٢٠ - طه
20 - Ta-Ha (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
49
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنهما عليهما السلام لما قالا: إنا رسولا ربك قال لهما: فمن ربكما يا موسى، فيه مسائل: المسألة الأولى: أن فرعون كان شديد القوة عظيم الغلبة كثير العسكر ثم إن موسى عليه السلام لما دعاه إلى الله تعالى لم يشتغل معه بالبطش والإيذاء بل خرج معه في المناظرة لما أنه لو شرع أولاً في الإيذاء لنسب إلى الجهل والسفاهة فاستنكف من ذلك وشرع أولاً في المناظرة وذلك يدل على أن السفاهة من غير الحجة شيء ما كان يرتضيه فرعون مع كمال جهله وكفره فكيف يليق ذلك بمن يدعي الإسلام والعلم ثم إن فرعون لما سأل موسى عليه السلام عن ذلك قبل موسى ذلك السؤال واشتغل بإقامة الدلالة على وجود الصانع وذلك يدل على فساد التقليد ويدل أيضاً على فساد قول التعليمية الذين يقولون نستفيد معرفة الإله من قول الرسول لأن موسى عليه السلام اعترف ههنا بأن معرفة الله تعالى يجب أن تكون مقدمة على معرفة الرسول وتدل على فساد قول الحشوية الذين يقولون نستفيد معرفة الله والدين من الكتاب والسنة. المسألة الثانية: تدل الآية على أنه يجوز حكاية كلام المبطل لأنه تعالى حكى كلام فرعون في إنكاره الإله وحكى شبهات منكري النبوة وشبهات منكري الحشر، إلا أنه يجب أنك متى أوردت السؤال فاقرنه بالجواب لئلا يبقى الشك كما فعل الله تعالى في هذه المواضع. المسألة الثالثة: دلت الآية على أن المحق يجب عليه استماع كلام المبطل والجواب عنه من غير إيذاء ولا إيحاش كما فعل موسى عليه السلام بفرعون ههنا وكما أمر الله تعالى رسوله في قوله: {أية : ٱدْعُ إِلِىٰ سَبِيلِ رَبّكَ بِٱلْحِكْمَةِ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ } تفسير : [النحل: 125] وقال: { أية : وَإِنْ أَحَدٌ مّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ٱسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلاَمَ ٱللَّهِ } تفسير : [التوبة: 6]. المسألة الرابعة: اختلف الناس في أن فرعون هل كان عارفاً بالله تعالى فقيل إنه كان عارفاً إلا أنه كان يظهر الإنكار تكبراً وتجبراً وزوراً وبهتاناً، واحتجوا عليه بستة أوجه. أحدها: قوله: { أية : لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَـؤُلاء إِلاَّ رَبُّ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } تفسير : [الإسراء: 102] فمتى نصبت التاء في علمت كان ذلك خطاباً من موسى عليه السلام مع فرعون فدل ذلك على أن فرعون كان عالماً بذلك وكذا قوله تعالى: { أية : وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً } تفسير : [النمل: 14]. وثانيها: أنه كان عاقلاً وإلا لم يجز تكليفه وكل من كان عاقلاً قد علم بالضرورة أنه وجد بعد العدم وكل من كان كذلك افتقر إلى مدبر وهذان العلمان الضروريان يستلزمان العلم بوجود المدبر. وثالثها: قول موسى عليه السلام ههنا: {رَبُّنَا ٱلَّذِى أَعْطَىٰ كُلَّ شَىء خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ } وكلمة الذي تقتضي وصف المعرفة بجملة معلومة فلا بد وأن تكون هذه الجملة قد كانت معلومة له. ورابعها: قوله في سورة القصص في صفة فرعون وقومه وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون فذلك يدل على أنهم كانوا عالمين بالمبدأ إلا أنهم كانوا منكرين للمعاد. وخامسها: أن ملك فرعون لم يتجاوز القبط ولم يبلغ الشام ولما هرب موسى عليه السلام إلى مدين قال له شعيب: { أية : لاَ تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ } تفسير : [القصص: 25] فمع هذا كيف يعتقد أنه إله العالم؟ وسادسها: أنه لما قال: { أية : وَمَا رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } تفسير : [الشعراء: 23] قال موسى عليه السلام: { أية : رَبّ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا } تفسير : [الشعراء: 24] قال: { أية : إِنَّ رَسُولَكُمُ ٱلَّذِى أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ } تفسير : [الشعراء: 27] يعني أنا أطلب منه الماهية وهو يشرح الوصف فهو لم ينازع موسى في الوجود بل طلب منه الماهية فدل هذا على اعترافه بأصل الوجود، ومن الناس من قال إنه كان جاهلاً بربه واتفقوا على أن العاقل لا يجوز أن يعتقد في نفسه أنه خالق هذه السموات والأرضين والشمس والقمر وأنه خالق نفسه لأنه يعلم بالضرورة عجزه عنها ويعلم بالضرورة أنها كانت موجودة قبله فيحصل العلم الضروري بأنه ليس موجوداً لها ولا خالقاً لها، واختلفوا في كيفية جهله بالله تعالى فيحتمل أنه كان دهرياً نافياً للمؤثر أصلاً، ويحتمل أنه كان فلسفياً قائلاً بالعلة لموجبه، ويحتمل أنه كان من عبدة الكواكب، ويحتمل أنه كان من الحلولية المجسمة. وأما ادعاؤه الربوبية لنفسه فبمعنى أنه يجب عليهم طاعته والانقياد له وعدم الاشتغال بطاعة غيره. المسألة الخامسة: أنه سبحانه حكى عنه في هذه السورة أنه قال: {فَمَن رَّبُّكُمَا يٰمُوسَىٰ } وقال في سورة الشعراء: {وَمَا رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } فالسؤال ههنا بمن وهو عن الكيفية وفي سورة الشعراء بما وهو عن الماهية وهما سؤالان مختلفان والواقعة واحدة والأقرب أن يقال سؤال من كان مقدماً على سؤال ما لأنه كان يقول إني أنا الله والرب فقال فمن ربكما فلما أقام موسى الدلالة على الوجود وعرف أنه لا يمكنه أن يقاومه في هذا المقام لظهوره وجلائه عدل إلى المقام الثاني وهو طلب الماهية وهذا أيضاً مما ينبه على أنه كان عالماً بالله لأنه ترك المنازعة في هذا المقام لعلمه بغاية ظهوره وشرع في المقام الصعب لأن العلم بماهية الله تعالى غير حاصل للبشر. المسألة السادسة: إنما قال: {فَمَن رَّبُّكُمَا } ولم يقل فمن إلهكما لأنه أثبت نفسه رباً في قوله: { أية : أَلَمْ نُرَبّكَ فِينَا وَلِيداً وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ } تفسير : [الشعراء: 18] فذكر ذلك على سبيل التعجب كأنه قال له أنا ربك فلم تدعى رباً آخر وهذا الكلام شبيه بكلام نمروذ لأن إبراهيم عليه السلام لما قال: { أية : رَبّيَ ٱلَّذِى يُحْيِ وَيُمِيتُ } تفسير : [البقرة: 258] قال نمروذ له: { أية : أنا أحيي وأميت } تفسير : [البقرة: 258] ولم يكن الإحياء والإماتة التي ذكرهما إبراهيم عليه السلام هما الذي عارضه بهما نمروذ إلا في اللفظ فكذا ههنا لما ادعى موسى ربوبية الله تعالى ذكر فرعون هذا الكلام ومراده أني أنا الرب لأني ربيتك ومعلوم أن الربوبية التي ادعاها موسى لله سبحانه وتعالى غير هذه الربوبية في المعنى وأنه لا مشاركة بينهما إلا في اللفظ. المسألة السابعة: اعلم أن موسى عليه السلام استدل على إثبات الصانع بأحوال المخلوقات وهو قوله: {رَبُّنَا ٱلَّذِى أَعْطَىٰ كُلَّ شَىء خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ } وهذه الدلالة هي التي ذكرها الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم في قوله: { أية : سَبِّحِ ٱسْمَ رَبّكَ ٱلأَعْلَىٰ * ٱلَّذِي خَلَقَ فَسَوَّىٰ * وَٱلَّذِى قَدَّرَ فَهَدَىٰ } تفسير : [الأعلى:1 ـ 3] قال إبراهيم عليه السلام: {فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاَّ رَبَّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ٱلَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ } وإن موسى عليه السلام في أكثر الأمور يعول على دلائل إبراهيم عليه السلام وسيأتي تقرير ذلك في سورة الشعراء إن شاء الله تعالى واعلم أنه يشبه أن يكون الخلق عبارة عن تركيب القوالب والأبدان والهداية عبارة عن إبداع القوى المدركة والمحركة في تلك الأجسام وعلى هذا التقدير يكون الخلق مقدماً على الهداية ولذلك قال: { أية : فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى } تفسير : [الحجر: 29] فالتسوية راجعة إلى القالب ونفخ الروح إشارة إلى إبداع القوى وقال: { أية : وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنْسَـٰنَ مِن سُلَـٰلَةٍ مّن طِينٍ } تفسير : [المؤمنون: 12] إلى أن قال: { أية : ثُم أنشأناه خلقاً آخر } تفسير : [المؤمنون: 14] فظهر أن الخلق مقدم على الهداية، والشروع في بيان عجائب حكمة الله تعالى في الخلق والهداية شروع في بحر لا ساحل له. ولنذكر منه أمثلة قريبة إلى الأفهام. أحدها: أن الطبيعي يقول: الثقيل هابط والخفيف صاعد وأشد الأشياء ثقلاً الأرض ثم الماء وأشدها خفة النار ثم الهواء فلذلك وجب أن تكون النار أعلى العنصريات والأرض أسفلها، ثم إنه سبحانه قلب هذا الترتيب في خلقة الإنسان فجعل أعلى الأشياء منه العظم والشعر وهما أيبس ما في البدن وهما بمنزلة الأرض ثم جعل تحته الدماغ الذي هو بمنزلة الماء وجعل تحته النفس الذي هو بمنزلة الهواء وجعل تحته الحرارة الغريزية التي في القلب التي هي بمنزلة النار فجعل مكان الأرض من البدن الأعلى وجعل مكان النار من البدن الأسفل ليعرف أن ذلك بتدبير القادر الحكيم الرحيم لا باقتضاء العلة والطبيعة. وثانيها: إنك إذا نظرت إلى عجائب النحل في تركيب البيوت المسدسة وعجائب أحوال البق والبعوض في اهتدائها إلى مصالح أنفسها لعرفت أن ذلك لا يمكن إلا بالهام مدبر عالم بجميع المعلومات. وثالثها: أنه تعالى هو الذي أنعم على الخلائق بما به قوامهم من المطعوم والمشروب والملبوس والمنكوح ثم هداهم إلى كيفية الانتفاع بها ويستخرجون الحديد من الجبال واللآلى من البحار ويركبون الأدوية والدرياقات النافعة ويجمعون بين الأشياء المختلفة فيستخرجون لذات الأطعمة فثبت أنه سبحانه هو الذي خلق كل الأشياء ثم أعطاهم العقول التي بها يتوصلون إلى كيفية الانتفاع بها، وهذا غير مختص بالإنسان بل عام في جميع الحيوانات فأعطى الإنسان إنسانة والحمار حمارة والبعير ناقة ثم هداه لها ليدوم التناسل وهدى الأولاد لثدي الأمهات، بل هذا غير مختص بالحيوانات بل هو حاصل في أعضائها فإنه خلق اليد على تركيب خاص وأودع فيها قوة الأخذ وخلق الرجل على تركيب خاص وأودع فيها قوة المشي وكذا العين والأذن وجميع الأعضاء ثم ربط البعض بالبعض على وجوه يحصل من ارتباطها مجموع واحد، وهو الإنسان. وإنما دلت هذه الأشياء على وجود الصانع سبحانه لأن اتصاف كل جسم من هذه الأجسام بتلك الصفة أعني التركيب والقوة والهداية، إما أن يكون واجباً أو جائزاً والأول باطل لأنا نشاهد تلك الأجسام بعد الموت منفكة عن تلك التراكيب والقوى فدل على أن ذلك جائز، والجائز لا بد له من مرجح وليس ذلك المرجح هو الإنسان ولا أبواه لأن فعل ذلك يستدعي قدرة عليه وعلماً بما فيه من المصالح والمفاسد، والأمران نائيان عن الإنسان لأنه بعد كمال عقله يعجز عن تغيير شعرة واحدة، وبعد البحث الشديد عن كتب التشريح لايعرف من منافع الأعضاء ومصالحها إلا القدر القليل فلا بد أن يكون المتولي لتدبيرها وترتيبها موجوداً آخر وذلك الموجود لا يجوز أن يكون جسماً لأن الأجسام متساوية في الجسمية فاختصاص ذلك الجسم بتلك المؤثرية لا بد وأن يكون جائزاً وإن كان جائزاً افتقر إلى سبب آخر والدور والتسلسل محالان، فلا بد من الانتهاء في سلسلة الحاجة إلى موجود مؤثر ومدبر ليس بجسم ولا جسماني ثم تأثير ذلك المؤثر إما أن يكون بالذات أو بالاختيار، والأول محال لأن الموجب لا يميز مثلاً عن مثل وهذه الأجسام متساوية في الجسمية فلم اختص بعضها بالصورة الفلكية وبعضها بالصورة العنصرية وبعضها بالنباتية وبعضها بالحيوانية؟ فثبت أن المؤثر والمدبر قادر والقادر لا يمكنه مثل هذه الأفعال العجيبة إلا إذا كان عالماً، ثم إن هذا المدبر الذي ليس بجسم ولا جسماني لا بد وأن يكون واجب الوجود في ذاته وفي صفاته وإلا لافتقر إلى مدبر آخر ويلزم التسلسل وهو محال، وإذا كان واجب الوجود في قادريته وعالميته والواجب لذاته لا يتخصص ببعض الممكنات دون البعض وجب [أن] يكون عالماً بكل ما صح أن يكون معلوماً وقادراً على كل ما صح أن يكون مقدوراً فظهر بهذه الدلالة التي تمسك بها موسى عليه السلام ونبه على تقريرها استناد العالم إلى مدبر ليس بجسم ولا جسماني وهو واجب الوجود في ذاته وفي صفاته عالم بكل المعلومات قادر على كل المقدورات وذلك هو الله سبحانه وتعالى. المسألة الثامنة: أن فرعون خاطب الاثنين بقوله: {فَمَن رَّبُّكُمَا } ثم وجه النداء إلى أحدهما وهو موسى عليه السلام لأنه الأصل في النبوة وهرون وزيره وتابعه، وإما لأن فرعون كان لخبثه يعلم الرتة التي في لسان موسى عليه السلام فأراد استنطاقه دون أخيه لما عرف من فصاحته والرتة التي في لسان موسى عليه السلام ويدل عليه قوله: { أية : أَمْ أَنَا خَيْرٌ مّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ } تفسير : [الزخرف: 52]. المسألة التاسعة: في قوله: {ٱلَّذِى أَعْطَىٰ كُلَّ شَىء خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ } وجهان: أحدهما: التقديم والتأخير أي أعطى خلقه كل شيء يحتاجون إليه ويرتفقون به. وثانيهما: أن يكون المراد من الخلق الشكل والصورة المطابقة للمنفعة فكأنه سبحانه قال: أعطى كل شيء الشكل الذي يطابق منفعته ومصلحته، وقرىء خلقه صفة للمضاف أو المضاف إليه، والمعنى أن كل شيء خلقه الله لم يخله من إعطائه وإنعامه، وأما قوله تعالى: {قَالَ فَمَا بَالُ ٱلْقُرُونِ ٱلأَولَىٰ } فاعلم أن في ارتباط هذا الكلام بما قبله وجوهاً. أحدها: أن موسى عليه السلام لما قرر على فرعون أمر المبدأ والمعاد قال فرعون: إن كان إثبات المبدأ في هذا الحد من الظهور: {فَمَا بَالُ ٱلْقُرُونِ ٱلأَولَىٰ } ما أثبتوه وتركوه؟ فكان موسى عليه السلام لما استدل بالدلالة القاطعة على إثبات الصانع قدح فرعون في تلك الدلالة بقوله إن كان الأمر في قوة هذه الدلالة على ما ذكرت وجب على أهل القرون الماضية أن لا يكونوا غافلين عنها فعارض الحجة بالتقليد. وثانيها: أن موسى عليه السلام هدد بالعذاب أولاً في قوله: { أية : إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ ٱلْعَذَابَ عَلَىٰ مَن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ } تفسير : [طه: 48] فقال فرعون: {فَمَا بَالُ ٱلْقُرُونِ ٱلأَولَىٰ } فإنها كذبت ثم إنهم ما عذبوا؟ وثالثها: وهو الأظهر أن فرعون لما قال: {فَمَن رَّبُّكُمَا يٰمُوسَىٰ } فذكر موسى عليه السلام دليلاً ظاهراً وبرهاناً باهراً على هذا المطلوب فقال: {رَبُّنَا ٱلَّذِى أَعْطَىٰ كُلَّ شَىء خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ } فخاف فرعون أن يزيد في تقرير تلك الحجة فيظهر للناس صدقه وفساد طريق فرعون فأراد أن يصرفه عن ذلك الكلام وأن يشغله بالحكايات فقال: {فَمَا بَالُ ٱلْقُرُونِ ٱلأُولَىٰ } فلم يلتفت موسى عليه السلام إلى ذلك الحديث بل قال: {عِلْمُهَا عِندَ رَبّي فِى كِتَـٰبٍ } ولا يتعلق غرضي بأحوالهم فلا أشتغل بها، ثم عاد إلى تتميم كلامه الأول وإيراد الدلائل الباهرة على الوحدانية فقال: {ٱلَّذِى خَلَقَ لَكُم ٱلأَرْضَ مَهْداً وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً } وهذا الوجه هو المعتمد في صحة هذا النظم، ثم ههنا مسائل: المسألة الأولى: اختلفوا في قوله: {عِلْمُهَا عِندَ رَبّي فِى كِتَـٰبٍ } فإن العلم الذي يكون عند الرب كيف يكون في الكتاب؟ وتحقيقه هو أن علم الله تعالى صفته وصفة الشيء قائمة به، فأما أن تكون صفة الشيء حاصلة في كتاب فذاك غير معقول فذكروا فيه وجهين: الأول: معناه أنه سبحانه أثبت تلك الأحكام في كتاب عنده لكون ما كتبه فيه يظهر للملائكة فيكون ذلك زيادة لهم في الاستدلال على أنه تعالى عالم بكل المعلومات منزه عن السهو والغفلة، ولقائل أن يقول قوله: {فِى كِتَـٰبِ } يوهم احتياجه سبحانه وتعالى في ذلك العلم إلى ذلك الكتاب وهذا وإن كان غير واجب لا محالة ولكنه لا أقل من أنه يوهمه في أول الأمر لا سيما للكافر فكيف يحسن ذكره مع معاند مثل فرعون في وقت الدعوة؟ الوجه الثاني: أن تفسير ذلك بأن بقاء تلك المعلومات في علمه سبحانه كبقاء المكتوب في الكتاب فيكون الغرض من هذا الكلام تأكيد القول بأن أسرارها معلومة لله تعالى بحيث لا يزول شيء منها عن علمه، وهذا التفسير مؤكد بقوله بعد ذلك: {لاَّ يَضِلُّ رَبّي وَلاَ يَنسَى }. المسألة الثانية: اختلفوا في قوله: {لاَّ يَضِلُّ رَبّي وَلاَ يَنسَى } فقال بعضهم معنى اللفظين واحد أي لا يذهب عليه شيء ولا يخفى عليه وهذا قول مجاهد والأكثرون على الفرق بينهما، ثم ذكروا وجوهاً. أحدها: وهو الأحسن ما قاله القفال لا يضل عن الأشياء ومعرفتها وما علم من ذلك لم ينسه فاللفظ الأول إشارة إلى كونه عالماً بكل المعلومات واللفظ الثاني وهو قوله: ولا ينسى دليل على بقاء ذلك العلم أبد الآباد وهو إشارة إلى نفي التغير. وثانيها: قال مقاتل: لا يخطىء ذلك الكتاب ربي ولا ينسى ما فيه. وثالثها: قال الحسن لا يخطىء وقت البعث ولا ينساه. ورابعها: قال أبو عمرو أصل الضلال الغيبوبة والمعنى لا يغيب عن شيء ولا يغيب عنه شيء. وخامسها: قال ابن جرير لا يخطىء في التدبير فيعتقد في غير الصواب كونه صواباً وإذا عرفه لا ينساه وهذه الوجوه متقاربة والتحقيق هو الأول. المسألة الثالثة: أنه لما سأله عن الإله وقال: {فَمَن رَّبُّكُمَا يٰمُوسَىٰ } وكان ذلك مما سبيله الإستدلال أجاب بما هو الصواب بأوجز عبارة وأحسن معنى، ولما سأله عن شأن القرون الأولى وكان ذلك مما سبيله الإخبار ولم يأته في ذلك خبر وكله إلى عالم الغيوب، واعلم أن موسى عليه السلام لما ذكر الدلالة الأولى وهي دلالة عامة تتناول جميع المخلوقات من الإنسان وسائر الحيوانات وأنواع النبات والجمادات ذكر بعد ذلك دلائل خاصة وهي ثلاثة. أولها: قوله تعالى: {ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ مَهْداً } وفيه أبحاث: البحث الأول: قرأ أهل الكوفة ههنا وفي الزخرف {مهـداً } والباقون قرؤوا مهاداً فيهما قال أبو عبيدة: الذي اختاره مهاداً وهو اسم والمهد اسم الفعل، وقال غيره: المهد الاسم والمهاد الجمع كالفرش والفراش أجاب أبو عبيدة بأن الفراش اسم والفرش فعل، وقال المفضل هما مصدران لمهد إذا وطأ له فراشاً يقال مهد مهداً ومهاداً وفرش فرشاً وفراشاً. البحث الثاني: قال صاحب «الكشاف»: {ٱلَّذِي جَعَلَ } مرفوع لأنه خبر مبتدأ محذوف أو لأنه صفة لربي أو منصوب على المدح وهذا من مظانه ومجازه، واعلم أنه يجب الجزم بكونه خبراً لمبتدأ محذوف إذ لو حملناه على الوجهين الباقيين لزم كونه من كلام موسى عليه السلام ولو كان كذلك لفسد النظم بسبب قوله: {فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مّن نَّبَـٰتٍ شَتَّىٰ } على ما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى. البحث الثالث: المراد من كون الأرض مهداً أنه تعالى جعلها بحيث يتصرف العباد وغيرهم عليها بالقعود والقيام والنوم والزراعة وجميع وجوه المنافع وقد ذكرناه مستقصى في سورة البقرة في تفسير قوله تعالى: {أية : ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ فِرَاشاً وَٱلسَّمَاء بِنَاء } تفسير : [البقرة:22]. وثانيها: قوله تعالى: {وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً } قال صاحب «الكشاف» سلك من قوله: { أية : مَا سَلَكَكُمْ فِى سَقَرَ } تفسير : [المدثر: 42] { أية : كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ ٱلْمُجْرِمِينَ } تفسير : [الشعراء: 200] أي جعل لكم فيها سبلاً ووسطها بين الجبال والأودية والبراري. وثالثها: قوله: {وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاء مَاء } والكلام فيه قد مر في سورة البقرة أما قوله: {فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مّن نَّبَـٰتٍ شَتَّىٰ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: قوله: {فَأَخْرَجْنَا } فيه وجوه. أحدها: أن يكون هذا من تمام كلام موسى عليه السلام كأنه يقول ربي الذي جعل لكم كذا وكذا فأخرجنا نحن معاشر عباده بذلك الماء بالحراثة أزواجاً من نبات شتى. وثانيها: أن عند قوله: {وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاء مَاء } تم كلام موسى عليه السلام ثم بعد ذلك أخبر الله تعالى عن صفة نفسه متصلاً بالكلام الأول بقوله: {فَأَخْرَجْنَا بِهِ } ثم يدل على هذا الاحتمال قوله: {كُلُواْ وَٱرْعَوْا أَنْعَـٰمَكُمْ }. وثالثها: قال صاحب «الكشاف» انتقل فيه من لفظ الغيبة إلى لفظ المتكلم المطاع للإيذان بأنه سبحانه وتعالى مطاع تنقاد الأشياء المختلفة لأمره ومثله قوله تعالى: { أية : وَهُوَ ٱلَّذِي أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلّ شَىْء } تفسير : [الأنعام: 99] { أية : أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أنَزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا } تفسير : [فاطر: 27] { أية : أَمَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُمْ مّنَ ٱلسَّمَاء مَاء فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ } تفسير : [النمل: 60] واعلم أن قوله: {فَأَخْرَجْنَا } إما أن يكون من كلام موسى عليه السلام أو من كلام الله تعالى والأول باطل لأن قوله بعد ذلك: {كُلُواْ وَٱرْعَوْا أَنْعَـٰمَكُمْ إِنَّ فِى ذٰلِكَ لأيَـٰتٍ لأُوْلِى ٱلنُّهَىٰ مِنْهَا خَلَقْنَـٰكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ } لا يليق بموسى عليه السلام وأيضاً فقوله: {فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مّن نَّبَـٰتٍ شَتَّىٰ } لا يليق بموسى لأن أكثر ما في قدرة موسى عليه السلام صرف المياه إلى سقي الأراضي وأما إخراج النبات على اختلاف ألوانها وطبائعها فليس من موسى عليه السلام فثبت أن هذا كلام الله ولا يجوز أن يقال كلام الله ابتداؤه من قوله: {فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مّن نَّبَـٰتٍ شَتَّىٰ } لأن الفاء يتعلق بما قبله فلا يجوز جعل هذا كلام الله تعالى وجعل ما قبله كلام موسى عليه السلام فلم يبق إلا أن يقال: إن كلام موسى عليه السلام تم عند قوله: {لاَّ يَضِلُّ رَبّي وَلاَ يَنسَى } ثم ابتدىء كلام الله تعالى من قوله: {ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ مَهْداً } ويكون التقدير هو الذي {جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ مَهْداً } فيكون الذي خبر مبتدأ محذوف ويكون الانتقال من الغيبة إلى الخطاب التفاتاً. المسألة الثانية: ظاهر الآية يدل على أنه سبحانه إنه يخرج النبات من الأرض بواسطة إنزال الماء فيكون للماء فيه أثر وهذا بتقدير ثبوته لا يقدح في شيء من أصول الإسلام لأنه سبحانه وتعالى هو الذي أعطاها هذه الخواص والطبائع لكن المتقدمين من المتكلمين ينكرونه ويقولون لا تأثير له فيه ألبتة. المسألة الثالثة: قوله تعالى: {أَزْوٰجاً } أي أصنافاً سميت بذلك لأنها مزدوجة مقرونة بعضها مع بعض {شَتَّىٰ } صفة للأزواج جمع شتيت كمريض ومرضى ويجوز أن يكون صفة للنبات والنبات مصدر سمي به النابت كما يسمى بالنبت فاستوى فيه الواحد والجمع يعني أنها شتى مختلفة النفع والطعم والطبع بعضها يصلح للناس وبعضها يصلح للبهائم أما قوله: {كُلُواْ وَٱرْعَوْا أَنْعَـٰمَكُمْ } فهو حال من الضمير في أخرجنا والمعنى أخرجنا أصناف النبات آذنين في الانتفاع بها مبيحين أن تأكلوا بعضها وتعلفوا بعضها. وقد تضمن قوله كلوا سائر وجوه المنافع فهو كقوله: { أية : وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوٰلَكُمْ بَيْنَكُم بِٱلْبَاطِلِ } تفسير : [البقرة: 188] وقوله: { أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوٰلَ ٱلْيَتَـٰمَىٰ ظُلْماً } تفسير : [النساء: 10] وقوله: {كُلُواْ } أمر إباحة {إِنَّ فِى ذَلِكَ } أي فيما ذكرت من هذه النعم {لآيَاتٍ } أي لدلالات لذوي النهى أي العقول والنهية العقل. قال أبو علي الفارسي: النهى يجوز أن يكون مصدراً كالهدى ويجوز أن يكون جمعاً أما قوله: {مِنْهَا خَلَقْنَـٰكُمْ } فاعلم أنه سبحانه لما ذكر منافع الأرض والسماء بين أنها غير مطلوبة لذاتها بل هي مطلوبة لكونها وسائل إلى منافع الآخرة فقال: {مِنْهَا خَلَقْنَـٰكُمْ } وفيه سؤالان: السؤال الأول: ما معنى قوله: {مِنْهَا خَلَقْنَـٰكُمْ } مع أنه سبحانه وتعالى خلقنا من نطفة على ما بين ذلك في سائر الآيات. والجواب من وجهين: الأول: أنه لما خلق أصلنا وهو آدم عليه السلام من التراب على ما قال: { أية : كَمَثَلِ ءادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ } تفسير : [آل عمران: 59] لا جرم أطلق ذلك علينا. الثاني: أن تولد الإنسان إنما هو من النطفة ودم الطمث وهما يتولدان من الأغذية، والغذاء إما حيواني أو نباتي والحيواني ينتهي إلى النبات والنبات إنما يحدث من امتزاج الماء والتراب فصح أنه تعالى خلقنا منها وذلك لا ينافي كوننا مخلوقين من النطفة. والثالث: ذكرنا في قوله تعالى: { أية : هُوَ ٱلَّذِي يُصَوّرُكُمْ فِي ٱلأَرْحَامِ } تفسير : [آل عمران: 6] خبر ابن مسعود أن الله يأمر ملك الأرحام أن يكتب الأجل والرزق والأرض التي يدفن فيها وأنه يأخذ من تراب تلك البقعة ويذره على النطفة ثم يدخلها في الرحم. السؤال الثاني: ظاهر الآية يدل على أن الشيء قد يكون مخلوقاً من الشيء وظاهر قول المتكلمين يأباه. والجواب: إن كان المراد من خلق الشيء من الشيء إزالة صفة الشيء الأول عن الذات وأحداث صفة الشيء الثاني فيه فذلك جائز لأنه لا منافاة فيه، أما قوله تعالى: {وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ } فلا شبهة في أن المراد الإعادة إلى القبور حتى تكون الأرض مكاناً وظرفاً لكل من مات إلا من رفعه الله إلى السماء، ومن هذا حاله يحتمل أن يعاد إليها أيضاً بعد ذلك، أما قوله تعالى: {وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَىٰ } ففيه وجوه: أحدها: وهو الأقرب: {وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ } يوم الحشر والبعث. وثانيها: ومنها نخرجكم تراباً وطيناً ثم نحييكم بعد الإخراج وهذا مذكور في بعض الأخبار. وثالثها: المراد عذاب القبر عن البراء قال: «حديث : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة رجل من الأنصار فذكر عذاب القبر وما يخاطب به المؤمن والكافر وأنه ترد روحه في جسده ويرد إلى الأرض وأنه تعالى يقول عند إعادتهم إلى الأرض إني وعدتهم أني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى»،تفسير : واعلم أن الله تعالى عدد في هذه الآيات منافع الأرض وهي أنه تعالى جعلها لهم فراشاً ومهاداً يتقلبون عليها وسوى لهم فيها مسالك يترددون فيها كيف أرادوا وأنبت فيها أصناف النبات التي منها أقواتهم وعلف دوابهم وهي أصلهم الذي منه يتفرعون ثم هي كفاتهم إذا ماتوا، ومن ثم قال عليه السلام: «حديث : بروا بالأرض فإنها بكم برة».
البيضاوي
تفسير : {قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يٰمُوسَىٰ} أن بعد ما أتياه وقالا له ما أمرا به، ولعله حذف لدلالة الحال عليه فإن المطيع إذا أمر بشيء فعله لا محالة، وإنما خاطب الإِثنين وخص موسى عليه الصلاة والسلام بالنداء لأنه الأصل وهرون وزيره وتابعه، أو لأنه عرف أن له رتة ولأخيه فصاحة فأراد أن يفحمه ويدل عليه قوله {أية : أَمْ أَنَا خَيْرٌ مّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِى هُوَ مَهِينٌ وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ }تفسير : [الزخرف: 52].
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى مخبراً عن فرعون: أنه قال لموسى منكراً وجود الصانع الخالق إله كل شيء وربه ومليكه، قال: {فَمَن رَّبُّكُمَا يٰمُوسَىٰ} أي: الذي بعثك وأرسلك من هو؟ فإني لا أعرفه، وما علمت لكم من إله غيري {قَالَ رَبُّنَا ٱلَّذِىۤ أَعْطَىٰ كُلَّ شَىءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ}. قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: يقول: خلق لكل شيء زوجه. وقال الضحاك عن ابن عباس: جعل الإنسان إنساناً، والحمار حماراً، والشاة شاة. وقال ليث بن أبي سليم عن مجاهد: أعطى كل شيء صورته. وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد: سوى خلق كل دابة. وقال سعيد بن جبير في قوله: {أَعْطَىٰ كُلَّ شَىءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ} قال: أعطى كل ذي خلق ما يصلحه من خلقه، ولم يجعل للإنسان من خلق الدابة، ولاللدابة من خلق الكلب، ولا للكلب من خلق الشاة، وأعطى كل شيء ما ينبغي له من النكاح، وهيأ كل شيء على ذلك، ليس شيء منها يشبه شيئاًمن أفعاله في الخلق والرزق والنكاح. وقال بعض المفسرين: أعطى كل شيء خلقه ثم هدى، كقوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِى قَدَّرَ فَهَدَىٰ} تفسير : [الأعلى: 3] أي: قدر قدراً، وهدى الخلائق إليه، أي: كتب الأعمال والآجال والأرزاق، ثم الخلائق ماشون على ذلك، لا يحيدون عنه، ولا يقدر أحد على الخروج منه. يقول ربنا الذي خلق الخلق، وقدر القدر، وجبل الخليقة على ما أراد: {قَالَ فَمَا بَالُ ٱلْقُرُونِ ٱلأُولَىٰ} أصح الأقوال في معنى ذلك: أن فرعون لماأخبره موسى بأن ربه الذي أرسله هو الذي خلق ورزق، وقدر فهدى، شرع يحتج بالقرون الأولى، أي: الذين لم يعبدوا الله، أي: فما بالهم إذا كان الأمر كذلك، لم يعبدوا ربك، بل عبدوا غيره؟ فقال له موسى في جواب ذلك: هم وإن لم يعبدوه، فإن علمهم عند الله مضبوط عليهم، وسيجزيهم بعملهم في كتاب الله، وهو اللوح المحفوظ وكتاب الأعمال {لاَّ يَضِلُّ رَبِّى وَلاَ يَنسَى} أي: لا يشذ عنه شيء، ولا يفوته صغير ولا كبير، ولا ينسى شيئاً، يصف علمه تعالى بأنه بكل شيء محيط، وأنه لا ينسى شيئاً، تبارك وتعالى وتقدس وتنزه، فإن علم المخلوق يعتريه نقصانان: أحدهما عدم الإحاطة بالشيء، والآخر نسيانه بعد علمه، فنزه نفسه عن ذلك.
المحلي و السيوطي
تفسير : {قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يٰمُوسَىٰ }؟ اقتصر عليه لأنه الأصل ولإدلاله عليه بالتربية.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: أعطى كل شيء زوجه من جنسه، ثم هداه لنكاحه، قاله ابن عباس والسدي. الثاني: أعطى كل شيء صورته، ثم هداه إلى معيشته ومطعمه ومشربه، قاله مجاهد قال الشاعر: شعر : وله في كل شيء خلقهُ وكذلك الله ما شاء فعل تفسير : يعني بالخلقة الصورة. الثالث: أعطى كلاً ما يصلحه، ثم هداه له، قاله قتادة. ويحتمل رابعاً: أعطى كل شيءٍ ما ألهمه من علم أو صناعة وهداه إلى معرفته. قوله تعالى: {فَمَا بَالُ الْقُرونِ الأَُولَى} وهي جمع قرن، والقرن أهل كل عصر مأخوذ من قرانهم فيه. وقال الزجاج: القرن أهل كل عصر وفيه نبي أو طبقة عالية في العلم، فجعله من اقتران أهل العصر بأهل العلم، فإذا كان زمان فيه فترة وغلبة جهل لم يكن قرناً. واختلف في سؤال فرعون عن القرون على أربعة أوجه: أحدها: أنه سأله عنها فيما دعاه إليه من الإيمان، هل كانوا على مثل ما يدعو إليه أو بخلافه. الثاني: أنه قال ذلك له قطعاً للاستدعاء ودفعاً عن الجواب. الثالث: أنه سأله عن ذنبهم ومجازاتهم. الرابع: أنه لما دعاه إلى الإِقرار بالبعث قال: ما بال القرون الأولى لم تبعث. {قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي} فرد موسى علم ذلك إلى ربه. {فِي كِتَابٍ} {لاَّ يَضِلُّ رَبِّي وَلاَ يَنسَى} أي لم يجعل علم ذلك في كتاب لأنه يضل أو ينسى. ويحتمل إثباته في الكتاب وجهين: أحدهما: أن يكون له فضلاً له وحكماً به. الثاني: ليعلم به ملائكته في وقته. وفي قوله: {لاَّ يَضِلُّ رَبِّي وَلاَ يَنسَى} وجهان: أحدهما: لا يخطىء فيه ولا يتركه. الثاني: لا يضل الكتاب عن ربي، ولا ينسى ربي ما في الكتاب، قاله ابن عباس. قال مقاتل: ولم يكن في ذلك [الوقت] عند موسى علم القرون الأولى، لأنه علمها من التوراة، ولم تنزل عليه إلا بعد هلاك فرعون وغرقه.
الخازن
تفسير : {قال} يعني فرعون {فمن ربكما يا موسى} أي فمن إلهكما الذي أرسلكما {قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى} أي كل شيء يحتاجون إليه ويرتفقون به، وقيل أعطى كل شيء صلاحه وهداه، وقيل أعطى كل شيء صورته فخلق اليد للبطش والرجل للمشي واللسان للنطق والعين للنظر والأذن للسمع ثم هداه إلى منافعه من المطعم والمشرب والمنكح، وقيل يعني جعل زوجة الرجل المرأة والبعير الناقة والفرس الرمكة وهي الحجرة والحمار الأتان ثم هدى ألهمه كيف يأتي الذكر الأنثى {قال} يعني فرعون {فما بال القرون الأولى} أي فما حال القرون الماضية والأمم الخالية مثل قوم نوح وعاد وثمود فإنها كانت تعبد الأوثان وتنكر البعث، وإنما قال فرعون ذلك لموسى حين خوفهم مصارع الأمم الخالية فحينئذٍ قال فرعون فما بال القرون الأولى {قال} يعني موسى {علمها عند ربي} أي أعمالهم محفوظة عند الله يجازي بها، وقيل إنما رد على موسى علم ذلك إلى الله تعالى لأنه لم يعلم ذلك لأن التوراة إنما نزلت بعد هلاك فرعون وقومه {في كتاب} يعني اللوح المحفوظ {لا يضل ربي} أي لا يخطىء وقيل لا يغيب عنه شيء {ولا ينسى} أي فيتذكر وقيل لا ينسى ما كان من أعمالهم حتى يجازيهم بها {الذي جعل لكم الأرض مهداً} أي فراشاً وقيل مهدها لكم {وسلك لكم فيها سبلاً} أي أدخل في الأرض لأجلكم طرقاً وسهلها لكم لتسلكوها {وأنزل من السماء ماء} يعني المطر ثم الأخبار عن موسى ثم قال الله تعالى {فأخرجنا به} أي بذلك الماء {أزواجاً} أي أصنافاً {من نبات شتى} أي مختلف الألوان والطعوم والمنافع فمنها ما هو للناس ومنها ما هو للدواب {كلوا وارعوا أنعامكم} أي أخرجنا أصناف النبات للانتفاع بالأكل والرعي {إن في ذلك} أي الذي ذكر {لآيات لأولي النهى} أي لذوي العقول، قيل هم الذين ينتهون عما حرم الله عليهم {منها خلقناكم} أي من الأرض خلقنا آدم، وقيل إن الملك ينطلق فيأخذ من التراب الذي يدفن فيه فيذره في النطفة فيخلق من التراب ومن النطفة {وفيها نعيدكم} أي عند الموت والدفن {ومنها نخرجكم تارة أخرى} أي يوم القيامة للبعث والحساب. قوله تعالى {ولقد أريناه} يعني فرعون {آياتنا كلها} يعني الآيات التسع التي أعطاها الله موسى {فكذب وأبى} يعني فرعون وزعم أنها سحر وأبى أن يسلم {قال} يعني فرعون {أجئتنا لتخرجنا من أرضنا} يعني مصر {بسحرك يا موسى} يريد أن تغلب على ديارنا فيكون لك الملك وتخرجنا منها {فلنأتينك بسحر مثله فاجعل بيننا وبينك موعداً} أي اضرب أجلاً وميقاتاً {لا نخلفه} لا نجاوزه {نحن ولا أنت مكاناً سوىً} أي مكاناً عدلاً وقال ابن عباس: نصفاً تستوي مسافة الفريقين إليه وقيل معناه سوى هذا المكان {قال} يعني موسى {موعدكم يوم الزينة} قيل كان يوم عيد لهم يتزينون فيه ويجتمعون في كل سنة وقيل هو يوم النيروز وقال ابن عباس يوم عاشوراء {وأن يحشر الناس ضحى} أي وقت الضحوة نهاراً جهاراً ليكون أبعد من الريبة {فتولى فرعون فجمع} يعني فرعون {كيده} يعني مكره وسحره وحيله {ثم أتى} يوم المعاد {قال لهم موسى} يعني للسحرة الذين جمعهم فرعون وكانوا اثنين وسبعين ساحراً مع كل ساحر حبل وعصا وقيل كانوا أربعمائة وقيل كانوا اثني عشر ألفاً {ويلكم لا تفتروا على الله كذباً فيسحتكم بعذاب} أي فيهلكنكم ويستأصلكم {وقد خاب من افترى} أي خسر من ادعى مع الله إلهاً آخر وقيل معناه خسر من كذب على الله تعالى.
ابن عادل
تفسير : قوله: {قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يَا مُوسَىٰ} وحده بعد مخاطبته لهما معاً إمَّا لأنَّ موسى هو الأصل في الرسالة وهارون تبع وردء ووزير وإما لأن فرعون كان لخبثه يعلم الرُّتَّة التي في لسان موسى، ويعلم فصاحة هارون بدليل قوله: {أية : وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَاناً} تفسير : [القصص: 34] وقوله: {أية : وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ} تفسير : [الزخرف: 52] فأراد استنطاقه دون أخيه. وإما لأنه حذف المعطوف للعلم به أي: يا موسى وهارون قاله أبو البقاء وبدأ به. وقد يقال: حَسَّنَ الحذف كون موسى فاصلة، لا يقال: كان يغني في ذلك أن يقدم هارون ويؤخر موسى فيقال: يا هارون وموسى فتحصل مجانسة الفواصل من غير حذف، لأن نداء موسى أهم فهو المبدوء به. واعلم أن في الكلام حذف، لأنه لما قال {فَأْتِيَاهُ فَقُولاَ إِنَّا رَسُولُ رَبِّكَ أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَآئِيلَ} إلى قوله: {أَنَّ ٱلعَذَابَ عَلَى مَن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ} أمر من الله تعالى لموسى بأن يقول لفرعون ذلك الكلام والتقدير: فذَهَبا إلى فرعون فقالا له ذلك فقال مجيباً لهما من رَبُّكما؟ قوله: {أَعْطَىٰ كُلَّ شَيءٍ خَلْقَه} في هذه الآية وجهان: أحدهما: أن يكون "كُلَّ شَيْءٍ" مفعولاً أول و "خَلْقَهُ" مفعولاً ثانياً على معنى أعطى كل شيء شكله وصورتَه التي تطابق المنفعة المنوطة به كما أعطى العين الهيئة التي تطابق الإبصار، والأذن الهيئة التي تطابق الاستماع وتوافقه، وكذلك اليد والرجل واللسان. قاله مجاهد. أو أعطى كل حيوان نظيره في الخلق والصورة حيث جعل الحصان والحَجْر زوجين، والناقة والبعير، والرجل والمرأة، ولم يزاوج شيئاً منها غير جنسه، ولا ما هو مخالف لخلقه. (وقيل: المعنى أَعْطَى كلَّ شيءٍ مخلوقٍ خلقهُ، أي هو الذي ابتدعه). وقيل: المعنى أعطى كُلَّ شيءٍ مما خلق خلقته وصورته على ما يناسبه من الإتقان، لم يجعل خلق الإنسان في خلق البهائم، ولا بالعكس، بل خلق كلَّ شيءٍ فقدَّره تقديراً. الثاني: أن يكون "كُلَّ شَيْءٍ" مفعولاً ثانياً و "خَلْقَه" هو الأول فقدَّم الثاني عليه، والمعنى: أعطى خليقَتَه كلَّ شيء يحتاجُون إليه ويرتفقون به. وقرأ عبد الله والحسن والأعمش وأبو نُهَيْك وابن أبي إسحاق ونصرٌ عن الكسائيِّ وجماعةٌ من أصحاب رسول الله "خَلَقَهُ" بفتح اللام فعلاً ماضياً، وهذه الجملة في هذه القراءة تحتمل أن تكون منصوبة المحلِّ لكلِّ أو في محل جرّ صفة لشيء. وهذا معنى قول الزمخشري: صفة المضاف يعني "كُلّ" (أو للمضاف إليه يعني "شَيْء")، والمفعول الثاني على هذه القراءة محذوف، فيحتمل أن يكون حذفه حذف اختصار للدلالة عليه. أي: أعطى كل شيء خلقه ما يحتاج إليه ويصلحه أو كماله، ويحتمل أن يكون حذفه حذف اقتصار)، والمعنى أنَّ كلَّ شيءٍ خلقه الله تعالى لم يُخْلِهِ من إنعامه وعطائه. فصل اعلم أن فرعون كان شديد القوة عظيم الغلبة كثير العسكر، ثم إن موسى لما دعاه إلى ربه لم يبطش به، ولم يؤذه، بل خرج معه في المناظرة، لأنه لو أذاه لنُسِبَ إلى الجَهْل والسفاهة، فاستنكف من ذلك وشرع في المناظرة، وذلك يدل على السفاهة من غير حجة شيء لم يرضه فرعون مع كمال جهله وكفره فكيف يليق ذلك بمن يدعي الإسلام والعلم؟ ثم إن فرعون لما سأل موسى - عليه السلام - عن ذلك قبل موسى ذلك السؤال، واشتغل بإقامة الدلالة على وجود الصانع، وذلك يدل على فساد التقليد، ويدل أيضاً على قول التعليمية الذين يقولون: نستفيد معرفة الإله من قول الرسول، لأن موسى - عليه السلام - اعترف هاهنا بأن معرفة الله تجب أن تكون مقدمة على معرفة الرسول. ودلت الآية أيضاً على أنه يجوز حكاية كلام المبطِل، لأنه تعالى حكى كلام فرعون في إنكاره الإله، وحكى شبهات منكري النبوة، وشبهات منكري الحشر إلا أنه يجب أن يذكر الجواب مقروناً بالسؤال (كما فعل الله تعالى في هذه المواضع لئلا يبقى الشك). ودلت الآية على أن المحق يجب عليه استماع كلام المبطِل ويجيب عنه من غير إيذاء ولا إيحاش، كما فعل موسى عليه السلام بفرعون هاهنا، ولقوله تعالى: {أية : ٱدْعُ إِلِىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلْحِكْمَةِ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ} تفسير : [النحل: 125]، وقال: {أية : وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ٱسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلاَمَ ٱللَّهِ} تفسير : [التوبة: 6]. فصل قال بعضهم: إنَّ فرعون كان عارفاً بالله تعالى إلا أنه كانَ يُظْهِرُ الإنكار تكبراً وتجبراً، لقوله تعالى: {أية : لَقَدْ عَلِمْتَ مَآ أَنزَلَ هَـٰؤُلاۤءِ إِلاَّ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ} تفسير : [الإسراء: 102] فيمن نصب التاء في "عَلِمْتَ" كان ذلك خطاباً لموسى - عليه السلام - مع فرعون، وذلك يدل على أن فرعون كان عالماً بذلك، وقوله: {أية : وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسْتَيْقَنَتْهَآ أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً} تفسير : [النمل: 14]. ولأنه لو لم يكن عاقلاً لم يجز تكليفه، والعاقل يعلم بالضرورة أنه وجد بعد العدم، ويعلم أن من كان كذلك افتقر إلى مدبَِّر، وهذان العلمان الضروريان يستلزمان العلم بوجود المدبِّر، ولأن قول موسى - عليه السلام - {رَبُّنَا ٱلَّذِي أَعْطَىٰ كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ} يقتضي ذلك، لأن كلمة "الَّذِي" تقتضي وصف المعرفة بجملةٍ معلومةٍ عند المخاطب. وأيضاً فإن مُلْك فرعون لم يتجاوز القبطَ، ولم يبلغ الشام، ولما هرب موسى إلى مَدْيَنَ قال له شعيبٌ: {أية : لاَ تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ ٱلآمِنِينَ} تفسير : [القصص: 31]، فمع هذا كيف يعتقد أنَّه إله العالم؟ وقال آخرون: إنَّه كانَ جاهلاً بربِّه. واتفقوا على أنَّ العاقل لا يَجُوزُ أن يعتقد في نفسه أنه خالق هذه السموات والأرض والشمس والقمر، وأنه خالقُ نفسه، لأنه يعلم بالضرورة عجزه عنها، ويعلم بالضرورة أنها كانت موجودة قبله، فَحَصَلَ له العلم الضروري بأنه ليس موجداً لها ولا خالقاً لها. واختلفوا في كيفية جَهْلِه بالله تعالى، فيحتمل أنه كان دهرياً نافياً للمدبِّر، ويحتمل أنه كان فلسفياً قائلاً بالعلة الموجبة، ويحتمل أنه كان من عبدة الكواكب، ويحتمل أنه كان من الحلوليَّة، وأما ادعاؤه الربوبية لنفسه فبمعنى أنه يجب عليهم طاعته والانقياد له. فصل قال هاهنا: {فَمَن رَّبُّكُمَا يَا مُوسَىٰ}، وقال في سورة الشعراء: {أية : وَمَا رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ} تفسير : [الشعراء:23]، وهو سؤال عن الماهية، فهما سؤالان مختلفان، والواقعة واحدة، والأقرب أن يقال: سؤال "مَنْ" كان مقدماً على سؤال "مَا"، لأنه كان يقول: أنا اللهُ والرَّبُّ، فقال: "فَمَنْ رَبُّكُمَا"، فلما أقام موسى الدلالة على الوجود، وعرف أنه لا يمكنه أن يقاومه في هذا المقام، لظهوره وجلائه، عدل إلى طلب الماهية، وهذا ينبه على أنه كان عالماً بالله، لأنه ترك المنازعة في هذا المقام لعلمه بغاية ظهوره؛ وشرع في المقام الصعب، لأن العلم بماهية الله تعالى غير حاصل للبشر. قوله: {قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا} ولم يقل: "فَمَن إلَهُكُمَا" لأنه أثبت نفسه رباً في قوله: {أية : أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً} تفسير : [الشعراء: 18]، فذكر ذلك على سبيل التعجب كأنه قال: أنَا رَبُّكَ فَلِمَ تدعي رَبًّا آخر، وهذا يشبه كلام نمروذ حين قال له إبراهيم {أية : رَبِّيَ ٱلَّذِي يُحْيِـي وَيُمِيتُ} تفسير : [البقرة: 258] قال نمروذ: {أية : أَنَا أُحْيِـي وَأُمِيتُ} تفسير : [البقرة: 258] ولم يكن الإحياء والإماتة التي ذكرها إبراهيم هي التي عارضه نمروذ بها إلا في اللفظ، فكذا هاهنا لما ادعى موسى - عليه السلام - ربوبية الله تعالى ذكر فرعون هذا الكلام، أي: أنا الرَّبُّ الذي ربيتك، ومعلوم أن الربوبية التي ادعاها موسى لله تعالى غير هذه الربوبية في المعنى وأنه لا مشاركة بينهما إلا في اللفظ. فصل استدل موسى عليه السلام - على إثبات الصانع بأحوال المخلوقات، وهو قوله: {رَبُّنَا ٰلَّذِي أَعْطَىٰ كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ}، وهذه الدلالة هي التي ذكرها الله تعالى لمحمد - عليه السلام - في قوله: {أية : سَبِّحِ ٱسْمَ رَبِّكَ ٱلأَعْلَىٰ ٰلَّذِي خَلَقَ فَسَوَّىٰ وَٱلَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰ} تفسير : [الأعلى: 1، 2، 3]وقال إبراهيم - عليه السلام -: {أية : فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِيۤ إِلاَّ رَبَّ ٱلْعَالَمِينَ ٱلَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ} تفسير : [الشعراء: 77، 78]. واعلم أن الخلق عبارة عن تركيب القوالب والأبدان، والهدايةُ عبارة عن إيداع القُوَى المدركة والحركة في تلك الأجسام، فالخلق مقدم على الهداية كما قال تعالى: {أية : وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنْسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ} تفسير : [المؤمنون: 12] إلى أن قال: {أية : ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ} تفسير : [المؤمنون: 14]. واعلم أن عجائب حكمة الله تعالى في الخلق والهداية بحر لا ساحل له ولنذكر منه أمثلة: أحدها: أنَّ الطبيعي يقول: الثقيل هابط، والخفيف صاعد، وأثقل الأشياء الأرض ثم الماء، وأخفها النار ثم الهواء، فلذلك وجب أن تكون النار أعلى العنصريات والأرض أسفلها، ثم إنه تعالى قلب هذا في خلقة الإنسان؛ فجعل أعلى الأشياء منه العظم والشعر، وهما أيْبَسُ ما في البدن، وهما بمنزلة الأرض، ثم جعل تحته الدماغ الذي هو بمنزلة الماء، وجعل تحته النفس الذي هو بمنزلة الهواء، وجعل تحته الحرارة الغريزية التي في القلب، وهي بمنزلة النار، فجعل مكان الأرض من البدن الأعلى، وجعل مكان النار من البدن الأسفل ليعلم أن ذلك بتدبير القادر الحكيم لا باقتضاء العلة والطبيعة. وثانيها: أنَّك إذا نظرت إلى عجائب النحل في تركيب البيوت المسدسة وقسمتها، وعجائب أحوال البق والبعوض والنمل في اهتدائها إلى مصالح أنفسها لعرفت أن ذلك لا يمكن إلا بإلهام مدبر عالم بجميع المعلومات. وثالثها: أنه تعالى هو الذي أنعم على الخلائق بما به قوامهم من المطعوم، والمشروب، والملبوس، والمنكوح، ثم هداهم إلى كيفية الانتفاع بها فيستخرجون المعادن من الجبال، واللآلىء من البحار، ويركبون الأدوية والدرياقات النافعة، ويجمعون بين الأشياء المختلفة، ويستخرجون لذائذ الأطعمة، فدل ذلك على أنه تعالى هو الذي خلق الأشياء ثم أعطاهم العقول التي بها يتوصلون إلى كيفية الانتفاع بها، وليس هذا مختص بالإنسان بل عام في جميع الحيوان، فأعطى الإنسان إنسانةً، والحمار حمارةً، والبعير ناقةً هداه لها ليدوم التناسل، وهدى الأولاد لثدي الأمهات، بل هذا غير مختص بالحيوانات، بل هو حاصل في أعضائها، فخلق اليد على تركيب خاص، وأودع فيها قوة الأخذ، وخلق الرِّجل على تركيب خاص، فخلق اليد على تركيب خاص، وأودع فيها قوة الأخذ، وخلق الرِّجل على تركيب خاص، وأودع فيها قُوَّة المشي، وكذا العين، والأذن، وجميع الأعضاء، ثم ربط البعض بالبعض على وجه يحصل من ارتباطها مجموع واحد هو الإنسان. وإنما دلت هذه الأشياء على وجود الصانع، لأن اتصاف كلِّ جسمٍ من هذه الأجسام بتلك الصفة أعني التركيب والقوة الهادية إما أن يكون واجباً أو جائزاً، والأول باطل لأنا نشاهد تلك الأجسام بعد الموت منفكة عن ذلك التركيب والقوى، فدل على أن ذلك جائز، والجائز لا بد له من مرجِّح، وليس ذلك المرجِّح هو الإنسان، ولا قواه، لأنَّ فعل ذلك يستدعي قدرةً عليه، وعلماً بما فيه من المصالح والمفاسد، والأمران نائيان عن الإنسان، لأنه بعد كمال عقله يعجز عن تغيير شعرة واحدة، وبعد البحث الشديد عن كتب التشريح لا يعرف من منافع الأعضاء ومصالحها إلا القدر القليل؛ فلا بد وأن يكون المتولي لتدبيرها وترتيبها موجوداً آخر، وذلك الموجود لا يجوز أن يكون جسماً، لأن الأجسام متساوية في الجسمية، واختصاص ذلك الجسم بتلك المؤثرية لا بد وأن يكون جائزاً فيفتقر إلى سبب آخر، والدور والتسلسل محالان، فلا بد من الانتهاء في سلسلة الحاجة إلى مدبر ليس بجسم ولا جسماني، ثم تأثير ذلك المؤثر إما أن يكون بالذات أو بالاختيار، والأول محال لأن الموجب لا يميز مثلاً عن مثل، وهذه الأجسام متساوية في الجسمية فَلِمَ اختص بعضها بالصورة الفلكية وبعضها بالصورة العنصرية وبعضها بالنباتية، وبعضها بالحيوانية؟ فثبت أن المؤثر والمدبر قادر، والقادر لا يمكنه مثل هذه الأفعال العجيبة إلا إذا كان عالماً، ثم إن هذا المدبر الذي ليس بجسم ولا جسماني ولا بد وأن يكون واجب الوجود في ذاته وصفاته، وإلا لافتقر إلى مدبر آخر، ولزم التسلسل، وهو محال، وإذا كان واجب الوجود في قادريته وعالميته، والواجب لذاته لا يتخصص ببعض الممكنات دون البعض، فوجب أن يكون عالماً بكل ما صح أن يكون معلوماً، وقادراً على كل ما صح أن يكون مقدوراً، فظهر بهذه الدلالة التي تمسك بها موسى وقررها احتياج العالم إلى مدبر ليس بجسم ولا جسماني، وهو واجب الوجود في ذاته وصفاته عالم بكل المعلومات، قادر على كل المقدورات، وذلك هو الله سبحانه وتعالى.
القشيري
تفسير : {فَمَن رَّبُّكُمَا} على التثنية، ثم قال: {يٰمُوسَىٰ} فأفرده بالخطاب بعدما قال: {فَمَن رَّبُّكُمَا}؟ فيحتمل أن ذلك لمُشَاكَلَة رؤوس الآي، ويحتمل أن موسى كان مُقَدَّماً على هارون فَخَصَّه بالنداء. وإنما أجاب موسى عن هذا السؤال بالاستدلال على فِعْلِه - سبحانه فقال: {رَبُّنَا ٱلَّذِيۤ أَعْطَىٰ كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ} ليُعْلَمَ أنَّ الدليلَ على إثباته - سبحانه - ما دلَّتْ عليه أفعالُه.
اسماعيل حقي
تفسير : {قال} قال الكاشفى [بس موسى وهارون بحكم حضرت الهى بدركاه فرعون آمدند وبعدازمدتى كه ملاقات او ميسر شد كفتند ما رسلولان برودكاريم وترا بعبادت او ميخوانيم وآن كلمات كه حق تعالى تلقين كرده بود ادا كردند فرعون كفت]{فمن} استفهامية والمعنى بالفارسية [بس كيست]{ربكما} وقال غيره الفاء لترتيب السؤال على ما سبق من كونهما رسولى ربهما اى اذا كنتما رسولى ربكما فاخبرا من ربكما الذى ارسلكما الىّ ولم يقل فمن ربى مع قولهما {أية : انا رسولا ربك}تفسير : لغاية عتوه ونهاية طغيانه. قال الامام اثبت نفسه ربا فى قوله {أية : ألم نربك فينا وليدا}تفسير : فذكر ذلك على سبيل التعجب كأنه قال انا ربك فلم تدعو ربا آخر {يا موسى} خاطبهما ثم افرد موسى اذ كان يعلم ان موسى هو الاصل فى الباب وهارون وزيره وتابع له
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {خَلْقَه}: يحتمل أن يكون اسمًا بمعنى المخلوق، فيكون مفعولاً أولاً، و {كل شيء}: مفعولاً ثانيًا، أو يكون مصدرًا بمعنى الخلقة، فيكون مفعولاً ثانيًا، أي: أعطى كل شيء خِلقتَه وصُورته التي هو عليها. يقول الحقّ جلّ جلاله: {قال} فرعونُ في جواب موسى، لما أتاه مع أخيه وبلغا الرسالة، وقالا له ما أمرهما به ربهما، وإنما حذفه للإيجاز، وللإشعار بأنهما لما أُمرا بذلك سارعا إلى الامتثال من غير تلعثم، أو بأن ذلك من الظهور بحيث لا حاجة إلى التصريح به، فقال لهما فرعون: {فمن ربكما يا موسى}؟ لم يضف الرب إلى نفسه؛ لغاية عتوه وطغيانه، بل أضافه إليهما، وفي الشعراء: {أية : وَمَا رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ} تفسير : [الشُّعَرَاء: 23]، والجمع بينهما تَعدد الدعوة، ففي كل مرة حكى لنا ما قال. وتخصيص النداء بموسى، مع توجيه الخطاب إليهما؛ لأنه الأصل في الرسالة، وهارون وزيره. {قال} موسى عليه السلام مجيبًا له: {ربُنا الذي أعطى كُلَّ شيءٍ خلقه} أي: ربنا هو الذي أعطى كل شيء خلقه، أي: مخلوقاته؛ مما يحتاجون إليه ويرتفقون به في قوام أبدانهم ومعايشهم، أو أعطى كل شيء خِلْقته وصُورته التي يختص بها، ولم يجعل خلق الإنسان في خلق البهائم، ولا خلق البهائم في خلق الإنسان. ولكن خلق كل شيء فقدره تقديرًا. أو أعطى كل شيء فعله وتصرفه، فاليد للبطش، والرجل للمشي، واللسان للنطق، والعين للنظر، والأذن للسمع، أو أعطى كل شيء شكله من جنسه، للإنسان زوجةً، وللبعير ناقةً، وللفرس رَمْكةً، وللحمار أتَانًا. {ثم هَدى} إلى طريق الانتفاع والارتقاء، بما أعطاه وعرفه كيف يتوصل إلى بقائه وكماله، فألهمه الرضاع والأكل والشرب والجماع، وطلب الرعي وتوفي المهالك، وكيف يأتي الذكرُ الأنثى. ولمّا كان الخلق - الذي هو عبارة عن تركيب الأجزاء وتسوية الأجسام - مقدمًا على الهداية، التي هي عبارة عن إيداع القوى المحركة والمدركة في تلك الأجسام، عطف بثم المفيدة للتراخي. ولقد ساق عليه السلام جوابه على نمط رائق، وأسلوب لائق؛ حيث بيَّن أنه تعالى عالم قادر بالذات، خالق لجميع الكائنات، منعم عليهم بجميع النعم السابغات، هادٍ لهم إلى طرق المرْتَفقات. {قال} فرعون: {فما بالُ القرونِ الأُولى} أي: ما حالها بعد الموت، وما فعل الله بها؟ فقال له موسى: هذا غيب لا يعلمه إلاّ الله، وهو معنى قوله: {علمها عند ربي}، أو ما حال القرون الماضية والأمم الخالية، وماذا جرى عليهم من الحوادث المفصلة؟ فأجابه عليه السلام بأن العلم بأحوالهم مفصلةً مما لا ملامسة له بمنصب الرسالة، وإنما علمها عند الله عزّ وجلّ. وكأنَّ عدو الله، لما خاف أن يُبهت، ويُفتضح، ويظهر للناس حجة موسى عليه السلام، أراد أن يصرفه عليه السلام إلى ما لا يعني، من ذكر الحكايات التي لا مسيس لها بمنصب الرسالة؛ فلذلك أعرض عنه، و {قال علمها عند ربي}، وهذا أحسن من الأول؛ لأنه لو كان سؤاله عن أحوالها بعد الموت لأمكن أن يقول له: من اتبع الهدى منهم فقد سلم وتنعم، ومن تولى فقد عُذب وتألّم، حسبما نطق به قوله تعالى: {والسلام على مَن اتبع الهدى}. وقيل: فما بالها لم تبعث كما يزعم موسى، أو: ما بالها لم تكن على دينك، أو: ما بالها كذبت ولم يُصبها عذاب، وكلها بعيدة. قلت: والذي يظهر أن الطاغية فَهِمَ قوله تعالى: {ثم هدى} أي: إلى الإيمان، فاعترض بقوله: فما بال القرون الأولى لم تؤمن حتى هلكت؟ فأجابه موسى عليه السلام بقوله: {علمها عند ربي}، فهو أعلم بمن ضل عن سبيله، وهو أعلم بمن اهتدى. وقوله: {في كتاب} أي: اللوح المحفوظ، فقد أثبتت فيه بتفاصيلها، ويجوز أن يكون ذلك عبارة عن تمكنه وتقريره في علم الله - عزّ وجلّ - تمكن من استحفظ الشيء، وقيده بالكتابة، كما يَلوحُ به قوله تعالى: {لا يَضِلُّ ربي} أي: لا يخطئ ابتداء، {ولا ينسى} فيتذكر. وفيه تنبيه على أن كتابته في اللوح المحفوظ ليس لحاجته إليه في العلم به ابتداء أو بقاءًا. وإظهار {ربي} في موضع الإضمار، للتلذذ بذكره، وللإشعار بعلّية الحكم؛ فإن الربوبية مما تقتضي عدم الضلال والنسيان. ولقد أجاب عليه السلام عن السؤال بجواب عبقري بديع، حيث كشف عن حقيقة الحق حجابها، مع أنه لم يخرج عما كان بصدده من بيان شؤونه تعالى، ووصف الحق تعالى بأوصاف لا يمكن عدو الله أن يتصف بشيء منها، لا حقيقة ولا مجازًا، ولو قال له: هو الخالق الرازق، وشبه ذلك، لأمكن أن يغالط ويدعي ذلك لنفسه. ثم تخلص إليه؛ حيث قال: بطريق الحكاية عن الله عزّ وجلّ، أو من كلامه عليه السلام: {الذي جعل لكمُ الأرضَ مهادًا} أي: كالمهد تتمهدونها بالسكن والقرار، أي: جعل كل موضع منها مهدًا لكل واحد منكم. {وَسَلَكَ لكم فيها سُبُلاً} أي: طُرقًا تتوصلون بها من قطر إلى قطر، لتقضوا منها مآربكم، وتنتفعوا بمرافقها ومنافعها، ووسطها بين الجبال والأودية لتعرف أمارات سُبلها. {وأنزل من السماء ماءً} هو المطر، {فأخرجنا به}، يحتمل أن يكون من كلام الله، وما قبله من كلام موسى، أو كله من كلام الله تعالى، حكاه موسى عليه السلام، وإنما التفت إلى التكلم؛ للتنبيه على ظهور ما فيه من الدلالة على كمال القدرة والحكمة، والإيذان بأنه لا يتأتى إلا من قادر مطاع عظيم الشأن، أي: فأخرجنا بذلك الماء {أزواجًا}: أصنافًا، سميت أزواجًا؛ لازدواجها، واقتران بعضها ببعض، كائنة {من نباتٍ شتى}: متفرقة، جمع شتيت: أي: متفرق، وهو، في الأصل، مصدر، يستوي فيه الواحد والجمع، يعني: أنها مختلفة في الشكل واللون والطعم والرائحة والنفع، وبعضها صالح للناس على اختلاف صلاحها لهم، وبعضها للبهائم. ومن تمام نعمته تعالى أن أرزاق عباده، لمَّا كان تحصيلها بعمل الأنعام، جعل عَلفَها مما يفضل عن حاجتهم، ولا يليق بكونه طعامًا لهم، وهو معنى قوله: {كُلوا وارْعَوا أنعامكم}، والجملة: حالٌ، على إرادة القول، أي: أخرجنا منها أصناف النبات، قائلين: كلوا وارعوا أنعامكم، آذنين في ذلك لكم. {إِن في ذلك} المذكور، من شؤونه تعالى، وأفعاله وأنعامه، {لآياتٍ} جليلة واضحة الدلالة على عظيم شأنه تعالى، في ذاته وصفاته وأفعاله، وعلى صحة نبوة موسى وهارون - عليهما السلام-، {لأُولي النُّهَى} أي: العقول الصافية، جمع "نُهْيَة"، سمى بها العقل، لنهيه عن اتباع الباطل، وارتكاب القبيح، أي: لذوي العقول الناهية عن الأباطيل، التي من جملتها ما يدعيه الطاغية وما يقبله منه الفئة الباغية. وتخصيص كونها آيات لهم، مع أنها آية للعالمين؛ لأنهم المنتفعون بها. {منها خلقناكم} أي: من الأرض الممهدة لكم، خلقناكم بخلق أبيكم آدم عليه السلام، وأنتم في ضمنه، إذ لم تكن فطرته مقصورة على نفسه عليه السلام، بل كانت أنموذجًا منطويًا على فطرة سائر أفراد الجنس، انطواء إجماليًا، فكان خلقه عليه السلام منها خلقًا لكل منها، وقيل: خلقت أبدانكم من النطفة المتولدة من الأغذية المتولدة من الأرض. وقال عطاء: إن المَلَك الموكل بالرحم ينطلق، فيأخذ من تراب المكان الذي يُدفن فيه العبد، فيذره على النطفة، فتخلق من التراب ومن النطفة. هـ. {وفيها نُعيدكم} بالإماتة وتفريق الأجزاء، والكلام على الأشباح دون الأرواح، فإنها، بعد السؤال، تصعد إلى السماء، كما يأتي عند قوله تعالى: {أية : فَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ} تفسير : [الواقِعَة: 88] الآية. ولم يقل: وإليها نُعيدكم؛ إشارة إلى استقرار العبد فيها، {ومنها نُخرجكم تارةً أخرى} بتأليف أجزائكم المتفتتة، المختلطة بالتراب، على الهيئة السابقة، ورد الأرواح إليها. وكون هذا الإخراج تارة أخرى: باعتبار أن خلقهم من الأرض إخراج لهم منها، وإن لم يكن على التارة الثانية. والتارة في الأصل: اسم للتور، وهو الجريان، فالتارة واحدة منه، ثم أطلق على كل فعلة واحدة من الفعلات المتحدة، كما مر في المرة. والله تعالى أعلم. الإشارة: ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه، مما سبق لهم في أزله، ثم هدى إلى الأسباب الموصلة إليه، فمنهم من كان حظه في الأزل قوت الأشباح، هداه إلى أسبابها، وهم أهل مقام البعد، ومنهم من كان حظه قوت القلوب، فهداه إلى أسبابها من المجاهدة في الطاعات وأنواع القربات، وهم أنواع: فمنهم من شغلهم بتدريس العلوم وتدقيق الفهوم، وتحرير المسائل وتمهيد النوازل، وهداهم إلى أسباب ذلك، وهم حملة الشريعة، إن صحت نيتهم وثبت إخلاصهم. ومنهم من شغلهم بتوالي الطاعات وتعمير الأوقات، وهداهم إلى أسبابها، وقواهم على مشاقها، وهم العباد والزهاد. ومنهم من شغلهم بإطعام الطعام والرفق بالأنام، وتعمير الزوايا وقبول الهدايا، وهداهم إلى أسباب عمارتها والقيام بها، وهم الصالحون. ومنهم: من كان حظه قوت الأرواح، وهم المريدون السائرون، أهل الرياضة والتصفية، والتخلية والتحلية، والتهذيب والتدريب، وهداهم إلى أسبابها، ووصلهم إلى شيخ كامل يُبينها ويسلّكها، وهم في ذلك مقامات متفاوتة، على حسب صدقهم وجدهم، ومنهم من كان حظه قوت الأسرار، وهم العارفون الكبار، السابقون المقربون، أهل الفناء والبقاء، أهل الرسوخ والتمكين، فهداهم إلى ما أمّلوا، ووصلهم إلى ما طلبوا. نفعنا الله بهم، وخرطنا في سلكهم. آمين. وقوله: {فما بال القرون الأولى...} الآية، فيه زجر للمريد عن الاشتغال بالحكايات الماضية، لأن في ذلك شُغُلاً عن الله، إلا ما كان فيه زيادة إلى الله، فتلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم. وقوله تعالى: {الذي جعل لكم الأرض مهادًا} أي: جعل أرض النفوس مهادًا للقيام برسم العبودية، وسلك فيها سبلاً توصل إلى مشاهدة الربوبية، لمن سلكها بالرياضة والمجاهدة، وأنزل من سماء الملكوت ماء الواردات الإلهية، تحيا به الأرواح، فتخرج أصنافًا من العلوم والحكم شتى، كُلوا برعي القلوب في نِوار تجلياتها، وارعوا لقوت أشباحكم من ثمار حسياتها، إن في ذلك لآيات لأولي النُهى. {منها خلقناكم}: من أرض نفوسكم أخرجناكم، بشهود عظمة الربوبية، وفيها نُعيدكم؛ للقيام برسم العبودية، ومنها نُخرجكم؛ لتكونوا لله، لا لشيء دونه. أو منها خلقناكم، أي: أخرجناكم من شهود ظلمتها إلى نور خالقها، بالفناء عنها، وفيها نُعيدكم بالرجوع إلى الأثر في مقام البقاء، {ومنها نُخرجكم تارة أخرى} ؛ بعقد الحرية في مقام البقاء، فتكونوا عبيدًا شُكَّرًا. وبالله التوفيق. ثمَّ إنَّ فرعون لم ينفعه هذه الموعظة ولا ما رأى من الآيات الباهرة...
الجنابذي
تفسير : نادى موسى (ع) لانّه كان الاصل وهارون (ع) كان فرعاً، او اراد ان يتكلّم موسى (ع) حتّى يظهر على الحاضرين عجزه عن التّكلّم ووهنه فى ادّعائه، ويدلّ عليه قوله {أية : أَمْ أَنَآ خَيْرٌ مِّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ} تفسير : [الزخرف:52].
اطفيش
تفسير : {قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى} قال ذلك بعد ما أمراه بما أمراه بدليل الحال، فكأنه لما قالا له: آمن بربك واعبده قال لهما: فمن ربكما هذا الذى تقولان فتؤمنان به وتعبدانه؛ فإن المطيع إذا أُمر بشئ فعله. وإنما خص موسى بالنداء لأنه الأصل وهارون وزيره وتابعه، أو لأن فى لسانه رُنّة باقية؛ أو لأنه غير بالغ فصاحة هارون فطمع أن يفحمه.
اطفيش
تفسير : {قال} بعد لبث موسى وهارون بباب حينا، وحين ذهابهما إليه، مرا بأسود فى غيضة له، فعوت كالثعالب خضوعاً، وفرعون يراه من عال فقرع الباب بعصاه، وعليه جبة صوف، وسراويل فقال له البواب: هل تعرف باب من تقرع؟ هو باب سيدك، قال: أنت وأنا وفرعون عبيد لربى فأنا ناصره، فأخبر كل حاجب حاجبا، وكانوا سبعين، كل تحت يده جند عظيم، ولما أمره بالتوحيد وتم الكلام قال: خذوه، فألقى العصا، فصارت ثعباناً، فهرب ودخل البيت، وقال: اجعل بيننا أجلا؟ فقال: لم يأمرنى ربى بذلك، فإن لم تؤمن دخلت عليك البيت، فأوحى الله إليه أن يقبل أجل فرعون، فطلب فرعون أن يعين يوماً، وتخلى فى ذلك اليوم أربعين مرة لإسهال بطنه، وقد كان يتخلى مرة فى أربعين يوماً، وكيف يكون هذا؟ فقيل: إنه يأكل الموز، وفضلته قليلة، قلنا: لا لذة له فى الدنيا إن اقتصر عليه، ومن يعد عليه الأربعين، ويخبر بها، ولعله عدت عليه آسية، وقد شاورها فقالت: لا ينبغى لعاقل أن يترك ما أمرك به، وشاور هامان فقال: بينا أنت رب صرت مربوبا فأخذ بكلامه فاستمر على كفره. {فمن ربُّكما يا موسى} لم يذكر هارون لأنه تبع لموسى، والفاء فى جواب شرط تقديره: إذا كنتما رسولين فمن ربكما، فإن الرسول لا يكون إلا عن رب.
الالوسي
تفسير : {قَالَ } أي فرعون بعد ما أتياه وبلغاه ما أمرا به، وإنما طوى ذكر ذلك للإيجاز والإشعار بأنهما كما أمرا بذلك سارعا إلى الامتثال به من غير ريث وبأن ذلك من الظهور بحيث لا حاجة إلى التصريح به، وجاء عن ابن عباس أنهما لما أمرا بإتيانه وقول ما ذكر له جاءا جميعاً إلى بابه فأقاما حيناً لا يؤذن لهما ثم أذن لهما بعد حجاب شديد فدخلا وكان ما قص الله تعالى. وأخرج أحمد وغيره عن وهب بن منبه أن الله تعالى لما أمر موسى عليه السلام بما أمر أقبل إلى فرعون في مدينة قد جعل حولها الأسد في غيضة قد غرسها والأسد فيها مع ساستها إذا أشلتها على أحد أكل وللمدينة أربعة أبواب في الغيضة فأقبل موسى عليه السلام من الطريق الأعظم الذي يراه فرعون فلما رأته الأسد / صاحت صياح الثعالب فأنكر ذلك الساسة وفرقوا من فرعون فأقبل حتى انتهى إلى الباب فقرعه بعصاه وعليه جبة صوف وسراويل فلما رآه البواب عجب من جرأته فتركه ولم يأذن له فقال: هل تدري باب من أنت تضرب إنما أنت تضرب باب سيدك؟ قال: أنت وأنا وفرعون عبيد لربـي فأنا ناصره فأخبر البواب الذي يليه من البوابين حتى بلغ ذلك أدناهم ودونه سبعون حاجباً كل حاجب منهم تحت يده من الجنود ما شاء الله تعالى حتى خلص الخبر إلى فرعون فقال: أدخلوه علي فلما أتاه قال له فرعون: أعرفك؟ قال: نعم قال: ألم نربك فينا وليداً فرد إليه موسى عليه السلام الذي رد قال فرعون: خذوه فبادر عليه السلام فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين فحملت على الناس فانهزموا منها فمات منهم خمسة وعشرون ألفاً قتل بعضهم بعضاً وقام فرعون منهزماً حتى دخل البيت فقال: يا موسى اجعل بيننا وبينك أجلاً ننظر فيه قال موسى: لم أومر بذلك إنما أمرت بمناجزتك وإن أنت لم تخرج إلي دخلت عليك فأوحى الله تعالى إليه أن اجعل بينك وبينه أجلاً وقل له أنت اجعل ذلك فقال فرعون: أجعله إلى أربعين يوماً ففعل وكان لا يأتي الخلاء إلا في كل أربعين يوماً مرة فاختلف ذلك اليوم أربعين مرة وخرج موسى عليه السلام من المدينة فلما مر بالأسد خضعت له بأذنابها وسارت معه تشيعه ولا تهيجه ولا أحداً من بني إسرائيل، والظاهر أن هارون كان معه حين الإتيان، ولعله إنما لم يذكر في هذا الخبر اكتفاءً بموسى عليه السلام، وقيل: إنهما حين عرضا عليهما السلام على فرعون ما عرضا شاور آسية فقالت: ما ينبغي لأحد أن يرد ما دعيا إليه فشاور هامان وكان لا يبت أمراً دون رأيه فقال له: كنت أعتقد أنك ذو عقل تكون مالكاً فتصير مملوكاً ورباً فتصير مربوباً فامتنع من قبول ما عرض عليه موسى عليه السلام، وظاهر هذا أن المشاورة قبل المقاولة، ويحتمل أنها بعدها والأولى في أمثال هذه القصص الاكتفاء بما في المنزل وعدم الالتفات إلى غيره إلا أن يوثق بصحته أو لا يكون في المنزل ما يعكر عليه كالخبر السابق فإن كون فرعون جعل الأجل يعكر عليه ما سيأتي إن شاء الله تعالى من قول موسى عليه السلام حين طلب منه فرعون أن يجعل موعداً {أية : مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ ٱلزِّينَةِ} تفسير : [طه: 59]، والظاهر عدم تعدد الحادثة. والجملة استئناف بياني كأنه قيل فماذا قال حين أتياه وقالا له ما قالا؟ فقيل: قال {فَمَن رَّبُّكُمَا يٰمُوسَىٰ} لم يضف الرب إلى نفسه ولو بطريق حكاية ما في قوله تعالى: {أية : إِنَّا رَسُولاَ رَبّكَ } تفسير : [طه: 47] وقوله سبحانه: {أية : قَدْ جِئْنَـٰكَ بِـئَايَةٍ مّن رَّبّكَ } تفسير : [طه: 47] لغاية عتوه ونهاية طغيانه بل أضافه إليهما لما أن المرسل لا بد أن يكون رباً للرسول، وقيل: لأنهما قد صرحا بربوبيته تعالى للكل بأن قالا: {أية : إِنَّا رَسُولُ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ}تفسير : كما وقع في سورة الشعراء [16] والاقتصار هٰهنا على ذكر ربوبيته تعالى لفرعون لكفايته فيما هو المقصود، والفاء لترتيب السؤال على ما سبق من كونهما رسولي ربهما أي إذا كنتما رسولي ربكما الذي أرسلكما فأخبرا من ربكما الذي أرسلكما، وتخصيص النداء بموسى عليه السلام مع توجيه الخطاب إليهما لما ظهر له من أنه الأصل في الرسالة وهارون وزيره، ويحتمل أن يكون للتعريض بأنه ربه كما قال: {أية : أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً} تفسير : [الشعراء: 18]، قيل: وهذا أوفق بتلبيسه على الأسلوب الأحمق، وقيل: لأنه قد عرف أن له عليه السلام رتة فأراد أن يسكته. وهو مبني على ما عليه كثير من المفسرين من بقاء رتة في لسانه عليه السلام في الجملة وقد تقدم الكلام في ذلك.
ابن عاشور
تفسير : هذا حكاية جواب فرعون عن الكلام الذي أمر الله موسى وهارون بإبلاغه فرعون، ففي الآية حذف جمل دلّ عليها السياق قصداً للإيجاز. والتقدير: فأتَيَاه فقالا له ما أمِرا به، فقال: فمن ربّكما؟. ولذلك جاءت حكاية قول فرعون بجملة مفصولة على طريقة حكاية المحاورات التي استقريناها من أسلوب القرآن وبَينّاها في سورة البقرة وغيرها. ووجّه فرعون الخطاب إليهما بالضمير المشترك، ثمّ خصّ موسى بالإقبال عليه بالنداء، لعلمه بأنّ موسى هو الأصل بالرسالة وأنّ هارون تابع له، وهذا وإن لم يحتو عليه كلامهما فقد تعيّن أن يكون فرعون عَلِمه من كيفيّة دخولهما عليه ومخاطبته، ولأنّ موسى كان معروفاً في بلاط فرعون لأنه ربيُّه أو رَبيّ أبيه فله سابقة اتصال بدار فرعون، كما دلّ عليه قوله له المحكي في آية سورة الشعراء (18): {أية : قال ألم نربّك فينا وليداً ولبثتَ فينا من عمرك سنين} تفسير : الآية. ولعلّ موسى هو الذي تولى الكلام وهارون يصدقه بالقول أو بالإشارة. وإضافته الرب إلى ضميرهما لأنّهما قالا له {أية : إنّا رسولا ربّك}تفسير : [طه: 47]. وأعرض عن أن يقول: فمن ربي؟ إلى قوله {فمن ربُّكما} إعراضاً عن الاعتراف بالمربوبية ولو بحكاية قولهما، لئلا يقع ذلك في سمع أتباعه وقومه فيحسبوا أنه متردد في معرفة ربّه، أو أنه اعترف بأنّ له ربّاً. وتولى موسى الجواب لأنّه خصّ بالسؤال بسبب النّداء له دون غيره. وأجاب موسى بإثبات الربوبية لله لجميع الموجودات جرياً على قاعدة الاستدلال بالكلية على الجزئية بحيث ينتظم من مجموعهما قياس، فإن فرعون من جملة الأشياء، فهو داخل في عموم {كل شيء}. و {كُلَّ شَيْءٍ} مفعول أول لــــ{أَعْطَىٰ}. و {خَلْقَهُ} مفعوله الثاني. والخلق: مصدر بمعنى الإيجاد. وجيء بفعل الإعطاء للتنبيه على أنّ الخلق والتكوين نعمة، فهو استدلال على الربوبية وتذكير بالنعمة معاً. ويجوز أن يكون الخلق بالمعنى الأخصّ، وهو الخَلق على شكل مخصوص، فهو بمعنى الجَعْل، أي الذي أعطى كل شيء من الموجودات شكله المختصّ به، فكُونت بذلك الأجناسُ والأنواع والأصناف والأشخاص من آثار ذلك الخلق. ويجوز أن يكون {كُلَّ شَيْءٍ} مفعولاً ثانياً لــــ{أَعْطَىٰ} ومفعوله الأول {خَلْقَهُ}، أي أعطى خلقه ما يحتاجونه، كقوله: {أية : فأخرجنا به نبات كل شيء}تفسير : [الأنعام: 99]. فتركيب الجملة صالح للمعنيين. والاستغراق المستفاد من (كلّ) عُرفي، أي كل شيء من شأنه أن يعطاه أصنافُ الخلق ويناسب المعطي، أو هو استغراق على قصد التوزيع بمقابلة الأشياء بالخلق، مثل: ركب القوم دوابّهم. والمعنى: تأمل وانظر هل أنتَ أعطيت الخَلق أوْ لاَ؟ فلا شك أنه يعلم أنّه ما أعطى كلّ شيء خلقه، فإذا تأمل علم أن الرب هو الذي أفاض الوجود والنّعم على الموجودات كلّها، فآمن به بعنوان هذه الصفة وتلك المعرفة الموصّلة إلى الاعتقاد الحق. و (ثُم) للترتيب بمعنييْه الزمني والرتبي، أي خلق الأشياء ثمّ هدى إلى ما خلقهم لأجله، وهداهم إلى الحق بعد أن خلقهم، وأفاض عليهم النّعم، على حد قوله تعالى: {أية : ألم نجعل له عينين ولساناً وشفتين وهديناه النجدين}تفسير : [البلد: 8 ــــ 10] أي طريقي الخير والشرّ، أي فرّقنا بينهما بالدلائل الواضحة. قال الزمخشري في «الكشاف»: «ولله درّ هذا الجواب ما أخصره وما أجمعه وما أبينه لمن ألقى الذهن ونظر بعين الإنصاف وكان طالباً للحق».
الشنقيطي
تفسير : ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن موسى وهارون لما بلغا فرعون ما أُمرا إياه قال لهما: من ربكما الذي تزعمان أنه أرسلكما إلي!؟ زاعماً أنه لا يعرفه. وأنه لا يعلم لهما إلهاً غير نفسه، كما قال: {أية : مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرِي} تفسير : [القصص: 38]، وقال: {أية : قَالَ لَئِنِ ٱتَّخَذْتَ إِلَـٰهَاً غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ ٱلْمَسْجُونِينَ} تفسير : [الشعراء: 29]. وبين جلا وعلا في غير هذا الموضع أن قوله {فَمَن رَّبُّكُمَا} تجاهل عارف بأنه عبد مربوب لرب العالمين، وذلك في قوله تعالى: {أية : قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَآ أَنزَلَ هَـٰؤُلاۤءِ إِلاَّ رَبُّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ بَصَآئِرَ} تفسير : [الإسراء: 102] الآية، وقوله: {أية : فَلَمَّا جَآءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُواْ هَـٰذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسْتَيْقَنَتْهَآ أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً} تفسير : [النمل: 13-14] كما تقدم إيضاحه. وسؤال فرعون عن رب موسى، وجواب موسى له جاء موضحاً في سورة "الشعراء" بأبسط مما هنا، وذلك في قوله: {أية : قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ قَالَ رَبُّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِن كُنتُمْ مُّوقِنِينَ قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلاَ تَسْتَمِعُونَ قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ ٱلَّذِيۤ أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ قَالَ رَبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ قَالَ لَئِنِ ٱتَّخَذْتَ إِلَـٰهَاً غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ ٱلْمَسْجُونِينَ قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيءٍ مُّبِينٍ قَالَ فَأْتِ بِهِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ فَأَلْقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَآءُ لِلنَّاظِرِين} تفسير : [الشعراء: 23-33]َ إلى آخر القصة. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {قَالَ رَبُّنَا ٱلَّذِيۤ أَعْطَىٰ كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ} فيه للعلماء أوجه لا يكذب بعضها بعضاً، وكلها حق، ولا مانع من شمول الآية لجميعها. منها ـ أن معنى {أَعْطَىٰ كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ} أنه أعطى كل شيء نظير خلقه في الصورة والهيئة، كالذكور من بني آدم أعطاهم نظير خلقهم من الإناث أزواجاً. وكالذكور من البهائم أعطاها نظير خلقها في صورتها وهيئتها من الإناث أزواجاً. فلم يعط الإنسان خلاف خلقه فيزوجه بالإناث من البهائم، ولا البهائم بالإناث من الإنس، ثم هدى الجميع لطريق المنكح الذي منه النسل والنماء، كيف يأتيه، وهدى الجميع لسائر منافعهم من المطاعم والمشارب وغير ذلك. وهذا القول مروي عن ابن عباس رضي الله عنهما من طريق علي بن أبي طلحة، وعن السدي وسعيد بن جبير، وعن ابن عباس أيضاً: {ثُمَّ هَدَىٰ} أي هداه إلى الألفة والاجتماع والمناكحة. وقال بعض أهل العلم {أَعْطَىٰ كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ} أي: أعطى كل شيء صلاحه ثم هداه إلى ما يصلحه، وهذا مروي عن الحسن وقتادة. وقال بعض أهل العلم {أَعْطَىٰ كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ}: أي أعطى كل شيء صورته المناسبة له. فلم يجعل الإنسان في صورة البهيمة، ولا البهيمة في صورة الإنسان، ولكنه خلق كل شيء على الشكل المناسب له فقدره تقديراً، كما قال الشاعر: شعر : وله في كل شيء خلقة وكذاك الله ما شاء فعل تفسير : يعني بالخلقة: الصورة، وهذا القول مروي عن مجاهد ومقاتل وعطية وسعيد بن جبير {ثُمَّ هَدَىٰ} كل صنف إلى رزقه وإلى زوجه. وقال بعض أهل العلم {أَعْطَىٰ كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ}: أي أعطى كل شيء صورته وشكله الذي يطابق المنفعة المنوطة به، كما أعطى العين الهيئة التي تطابق الإبصار، والأذن الشكل الذي يوافق الاستماع. وكذلك الأنف والرجل واللسان وغيرها، كل واحد منها مطابق لما علق به من المنفعة غير ناب عنه. وهذا القول روي عن الضحاك. وعلى جميع هذه الأقوال المذكورة فقوله تعالى {كُلَّ شَيءٍ} هو المفعول الأول لـ "أَعْطَى"، و "خلقه" هو المفعول الثاني. وقال بعض أهل العلم: إن "خلقه" هو المفعول الأول، و "كل شيء" هو المفعول الثاني. وعلى هذا القول فالمعنى: أنه تعالى أعطى الخلائق كل شيء يحتاجون إليه، ثم هداهم إلى طريق استعماله. ومعلوم أن المفعول من مفعولي باب كسا ومنه "أَعْطى" في الآية لا مانع من تأخيره وتقديم المفعول الأخير إن أمن اللبس، ولم يحصل ما يوجب الجري على الأصل كما هو معلوم في علم النحو. وأشار له في الخلاصة بقوله: شعر : ويلزم الأصل لموجب عرا وترك ذاك الأصل حتما قد يرى تفسير : قال مقيده عفا الله عنه: ولا مانع من شمول الآية الكريمة لجميع الأقوال المذكورة. لأنه لا شكّ أن الله أعطى الخلائق كل شيء يحتاجون إليه في الدنيا، ثم هداهم إلى طريق الانتفاع به. ولا شكّ أنه أعطى كل صنف شكله وصورته المناسبة له، وأعطى كل ذكر وأنثى الشكل المناسب له من جنسه في المناكحة والألفة والاجتماع. وأعطى كل عضو شكله الملائم للمنفعة المنوطة به فسبحانه جل وعلا؟ ما أعظم شأنه وأكمل قدرته؟! وفي هذه الأشياء المذكورة في معنى هذه الآية الكريمة براهين قاطعة على أنه جلا وعلا رب كل شيء، وهو المعبود وحده جل وعلا: {أية : لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ لَهُ ٱلْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} تفسير : [القصص: 88]. وقد حرر العلامة الشيخ تقي الدين أبو العباس بن تيمية رحمه الله في رسالته في علوم القرآن: أن مثل هذا الاختلاف من اختلاف السلف في معاني الآيات ليس اختلافاً متضاداً يكذب بعضه بعضاً، ولكنه اختلاف تنوعي لا يكذب بعضه بعضاً، والآيات تشمل جميعه، فينبغي حملها على شمول ذلك كله، وأوضح أن ذلك هو الجاري على أصول الأئمة الأربعة رضي الله عنهم، وعزاه لجماعة من خيار أهل المذاهب الأربعة. والعلم عند الله تعالى.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: أعطى كل شيء خلقه: أي خلقه الذي هو عليه متميز به عن غيره. ثم هدى: أي الحيوان منه إلى طلب مطعمه ومشربه ومسكنه ومنكحه. قال فما بال القرون الأولى: أي قال فرعون لموسى ليصرفه عن ادلائه بالحجج حتى لا يفتضح فما بال القرون الأولى كقوم نوح وعاد وثمود في عبادتهم الأوثان؟ قال علمها عند ربي: أي علم أعمالهم وجزائهم عليها عند ربي دعنا من هذا فإنه لا يعنينا. في كتاب لا يضل ربي: أي أعمال تلك الأمم في كتاب محفوظ عند ربي وسيجزيهم بأعمالهم إن ربي لا يخطىء ولا ينسى فإن عذب أو أخر العذاب فإن ذلك لحكمة اقتضت منه ذلك. مهاداً وسلك لكم فيها سبلاً: مهاداً، فراشاً وسلك: سهل، وسبلاً طرقاً. أزواجاً من نبات شتى: أزواجاً: أصنافاً: شتى: مختلفة الألوان والطعوم. إن في ذلك لآيات: لدلائل واضحات على قدرة الله وعلمه وحكمته ورحمته. لأولي النهى: أي أصحاب العقول لأن النُهية العقل وسمي نهية لأنه ينهى صاحبه عن ارتكاب القبائح كالشرك والمعاصي. منها خلقناكم: أي من الأرض وفيها نعيدكم بعد الموت ومنها نخرجكم عند البعث يوم القيامة. تارة أخرى: أي مرة أخرى إذ الأولى كانت خلقاً من طين الأرض وهذه إخراجاً من الأرض. معنى الآيات: السياق الكريم في الحوار الذي دار بين موسى عليه السلام وفرعون إذ وصل موسى وأخوه إلى فرعون ودَعَوَاهُ إلى الله تعالى ليؤمن به ويعبده وبأسلوب هادئ لين كما أمرهما الله تعالى: فقالا له: {أية : وَٱلسَّلاَمُ عَلَىٰ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلْهُدَىٰ إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَآ أَنَّ ٱلْعَذَابَ عَلَىٰ مَن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ}تفسير : [طه: 47-48] ولم يقولا له لا سلام عليك، ولا أنت مكذب ومعذب. وهنا قال لهما فرعون ما أخبر به تعالى في قوله: {قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يٰمُوسَىٰ}؟ أفرد اللعين موسى بالذكر لإدلائه عليه بنعمة التربية في بيته ولأنه الرسول الأول فأجابه موسى بما أخبر تعالى به بقوله: {رَبُّنَا ٱلَّذِيۤ أَعْطَىٰ كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ} أي كل مخلوق خلقه الذي هو عليه متميز به من شكل ولون وصفة وذات ثم هدى الأحياء من مخلوقاته إلى طلب رزقها من طعام وشراب، وطلب بقائها بما سن لها وهداها إليه من طرق التناسل إبقاء لأنواعها. وهنا وقد أفحم موسى فرعون وقطع حجته بما ألهمه الله من علم وبيان قال فرعون صارفاً موسى عن المقصود خشية الفضيحة من الهزيمة أمام ملائه قال: {فَمَا بَالُ ٱلْقُرُونِ ٱلأُولَىٰ} أخبرنا عن قوم نوح وهود وصالح وقد كانوا يعبدون الأوثان. وعرف موسى أن اللعين يريد صرفه عن الحقيقة فقال له ما أخبر تعالى به في قوله: {عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لاَّ يَضِلُّ رَبِّي وَلاَ يَنسَى} فإن ما سألت عنه لا يعنينا فعلم حال تلك الأمم الخالية عند ربي في لوح محفوظ عنده وسيجزيها بعملها، وما عجل لها من العقوبة أو أخر إنما لحكمة يعلمها فإن ربي لا يخطئ ولا ينسى وسيجزي كلاً بكسبه. ثم أخذ موسى يصف ربه ويعرفهم به وهي فرصة سنحت فقال {ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ مَهْداً} أي فراشاً مبسوطة للحياة عليها {وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً} أي سهل لكم للسير عليا طرقا تمكنكم من الوصول إلى حاجاتكم فوقها، {وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً} وهو المطر المكون للأنهار والمغذي الممد للآبار. هذا هو ربي وربكم فاعرفوه واعبدوه ولا تعبدوا معه سواه. وقوله تعالى: {فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّن نَّبَاتٍ شَتَّىٰ} أي بالمطر أزواجاً أي أصنافاً من نباتٍ شتى أي مختلفة الألوان والطعوم والروائح والخصائص. كان هذا من قول الله تعالى تتميماً لكلام موسى وتذكيراً لأهل مكة المتجاهلين لله وحقه في التوحيد. وقوله: {كُلُواْ وَٱرْعَوْا أَنْعَامَكُمْ} أي مما ذكرنا لكم من أزواج النبات وارعوا إبلكم وأغنامكم وسائر بهائمكم واشكروا لنا هذا الإِنعام بعبادتنا وترك عبادة غيرنا. وقوله تعالى: {إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ لأُوْلِي ٱلنُّهَىٰ} أي إن في ذلك المذكور من إنزال المطر وإنبات النبات لتغذية الإِنسان والحيوان لدلالات على قدرة الله وعلمه وحكمته ورحمته وأنه بذلك مستحق للعبادة دون سواه إلا أن هذه الدلائل لا يعقلها إلا أصحاب العقول وذوو النهى فهم الذي يستدلون بها علم معرفة الله ووجوب عبادته وترك عبادة غيره. وقوله تعالى: {مِنْهَا} أي من الأرض التي فيها حياة النبات والحيوان خلقناكم أي بخلق أصلكم الأول وهو آدم، وفيها نعيدكم بالموت فتقبرون أحياء للحساب والجزاء بالنعيم المقيم أو العذاب المهين بحسب صفات نفوسكم فذو النفس الطاهرة ينعم وذو النفس الخبيثة من الشرك والمعاصي يعذب. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- تعين إجابة السائل ولتكن بالعلم الصحيح النافع. 2- تقرير مبدأ من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه. 3- تنزه الرب تعالى عن الخطأ والنسيان. 4- الاستدلال بالآيات الكونية على الخالق عزوجل وقدرته وألوهيته. 5- احترام العقول وتقديرها لأنها تعقل صاحبها دون الباطل والشر. 6- تسمية العقل نهية لأنه ينهى صاحبه عن القبائح.
القطان
تفسير : اعطى كل شيء خلقه: اتقن خلْق كل شيء واعطاه صورته وشكله. ثم هدى: ثم عرّفه كيف ينتفع بما أُعطي له. ما بالُ القرون الاولى: ما حال هؤلاء الماضين. لا يضل: لا يخطىء. مهداً: ممهدة كالفراش. وسلك لكم فيها سبلا: سهل لكم فيها طرقا. ازواجا: اصنافا. شتى: مختلفة النفع والطعم واللون. لأولي النهى: لأصحاب العقول، مفردها: نُهْية. ذهب موسى وهارون إلى فرعون. وتقول الرواية عن ابن عباس أنهما لما جاءا إلى باب فرعون اقاما مدّةً لا يُؤذن لهما، ثم أُذِن لهما بعد حجاب شديد، فدخلا ودار بينهما من الحوار ما قصَّه ربنا علينا. قال فرعون وهو جالس في طغيانه وجبروته: مَن ربكما الذي أرسلكما يا موسى؟ قالا: ربنا الذي منح نعمةَ الوجود لكل موجود، وأودع في كل شيء صفاتِهِ الخاصة، وخلَقَه على الصورة التي اختارها سبحانه له. {ثُمَّ هَدَىٰ} ثم أرشده ووجَّهه لما خُلق له. فقال فرعون يحتج بالقرون الأولى الذين لم يعبدوا هذه الإله: وماذا جرى لها؟ فاجابه موسى: {قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لاَّ يَضِلُّ رَبِّي وَلاَ يَنسَى}. ان عِلْمَ هذه القرون عند ربّي، وهي من علوم الغيب، وهي مسجَّلة لديه في كتاب لا يغيب عن علمه شيء منه، ولا ينساه. ثم عاد الى تتميم كلامه بإبراز الدلائل على الوجود فقال: {ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ مَهْداً.... }. انه هو الإله المتفضّل على عباده بالوجود والحفظ، مهَّد لكم الأرضَ فبسطها بقدرته وجعلها لكم كالفراش، وشقّ لكم فيها طرقاً تسلكونها. وأنزلَ المطر عليها تجري به الأنهار فيها، فأخرج أنواعَ النبات المختلفة في ألوانها وطعومها ومنافعها. وقال لخلقه يوجِّههم الى الانتفاع بما أخرج من النبات، كلوا منها، وارعوا أنعامكم. إن في هذا الخلْق والإبداع والإنعام به دلائلَ واضحة، يهتدي بها أصحابُ العقول الى الايمان بالله ورسالاته. ثم بين سبحانه أن هذه الدنيا ومن عليها دارُ ممر، وان هناك حياةً أخرى هي الحياة الدائمة فقال: {مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَىٰ}. من تراب هذه الارض خلقَ الله آدم وذريته، وإليها يردّهم بعد الموت، ومنها يُخرجهم أحياء مرة اخرى للبعث والجزاء. ولقد أرينا فرعون على يد موسى المعجزاتِ البينة المؤيدةَ لرسالته وصِدقه في كل ما اخبر به عن الله، ومع هذا كله تمادى فرعون في كفره، وكذّب بكل ما رأى ولم يؤمن. قراءات: قرأ الكوفيون: مهدا. والباقون: مهادا بالجمع.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : ووجّه الخطاب إلى الرئيس الأصلي في هذه المهمة، وهو موسى عليه السلام.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: قال فرعون لموسى على وجه الإنكار: { فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى } فأجاب موسى بجواب شاف كاف واضح، فقال: { رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى } أي: ربنا الذي خلق جميع المخلوقات، وأعطى كل مخلوق خلقه اللائق به، الدال على حسن صنعه من خلقه، من كبر الجسم وصغره وتوسطه، وجميع صفاته، { ثُمَّ هَدَى } كل مخلوق إلى ما خلقه له، وهذه الهداية العامة المشاهدة في جميع المخلوقات فكل مخلوق، تجده يسعى لما خلق له من المنافع، وفي دفع المضار عنه، حتى إن الله تعالى أعطى الحيوان البهيم من العقل، ما يتمكن به على ذلك. وهذا كقوله تعالى: {أية : الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ } تفسير : فالذي خلق المخلوقات، وأعطاها خلقها الحسن، الذي لا تقترح العقول فوق حسنه، وهداها لمصالحها، هو الرب على الحقيقة، فإنكاره إنكار لأعظم الأشياء وجودا، وهو مكابرة ومجاهرة بالكذب، فلو قدر أن الإنسان، أنكر من الأمور المعلومة ما أنكر، كان إنكاره لرب العالمين أكبر من ذلك، ولهذا لما لم يمكن فرعون، أن يعاند هذا الدليل القاطع، عدل إلى المشاغبة، وحاد عن المقصود فقال لموسى: { فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الأولَى } أي: ما شأنهم، وما خبرهم؟ وكيف وصلت بهم الحال، وقد سبقونا إلى الإنكار والكفر، والظلم، والعناد، ولنا فيهم أسوة؟ فقال موسى: { عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى } أي: قد أحصى أعمالهم من خير وشر، وكتبه في كتاب، وهو اللوح المحفوظ، وأحاط به علما وخبرا، فلا يضل عن شيء منها، ولا ينسى ما علمه منها. ومضمون ذلك، أنهم قدموا إلى ما قدموا، ولاقوا أعمالهم، وسيجازون عليها، فلا معنى لسؤالك واستفهامك يا فرعون عنهم، فتلك أمة قد خلت، لها ما كسبت،ولكم ما كسبتم، فإن كان الدليل الذي أوردناه عليك، والآيات التي أريناكها، قد تحققت صدقها ويقينها، وهو الواقع، فانقد إلى الحق، ودع عنك الكفر والظلم، وكثرة الجدال بالباطل، وإن كنت قد شككت فيها أو رأيتها غير مستقيمة، فالطريق مفتوح وباب البحث غير مغلق، فرد الدليل بالدليل، والبرهان بالبرهان، ولن تجد لذلك سبيلا ما دام الملوان. كيف وقد أخبر الله عنه، أنه جحدها مع استيقانها، كما قال تعالى: {أية : وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا } تفسير : وقال موسى: {أية : لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزلَ هَؤُلاءِ إِلا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ بَصَائِرَ } تفسير : فعلم أنه ظالم في جداله، قصده العلو في الأرض. ثم استطرد في هذا الدليل القاطع، بذكر كثير من نعمه وإحسانه الضروري، فقال: { الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا } أي: فراشا بحالة تتمكنون من السكون فيها، والقرار، والبناء، والغراس، وإثارتها للازدراع وغيره، وذللها لذلك، ولم يجعلها ممتنعة عن مصلحة من مصالحكم. { وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلا } أي: نفذ لكم الطرق الموصلة، من أرض إلى أرض، ومن قطر إلى قطر، حتى كان الآدميون يتمكنون من الوصول إلى جميع الأرض بأسهل ما يكون، وينتفعون بأسفارهم، أكثر مما ينتفعون بإقامتهم. { وَأَنزلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى } أي: أنزل المطر {أية : فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا } تفسير : وأنبت بذلك جميع أصناف النوابت على اختلاف أنواعها، وتشتت أشكالها، وتباين أحوالها، فساقه، وقدره، ويسره، رزقا لنا ولأنعامنا، ولولا ذلك لهلك من عليها من آدمي وحيوان، ولهذا قال: { كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ } وسياقها على وجه الامتنان، ليدل ذلك على أن الأصل في جميع النوابت الإباحة، فلا يحرم منهم إلا ما كان مضرا، كالسموم ونحوه. { إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لأولِي النُّهَى } أي: لذوي العقول الرزينة، والأفكار المستقيمة على فضل الله وإحسانه، ورحمته، وسعة جوده، وتمام عنايته، وعلى أنه الرب المعبود، المالك المحمود، الذي لا يستحق العبادة سواه، ولا الحمد والمدح والثناء، إلا من امتن بهذه النعم، وعلى أنه على كل شيء قدير، فكما أحيا الأرض بعد موتها، إن ذلك لمحيي الموتى. وخص الله أولي النهى بذلك، لأنهم المنتفعون بها، الناظرون إليها نظر اعتبار، وأما من عداهم، فإنهم بمنزلة البهائم السارحة، والأنعام السائمة، لا ينظرون إليها نظر اعتبار، ولا تنفذ بصائرهم إلى المقصود منها، بل حظهم، حظ البهائم، يأكلون ويشربون، وقلوبهم لاهية، وأجسامهم معرضة. {أية : وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ }. تفسير : ولما ذكر كرم الأرض، وحسن شكرها لما ينزله الله عليها من المطر، وأنها بإذن ربها، تخرج النبات المختلف الأنواع، أخبر أنه خلقنا منها، وفيها يعيدنا إذا متنا فدفنا فيها، ومنها يخرجنا تارة أخرى، فكما أوجدنا منها من العدم، وقد علمنا ذلك وتحققناه، فسيعيدنا بالبعث منها بعد موتنا، ليجازينا بأعمالنا التي عملناها عليها. وهذان دليلان على الإعادة عقليان واضحان: إخراج النبات من الأرض بعد موتها، وإخراج المكلفين منها في إيجادهم.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):