Verse. 2400 (AR)

٢٠ - طه

20 - Ta-Ha (AR)

قَالَ عِلْمُہَا عِنْدَ رَبِّيْ فِيْ كِتٰبٍ۝۰ۚ لَا يَضِلُّ رَبِّيْ وَلَا يَنْسَى۝۵۲ۡ
Qala AAilmuha AAinda rabbee fee kitabin la yadillu rabbee wala yansa

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قال» موسى «علمها» أي علم حالهم محفوظ «عند ربي في كتاب» هو اللوح المحفوظ يجازيهم عليها يوم القيامة «لا يضل» يغيب «ربي» عن شيء «ولا ينسى» ربي شيئا.

52

Tafseer

البيضاوي

تفسير : {قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّى} أي هو غيب لا يعلمه إلا هو وإنما أنا عبد مثلك لا أعلم منه إلا ما أخبرني به. {فِى كِتَـٰبٍ} مثبت في اللوح المحفوظ، ويجوز أن يكون تمثيلاً لتمكنه في علمه بما استحفظه العالم وقيده بالكتبة ويؤيده. {لاَّ يَضِلُّ رَبِّى وَلاَ يَنسَى} والضلال أن تخطىء الشيء في مكانه فلم تهتد إليه، والنسيان أن تذهب عنه بحيث لا يخطر ببالك، وهما محالان على العالم بالذات، ويجوز أن يكون سؤاله دخلاً على إحاطة قدرة الله تعالى بالأشياء كلها وتخصيصه ابعاضها بالصور والخواص المختلفة، بأن ذلك يستدعي علمه بتفاصيل الأشياء وجزئياتها، والقرون الخالية مع كثرتهم وتمادي مدتهم وتباعد أطرافهم كيف أحاط علمه بهم وبأجزائهم وأحوالهم فيكون معنى الجواب: أن علمه تعالى محيط بذلك كله وأنه مثبت عنده لا يضل ولا ينسى.

المحلي و السيوطي

تفسير : {قَالَ } موسى {عِلْمُهَا } أي علم حالهم محفوظ {عِندَ رَبِّى فِى كِتَٰبٍ } هو اللوح المحفوظ يجازيهم عليها يوم القيامة {لاَّ يَضِلُّ } يغيب {رَبِّىَ } عن شيء {وَلاَ يَنسَى } ربي شيئاً.

ابن عبد السلام

تفسير : {فِى كِتَابٍ} اللوح المحفوظ {لا يَضِلُّ رَبِّى} لا يخطىء فيه ولا يتركه أو لا يضل الكتاب عن ربي ولا ينسى ربي ما في الكتاب "ع" ولم يكن موسى يعلم علم القرون لأن التوراة إنما نزلت بعد هلاك فرعون.

الجنابذي

تفسير : {قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي} يعنى انّ حالهم من الغيب الّذى لا يطلع الله احداً عليه الاّ من ارتضاه ولو كنت اعلم منه شيئاً باعلام الله لا يمكننى افهامك وافهام امثالك {فِي كِتَابٍ لاَّ يَضِلُّ رَبِّي} هو صفة كتابٍ بتقدير العائد اى لا يضلّ عنه وعن طريقه قبل العلم {وَلاَ يَنسَى} بعد العلم به او مستأنف جواب لسؤالٍ مقدّرٍ، ولمّا اعرض فرعون عن جواب سؤاله الاوّل ولم يتعرّض له بالرّدّ والقبول ادّى موسى (ع) جواب سؤاله الثّانى بحيث انجرّ الى الجواب الاوّل حتّى اضطرّ الى القبول او بهت كما بهت اوّلاً حتّى يظهر عجزه على الحاضرين فقال {ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ مَهْداً وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً} تهتدون بها الى غير بلادكم لتحصيل منافعكم وما تحتاجون اليه، وسبلاً لتحصيل معايشكم من الزّراعات والتّجارات والصّناعات، وسبلاً لتحصيل منافعكم الاخرويّة من الانبياء (ع) وشرائعهم وخلفائهم (ع) {وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ} من جهة العلو {مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ} قيل: هو التفات من الغيبة الى التّكلّم وهو صحيح اذا كان المتكلّم هو المتكلّم ليس كذلك، وقيل هو كلام من الله مربوط بكلام موسى (ع) بان يكون هو من كلام الحاكى مربوطاً بكلام المحكىّ عنه ومثله كثير فى المخاطبات لكن نقول: انّ الرّسول (ع) حين رسالته وتبليغها قد ينسلخ من انانيّته بحيث لا يبقى فى وجوده الاّ انانيّة المرسل وحينئذٍ يجوز ان يظهر بشأن المرسل ويتكلّم بكلامٍ خاصٍّ بالمرسل بعد ان كان يتكلّم بكلامه من حيث رسالته ويكون الكلامان متّصلين بحيث يظنّ انّهما من واحدٍ فيجوز ان يكون الكلام التفاتاً من الغيبة الى التّكلّم بهذا الاعتبار كأنّه صار الرّسول مرسلاً فقال: فاخرجنا به {أَزْوَاجاً} اى اصنافاً وانواعاً فانّ كلّ صنفٍ ونوعٍ من النّبات له كالحيوان قسمان مثل الذّكر والانثى من الحيوان، او اطلاق الازواج باعتبار أنّ كلّ صنفٍ من اصناف النّبات له نظير او نظائر من نوعه، او باعتبار انّ كلّ صنفٍ بملاحظة تركّبه من العناصر زوج، او بملاحظة تعيّنه ووجوده زوج {مِّن نَّبَاتٍ شَتَّىٰ} متفرّقة مختلفة فى الشّكل واللّون والزّهر والحبّ والثّمر والمزاج والخاصيّة ووقت النّبت ووقت الحبّ والثّمر وغير ذلك قائلين {كُلُواْ وَٱرْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ}.

اطفيش

تفسير : {قَالَ عِلْمُهَا} أى علم بالهم. فالضمير للبال؛ لأنه بمعنى الحال والحال يجوز تأْنيثه، أو للقرون على حذف مضاف، أى علم بالها. {عِنْدَ رَبِّى} فيبعثهم ويعاقبهم على المعاصى وعبادة الأوثان. {فِى كِتَابٍ} فى اللوح المحفوظ خبر ثان، أو متعلق بما يتعلق به عند، ويقدر المحذوف ثابت أو مثبت أى مثبت فى اللوح المحفوظ، أو يقدر مكتوب والكتابة إنما هى ليروا أعمالهم يوم القيامة مكتوبة فلا يمكنهم الإنكار. ويمكن أن يراد بالكتابة التمكن فى العلم. وقيل: المراد ما حال القرون فى السعادة والشقاوة فأجاب بأن الله عز وعلا عالم بهم يجازى المحسن بالإحسان ويعاقب المسئ. وقيل: معنى جواب موسى رد العلم فى ذلك إلى الله وأنه لا يعلم وإنما نزلت التوراة بعد هلاك فرعون وقومه، وهو باطل، للقطع بأنه صلى الله عليه وسلم عالم بأن من أحسن سعيد ومن أساء شقى، إلا إن أراد القائل أن فرعون سأله عنهم بأعيانهم أى أخبرْنى مَن كان منهم سعيداً ومَن كان منهم شقيا، وأن موسى أجاب بأنه لا يعلم إلا ما علمه ربه. وقد يجوز أن يكون سؤاله عن سائر أحوالهم فى الدنيا بتفصيلها شيئا تعنتاً وخروجا عما فيه كلام موسى لإفحامه. فأجاب بأَنى لا أعلم ذلك. ولما نزلت التوراة وجد فيها بعضهم أحوالهم. وأجاز بعضهم أن يريد: ما بال القرون الأولى لم تُبعث لها؟ وقيل: ما بالهم ماتوا ولم يبعثوا؟ {لاَ يَضِلُّ رَبِّى} الضلال: أن يخطئ شيئا فى مكانه ولم يهتد إليه، تعالى عن ذلك. وفى معنى ذلك: لا يغيب عن شئ. وقرئ بضم الياء أى لا يضيع شيئا من أضله الرباعى. {وَلا يَنْسَى} النسيان: ذهاب شئ عن بالك، تعالى الله عن ذلك كما يضل البشر وينسى.

اطفيش

تفسير : {قال علمها عند ربى} إنما علمنى ربى التوحيد والدعاء إليه، وإلى عبادته، ولا علم له بأحوال الماضين، لأن ذلك قبل نزول التوراة، فإنما نزلت بعد هلاك فرعون، وإن كان موسى قد علم منها شيئا كما قال مؤمن آل فرعون، "أية : يا قوم إنى أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب" تفسير : [غافر: 30] الخ فمراد موسى لا علم لى بها كلها أو باكثرها أو كثير منها أو لا علم لى بتفصيلها، أو ما علمه مؤمن آل فرعون يعلمه من موسى، وقيل: "أية : فما بال" تفسير : [طه: 51] الخ متعلق بقوله: "أية : والسلام" تفسير : [طه: 47] الخ أى فهل عذبت القرون الأولى المكذبة، وقيل: السؤال عن البعث، وما فى علمها للقيامة، وهو قول لا يلتفت إليه، وقيل: متعلق بقوله: "أية : أعطى كل شىء خلقه" تفسير : [طه: 50] فإنه يتضمن أنه تعالى عالم بأحوال الخلق، استبتعد أن يكون الله عالما بأحوال الخلق كلهم، مع كثرة القرون الأولى، وانتشارهم، ولعله خص القرون الأولى من بين الكائنا لعلمه ببعض أخبارهم، وقيل: متعلق بقوله: "هدى" أى ما بال القرون الأولى لم يهتدوا لهذا الهدى، وكفروا، وجواب موسى بأن العلم عند الله عز وجل يأتى على كل سؤال. {فى كتاب} هو اللوح المحفوظ أو الدفتر، كناية عن أنه محفوظ كما يحفظ الشىء المعتنى به، لئلا ينسى، ويلوح إليه بقوله: {لا يضِل ربِّى} لا يخطأ، وقيل لا يضل عما أراد {ولا يَنْسى} فيجازيكم على أعمالكم كلها، والمكتوب حروف لا علمه تعالى، لكن الحروف تتضمن كلاماً، والكلام يتضمن أنه عالم عز وجل، والجملتان دفع لأن يحتاج الله الى كتابة أو أن يعجز، وإنما كتب لحكمة تعليم الملائكة، ومقابلة الفاعل بما فعل، والضلال الخطأ باثبات ما لا يكون، أو نفى ما يكون، وإذا فسر الكتابة بالكتابة المذكورة، فالجملتان تذييل لتأكيد الجملة السابقة، وهما على العموم لا يخطأ فى شىء ما، ولا ينسى شيئا ما، فدخل فيهما أحوال القرون الماضية، والبعث ووقته، والمطيع والعاصى، وجزاءهما فى الدنيا والآخرة، وما كسبا، وسعادة السعيد، وشقاوة الشقى، فيقدر معمولاهما عامين، وللعموم حذف أولا يقدر لهما، بل المراد قطع الضلال والنسيان، هكذا البتة من أصلهما، وكتابة العلم وما يحتاج إليه أمر مجمع عليه بعد الصدر الأول. قال أبو هريرة: ما من أحد من أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم أكثر حديثا منى إلا عبد الله بن عمر، فإنه كان يكتب، ولا أكتب قال عبدالله بن عمر: يا رسول الله إنا نسمع منك الحديث، أفنكتبه عندك؟ قال: "حديث : نعم" تفسير : قلت: فى الرضا والسخط؟ قال: "حديث : نعم، فإنى لا أقول فيهما إلاَّ حقاً" تفسير : قال معاوية بن قرة: من لم يكتب علماً لم يعد علمه علما أى لخوف النسيان والشك، وقد قال الله تعالى عن موسى: {علمها عند ربِّى فى كتاب لا يضل ربى ولا ينسى} فسن الله تعالى لنا الكتابة. قال الحسن بن على: لا يعجز أحدكم أن يكون له كتاب من هذا العلم، فلو لم يكتب لذهب وإذا كتب رجع إليه إذا نسى أو شك. وعاب أبو يوسف محمداً فى كتبه العلم، فقال خفت ذهاب العلم، ولا تلد النساء مثل أبى يوسف، وأجمعت الأمة على كتابته ففى رواية عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما رأه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن وما رأه شيناً فهو عند الله شين" تفسير : وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا تجتمع أمتى على ضلالة" تفسير : وعن نافع عن ابن عمر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : اكتبوا هذا العلم من كل غنى وفقير ومن كل صغير وكبير ومن ترك العلم من صغير لصغره أو من فقير لفقره فليتبوّأ مقعده من النار" تفسير : وإنما نهى صلى الله عليه وسلم عن الكتابة عن اليهود والنصارى. واستأذن أبو سعيد الخدرى رسول الله صلى الله عليه وسلم فى كتابة العلم فلم يأذن له، وهذا قبل أن يفتح باب الكتاب، كما فتحه لابن عمر، ونهى ابن عباس الناس عن الكتابة خوفا من الافساد وعد الضبط، فهو قد أجازه لمن يضبط، كما كان هو يكتب، وأما محو ابن مسعود ما كتبوا عنه فلخوف أن يكون قد أخطأ فى شىء، أو لرؤيته فسادا فى عبارتهم أو خطهم، أو خوف أن يتكلوا على الكتب، وأما الإفناء فلا يمنعه عاقل، ولو وجد من هو أعلم من المفتى، إذا كان عالما بما يفتى، ويجوز للمجتهد أن يفتى بما لغيره فيقول: هذا قول فلان، أو هو فى كتاب كذا، أو فى الأثر، ولو لم يتأمل فيه إذا لم يظهر له فساده، وفى قوله تعالى: "فاسألوا أهل الذكر" إيجاب على أهل الذكر أن يفتوا. وفى كتاب خبر ثان أو حال من المستتر فى عنده، وهنا تم كلام موسى، واستأنف الله جل جلاله قوله: {الذى جَعَل لكم الأرض مَهْداً} الخ أى أنا الذى جعل الخ، وهو تقرير لكلام موسى، وكان الكلام بطريق الغيبة، لأن الذى ظاهر، والظاهر من قبيل الغيبة، فيكون أخرجنا على طريق الالتفات من الغيبة الى التكلم. وعلى أنه من كلام موسى الى ما يكون نعتا لربى أو خبرا لمحذوف، أى هو الذى، وما أكثر ما يقولون: منصوب أو مرفوع على المدح أو الذم بلا دليل عل الحذف، فلا تقلدهم وإلا كنت قلادة كقلادة الصبى، والمخرج به أزواجاً من نبات هو الله، أو من كلام موسى الى شتى، والمخرج الله، ولكن أسند الى موسى الإخراج كما يسنده خواص الملك الى أنفسهم ما للملك، أو أسنده الى نفسه وغيره على معنى أخرجنا بالحرث، أو قال موسى فأخرج بلفظ الإفراد، والغيبة، ولما ذكره الله رده لنفسه، لأنه المراد، فكان بالجمع والتكلم، وليس هذا أولى من الوجهين قبل، كما قيل. والمهاد مصدر، ثم جعل اسماً لما يمهد للصبى وهو على التشبيه، أى كالمهاد أو باق على المصدرية أى ذات مهد كالبسط، أو مبالغة كأنها نفس البسط، أو جمع مهد ككعب وكعاب، بمعنى أن كل موضع منه كمهد. {وسَلَك لكُم فيها سُبُلا} معنى سلك أثبت أو حصل بشد الصاد، والسبل الطرق بين الجبال والأودية من موضع الى موضع، لمنافعكم، ويجوز أن يكون اللام بمعنى باء التهدية، كأنه قال أسلككم سبلا، ذكر لكم قبل للدلالة على أن المقصود بالذات الإنسان، وهنا للدلالة على أن الانتفاع لهم. {وأنزل من السَّماء} من جهتها لا منها، لأنه من السحاب، والسحاب خلقه الله فى الجو {ماء} مطراً {فأخْرجْنا به أزْواجاً من نَباتٍ شَتَّى} ذكرت الأشعرية فى جميع الأسباب، أن المعنى وقع كذا عند كذا، أى وقع الإخراج منا عند الماء، وأحرق بالنار، أوقع الإحراق عندها، وبالغوا حتى قالوا: إن من قال إن فى شىء من الأسباب قوة تأثير أوْدعها الله تعالى فيه، فهو الى الكفر أقرب منه الى الإيمان، ووجهه أنه قال: إن القوة المودوعة مستغنية عن الله سبحانه، ولا بد أنه كفر، وأما أن يقال أودع الله فى السبب تأثيراً لكن لا يؤثر إلا بإذن الله تعالى، والله مؤثر به، فلا بأس، وبه قالت الماتريدية والأوائل فشىء يخلقه الله بلا واسطة، وبعض بها، وذلك هو المتبادر والأشعرية تقول إذن لا بد من تقدير أنه تؤثر بالله عز وجل، فقال المؤثر هو الله بلا خلق توسط، فما التوسط إلا بمعنى العندية، وعلى كل حال إذا لم يرد أن يؤثر لم يؤثر بأن لا يخلق فيه تأثيراً كما لم تحرق النار ابراهيم، ولم تحرق يد موسى على ما مر. وقال: {أخرجنا} لا أخرجت ولا أخرج تفخيما لشأن الإخراج، وله نظائر فى ترك القيمة والإفراد الى التكلم والجمع فى مقام النبات والماء. كقوله تعالى: "أية : ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفاً ألوانها" تفسير : [فاطر: 27] وقوله عز وجل: "أية : أمَّن خلق السماوات والأرض وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة" تفسير : [النمل: 60] وقوله تعالى: "أية : وهو الذى أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شىء" تفسير : [الأنعام: 99] والأزواج الأصناف، سميت لازدواج بعض ببعض، أى اقترانها، ومن نبات نعت أزواجاً، وشتى نعت ثان أى متفرقة لوناً وطعماً، ورائحة وشكلا، وبعض للناس، وبعض لبهائم، وبعض لبهائم أخرى، والمفرد شتيت كمريض ومرضى وألفه للتأنيث.

الالوسي

تفسير : {قَالَ } موسى عليه السلام {عِلْمُهَا عِندَ رَبّى } أي إن ذلك من الغيوب التي لا يعلمها إلا الله تعالى وإنما أنا عبد لا أعلم منها إلا ما علمنيه من الأمور المتعلقة بالرسالة والعلم بأحوال القرون وما جرى عليهم على التفصيل مما لا ملابسة فيه بمنصب الرسالة كما زعمت. وقيل: إنما سأله عن ذلك ليختبر أنه نبـي أو هو من جملة القصاص الذين دارسوا قصص الأمم السالفة، وقال النقاش: إن اللعين لما سمع وعظ مؤمن آل فرعون {أية : يٰقَوْمِ إِنّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ مّثْلَ يَوْمِ ٱلأَحْزَابِ } تفسير : [غافر: 30] الآية سأل عن ذلك فرد عليه السلام علمه إلى الله تعالى لأنه لم يكن نزلت عليه التوراة فإنه كان نزولها بعد هلاك فرعون. وقال بعضهم: إن السؤال مبني على قوله عليه السلام {أية : وَٱلسَّلَـٰمُ عَلَىٰ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلْهُدَىٰ } تفسير : [طه: 47] الخ أي فما حال القرون السالفة بعد موتهم من السعادة والشقاوة والمراد بيان ذلك تفصيلاً كأنه قيل: إذا كان الأمر كما ذكرت ففصل لنا حال من مضى من السعادة والشقاوة ولذا رد عليه السلام العلم إلى الله عز وجل فاندفع ما قيل: إنه لو كان المسؤول عنه ما ذكر من السعادة والشقاوة لأجيب ببيان أن من اتبع الهدى منهم فقد سلم ومن / تولى فقد عذب حسبما نطق به قوله تعالى: {أية : وَٱلسَّلَـٰمُ } تفسير : [طه: 47] الخ، وقيل: إنه متعلق بقوله سبحانه: {أية : إِنَّا قَدْ أُوحِىَ إِلَيْنَا } تفسير : [طه: 48] الخ أي إذا كان الأمر كذلك فما بال القرون الأولى كذبوا ثم ما عذبوا، وقيل: هو متعلق به والسؤال عن البعث والضمير في {عِلْمُهَا } للقيامة وكلا القولين كما ترى؛ وعود الضمير على القيامة أدهى من أمر التعلق وأمر. وقيل: إنه متعلق بجواب موسى عليه السلام اعتراضاً على ما تضمنه من علمه تعالى بتفاصيل الأشياء وجزئياتها المستتبع إحاطة قدرته جل وعلا بالأشياء كلها كأنه قيل؛ إذا كان علم الله تعالى كما أشرت فما تقول في القرون الخالية مع كثرتهم وتمادي مدتهم وتباعد أطرافهم كيف إحاطة علمه تعالى بهم وبأجزائهم وأحوالهم فأجاب بأن علمه تعالى محيط بذلك كله إلى آخر ما قص الله تعالى، وتخصيص القرون الأولى على هذا بالذكر مع أولوية التعميم قيل لعلم فرعون ببعضها وبذلك يتمكن من معرفة صدق موسى عليه السلام إن بين أحوالها، وقيل: إنه لإلزام موسى عليه السلام وتبكيته عند قومه في أسرع وقت لزعمه أنه لو عمم ربما اشتغل موسى عليه السلام بتفصيل علمه تعالى بالموجودات المحسوسة الظاهرة فتطول المدة ولا يتمشى ما أراده، وأياً ما كان يسقط ما قيل: إنه يأبى هذا الوجه تخصيص القرون الأولى من بين الكائنات فإنه لو أخذها بجملتها كان أظهر وأقوى في تمشي ما أراد، نعم بعد هذا الوجه مما لا ينبغي أن ينكر، وقيل: إنه اعتراض عليه بوجه آخر كأنه قيل: إذا كان ما ذكرت من دليل إثبات المبدأ في هذه الغاية من الظهور فما بال القرون الأولى نسوه سبحانه ولم يؤمنوا به تعالى فلو كانت الدلالة واضحة وجب عليهم أن لا يكونوا غافلين عنها ومآله على ما قال الإمام معارضة الحجة بالتقليد، وقريب منه ما يقال إنه متعلق بقوله: {أية : ثُمَّ هَدَىٰ } تفسير : [طه: 50] على التفسير الأول كأنه قيل: إذا كان الأمر كذلك فما بال القرون الأولى لم يستدلوا بذلك فلم يؤمنوا. وحاصل الجواب على القولين أن ذلك من سر القدر وعلمه عند ربـي جل شأنه {فِى كِتَـٰبٍ } الظاهر أنه خبر ثان لعلمها والخبر الأول {عِندَ رَبّى }. وجوز أن يكونا خبراً واحداً مثل هذا حلو حامض وأن يكون الخبر {عِندَ رَبّى } و {فِى كِتَـٰبٍ } في موضع الحال من الضمير المستتر في الظرف أو هو معمول له، وأن يكون الخبر {فِى كِتَـٰبٍ } و{عِندَ رَبّى } في موضع الحال من الضمير المستتر فيه والعامل والظرف وهو يعمل متأخراً على رأي الأخفش، وقيل: يكون حالاً من المضاف إليه في {عِلْمُهَا }، وقيل: يكون ظرفاً للظرف الثاني، وقيل: هو ظرف للعلم ذكر جميع ذلك أبو البقاء ثم قال: ولا يجوز أن يكون {فِى كِتَـٰبٍ } متعلقاً بعلمها و {عِندَ رَبّى } الخبر لأن المصدر لا يعمل فيما بعد خبره. وأنت تعلم أن أول الأوجه هو الأوجه وكأنه عنى عليه السلام بالكتاب اللوح المحفوظ أي علمها مثبت في اللوح المحفوظ بتفاصيله وهذا من باب المجاز إذ المثبت حقيقة إنما هو النقوش الدالة على الألفاظ المتضمنة شرح أحوالهم المعلومة له تعالى، وجوز أن يكون المراد بالكتاب الدفتر كما هو المعروف في اللغة ويكون ذلك تمثيلاً لتمكنه وتقرره في علمه عز وجل بما استحفظه العالم وقيده بكتبته في جريده ولعله أولى، ويلوح إليه قوله تعالى: {لاَّ يَضِلُّ رَبّى وَلاَ يَنسَى } فإن عدم الضلال والنسيان أوفق بإتقان العلم، والظاهر أن فيه على الوجهين دفع توهم الاحتياج لأن الإثبات في الكتاب إنما يفعله من يفعله لخوف النسيان والله تعالى منزه عن ذلك، والإثبات في اللوح المحفوظ لحكم ومصالح يعلم بعضها العالمون، وقيل: إن هذه الجملة على الأول تكميل لدفع ما يتوهم من أن الإثبات في اللوح للاحتياج لاحتمال خطأ أو نسيان تعالى الله سبحانه عنه، وعلى / الثاني تذييل لتأكيد الجملة السابقة، والمعنى لا يخطىء ربـي ابتداء بأن لا يدخل شيء من الأشياء في واسع علمه فلا يكون علمه سبحانه محيطاً بالأشياء ولا يذهب عليه شيء بقاء بأن يخرج عن دائرة علمه جل شأنه بعد أن دخل بل هو عز وجل محيط بكل شيء علماً أزلاً وأبداً وتفسير الجملتين بما ذكر مما ذهب إليه القفال ووافقه بعض المحققين ولا يخفى حسنه. وأخرج ابن المنذر وجماعة عن مجاهد أنهما بمعنى واحد وليس بذاك، والفعلان قيل: منزلان منزلة اللازم، وقيل: هما باقيان على تعديهما والمفعول محذوف أي لا يضل شيئاً من الأشياء ولا ينساه، وقيل: شيئاً من أحوال القرون الأولى، وعن الحسن لا يضل وقت البعث ولا ينساه وكأنه جعل السؤال عن البعث وخصص لأجله المفعول وقد علمت حاله. وعن ابن عباس أن المعنى لا يترك من كفر به حتى ينتقم منه ولا يترك من وحده حتى يجازيه وكأنه رضي الله تعالى عنه جعل السؤال عن حالهم من حيث السعادة والشقاوة والجواب عن ذلك على سبيل الإجمال فتدبر ولا تغفل. وزعم بعضهم أن الجملة في موضع الصفة لكتاب والعائد إليه محذوف أي لا يضله ربـي ولا ينساه، وقيل: العائد ضمير مستتر في الفعل و {رَبّى } نصب على المفعول أي لا يضل الكتاب ربـي أي عنه. وفي {يَنسَى } ضمير عائد إليه أيضاً أي ولا ينسى الكتاب شيئاً أي لا يدعه على حد {أية : لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا } تفسير : [الكهف: 49]. والعجب كل العجب من العدول عن الظاهر إلى مثل هذه الأقوال، وإظهار {رَبّى } في موقع الإضمار للتلذذ بذكره تعالى ولزيادة التقرير والإشعار بعلية الحكم فإن الربوبية مما تقتضي عدم الضلال والنسيان حتماً. وقرأ الحسن وقتادة والجحدري وحماد بن سلمة وابن محيصن وعيسى الثقفي {لا يضل } بضم الياء من أضل وأضللت الشيء وضللته قيل بمعنى. وفي «الصحاح» عن ابن السكيت يقال: أضللت بعيري إذا ذهب منك وضللت المسجد والزاد إذا لم تعرف موضعهما وكذلك كل شيء مقيم لا يهتدي إليه، وحكى نحوه عن الفراء وابن عيسى، وذكر أبو البقاء في توجيه هذه القراءة وجهين جعل {ربى } منصوباً على المفعولية، والمعنى لا يضل أحد ربـي عن علمه وجعله فاعلاً والمعنى لا يجد ربـي الكتاب ضالاً أي ضائعاً، وقرأ السلمي {لاَّ يَضِلُّ رَبّى وَلاَ يَنسَى } ببناء الفعلين لما لم يسم فاعله.

د. أسعد حومد

تفسير : {كِتَابٍ} (52) - قَالَ لَهُ مُوسَى: إِنَّ القُرُونَ الأُولَى التِي مَضَتْ وَإِنْ كَانَتْ لَمْ تَعْبُدِ اللهَ فَإِنَّ عَمَلَهَا مَحْفُوظٌ عَلَيْهَا، وَمُحَصًى فِي كِتَابٍ عِنْدَ اللهِ، وَلاَ يَشُذُّ عَنْ عِلْمِ اللهِ شَيءٌ وَلاَ يَضِيعُ، وَلاَ يَفُوتُهُ صَغِيرَةٌ وَلاَ كَبِيرَةٌ، وَلاَ يَنْسَى رَبُّنَا شَيْئاً. لاَّ يَضِلُّ - لاَ يَغِيبُ عَنْ عِلْمِهِ شَيءٌ مَا.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : فهذه المسألة ليست من اختصاصي؛ لأن الذي يُسأل عن القرون الأولى هو الذي يُجازيها، وينبغي أنْ يعلم حالها، وما هي عليه من الإيمان أو الكفر؛ لِيُجازيها على ذلك، إذن: هذا سؤال لا موضعَ له، إنه مجرد هَزْل ومهاترة وهروب، فلا يعلم حال القرون الأولى إلا الله؛ لأن سبحانه هو الذي سَيُجازيها. ومعنى {فِي كِتَابٍ ..} [طه: 52] أي: سجّلها في كتاب، يطلع عليه الملائكة المدبرات أمراً؛ ليمارسوا مهمتهم التي جعلهم الله لها، وليس المقصود من الكتاب أن الله يطّلع عليه ويعلم ما فيه؛ لأنه سبحانه {لاَّ يَضِلُّ رَبِّي وَلاَ يَنسَى} [طه: 52]. ثم أرجعه موسى إلى القضية الأولى قضية الخلق، ولكن بصورة تفصيلية: {ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ مَهْداً ...}.

الجيلاني

تفسير : {قَالَ} موسى: لا أعرف حالهم من الهداية والضلالة؛ إذ {عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي} لا يوحي إليَّ من أحوالهم شيئاً بل أحوالهُم ثابتةُ عنده سبحانه {فِي كِتَابٍ} هو حضرة علمه الأزلي على التفضيل؛ بحيث {لاَّ يَضِلُّ رَبِّي} أي: لا يغيب عن أحوالهم شيءُ من عمله سبحانه {وَلاَ يَنسَى} [طه: 52] ربي شيئاً من ملعوماته؛ إذ علمه حضوريُ بالنسبة إلى جميع الأشياء، والعلمُ الحضوريُّ لا يجري فيه الغيب والنسيانز ثم قال موسى دفعاً للاثنينية الناشئة من الإضافة: ربنا هو ربكم {ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ مَهْداً} مكاناً تستقرون فيه وتستريحون {وَسَلَكَ} أي: قدَّر {لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً} مختلفةً بعضها جبلاً ترتحلون إليه في الصيف، وبعضها سهلاً ترجعون إليه في الشتاء، حتى يكمل استراحتكم فيها، {وَ} مع ذلك {أَنزَلَ} لكم لتكميل استراحتكم أيضاً {مِنَ ٱلسَّمَآءِ} أي: عالم الأسباب {مَآءً} لإحياء الأرض الميتة {فَأَخْرَجْنَا} أي: أنشأَنا وأنبتنا {بِهِ} أي: بسبب الماء فيها {أَزْوَاجاً} وأصنافاً {مِّن نَّبَاتٍ شَتَّىٰ} [طه: 53] مختلفةٍ؛ ليكون مفرّجاً لغمومكم مقوياً لنفوسكم. وإذا احتجتم إلى الغذاء {كُلُواْ} منها؛ حيث شئتم رغداً {وَٱرْعَوْا أَنْعَامَكُمْ} التي تستريحون بسببها من أكلها وحملها وركوبها {إِنَّ فِي ذٰلِكَ} الجَعَل والإنزال والإخراج {لآيَاتٍ} دلائلَ واضحاتٍ على قدرتنا واختبارنا {لأُوْلِي ٱلنُّهَىٰ} [طه: 54] الناهين عقولهم عن إسناد الأمور إلى الأسباب بل يسندونها إلى مُسَبِّبها أولاً وبالذات. وإذا تأملتم في بدائع مصنوعاتنا وغرائب مخترعاتنا على وجه الأرض جزمتم أنا {مِنْهَا} أي: من الأرض {خَلَقْنَاكُمْ} وأوجدناكم بقدرتنا واختيارنا إيجاد النبات منها وقت الربيع {وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ} أيضاً بالآجال المقدرة لانقضاء حياتكم، إفناء النبات في أيام الخريف {وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ} للحشر والعرض في يوم الجزاء {تَارَةً أُخْرَىٰ} [طه: 55]. {وَ} مع أمرنا لموسى وأخيه المسلَين إليه بتليين القول، والتنبيه بدلائل الآفاق والأنفس {لَقَدْ أَرَيْنَاهُ} تحقيقاً وتأكيداً؛ لئلا يبقى عنا جداله، حين أخذنا بظلمه في وقت الجزاء، مع علمنا بأنه من الهالكين في بيداء البُعد والعناد {آيَاتِنَا} الدالة على صدق موسى المرسَل {كُلَّهَا} متعاقبة مترادفة، وهي: العصا واليد البيضاء والطوفان والجراد والقمّل والضفادع والدم والسنين والطمس {فَكَذَّبَ} بجميعها {وَأَبَىٰ} [طه: 56] فامتنع عن تصديق شيءٍ منها، بل نسب الكل إلى السحر والشعبذة. {قَالَ} اغتراراً بعلو شأنه ورفعة مكانه، مستفهماً على وجه التهكم والإنكار: {أَجِئْتَنَا} متمنياً لرئاستنا مع غاية حقارتك وضعفك {لِتُخْرِجَنَا} مع كمال عظمتنا وقوتنا {مِنْ أَرْضِنَا} التي استقررنا عليها زماناً طويلاً {بِسِحْرِكَ} الذي تعلمت من شياطين الأمة في بلاد الغربة {يٰمُوسَىٰ} [طه: 57] المتمني محالاً، ولولا خشيتي من اشتهار عجزي من دلائلكوأباطيلك لقتلك ألبتة فالزم مكانك. {فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ} من أنواع السحر كامل من سحرك لا من نوعٍ آخر بل من {مِّثْلِهِ} أي: مثل سحرك كاملُ منه، قُمْ من عندي وتأمل في أمرك؛ إن شئت تُبْ من هذياناتك وفضولك وارجع إليّ بالاستغفار حتى أغفر زلتك، وإن شئتَ {فَٱجْعَلْ} أي: عيِّن وقتاً من الأوقات؛ ليكون {بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً لاَّ نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلاَ أَنتَ} ثم عين {مَكَاناً سُوًى} [طه: 58] أي: مسوى لا حائلَ فيه بحيث يرى كل أحد ما يجري بيننا حتى تفتضح على رءوس الأشهاد. {قَالَ} موسى: إن معي ربي سيقويني لا أخاف من معارضتك بالسحر وتعيين موعد إتيانك، بل {مَوْعِدُكُمْ} للمعارضة مع المعجزة {يَوْمُ ٱلزِّينَةِ} أي: يوم العيد؛ إذ يجتمع فيه الأقاصي والأداني {وَ} لا يكون وقت تفرقهم إلى بيوتهم {أَن يُحْشَرَ ٱلنَّاسُ ضُحًى} [طه: 59] أي: في وقت الضحوة المعدة لإظهار الزينة، ليظهر كل منهم على صاحبه زينةً؛ ليكون إعجازي لك أبعد من أن يرتاب فيه أحد. {فَتَوَلَّىٰ فِرْعَوْنُ} وانصرف عن مكالمة موسى استكباراً {فَجَمَعَ كَيْدَهُ} أي: أمر بجميع سَحَرةِ مملكته ليُرِىَ القاصرين أن ما جاء به موسى من جنس السحر {ثُمَّ أَتَىٰ} [طه: 60] الموعد المعين مع ملئه وسَحَرَتِه. وبعدما حضروا الموعد {قَالَ لَهُمْ} أي: للسحرة {مُّوسَىٰ} على مقضتى شفقة النبوة أو بإلقاء الله إياه بطريق الإلهام كلاماً خالياً عن الميل إلى الخصومة إمحاضاً للنصح: {وَيْلَكُمْ} أي: ويلُ لكم ايها العقلاء التاركومن طريقَ العقل بمتابعة هذا الطاغي {لاَ تَفْتَرُواْ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً} بأن أفعاله مما يعارَض بالسحر والشعوذة؛ لأن ما جئتُ به من الآيات مما آتاني الله من فضله، وإن افتريتم على الله {فَيُسْحِتَكُم} أي: يهلككم ويستأصلكم {بِعَذَابٍ} نازلٍ من قهره {وَقَدْ} تحقق عندكم أيها العقلاء أنه {خَابَ} خيبةً أبديةً {مَنِ ٱفْتَرَىٰ} [طه: 61] على الله بما لا يليق بذاته من إبطال قدرته أو دعوى المعارضة معه. فإذا سمع السحرة من موسى قوله هذا، وتأملوا فيه تأملاً صادقاً، وجدوه صادراً عن محض الحكمة والفطانة، فلذلك تأثروا من قوله تأثراً عظيماً {فَتَنَازَعُوۤاْ} وتشاوروا {أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ} بأن أمثال هذا الكلام لا يصدر إلا من المؤيَّدِ من عند الله، المستظهِر به سبحانه، ما يشبه كلام السحرة المعارضين، فمآل كل منهم في نفسه إلى تصديقه {وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجْوَىٰ} [طه: 62] أي: مناجاتهم في أنفسهم من فرعون وملئه، فتمكن فرعون وملئه في معرض المعارضة وقابلوا السحرة لممانعتهما. {قَالُوۤاْ} أي: فرعون وأشرافهم للسحرة تقويةً لهم في أمرهم: {إِنْ هَـٰذَانِ} الرجلان الحقيران {لَسَاحِرَانِ} يدَّعيان الرسالة من ربهما الموهوم ترويجاً لسحرهما، وبعد الترويج {يُرِيدَانِ أَن يُخْرِجَاكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ} المألوفة {بِسِحْرِهِمَا} أي: بمجرد سحرهما لا من أمرٍ سماويٍ كما زعمان، وبعد إخراجكم من أرضكم يريدان الاستقرار والاستيلاء على عموم ملك العمالقة {وَيَذْهَبَا} بعد التقرر والتمكن {بِطَرِيقَتِكُمُ ٱلْمُثْلَىٰ} [طه: 63] أي: عادتكم العظمى ومرتبتكم العليا. وبالجملة: يريدان أن يجعلا أمرنا وأمر بني إسرائيل بالعكس؛ ليكون لهم الكبرياء ولنا المذلة والهوان، بعكس ما كان من سالف الزمان. وإذا سمعتم نُبَذاً من مقاصدهما {فَأَجْمِعُواْ كَيْدَكُمْ} أي: هيئوا جميع أسباب سحركم؛ بحيث لا تحتاجون لدى الحاجة إلى شيءٍ من أدواته {ثُمَّ ٱئْتُواْ} عليها {صَفّاً} أي: صافِّين مجتمعين بمقابلتهما؛ لأنه أدخلُ في المهابة {وَ} اعلموا أنه {قَدْ أَفْلَحَ ٱلْيَوْمَ} أي: فازَ ووصلَ بانواع العطاء والمواهب {مَنِ ٱسْتَعْلَىٰ} [طه: 64] وغلبَ عليهما.