرجل المرأة، ولكل ذكر ما يوافقه من الإناث. ويجوز أن يكون خلقه على القراءة الأولى هو المفعول الأوّل لأعطى، أي أعطى خلقه كل شيء يحتاجون إليه ويرتفقون به، ومعنى {ثُمَّ هَدَىٰ }: أنه سبحانه هداهم إلى طرق الانتفاع بما أعطاهم فانتفعوا بكل شيء فيما خلق له، وأما على القراءة الآخرة، فيكون الفعل صفة للمضاف أو للمضاف إليه، أي أعطى كل شيء خلقه الله سبحانه ولم يخله من عطائه، وعلى هذه القراءة يكون المفعول الثاني محذوفاً، أي أعطى كل شيء خلقه ما يحتاج إليه، فيوافق معناها معنى القراءة الأولى. {قَالَ فَمَا بَالُ ٱلْقُرُونِ ٱلاْولَىٰ } لما سمع فرعون ما احتج به موسى في ضمن هذا الكلام على إثبات الربوبية كما لا يخفى من أن الخلق والهداية ثابتان بلا خلاف، ولا بدّ لهما من خالق وهادٍ، وذلك الخالق والهادي هو الله سبحانه لا ربّ غيره. قال فرعون: فما بال القرون الأولى؟ فإنها لم تقرّ بالربّ الذي تدعو إليه يا موسى بل عبدت الأوثان ونحوها من المخلوقات، ومعنى البال: الحال والشان، أي ما حالهم وما شأنهم؟ وقيل: إن سؤال فرعون عن القرون الأولى مغالطة لموسى لما خاف أن يظهر لقومه أنه قد قهره بالحجة أي: ما حال القرون الماضية، وماذا جرى عليهم من الحوادث؟ فأجابه موسى، فقال {عِلْمُهَا عِندَ رَبّى } أي إن هذا الذي سألت عنه ليس مما نحن بصدده، بل هو من علم الغيب الذي استأثر الله به لا تعلمه أنت ولا أنا. وعلى التفسير الأوّل يكون معنى {عِلْمُهَا عِندَ رَبّي }: أن علم هؤلاء الذين عبدوا الأوثان ونحوها محفوظ عند الله في كتابه سيجازيهم عليها، ومعنى كونها في كتاب: أنها مثبتة في اللوح المحفوظ. قال الزجاج: المعنى أن أعمالهم محفوظة عند الله يجازي بها، والتقدير: علم أعمالها عند ربي في كتاب. وقد اختلف في معنى {لاَّ يَضِلُّ رَبّي وَلاَ يَنسَى } على أقوال: الأوّل: أنه ابتداء كلام تنزيه لله تعالى عن هاتين الصفتين. وقد تمّ الكلام عند قوله: {في كتاب} كذا قال الزجاج، قال: ومعنى {لاَّ يَضِلُّ }: لا يهلك من قوله: {أية : أَءذَا ضَلَلْنَا فِى ٱلأَرْضِ }تفسير : [السجدة: 10] {وَلاَ يَنسَى } شيئاً من الأشياء، فقد نزّهه عن الهلاك والنسيان. القول الثاني: أن معنى {لاَّ يَضِلُّ }: لا يخطىء. القول الثالث: أن معناه لا يغيب. قال ابن الأعرابي: أصل الضلال الغيبوبة. القول الرابع: أن المعنى: لا يحتاج إلى كتاب، ولا يضلّ عنه علم شيء من الأشياء، ولا ينسى ما علمه منها، حكي هذا عن الزجاج أيضاً. قال النحاس: وهو أشبهها بالمعنى. ولا يخفى أنه كقول ابن الأعرابي. القول الخامس: أن هاتين الجملتين صفة لكتاب، والمعنى: أن الكتاب غير ذاهب عن الله ولا هو ناس له. {ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأرْضَ مِهَـٰداً } الموصول محل رفع على أنه صفة لربي متضمنة لزيادة البيان، ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف، أو في محل نصب على المدح. قرأ الكوفيون {مهداً} على أنه مصدر لفعل مقدّر، أي مهدها مهداً، أو على تقدير مضاف محذوف، أي ذات مهد، وهو اسم لما يمهد كالفراش لما يفرش. وقرأ الباقون: {مهاداً} واختار هذه القراءة أبو عبيد وأبو حاتم قالا: لاتفاقهم على قراءة: {أية : أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأرْضَ مِهَـٰداً}تفسير : [النبأ: 6]. قال النحاس: والجمع أولى من المصدر؛ لأن هذا الموضع ليس وضع المصدر إلا على حذف المضاف. قيل: يجوز أن يكون مهاداً مفرداً كالفراش، ويجوز أن يكون جمعاً. ومعنى الهاد: الفراش، فالمهاد جمع المهد، أي جعل كل موضع منها مهداً لكل واحد منكم. {وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً } السلك: إدخال الشيء في الشيء. والمعنى: أدخل في الأرض لأجلكم طرقاً تسلكونها وسهلها لكم. وفي الآية الأخرى: {أية : ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلأرْضَ مِهَـٰداً وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ }تفسير : [الزخرف: 10]. ثم قال سبحانه ممتناً على عباده: {وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاء مَاء } هو ماء المطر. قيل: إلى هنا انتهى كلام موسى، وما بعده هو: {فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مّن نَّبَـٰتٍ شَتَّىٰ } من كلام الله سبحانه. وقيل: هو من الكلام المحكيّ عن موسى معطوف على أنزل، وإنما التفت إلى التكلم للتنبيه إلى ظهور ما فيه من الدلالة على كمال القدرة. ونوقش بأن هذا خلاف الظاهر مع استلزامه فوت الالتفات لعدم اتحاد المتكلم، ويجاب عنه: بأن الكلام كله محكيّ عن واحد هو موسى، والحاكي للجميع هو الله سبحانه والمعنى: فأخرجنا بذلك الماء بسبب الحرث والمعالجة أزواجاً، أي ضروباً وأشباهاً من أصناف النبات المختلفة. وقوله {من نبات} صفة لـ {أزواجاً} أو بيان له، وكذا {شتى} صفة أخرى له، أي متفرّقة جمع شتيت. وقال الأخفش: التقدير: أزواجاً شتى من نبات. قال: وقد يكون النبات شتى، فيجوز أن يكون شتى {نعتاً} لـ {أزواجاً} ويجوز أن يكون نعتاً للنبات، يقال: أمر شَتٌّ أي متفرّق، وشتّ الأمر شتاً وشتاتاً تفرّق، واستشتّ مثله، والشتيت المتفرّق. قال رؤبة:شعر : جاءت معاً وأطَّرقتْ شتيتاً تفسير : وجملة: {كُلُواْ وَٱرْعَوْا } في محل نصب على الحال بتقدير القول، أي قائلين لهم ذلك، والأمر للإباحة، يقال: رعت الماشية الكلأ ورعاها صاحبها رعاية، أي أسامها وسرّحها يجيء لازماً ومتعدّياً. والإشارة بقوله: {إِنَّ فِى ذٰلِكَ لآيَـٰتٍ لأُوْلِى ٱلنُّهَىٰ } إلى ما تقدّم ذكره في هذه الآيات، والنهى: العقول جمع نهية، وخص ذوي النهى؛ لأنهم الذين يُنتهى إلى رأيهم. وقيل: لأنهم ينهون النفس عن القبائح، وهذا كله من موسى، احتجاج على فرعون في إثبات الصانع جواباً لقوله: {فَمَن رَّبُّكُمَا يٰمُوسَىٰ} والضمير في: {مِنْهَا خَلَقْنَـٰكُمْ } وما بعده راجع إلى الأرض المذكورة سابقاً. قال الزجاج وغيره: يعني أن آدم خلق من الأرض وأولاده منه. وقيل: المعنى أن كل نطفة مخلوقة من التراب في ضمن خلق آدم؛ لأن كل فرد من أفراد البشر له حظ من خلقه {وَفِيهَا } أي في الأرض {نُعِيدُكُمْ } بعد الموت فتدفنون فيها وتتفرّق أجزاؤكم حتى تصير من جنس الأرض، وجاء بفي دون إلى؛ للدلالة على الاستقرار {وَمِنْهَا } أي من الأرض {نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَىٰ } أي بالبعث والنشور وتأليف الأجسام وردّ الأرواح إليها على ما كانت عليه قبل الموت، والتارة كالمرّة. {وَلَقَدْ أَرَيْنَـٰهُ ءايَـٰتِنَا كُلَّهَا } أي أرينا فرعون وعرفناه آياتنا كلها، والمراد بالآيات هي: الآيات التسع المذكورة في قوله: {أية : وَلَقَدْ ءاتَيْنَا مُوسَىٰ تِسْعَ ءايَـٰتٍ } تفسير : [الإسراء: 101]. على أن الإضافة للعهد. وقيل: المراد: جميع الآيات التي جاء بها موسى، والتي جاء بها غيره من الأنبياء، وأن موسى قد كان عرّفه جميع معجزاته ومعجزات سائر الأنبياء، والأوّل أولى، وقيل: المراد بالآيات: حجج الله سبحانه الدالة على توحيده. {فَكَذَّبَ وَأَبَىٰ } أي كذب فرعون موسى وأبى عليه أن يجيبه إلى الإيمان، وهذا يدل على أن كفر فرعون كفر عناد؛ لأنه رأى الآيات وكذب بها كما في قوله: {أية : وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً } تفسير : [النمل: 14]. وجملة:{قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يٰمُوسَىٰ} مستأنفة جواب سؤال مقدّر، كأنه قيل: فماذا قال فرعون بعد هذا؟ والهمزة للإنكار لما جاء به موسى من الآيات، أي جئت يا موسى لتوهم الناس بأنك نبيّ يجب عليهم اتباعك، والإيمان بما جئت به، حتى تتوصل بذلك الإيهام الذي هو شعبة من السحر إلى أن تغلب على أرضنا وتخرجنا منها. وإنما ذكر الملعون الإخراج من الأرض؛ لتنفير قومه عن إجابة موسى، فإنه إذا وقع في أذهانهم وتقرّر في أفهامهم أن عاقبة إجابتهم لموسى الخروج من ديارهم وأوطانهم كانوا غير قابلين لكلامه ولا ناظرين في معجزاته ولا ملتفتين إلى ما يدعو إليه من الخير. {فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مّثْلِهِ } الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها واللام هي الموطئة للقسم، أي والله لنعارضنك بمثل ما جئت به من السحر، حتى يتبين للناس أن الذي جئت به سحر يقدر على مثله الساحر. {فَٱجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً } هو مصدر، أي وعداً. وقيل: اسم مكان، أي اجعل لنا يوماً معلوماً، أو مكاناً معلوماً لا نخلفه. قال القشيري: والأظهر أنه مصدر، ولهذا قال: {لاَّ نُخْلِفُهُ } أي لا نخلف ذلك الوعد. والإخلاف أن تعد شيئاً ولا تنجزه. قال الجوهري: الميعاد: المواعدة والوقت والموضع، وكذلك الموعد. وقرأ أبو جعفر بن القعقاع وشيبة والأعرج: "لاَّ نُخْلِفُهُ" بالجزم على أنه جواب لقوله: {اجعل}. وقرأ الباقون بالرفع على أنه صفة لموعداً، أي لا نخلف ذلك الوعد {نَحْنُ وَلا أَنتَ } وفوّض تعيين الموعد إلى موسى؛ إظهاراً لكمال اقتداره على الإتيان بمثل ما أتى به موسى. وانتصاب: {مَكَاناً سُوًى } بفعل مقدّر يدل عليه المصدر، أو على أنه بدل من موعد. قرأ ابن عامر وعاصم وحمزة: "سوى" بضم السين، وقرأ الباقون بكسرها وهما لغتان. واختار أبو عبيد وأبو حاتم كسر السين، لأنها اللغة العالية الفصيحة، والمراد: مكاناً مستوياً. وقيل: مكاناً منصفاً عدلاً بيننا وبينك. قال سيبويه: يقال: سِوًى وسُوًى، أي عدل، يعني عدلاً بين المكانين. قال زهير:شعر : أرونا خطة لا ضيم فيها يسوّى بيننا فيها السواء تفسير : قال أبو عبيدة والقتيبي: معناه مكاناً وسطاً بين الفريقين، وأنشد أبو عبيدة لموسى بن جابر الحنفي:شعر : وجدنا أبانا كان حلّ ببلدة سوّى بين قيس غيلان والفزر تفسير : والفزر: سعد بن زيد مناة. ثم واعده موسى بوقت معلوم فقَال {مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ ٱلزّينَةِ} قال مجاهد وقتادة ومقاتل والسديّ: كان ذلك يوم عيد يتزينون فيه. وقال سعيد بن جبير: كان ذلك يوم عاشوراء. وقال الضحاك: يوم السبت. وقيل: يوم النيروز. وقيل: يوم كسر الخليج. وقرأ الحسن والأعمش وعيسى الثقفي والسلمي وهبيرة عن حفص: "يوم الزينة" بالنصب، ورويت هذه القراءة عن أبي عمرو، أي في يوم الزينة إنجاز موعدنا، وقرأ الباقون بالرفع على أنه خبر موعدكم، وإنما جعل الميعاد زماناً بعد أن طلب منه فرعون أن يكون مكاناً سوى؛ لأن يوم الزينة يدلّ على مكان مشهور يجتمع فيه الناس ذلك اليوم، أو على تقدير مضاف محذوف، أي موعدكم مكان يوم الزينة. {وَأَن يُحْشَرَ ٱلنَّاسُ ضُحًى } معطوف على {يوم الزينة} فيكون في محل رفع، أو على {الزينة} فيكون في محل جرّ، يعني ضحى ذلك اليوم. والمراد بالناس: أهل مصر. والمعنى: يحشرون إلى العيد وقت الضحى، وينظرون في أمر موسى وفرعون. قال الفراء: المعنى إذا رأيت الناس يحشرون من كل ناحية ضحى فذلك الموعد. قال: وجرت عادتهم بحشر الناس في ذلك اليوم. والضحى قال الجوهري: ضحوة النهار بعد طلوع الشمس ثم بعده الضحى، وهو حين تشرق الشمس. وخص الضحى؛ لأنه أوّل النهار، فإذا امتدّ الأمر بينهما كان في النهار متسع. وقرأ ابن مسعود والجحدري: "وأن يحشر" على البناء للفاعل، أي وأن يحشر الله الناس ضحى. وروي عن الجحدري أنه قرأ: "وأن نحشر" بالنون وقرأ بعض القرّاء بالتاء الفوقية، أي وأن تحشر أنت يا فرعون، وقرأ الباقون بالتحتية على البناء للمفعول. وقد أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {إننا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا } قال: يعجل {أَوْ أَن يَطْغَىٰ } قال: يعتدي. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: {أَسْمَعُ وَأَرَىٰ } قال: أسمع ما يقول وأرى ما يجاوبكما به، فأوحي إليكما فتجاوبانه. وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم عن ابن مسعود قال: لما بعث الله موسى إلى فرعون قال: ربّ أي شيء أقول؟ قال: قل أهيا شراهيا. قال الأعمش: تفسير ذلك الحيّ قبل كل شيء، والحيّ بعد كل شيء. وجوّد السيوطي إسناده، وسبقه إلى تجويد إسناده ابن كثير في تفسيره. وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: {عَلَىٰ مَن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ } قال: كذب بكتاب الله وتولى عن طاعة الله. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس في قوله: {أَعْطَىٰ كُلَّ شَىء خَلْقَهُ } قال: خلق لكل شيء زوجه {ثُمَّ هَدَىٰ } قال: هداه لمنكحه ومطعمه ومشربه ومسكنه. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {لاَّ يَضِلُّ رَبّي } قال: لا يخطىء. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {مّن نَّبَـٰتٍ شَتَّىٰ } قال: مختلف. وفي قوله: {لأُوْلِي ٱلنُّهَىٰ } قال: لأولي التقى. وأخرج ابن المنذر عنه {لأُوْلِي ٱلنُّهَىٰ } قال: لأولي الحجا والعقل. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عطاء الخراساني قال: إن الملك ينطلق فيأخذ من تراب المكان الذي يدفن فيه فيذرّه على النطفة، فيخلق من التراب ومن النطفة، وذلك قوله: {مِنْهَا خَلَقْنَـٰكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ }. وأخرج أحمد والحاكم عن أبي أمامة قال: لما وضعت أمّ كلثوم بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في القبر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : {مِنْهَا خَلَقْنَـٰكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَىٰ } بسم الله، وفي سبيل الله، وعلى ملة رسول الله»تفسير : . وفي حديث في السنن: "أحديث : نه أخذ قبضة من التراب فألقاها في القبر وقال: {مِنْهَا خَلَقْنَـٰكُمْ } ثم أخرى وقال: {وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ } ثم أخرى وقال: {وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَىٰ }"تفسير : . وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر عن ابن عباس في قوله: {مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ ٱلزّينَةِ } قال: يوم عاشوراء. وأخرج ابن المنذر عن ابن عمرو نحوه.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {أَن يَفْرُطَ عَلَيْنآ} فيه وجهان: أحدهما: أن يعجل علينا، قال الراجز: قد أفرط العلج علينا وعجل. الثاني: يعذبنا عذاب الفارط في الذنب، وهو المتقدم فيه، قاله المبرد ويقال لمن أكثر في الشيء أفرط، ولمن نقص منه فرّط. {أَوْ أَن يَطْغَى} أي يقتلنا.
ابن عبد السلام
تفسير : {يَفْرُطَ} يعجل، أو يعذبنا عذاب الفارط في الذنب وهو المتقدم فيه، أفرط إذا أكثر من الشيء وَفَرطَ إذا نقص منه {أَوْ أَن يَطْغَى} يقتلنا.
ابن عادل
تفسير : قوله: {قَالاَ رَبَّنَآ إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَن يَطْغَىٰ} قد تقدم أن هارون لم يكن حاضراً هناك، فكيف قال: {قَالاَ رَبَّنَا} وتقدم جوابه. فإن قيل: إن موسى - عليه السلام - قال: {أية : رَبِّ ٱشْرَحْ لِي صَدْرِي} تفسير : [طه: 25] وأجابه (الله تعالى) بقوله: {أية : قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَٰمُوسَىٰ} تفسير : [طه: 36] وهذا يدل أنه شرح صدره، ويسر، وعيّن له ذلك الأمر، فكيف قال بعده: "إنَّنَا نَخَافُ"، فإن حصول الخوف يمنع من حصول شرح الصدر، فالجواب: أن شرح الصدر عبارة عن قوته على ضبط تلك الأوامر والنواهي وحفظ تلك الشرائع على وجه لا يتطرق إليها السَّهو والتحريف، وذلك شيء آخر غير زوال الخوف. فإن قيل: أما علم موسى وهارون - عليهما السلام - وقد حمَّلهما الله تعالى الرسالة أنه تعالى يؤمنهما من القتل. فالجواب: قد أمِنا ذلك وإن جوزا أن ينالهما السوء من قبل تمام الأداء أو بعده، وأيضاً فإنهما استظهرا بأن سألا ربهما ما يزيد في ثبات قلبهما على دعائه، وذلك بأن ينضاف الدليل النقلي إلى العقلي زيادة في الطمأنينة كما في قوله تعالى: {أية : وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} تفسير : [البقرة: 260]. فإن قيل: لمَّا تكرر الأمر من الله - تعالى - بالذهاب، فعدم الذهاب والتعلل بالخوف هل يدل على المعصية؟ فالجواب: إن اقتضى الأمر الفور كان كذلك من أقوى الدلائل على المعصية، لا سيما وقد أكثر الله - تعالى - من أنواع التشريف، وتقوية القلب، وإزالة الغم، ولكن الأمر ليس على الفور، فزال السؤال، وهذا من أقوى الدلائل على أن الأمر لا يقتضي الفور إذا ضممت إليه ما يدل على أن المعصية غير جائزة على الرسل. قوله: {أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا} مفعول "يَخَافُ"، ويقال: فَرَطَ يَفْرُط سبق وتقدم، ومنه الفارط وهو الذي يتقدم الواردة إلى الماء، وفرس فرط تسبق الخيل، أي: نَخَاف أن يعجل علينا بالعقوبة ويبادرنا بها. قاله الزمخشري. ومن ورود الفارط بمعنى المتقدم على الواردة قول الشاعر: شعر : 3660- وَاسْتَعْجَلُونَا وَكَانُوا مِنْ صَحَابَتِنَا كَمَا تَقَدَّم فُرَّاطٌ لِوُرَّادِ تفسير : وفي الحديث: "حديث : أَنَا فَرَطُكُمْ عَلَى الحَوْضِ" تفسير : أي سابقكم ومتقدمكم. وقرأ يحيى بن وثاب وابن محيصن وأبو نوفل "يُفْرَط" بضم حرف المضارعة وفتح الراء على البناء للمفعول، والمعنى: خافَا أن يسبق في العقوبة أي يحمله حامل عليها وعلى المعاجلة بها إما قومه وإما الشيطان وإما حبه الرياسة، وإما ادعاؤه الإلهية. وقرأ ابن محيصن في رواية الزعفراني: "أن يُفْرِط" بضم حرف المضارعة وكسر الراء من أفرط. قال الزمخشري: من أفرَطَهُ غيره، إذا حمله على العجلة خَافَا أن يحمله حامل على المعاجلة بالعقاب. وقال كعب بن زهير: شعر : 3661- تَنْفِي الرِّيَاحُ القَذَى عَنْهُ وَأَفْرَطَهُ مِنْ صَوْبِ سَارِيَةٍ بِيضٌ يَعَالِيلُ تفسير : أي سبقت هذه البيض لتملاه. وفاعل يفرط ضمير فرعون، وهذا هو الظاهر الذي ينبغي أن لا يعدل عنه، وجعله أبو البقاء مضمراً لدلالة الكلام عليه، فقال: فيجوز أن يكون التقدير: أن يَفْرُط علينا منه قولٌ فأضمر القول لدلالة الحال عليه كما تقول: فَرَط منِّي قول، وأن يكون الفاعل ضمير فرعون كما كان في "يَطْغَى". فصل قال ابن عباس: "يَفْرُطَ عَلَيْنَا" يعجل علينا بالقتل والعقوبة. يقال: فَرَطَ عَلَيْنَا فلان إذا عجل بمكروه، وفَرَط منه أمر أي بدر وسبق {أَوْ أَن يَطْغَىٰ} يجاوز الحد بالتخطي إلى أن يقول فيك ما لا ينبغي لجرأته عليك. واعلم أن من أمر بشيء فحاول دفعه لأعذار يذكرها فلا بد أن يختم كلامه بما هو الأقوى، كما أن الهُدْهُدَ ختم عذره بقوله: {أية : وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ ٱللَّهِ} تفسير : [النمل: 24]، فكذا هاهنا بدأ موسى بقوله {أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا}، وختم بقوله {أَوْ أَن يَطْغَى} لما كان طغيانه في حق الله - تعالى - أعظم من إفراطه في حق موسى وهارون. قوله: {قَالَ لاَ تَخَافَآ إِنَّنِي مَعَكُمَآ أَسْمَعُ وَأَرَىٰ} لا تخافا مما عرض في قلبكما من الإفراط والطغيان، لأن ذلك هو المفهوم من الكلام، لأنه - تعالى - لم يؤمنهما من الرد، ولا من التكذيب بالآيات ومعارضة السحرة وقوله: "إِنَّنِي مَعَكُمَا" أي: بالحراسة والحفظ وقوله: "أَسْمَعُ وَأَرَى" قال ابن عباس: اسمع دعاءكما فأجيبه، وأرى ما يراد بكما فأمنع لست بغافل عنكما فلا تهتما. وقال القفال: (قوله: "أسْمَعُ وَأرَى" يحتمل أن يكون مقابلاً لقوله {يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَن يَطْغَىٰ} "يَفْرُطَ عَلَيْنَا" بأن لا يسمع منّا {أَوْ أَن يَطْغَىٰ} بأن يقتلنا، فقال الله تعالى: {إِنَّنِي مَعَكُمَآ أَسْمَعُ} كلامكما فأسخّره للاستماع منكما، "وَأَرَى" أفعاله فلا أتركه حتى يفعل بكما ما تكرهانه واعلم أن مفعول) (أسْمَعُ وَأَرَى) محذوف، فقيل: تقديره: أسمع أقوالكما وأرى أفعالكما. وعن ابن عباس: أسمع جوابه لكما (وَأَرَى مَا يُفْعَل بِكُمَا). أو يكون من حذف الاقتصار، نحو "يحيي ويُميت".
البقاعي
تفسير : ولما كان فرعون في غاية الجبروت، وكان حاله حال من يهلكهما إلا أن يمنعهما الله، وأراد علم ما يكون من ذلك {قالا ربنا} أي أيها المحسن إلينا. ولما كان مضمون إخبارهما بالخوف مع كونهما من جهة الله - من شأنه أن لا يكون وأن ينكر، أكد فقالا مبالغين فيه بإظهار النون الثالثة إبلاغاً في إظهار الشكوى ليأتي الجبر على قدر ما يظهر من الكسر: {إننا نخاف} لما هو فيه من المكنة {أن يفرط} أي يجعل {علينا} بالعقوبة قبل إتمام البلاغ عجلة من يطفر ويثب إلى الشيء {أو أن يطغى*} فيتجاوز إلى أعظم مما هو فيه من الاستكبار {قال لا تخافا} ثم علل ذلك بما هو مناط النصرة والحيطة للولي والإهلاك للعدو، فقال مؤكداً إشارة إلى عظم الخبر، وتنبيهاً لمضمونه لأنه خارج عن العوائد، وأثبت النون الثالثة على وزان تأكيدهما: {إنني معكما} لا أغيب كما تغيب الملوك إذا أرسلوا رسلهم {أسمع وأرى*} أي لي هاتان الصفتان، لا يخفى عليَّ شيء من حال رسولي ولا حال عدوه، وأنتما تعلمان من قدرتي ما لا يعلمه غيركما. ولما تمهد ذلك، تسبب عنه تعليمهما ما يقولان، فقال مؤكداً للذهاب أيضاً لما مضى: {فأتياه فقولا} أي له؛ ولما كان فرعون ينكر ما تضمنه قولهما، أكد سبحانه فقال: {إنا} ولما كان التنبيه على معنى المؤازرة هنا - كما تقدم مطلوباً، ثنى فقال: {رسولا ربك} الذي رباك فأحسن تربيتك بعد أن أوجدك من العدم، إشارة إلى تحقيره بأنه من جملة عبيد مرسلهما تكذيباً له في ادعائه الربوبية، ثم سبب عن إرسالكما إليه قولكما: {فأرسل معنا} عبيده {بني إسرائيل} ليعبدوه، فإنه لا يستحق العبادة غيره {ولا تعذبهم} بما تعذبهم به من الاستخدام والتذبيح؛ ثم علل دعوى الرسالة بما يثبتها، فقال مفتتحاً بالحرف التوقع لأن حال السامع لادعاء الرسالة أن يتوقع دلالة على الإرسال: {قد جئناك بآية} أي علامة عظيمة وحجة وبرهان {من ربك} الذي لا إحسان عليك إلا منه، موجبة لقبول ما ادعيناه من العصا واليد وغيرهما، فأسلم تسلم، وفي تكرير مخاطبته بذلك تأكيد لتبكيته في ادعاء الربوبية، ونسبته إلى كفران الإحسان، فسلام عليك خاصة إن قبلت هدى الله {والسلام} أي جنسه {على} جميع {من اتبع} بغاية جهده {الهدى*} عامة، وإذا كان هذا الجنس عليهم كان من المعلوم أن العطب على غيرهم، فالمعنى: وإن أبيت عذبت {إنا} أي لأنا {قد أوحي إلينا} من ربنا {أن العذاب} أي كله، لأن اللام للاستغراق أو الماهية، وعلى التقديرين يقتضي قدر ثبوت هذا الجنس ودوامه لما تفهمه الاسمية {على} كل {من كذب وتولى*} أي أوقع التكذيب والإعراض، وذلك يقتضي أنه إن كان منه شيء على مصدق منقضياً، وإذا انقضى كان كأن لم يوجد، وفي صرف الكلام عنه تنبيه على أنه ضال مكذب وتعليم للأدب. ولما كان التقدير: فأتياه فقولا: إنا رسولا ربك - إلى آخر ما أمر به، وتضمن قولهما أن لمرسلهما القدرة التامة والعلم الشامل، فتسبب عنه سؤاله عن تعيينه، أستأنف الإخبار عن جوابه بقوله: {قال} أي فرعون مدافعاً لهما بالمناظرة لا بالبطش، لئلا ينسب إلى السفه والجهل: {فمن} أي تسبب عن كلامكما هذا الذي لا يجترىء على مواجهتي به أحد من أهل الأرض أن أسألكما: من {ربكما} الذي أرسلكما، ولم يقل: ربي، حيدة عن سواء النظر وصرفاً للكلام على الوجه الموضح لخزيه. ولما كان موسى عليه السلام هو الأصل في ذلك، وكان ربما طمع فرعون بمكره وسوء طريقه في حبسه تحصل في لسانه، أفرده بقوله: {يا موسى * قال } له موسى على الفور: {ربنا} أي موجدنا ومربينا ومولانا {الذي أعطى كل شيء} مما تراه في الوجود {خلقه} أي ما هو عليه مما هو به أليق في المنافع المنوطة به، والآثار التي تتأثر عنه من الصورة و الشكل والمقدار واللون والطبع وغير ذلك مما يفوت الحصر، ويجل عن الوصف. ولما كان في إفاضة الروح من الجلالة والعظم ما يضمحل عنده غيره من المفاوتة، أشار إلى ذلك بحرف التراخي فقال: {ثم هدى *} أي كل حيوان منه مع أن فيها العاقل وغيره إلى جميع منافعه فيسعى لها، ومضاره فيحذرها، فثبت بهذه المفاوتة والمفاصلة مع اتحاد نسبة الكل إلى الفاعل أنه واحد مختار، وأن ذلك لو كان بالطبيعة المستندة إلى النجوم أو غيرها كما كان يعتقده فرعون وغيره لم يكن هذا التفاوت. ولما لم يكن لأحد بالطعن في هذا الجواب قبل لأنه لا زلل فيه ولا خلل مع رشاقته واختصاره وسبقه بالجمع إلى غاية مضماره - صرف الكلام بسرعة خوف من الاتضاح، بزيادة موسى عليه السلام في الإيضاح، فيظهر الفساد من الصلاح، إلى شيء يتسع فيه المجال، ولا يقوم عليه دليل، فيمكن فيه الرد، فأخبر عنه سبحانه على طريق الاستئناف بقوله: {قال فما} أي تسبب عما تضمن هذا من نسبة ربك إلى العلم بكل موجود أني أقول لك: فما {بال} أي خبر {القرون الأولى*} الذي هو في العظمة بحيث إنه ما خالط أحداً إلى أحاله وأماله، وهو وأن كان حيدة، هو من أمارات الانقطاع، غير أنه فعل راسخ القدم في المكر والخداع. ولما فهم عنه موسى عليه السلام ما أراد أن ترتب على الخوض في ذلك مما لا طائل تحته من الرد والمطاولة، ولم تكن التوراة نزلت عليه إذ ذاك، وإنما نزلت بعد هلاك فرعون لم يمش معه في ذلك {قال} قاطعاً له عنه: {علمها عند ربي} أي المحسن إليّ بإرسالي وتلقيني الحجاج. ولما كانت عادة المخلوقين إثبات الأخبار في الكتب، وكان تعالى قد وكل بعباده من ملائكته من يضبط ذلك، قال مخاطباً له بما يعرفون من أحوالهم: {في كتاب} أي اللوح المحفوظ. ولما كان ربما وقع في وهم واهم أن الكتاب لا يكون إلاخوفاً من نسيان الشيء أو الجهل بالتوصل إليه مع ذكر عينه، نفى ذلك بقوله: {لا يضل ربي} أي الذي رباني كما علمت ونجاتي من جميع ما قصدتموه لي من الهلاك ولم يضل عن وجه من وجوهه، ولا نسي وجهاً يدخل منه شيء من خلل {ولا ينسى*} أي لا يقع منه نسيان لشيء أصلاً من أخباره ولا لغيرهم، وفي ذلك إشارة إلى تبكيت اليهود بأن ثبوت النبوة إن كان يتوقف على أن يخبر النبي عن كل ما يسأل عنه لزم أن يتوقفوا في نبوة نبيهم عليه السلام لأنه لم يخبر فرعون عما سأله عنه من أمر القرون؛ ثم وصل بذلك ما كان فيه قبل من الدليل العقلي على وحدة الصانع واختياره فقال: {الذي جعل لكم} أيها الخلائق {الأرض} أي أكثرها {مهداً} تفترشونها، وجعل بعضها جبالاً لا يمكن القرار عليها، وبعضها رخواً تسرح فيه الأقدام وبعضها جلداً - إلى غير ذلك مما تشاهدون فيها من الاختلاف {وسلك لكم فيها سبلاً} أي سهّل طرقاً تسلكونها في أراضي سهلة وحزنة وسطها بين الجبال والأودية والرمال، وهيأ لكم فيها من المنافع من المياه والمراعي ما يسهل ذلك، وجعل فيها ما لا يمكن استطراقه أصلاً، من أن نسبة الكل إلى الطبيعة واحدة، فلولا أن الفاعل واحد مختار لم يكن هذا التفاوت وعلى هذا النظام البديع {وأنزل من السماء ماء} تشاهدونه واحداً في اللون والطعم. ولما كان ما ينشأ عنه أدل على العظمة وأجلى للناظر وأظهر للعقول. استغرق صلى الله عليه وسلم في بحار الجلال، فاستحضر أن الآمر له بهذا الكلام هو المتكلم به في الحقيقة فانياً عن نفسه وعن جميع الأكوان، فعبر عن ذلك، عادلاً عن الغيبة إلى لفظ المتكلم المطاع بما له من العظمة بقوله: {فأخرجنا} أي بما لنا من العظمة التي تنقاد لها الأشياء المختلفة {به أزواجاً} أي أصنافاً متشاكلة ليس فيها شيء يكون واحداً لا شبيه له {من نبات شتى*} أي مختلفة جداً في الألوان والمقادير والمنافع والطبائع والطعوم؛ ثم أشار إلى تفصيل ما فيها من الحكمة بقوله حالاً من فاعل {أخرجنا} : {كلوا} أي ما دبره لكم بحكمته منها {وارعوا} أي سرحوا في المراعي {أنعامكم} ما أحكمه لها ولا يصلح لكم، فكان من متقن تدبيره أن جعل أرزاق العباد بعملها تنعيماً لهم، وجعل علفها مما يفضل عن حاجتهم، ولا يقدرون على أكله، وقد دلت هذه الأوصاف على تحققه سبحانه قطعاً بأنه لا يضل ولا ينسى من حيث إنه تعالى أبدع هذا العالم شاملاً لكل ما يحتاجه من فيه لما خلقهم له من السفر إليه والعرض عليه في جميع تقلباتهم على اختلافها، وتباين أصنافها، وتباعد أوصافها، وعلى كثرتهم، وتنائي أمزجتهم، ولم يدعه ناقصاً من شيء من ذلك بخلاف غيره، فإنه لو عمل شيئاً واجتهد كل الاجتهاد في تكميله فلا بد أن يظهر له فيه نقص ويصير يسعى في إزالته وقتاً بعد وقت. ولما كمل هذا البرهان القويم، دالاً على العليم الحكيم، قال منبهاً على انتشار أنواره، وجلالة مقداره، مؤكداً لأجل إنكار المنكرين: {إن في ذلك} أي الإنشاء هذه الوجوه المختلفة {لآيات} على منشئه {لأولي النهى *} العقول التي من شأنها أن تنهى صاحبها عن الغيّ، ومن عمي عن ذلك فلا عقل له أصلاً لأن عقله لم ينفعه، وما لا ينفع في حكم العدم، وذكر ابن كثير هنا ما عزاه ابن إسحاق في السيرة لزيد بن عمرو بن نفيل، وابن هشام لأمية بن أبي الصلت: شعر : وأنت الذي من فضل منّ ورحمة بعثت إلى موسى رسولاً منادياً فقلت ألا يا اذهب وهارون فادعوا إلى الله فرعون الذي كان باغيا فقولا له آأنت سويت هذه بلا وتد حتى استقلت كما هيا وقولا له آأنت رفعت هذه بلا عمد أرفق إذن بك بانيا وقولا له آأنت سويت وسطها منيراً إذا ما جنه الليل هاديا وقولا له من يخرج الشمس بكرة فيصبح ما مست من الزرع ضاحيا وقولا له من ينبت الحب في الثرى فيخرج منه البقل يهتز رابيا ويخرج منه حبه في رؤوسه وفي ذاك آيات لمن كان واعيا
ابو السعود
تفسير : {قَالاَ رَبَّنَا} أُسند القولُ إليهما مع أن القائلَ حقيقةً هو موسى عليه الصلاة والسلام بطريق التغليبِ إيذاناً بأصالته في كل قولٍ وفعلٍ وتبعيّةِ هارونَ عليه السلام له في كل ما يأتي ويذر، ويجوز أن يكون هارونُ قد قال ذلك بعد تلاقيهما فحَكى ذلك مع قول موسى عليه السلام عند نزولِ الآية كما في قوله تعالى: { أية : يـٰأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ ٱلطَّيّبَـٰتِ} تفسير : [المؤمنون: 51] فإن هذا الخطابَ قد حُكي لنا بصيغة الجمع مع أن كلاًّ من المخاطَبـين لم يخاطَب إلا بطريق الانفرادِ ضرورةَ استحالةِ اجتماعِهم في الوجود فكيف باجتماعهم في الخطاب {إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا} أي يعجَلَ علينا بالعقوبة ولا يصبِرَ إلى إتمام الدعوةِ وإظهارِ المعجزة من فرَط إذا تقدّم ومنه الفارِطُ وفرسٌ فارِطٌ يسبِق الخيلَ، وقرىء يُفرِطَ من أفرطه إذا حمله على العجلة، أي نخاف أن يحمِله حاملٌ من الاستكبار أو الخوف على المُلك أو غيرهما على المعاجلة بالعقاب {أَوْ أَن يَطْغَىٰ} أي يزداد طغياناً إلى أن يقول في شأنك ما لا ينبغي لكمال جراءتِه وقساوته، وإطلاقُه من حسن الأدب، وإظهارُ كلمة أن مع سَداد المعنى بدونه لإظهار كمالِ الاعتناء بالأمرِ والإشعارِ بتحقق الخوفِ من كل منهما. {قَالَ} استئنافٌ مبني على السؤال الناشىءِ من النظم الكريم، ولعل الفعلَ إسنادٌ إلى ضمير الغَيبة للإشعار بانتقال الكلامِ من مَساق إلى مساقٍ آخرَ، فإن ما قبله من الأفعال الواردةِ على صيغة التكلم حكايةٌ لموسى عليه السلام بخلاف ما سيأتي من قوله تعالى: { أية : قُلْنَا لاَ تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلأعْلَىٰ} تفسير : [طه: 68] فإن ما قبله أيضاً واردٌ بطريق الحكاية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، كأنه قيل: فماذا قال لهما ربُّهما عند تضرُّعِهما إليه؟ فقيل: قال: {لاَ تَخَافَا} ما توهمتما من الأمرين وقوله تعالى: {إِنَّنِى مَعَكُمَا} تعليلٌ لموجب النهي ومزيدُ تسليةٍ لهما، والمرادُ بالمعية كمالُ الحفظ والنُّصرة كما ينبىء عنه قوله تعالى: {أَسْمَعُ وَأَرَىٰ} أي ما يجري بـينكما وبـينه من قول وفعلٍ فأفعلُ في كل حال ما يليق بها من دفع ضُرّ وشر وجلب نفعٍ وخير. ويجوز أن لا يُقدَّر شيءٌ، على معنى أنني حافظُكما سميعاً بصيراً والحافظ الناصرُ إذا كان كذلك فقد تم وبلغت النُّصرةُ غايتها {فَأْتِيَاهُ} أُمِرا بإتيانه الذي هو عبارةٌ عن الوصول إليه بعد ما أمرا بالذهاب إليه فلا تكرار، وهو عطف على لا تخافا باعتبار تعليلِه بما بعده {فَقُولا إِنَّا رَسُولاَ رَبّكَ} أُمرا بذلك تحقيقاً للحق من أول الأمر ليعرِف الطاغيةُ شأنَهما ويبني جوابُه عليه، وكذا التعرّضُ لربوبـيته تعالى له والفاء في قوله تعالى: {فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِى إِسْرٰءيلَ} لترتيب ما بعدها على ما قبلها فإن كونَهما رسوليْ ربِّه مما يوجب إرسالَهم معهما، والمرادُ بالإرسال إطلاقُهم من الأسر والقسر وإخراجُهم من تحت يدِه العاديَةِ لا تكليفُهم أن يذهبوا معهما إلى الشام كما ينبىء عنه قوله تعالى: {وَلاَ تُعَذّبْهُمْ} أي بإبقائهم على ما كانوا عليه من العذاب فإنهم كانوا تحت مَلَكَة القِبْط يستخدمونهم في الأعمال الصعبة الفادحة من الحفر ونقْلِ الأحجار وغيرهما من الأمور الشاقةِ، ويقتُلون ذكورَ أولادِهم عاماً دون عام ويستخدمون نساءَهم، وتوسيطُ حكمِ الإرسال بـين بـيان رسالتِهما وبـين ذكرِ المجيء بآية دالةٍ على صحتها لإظهار الاعتناءِ به مع ما فيه من تهوين الأمرِ على فرعون، فإن إرسالَهم معهما من غير تعرّض لنفسه وقومِه بفنون التكاليف الشاقةِ كما هو حكمُ الرسالة عادةً ليس مما يشُقّ عليه كلَّ المشقة، ولأن في بـيان مجيءِ الآية نوعَ طُولٍ كما ترى، فتأخيرُ ذلك عنه مُخِلٌّ بتجاوب أطرافِ النظمِ الكريم، وأما ما قيل من أن ذلك دليلٌ على أن تخليصَ المؤمنين من الكفرة أهمُّ من دعوتهم إلى الإيمان فكلاّ. {قَدْ جِئْنَـٰكَ بِـئَايَةٍ مّن رَّبّكَ} تقريرٌ لما تضمنه الكلامُ السابق من دعوى الرسالةِ وتعليلٌ لوجوب الإرسالِ، فإن مجيئَهما بالآية من جهته تعالى مما يحقق رسالتَهما ويُقِرّها ويوجب الامتثالَ بأمرهما، وإظهارُ اسمِ الربِّ في موضع الإضمار مع الإضافة إلى ضمير المخاطبِ لتأكيد ما ذكر من التقرير والتعليل، وتوحيدُ الآيةِ مع تعدّدها لأن المرادَ إثباتُ الدعوى ببرهانها لا بـيانُ تعدّد الحجةِ وكذلك قوله تعالى: { أية : قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيّنَةٍ} تفسير : [الأعراف: 105] وقولُه تعالى: { أية : أَوَ لَوْ جِئْتُكَ بِشَىء مُّبِينٍ} تفسير : [الشعراء: 30] وأما قوله تعالى: { أية : فَأْتِ بِآيَةٍ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ} تفسير : [الشعراء: 154] فالظاهرُ أن المرادَ بها آيةٌ من الآيات {وَٱلسَّلَـٰمُ} المستتبِعُ لسلامة الدارين من الله تعالى والملائكةِ وغيرهم من المسلمين {عَلَىٰ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلْهُدَىٰ} بتصديق آياتِ الله تعالى الهاديةِ إلى الحق، وفيه من ترغيبه في اتباعهما على ألطف وجهٍ مالا يخفىٰ.
القشيري
تفسير : في الآية دليلٌ على أَنَّ الخوفَ الذي تقتضيه جَبْلَةُ الإنسانِ غيرُ ملومٍ صاحبُه عليه، حيث قال مثل موسى ومثل هارون عليهما السلام: {إِنَّنَا نَخَافُ}. ثم إنَّه سبحانه سَكَّنَ ما بهما من الخوف بوعد النصرة لهما. ويقال لم يخافا على نَفْسَيْهِما شفقةً عليهما، ولكن قالا: إننا نخاف أن تحل بنا مكيدةٌ من جهته، فلا يحصل فيما تأمرنا به قيامٌ بأمرك، فكان ذلك الخوفُ لأجل حقِّ الله لا لأَجْلِ حظوظ أنفسهما. ويقال لم يخافا من فرعون، ولكن خافا من تسليط الله إياه عليهما، ولكنهما تَأَدَّبا في الخطاب.
اسماعيل حقي
تفسير : {قالا ربنا} قال فى الارشاد اسند القول اليهما مع ان القائل حقيقة وهو موسى بطريق التغليب ايذانا باصالته فى كل قول وفعل وتبعية هارون له فى كل ما يأتى وما يذر - وروى - ان موسى انطلق من الطور الى جانب مصر لا علم له بالطريق وليس له زاد ولا حمولة ولا صحبة ولا شئ الا العصا يظل صاديا ويبيت طاويا يصيب من ثمار الارض ومن الصيد شيئا قليلا حتى ورد ارض مصر. قال الكاشفى [جون بمصر توجه فرمود وحى آمد بهارون كه باستقبال برادر براه مدين دوان شود بس در اثناى طريق ملاقات فرمودند وموسى شرح احوال بتمامى باز كفت هارون كفت اى برادر شوكت وعظمت ازانجه ديده زيادة شد وبأدنى سبى حكم بقطع وقتل وصلب ميكند موسى انديشناك شد وهردو برادر باتفاق كفتند اى بروردكار ما]{اننا نخاف} الخوف توقع مكروه عن امارة مظنونة او معلومة كما ان الرجاء والطمع توقع محبوب عن امارة مظنونة او معلومة ويضاد الخوف الا من ويستعمل ذلك فى الامور الدنيوية والاخروية قال تعالى {أية : ويرجون رحمته ويخافون عذابه}تفسير : والخوف من الله لا يراد به ما يخطر بالبال من الرعب كاستشعار الخوف من الاسد بل انما يراد به الكف عن المعاصى واختيار الطاعات {ان يفرط علينا} من فرط اذا تقدم تقدما بالقصد ومنه الفارط الى الماء اى المتقدم لاصلاح الدلواى يعجل علينا بالعقوبة ولا يصبر الى اتمام الدعوة واظهار المعجزة فيتعطل المطلوب من الارسال اليه. وقرئ يفرط من الافراط فى الاذية. فان قلت كيف هذا الخوف وقد علما انهما رسولا رب العزة اليه. قلت جريا على الخوف الذى هو مجبول فى طينة بنى آدم كما فى التأويلات النجمية يشير الى ان الخوف مركوز فى جبلة الانسان حتى انه لو بلغ مرتبة النبوة والرسالة فانه لا يخرج الخوف من جبلته كما قال {ربنا اننا نخاف ان يفرط علينا} يعنى ان يقتلنا ولكن الخوف ليس بجهة القتل وانما نخاف فوات عبوديتك بالقيام لاداء الرسالة والتبليغ كما امرتنا او يتمرد بجهله ولا ينقاد لاوامرك ويسبك انتهى {او ان يطغى} اى يزداد طغيانا الى ان يقول فى شأنك ما لا ينبغى لكمال جراءته وقساوته واطلاقه حيث لم يقل عليك من حسن الادب ولما كان طغيانه فى حق الله اعظم من افراطه فى حقهما ختم الكلام به فان المتمسك بالاعذار يؤخر الاقوى ونحوه ختم الهدهد بقوله {أية : وجدتها وقومها يسجدون للشمس } تفسير : يقول الفقير يجوز ان يكون المراد يطغى علينا اى يجاوز الحد فى الاساءة الينا الا انه حذف الجار والمجرور رعاية للفواصل كما حذف المفعول لذلك فى قوله {أية : ما ودعك ربك وما قلى}تفسير : واظهار ان مع سداد المعنى بدونه للاشعار بتحقق الخوف من كل منهما.
الطوسي
تفسير : لما امر الله موسى وهارون (ع) أن يمضيا الى فرعون ويدعواه الى الله {قالا إننا نخاف أن يفرط علينا} ومعناه ان يتقدم فينا بعذاب، ويعجل علينا، ومنه الفارط المتقدم امام القوم الى الماء، قال الشاعر: شعر : قد فرط العجل علينا وعجل تفسير : ومنه الافراط الاسراف، لانه تقدم بين يدي الحق. والتفريط التقصير فى الأمر، لأنه تأخير عما يجب فيه التقدم. فالأصل فيه التقدم {أو أن يطغي} أو يعتوا علينا ويتجبر، فقال الله تعالى لهما {لا تخافا} ولا تخشيا {إنني معكما} أي عالم بأحوالكما، لا يخفى علي شيء من ذلك. وإني ناصر لكما، وحافظ لكما {أسمع} ما يقول لكما {وأرى} ما يفعل بكما. وقال ابن جريج {إنني معكما أسمع} ما يحاوركما به {وأرى} ما تجيئان به. فالسامع هو المدرك للصوت. والرائي المدرك للمريئات. ثم امرهما بأن ياتياه، ويقولا له {إنا رسولا ربك} بعثنا الله اليك والى قومك لندعوكم الى توحيد الله واخلاص عبادته، ويأمرك أن ترسل {معنا بني اسرائيل} اي تخليهم وتفرج عنهم، وتطلقهم من اعتقالك {ولا تعذبهم قد جئناك بآية من ربك} اي بمعجزة ظاهرة، ودلالة واضحة من عند ربك {والسلام} يعني السلامة والرحمة {على من اتبع} طريق الحق و {الهدى}، و {على} بمعنى اللام وتقديره السلامة لمن اتبع. والمعنى ان من اتبع طريق الهدى سلم من عذاب الله. وقوله {إنا قد أوحي إلينا} معناه قولا: {إنا قد أوحي إلينا أن العذاب على من كذب} بآيات الله واعرض عن اتباعها. وفى الكلام محذوف، وتقديره فاتياه فقولا له ذلك. قال {فمن ربكما يا موسى} وقيل: انه: قال فمن ربكما؟ على تغليب الخطاب، والمعنى فمن ربك وربه يا موسى، فقال موسى مجيباً له {ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى} ومعناه أعطى كل شيء حي صورته التي قدر له ثم هداه الى مطعمه ومشربه ومسكنه ومنكحه، الى غير ذلك من ضروب هدايته - في قول مجاهد - وقيل: معناه أعطى كل شيء مثل خلقه من زوجة، ثم هداه لمنكحه من غير أن رأى ذكراً اتى انثى قبل ذلك. وحذف المضاف واقام المضاف اليه مقامه وغير ذلك من هدايته. وقرأ نصير عن الكسائي "خلقه" بفتح اللام والخاء، على انه فعل ماض. الباقون بسكونها على انه مفعول به. والمعنى إنه خلق كل شيء على الهيئة التي بها ينتفع والتي هي أصلح الخلق له، ثم هداه لمعيشته ومنافعه لدينه ودنياه،
الجنابذي
تفسير : {قَالاَ} يعنى قال موسى (ع) قالاً وهارون (ع) حالاً، او قال موسى (ع) وضمير التّثنية للتّغليب، او قالا بعد رجوع موسى (ع) الى مصر واعلام هارون (ع) بالرّسالة {رَبَّنَآ إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَآ} اى يسبقنا ويسبق آياتنا بقوّته وعقوبته او يسرف علينا، وقرئ يفرط مبنيّاً للمفعول و للفاعل من افرطه اذا حمله على المعاجلة، او من افرط اذا اسرف {أَوْ أَن يَطْغَىٰ} يعنى نخاف من قساوته وعن ملكه ان يسبقنا بالعقوبة، او يظهر بالنّسبة اليك مالا نرضاه ولا نتحمّله.
الأعقم
تفسير : {قالا ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا} أي يسرف ويجاوز الحد، وقيل: بالقتل والعقوبة {قال لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى} بينكما وبينه من قول وفعل، وكأنه قيل: أنا حافظ لكما وناصر سامع مبصر {فأتياه فقولا إنا رسولا ربك} ندعوك اليه {فأرسل معنا بني إسرائيل ولا تعذبهم} بذبح الأبناء، والإِستعباد للرجال واستحياء النساء {قد جئناك بآية من ربك} اليد والعصا {والسلام على من اتَّبع الهدى} يريد سلام الملائكة الذين هم خزنة الجنة على المهتدين {إنا قد أوحي إلينا أن العذاب على من كذَّب وتولَّى} أي أن العذاب على من كذَّب الرسل وتولَّى أعرض عن الحق {قال فمن ربكما يا موسى قال} موسى {ربَّنا الذي أعطى كل شيء خلقه} يعني أعطى كل شيء صلاحه وهداه لما يصلحه، وقيل: اليد للبطش، والرجل للمشي، واللسان للنطق، والعين للبصر، وكذلك الأنف واليد والرجل، والأزواج: البعير للناقة والرجل للمرأة، فلم يزاوج منها شيء غير جنسه، قوله تعالى: {قال} فرعون {فما بال القرون الأولى} يعني فما حال الأمم الماضية في العقاب والثواب؟ وقيل: فيما دعوت الله، وقيل: في إعادة القرون ومتى يكون؟ {قال} موسى {علمها عند ربي في كتاب} محفوظ، عند الله في اللوح المحفوظ، وقيل: أراد بالكتاب ما تكتبه الملائكة {لا يضل ربي ولا ينسى} يعني لا يضل لا يذهب عليه شيء، ولا ينسى من النسيان. وقيل: هما واحد، عن ابن عباس: لا يترك من كفر به حتى ينتقم منه ولا يترك من وحّده حتى يجازيه {الذي جعل لكم الأرض مهاداً} يتصل بما قبله من دلائل التوحيد، يعني جعل الأرض للعباد فراشاً، وكذلك جعل {لكم فيها سبلاً} طرقاً للذهاب والمحجة في أكنافها {وأنزل من السماء ماءً فأخرجنا به أزواجاً} أصنافاً سميت بذلك لأنها مزدوجة مقترنة بعضها مع بعض، وهذا: {أية : هو الذي أنزل من السماء ماءً فأخرجنا به نبات كل شيء} تفسير : [الأنعام: 99]{أية : ألم ترَ أن الله أنزل من السماء ماءً فأخرجنا به ثمرات مختلفاً ألوانها} تفسير : [فاطر: 27] {من نبات شتّى} يعني مختلف الألوان والطعوم والمنافع، منها ما يصلح للناس ومنها ما يصلح للدواب، ثم بيَّن تعالى أن هذا لمنافع العباد، فقال سبحانه: {كلوا وارعوا أنعامكم} يعني تأكلوا بعضها وتعلفوا بعضها {إن في ذلك لآيات لأولي النهى}، قيل: الذين ينتهون عما حرّم الله، وقيل: لذوي الورع، وقيل: لذوي العقول {منها خلقناكم} أي من الأرص خلق أصلهم وهو آدم (عليه السلام)، وروي في الكشاف والحاكم أن الملك يأخذ من تراب المكان الذي يدفن فيه فيذره على النطفة فيخلق من التراب والنطفة فذلك قوله تعالى: {منها خلقناكم وفيها نعيدكم} في الأرض عند الموت {ومنها نخرجكم تارة أخرى} عند البعث {ولقد أريناه آياتنا كلها}، قال جار الله: الإِشارة إلى الآيات المعلومة التي هي التسع المختصة بموسى (عليه السلام): العصا واليد، وفلق البحر، والحجر، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، ونتق الجبل، فكذَّب بها جميعاً وأبى أن يقبل الحق، ثم نسب ما جاء به موسى إلى السحر تلبيساً على قومه فقال: {أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك يا موسى} {فلنأتينّك بسحر مثله} أي بمثل ما أتيت {فاجعل بيننا وبينك موعداً} للوقت الذي تلقي فيه {لا نخلفه نحن ولا أنت مكاناً سوىً} مستوياً بين الناس، وقيل: وسطا بين الفريقين {قال} موسى {موعدكم يوم الزينة}، قيل: كان يوم عيد يتزينون، وقيل: يوم عاشوراء عن ابن عباس {وأن يحشر الناس ضحى} وقت الضحى يجتمع الناس نهاراً جهاراً فترون ما يجري بيننا فيكون أبلغ في الحجة.
اطفيش
تفسير : {قَالاَ} موسى وهارون: {رَبَّنَا إنَّنا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا} أن يعجل بالعقوبة قبل تمام الدعوة وإظهار المعجزة. ومنه الفارط والفَرَط: الذى يسبق إلى الماء يهيئه لأصحابه. وقول المصلى على الطفل: اللهم اجعله لنا فَرَطاً. وفرس فَرَط: يسبق الخيل. والمراد بالعقوبة: القَتل أو ما دونه. {أَوْ أَنْ يَطْغَى} يجاوز الحد فى الإساءة بأن يعذبهما ثم يقتلهما أو يثقلهما شر قتلة أو يعذبهما عذاباً شديدا بلا قتل، أو نخاف أن يعاقبنا بشئ أو أن يقتلنا أو المراد بالطغيان: أن يقول فى الله تعالى ما لا ينبغى لجرأته وقسوته. وفى التعبير عن لفظ ما يقوله بالطغيان أدب وتنزه عن النطق بالعظيمة. وقرئ يُفْرَطَ بالبناء للمفعول من أفرطه غيره، أى نخاف أن يحمله حامل على المعاجلة بالعقوبة من شيطان إنسى من القبط أو غيرهم أو جنى أو من نفسه لجبروته واستكباره وادعائه الربوبية وحب الرياسة. وقرئ يُفْرِط بضم الياء وكسر الراء مبنيًّا للفاعل من الإفراط اللازم بمعنى المبالغة فى الأذى والطغيان بعده أشد.
الالوسي
تفسير : {قَالاَ } استئناف بياني كأنه قيل: فماذا قالا حين أمرا بما أمرا؟ فقيل: {قَالاَ } الخ، وأسند القول إليهما مع أن القائل هو موسى عليه السلام على القول بغيبة هارون عليه السلام للتغليب كما مر. ويجوز أن يكون هارون عليه السلام قد قال ذلك بعد اجتماعه مع موسى عليه السلام فحكى قوله مع قول موسى عند نزول الآية كما في قوله تعالى: {أية : يا أَيُّهَا ٱلرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ ٱلطَّيّبَـٰتِ } تفسير : [المؤمنون: 51] فإن هذا الخطاب قد حكي لنا بصيغة الجمع مع أن كلاً من المخاطبين لم يخاطب إلا بطريق الانفراد، وجوز كونهما مجتمعين عند الطور وقالا جميعاً {رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا } أي أن يعجل علينا بالعقوبة ولا يصبر إلى إتمام الدعوة وإظهار المعجزة من فرط إذا تقدم، ومنه الفارط المتقدم للمورد والمنزل، وفرس فارط يسبق الخيل، وفاعل {يَفْرُطَ } على هذا فرعون، وقال أبو البقاء: يجوز أن يكون التقدير أن يفرط علينا منه قول فأضمر القول كما تقول فرط مني قول وهو خلاف الظاهر. وقرأ يحيـى وأبو نوفل وابن محيصن في رواية {يَفْرُطَ } بضم الياء وفتح الراء من أفرطته إذا حملته على العجلة أي نخاف أن يحمله حامل من الاستكبار أو الخوف على الملك أو غيرهما على المعاجلة بالعقاب. وقرأت فرقة والزعفراني عن ابن محيصن {يفرطَ } بضم الياء وكسر الراء من الإفراط في الأذية. واستشكل هذا القول مع قوله تعالى: {أية : سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَـٰناً فَلاَ يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا } تفسير : [القصص: 35] فإنه مذكور قبل قولهما هذا بدلالة {سَنَشُدُّ } وقد دل على أنهما محفوظان من عقوبته وأذاه فكيف يخافان من ذلك. وأجيب: بأنه لا يتعين أن يكون المعنى لا يصلون بالعقوبة لجواز أن يراد لا يصلون إلى إلزامكما بالحجة مع أن التقدم غير معلوم ولو قدم في الحكاية لا سيما والواو لا تدل على ترتيب، والتفسير المذكور مأثور عن كثير من السلف منهم ابن عباس ومجاهد وهو الذي يقتضيه الظاهر، وزعم الإمام أنهما قد أمنا وقوع ما يقطعهما عن الأداء بالدليل العقلي إلا أنهما طلبا بما ذكر ما يزيد في ثبات قلوبهما بأن ينضاف الدليل النقلي إلى الدليل العقلي وذلك نظير ما وقع لإبراهيم عليه السلام من قوله: {أية : رَبّ أَرِنِى كَيْفَ تُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ } تفسير : [البقرة: 260] ولا يخفى أن في دعوى علمهما بالدليل العقلي عدم وقوع ما يقطعهما عن الأداء بحثاً. واستشكل أيضاً حصول الخوف لموسى عليه السلام بأنه يمنع عن حصول شرح الصدر له الدال على تحققه قوله تعالى بعد سؤاله إياه {أية : قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يٰمُوسَىٰ} تفسير : [طه: 36]. وأجاب الإمام بأن شرح الصدر عبارة عن قوته على ضبط تلك الأوامر والنواهي وحفظ تلك الشرائع على وجه لا يتطرق / إليها السهو والتحريف وذلك شيء آخر غير زوال الخوف. وأنت تعلم أن كثيراً من المفسرين ذهبوا إلى أن شرح الصدر هنا عبارة عن توسيعه وهو عبارة عن عدم الضجر والقلق القلبـي مما يرد من المشاق في طريق التبليغ وتلقي ذلك بجميل الصبر وحسن الثبات. وأجيب على هذا بأنه لا منافاة بين الخوف من شيء والصبر عليه وعدم الضجر منه إذا وقع، ألا ترى كثيراً من الكاملين يخافون من البلاء ويسألون الله تعالى الحفظ منه وإذا نزل بهم استقبلوه بصدر واسع وصبروا عليه ولم يضجروا منه. وقيل: إنهما عليهما السلام لم يخافا من العقوبة إلا لقطعها الأداء المرجو به الهداية فخوفهما في الحقيقة ليس إلا من القطع وعدم إتمام التبليغ ولم يسأل موسى عليه السلام شرح الصدر لتحمل ذلك. واستشكل بأن موسى عليه السلام كان قد سأل وأوتي تيسير أمره بتوفيق الأسباب ورفع الموانع فكيف يخاف قطع الأداء بالعقوبة. وأجيب بأن هذا تنصيص على طلب رفع المانع الخاص بعد طلب رفع المانع العام وطلب للتنصيص على رفعه لمزيد الاهتمام بذلك. وقيل: إن في الآية تغليباً منه لأخيه هارون على نفسه عليهما السلام ولم يتقدم ما يدل على أمنه عليه فتأمل، واستشكل أيضاً عدم الذهاب والتعلل بالخوف مع تكرر الأمر بأنه يدل على المعصية وهي غير جائزة على الأنبياء عليهم السلام على الصحيح. وأجاب الإمام بأن الدلالة مسلمة لو دل الأمر على الفور وليس فليس، ثم قال: وهذا من أقوى الدلائل على أن الأمر لا يقتضي الفور إذا ضممت إليه ما يدل على أن المعصية غير جائزة على الأنبياء عليهم السلام. و {أَوْ } في قوله تعالى: {أَوْ أَن يَطْغَىٰ } لمنع الخلو، والمراد أو أن يزداد طغياناً إلى أن يقول في شأنك ما لا ينبغي لكمال جراءته وقساوته وإطلاقه من حسن الأدب، وفيه استنزال لرحمته تعالى، وإظهار كلمة أن مع سداد المعنى بدونه لإظهار كمال الاعتناء بالأمر والإشعار بتحقق الخوف من كل من المتعاطفين.
ابن عاشور
تفسير : فصلت الجملتان لوقوعهما موقع المحاورة بين موسى مع أخيه وبين الله تعالى على كلا الوجهين اللذين ذكرناهما آنفاً، أي جمعا أمرهما وعزم موسى وهارون على الذهاب إلى فرعون فناجيا ربّهما {قَالاَ رَبَّنا إنَّنا نَخَافُ أن يَفْرُطَ عَلَيْنَا أو أن يَطْغَىٰ}، لأنّ غالب التفكير في العواقب والموانع يكون عند العزم على الفعل، والأخذِ في التهيُّؤ له، ولذلك أُعيد أمرهما بقوله تعالى: {فَأْتِيَاهُ}. و {يَفْرُطَ} معناه يعجّل ويسبق، يقال: فَرط يفرُط من باب نصر. والفارط: الذي يسبق الواردة إلى الحوض للشرب. والمعنى: نخاف أن يعجّل بعِقابنا بالقتل أو غيره من العقوبات قبل أن نبلُغه ونحجّه. والطغيان: التظاهر بالتكبر. وتقدم آنفاً عند قوله {أية : اذهب إلى فرعون إنه طغى}تفسير : [طه: 24]، أي نخاف أن يُخامره كبره فيعدّ ذكرنا إلهاً دونه تنقيصاً له وطعْناً في دعواه الإلهية فيطغى، أي يصدر منه ما هو أثر الكبر من التحقير والإهانة. فذكر الطغيان بعد الفَرط إشارة إلى أنّهما لا يطيقان ذلك، فهو انتقال من الأشدّ إلى الأضعف لأن {نخاف} يؤول إلى معنى النفي. وفي النفي يذكر الأضعف بعد الأقوى بعكس الإثبات ما لم يوجد ما يقتضي عكس ذلك. وحذف متعلّق {يَطْغَىٰ} فيحتمل أن حذفه لدلالة نظيره عليه، وأوثر بالحذف لرعاية الفواصل. والتقدير: أو أن يطغى علينا. ويحتمل أن متعلّقه ليس نظير المذكور قبله بل هو متعلّق آخر لكون التقسيم التقديري دليلاً عليه، لأنهما لما ذكر متعلّق {يفرط علينا} وكان الفَرْط شاملاً لأنواع العقوبات حتى الإهانة بالشتم لزم أن يكون التقسيم بأو منظوراً فيه إلى حالة أخرى وهي طغيانه على من لا يناله عقابه، أي أن يطغى على الله بالتنقيص كقوله: {أية : ما علمت لكم من إلٰه غيري}تفسير : [القصص: 38] وقوله: {أية : لعليّ اطّلِعُ إلى إله موسى}تفسير : [القصص: 38]، فحذف متعلق {يطغى} حينئذ لتنزيهه عن التصريح به في هذا المقام. والتقدير: أو أن يطغى عليك فيتصلّب في كفره ويعسر صرفه عنه. وفي التحرز من ذلك غيرة على جانب الله تعالى، وفيه أيضاً تحرز من رسوخ عقيدة الكفر في نفس الطاغي فيصير الرجاء في إيمانه بعد ذلك أضعف منه فيما قبل، وتلك مفسدة في نظر الدّين. وحصلت مع ذلك رعاية الفاصلة. قال الله {لاَ تَخَافَا}، أي لا تخافا حصول شيء من الأمرين، وهو نهي مكنى به عن نفي وقوع المنهي عنه. وجملة {إنَّنِي مَعَكُمَا} تعليل للنهي عن الخوف الذي هو في معنى النفي، والمعيّة معيّة حفظ. و {أسْمَعُ وأرىٰ} حالان من ضمير المتكلم، أي أنا حافظكما من كل ما تخافانه، وأنا أعلم الأقوال والأعمال فلا أدَعُ عمَلاً أو قولاً تخافانه. ونزل فعلاَ {أسْمَعُ وأرَىٰ} منزلة اللازمين إذ لا غرض لبيان مفعولهما بل المقصود: أني لا يخفى عليّ شيء. وفرع عليه إعادة الأمر بالذهاب إلى فرعون. والإتيان: الوُصول والحلول، أي فحُلاّ عنده، لأنّ الإتيان أثر الذهاب المأمور به في الخطاب السابق، وكانا قد اقتربا من مكان فرعون لأنهما في مدينته، فلذا أمِرا بإتيانه ودعوته. وجاءت تثنية رسول على الأصل في مطابقة الوصف الذي يجري عليه في الإفراد وغيره. وفَعول الذي بمعنى مفعول تجوز فيه المطابقة، كقولهم ناقة طروقَة الفَحل، وعدم المطابقة كقولهم: وَحشية خلوج، أي اختُلج ولدُها. وجاء الوجهان في نحو (رسول) وهما وجهان مستويان. ومن مجيئه غير مطابق قوله تعالى في سورة الشعراء (16): {أية : فأتِيا فرعون فقولا إنا رسولُ ربّ العالمين} تفسير : وسيجيء تحقيق ذلك هنالك إن شاء الله. وأدخل فاء التفريع على طَلب إطلاق بني إسرائيل لأنّه جعل طلب إطلاقهم كالمستقرّ المعلوم عند فرعون؛ إما لأنّه سبقت إشاعَة عزمهما على الحضور عند فرعون لذلك المطلب، وإما لأنه جعله لأهميته كالمقرّر. وتفريع ذلك على كونهما مرسلَيْن من الله ظاهر، لأنّ المرسل من الله تجب طاعته. وخصّا الربّ بالإضافة إلى ضمير فرعون قصداً لأقصى الدعوة، لأنّ كون الله ربّهما معلوم من قولهما {إنَّا رَسُولاَ رَبّكَ} وكونه ربّ الناس معلوم بالأحْرى لأنّ فرعون علّمهم أنه هو الرب. والتعذيب الذي سألاه الكفّ عنه هو ما كان فرعون يسخّر له بني إسرائيل من الأعمال الشاقّة في الخدمة، لأنه كان يعُدّ بني إسرائيل كالعبيد والخول جزاء إحلالهم بأرضه. وجملة {قَدْ جِئْنٰكَ بِآيَةٍ مِن رَبّك} فيها بيان لجملة {إنَّا رَسُولاَ رَبِّكَ} فكانت الأولى إجمالاً والثانية بياناً. وفيها معنى التعليل لتحقيق كونهما مرسلَيْن من الله بما يظهره الله على يد أحدهما من دلائل الصدق. وكلا الغرضين يوجب فصل الجملة عن التي قبلها. واقتصر على أنهما مصاحبان لآيةٍ إظهاراً لكونهما مستعدّيْن لإظهار الآية إذا أراد فرعون ذلك. فأما إن آمن بدون احتياج إلى إظهار الآية يكن إيمانه أكمل، ولذلك حكي في سورة الأعراف (106) قول فرعون: {أية : قال إن كنت جئت بآية فأْت بها إن كنت من الصادقين}تفسير : . وهذه الآية هي انقلاب العصا حيّة، وقد تبعتها آيات أخرى. والاقتصار على طلب إطلاق بني إسرائيل يدلّ على أن موسى أُرسل لإنقاذ بني إسرائيل وتكوين أمّة مستقلّة؛ بأن يبثّ فيهم الشريعة المصلحة لهم والمقيمة لاستقلالهم وسلطانهم، ولم يرسل لخطاب القبط بالشريعة ومع ذلك دعا فرعون وقومه إلى التوحيد لأنه يجب عليه تغيير المنكر الذي هو بين ظهرانيه. وأيضاً لأنّ ذلك وسيلة إلى إجابته طلب إطلاق بني إسرائيل. وهذا يؤخذ مما في هذه الآية وما في آية سورة الإسراء وما في آية سورة النازعات والآيات الأخرى. والسّلام: السلامة والإكرام. وليس المراد به هنا التحيّة، إذ ليس ثَمّ معيّن يقصد بالتحيّة. ولا يراد تحيّة فرعون لأنها إنما تكون في ابتداء المواجهة لا في أثناء الكلام، وهذا كحديث : قول النبي في كتابه إلى هرقل وغيره: أسلمْ تَسْلَمْتفسير : . و (على) للتمكّن، أي سلامة من اتبع الهدى ثابتة لهم دون ريب. وهذا احتراس ومقدمة للإنذار الذي في قوله {إنَّا قد أُوحِي إلينا أنَّ العَذابَ على مَن كَذَّبَ وتولَّى}، فقوله: {أية : والسلام على من اتّبع الهدى}تفسير : [طه: 47] تعريض بأن يطلب فرعون الهدى الذي جاء به موسى ــــ عليه السلام ــــ. وقوله {إنَّا قد أُوْحِيَ إلينا} تعريض لإنذاره على التكذيب قبل حصوله منه ليبلغ الرسالة على أتمّ وجه قبل ظهور رأي فرعون في ذلك حتى لا يجابهه بعد ظهور رأيهِ بتصريح توجيه الإنذار إليه. وهذا من أسلوب القول اللّين الذي أمرهما الله به. وتعريف {العَذَابَ} تعريف الجنس، فالمعرّف بمنزلة النكرة، كأنّه قيل: إنّ عذاباً على من كذّب. وإطلاق السّلام والعذاب دون تقييد بالدنيا أو الآخرة تعميم للبشارة والنذارة، قال تعالى في سورة النازعات (25، 26): {أية : فأخذه الله نكالَ الآخرة والأولى إنّ في ذلك لعبرةً لمن يخشى}.تفسير : وهذا كلّه كلام الله الذي أمرهما بتبليغه إلى فرعون، كما يدلّ لذلك تعقيبه بقوله تعالى: {أية : قال فمَن ربُّكما يا موسى}تفسير : [طه: 49] على أسلوب حكاية المحاورات. وما ذكر من أول القصة إلى هنا لم يتقدّم في السور الماضية.
د. أسعد حومد
تفسير : (45) - فَقَالَ هَارُونَ وَمُوسَى، عَلَيهِمَا السَّلاَمُ: يَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَبْطِشَ بِنَا فِرْعَوْنُ إِنْ نَحْنُ دَعَوْنَاهُ إِلَى عِبَادَةِ اللهِ، وَالكَفِّ عَنِ العُتُوِّ وَالطُّغْيَانِ، وَنَخْشَى أَنْ يُعَجِّلَ لَنَا بِالعُقُوبَةِ، أَوْ أَنْ يَعْتَدِيَ عَلَيْنا. يَفْرُطَ عَلَيْنا - يُعَجِّلَ عَلَينا بِالعُقُوبَةِ. يَطْغَى - يَزْدَادُ طُغْياناً وَعُتُوّاً.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : الخوف: شعور في النفس يُحرِّك فيك المهابة من شيء، ومِمَّ يخافان؟ {أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَآ ..} [طه: 45] يفرط: أي: يتجاوز الحد.. ومضادها: فرَّط يعني: قصّر في الأمر؛ لذلك يقولون: الوسط فضيلة بين إفراط وتفريط. ومَنْ أفرط يقولون: فَرَس فارط عندما يسبق في المضمار. ويقولون: حاز قَصْب السبق، وكانوا يضعون في نهاية المضمار قصبة يركزونها في الأرض، والفارس الذي يلتقطها أولاً هو الفائز، والفرس فارط يعني: سبق الحدِّ المعمول له، لا مجرد أن يسبق غيره. لذلك عندما يُحدِّثنا القرآن عن الحدود، يقول مرة: {أية : تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا ..}تفسير : [البقرة: 229] أي: إياك أن تسبق الحد الذي وُضِع لك ومرة أخرى يقول: {أية : تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا ..}تفسير : [البقرة: 187] ففي المحلّلات قال {أية : فَلاَ تَعْتَدُوهَا ..}تفسير : [البقرة: 229] قِفُوا على الحدِّ لا تسبقوه، وفي المحرمات قال {أية : فَلاَ تَقْرَبُوهَا ..}تفسير : [البقرة: 187] لأنك لو اقتربتَ منها وقعتَ فيها. فالمعنى إذن {يَفْرُطَ عَلَيْنَآ ..} [طه: 45] يتجاوز الحدّ، وربما عاجلنا بالقتل قبل أن نقول شيئاً فيسبق قتلُه لنا كلامنا له. وقوله تعالى: {أَوْ أَن يَطْغَىٰ} [طه: 45] فلا يكتفي بقتلنا، بل ويخوض في حَقِّ ربنا، أو يقول كلاماً لا يليق، كما سبق له أن ادَّعى الألوهية. ومن واجب الدعاة ألاَّ يَصِلوا مع المدعوين إلى درجة أن يخوضوا في حقِّ الله تبارك وتعالى؛ لذلك فالحق سبحانه يُؤدِّب المؤمنين به بأدب الدعوة في مجابهة هؤلاء فيقول: {أية : وَلاَ تَسُبُّواْ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ فَيَسُبُّواْ ٱللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ ..}تفسير : [الأنعام: 108]. ثم يقول الحق سبحانه: {قَالَ لاَ تَخَافَآ إِنَّنِي مَعَكُمَآ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَآ أَوْ أَن يَطْغَىٰ} معناه أنْ يَتسَلّطَ عَلينا ويُعاقِبَنا. وقالَ: يعجلُ عَلينا. ويَطغَى: يَعتدي عَلينا.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : والدليل على هذا التأويل قوله تعالى: {قَالاَ رَبَّنَآ إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَآ} [طه: 45] إلى قوله: {وَلاَ يَنسَى} [طه: 52] قوله: {قَالاَ رَبَّنَآ إِنَّنَا نَخَافُ} [طه: 45] يشير: أن الخوف مركوز في جبلة الإنسان حتى لو بلغ مرتبة النبوة والرسالة، فإنه لا يخرج من جبلته كما قال: {إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَآ} [طه: 45] يعني: بأن يقتلنا: ولكن الخوف ليس بجهة القتل، وإنما تخاف فوات عبوديتك بالقيام لأداء الرسالة والتبليغ، كما أمرتنا إذ بتمرده وبجهله ولا ينقاد لأوامرك أو يسبك، ويقول: {أية : أَنَاْ رَبُّكُمُ ٱلأَعْلَىٰ} تفسير : [النازعات: 24]. وبقوله تعالى: {قَالَ لاَ تَخَافَآ} [طه: 46] يشير إلى أن الخوف إنما يزيل عن جبلة الإنسانية بخطابي إليه بأمر التكوين كما قال: {أية : يٰنَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَٰماً عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ} تفسير : [الأنبياء: 69] فكانت بتكوين الله إياها برداً وسلاماً {إِنَّنِي مَعَكُمَآ} [طه: 46] بالنظرة والحفظ في الأزل؛ إذ كنت أقدر نصركما، وهلاكه على أيديكما {أَسْمَعُ} [طه: 46] هذه مقالتكما قبل وجودكما {وَأَرَىٰ} [طه: 46] أحوالكما وأحواله قبل أن أخلقكما بهذه الصفات. {فَأْتِيَاهُ فَقُولاۤ إِنَّا رَسُولاَ رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ وَلاَ تُعَذِّبْهُمْ} [طه: 47] أعلم أن فائدة إتيانهما رسالتهما إلى فرعون وتبليغه كانت عائدة إلى موسى وهارون نفسهما لا إلى فرعون في علم الله عز وجل، فالحكمة في إرسالهما: أن يكونا رسولين من ربهما مبلغين منذرين؛ ليتحقق رسالتهما، وينكر فرعون ويكفر بهما؛ ليتحقق كفره، {أية : لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ} تفسير : [الأنفال: 42] {قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكَ} [طه: 47] وهي اليد البيضاء بها يشير إلى يد صافية فارغة من الدنيا والآخرة {وَٱلسَّلاَمُ عَلَىٰ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلْهُدَىٰ} [طه: 47] أي: سلم من استسلم، وابتع هدى الله وهي ما جاء به الأنبياء عليهم السلام. {إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَآ أَنَّ ٱلْعَذَابَ} [طه: 48] ضد السلامة {ٰ مَن كَذَّبَ} [طه: 48] أي: كذب وكفر بما جاء به الأنبياء {وَتَوَلَّىٰ} [طه: 48] أي: أعرض عن الله بمتابعة الهوى {قَالَ} [طه: 49] فرعون {فَمَن رَّبُّكُمَا يٰمُوسَىٰ} [طه: 49] واختص موسى بالذكر دون هارون مع أن الخطاب كان معهما؛ لأن صاحب الآيات كان موسى وكانت الرسالة له بالأصالة ولهارون بالوزارة بالتبعية. {قَالَ رَبُّنَا ٱلَّذِيۤ أَعْطَىٰ كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ} [طه: 50] أعطى كل شيء استعداد لما خلق له {ثُمَّ هَدَىٰ} [طه: 50] أي: يسره لما خلق له والذي يدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : اعملوا كل ميسر لما خلق له" تفسير : معناه: أن الله تعالى خلق المؤمن مستعداً لقبول فيض الإيمان، ثم هداه إلى قبول دعوة الأنبياء ومتابعتهم، وخلق الكافر لقبول فيض القهر والخذلان والتمرد على الأنبياء مخالفتهم. {قَالَ} [طه: 51] يعني: فرعون {فَمَا بَالُ ٱلْقُرُونِ ٱلأُولَىٰ} [طه: 51] يعنيك المتقدمين الذين لم يقبلوا دعوة الأنبياء فألفوهم {قَالَ} [طه: 52] أي موسى. {عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ} [طه: 52] يعني: علم كل واحد من القرون أنه تعالى لماذا خلقه مستعداً لقبول الإيمان، ولقبول الكفر ثابت في أم الكتاب عنده {لاَّ يَضِلُّ رَبِّي} [طه: 52] عن الكتاب وعلمه {وَلاَ يَنسَى} [طه: 52].
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):