٢٠ - طه
20 - Ta-Ha (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
51
Tafseer
القرطبي
تفسير : فيه أربع مسائل: الأولى: قوله تعالى: {قَالَ فَمَا بَالُ} البال الحال؛ أي ما حالها وما شأنها، فأعلمه أن علمها عند الله تعالى، أي إن هذا من علم الغيب الذي سألت عنه، وهو مما استأثر الله تعالى به لا يعلمه إلا هو، وما أنا إلا عبد مثلك؛ لا أعلم منه إلا ما أخبرني به علام الغيوب، وعلم أحوال القرون مكتوبة عند الله في اللوح المحفوظ. وقيل: المعنى فما بال القرون الأولى لم يقروا بذلك. أي فما بالهم ذهبوا وقد عبدوا غير ربك. وقيل: إنما سأله عن أعمال القرون الأولى، فأعلمه أنها محصاة عند الله تعالى، ومحفوظة عنده في كتاب. أي هي مكتوبة فسيجازيهم غداً بها وعليها. وعنى بالكتاب اللوح المحفوظ. وقيل: هو كتاب مع بعض الملائكة. الثانية: هذه الآية ونظائرها مما تقدم ويأتي تدل على تدوين العلوم وكَتْبها لئلا تُنْسى. فإن الحفظ قد تعتريه الآفات من الغلط والنّسيان. وقد لا يحفظ الإنسان ما يسمع فيقيده لئلا يذهب عنه. وروينا بالإسناد المتصل عن قتادة أنه قيل له: أنكتب ما نسمع منك؟ قال: وما يمنعك أن تكتب وقد أخبرك اللطيف الخبير أنه يكتب؛ فقال: {عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لاَّ يَضِلُّ رَبِّي وَلاَ يَنسَى}. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لما قضى الله الخلق كتب في كتاب على نفسه فهو موضوع عنده إن رحمتي تغلِب غضبي»تفسير : . وأسند الخطيب أبو بكر عن أبي هريرة قال: كان رجل من الأنصار يجلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم يستمع منه الحديث ويعجبه ولا يحفظه، فشكا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله! إني أسمع منك الحديث يعجبني ولا أحفظه؛ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «استعن بيمينك» وأومأ إلى الخطّ. وهذا نصّ. وعلى جواز كَتْب العلم وتدوينه جمهور الصحابة والتابعين؛ وقد أمر صلى الله عليه وسلم: بكَتْب الخطبة التي خطب بها في الحج لأبي شاه ـ رجل من اليمن ـ لما سأله كَتْبها. أخرجه مسلم. وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : قَيِّدُوا العلمَ بالكتابة»تفسير : . وقال معاوية بن قُرّة: من لم يكتب العلم لم يعد علمه علماً. وقد ذهب قوم إلى المنع من الكَتْب؛ فروى أبو نضرة قال: قيل لأبي سعيد: أنكتب حديثكم هذا؟ قال: لم تجعلونه قرآناً؟ ولكن احفظوا كما حفظنا. وممن كان لا يكتب الشعبي ويونس بن عبيد وخالد الحذّاء ـ قال خالد: ما كتبت شيئاً قط إلا حديثاً واحداً، فلما حفظته محوته ـ وابن عون والزهري. وقد كان بعضهم يكتب فإذا حفظ محاه؛ منهم محمد بن سيرين وعاصم بن ضَمْرة. وقال هشام بن حسان: ما كتبت حديثاً قطّ إلا حديث الأعماق فلما حفظته محوته. قلت: وقد ذكرنا عن خالد الحذّاء مثل هذا. وحديث الأعماق خرجه مسلم في آخر الكتاب: «حديث : لا تقوم الساعة حتى ينزل الروم بالأعماق ـ أو ـ بدابق» تفسير : الحديث ذكره في كتاب الفتن. وكان بعضهم يحفظ ثم يكتب ما يحفظ؛ منهم الأعمش وعبد الله بن إدريس وهشيم وغيرهم. وهذا احتياط على الحفظ. والكَتْب أولى على الجملة، وبه وردت الآي والأحاديث؛ وهو مرويّ عن عمر وعلي وجابر وأنس رضي الله عنهم، ومن يليهم من كبراء التابعين كالحسن وعطاء وطاوس وعروة بن الزبير، ومن بعدهم من أهل العلم؛ قال الله تعالى: {أية : وَكَتَبْنَا لَهُ فِي ٱلأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ} تفسير : [الأعراف: 145]. وقال تعالى: {أية : وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي ٱلزَّبُورِ مِن بَعْدِ ٱلذِّكْرِ أَنَّ ٱلأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ ٱلصَّالِحُونَ} تفسير : [الأنبياء: 105]. وقال تعالى: {أية : وَٱكْتُبْ لَنَا فِي هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً} تفسير : [الأعراف: 156] الآية. وقال تعالى: {أية : وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي ٱلزُّبُرِ * وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُّسْتَطَرٌ } تفسير : [القمر: 52 ـ 53]. وقال: {عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ} إلى غير هذا من الآي. وأيضاً فإن العلم لا يضبط إلا بالكتاب، ثم بالمقابلة والمدارسة والتعهد والتحفظ والمذاكرة والسؤال والفحص عن الناقلين والثقة بما نقلوا، وإنما كره الكَتبْ من كره من الصدر الأوّل لقرب العهد، وتقارب الإسناد لئلا يعتمده الكاتب فيهمله، أو يرغب عن حفظه والعمل به؛ فأما والوقت متباعد، والإسناد غير متقارب، والطرق مختلفة، والنَّقَلة متشابهون، وآفة النسيان معترضة، والوهم غير مأمون؛ فإن تقييد العلم بالكتاب أولى وأشفى، والدليل على وجوبه أقوى؛ فإن احتج محتج بحديث أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : لا تكتبوا عني ومن كتب غير القرآن فليمحه» تفسير : خرجه مسلم؛ فالجواب أن ذلك كان متقدماً؛ فهو منسوخ بأمره بالكتابة، وإباحتها لأبي شاه وغيره. وأيضاً كان ذلك لئلا يخلط بالقرآن ما ليس منه. وكذا ما روي عن أبي سعيد أيضاً ـ حرصنا أن يأذن لنا النبي صلى الله عليه وسلم في الكتابة فأبى ـ إن كان محفوظاً فهو قبل الهجرة، وحين كان لا يؤمن الاشتغال به عن القرآن. الثالثة: قال أبو بكر الخطيب: ينبغي أن يكتب الحديث بالسواد؛ ثم الحبر خاصة دون المداد لأن السواد أصبغ الألوان، والحبر أبقاها على مر الدهور. وهو آلة ذوي العلم، وعدّة أهل المعرفة. ذكر عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثني أبي قال: رآني الشافعي وأنا في مجلسه وعلى قميصي حبر وأنا أخفيه؛ فقال: لم تخفيه وتستره؟ إن الحبر على الثوب من المروءة لأن صورته في الأبصار سواد، وفي البصائر بياض. وقال خالد بن يزيد: الحبر في ثوب صاحب الحديث مثل الخَلُوق في ثوب العروس. وأخذ هذا المعنى أبو عبد الله البَلَوي فقال:شعر : مِدادُ المَحَابرِ طيبُ الرجال وطِيب النساءِ من الزّعفرانْ فهذا يَليق بأثواب ذَا وهذا يليقُ بثوب الحَصَانْ تفسير : وذكر الماوردي أن عبد الله بن سليمان فيما حكى؛ رأى على بعض ثيابه أثر صفرة؛ فأخذ من مداد الدواة وطلاه به؛ ثم قال: المداد بنا أحسن من الزعفران؛ وأنشد:شعر : إنّما الزّعفرانُ عِطرُ العَذَارَى ومِدادُ الدّويِّ عِطرُ الرِّجالِ تفسير : الرابعة: قوله تعالى: {لاَّ يَضِلُّ رَبِّي وَلاَ يَنسَى} اختلف في معناه على أقوال خمسة؛ الأول: إنه ابتداء كلام، تنزيه لله تعالى عن هاتين الصفتين. وقد كان الكلام تم في قوله: «في كتاب». وكذا قال الزجاج، وأن معنى «لا يضلّ» لا يهلك من قوله: {أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي ٱلأَرْضِ} [السجدة: 10]. «وَلا يَنْسَى» شيئاً؛ نزّهه عن الهلاك والنّسيان. القول الثاني: «لاَ يَضِلُّ» لا يخطىء؛ قاله ابن عباس؛ أي لا يخطىء في التدبير، فمن أنظره فلحكمة أنظره، ومن عاجله فلحكمة عاجله. القول الثالث: «لا يضل» لا يغيب. قال ابن الأعرابي: أصل الضلال الغَيبوبة؛ يقال: ضلّ الناسِي إذا غاب عنه حفظ الشيء. قال: ومعنى {لاَّ يَضِلُّ رَبِّي وَلاَ يَنسَى} أي لا يغيب عنه شيء ولا يغيب عن شيء. القول الرابع قاله الزجاج أيضاً وقال النحاس وهو أشبهها بالمعنى ـ: أخبر الله عز وجل أنه لا يحتاج إلى كتاب؛ والمعنى؛ لا يضل عنه علم شيء من الأشياء ولا معرفتها، ولا ينسى ما علِمه منها. قلت: وهذا القول راجع إلى معنى قول ابن الأعرابي. وقول خامس: إن {لاَّ يَضِلُّ رَبِّي وَلاَ يَنسَى} في موضع الصفة لـ«ـكتاب» أي الكتاب غير ضال عن الله عز وجل؛ أي غير ذاهب عنه. {وَلاَ يَنسَى} أي غير ناسٍ له فهما نعتان لـ«ـكتاب». وعلى هذا يكون الكلام متصلاً، ولا يوقف على «كتاب». تقول العرب: ضلّني الشيء إذا لم أجده، وأضللته أنا إذا تركته في موضع فلم تجده فيه. وقرأ الحسن وقتادة وعيسى بن عمر وابن محيصن وعاصم الجَحْدري وابن كثير فيما روى شبل عنه «لاَ يُضِلُّ» بضم الياء على معنى لا يُضيعه ربّي ولا ينساه. قال ابن عرفة: الضلالة عند العرب سلوك سبيل غير القصد؛ يقال: ضلَّ عن الطريق، وأضل الشيء إذا أضاعه. ومنه قرأ من قرأ «لاَ يُضِلُّ رَبِّي» أي لا يُضيع؛ هذا مذهب العرب.
البيضاوي
تفسير : {قَالَ فَمَا بَالُ ٱلْقُرُونِ ٱلأُولَىٰ } فما حالهم بعد موتهم من السعادة والشقاوة.
المحلي و السيوطي
تفسير : {قَالَ } فرعون {فَمَا بَالُ } حال {ٱلْقُرُونِ } الأمم {ٱلأُولَىٰ } كقوم نوح وهود ولوط وصالح في عبادتهم الأوثان؟.
ابن عبد السلام
تفسير : {الْقُرُونِ} "القرن: أهل كل عصر لاقترانهم فيه، أو أهل كل عصر فيه نبي، أو طبقة عالية من العلم لاقترانهم بأهل العلم"، قاله الزجاج، سأله عنهم هل كانوا على مثل ما يدعوا إليه، أو بخلافه، أو ذكره دفعاً للجواب وقطعاً لما دعا إليه وعنتاً، أو سأل عن بغيهم للجزاء، أو لما دعاه إلى الإيمان بالبعث قال: فما بال القرون لم يبعثوا.
النسفي
تفسير : {قَالَ فَمَا بَالُ ٱلْقُرُونِ ٱلأَولَىٰ } فما حال الأمم الحالية والرمم البالية، سأله عن حال من تقدم من القرون وعن شقاء من شقي منهم وسعادة من سعد {قَالَ } موسى مجيباً {عِلْمُهَا عِندَ رَبّى } مبتدأ وخبر {فِى كِتَـٰبِ } أي اللوح خبر ثانٍ أي هذا سؤال عن الغيب وقد استأثر الله به لا يعلمه إلا هو وما أنا إلا عبد مثلك لا أعلم منه إلا ما أخبرني به علام الغيوب، وعلم أحوال القرون مكتوب عند الله في اللوح المحفوظ {لاَّ يَضِلُّ رَبّى } أي لا يخطىء شيئاً يقال: ضللت الشيء إذا أخطأته في مكانه فلم تهتد له أي لا يخطىء في سعادة الناس وشقاوتهم {وَلاَ يَنسَى } ثوابهم وعقابهم. وقيل: لا ينسى ما علم فيذكره الكتاب ولكن ليعلم الملائكة أن معمول الخلق يوافق معلومه. {ٱلَّذِى } مرفوع صفة لـ {رَبّى } أو خبر مبتدأ محذوف أو منصوب على المدح {جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ مَهْداً } كوفي وغيرهم {مِهَـٰداً } وهما لغتان لما يبسط ويفرش {وَسَلَكَ } أي جعل {لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً } طرقاً {وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاء مَاء } أي مطراً {فَأَخْرَجْنَا بِهِ } بالماء. نقل الكلام من الغيبة إلى لفظ المتكلم المطاع للافتنان. وقيل: تم كلام موسى ثم أخبر الله تعالى عن نفسه بقوله {فَأَخْرَجْنَا بِهِ } وقيل: هذا كلام موسى أي فأخرجنا نحن بالحراثة والغرس {أَزْوٰجاً } أصنافاً {مّن نَّبَـٰتٍ } هو مصدر سمي به النابت فاستوى فيه الواحد والجمع {شَتَّىٰ } صفة للأزواج أو للنبات جمع شتيت كمريض ومرضى أي إنها مختلفة النفع واللون والرائحة والشكل بعضها للناس وبعضها للبهائم، ومن نعمة الله تعالى أن أرزاقنا تحصل بعمل الأنعام وقد جعل الله علفها مما يفضل عن حاجاتنا مما لا نقدر على أكله قائلين {كُلُواْ وَٱرْعَوْا أَنْعَـٰمَكُمْ } حال من الضمير في {فَأَخْرَجْنَا } والمعنى أخرجنا أصناف النبات آذنين في الانتفاع بها مبيحين أن تأكلوا بعضها وتعلفوا بعضها {إِنَّ فِى ذَلِكَ } في الذي ذكرت {لآيَاتٍ } لدلالات {لأُِوْلِي ٱلنُّهَىٰ } لذوي العقول واحدها نهية لأنها تنهى عن المحظور أو ينتهى إليها في الأمور {مِنْهَا } من الأرض {خَلَقْنَـٰكُمْ } أي أباكم آدم عليه السلام. وقيل: يعجن كل نطفة بشيء من تراب مدفنه فيخلق من التراب والنطفة معاً أو لأن النطفة من الأغذية وهي من الأرض {وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ } إذا متم فدفنتم {وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ } عند البعث {تَارَةً أُخْرَىٰ } مرة أخرى والمراد بإخراجهم أنه يؤلف أجزاءهم المتفرقة المختلطة بالتراب ويردهم كما كانوا أحياء ويخرجهم إلى المحشر، عدد الله عليهم ما علق بالأرض من مرافقهم حيث جعلها لهم فراشاً ومهاداً يتقلبون عليها، وسوى لهم فيها مسالك يترددون فيها كيف شاؤوا، وأنبت فيها أصناف النبات التي منها أقواتهم وعلوفات بهائمهم وهي أصلهم الذي منه تفرعوا، وأمهم التي منها ولدوا وهي كفانهم إذا ماتوا. {وَلَقَدْ أَرَيْنَـٰهُ } أي فرعون {ءاياتِنا كلها} وهي تسع آيات: العصا واليد وفلق البحر والحجر والجراد والقمل والضفادع والدم ونتق الجبل {فَكَذَّبَ } الآيات {وَأَبَىٰ } قبول الحق {قَالَ } فرعون {أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا } مصر {بِسِحْرِكَ يٰمُوسَىٰ} فيه دليل على أنه خاف منه خوفاً شديداً وقوله {بِسِحْرِكَ } تعلل وإلا فأي ساحر يقدر أن يخرج ملكاً من أرضه. {فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مّثْلِهِ } فلنعارضنك بسحر مثل سحرك {فَٱجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً } هو مصدر بمعنى الوعد ويقدر مضاف أي مكان موعد. والضمير في {لاَّ نُخْلِفُهُ } للموعد. قرأ يزيد بالجزم على جواب الأمر وغيره بالرفع على الوصف للموعد {نَحْنُ وَلا أَنتَ مَكَاناً } هو بدل من المكان المحذوف، ويجوز أن لا يقدر مضاف ويكون المعنى اجعل بيننا وبينك وعداً لا نخلفه، وانتصب {مَكَاناً } بالمصدر أو بفعل يدل عليه المصدر {سُوًى } بالكسر حجازي وأبو عمرو وعليّ وغيرهم بالضم وهو نعت لـ {مَكَاناً } أي منصفاً بيننا وبينك وهو من الاستواء لأن المسافة من الوسط إلى الطرفين مستوية. {قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ ٱلزّينَةِ } مبتدأ وخبر وهو يوم عيد كان لهم أو يوم النيروز أو يوم عاشوراء. وإنما استقام الجواب بالزمان وإن كان السؤال عن المكان على التأويل الأول، لأن اجتماعهم يوم الزينة يكون في مكان لا محالة فبذكر الزمان علم المكان، وعلى الثاني تقديره وعدكم وعد يوم الزينة {وَأَن يُحْشَرَ ٱلنَّاسُ } أي تجمع في موضع رفع أو جر عطفاً على {يَوْمٍ } أو {ٱلزّينَةِ } {ضُحًى } أي وقت الضحوة لتكون أبعد عن الريبة وأبين لكشف الحق وليشيع في جميع أهل الوبر والمدر {فَتَوَلَّىٰ فِرْعَوْنُ } أدبر عن موسى معرضاً {فَجَمَعَ كَيْدَهُ } مكره وسحرته وكانوا اثنين وسبعين أو أربعمائة أو سبعين ألفاً {ثُمَّ أَتَىٰ } للموعد {قَالَ لَهُمْ مُّوسَىٰ } أي للسحرة {وَيْلَكُمْ لاَ تَفْتَرُواْ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً } لا تدعوا آياته ومعجزاته سحراً {فَيُسْحِتَكُم } كوفي غير أبي بكر يهلككم وبفتح الياء والحاء غيرهم، والسحت والإسحات بمعنى الإعدام وانتصب على جواب النهي {بِعَذَابِ } عظيم {وَقَدْ خَابَ مَنِ ٱفْتَرَىٰ } من كذب على الله {فَتَنَـٰزَعُواْ } اختلفوا أي السحرة فقال بعضهم: هو ساحر مثلنا. وقال بعضهم: ليس هذا بكلام السحرة أي {لاَ تَفْتَرُواْ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً } الآية {أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجْوَىٰ } أي تشاوروا في السر وقالوا: إن كان ساحراً فسنغلبه وإن كان من السماء فله أمر، والنجوى يكون مصدراً واسماً. ثم لفقوا هذا الكلام يعني :
ابن عادل
تفسير : قوله: {قَالَ فَمَا بَالُ ٱلْقُرُونِ ٱلأُولَىٰ} البال: الفكر، يقال: خطر بباله كذا، ولا يثنى ولا يجمع، وشذ جمعه على بالات، ويقال للحال المكترث بها، وكذلك يقال: ما بَالَيتُ بالة، والأصل بالية كعافية فحذفت لامه تخفيفاً. فصل قال المفسرون: البَالُ، الحالُ، أي ما حال القرون الماضية والأمم الخالية كقوم نوح وعاد وثمود. وفي ارتباط هذا الكلام بما قبله وجوه: الأول: أنَّ موسى - عليه السلام - لمَّا قرر أمر المبدأ قال فرعون: إن كان إثبات المبدأ ظاهراً إلى هذا الحد {قَالَ فَمَا بَالُ ٱلْقُرُونِ ٱلأُولَىٰ} ما أثبتوه بل تركوه، فكأن موسى - عليه السلام - لما استدل على إثبات الصانع بالدلالة القاطعة قَدَح فرعونُ في تلك الدلالة بقوله: إنْ كانَ الأمرُ على ما ذكرت من قوة الدلالة وجب على أهل القرون الماضية أن لا يغفلوا عنها. فعارض الحجة بالتقليد. الثاني: أنَّ موسى - عليه السلام - لما هدده بالعذاب في قوله: {أَنَّ ٱلْعَذَابَ عَلَىٰ مَن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ} قال فرعون: {قَالَ فَمَا بَالُ ٱلْقُرُونِ ٱلأُولَىٰ} فإنها كذبت ولم يعذبوا؟ الثالث: وهو الأظهر، أنَّ فرعون لما قال: {فَمَن رَّبُّكُمَا يَا مُوسَىٰ} فذكر موسى - عليه السلام - دليلاً ظاهراً على صحة دعواه فقال: {رَبُّنَا ٱلَّذِي أَعْطَىٰ كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ} خاف فرعون أن يزيد في تلك الحجة، فيظهر للناس صدقه، وفساد طريق فرعون، فأراد أن يصرفه عن ذلك الكلام، ويشغله بالحكايات فقال: {فَمَا بَالُ ٱلْقُرُونِ ٱلأُولَىٰ} فلم يلتفت موسى - عليه السلام - إلى ذلك الحديث وقال: {عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ} ولا يتعلق غرضي بأحوالهم، ولا أشتغل بها، ثم عاد إلى تتميم كلامه الأول، وإبراز الدلائل الظاهرة على الوحدانية فقال {ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ مَهْداً وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً}، وهذا الوجه هو المعتمد في صحة النظم. فإن قيل: العلمُ الذي عند الرب، كيف يكون في الكتاب؟ وذلك أن علم الله صفة قائمة به، فكون صفة الشيء حاصلة في كتاب غير معقول، فذكروا في الجواب وجهين: الأول: معناه: أنه تعالى أثبت تلك الأحكام في كتاب عنده ليكون ما كتبه فيه ظاهراً للملائكة، فيكون ذلك زيادة لهم في الاستدلال على أنه تعالى عالم بكل المعلومات ينزه عن السهو والغفلة، ولقائل أن يقول: قوله: "فِي كِتَابٍ" يوهم احتياجه سبحانه في العلم إلى ذلك الكتاب، وهذا وإن كان غير واجب لا محالة ولكنه لا أقل من أن يوهمه في أول الأمر لا سيما للكافر، فكيف يحسن ذكره مع معاندٍ مثل فرعون في وقت الدعوة؟ الوجه الثاني: أن يفسَّر ذلك بأن بقاء تلك المعلومات في علمه سبحانه كبقاء المكتوب في الكتاب، فيكون الغرض من هذا الكلام تأكيد القول بأن أسرارها مغلومة لله تعالى بحيث لا يزول منها شيء عن علمه، ويؤكد هذا التفسير قوله بعد ذلك: {لاَّ يَضِلُّ رَبِّي وَلاَ يَنسَى}. وقيل: إنما ردَّ موسى علم ذلك إلى الله، لأنه لم يعلم ذلك فإن التوراة أنزلت بعد هلاك فرعون والمراد بالكتاب: اللوحُ المحفوظ. قوله: {عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي} في خبر هذا المبتدأ وجوه: أحدها: أنَّه "عِندَ رَبِّي" وعلى هذا فقوله: "فِي كِتَابٍ" متعلق بما تعلق به الظرف من الاستقرار، أو متعلق بمحذوف على أنه حال من الضمير المستتر في الظرف، أو خبر ثان. الثاني: أن الخبر قوله: "فِي كِتَابٍ"، فَعَلَى هذا قوله: "عِندَ رَبِّي" معمول للاستقرار الذي تعلق به "في كتاب" كما تقدم في عكسه، أو يكون حالاً من الضمير المستتر في الجار الواقع خبراً، وفيه خلاف أعني تقديم الحال على عاملها المعنوي، والأخفش يجيزه ويستدل بقراءة: {أية : وَٱلسَّمَٰوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} تفسير : [الزمر: 67] وقوله: شعر : 3662- رَهْطُ ابْنِ كُوزٍ مُحْقبِي أَدْرَاعِهِمْ فِيِهِمْ وَرَهْطُ رَبِيعَةَ بن حُذَارِ تفسير : وقال بعض النحويين: إنه إذا كان العامل معنوياً والحال ظرف أو عديله حَسُنَ التقديم عند الأخفش وغيره، وهذا منه، أو يكون ظرفاً للعلم نفسه، أو يكون حالاً من المضاف إليه، وهو الضمير في "عِلْمُهَا" ولا يجوز أن يكون "فِي كِتَابٍ" متعلقاً بـ "عِلْمُهَا" على قولنا: إنَّ "عِندَ رَبِّي" الخبر، كما جاز تعلق "عِندَ" بِهِ، لئلا يلزم الفصل بين المصدر ومعموله بأجنبي وقد تقدم أنه لا يخبر عن الموصول إلا بعد تمام صلته. الثالث: أن يكون الظرف وحرف الجر معاً خبراً واحداً في المعنى فيكون بمنزلة: هذا حلوٌ حامضٌ، قاله أبو البقاء. وفيه نظر إذ كل منهما يستقل بفائدة الخبرية بخلاف هذا حُلْوٌ حامِضٌ. والضمير في "عِلْمُهَا" فيه وجهان: أظهرهما: عوده على "القُرُونِ" والثاني: عوده على القيام لدلالة ذكر "القُرُونِ" على ذلك لأنه سأله عن بعث الأمم، والبعث يدل على يوم القيامة. قوله: {لاَّ يَضِلُّ رَبِّي} في هذه الجملة وجهان: أحدهما: أنَّها في محل جر صفة لـ "كِتَاب"، والعائد محذوف تقديره: فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّه رَبِّي، أو لا يضل حفظَه رَبِّي، فـ "رَبِّي"، فاعل "يَضِلُّ" على هذا التقدير. وقيل: تقديره: لا يَضِلُّ الكتابُ رَبِّي، فيكون في "يَضِلُّ" ضمير يعود على الكتاب، و "رَبِّي" منصوب على التعظيم، وكان الأصل عن ربي، فحذف الحرف اتساعاً. يقال: ضَلِلْتُ كذا وضَلِلْتُه بفتح اللام وكسرها لغتان مشهورتان وأشهرهما الفتح. والثاني: أنها مستأنفة لا محل لها من الإعراب - ساقها الله - تعالى - لمجرد الإخبار بذلك حكاية عن موسى. وقرأ الحسن وقتادة والجحدري وعيسى الثقفي وابن محيصن وحماد بن سلمة "لا يُضِلُّ" بضم الياء، أي لا يُضِلُّ رَبِّي الكِتَابَ، أي: لا يضيعُه، يقال: أضْلَلْتُ الشيء أي أضعته و "رَبِّي" فاعل على هذا التقدير. وقيل: تقديره: لا يُضِلُّ أحدٌ رَبِّي عن علمه، أي من علم الكتاب، فيكون الربُّ منصوباً على التعظيم. وفرَّق بعضهم بين ضَلَلْت وأَضْلَلْتُ، فقال: ضَلَلْتُ منزلي بغير ألف، وأضْلَلْتُ بعيري ونحوه من الحيوان بالألف، نثل ذلك الرماني عن العرب. وقال الفراء: يقال: ضَلَلْتُ الشيْءَ إذا أخطأت في مكانه، وَضَلِلْتُ لغتان، فلم تهتد له كقوله: ضَلَلْتُ الطريقَ والمنزلَ، ولا يقال: أَضْلَلْتُه إلا إذا ضاع منك كالدابة انفلتت وشبهها. قوله: "وَلاَ يَنْسَى" في فاعل "يَنْسَى" قولان: أحدهما: أنه عائد على "رَبِّي" أي: ولا يَنْسَى رَبِّي ما أثبته في الكتاب. والثاني: أن الفاعل ضمير عائد على "الكِتَابِ" على سبيل المجاز كما أسند إليه الإحصاء مجازاً في قوله: "إلا أحْصَاهَا" لما كان محلاً للإحصاء. فصل قال مجاهد في قوله: {لاَّ يَضِلُّ رَبِّي وَلاَ يَنسَى}: إن معنى اللفظين واحد أي: لا يذهب عليه شيء ولا يخفى عنه. وفرق الأكثرون بينهما، فقال القفال: لا يَضِلُّ عن الأشياء ومعرفتها، وما عُلِم من ذلك لم ينسه، فاللفظ الأول إشارة إلى كونه عالماً بكل المعلومات، وقوله: "وَلاَ يَنْسَى" دليلٌ على بقاء ذلك العلم أبد الآباد، وهو إشارة إلى نفي التغير. وقال مقاتل: لا يخطىء ذلك الكتاب رَبِّي، ولا يَنْسَى ما فيه. (وقال الحسن: لا يخطىء وقت البعث ولا ينساه. وقال أبو عمرو: وأصل الضلال الغيبوبة، والمعنى: لا يغيب عن شيء ولا يغيب عنه شيء. وقال ابن جرير: لا يُخطىء في التدبير، فيعتقد فيما ليس بصواب كونه صواباً، وإذا عرفه لا ينساه). وكلها متقاربة، والتحقيق هو الأول. واعلم أن فرعون لمَّا سأل موسى عن الإله فقال: "فَمَنْ رَبُّكُمَا" وكان ذلك ممّا سبيله الاستدلال، أجاب بالصواب بأوجز عبارة، وأحسن معنى، ولما سأله عن القُرون الأولى، وكان ذلك مما سبيله الإخبار لم يأته خبر من ذلك، وكلها إلى عالم الغُيوب. قوله: {ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ} في هذا الموصول وجهان: أحدهما: أنه خبر مبتدأ مضمر، أو منصوب بإضمار أمدح، وهو على هذين التقديرين من كلام الله تعالى لا من كلام موسى، وإنما احتجنا إلى ذلك، لأن قوله: "فَأَخْرَجْنَا بِهِ" وقوله: {كُلُواْ وَارْعواْ أَنْعَامَكُمْ} وقوله: "مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ" إلى قوله: {وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ} لا يتأتى أن يكون من كلام موسى، فلذلك جعلناه من كلام الباري تعالى، ويكون فيه التفات من ضمير الغيبة إلى ضمير المتكلم المعظم نفسه. فإن قلت: أجَعَلَهُ من كلام موسى يعني: أنه وصف ربَّه تعالى بذلك، ثم التفت إلى الإخبار عن الله - تعالى - بلفظ التكلم؟ قيل: إنما جعلناه التفاتاً في الوجه الأول، لأت المتكلم واحد بخلاف هذا فإنه لا يتأتى فيه الالفتات المذكور وأخواته من كلام الله. والثاني: أن "الَّذِي" صفة لـ "رَبِّي"، فيكون في محل رفع أو نصب على حسب ما تقدم من إعراب "رَبِّي". وفيه ما تقدم من الإشكال في نظم الكلام من قوله: "فَأخْرَجْنَا" وأخواته من عدم جواز الالتفات، وإن كان قد قال بذلك الزمخشريي والحوفي. وقال ابن عطية: إن كلام موسى تم عند قوله: {وَأَنزَلَ مِنَ ٱلْسَّمَاءِ مَاءً} وأن قوله: "فَأَخْرَجْنَا" إلى آخره من كلام الله تعالى. وفيه بعد وقرأ الكوفيون "مَهْداً" بفتح الميم وسكون الهاء من غير ألف. والباقون: "مِهَاداً" بكسر الميم وفتح الهاء وألف بعدها. وفيه وجهان: أحدهما: قال المفضل: إنَّهما مصدران بمعنى واحد يقال: مَهَّدْتُهُ مَهْدًا ومِهَاداً. والثاني: أنهما مختلفان، فالمِهَادُ هو الاسم، والمَهْد هو الفعل كالفرش والفراش، فالفَرْش المصدر، والفراش اسم لما يُفْرَش. أو أن مِهَاداً جمع مَهْد نحو فَرْخ وفرَاخ وكَعْب وكِعَاب. ووصف الأرضَ بالمَهْد إما مبالغة، وإما على حذف مضاف أي ذات مَهْدِ. قال أبو عبيد: الذي أختاره مِهَاداً وهو اسم والمَهْد الفعل. وقال غيره: المَهْد الاسم والمِهَادُ الجمع كالفَرْش والفِرَاش. أجاب أبو عبيد: بأن الفَرْشَ والفِرَاشَ فعل. قوله: "شَتَّى" فَعْلَى، وألفه للتأنيث، وهو جمع الشَّتيت نحو مَرْضَى في جمع مَرِيض، وجَرْحَى في جمع جَرِيح، وقتلى في جمع قتيل. يقال: شَتَّ الأمرُ يَشِتُّ شَتًّا وَشَتَاتاً فهو شَتٌّ أي تفرق، وشَتَّان اسم فعل ماض بمعنى: افْتَرَقَ، ولذلك لا يكتفي بواحد. وفي "شَتَّى" أوجه: أحدها: أنَّها منصوبةٌ نعتاً لأزواج، أي أزواجاً متفرقة، بمعنى مختلفة الألوان (والطعوم). والثاني: أنَّها منصوبةٌ على الحال من أزواج، وجاز مجيء الحال من النكرة لتخصصها بالصفة، وهي "مِنْ نَبَاتٍ". الثالث: أن تنتصب على الحال أيضاً من فاعل الجار، لأنه لما وقع وصفاً وقع ضميراً فاعلاً. الرابع: أنه في محل جر نعتاً لنبات، قال الزمخشري: يجوز أن يكون صفة لنبات، ونبات مصدر سمي به النبات كما سمي بالنبت، واستوى فيه الواحد والجمع، يعني: أنها شَتَّى مختلفة النفع والطعم واللون والرائحة والشكل، بعضها يصلح للناس وبعضها للبهائم. ووافقه أبو البقاء أيضاً، والظاهر الأول. قوله: "كُلُوا" منصوب بقول محذوف، وذلك القول منصوب على الحال من فاعل "أخْرَجْنَا" تقديره: فأخرَجْنَا كَذَا قائلينَ كُلُوا. وترك مفعول الأكل على حد تركه في قوله تعالى: "وكُلُوا وَاشْرَبُوا" "وارْعُوا" (رَعَى) يكون لازماً ومتعدياً، يقال: رَعَى دابَّته رعياً فهو راعٍ، ورعت الدابة تَرْعَى رعياً فهي راعية، وَجَاء في الآية متعدياً، و "النُّهَى" فيه قولان: أحدهما أنه جمع نُهْيَة كغُرَف جمع غرفة. والثاني: أنَّها اسمٌ مفرد، وهو مصدر كالهُدَى والسُّرى، قاله أبو عليّ وقد تقدم أول الكتاب أنهم قالوا لم يأت مصدر على "فُعَلٍ" من المعتل اللام إلا سُرَى وهُدَى وبُكَى، وأن بعضهم زاد لُقَى، وأنشد عليه بيتاً. وهذا لفظ آخر فيكون خامساً. والنُّهَى: العقل سُمِّي العقل به، لأنه صاحبه عن ارتكاب القبائح. فصل لما ذكر موسى - عليه السلام - الدلالة الأولى، وهي (دِلاَلَةٌ عامَّة) تتناول جميع المخلوقات من الحيوان والنبات والجماد ذكر بعده دلائل خاصة فقال: {ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمْ ٱلأرضَ مِهَاداً} أي جعلها بحيث يتصرف العباد، وغيرهم عليها من النوم، والقُعُود، والقِيَام، والزراعة، وجميع المنافع المذكورة في تفسير قوله تعالى: {أية : ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ فِرَاشاً} تفسير : [البقرة: 22]. {وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً} السَّلْكُ: إدخال الشيء في الشيء، أي: أدْخَلَ فِي الأَرْضِ لأجلكم طُرُقاً تسلكونها. قال ابن عباس: سَهَّل لكم فيها طرقاً. {أية : وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً} تفسير : [البقرة:22] تقدم الكلام فيه في البقرة {فَأَخْرَجْنَا بِهِ أزْوَاجَاً} تقدَّم أنّ هذا من كلام موسى تقديره: يقول ربِّي الذي جعل كذا وكذا "فَأَخْرَجْنَا" نحن معاشر عباده بذلك الماء بالحراسة {أَزْوَاجاً مِنْ نَبَاتٍ}. وتقدم أنَّ الصحيح أنه من كلام الله تعالى، لأنَّ ما بعده لا يليق بموسى - عليه السلام -، ولأن أكثر ما في قدرته صرف المياه إلا سَقْي الأراضي والحراسة، فأما إخراج النبات على أصناف طبائعه وألوانه وأشكاله فليس من موسى عليه السلام، فثبت أنه كلام الله تعالى. وقوله: "أزْوَاجاً" أي أصنافاً سميت بذلك، لأنها مزدوجة مقترنة بعضها ببعض. "شَتَّى" مختلفة الألوان والطعوم والمنافع بعضها يصلح للناس وبعضها للبهائم. "كُلُوا" أمر إباحة. "وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ" تقول العرب: رَعَيْتُ الغنم فَرَعَت أي أسِيموا أنْعَامَكُمْ تَرْعَى. {إنَّ في ذَلِكَ} أي فيما أنزلت لكم من هذه النعم "لآيَاتٍ" لعبرة ودلالات. "لأُولِي النُّهَى" لذوي العقول. (قال الضحَّاك) "لأُولي النُّهَى" الذي ينتهون عما حرم الله عليهم. وقال قتادة: لذَوِي الورع. قوله تعالى: "مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ" الآية، لما ذكر منافع الأرض السماء بيَّن أنَّها غير مخلوقة لذواتها، بل بكونها وسائل إلى منافع الآخرة، فقال: "مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ" أي من الأرض. فإن قيل: إنَّما خَلَقَنَا من النُّطْفَةِ على ما بَيَّنَ في سائر الآيات. فالجواب من وجوه: الأول: أنَّه لمَّا خَلَق أصلنا وهو آدم - عليه السلام - من تُرابٍ كما قال تعالى: {أية : كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ} تفسير : [آل عمران: 59] حسن إطلاق ذلك علينا. الثاني: أنَّ تَوَلُّدَ الإنسان إنَّما هو من النطفة ودم الطمث، وهما يتولَّدان من الأغذية، والغذاء إما حيواني أو نباتي، والحيواني ينتهي إلى النباتي، والنبات إنما يحدث من امتزاج الماء والتراب، فصح أنه سبحانه خَلَقَنا مِنْهَا، وذلك لا ينافي كوننا مخلوقين من النطفة. الثالث: روى ابن مسعود أن مَلَكَ الأرحام يأتي إلى الرَّحيم حين يكتب أجل المولود ورزقَه، والأرض التي يُدْفَن فيها، وأنه يأخذ من تراب تلك البقعة وينثره على النطفة، ثم يدخلها في الرحم. ثم قال: "وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ" أي عند الموت، {وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَىٰ} عند البعث.
القشيري
تفسير : لا يمكنني أن أُخْبِرَكُم إلا بما أخبرني به ربي فَمَا عَرَّفَني عَرَّفْتُ، وما ستره عليَّ وَقَفْتُ.
اسماعيل حقي
تفسير : {قال} فرعون {فما بال القرون الاولى} ما استفهام. والبال الحال التى يكترث بها ولذا يقال ما باليت بكذا اى ما اكترثت به ويعبر به عن الحال الذى ينطوى عليه الانسان فيقال ما خطر ببالى كذا. والقرن القوم المقترنون فى زمن واحد. والاولى تأنيث الاول وواحد الاول كالكبرى والاكبر والكبر. والمعنى فما بال القرون الماضية وما خبر الامم الخالية مثل قوم نوح وعاد وثمود وماذا جرى عليهم من الحوادث المفصلة. قال فى الاسئلة المقحمة فان قلت هذا لا يليق بما تقدم قلنا ان موسى كان قد قال له انى اخاف عليكم مثل يوم الاحزاب ان يلحقكم ما قد لحقهم ان لم تؤمنوا بى فلهذا سأله فرعون عن حالهم انتهى. يقول الفقير هذا وان كان مطابقا لمقتضى الفاء الا ان الجواب لا يساعده مع ان القائل بالخوف ليس هو موسى بل الذى آمن وبعيد ان يحمل الذى آمن على موسى لعدم مساعدة السباق والسياق فارجع الى سورة المؤمن. وقال بعضهم لما سمع البرهان خاف ان يزيد فى ايضاحه فيتبين لقومه صدقه فيؤمنوا به فاراد ان يصرفه عنه ويشغله بالحكاية فلم يلتفت موسى اليه ولذا. {قال} اى موسى {علمها عند ربى} اى ان علم احوال تلك القرون من الغيوب التى لا يعلمها الا الله ولا ملابسة للعلم باحوالهم بمنصب الرسالة فلا اعلم منها الا ما علمنيه من الامور المتعلقة بما ارسلت {فى كتاب} اى مثبت فى اللوح المحفوظ بتفاصيله {لا يضل ربى ولا ينسى} الضلال ان تخطئ الشئ فى مكانه فلم تهتد اليه والنسيان ان تغفل عنه بحيث لا يخطر ببالك وهما محالان على العالم بالذات. والمعنى لا يخطئ ابتداء بل يعلم كل المعلومات ولا يغفل عنه بقاء بل هو ثابت ابدا وهو لبيان ان اثباته فى اللوح المحفوظ ليس لحاجته تعالى اليه فى العلم به ابتداء وبقاء وانما كتب احكام والكائنات فى كتاب ليظهرها للملائكة فيزيد استدلالهم بها على تنزه علمه تعالى عن السو والغفلة. شعر : برو علم يك ذرء بوشيده نيست كه بيدا وبنهان بنزدش يكيست تفسير : فبعد الجواب القاطع رجع الى بيان شؤونه تعالى وقال {الذى} اى هو الذى {جعل لكم الارض مهدا} قال الامام الراغب المهد ما يهيأ للصبى والمهد والمهاد المكان الممهد الموطأ قال تعالى {الذى جعل لكم الارض مهدا} انتهى. قال الكاشفى [خوش كسترانيدكه برآن مى نشينيد ومسكن ميسازيد] {وسلك لكم فيها سبلا} السلوك النفاذ فى الطريق [يعنى اندرراه شدن ورفتن] وسلك لازم ومتعد يقال سلكت الشئ فى الشئ ادخلته والسبل جمع سبيل وهو من الطرق ما هو معتاد السلوك. والمعنى جعل لكم اى لاجلكم لا لغيركم طرقا كثيرة ووسطها بين الجبال والاودية والبرارى تسلكونها من قطر الى قطر لتقضوا منها مآربكم وتنتفعوا بمنافعها {وانزل} النزول هو الانحطاط من علو يقال نزل عن دابته ونزل فى مكان كذا حط رحله فيه وانزل غيره {من السماء} اى من الفلك او من السحاب فان كل ما علا سحاب {ماء} هو جسم سيان قد احاط حول الارض والمراد هنا المطر وهو الاجزاء المائية اذا التأم بعضها مع بعض ونكره قصدا الى معنى البعضية اى انزل من السماء بعض الماء {فاخرجنا به} يقال خرج خروجا برز من مقره او حاله او اكثر ما يقال الاخراج فى الاعيان اى انبتنا بسببه ذكر الماء وعدل عن لفظة الغيبة الى صيغة التكلم على الحكاية لكلام الله تنبيها على زيادة اختصاص الفعل بذاته وان ذلك منه ولا يقدر عليه غيره تعالى {ازوجا} اصنافا سميت بذلك لازدواجها واقتران بعضها ببعض لانه يقال لكل ما يقترن بآخر مماثلا له او مضادا زوج ولكل قرينين من الذكر والانثى فى الحيوانات المتزاوجة زوج ولكل قرينين فيها وفى غيرها زوج كالخف والنعل {من نبات} هو كل جسم يغتذى وينمو كما قال الراغب النبت والنبات ما يخرج من الارض من الناميأت سواء كان له ساق كالشجر او لم يكن له ساق كالنجم لكن اختص فى التعارف بما لا ساق له بل قد اختص عند العامة بما تأكله الحيوانات ومتى اعتبرت الحقائق فانه يستعمل فى كل نام نباتا كان او حيوانا او انسانا انتهى ومن بيانية فيكون قوله {شتى} صفة للنبات لما انه فى الاصل مصدر يتسوى فيه الواحد والجمع. وشتى جمع شتيت بمعنى المتفرق اى نباتات مختلفة الانواع والطعوم والروائح والاشكال والمنافع بعضها صالح للناس على اختلاف وجود الصلاح وبعضها للبهائم والاظهر ان من نبات وشتى صفتان لازواجا واخر شتى رعاية للفواصل.
الطوسي
تفسير : قرأ اهل الكوفة {مهداً} على التوحيد. الباقون "مهاداً" على الجمع، وهو مثل فرش وفراش. ومن قرأ {مهداً} قال ليوافق رؤس الآي. والمعنى {لا يضل ربي ولا ينسى الذي جعل لكم الأرض} مستقراً يمكنكم من التصرف عليها. وقال الزجاج: القرن اهل كل عصر فيهم نبي أو إمام او عالم يقتدى به، وإن لم يكن واحد منهم لم يسم قرناً. حكى الله تعالى ما قال فرعون لموسى {ما بال القرون الأولى} وهي الامم الماضية، وكان هذا السؤال منه معاياة لموسى، فأجابه موسى بأن قال {علمها عند ربي} لانه لا يخفى عليه شيء من المعلومات. وقوله {في كتاب} اي اثبت ذلك فى الكتاب المحفوظ لتعرفه الملائكة. و {الأولى} تأنيث (الأوّل) وهو الكائن على صفة قبل غيره. فاذا لم يكن قبله شيء، فهو قبل كل شيء، واراد ذاك على ما فى معلوم الله من امرها، وقيل انه اراد من يؤدبهم ويجازيهم. وقيل: ان معنى {لا يضل ربي ولا ينسى} اي لا يذهب عليه شيء، والعرب تقول لكل ما ذهب على الانسان مما ليس بحيوان: ضله، كقولهم: ضل منزله إذا اخطأه يضله بغير الف، فاذا ضل منه حيوان فيقولون: أضل - بألف بعيره أو ناقته أو شاته بالألف. والاصل فى الاول ضل عنه. وقرأ الحسن {يضل} بضم الياء وكسر الضاد. وقوله {الذي جعل لكم الأرض مهداً} موضع {الذي} رفع بدل عن قوله {ربي. ولا ينسى الذي جعل لكم الأرض مهداً} أي جعله لكم مستقراً تستقرون عليه {وسلك لكم فيها سبلاً} معناه انه جعل لكم فى الارض سبلا تسلكوا فيها في حوائجكم من موضع الى موضع، وانهج لكم الطرق {وأنزل من السماء ماء فأخرجنا به أزواجاً من نبات شتى} كل ذلك من صفات قوله {لا يضل ربي ولا ينسى الذي جعل} جميع ما ذكر صفاته. وقوله {كلوا وارعوا أنعامكم} لفظه لفظ الامر والمراد الاباحة. وقوله {إن في ذلك لآيات لأولي النهى} أي أن فى جميع ما عددناه دلالات لأولى العقول، والنهى جمع نهية نحو كسية وكسى، وهو شحم فى جوف الضب، وانما خص أولى النهى، لانهم أهل الفكر والاعتبار وأهل التدبير والاتعاظ. وقيل لهم: اهل النهى، لانهم ينهون النفوس عن القبائح وقيل لانه ينتهى الى رأيهم. وقوله {منها خلقناكم وفيها نعيدكم} يعني من الارض خلقناكم وفي الارض نعيدكم إذا امتناكم {ومنها نخرجكم تارة أخرى} دفعة اخرى إذا حشرناكم.
الجنابذي
تفسير : ما حالهم بحسب البقاء والفناء؟ والخير والشّرّ؟ والنّعمة والنّقمة؟ والمنازل والامكنة؟ اعرض عن السّؤال الاوّل وسأل عمّا يعجزه فى الجواب لانّه ان كان يجيب ببيان احوالهم يصر عاجزاً عن اقامة دليلٍ عليه يفهمه السّامعون ولهذا أجابه بما لم يطالبه فرعون بدليلٍ عليه.
الهواري
تفسير : قوله عز وجل {قَالَ فَمَا بَالُ القُرُونِ الأُولَى} إن موسى دعا فرعون إلى الإِيمان بالبعث فقال له فرعون: فما بال القرون الأولى قد هلكت فلم تبعث. {قَالَ} موسى: {عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لاَ يَضِلُّ رَبِّي وَلاَ يَنسَى} أي لا يضله فيذهب، ولا ينسى ما فيه. وقال بعضهم: {فَمَا بَالُ القُرُونِ الأُولَى} أي: أعمال القرون الأولى {قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لاَّ يَضِلُّ رَبِّي} ذلك الكتاب {وَلاَ يَنسَى} أي علم أعمالها وآجالها. ذكروا أن فرعون قال: يا هامان، إن موسى يعرض عليَّ أن لي ملكي في حياتي، ولي الجنة إذا متّ. فقال له هامان: بينما أنت إِله تُعبَد إذ صرت عبداً يَعْبُد. فردّه عن رأيه. قوله عز وجل: {الذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ مَهْداً} وهو مثل قوله تعالى: (أية : جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ بِسَاطاً) تفسير : [نوح: 19] وفراشاً. قوله: {وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً} أي: وجعل لكم فيها طرقاً. {وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّن نَّبَاتٍ شَتَّى} أي: مختلفة في لونه وطعمه. وكل ما ينبت في الأرض فالواحد منه زوج. قال: فالذي ينبت هذه الأزواج الشتى قادر على أن يبعثكم بعد الموت. قوله تعالى: {كُلُوا وَارْعَوا أَنْعَامَكُمْ} أي من ذلك النبات {إِنَّ فِي ذَلِكَ لأيَاتٍ لأُولِي النُّهَى} أي: لأولي العقول، في تفسير الحسن. وقال بعضهم: لأولي الورع.
اطفيش
تفسير : {قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الأولَى} كقوم نوح وقوم هود وقوم لوط وقوم صالح فى عبادة الأوثان. أى ما حالهم عند ربك؟ والبال: الحال.
اطفيش
تفسير : {قال فما بال القرون الأولى} إن كنت رسولاً فأخبرنى ما حال القرون الماضية من الحوادث المفصلات، صرف موسى عما يدعوه إليه ليترك، أو يضعف فيه أو يجد زلة فى كلامه، أو يختبره لعله من القصاص الدارسين لإخبار الأوائل، وأصل البال الفكر، ويطلق على القلب، وعلى الحال التى يعتنى به كما هنا، ولم يجىء مثنى ولا مجموعاً، وشذ قولهم بالات، والذى عندى أن مالم يجىء مثنى ولا مجموعاً جاز جمعه وتثنيته على القياس.
الالوسي
تفسير : لما شاهد اللعين ما نظمه عليه السلام في سلك الجواب من البرهان النير على الطراز الرائع خاف أن يظهر للناس حقية مقالاته عليه السلام وبطلان خرافات نفسه ظهوراً بيناً أراد أن يصرفه عليه السلام عن سننه إلى ما لا يعنيه من الأمور التي لا تعلق لها في نفس الأمر بالرسالة من الحكايات موهماً أن لها تعلقاً بذلك ويشغله عما هو بصدده عسى يظهر فيه نوع غفلة فيتسلق بذلك إلى أن يدعي بين يدي قومه نوع معرفة فقال {فَمَا بَالُ } الخ. وأصل البال الفكر يقال: خطر ببالي كذا ثم أطلق على الحال التي يعتنى بها وهو المراد، ولا يثنى ولا يجمع إلا شذوذاً في قولهم بالات. وكأن الفاء لتفريع ما بعدها على دعوى الرسالة أي إذا كنت رسولاً فأخبرني ما حال القرون الماضية والأمم الخالية، وماذا جرى عليهم من الحوادث المفصلة؟.
ابن عاشور
تفسير : والبال: كلمة دقيقة المعنى، تطلق على الحال المهمّ، ومصدره البالة بتخفيف اللاّم، قال تعالى: {أية : كفّر عنهم سيّآتهم وأصلح بالهم}تفسير : [محمد: 2]، أي حالهم. وفي الحديث «حديث : كل أمر ذي بال...»تفسير : الخ، وتطلق على الرأي يقال: خطر كذا ببالي. ويقولون: ما ألقى له بالاً، وإيثار هذه الكلمة هنا من دقيق الخصائص البلاغيّة. أراد فرعون أن يحاجّ موسى بما حصل للقرون الماضية الذين كانوا على ملّة فرعون، أي قرون أهل مصر، أي ما حالهم، أفتزعم أنّهم اتفقوا على ضلالة. وهذه شنشنة من لا يجد حجّة فيعمد إلى التشغيب بتخييل استبعاد كلام خصمه، وهو في معنى قول فرعون وملئه في الآية الأخرى {أية : قالوا أجِئتنا لتلفتنا عما وجدنا عليه آباءنا} تفسير : [يونس: 78]. ويجوز أن يكون المعنى أنّ فرعون أرَاد التشغيب على موسى حين نهضت حجّته بأن ينقله إلى الحديث عن حال القرون الأولى: هل هم في عذاب بمناسبة قول موسى: {أية : أنّ العذاب على من كذّب وتولّى}تفسير : [طه: 48]، فإذا قال: إنّهم في عذاب، ثارت ثائرة أبنائهم فصاروا أعداء لموسى، وإذا قال: هم في سلام، نهضت حجّة فرعون لأنه متابع لدينهم، ولأنّ موسى لمّا أعلمه بربّه وكان ذلك مشعراً بالخلق الأوّل خطر ببال فرعون أن يسأله عن الاعتقاد في مصير النّاس بعد الفناء، فسأل: ما بال القرون الأولى؟ ما شأنهم وما الخبر عنهم؟ وهو سؤال تعجيز وتشغيب. وقول موسى في جوابه {عِلْمُهَا عند رَبِّي فِي كِتٰبٍ} صالحٌ للاحتمالين، فعلى الاحتمال الأول يكون موسى صرفه عن الخوض فيما لا يجدي في مقامه ذلك الذي هو المتمحض لدعوة الأحياء لا البحث عن أحوال الأموات الذين أفضوا إلى عالم الجزاء، وهذا نظير حديث : قول النبي ــــ صلى الله عليه وسلم ــــ لمّا سئل عن ذراري المشركين فقال: «الله أعلم بما كانوا عاملين»تفسير : . وعلى الاحتمال الثاني يكون موسى قد عدل عن ذكر حالهم خيبة لمراد فرعون وعدولاً عن الاشتغال بغير الغرض الذي جاء لأجله. والحاصل أنّ موسى تجنّب التصدي للمجادلة والمناقضة في غير ما جاء لأجله لأنّه لم يبعث بذلك. وفي هذا الإعراض فوائد كثيرة وهو عالم بمجمل أحوال القرون الأولى وغير عالم بتفاصيل أحوالهم وأحوال أشخاصهم. وإضافة {عِلْمُهَا} من إضافة المصدر إلى مفعوله. وضمير {عِلْمُها} عائد إلى {القُرُونِ الأُولَىٰ} لأنّ لفظ الجمع يجوز أن يؤنث ضميره. وقوله {في كتاب} يحتمل أن يكون الكتاب مجازاً في تفصيل العلم تشبيهاً له بالأمور المكتوبة، وأن يكون كناية عن تحقيق العلم لأنّ الأشياء المكتوبة تكون محققة كقول الحارث بن حِلِّزَة:شعر : وهل ينقض ما في المهارق الأهواء تفسير : ويؤكد هذا المعنى قوله {لاَّ يَضِلُّ رَبي ولا يَنسَى}. والضلال: الخطأ في العلم، شبّه بخطأ الطريق. والنسيان: عدم تذكر الأمر المعلوم في ذهن العالم.
الواحدي
تفسير : {فما بال القرون الأولى} الماضية؟ فأجابه موسى عليه السَّلام بأنَّ أعمالهم محفوظةٌ عند الله يُجازون بها، وهو قوله: {علمها عند ربي في كتاب} وهو اللَّوح المحفوظ {لا يضل ربي} لا يخطىء، ومعناه: لا يترك مَنْ كفر به حتى ينتقم منه {ولا ينسى} مَنْ وحَّده حتى يجازيه. {الذي جعل لكم الأرض مَهداً} فراشاً {وسلك لكم فيها سبلاً} وسهَّل لكم فيها طُرُقاً {وأنزل من السماء ماء} يريد: المطر، وتمَّ ها هنا جواب موسى، ثمَّ تلوَّن الخطاب، وقال الله تعالى: {فأخرجنا به أزواجاً} أصنافاً {من نبات شتى} مختلفة الألوان والطُّعوم. {كلوا} منها {وارعوا أنعامكم} فيها، أَيْ: أسيموها واسرحوها في نبات الأرض {إنَّ في ذلك} الذي ذكرت {لآيات} لعبرة {لأولي النهي} لذوي العقول. {منها خلقناكم} يعني: آدم عليه السَّلام {وفيها نعيدكم} عند الموت {ومنها نخرجكم} عند البعث {تارة} مرَّةً {أخرى}. {ولقد أريناه} يعني: فرعون {آياتنا كلَّها} الآيات التِّسع {فكذَّب} بها، وزعم أنَّها سحرٌ {وأبى} أن يُسلم. {قال} لموسى: {أجئتنا لتخرجنا من أرضنا} من أرض مصر.
د. أسعد حومد
تفسير : (51) - قَالَ فِرْعَوْنُ: فَمَا هُوَ حَالُ الأُمَمِ الخَالِيَةِ (القُرُونِ الأُولَى)، كَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ نُوْحٍ ... أَيْنَ ذَهَبَتْ، وَمَنْ كَانَ رَبُّها، وَمَا يَكُونُ شَأْنُهَا، وَقَدْ هَلَكَتْ هذِهِ الأُمَمُ مِنْ قَبْلُ، وَلَمْ تَعْرِفِ اللهَ، وَقَدْ عَبَدَتْ سِوَاهُ؟ فَمَا بَالُ - فَمَا حَالُ؟ القُرُونِ - الأُمَمِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : أي: ما شأن الأمم السابقة؟ لكن ما دَخْل القرون الأولى بما نتكلّم فيه؟ كلمة البال: هو الفكر، نقول: خطر ببالي. أي: بفكري، ولا يأتي في الفكر وبُؤْرة الشعور إلا الأمر المهم. لكن، سرعان ما أحسَّ موسى بمراوغة فرعون، ومحاولة الهرب من الموضوع الأساسي فسَدَّ عليه الباب.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {قَالَ فَمَا بَالُ ٱلْقُرُونِ ٱلأُولَىٰ} معناه حَديثُهم.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):