٢٠ - طه
20 - Ta-Ha (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
50
Tafseer
البيضاوي
تفسير : {قَالَ رَبُّنَا ٱلَّذِى أَعْطَىٰ كُلَّ شَيءٍ} من الأنواع {خَلْقَهُ} صورته وشكله الذي يطابق كماله الممكن له، أو أعطى خليقته كل شيء يحتاجون إليه ويرتفقون به، فقدم المفعول الثاني لأنه المقصود بيانه. وقيل أعطى كل حيوان نظيره في الخلق والصورة زوجاً. وقرىء {خَلَقَهُ} صفة للمضاف إليه أو المضاف على شذوذ فيكون المفعول الثاني محذوفاً أي: أعطى كل مخلوق ما يصلحه. {ثُمَّ هَدَىٰ } ثم عرفه كيف يرتفق بما أعطي وكيف يتوصل به إلى بقائه وكماله اختياراً أو طبعاً، وهو جواب في غاية البلاغة لاختصاره وإعرابه عن الموجودات بأسرها على مراتبها، ودلالته على أن الغني القادر بالذات المنعم على الإِطلاق هو الله تعالى وأن جميع ما عداه مفتقر إليه منعم عليه في حد ذاته وصفاته وأفعاله، ولذلك بهت الذي كفر وأفحم عن الدخل عليه فلم ير إِلاَّ صَرْفَ الكلام عنه.
المحلي و السيوطي
تفسير : {قَالَ رَبُّنَا ٱلَّذِى أَعْطَىٰ كُلَّ شَىءٍ } من الخلق {خَلْقَهُ } الذي هو عليه متميز به عن غيره {ثُمَّ هَدَىٰ } الحيوان منه إلى مطعمه ومشربه ومنكحه وغير ذلك.
ابن عطية
تفسير : استبد موسى صلى الله عليه وسلم من حيث خصه في السؤال ثم أعلمه من صفات الله تعالى بأن لا شرك لفرعون فيه لا بوجه مجاز واختلف المفسرون في قوله {الذي أعطى كل شيء خلقه} فقالت فرقة معناه أعطى الذكران من كل الحيوان نوعه وخلقته أنثى {ثم هدى} للإيتان، وقالت فرقة بل المعنى أعطى كل موجود من مخلوقاته خلقته وصورته، أي أكمل ذلك له وأتقنه {ثم هدى} أي يسر شيء لمنافعه ومرافقه. قال القاضي أبو محمد: وهذا القول أشرف معنى وأعم في الموجودات، وقرأت فرقة "خلَقه" بفتح اللام ويكون المفعول الثاني بـ {أعطى} مقدراً تقديره كماله أو خلقته، وقال فرعون {فما بال القرون الأولى} يحتمل أن يريد محاجته بحسب ما تقدم من القول ومناقضته فيه، فليس يتجه على هذا أن يريد ما بال القرون الأولى ولم يوجد أمرك عندها، فرد موسى عليه السلام علم ذلك إلى الله تعالى، ويحتمل أن يريد فرعون قطع الكلام الأول والرجوع إلى سؤال موسى عن حالة من سلف من الناس روغاناً في الحجة وحيدة وقال "البال" الحال فكأنه سألهم عن حالهم كما جاء في الحديث "حديث : يهديكم الله ويصلح بالكم" تفسير : .وقال النفاش إنما قال فرعون {فما بال القرون الأولى} لما سمع مؤمن آله يا قوم {أية : إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب} تفسير : [غافر: 30] مثل دأب قوم نوح وعاد" الآية ورد موسى العلم إلى الله تعالى لأنه لم تأته التوراة بعد. وقوله {في كتاب} يريد في اللوح المحفوظ أو فيما كتبه الملائكة من أحوال البشر. وقرأت فرقة "لا يَضِل" بفتح الياء وكسر الضاد واختلف في معنى هذه القراءة فقالت فرقة هو ابتداء الكلام تنزيه لله تعالى عن هاتين الصفتين وقد كان الكلام تم في قوله {في كتاب} و {يضل} معناه ينتلف ويعمه، وقالت فرقة بل قوله {لا يضل ربي ولا ينسى} من صفات الكتاب أي إن الكتاب لا يغيب عن الله تعالى، تقول العرب ضلني الشيء إذا لم أجده وأضللته أنا ومنه قول النبي صلى الله عليه حكاية عن الإسرائيلي الذي طلب أن يحرق بعد موته "لعلي أضل الله" الحديث، و {ينسى} أظهرها ما فيه أن يعود ضميره الى الله تعالى ويحتمل أن يعود إلى الكتاب في بعض التأويلات يصفه بأنه {لا ينسى} أي لا يدع شيئاً، فالنسيان هنا استعارة كما قال في موضع آخر {أية : إلا أحصاها} تفسير : [الكهف: 49] فوصفه بالإحصاء من حيث حصرت فيه الحوادث.
ابن عبد السلام
تفسير : {كُلَّ شَىْءٍ} زوجه من جنسه ثم هداه لنكاحه، أو صورته ثم هداه إلى معيشته وطعامه وشرابه، أو ما يصلحه ثم هداه له.
ابو السعود
تفسير : {قَالَ} أي موسى عليه الصلاة والسلام مجيباً له: {رَبَّنَا} إما مبتدأٌ وقوله تعالى: {ٱلَّذِى أَعْطَىٰ كُلَّ شَىء خَلْقَهُ} خبرُه أو هو خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ والموصولُ صفتُه، وأياً ما كان فلم يريدا بضمير المتلكم أنفسَهما فقط حسبما أراد اللعينُ بل جميعَ المخلوقاتِ تحقيقاً للحق ورداً عليه كما يُفصح عنه ما في حيز الصلة، أي هو ربُّنا الذي أعطى كلَّ شيء من الأشياء خلقَه أي صورتَه وشكلَه اللائقَ بما نيط به من الخواصّ والمنافِع، أو أعطى مخلوقاتِه كلَّ شيء تحتاج هي إليه وترتفق به، وتقديمُ المفعول الثاني للاهتمام به، أو أعطى كلَّ حيوان نظيرَه في الخلق والصورة حيث زوّج الحصانَ بالحِجْر والبعيرَ بالناقة والرجلَ بالمرأة ولم يزوِّج شيئاً من ذلك بخلاف جنسِه، وقرىء خَلَقه على صيغة الماضي على أن الجملة صفةٌ للمضاف أو المضافِ إليه، وحَذفُ المفعولِ الثاني إما للاقتصار على الأول أي كلَّ شيء خلقه الله تعالى لم يحرِمْه من عطائه وإنعامِه، أو للاختصار من كونه منوياً مدلولاً عليه بقرينة الحالِ أي أعطى كلَّ شيء خلقه الله تعالى ما يحتاج إليه. {ثُمَّ هَدَىٰ} أي إلى طريق الانتفاعِ والارتفاق بما أعطاه وعرّفه كيف يَتوصّل إلى بقائه وكماله إما اختياراً كما في الحيوانات أو طبعاً كما في الجمادات والقُوى الطبـيعية النباتية والحيوانية، ولمّا كان الخلقُ الذي هو عبارةٌ عن تركيب الأجزاءِ وتسويةِ الأجسام متقدماً على الهداية التي هي عبارةٌ عن إيداع القُوى المحرِّكةِ والمدْرِكة في تلك الأجسامِ وُسِّط بـينهما كلمةُ التراخي، ولقد ساق عليه الصلاة والسلام جوابَه على نمط رائقٍ وأسلوب لائقٍ حيث بـين أنه تعالى عالمٌ قادرٌ بالذات خالقٌ لجميع الأشياء مُنعِمٌ عليها بجميع ما يليق بها بطريق التفضلِ، وضمّنه أن إرسالَه تعالى إياه إلى الطاغية من جملة هداياته سبحانه إياه بعد أن هداه إلى الحق بالهدايات التكوينيةِ حيث ركّب فيه العقلَ وسائرَ المشاعرِ والآلاتِ الظاهرةِ والباطنة. {قَالَ فَمَا بَالُ ٱلْقُرُونِ ٱلأُولَىٰ} لما شاهد اللعينُ ما نظمه عليه الصلاة والسلام في سلك الاستدلالِ من البرهان النيّر على الطراز الرائِع خاف أن يُظهر للناس حقّيةَ مقالاتِه عليه الصلاة والسلام وبُطلانَ خرافات نفسِه ظهوراً بـيّناً فأراد أن يصرِفه عليه الصلاة والسلام عن سَننه إلى ما لا يعنيه من الأمور التي لا تعلّق لها بالرسالات من الحكايات، ويشغَلَه عما هو بصدده عسى يظهر فيه نوعُ غفلةٍ فيتسلق بذلك إلى أن يدّعيَ بـين يدي قومه نوعَ معرفة، فقال: ما حالُ القرونِ الماضية والأممِ الخالية وماذا جرى عليهم من الحوادث المفصّلة؟ فأجاب عليه الصلاة والسلام: بأن العلمَ بأحوالهم مفصّلةً مما لا ملابسة له بمنصِب الرسالة وإنما علمُها عند الله عز وجل، وأما ما قيل من أنه سأله عن حال مَنْ خلا من القرون وعن شقاء من شقيَ منهم وسعادةِ من سعِد فيأباه قوله تعالى: {قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبّى} فإن معناه أنه من الغيوب التي لا يعلمها إلا الله تعالى وإنما أنا عبدٌ لا أعلم منها إلا ما علّمنيه من الأمور المتعلقة بما أُرسلت به، ولو كان المسؤولُ عنه ما ذكر من الشقاوة والسعادةِ لأجيب ببـيان أن من اتبع الهدى منهم فقد سلِم ومن تولى فقد عُذّب حسبما نطق به قوله تعالى: {وَٱلسَّلَـٰمُ} الآيتين {فِى كِتَـٰبِ} أي مُثبْتٌ في اللوح المحفوظِ بتفاصيله ويجوز أن يكون ذلك تمثيلاً لتمكنه وتقرّره في علم الله عز وجل بما استحفظه العالَم، وقيده بالكَتَبة كما يلوح به قوله تعالى {لاَّ يَضِلُّ رَبّى وَلاَ يَنسَى} أي لا يُخطِىء ابتداءً ولا يذهب علمه بقاءً بل هو ثابتٌ أبداً فإنهما مُحالان عليه سبحانه، وهو على الأول لبـيان أن إثباتَه في اللوح ليس لحاجته تعالى إليه في العلم به ابتداءً أو بقاءً، وإظهارُ ربـي في موقع الإظمار للتلذذ بذكره ولزيادة التقريرِ والإشعار بعلة الحُكم فإن الربوبـيةَ مما يقتضي عدمَ الضلالِ والنسيانِ حتماً، ولقد أجاب عليه الصلاة والسلام عن السؤال بجواب عبقري بديعٍ حيث كشف عن حقيقة الحقِّ حجابَها مع أنه لم يخرُجْ عما كان بصدده من بـيان شؤونِه تعالى ثم تخلّص إليه حيث قال بطريق الحكايةِ عن الله عز وجل لما سيأتي من الالتفات: {ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ مَهْداً} على أن الموصولَ إما مرفوعٌ على المدح أو منصوبٌ عليه أو خبرُ مبتدأ محذوف، أي جعلها لكم كالمهد تتمهدونها أو ذاتَ مهدٍ وهو مصدرٌ سُمّي به المفعولُ، وقرىء مِهاداً وهو اسمٌ لما يُمْهد كالفِراش أو جمعُ مهد أي جعل كلَّ موضع منها مهداً لكل واحد منكم {وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً} أي حصّل لكم طرقاً ووسّطها بـين الجبال والأودية والبراري تسلُكونها من قُطْر إلى قطر لتقضُوا منها مآربَكم وتنتفعوا بمنافعها ومرافقها. {وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاء مَاء} هو المطر {فَأَخْرَجْنَا بِهِ} أي بذلك الماءِ وهو عطفٌ على أنزل داخلٌ تحت الحكاية، وإنما التُفت إلى التكلم للتنبـيه على ظهور ما فيه من الدِلالة على كمال القدرةِ والحكمة، والإيذان بأنه لا يتأتى إلا من قادر مُطاعٍ عظيمِ الشأن تنقاد لأمره وتُذعِن لمشيئته الأشياءُ المختلفة كما في قوله تعالى: { أية : أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أنَزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا} تفسير : [فاطر: 27] وقولِه تعالى: { أية : أَم مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُمْ مّنَ ٱلسَّمَاء مَاء فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ} تفسير : [النمل: 60] خلا أن ما قبل الالتفاتِ هناك صريحُ كلامِه تعالى وأما هٰهنا فحكايةٌ عنه تعالى وجَعْلُ قوله تعالى: {فَأَخْرَجْنَا بِهِ} هو المحكيَّ مع كون ما قبله كلاَم موسى عليه الصلاة والسلام خلافُ الظاهر مع أنه يفوّت حينئذ الالتفاتَ لعدم اتحادِ المتكلم {أَزْوٰجاً} أصنافاً سميت بذلك لازدواجها واقترانِ بعضِها ببعض {مّن نَّبَـٰتٍ} بـيانٌ أو صفةٌ لأزواجاً أي كائنة من نبات وكذا قوله تعالى: {شَتَّىٰ} أي متفرقة جمعُ شتيت، ويجوز أن يكون صفةً لنبات لما أنه في الأصل مصدرٌ يستوي فيه الواحد والجمع، يعني أنها شتّى مختلفةٌ في الطعم والرائحة والشكل والنفع، بعضُها صالحٌ للناس على اختلاف وجوهِ الصلاح وبعضُها للبهائم، فإن من تمام نعمته تعالى أن أرزاقَ عبادِه لما كان تحصّلها بعمل الأنعامِ جعل علَفها مما يفضُل عن حاجاتهم ولا يليق بكونه طعاماً لهم.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {أَعْطَىٰ كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ} لم تبق ذرّة من العرش الى الثرى الا وخرجت من العدم بنور القدم ووقعت وجودها فى حيز الرحمة وكساها الحق انوار قدرته ثم اعطاها عقلا سر سريا تعرف بها صانعها وهو تعالى بذاته يعرفها نفسه وكيف لا يعرف الوجود وجود صانعه وهو بمحبوبه مستغرق فى بحر الوهية لذلك قال تعالى {أية : وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ} تفسير : فما كان فيه روح فعله فزاد حيوته بروح فعلى مثل الحشرات والوحوش والطيور ومعرفتها بقدر أرواحها وعقولها ومن كان فيه روح الروحانية مثل الملائكة والجن فمعرفتهم ايضا بقدر ارواحهم وعقولهم ومن كان روحه من نفخ الحق عند كشف الذات والصفات فى اوائلها بمعرفتهم وهدايتهم من حيث الكشف و المشاهدة وهم المقدسيون الربانيون الالوهيون.
اسماعيل حقي
تفسير : {قال} موسى مجيبا له {ربنا} مبتدأ خبره قوله {الذى} من محض رحمته {اعطى كل شئ} من انواع المخلوقات {خلقه} اى صورته وشكله اللائق به مشتملا على خواصه ومنافعه فالمراد بالخلق المخلوق ومنه يفهم ان ضمير الجمع فى ربنا عام لموسى وهارون وفرعون وغيرهم ولم يقل ربنا الله بل وصفه بافعاله ليستدل بالفعل على الفاعل {ثم هدى} وجه كل واحد منها الى ما يصدر عنه وينبغى له طبعا كما فى الجمادات واختيارا كما فى الحيوانات وهيأه لما خلق له ولما كان الخلق الذى هو عبارة عن تركيب الاجزاء وتسوية الاجسام متقدما على الهداية التى هى عبارة عن ايداع القوى المحركة والمدركة فى تلك الاجسام وسط بينهما كلمة التراخى. قال بعض الكبار ان للمخلوقات كلها حياة وروحا اما صورية كما فى الانس والجن والملك ومن يتبعهم واما معنوية كما فى الجمادات والنباتات ولذا قال تعالى أية : وان من شئ الا يسبح بحمده}تفسير : فما من مخلوق الا وقد هدى الى معرفته تعالى بقدر عقله وروحه وحياته. وفى التويلات النجمية {اعطى كل شئ خلقه} استعدادا لما خلق له {ثم هدى} اى يسر لما خلق له والذى يدل عليه قوله عليه السلام "حديث : اعملوا فكل ميسر لما خلق له"تفسير : معناه ان الله تعالى خلق المؤمن مستعدا لقبول فيض الايمان ثم هداه الى قبول دعوة الانبياء ومتابعتهم وخلق الكافر مستعدا لقبول فيض القهر والخذلان والتمرد على الانبياء ومخالقتهم: قال المغربى قدس سره شعر : يكى را بهر طاعت خلق كردند يكى را بهر عصيان آفريدند يكى از بهر مالك كشت موجود يكى را بهر رضوان آفريدند
الجنابذي
تفسير : {قَالَ} موسى (ع) لمّا خصّه بالنّداء اجاب هو عنه فقال {رَبُّنَا ٱلَّذِيۤ أَعْطَىٰ كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ} قرئ بسكون الّلام مفعولاً ثانياً لاعطى، او مفعولاً اوّلاً اى اعطى كلّ شيءٍ خلقه وايجاده او خلقه وصورته الّلائقة به، او اعطى كلّ شيءٍ نظيره فانّ كلّ شيءٍ من الحيوان له نظير من الذّكر او الانثى، وهكذا من النّبات والمعدن حتّى العناصر فانّ الارض نظيرها المرافق لها هو الماء مثلاً، وقرئ خلقه فعلاً ماضياً صفة لشيءٍ والمعنى اعطى كلّ شيءٍ من الاعيان الثّابتة والتّعيّنات الظّاهرة فى مقام علمه كلّ ما يحتاج اليه من الوجود ولوازمه من الكمالات الاوّليّة الّلائقة بحال كلّ والكمالات الثّانية ويكون قوله خلقه {ثُمَّ هَدَىٰ} بياناً وتفصيلاً لقوله اعطى كلّ شيءٍ، ومعنى خلقه اعطاه وجوده وكمالاته الاوّليّة، ثمّ هداه بالاراءة او الايصال الى الطّريق او الى المطلوب الى كمالاته الثّانويّة الاختياريّة فى المختارين، او الاضطراريّة فى المضطرّين، والتّعبير عن اعطاء الكمالات الثّانويّة بالهدى للاشعار بانّ الوصول الى الكمالات الثّانويّة غير محتوم بل قد يكون وقد لا يكون، وقد اجابه (ع) بجوابٍ لا يمكنه التّلبيس والتّمويه على الحاضرين فانّه اجابه بعموم الرّبوبيّة التّى لا يمكنه انكاره ولا نسبة مثله بالتّمويه الى نفسه كما قال نمرود: {أية : أَنَا أُحْيِـي وَأُمِيتُ} تفسير : [البقرة: 258]؛ ولذلك بهت ولم يجر جواباً بالنّقض والحلّ، وانتقل الى سؤالٍ آخر.
اطفيش
تفسير : {قَالَ رَبُّنَا} خبر لمحذوف أى هو ربنا. {الَّذِى} نعت أو خبر ثان أو ربنا مبتدأ والذى خبره. {أَعْطَى كُلَّ شَئٍ خَلَقَهُ} كل مفعول أول وخلقه مفعول ثان، أى أعطى كل شئ صورته التى سبق علمه بها التميز بها عن غيره، التى تطابق المنفعة المتعلقة بها فأعطى الرجلين الهيئة التى هما عليها المطابقة للمشى، وأعطى العين الشكل المولق للإبصار، وهكذا. أو أعطى كل شئ من الحيوانات نظيره فى الخلق والصورة، فأعطى الرجلَ المرأةَ، والجملَ الناقةَ، وهكذا. ولم يزوج شيئا من غير جنسه إلا ما شذ. ويصح أن يكون كل مفعولا ثانيا وخلقه مفعولا أول بمعنى اسم مفعول، أى مخلوقات، وأفرد لأن لفظه مصدر، أى أعطى خليقته كل شئ يحتاجون إليه. وقدم المفعول الثانى لأنه المقصود بالذات؛ لأن الغرض ذكر المنن. وقرئ خلقه بفتح اللام، فالجملة نعت كل أو نعت لشئ، لجواز نعت المضاف إليه لكن نعت المضاف اولى. وزعم بعض أن نعت المضاف إليه شاذ والمفعول الثانى محذوف أى أعطى كل مخلوق ما يصلح له. {ثُمَّ هَدَى} أى هداه لمنافعة. وقيل: هداه إلى معرفة كيف يأتى الأنثى وحذف المفعول للفاصلة. فإذا كان هو المعطى لكل شئ الخالق له الهادى له الميسر له كيف تبقى له المنفعة وتكمل، فهو للغنى بالذات المحتاج إليه كل ما عداه وهو جواب عظيم مفحم. ولذلك بهت فرعون ولم يجد له ردًّا، فصرف الكلام إلى ما حكى الله تعالى عنه بقوله:
اطفيش
تفسير : {قال ربُّنا} أى الله ربنا، ونالهما، وقيل للعالمين كما قال: "أية : إنا رسول رب العالمين" تفسير : [الشعراء: 16] تحقيقا للحق ورداً على اللعين القائل: "أية : أنا الله رب العالمين" تفسير : [القصص: 30] مع أن ملكه فى القبط فقط لم يبلغ الشام، أو غيرهما كما قال شعيب فى مدين: "أية : لا تخف نجوت من القوم الظالمين" تفسير : [القصص: 25] {الذى} نعت أو رب مبتدأ أو الذى خبر، ومعنى قوله: {أعْطَى كُلَّ شىء خَلْقه} أى إيجاده الذى وعد به إجمالا لذات كل شىء، وتفصيلا لأجزائها كعينين وعين واحدة، وصحة ومرض، ولون وطول وعرض، وغير ذلك، ومن ذلك الذكورة والأنوثة، وأولى من هذا أن الخلق بمعنى المخلوق أى أعطى كل شىء ما وعد من تلك الصفات. والأحسن فى حكمة الله، هو ما قضى لكل أحد كعور الأعور، ومرض المريض، وكما الأعضاء وصحتها ونحو ذلك، فلا حاجة الى دعوى، أن المراد الأنواع تحرزاً عن نحو العرو والمرض، مع أنه ليست فى الآية هذه ذكر الأحسنية، حتى يحتاج الى تأويل ما لا حسن فيه، كالعور، وإن أراد القائل بالأنواع أن الأفراد لم توجد بكلها، بل منها ما يأتى، بخلاف الأنواع فإنها تمت بحسب الظاهر، قلنا المعنى أثبت لكل شىء ما سبق به القضاء، ودله على صلاحه، وقيل يسر لكل شىء عضو مصالحه، الرِّجْل للمشى، واللسان للنطق، والعين للنظر، والأذن للسمع. وقيل: جعل زوجة البعير النافة، والفرس الرمكة، والحمار الأتان وكل مفعول أول، وخلق مفعول ثان، والهاء لشىء، ويجوز أن يكون خلق مفعولا أو بمعنى الشىء المخلوق، والهاء لله، وكل مفعولا ثانياً أى أعطى مخلوقاته كل شىء يحتاجون إليه. {ثم هَدَى} دل بإعطاء كل شىء خلقه عل وجوده، وجوده بالنعم التى لا تحصى، وقيل: ألهم الذكر كيف يأتى الأنثى، وثم لتراخى الرتبة إن لم يكن هنا تراخ فى الزمان، ويجوز تفسير الهدى بالإرشاد الى المصالح والإلهام إليها، وكل عاقل يعلم أنه لم يوجد نفسه ولا جسماً من الأجسام، ومن هنا سؤال عما يعين، ومن فى موضع آخر سؤال عن الماهية، وقد مر أن فرعون عارف بالله تعالى إذ سجد له، وسأله جريان النيل، فهو من باب"أية : وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم" تفسير : [النمل: 14] فيبقى قوله عز وجل: "أية : لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر" تفسير : [الإسراء: 102] على ظاهره.
الالوسي
تفسير : {قَالَ } أي موسى عليه السلام واستبد بالجواب من حيث أنه خص بالسؤال {رَبُّنَا } مبتدأ / وقوله تعالى: {ٱلَّذِى أَعْطَىٰ كُلَّ شَىء خَلْقَهُ } خبره، وقيل: هو خبر مبتدأ محذوف أي هو ربنا والموصول صفته، والظاهر أنه عليه السلام أراد بضمير المتكلم نفسه وأخاه عليهما السلام. وقال بعض المحققين: أراد جميع المخلوقات تحقيقاً للحق ورداً على اللعين كما يفصح عنه ما في حيز الصلة و {كُلّ شَىْء } مفعول أول لأعطى و {خَلْقَهُ } مفعوله الثاني وهو مصدر بمعنى اسم المفعول والضمير المجرور لشيء والعموم المستفاد من {كُلَّ } يعتبر بعد إرجاعه إليه لئلا يرد الاعتراض المشهور في مثل هذا التركيب، والظاهر أنه عموم الأفراد أي أعطى كل شيء من الأشياء الأمر الذي طلبه بلسان استعداده من الصورة والشكل والمنفعة والمضرة وغير ذلك أو الأمر اللائق بما نيط به من الخواص والمنافع المطابق له كما أعطى العين الهيئة التي تطابق الابصار والأذن الشكل الذي يوافق الاستماع وكذلك الأنف واليد والرجل واللسان كل واحد منها مطابق لما علق به من المنفعة غير ناب عنه، وقيل: الخلق باق على مصدريته بمعنى الإيجاد أي أعطى كل شيء الإيجاد الذي استعد له أو اللائق به بمعنى أنه تعالى أوجد كل شيء حسب استعداده أو على الوجه اللائق به وهو كما ترى. وحمل بعضهم العموم على عموم الأنواع دون عموم الأفراد، وقيل: إن ذلك لئلا يلزم الخلف ويرد النقض بأن بعض الأفراد لم يكمل لعارض يعرض له، والحق أن الله تعالى راعى الحكمة فيما خلق وأمر تفضلاً ورحمة لا وجوباً وهذا مما أجمع عليه أهل السنة والجماعة كما نقل صاحب «المواقف» و «عيون الجواهر» فكل شيء كامل في مرتبته حسن في حد ذاته فقد قال تعالى: {أية : ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ٱلَّذِيۤ أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ} تفسير : [السجدة: 6-7] وجعل العموم في هذا عموم الأنواع مما لا يكاد يقول به أحد، وقال سبحانه: {أية : مَّا تَرَىٰ فِى خَلْقِ ٱلرَّحْمَـٰنِ مِن تَفَـٰوُتٍ}تفسير : [الملك: 3] أي من حيث إضافته إلى الرحمن وخلقه إياه على طبق الحكمة بمقتضى الجود والرحمة، والتفاوت بين الأشياء إنما هو إذا أضيف بعضها إلى بعض فالعدول عما هو الظاهر من عموم الأفراد إلى عموم الأنواع لما ذكر ناشيء من قلة التحقيق، وقيل: إن سبب العدول كون {أَعْطَىٰ } حقيقة في الماضي فلوحمل كل شيء على عموم الأفراد يلزم أن يكون جميعها قد وجد وأعطى مع أن منها بل أكثرها لم يوجد ولم يعط بعد بخلاف ما إذا حمل على عموم الأنواع فإنه لا محذور فيه إذ الأنواع جميعها قد وجد ولا يتجدد بعد ذلك نوع وإن كان ذلك ممكناً وفيه بحث ظاهر فليفهم. وروي عن ابن عباس وابن جبير والسدي أن المعنى أعطى كل حيوان ذكر نظيره في الخلق والصورة أنثى وكأنهم جعلوا كلاً للتكثير وإلا فالعموم مطلقاً باطل كما لا يخفى، وعندي أن هذا المعنى من فروع المعنى السابق الذي ذكرناه، ولعل مراد من قاله التمثيل وإلا فهو بعيد جداً ولا يكاد يقوله من نسب إليه. وقيل: {خَلْقَهُ } هو المفعول الأول والمصدر بمعنى اسم المفعول أيضاً، والضمير المجرور للموصول و {كُلّ شَىْء } هو المفعول الثاني والمعنى أعطى مخلوقاته سبحانه كل شيء يحتاجون إليه ويرتفقون به، وقدم المفعول الثاني للاهتمام به من حيث إن المقصود الامتنان به ونسب هذا القول إلى الجبائي، والأول أظهر لفظاً ومعنى. وقرأ عبد الله وأناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو نهيك وابن أبـي إسحٰق والأعمش والحسن ونصير عن الكسائي وابن نوح عن قتيبة وسلام {خلقه} على صيغة الماضي المعلوم / على أن الجملة صفة للمضاف إليه أو المضاف على شذوذ، وحذف المفعول الثاني اختصاراً لدلالة قرينة الحال عليه أي أعطى كل شيء خلقه تعالى ما يصلحه أو ما يحتاج إليه وجعل ذلك الزمخشري من باب يعطي ويمنع أي كل شيء خلقه سبحانه لم يخله من عطائه وإنعامه، ورجحه في «الكشف» بأنه أبلغ وأظهر، وقيل: الأول أحسن صناعة وموافقة للمقام وهو عندي أوفق بالمعنى الأول للقراءة الأولى وفيما ذكره في «الكشف» تردد. {ثُمَّ هَدَىٰ } أي أرشد ودل سبحانه بذلك على وجوده وجوده فإن من نظر في هذه المحدثات وما تضمنته من دقائق الحكمة علم أن لها صانعاً واجب الوجود عظيم العطاء والجود، ومحصل الآية ربنا الذي خلق كل شيء حسب استعداده أو على الوجه اللائق به وجعله دليلاً عليه جل جلاله، وهذا الجعل وإن كان متأخراً بالذات عن الخلق وليس بينهما تراخ في الزمان أصلاً لكنه جيء بكلمة ثم للتراخي بحسب الرتبة كما لا يخفى وجهه على المتأمل، وفي «إرشاد العقل السليم» {ثُمَّ هَدَىٰ } إلى طريق الانتفاع والارتفاق بما أعطاه وعرفه كيف يتوصل إلى بقائه وكماله إما اختياراً كما في الحيوانات أو طبعاً كما في الجمادات والقوى الطبيعية النباتية والحيوانية. ولما كان الخلق هو تركيب الأجزاء وتسوية الأجسام متقدماً على الهداية التي هي عبارة عن إيداع القوى المحركة والمدركة في تلك الأجساد وسط بينهما كلمة التراخي انتهى، ولا يخفى عليك أن الخلق لغة أعم مما ذكره وأن القوى المحركة والمدركة داخلة في عموم {كُلّ شَىْء } سواء كان عموم الأفراد أو عموم الأنواع وأنه لا بد من ارتكاب نوع من المجاز في {هَدَىٰ } على تفسيره، وقيل: على التفسير المروي عن ابن عباس ومن معه ثم هداه إلى الاجتماع بإلفه والمناكحة، وقيل غير ذلك، ولله تعالى در هذا الجواب ما أخصره وما أجمعه وما أبينه لمن ألقى الذهن ونظر بعين الانصاف وكان طالباً للحق، ومن هنا قيل: كان من الظاهر أن يقول عليه السلام: ربنا رب العالمين لكن سلك طريق الإرشاد والأسلوب الحكيم وأشار إلى حدوث الموجودات بأسرها واحتياجها إليه سبحانه واختلاف مراتبها وأنه تعالى هو القادر الحكيم الغني المنعم على الإطلاق. واستدل بالآية على أن فرعون كان عارفاً بالله تعالى إلا أنه كان معانداً لأن جملة الصلة لا بد أن تكون معلومة ومتى كانت هذه الجملة معلومة له كان عارفاً به سبحانه، وهذا مذهب البعض فيه عليه اللعنة، واستدلوا له أيضاً بقوله تعالى: {أية : لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَٰؤُلاء إِلاَّ رَبُّ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ } تفسير : [الإسراء: 102] وقوله تعالى: {أية : وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً } تفسير : [النمل: 14] وقوله تعالى في سورة القصص [39]: {أية : وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لاَ يُرْجَعُونَ } تفسير : فإنه ليس فيه إلا إنكار المعاد دون المبدأ وقوله تعالى في سورة الشعراء [23]: {أية : وَمَا رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } تفسير : إلى قوله سبحانه {أية : إِنَّ رَسُولَكُمُ ٱلَّذِى أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ}تفسير : [الشعراء: 27] فإنه عنى به أني أطلب منه شرح الماهية وهو يشرح الوجود فدل على أنه معترف بأصل الوجود وبأن ملكه لم يتجاوز القبط ولم يبلغ الشام ألا ترى أن موسى عليه السلام لما هرب إلى مدين قال له شعيب: {أية : لاَ تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ } تفسير : [القصص: 52] فكيف يعتقد أنه إلٰه العالم وبأنه كان عاقلاً ضرورة أنه كان مكلفاً وكل عاقل يعلم بالضرورة أنه وجد بعد العدم، ومن كان كذلك افتقر إلى مدبر فيكون قائلاً بالمدبر وبأنه سأل هٰهنا بمن طالباً للكيفية، وفي الشعراء بما طالباً للماهية. والظاهر أن السؤال بمن سابق فكأن موسى عليه السلام لما أقام الدلالة على الوجود ترك المنازعة معه / في هذا المقام لعلمه بظهوره وشرع في مقام أصعب لأن العلم بماهيته تعالى غير حاصلة للبشر. ولا يخفى ما في هذه الأدلة من القيل والقال. ومن الناس من قال: إنه كان جاهلاً بالله تعالى بعد اتفاقهم على أن العاقل لا يجوز أن يعتقد في نفسه أنه خالق السمٰوات والأرض وما فيهما واختلفوا في كيفية جهله فيحتمل أنه كان دهرياً نافياً للصانع أصلاً ولعله كان يقول بعدم احتياج الممكن في وجوده إلى مؤثر وأن وجود العالم اتفاقي كما نقل عن ديمقراطيس وأتباعه، ويحتمل أنه كان فلسفياً قائلاً بالعلة الموجبة، ويحتمل أنه كان من عبدة الكواكب، ويحتمل أنه كان من عبدة الأصنام، ويحتمل أنه كان من الحلولية المجسمة وأما ادعاؤه الربوبية لنفسه فبمعنى أنه يجب على من تحت يده طاعته والانقياد له وعدم الاشتغال بطاعة غيره، واستدل بشروعه في المناظرة وطلب الحجة دون السفاهة والشغب مع كونه جباراً شديد البطش على الشغب والسفاهة مع من يدعو إلى الحق في غاية القبح فلا ينبغي لمن يدعي الإسلام والعلم أن يرتضي لنفسه ما لم يرتضه فرعون لنفسه. وباشتغال موسى عليه السلام بإقامة الدليل على المطلوب على فساد التقليد في أمثال هذا المطلب وفساد قول القائل: إن معرفة الله تعالى تستفاد من قول الرسول، وبحكاية كلام فرعون وجواب موسى عليه السلام على أنه يجوز حكاية كلام المبطل مقروناً بالجواب لئلا يبقى الشك، وعلى أن المحق يجب عليه استماع شبهة المبطل حتى يمكنه الاشتغال بحلها.
الواحدي
تفسير : {ربنا الذي أعطى كلَّ شيء خلقه} أَيْ: أتقن كلَّ شيءٍ ممَّا خلق، وخلقه على الهيئة التي بها يُنتفع، والتي هي أصلح وأحكم لما يُراد منه {ثم هدى} أي: هداه لمعيشته، ثمَّ سأله فرعون عن أعمال الأمم الماضية.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 50- فأجابه موسى: ربنا الذى منح نعمة الوجود لكل موجود، وخلقه على الصورة التى اختارها سبحانه له، ووجَّهه لما خلق. 51- قال لفرعون: فما شأن القرون الماضية وما جرى لها؟. 52- قال موسى: عِلْمُ هذه القرون عند ربى - وحده - وهى مسجلة فى صحائف أعمالهم، لا يغيب عن علمه شئ منها ولا ينساه. 53- هو الإله المتفضل على عباده بالوجود والحفظ، مهَّد لكم الأرض فبسطها بقدرته، وشق لكم فيها طرقاً تسلكونها، وأنزل المطر عليها تجرى به الأنهار فيها، فأخرج سبحانه أنواع النبات المختلفة المتقابلة فى ألوانها وطعومها ومنافعها، فمنها الأبيض، ومنها الأسود، ومنها الحلو، ومنها المر. 54- ووجَّه - سبحانه - عباده إلى الانتفاع بما أخرج من النبات بالأكل ورعى الأنعام، ونحو ذلك. فذكر أن فى هذا الخلق وإبداعه والإنْعام به دلائل واضحة، يهتدى بها ذوو العقول إلى الإيمان بالله ورسالاته. 55- ومن تراب هذه الأرض خلق الله آدم وذريته، وإليها يردّهم بعد الموت لمواراة أجسامهم، ومنها يخرجهم أحياء مرة أخرى للبعث والجزاء. 56- ولقد أرينا فرعون على يد موسى المعجزات البيِّنة المؤيدة لرسالته وصدقه فى كل ما أخبره به عن الله وعن آثار قدرته، ومع هذا فقد تمادى فرعون فى كفره، فكذّب بكل ذلك، وأَبَى أن يؤمن به.
د. أسعد حومد
تفسير : (50) - قَالَ مُوسَى: رَبُّنَا هُوَ الَّذِي وَهَبَ الوُجُودَ لِكُلِّ مَوْجُودٍ، فِي الصُّورَةِ التِي أَوْجَدَهُ فِيها، وَفَطَرَهُ عَلَيْها، ثُمَّ هَدَى كُلَّ شَيءٍ إِلى وَظِيفَتِهِ التِي خَلَقَهُ لَهَا، وَأَمَدَّهُ بِمَا يُنَاسِبُ هَذِهِ الوَظِيفَةَ، وَبِمَا يُعِينُهُ عَلَيْهَا. فَكُلُّ شَيءٍ مَخْلُوقٌ وَمَعَهُ الاهْتِدَاءُ الطَّبِيعِيُّ الفِطْرِيُّ لِلْوَظِيفَةِ التِي خَلَقَهُ اللهُ لَهَا. أَعْطَى كُلَّ شَيءٍ خَلَقَهُ - صُورَتَهُ الَّلائِقَةَ بِخَاصَّتِهِ. هَدَى - أَرْشَدَهُ إِلَى مَا يَصْلُحُ لَهُ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : معنى {أَعْطَىٰ كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ..} [طه: 50] أي: كل ما في الوجود، خلقه الله لمهمة، فجاء خَلْقه مناسباً للمهمة التي خُلِق لها {ثُمَّ هَدَىٰ} [طه: 50] أي: دلّ كل شيء على القيام بمهمته ويسّره لها. والحق سبحانه أعطى كل شيء (خَلْقَهُ) الخَلْق يُطلَق، ويُراد به المخلوق، فالمخلوق شيء لا بُدَّ له من مادة، لا بُدَّ أن يكون له صورة وشكل، له لون ورائحة، له عناصر ليؤدي مهمته. فإذا أراد الله سبحانه خَلْق شيء يقْدِر له كل هذه الأشياء فأمدَّ العين كي تبصر، والأنف كي يشم، واللسان كي يتذوق، ثم هدى كل شيء إلى الأمر المراد به لتمام مهمته، بدون أي تدخّل فيه من أحد. وإذا كان الإنسان، وهو المقدور للقادر الأعلى يستطيع أن يصنع مثلاً القنبلة الزمنية، ويضبطها على وقت، فتؤدي مهمتها بعد ذلك تلقائياً دون اتصال الصانع بها. فالحق سبحانه خلق كل شيء وأقدره على أنْ يُؤدِّي مهمته على الوجه الأكمل تأدية تلقائية غريزية، فالحيوانات التي نتهمها بالغباء، ونقول عنها: "بهائم" هي في الحقيقة ليست كذلك، وقد أعطانا الحق - سبحانه وتعالى - صورة لها في مسألة الغراب الذي بعثه الله ليُعلِّم ولد آدم كيف يواري سوءة أخيه كما قال سبحانه: {أية : فَبَعَثَ ٱللَّهُ غُرَاباً يَبْحَثُ فِي ٱلأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَـٰذَا ٱلْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ ٱلنَّادِمِينَ}تفسير : [المائدة: 31]. فكيف صنع الغراب هذا الصنيع؟ صنعه بالغريزة التي جعلها الله فيه، ولو تأملتَ الحمار الذي يضربون به المثل في الغباء حين تريده أنْ يتخطى (قناة) مثلاً، تراه ينظر إليها ويُقدِّر مسافتها، فإن استطاع أنْ يتخطاها قفز دون تردد، وإنْ كانت فوق إمكانياته تراجع، ولم يُقْدِم مهما ضربته أو أجبرته على تخطيها، هذه هي الغريزة الفِطْرية. لذلك تجد المخلوقات غير المختارة لا تخطىء؛ لأنها محكومة بالغريزة، وليس لها عقل يدعو إلى هوىً، وليس لها اختيار بين البدائل مثل العقل الإلكتروني الذي يعطيك ما أودعته فيه لا يزيد عليه ولا ينقص، أما الإنسان فيمكن أنْ يُغيّر الحقيقة، ويُخفِي ما تريده منه، لأن له عقلاً يفاضل: قُلْ هذه، ولا تقُلْ هذه ، وهذا ما ميّز الله به الإنسان عن غيره من المخلوقات. كذلك، ترى الحيوان إذا شبع يمتنع عن الطعام ولا يمكن أن تؤكله عود برسيم واحد مهما حاولتَ، إنما الإنسان صاحب العقل والهوى يقول لك: (أرها الألوان تريك الأركان)، فلا مانع - بعد أن أكل حتى التخمة - من تذوُّق أصناف شتّى من الحلوى والفاكهة وخلافه. وفي هذه الآية يقول الحق سبحانه وتعالى أنه: {أَعْطَىٰ كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ} [طه: 50]. خذ مثلاً الأذن، وكيف هي محكمة التركيب مناسبة لتلقي الأصوات، ففي الأذن من الخارج تجاعيد وتعاريج تتلقى الأصوات العالية، فتُخفّف من حِدّتها حتى تصل إلى الطبلة الرقيقة هادئة، وإلاَّ خرقتها الأصوات وأصَمّتها، وكذلك جعلها الله لِصدِّ الرياح حتى إذا هبت لم تجد الأذن هكذا عارية فتؤذيها. وكذلك العَيْن، كم بها من آيات لله، فقد خلقها الله بقدر، من هذه الآيات أن حرارتها إنْ زادت عن 12 درجة تفسد، وأرنبة الأنف إنْ زادت عن 9 درجات لا تؤدي مهمتها، مع أن في الجسم عضواً حرارته 40 درجة هو الكبد، والحرارة الكلية للإنسان 37 درجة، تكون ثابتة في المناطق الباردة حيث الجليد كما هي في المناطق الحارة، لا ترتفع ولا تنخفض إلا لعِلَّة أو آفة في الجسم. إذن: كل شيء في الوجود خلقه الله بقدر وحكمة وكيفية لأداء مهمته، كما قال في آية أخرى: {أية : ٱلَّذِي خَلَقَ فَسَوَّىٰ * وَٱلَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰ}تفسير : [الأعلى: 2-3]. اللسان مثلاً جعل الله به حَلَمات متعددة، كل واحدة منها تتذوّق طَعْماً معيناً، فواحدة للحلو، وواحدة للمُرِّ، وواحدة للحريف، وهكذا، وجميعها في هذه المساحة الضيقة متجاورة ومتلاصقة بقَدْر دقيق ومُعْجز. الأنف وما فيه من مادة مُخاطية عالقة لا تسيل منك، وشعيرات دقيقة، ذلك لكي يحدث لهواء الشهيق عملية تصفية وتكييف قبل أن يصل إلى الرئتين؛ لذلك لا ينبغي أنْ نقصَّ الشعيرات التي بداخل الأنف؛ لأن لها مهمة. عضلة القلب وما تحتويه من أُذَيْن وبُطَيْن، ومداخل للدم، ومخارج محكمة دقيقة تعمل ميكانيكياً، ولا تتوقف ولا تتعطل لمدة 140 أو 120 سنة، تعمل تلقائياً حتى وأنت نائم، فأيّ آلة يمكن أنْ تُؤدِّي هذه المهمة؟ والحق سبحانه وتعالى عندما أرسل موسى وهارون بآية دالة على صدقهما إلى فرعون كانت مهمتهما الأساسية أَخْذ بني إسرائيل، وإنقاذهم من طغيان فرعون، وجاءت المسألة الإيمانية تبعية، أما أصل مهمة موسى فكان: {أية : فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ وَلاَ تُعَذِّبْهُمْ ..}تفسير : [طه: 47]. والحق سبحانه حين يعرض قضية الإيمان يعرضها مبدوءة بالدليل دليل البدء الذي جاء في قوله تعالى: {قَالَ رَبُّنَا ٱلَّذِيۤ أَعْطَىٰ كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ} [طه: 50] لأن، فرعون الذي ادعى الألوهية لا بُدَّ أن يكون له مألوهون، وهم خَلْق مثله، وهو يعتزّ بملكه وماله من أرض مصر ونيلها وخيراتها حتى قال: {أية : أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَـٰذِهِ ٱلأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِيۤ ..}تفسير : [الزخرف: 51]. فأراد الحق سبحانه وتعالى أنْ يرد عليه: ألَكَ شيء في خَلْق هؤلاء المألوهين لك؟ وما أشبهَ موقف فرعون أمام هذه الحجة بموقف النمروذ أمام نبي الله إبراهيم عليه السلام عندما قال له: {أية : رَبِّيَ ٱلَّذِي يُحْيِـي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِـي وَأُمِيتُ ..}تفسير : [البقرة: 258]. فلم يجد النمروذ إلا الجدل والسفسطة، فلجأ إلى حيلة المفلسين، وجاء برجلين فقال: أنا أحكم على هذا بالموت وأعفو عن هذا؛ لذلك لما أحسَّ إبراهيم - عليه السلام - منه المراوغة والجدال نقله إلى مسألة لا يستطيع منها فكاكاً. {أية : قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَأْتِي بِٱلشَّمْسِ مِنَ ٱلْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ ٱلْمَغْرِبِ فَبُهِتَ ٱلَّذِي كَفَرَ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ}تفسير : [البقرة: 258]. إذن: فالردُّ إلى قضية الخلق الأول دليل لا يمكن لأحد ردُّه، حتى فرعون ذاته لم يدَّعِ أنه خلق شيئاً، إنما تجبّر وتكبّر وادّعى الألوهية فقط على مألوه لم يخلقه، ولم يخلق نفسه، ولم يخلق الملْك الذي يعتز به. ولما كان دليل الخلق الابتدائي هو الدليل المقنع، لم يكن لفرعون رَدٌّ عليه؛ لذلك لما سمع هذه المسألةَ {قَالَ رَبُّنَا ٱلَّذِيۤ أَعْطَىٰ كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ} [طه: 50] لم يستطع أنْ ينقضَ هذا الدليل، فأراد أنْ يُخرِج الحوار من دليل الجد إلى مسألة أخرى يهرب إليها، مسألة فرعية لا قيمة لها: {قَالَ فَمَا بَالُ ٱلْقُرُونِ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {رَبُّنَا ٱلَّذِيۤ أَعْطَىٰ كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ} معناه صَوّرهُ ثُمَّ هَداهُ مَعيشتَهُ. ويقال: هَدَى: إِتيانُ الذكرُ الأُنثَى.
همام الصنعاني
تفسير : 1815- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة، عن الحسن في قوله: {أَعْطَىٰ كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ} [الآية: 50]، قال: أعطى كل شيء ما يصلحه ثم هَدَاهُ لِذلك. 1816- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن الكلبي، قال: أعطى الرجل المرأة، والجمل الناقة، والذكر أعطاه الأنثى، ثم هَدَاه لذلك.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):