٢٠ - طه
20 - Ta-Ha (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
47
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {فَأْتِيَاهُ فَقُولاۤ إِنَّا رَسُولاَ رَبِّكَ} في الكلام حذف، والمعنى: فأتياه فقالا له ذلك. {فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ} أي خَلِّ عنهم. {وَلاَ تُعَذِّبْهُمْ} أي بالسّخرة والتعب في العمل، وكان بنو إسرائيل عند فرعون في عذاب شديد؛ يذبّح أبناءهم، ويستحيي نساءهم، ويكلّفهم من العمل في الطّين واللَّبِن وبناء المدائن ما لا يطيقونه. {قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكَ} قال ابن عباس: يريد العصا واليد. وقيل: إن فرعون قال له: وما هي؟ فأدخل يده في جيب قميصه، ثم أخرجها بيضاء لها شعاع مثل شعاع الشمس، غلب نورها على نور الشمس فعجب منها. ولم يره العصا إلا يوم الزّينة. {وَٱلسَّلاَمُ عَلَىٰ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلْهُدَىٰ} قال الزجاج: أي من اتبع الهدى سلم من سخط الله عز وجل وعذابه. قال: وليس بتحية، والدليل على ذلك أنه ليس بابتداء لِقاءٍ ولا خطاب. الفراء: السلام على من اتبع الهدى ولمن اتبع الهدى سواء. {إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَآ أَنَّ ٱلْعَذَابَ} يعني الهلاك والدَّمار في الدنيا والخلود في جهنم في الآخرة {عَلَىٰ مَن كَذَّبَ} أنبياء الله {وَتَوَلَّىٰ } أعرض عن الإيمان. وقال ابن عباس: هذه أَرَجى آية للموحِّدين لأنهم لم يكذِّبوا ولم يتولّوا. قوله تعالى: {قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يٰمُوسَىٰ } ذكر فرعون موسى دون هارون لرؤوس الآي. وقيل: خصّصه بالذكر لأنه صاحب الرسالة والكلام والآية. وقيل: إنهما جميعاً بلّغا الرسالة وإن كان ساكتاً؛ لأنه في وقت الكلام إنما يتكلم واحد، فإذا انقطع وازره الآخر وأَيَّده. فصار لنا في هذا البناء فائدة علمٍ؛ أن الاثنين إذا قُلِّدا أمراً فقام به أحدهما، والآخر شخصه هناك موجود مستغنى عنه في وقت دون وقت أنهما أديا الأمر الذي قُلِّدا وقاما به واستوجبا الثواب، لأن الله تعالى قال: {ٱذْهَبَآ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ} وقال: {ٱذْهَبْ أَنتَ وَأَخُوكَ} وقال: {فَقُولاَ لَهُ} فأمرهما جميعاً بالذهاب وبالقول، ثم أعلمنا في وقت الخطاب بقوله: {فَمَن رَّبُّكُمَا} أنه كان حاضراً مع موسى. {قَالَ} موسى: {رَبُّنَا ٱلَّذِيۤ أَعْطَىٰ كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ} أي أنه يُعرَف بصفاته، وليس له اسم عَلَم حتى يقال فلان، بل هو خالق العالم، وهو الذي خصّ كل مخلوق بهيئة وصورة، ولو كان الخطاب معهما لقالا: قالا ربنا. «وخَلْقَهُ» أول مفعولي أعطى، أي أعطى خليقته كل شيء يحتاجون إليه ويرتفقون به، أو ثانيهما أي أعطى كل شيء صورته وشكله الذي يطابق المنفعة المنوطة به؛ على قول الضحاك على ما يأتي. {ثُمَّ هَدَىٰ} قال ابن عباس وسعيد بن جبير والسدي: أعطى كل شيء زوجه من جنسه، ثم هداه إلى منكحه ومطعمه ومشربه ومسكنه. وعن ابن عباس: ثم هداه إلى الألفة والاجتماع والمناكحة. وقال الحسن وقتادة: أعطى كل شيء صلاحه، وهَداه لما يصلحه. وقال مجاهد: أعطى كل شيء صورة؛ لم يجعل خلق الإنسان في خلق البهائم، ولا خلق البهائم في خلق الإنسان، ولكن خلق كل شيء فقدّره تقديراً. وقال الشاعر:شعر : وله في كلِّ شيءٍ خِلْقَةٌ وكذاك الله ما شاء فعلْ تفسير : يعني بالخلقة الصورة؛ وهو قول عطية ومقاتل. وقال الضحاك: أعطى كل شيء خلْقه من المنفعة المنوطة به المطابقة له. يعني اليد للبطش، والرجل للمشي، واللسان للنطق، والعين للنظر، والأذن للسمع. وقيل: أعطى كل شيء ما ألهمه من علم أو صناعة. وقال الفراء: خلق الرجل للمرأة، ولكل ذكر ما يوافقه من الإناث، ثم هدى الذكر للأنثى. فالتقدير على هذا أعطى كل شيء مثل خلقه. قلت: وهذا معنى قول ابن عباس. والآية بعمومها تتناول جميع الأقوال. وروى زائدة عن الأعمش أنه قرأ «الَّذِي أَعْطَى كُل شَيْءٍ خَلَقَهُ» بفتح اللام؛ وهي قراءة ابن أبي إسحاق ورواها نصير عن الكسائي وغيره؛ أي أعطى بني آدم كل شيء خلقه مما يحتاجون إليه. فالقراءتان متفقتان في المعنى.
البيضاوي
تفسير : {فَأْتِيَاهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولاَ رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِى إِسْرٰءِيلَ} أطلقهم. {وَلاَ تُعَذِّبْهُمْ} بالتكاليف الصعبة وقتل الولدان، فإنهم كانوا في أيدي القبط يستخدمونهم ويتعبونهم في العمل ويقتلون ذكور أولادهم في عام دون عام، وتعقيب الإِتيان بذلك دليل على أن تخليص المؤمنين من الكفرة أهم من دعوتهم إلى الإِيمان، ويجوز أن يكون للتدريج في الدعوة. {قَدْ جِئْنَـٰكَ بِـئَايَةٍ مِّن رَّبِّكَ} جملة مقررة لما تضمنه الكلام السابق من دعوى الرسالة، وإنما وحد الآية وكان معه آيتان لأن المراد إثبات الدعوى ببرهانها لا الإِشارة إلى وحدة الحجة وتعددها، وكذلك قوله: {أية : قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيّنَةٍ }، تفسير : [الأعراف: 105] {أية : فَأْتِ بِآيَةٍ }،تفسير : [الشعراء: 154] {أية : قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَىء مُّبِينٍ }تفسير : [الشعراء: 30] {وَٱلسَّلَـٰمُ عَلَىٰ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلْهُدَىٰ } وسلام الملائكة وخزنة الجنة على المهتدين، أو السلامة في الدارين لهم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {فَأْتِيَاهُ فَقُولآ إِنَّا رَسُولاَ رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِى إِسْرٰءِيلَ } إلى الشام {وَلاَ تُعَذِّبْهُمْ } أي خلِّ عنهم من استعمالك إياهم في أشغالك الشاقة كالحفر والبناء وحمل الثقيل {قَدْ جِئْنَٰكَ بِئَايَةٍ } بحجة {مِن رَبِّكَ } على صدقنا بالرسالة {وَٱلسَّلَٰمُ عَلَىٰ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلْهُدَىٰ } أي السلامة له من العذاب.
ابن عطية
تفسير : المعنى {فأتيا} فرعون فأعلماه أنكما رسولاي إليه وعبر بفرعون تحقيراً له إذ كان هو يدعي الربوبية ثم أمرا بدعوته إلى أن يبعث معهما بني إسرائيل ويخرجهم من غل خدمة القبط وقد تقدم في هذه الآية دعاؤه إلى الإيمان وهذه جملة ما دعي إليه فرعون والإيمان وإرسال بني إسرائيل، والظاهر أن رسالته إليه ليست على حد إرساله إلى بني إسرائيل، وتعذيب بني إسرائيل كان ذبح أولادهم وتسخيرهم وإذلالهم والآية التي أحالا عليها هي العصا واليد وقالا {جئناك} والجائي بها موسى تجوزاً من حيث كانا مشتركين وقوله عليه السلام {من اتبع الهدى} يحتمل أن يكون آخر كلام وفصله فيقوى أن يكون السلام بمعنى التحية كأنهما رغباً بها عنه وجريا على العرف في التسليم عند الفراغ من القول فسلما على متبع الهدى وفي هذا توبيخ له ع: وعلى هذه الجهة استعمل الناس هذه الآية في مخاطبتهم ومحاوراتهم ويحتمل أن يكون في درج القول متصلاً بقوله {إنا قد أوحي إلينا} فيقوى على هذا أن يكون خبراً بأن السلامة للمهتدين، وهذان المعنيان قالت كل واحد منهما فرقة، لكن دون هذا التلخيص، وقالوا {السلام} بمعنى السلامة وعلى بمعنى اللام أي السلام لـ {من اتبع الهدى} ولما فرغا من المقالة التي أمر بها عن قوله {وتولى} خاطبهما فرعون، وفي سرد هذه الآية حذف يدل عليه ظاهر الكلام تقديره فأتياه فلما قالا جميع ما أمرا به قال لهما فرعون {فمن ربكما} وقوله {يا موسى} بعد جمعه مع هارون في الضمير، نداء بمعنى التخصيص والتوقيف إذ كان صاحب عظم الرسالة ولزيم الآيات.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {فَأْتِيَاهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولاَ رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرٰءِيلَ وَلاَ تُعَذِّبْهُمْ...} الآية جُمْلَةَ ما دُعي إليه فرعون الإيمان، وإرْسال بني إسْرَائِيل، وأَما تعذِيبُه بني إسْرَائيل، فبذبح أَولادِهم، وتسخِيرهم وإذْلاَلهم. وقولهما: {وَٱلسَّلاَمُ عَلَىٰ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلْهُدَىٰ} يحتمل أنْ يكون آخر كلام؛ فيقوى أنْ يكون السلامُ بمعنى التَّحِيَّة؛ كأَنَّهما رَغِبَا بها عنه، وجَرَيَا على العُرْف في التسلِيم عند الفَرَاغِ مِنَ القول. ويحتمل أَنْ يكون في دَرْجِ القول، فيكون خبراً بأن السلامة للمهتدين، وبهذين المعنيين قالت كلّ فرقة من العلماء. وقوله سبحانه: {أَعْطَىٰ كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ} قالت فرقة: المعنى أَعطى كل موجود من مخلوقاتِه خلْقته، وصورته، أي: أكمل ذلك له، وأتقنه {ثُمَّ هَدَىٰ}، أي: يسّر كُلَّ شيء لمنافعه؛ وهذا أحسنُ ما قيل هنا، وأشرف معنىً وأعم في الموجودات. وقول فرعونَ: {فَمَا بَالُ ٱلْقُرُونِ ٱلأُولَىٰ} يحتمل أن يريد ما بال القرون الأولى لم تبعث لها، ولم يوجدْ أمرك عندها؟ ويحتمل أن يريد فرعون قطعَ الكلام، والرجوعَ إلى سؤال موسى عن حالة مَنْ سلف من الأمم؛ روغاناً في الحجّة، وحَيْدَةً. وقيل: البالُ: الحالُ، فكأنه سأله عن حالهم، وقولُ موسى [عليه السلام]: {عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ} يريد في اللَّوْحِ المحفُوظِ، و {لاَّ يَضِلُّ}: معناه لا ينتلف ويعمه، «والأزواج» هنا: بمعنى الأنواع. وقوله {شَتَّىٰ} نعتٌ للأزواج، أي: مختلفة. وقوله {كلوا وٱرعَوْا} بمعنى هي صالحةٌ للأكل والرعي، فأخرج العبارة في صيغة الأمر؛ لأنه أرْجى الأفعال، وأهزها للنفوس. و {ٱلنُّهَىٰ} جمع نُهْيَةٍ، والنُّهْيَةُ: العَقْلُ النَّاهِي عن القبائح.
ابن عادل
تفسير : قوله: "فَأْتِيَاهُ" أعاد التكليف المتقدم فقال: {فَأْتِيَاهُ فَقُولاَ لَهُ} وذلك أنه تعالى قال أولاًَ {أية : ٱذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ} تفسير : [طه: 24] وثانياً قال: {أية : ٱذْهَبْ أَنتَ وَأَخُوكَ} تفسير : [طه: 42] وقال ثالثاً: {أية : ٱذْهَبَآ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ} تفسير : [طه: 43]. ورابعاً (قال هاهنا "فَأْتِيَاهُ"). فإن قيل: إنه تعالى أمرهما بأن يقولا له "قَوْلاً لَيِّناً"، وهاهنا أمرهما بأن يقولا {إِنَّا رَسُولاَ رَبِّكَ (فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلاَ تُعَذِّبهُمْ} وفي هذا تغليظ من وجوه: الأول: {إِنَّا رَسُولاَ رَبِّكَ}) وهذا يقتضي انقياده لهما والتزامه لطاعتهما، وذلك يعظم على الملك المتبوع. والثاني: قوله: {فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَآئِيلَ} فيه إدخال النقص على ملكه، لأنه كان محتاجاً إليهم فيما يريده من الأعمال وأيضا: أمرهم بالإرسال يقتضي وجوب الطاعة والانقياد فيصير تحت أمرهم. والثالث: نهيهم له بقولهم: "وَلاَ تُعَذِّبهُمْ". والرابع: قوله: {قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكَ}. فما الفائدة في القول اللين أولاً والتغليظ ثانياً؟ فالجواب: أن الإنسان إذا أظهر اللجاجة فلا بد له من التغليظ. فإن قيل: أليس أن الأولى أن يقولا إنا رَسُولاَ رَبِّكَ قَدْ جئنَاكَ بآيةٍ فأرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إسرائيلَ وَلاَ تُعَذِّبْهُم، فإن ذكر المعجز مقروناً بادعاء الرسالة أولى من تأخيره عنه؟ فالجواب: بل هذا أولى، لأنهم ذكروا مجموع الدعاوى ثم استدلوا على ذلك المجموع بالمعجز. قوله: {قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكَ} قال الزمخشري: هذه الجملة جارية من الجملة الأولى وهي {إِنَّا رَسُولاَ رَبِّكَ} مجرى البيان والتفسير، لأن دعوى الرسالة لا تثبت إلا ببينتهما التي هي مجيء الآية. فإن قيل: إن الله تعالى أعطاه آيتين، وهما العصا واليد ثم قال: {أية : ٱذْهَبْ أَنتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي} تفسير : [طه: 42]، وذلك يدل على ثلاث آيات وقال هاهنا {قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ}، وذلك يدل على أنها كانت واحدة (فكيف الجمع)؟ أجال القفال: بأن معنى الآية هاهنا الإشارة إلى جنس الآيات كأنه قال: جئْنَاكَ ببيان من عند الله. ثم يجوز أن يكون ذلك حجة واحدة أو حججاً كثيرة. وقال غيره: المراد في هذا الموضوع تثبيت الدعوى ببرهانها فكأنه قال: قد جئناك بمعجزة وبرهان وحجة على ما ادعينا من الرسالة كقوله: {أية : قَدْ جِئْتُكُم بِبَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ} تفسير : [الأعراف: 105]، وقوله: {أية : فَأْتِ بِآيَةٍ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينََ} تفسير : [الشعراء:154] وقوله: {أية : أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيءٍ مُّبِينٍ} تفسير : [الشعراء: 30]. وتقدم الجواب عن التثنية والجمع، وأن في العصا واليد آيات. قوله: {وَالسَّلاَمُ عَلَىٰ مَنِ ٱتَّبَعَ الْهُدَىٰ} يحتمل أن يكون تسليماً منهما ولم يؤمرا به، فتكون الجملة مستأنفة لا محل لها من الإعراب قال بعضهم: إنَّ (عَلَى) بمعنى (اللام) أي والسلام لمن اتبع الهدى كقوله تعالى: {أية : لَهُمُ ٱللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوۤءُ ٱلدَّارِ} تفسير : [الرعد: 25] أي: عليهم اللعنة، وقال تعالى: {أية : مَّنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا} تفسير : [فصلت: 46] وقال: {أية : إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَِنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا} تفسير : [الإسراء: 7]. وهذا وعد منهما لمن آمن وصدق بالسلامة له من عقوبات الدنيا والآخرة والسلام بمعنى السلامة، كما يقال: رضاع ورضاعة. وقيل: هذا من كلام الله تعالى كأنه قال: "فَقُولاَ إنَّا رَسُولاَ رَبِّكَ وَقُولاَ لَهُ والسَّلاَمُ عَلَى مَنِ اتَّبَع الهُدَى"، وليس المراد منه التحية إنما معناه سَلِم من عذاب الله من أسلم. قوله: {أرسِلْ مَعَنَا بَنِي إسْرَآئيلَ} خلِّ عنهم وأطلقهم عن أعمالك "وَلاَ تُعَذِّبهُمْ" لا تتعبهم في العمل، وكان فرعون يستعملهم في الأعمال الشاقة. قوله تعالى: {إنَّا قَدْ أُوحِيَ إلَيْنَا أَنَّ ٱلْعَذَابَ عَلَىٰ مَن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ} هذه الآية من أقوى الدلائل على أن عقاب المؤمن لا يدوم، لأن الألف واللام للاستغراق، أو الإفادة (الماهية، وعلى) التقديرين يقتضي انحصار هذا الجنس في {من كذب وتولى} فوجب أن لا تحصل لغير المكذب المتولي. وظاهر هذه الآية يقتضي القطع بأنه لا يعاقب أحداً من المؤمنين بترك العمل به في بعض الأوقات، فوجب أن يبقى على أصله في نفي الدوام، ولأن العقاب المتناهي إذا حصل بعده السلامة مدة غير متناهية صار ذلك العقاب كأنه لا عقاب، فلذلك يحسن مع حصول ذلك القدر أن يقال: إنه لا عقاب. وأيضاً فقوله: {وَٱلسَّلاَمُ عَلَى مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلْهُدَىٰ} يقتضي حصول السلامة لكل من اتبع الهدى، إذا فسَّرنا السلام بالسلامة. والعارف بالله قد اتبع الهدى، فوجب أن يكون صاحب السلامة. ومعنى الآية: إنما يعذب الله من كذب بما جئنا به وأعرض عنه. قوله: "أنَّ العَذَابَ" "أنَّ" وما في خبرها في محل رفع لقيامه مقام الفاعل الذي حذف في "أُوْحِيَ إِلَيْنَا" وسبب بنائه للمفعول (خوفاً أن يبدر من فرعون بادرة لمن أوحي لو سمياه فطويا ذكره تعظيماً له واستهانةً بالمخاطب).
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {وَٱلسَّلاَمُ عَلَىٰ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلْهُدَىٰ} [الآية: 47]. قال الواسطى رحمه الله: اتباع الهدى بسابقة الهدى فمن سبقت له من الله الهداية اتبع الهدى فى جميع أحواله.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {فَأْتِيَاهُ فَقُولاۤ إِنَّا رَسُولاَ رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ وَلاَ تُعَذِّبْهُمْ}. طالَ البلاءُ ببني إسرائيل من جهة فرعون، فتدارَاكَهُم الحقُّ سبحانه ولو بعد حين، بذلك أجرى سُنَّتَهُ أنه يُرخي عِنَانَ الظالم، ولكن إذا أَخَذَهُ فإِنَّ أَخْذَهُ أليمٌ. قوله جلّ ذكره: {قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكَ}. من شَرْطِ التكليفِ التمكينُ بالبيِّنة والآيةِ للرسولِ حتي يَتَّضِحَ ما يَدُلُّ على صِدْقِه فيما يدعو إليه من النبوة. ثم إن تلك الآية وتلك البيِّنة ما نفعتهم، وإنا تأكدتْ بهما عليهم الحُجَّةُ؛ فإِذا عَمِيَ بَصَرُ القلبِ فأَنَّى تنفع بصيرةُ الحجة؟ وفي معناه قالوا: شعر : وفي نَظَرِ الصادي إلى الماء حَسْرَةٌ إذا كان ممنوعاً سبيل المواردِ تفسير : قوله جلّ ذكره:{وَٱلسَّلاَمُ عَلَىٰ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلْهُدَىٰ}. إنما يَتّبع الهُدَى مَنْ كَحَّلَ قلبَه بنور العرفان، فأما من كانت على قلبِه غشاوة الجهل... فمتى يستمع إلى الهُدَى؟.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {وَٱلسَّلاَمُ عَلَىٰ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلْهُدَىٰ} اى السلام والازلى والسّلامة الأية بنعت الاصطفائية على من اتبع الانبياء والاولياء ولا تبيع الهدى الامن سبق فى الازل له من الهدى قال الواسطى اتباع الهدى لسابقة الهدى ومن سبقت له من الله الهداية اتبع الهدى فى جميع احواله.
اسماعيل حقي
تفسير : {فأتياه} امرا باتيانه الذى هو عبارة عن الوصول اليه بعدما امرا بالذهاب اليه فلا تكرار والاتيان مجئ بسهولة والمجيئ اعم والاتيان فقد يقال باعتبار القصد وان لم يكن منه الحصول والمجئ اعتبارا بالحصول {فقولا} من اول الامر {انا رسولا ربك} ليعرف الطاغى سؤالكما ويبنى جوابه عليه ورسولا تثنية رسول وهو فعول مبالغة مفعل بضم الميم وفتح العين بمعنى ذى رسالة اسم من الارسال وفعول هذا لم يأت الا نادرا وعرفا من بعث لتبليغ الاحكام ملكا كان او انسانا بخلاف النبى فانه مختص بالانسان {فارسل معنا بنى اسرائيل} [بس فرست باما فرزندان يعقوبرا بارض مقدسه بازرويم كه مسكن آباه ما بوده] كما قال فى بحر العلوم فاطلقهم وخلهم يذهبوا معنا الى فلسطين وكان مسكنهما وفلسطين بكسر الفاء وفتح اللام وسكون السين المهملة هى البلاد التى بين الشام وارض مصر منها الرملة وغزة وعسقلان وغيرها. وقال فى الارشاد المراد بالارسال اطلاقهم من الاسر والقسر واخراجهم من تحت يد العادية لا تكليفه ان يذهبوا معهما الى الشام كما ينبئ عنه قوله تعالى {ولا تعذبهم} اى بابقائهم على ما كانوا عليه من العذاب فانهم كانوا تحت مملكة القبط يستخدمونهم فى الاعمال الصعبة الفادحة من الحفر ونقل الاحجار وغيرهما من الامور الشاقة ويقتلون ذكور اولادهم عاما دون عام ويستخدمون نساءهم. وتوسيط حكم الارسال بين بيان رسالتهما وبين ذكر المجئ بآية دالة على صحتها لاظهار الاعتناء به لان تخليص المؤمنين من ايدى الكفرة اهم من دعوتهم الى الايمان كما قيل. والعذاب هو الايجاء الشديد وقد عذبه تعذيبا اى اكثر حبسه فى العذاب واصله من قولهم عذب الرجل اذا ترك المأكل والنوم فهو عاذب وعذوب فالتعذيب فى الاصل هو حمل الانسان على ان يعذب اى يجوع ويسهر وقيل اصله من العذب فعذبته ازلت عذب حياته على بناء مرّضته وفدّيته وقيل اصل التعذيب اكثار الضرب بعذبة السوط اى طرفه {قد جئناك بآية من ربك} [بدرستى كه آورده ايم نشانى يعنى معجزه ازبروردكارتو] وتوحيد الآية مع تعددها لان المراد اثبات الدعوى ببرهانها لا بيان تعدد الحجة فكأنه قال قد جئناك ببرهان على ما ادعيناه من الرسالة {والسلام} اللام لتعريف الماهية والسلامة التعرى من الآفات الظاهرة والباطنة والمراد هنا اما التحية فالمعنى والتحية المستتبعة بسلامة الدارين من الله والملائكة اى خزنة الجنة وغيرهم من المسلمين {على من اتبع الهدى} بتصديق آيات الله الهادية الى الحق فاللام على اصلها كما فى سلام عليكم يقال تبعه واتبعه قفا اثره وذلك تارة بالجسم وتارة بالارتسام والامتثال وعلى ذلك قوله {أية : فمن تبع هداى فلا خوف عليهم}تفسير : واما السلامة فعلى بمعنى اللام كعكسه فى قوله تعالى {أية : ولهم اللعنة}تفسير : اى عليهم اللعنة. قال فى التأويلات سلم من استسلم واتبع هدى الله تعالى وهو ما جاء به انبياؤه عليهم السلام.
الجنابذي
تفسير : {فَأْتِيَاهُ} اى اذا كنت معكما اسمع وارى فأتياه من غير خوفٍ منه متّكلين على نصرتى {فَقُولاۤ إِنَّا رَسُولاَ رَبِّكَ} تثنية الرّسول ههنا وافراده فى الشّعراء للاشارة الى وحدة الرّسالة وتعدّد الرّسولين {فَأَرْسِلْ} اى اطلق من الاستعباد وارسل {مَعَنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ} الى ما نشاء من البلاد، او ارسل من العذاب معنا بنى اسرائيل سواء كنّا فى مصر او فى غيرها {وَلاَ تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكَ} جواب سؤالٍ مقدّرٍ او مذكورٍ حين التّكلّم محذوفٍ حين الحكاية كأنّه قال: وهل لكما ما يدلّ على صدقكما؟- فقالا: قد جئنا بآيةٍ دالّة على صدقنا فى رسالتنا من ربّك، وتكرار ربّك للاشعار بانّه مربوب وليس بربٍّ كما ادّعاه، وهذا جزء مقول القول الّذى امرا به او كلام منهما والتّقدير فجاءا وقالا له ما قاله تعالى فقال: ما الدّليل؟- قالا: قد جئناك (الى آخر الآية) {وَٱلسَّلاَمُ عَلَىٰ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلْهُدَىٰ} يعنى أظهرا دعواكما عنده وأظهرا انّ لكما آيةً على دعوتكما، ثمّ حيّياه بتحيّة المتاركة بنحو التّعريض بضلاله ودعائه الى اتّباع الهدى، او قولا له: السّلامة على من اتّبع الهدى، وعلى هذا فقوله {إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَآ أَنَّ ٱلْعَذَابَ عَلَىٰ مَن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ} كان فى موضع تعليلٍ، وعلى الاوّل كان جواباً للسّؤال على حالهما فى رسالتهما، هذا اذا كان قوله: قد جئناك محكيّاً بالقول، واذا كان منهما حين الورود على فرعون كان قوله: والسّلام على من اتّبع الهدى (الى آخر الآية) من قولهما، وارتباطه بسابقه كان ظاهراً.
اطفيش
تفسير : {فَأْتِيَاهُ فَقُولاَ إِنَّا رَسُولاَ رَبِّكَ} أرسلَنا إليك ربك. {فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِى إسْرَائِيلَ} أطلقهم يأتوا إلى الشام معنا. وَلاَ تُعَذِّبْهُمْ} وكان يعذبهم بالأفعال الشاقة، كالحفر والبناء وقطع الصخر وحمل الأثقال، وقتل الأولاد الذكور، و استخدام النساء، ومَن لم يقدر على العمل ضرب عليه الجزية. قال القاضى: وتعقيب الإتيان بذلك دليل على أن تخليص المؤمنين من الكفرة أهمّ من دعوتهم إلى الإيمان ويجوز أن يكون للتدريج فى الدعوة. {قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ} تدل على صدقنا فى ادعاء الرسالة. قال: وما هى؟ فأخرج يده لها شعاع كالشمس. فالآية آية اليد. وقيل: آية اليد والعصى؛ وإنما أفرد لأن المراد ما تثبت به الدعوى شئ أو شيئان أو أكثر، كأنه قيل: قد جئناك بما يدل على صدقنا وليس الغرض اتحاد الحجة أو تعددها والجملة مقررة لقولهما: {أية : إنا رسول ربك} تفسير : ودعوى الرسالة لا تثبت إلا بالبينة فقد للتحقيق أو للتوقع. {وَالسَّلاَمُ} السلامة فى الدنيا والآخرة، أو سلام الله أو الملائكة وخَزَنة الجنة. وزعم بعضهم أن المراد السلامة وأنه لا يصح أن يراد التحية. {عَلَى مَن اتبَعَ الْهُدَى}. وقيل: يحتمل أن يكون ذلك آخر كلام فيقوى أن يكون السلام بمعنى التحية جريا على العرف فى التسليم عند الفراغ من القول. ويحتمل أن يكون فى دَرَج القول السابق واللاحق فيكون خبرا بالسلامة. وقد قالت فرقة بالاحتمال الأول وفرقة بالثانى. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كتب: السلام على مَن اتبع الهدى.
اطفيش
تفسير : {فأتياه} ادخلا عليه عطف على لا تخافا {فقولا} له {إِنَّا رسُولا ربِّك} أرسلنا الذى هو ربك وأنت عبده، ولست برب، بل هو الرب، فاعرف كيف تجيبنا، وليس هذا تغليظاً، إذ لا يجوز النقص من ذلك، لأنهما أرسلا إليه بقول ذلك وبقوله: {فأرسل معنا بنى إسرائيل} الخ، فلا يجوز النقص والإلانة التى أمرا بها، وهى أنهما لم ينهراه، ولم يقولا له يا خبيث ونحو ذلك، والأوجه المتقدمة فى الإلانة على تقدير صحتها، قد يقولانها بعد هذا أو قبله، لأن الفاء فى "فقولا" ولو كانت للترتيب، لكن الترتيب فى كل شىء بحسبه تقول: تزوج فلان فولد له إذا لم يكن بينهما إلا مدة الحمل، أو هى لمطلق الجمع هنا، ألا ترى أنه لا بدل أن يأمراه أولا بالتوحيد، "أية : هل لك إلى أن تزكى وأهديك إلى ربك فتخشى"تفسير : [النازعات: 18 - 19] لأنا نقول: ما فى هذه السورة هو الإرسال الأول أو أمراه به بعد هذا الكلام للتدريج، فإن طلب إطلاق بنى إسرائيل أيسر عليه من تبديل الاعتقاد، مع أن فى قولهما إنا رسولا ربك أمرا بتبديله. وأيضا تخليص المؤمنين من الكفرة أهم من دعوتهم الى الإيمان على أن بنى إسرائيل مؤمنون بموسى فى الباطن، أو بغيره من الأنبياء قبل، لكن لا دليل على شىء من ذلك، فقد يؤمر بطلب إرسالهم ولو مشركين للرحم، وأنهم أولاد الأنبياء، ولعلم الله أنهم يؤمنون به، وأنهم جنده، ومعنى إرسالهم إطلاقهم عن الاستبعاد والأسر، فإن شاءَوا ذهبوا مع موسى وهارون الى الشام، وإن شاءوا قعدوا فى مصر، فالإطلاق مفروض، والمعية غير مفروضة، وكأنه قيل: أطلقهم فى حضرتنا، وذلك هو المقصود بالذات، ألا ترى الى قوله: {ولا تُعذِّبهُم} فإنه ينبىء أن المراد ترك ما فيه إهانتهم، كانوا عبيداً للقبط، يستعملونهم فى نحو الحفر والبناء، ونقل الأحجار من المشاق، ويستخدمون نساءهم، ويقتلون أبناءهُم على ما دون علم، وأقول الأظهر أنه طلب إرسالهم جميعا الى الشام، وفرع طلب الإرسال على {إنا رسولا ربك} بالفاء السببية للتأكيد. {قَدْ جئْنٰك بآيةٍ من ربِّك} تقرير لدعوى الرسالة، وتعليل لوجوب الإرسال، لأنه من الله، وقالا من ربك لا منه، لتأكيد التقرير والتعليل، ونفى الربوبية عنه، وأكد بقد، وأفرد الآية، ولو تعددت آياته، لأن المراد بها الأولى التى يبدؤه بها، أو لما ترادفت آياته كلها على معنى واحد، وهو التوحيد، عدت واحدة كأنه قيل قد جئناك بما يثبت دعوانا، وقيل: اليد، وقيل العصا المتلوة. {والسَّلام} السلامة من عذاب الدنيا والآخرة {عَلى من اتَّبع الهُدَى} بتصديق آيات الله، أى لمن اتبع الهدى، كما عكس فى قوله تعالى: "أية : ولهم اللعنة" تفسير : [غافر: 52] باللام بدل على، ولا بد من حكمة فى ذلك كالغمرة للسلام، والاستحقاق للعنة، وفى ذكر على هنا مشاكلة لقوله تعالى: {إِنَّا قَد أُوحى إليْنا أن العَذَاب} دنيا وأخرى {عَلى مَن كذَّب} بآيات الله {وتولَّى} أعرض عن قبولها، وقد يقال: السلام سلام الملائكة خزنة الجلة على المهتدين، وفيه تعريض بتوبيخ خزنة النار، ووعيد المكذبين للآيات بالنار، وهو قول لا دليل له من الآية، فإن أراد قائله الترغيب والترهيب لفرعون بذلك، فقد حصلا له بذكر السملاة من السوء والعذاب، إن آمن، والعذاب إن لم يؤمن، وقد يقال: هذا السلام سلام موادعة، وذهاب، مع أنه أيضا ترغيب وترهيب على العموم، ولو قال: السلام عليك لخصه، والمشرك لا يقصد بالسلام، بل يقال عن خطابه: {والسلام على من اتبع الهدى} كما كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من محمد رسول الله الى هرقل عظيم الروم" سلام على من اتبع الهدى" تفسير : ولا يتكل على الموادعة قوله بعدها: {إنا قد أوحى إلينا أن العذاب على من كذب وتولى} لقلته مع المناسبة للمقام، وذلك كله مما أمراً أن يقولاه، إذ قال: {فقولا} وقيل تم فى قوله: {من ربك} ولا حصر فى الآية للعذاب فى المشركين، إذ لم يقل لا عذاب إلا على المشركين أو نحو هذا، فلا دليل فى الآية للمرجئة القائلين، إن الموحد الفاسق لا يدخل النار.
الالوسي
تفسير : {فَأْتِيَاهُ } أمر بإتيانه الذي هو عبارة عن الوصول إليه بعدما أمرا بالذهاب إليه فلا تكرار وهو عطف على {أية : لاَ تَخَافَا } تفسير : [طه: 46] باعتبار تعليله بما بعده {فَقُولا إِنَّا رَسُولاَ رَبّكَ } أمرا بذلك تحقيقاً للحق من أول الأمر ليعرف الطاغية شأنهما ويبني جوابه عليه، وفي التعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميره من اللطف ما لا يخفى وإن رأى اللعين أن في ذلك تحقيراً له حيث إنه يدعى الربوبية لنفسه ولا يعد ذلك من الإغلاظ في القول، وكذا قوله تعالى: {فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِى إِسْرٰءيلَ } إلى آخره خلافاً للإمام، والفاء في {فَأَرْسِلْ } لترتيب ما بعدها على ما قبلها فإن كونهما عليهما السلام رسولي ربه تعالى مما يوجب إرسالهم معهما والمراد بالإرسال إطلاقهم من الأسر وإخراجهم من تحت يده العادية لا تكليفهم أن يذهبوا معهما إلى الشام كما ينبـىء عنه قوله سبحانه: {وَلاَ تُعَذّبْهُمْ } أي بإبقائهم على ما كانوا عليه من العذاب فإنهم كانوا تحت ملكة القبط يستخدمونهم في الأعمال الشاقة كالحفر والبناء ونقل الأحجار وكانوا يقتلون أبناءهم عاماً دون عام ويستخدمون نساءهم ولعلهما إنما بدآ بطلب إرسال بني إسرائيل دون دعوة الطاغية وقومه إلى الإيمان للتدريج في الدعوة فإن إطلاق الأسرى دون تبديل الاعتقاد، وقيل: لأن تخليص المؤمنين من الكفرة أهم من دعوتهم إلى الإيمان، وهذا بعد تسليمه مبني على أن بني إسرائيل كانوا مؤمنين بموسى عليه السلام في الباطن أو كانوا مؤمنين بغيره من الأنبياء عليهم السلام ولا بد لذلك من دليل، وقيل: إنما بدآ بطلب إرسالهم لما فيه من إزالة المانع عن دعوتهم واتباعهم وهي أهم من دعوة القبط. وتعقب بأن السياق هنا لدعوة فرعون ودفع طغيانه فهي الأهم دون دعوة بني إسرائيل، وقيل: إنه أول ما طلبا منه الإيمان كما ينبـىء عن ذلك آية النازعات إلا أنه لم يصرح به هنا اكتفاءً بما هناك كما أنه لم يصرح هناك بهذا الطلب اكتفاءً بما هنا. وقوله تعالى: {قَدْ جِئْنَـٰكَ بِـئَايَةٍ مّن رَّبّكَ } استئناف بياني وفيه تقرير لما تضمنه الكلام السابق من دعوى الرسالة وتعليل لوجوب الإرسال فإن مجيئهما بآية من جهته تعالى مما يحقق رسالتهما ويقررها ويوجب الامتثال بأمرهما، وإظهار اسم الرب في موضع الإضمار مع الإضافة إلى ضمير المخاطب لتأكيد ما ذكر من التقرير والتعليل، وجىء بقد للتحقيق والتأكيد أيضاً، وتكلف لإفادتها التوقع وتوحيد الآية مع تعددها لأن المراد إثبات الدعوى ببرهانها لا بيان تعدد الحجة فكأنه قيل: قد جئناك بما يثبت مدعانا، وقيل: المراد بالآية اليد، وقيل: العصا والقولان كما ترى. {وَٱلسَّلَـٰمُ عَلَىٰ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلْهُدَىٰ } أي السلامة من العذاب في الدارين لمن اتبع ذلك بتصديق آيات الله تعالى الهادية إلى الحق، فالسلام مصدر بمعنى السلامة كالرضاع والرضاعة، وعلى بمعنى اللام كما ورد عكسه في قوله تعالى: {أية : لَهُمُ ٱللَّعْنَةُ } تفسير : [الرعد: 25] وحروف الجر كثيراً ما تتقارض، وقد حسن ذلك هنا المشاكلة حيث جىء بعلى في قوله تعالى:
الشنقيطي
تفسير : ألف الاثنين في قوله "فَأتياه" راجعة إلى موسى وهارون. والهاء راجعة إلى فرعون. أي فأتيا فرعون "فقولا" له: "إنا رسولان إليك من ربك فأرسل معنا بني إسرائيل" أي خل عنهم وأطلقهم لنا يذهبون معنا حيث شاؤوا، ولا تعذبهم. العذاب الذي نهى الله فرعون أن يفعله ببني إسرائيل: هو المذكور في سورة "البقرة" في قوله {أية : وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلاۤءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ} تفسير : [البقرة: 49]، وفي سورة "إبراهيم" في قوله تعالى: {أية : وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنجَاكُمْ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ} تفسير : [إبراهيم: 6] الآية، وفي سورة "الأعراف" في قوله تعالى: {أية : وَإِذ أَنْجَيْنَاكُمْ مِّنْ آلِ فِرْعَونَ يَسُومُونَكُمْ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ} تفسير : [الأعراف: 141] الآية. وفي سورة "الدخان" في قوله: {أية : وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ مِنَ ٱلْعَذَابِ ٱلْمُهِينِ مِن فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِياً مِّنَ ٱلْمُسْرِفِينَ} تفسير : [الدخان: 30-31] وفي سورة "الشعراء" في قوله: {أية : وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدتَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ} تفسير : [الشعراء: 22] الآية. وما أمر به الله موسى وهارون في آية "طه" هذه من أنهما يقولان لفرعون إنهما رسولا ربه إليه، وأنه يأمره بإرسال بني إسرائيل ولا يعذبهم ـ أشار إليه تعالى في غير هذا الموضع، كقوله في سورة "الشعراء": {أية : فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولاۤ إِنَّا رَسُولُ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ} تفسير : [الشعراء: 16-17]. تنبيه: فإن قيل، ما وجه الإفراد في قوله {إِنَّا رَسُولُ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} في "الشعراء"؟ مع أنهما رسولان؟ كما جاء الرسول مثنى في "طه" فما وجه التثنية في "طه" والإفراد في "الشعراء"، وكل واحد من اللفظين: المثنى والمفرد يراد به موسى وهارون؟ فالذي يظهر لي ـ والله تعالى أعلم ـ أن لفظ الرسول أصله مصدر وصف به، والمصدر إذا وصف به ذكر وأفرد كما قدمنا مراراً. فالإفراد في "الشعراء" نظراً إلى أن أصل الرسول مصدر. والتثنية في "طه" اعتداداً بالوصفية العارضة وإعراضاً عن الأصل، ولهذا يجمع الرسول اعتداداً بوصفيته العارضة، ويفرد مراداً به الجمع نظراً إلى أن أصله مصدر. ومثال جمعه قوله تعالى: {أية : تِلْكَ ٱلرُّسُلُ} تفسير : [البقرة: 253] الآية، وأمثالها في القرآن. ومثال إفراده مراداً به الجمع قول أبي ذؤيب الهذلي: شعر : ألكني إليها وخير الرسول أعلمهم بنواحي الخبر تفسير : ومن إطلاق الرسول مراداً به المصدر على الأصل قوله: شعر : لقد كذب الواشون ما فهت عندهم بقول ولا أرسلتهم برسول تفسير : أي برسالة. وقول الآخر: شعر : ألا بلغ بني عصم رسولا بأني عن فتاحتكم غني تفسير : يعني أبلغهم رسالة. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ} يراد به جنس الآية الصادق بالعصا واليد وغيرهما. لدلالة آيات آخر على ذلك. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {وَٱلسَّلاَمُ عَلَىٰ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلْهُدَىٰ} يدخل فيه السلام على فرعون إن اتبع الهدى. ويفهم من الآية: أن من لم يتبع الهدى لا سلام عليه، وهو كذلك. ولذا كان في أول الكتاب الذي كتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هرقل عظيم الروم "حديث : بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى. أما بعد ـ فإنى أدعوك بدعاية الإسلام" تفسير : إلى آخر كتابه صلى الله عليه وسلم.
د. أسعد حومد
تفسير : {إِسْرَائِيلَ} {جِئْنَاكَ} {بِآيَةٍ} {وَٱلسَّلاَمُ} (47) - اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ فَقُولاَ لَهُ: إِنَّنَا رَسُولاَ اللهِ رَبِّكَ، وَرَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، أَرْسَلَنَا إِلَيْكَ لِنَدْعُوَكَ إِلَى عِبَادَتِهِ تَعَالَى وَحْدَهُ، وَإِلَى الكَفِّ عَنِ البَغْيِ، وَالطُّغْيَانِ، وَالضَّلاَلِ، وَلِنَدْعُوَكَ إِلَى الكَفِّ عَنْ تَعْذِيبِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَالإِسَاءَةِ إِلَيْهِمْ، وَقَدْ جِئْنَاكَ بِحُجَّةٍ وَبُرْهَانٍ مِنَ اللهِ (آيَةٍ)، عَلَى صِدْقِ قَوْلِنَا إِنَّنَا رَسُولانِ مِنْ عِنْدِ رَبِّكَ إِلَيْكَ، وَالسَّلاَمَةُ وَالأَمْنُ مِنَ العَذَابِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ رُسُلَ رَبِّهِ، وَاهْتَدَى بِهُدَاهُ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : ونلحظ هنا أنهما لم يواجهاه بما ادعاه من الألوهية مرة واحدة، إنما أشارا إلى مقام الربوبية {رَسُولاَ رَبِّكَ ..} [طه: 47] وهذه هِزّة قوية تزلزل فرعون، ثم تحوّلا إلى مسألة أخرى، وهي قضية بني إسرائيل، وكان فرعون يُسخِّرهم في خدمته ويُعذِّبهم ويشقّ عليهم. {فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ ..} [طه: 47] فقد جئنا لنأخذ أولادنا وننقذهم من هذا العذاب {قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ ..} [طه: 47] أي: معجزة {مِّن رَّبِّكَ ..} [طه: 47] فأعادوا عليه هذه الكلمة مرة أخرى. وقد علّمهما الحق سبحانه كيف يدخلون على فرعون؟ وكيف يتحدثون معه في أمر لا يمسّ كبرياءه وألوهيته. وبنو إسرائيل هم البقية الباقية من يوسف عليه السلام وإخوته، لما جاءوا إلى مصر في أيام العزيز الذي قرَّب يوسف وجعله على خزائن الأرض، كما قال تعالى في قصة يوسف: {أية : وَقَالَ ٱلْمَلِكُ ٱئْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ ٱلْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ * قَالَ ٱجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَآئِنِ ٱلأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ}تفسير : [يوسف: 54-55]. وقوله: {وَٱلسَّلاَمُ عَلَىٰ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلْهُدَىٰ} [طه: 47] وهذه ليست تحية؛ لأنك تُحيي مَنْ كان مُتبعاً للهدى، وتدعو له بالسلام، فإنْ لم يكُنْ كذلك فهي نهاية للكلام. لذلك كان يكتبها رسول الله صلى الله عليه وسلم في كتبه إلى المقوقس عظيم القبط، وإلى هرقل عظيم الروم، يقول: "حديث : اسلم تسلم، يؤتِكَ الله أجرك مرتين، فإنْ توليت فإنما عليك إثم الأريسيين والسلام على مَنِ اتبع الهدى ". تفسير : قال موسى وهارون لفرعون: {إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَآ ...}.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: فأتياه بهذين الأمرين، دعوته إلى الإسلام، وتخليص هذا الشعب الشريف بني إسرائيل -من قيده وتعبيده لهم، ليتحرروا ويملكوا أمرهم، ويقيم فيهم موسى شرع الله ودينه. { قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ } تدل على صدقنا {أية : فَأَلْقَى } تفسير : موسى {أية : عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ * وَنزعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ } تفسير : إلى آخر ما ذكر الله عنهما. { وَالسَّلامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى } أي من اتبع الصراط المستقيم واهتدى بالشرع المبين حصلت له السلامة في الدنيا والآخرة. { إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا } أي خبر من عند الله لا من عند أنفسنا { أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى } أي كذب بأخبار الله وأخبار رسله وتولى عن الانقياد لهم واتباعهم وهذا فيه الترغيب لفرعون بالإيمان والتصديق واتباعهما والترهيب من ضد ذلك ولكن لم يفد فيه هذا الوعظ والتذكير فأنكر ربه وكفر وجادل في ذلك ظلما وعنادا.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):