Verse. 2401 (AR)

٢٠ - طه

20 - Ta-Ha (AR)

الَّذِيْ جَعَلَ لَكُمُ الْاَرْضَ مَہْدًا وَّسَلَكَ لَكُمْ فِيْہَا سُـبُلًا وَّ اَنْزَلَ مِنَ السَّمَاۗءِ مَاۗءً۝۰ۭ فَاَخْرَجْنَا بِہٖۗ اَزْوَاجًا مِّنْ نَّبَاتٍ شَتّٰى۝۵۳
Allathee jaAAala lakumu alarda mahdan wasalaka lakum feeha subulan waanzala mina alssamai maan faakhrajna bihi azwajan min nabatin shatta

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

هو «الذي جعل لكم» في جملة الخلق «الأرض مهادا» فراشا «وسلك» سهل «لكم فيها سبلا» طرقا «وأنزل من السماء ماءً» مطرا قال تعالى تتميما لما وصفه به موسى وخطابا لأهل مكة «فأخرجنا به أزواجا» أصنافا «من نبات شتى» صفة أزواجا أي مختلفة الألوان والطعوم وغيرهما، وشتى جمع شتيت كمريض ومرضى، من شت الأمر تفرق.

53

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعال{ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ مِهَاداً} «الذي» في موضع نعت «لربي» أي لا يضل ربي الذي جعل. ويجوز أن يكون خبر ابتداء مضمر أي هو «الذي». ويجوز أن يكون منصوباً بإضمار أعني. وقرأ الكوفيون «مَهْداً» هنا وفي «الزخرف» بفتح الميم وإسكان الهاء. الباقون «مِهَاداً» واختاره أبو عبيد وأبو حاتم لاتفاقهم على قراءة «أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ مِهَاداً». النحاس: والجمع أولى لأن «مهدا» مصدر وليس هذا موضع مصدر إلا على حذف؛ أي ذات مهد. المهدويّ: ومن قرأ «مَهْداً» جاز أن يكون مصدراً كالفَرْش أي مَهَد لكم الأرض مَهْداً؛ وجاز أن يكون على تقدير حذف المضاف؛ أي ذات مهد. ومن قرأ «مِهَاداً» جاز أن يكون مفرداً كالفراش. وجاز أن يكون جمع «مهدٍ» استعمل استعمال الأسماء فكسّر. ومعنى «مِهَاداً» أي فراشاً وقراراً تستقرّون عليها. {وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً} أي طرقاً. نظيره: {أية : وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ بِسَاطاً * لِّتَسْلُكُواْ مِنْهَا سُبُلاً فِجَاجاً } تفسير : [نوح: 19 ـ 20]. وقال تعالى: {أية : ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ مِهَاداً وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ } تفسير : [الزخرف: 10]. {وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً} تقدم معناه. وهذا آخر كلام موسى، ثم قال الله تعالى: {فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّن نَّبَاتٍ شَتَّىٰ }. وقيل: كله من كلام موسى؛ والمعنى «فأخرجنا به» أي بالحرث والمعالجة؛ لأن الماء المنزل سبب خروج النبات. ومعنى {أَزْوَاجاً} ضروباً وأشباهاً، أي أصنافاً من النبات المختلفة الأزواج والألوان. وقال الأخفش: التقدير أزواجاً شتى من نبات. قال: وقد يكون النبات شتى؛ فـ«ـشتى» يجوز أن يكون نعتاً لأزواج، ويجوز أن يكون نعتاً للنبات. و«شَتّى» مأخوذ من شتَّ الشيءُ أي تفرق. يقال: أمر شَتٌّ أي متفرّق. وشَتَّ الأمرُ شتًّا وشَتاتاً تفرق؛ واشتتَّ مثله. وكذلك التَّشتت. وشَتَّته تَشْتِيتاً فرّقه. وأَشتَّ بي قومي أي فرّقوا أمري. والشَّتيت المتفرّق. قال رُؤبة يصف إبلاً:شعر : جَاءتْ مَعاً وَاطَّرَقتْ شَتِيتَا وهي تُثيرُ السَّاطِعَ السِّخْتِيتَا تفسير : وثَغْر شَتيتٌ أي مُفلَّج. وقوم شَتَّى، وأشياء شتَّى، وتقول: جاءوا أشتاتاً؛ أي متفرقين؛ واحدهم شتٌّ؛ قاله الجوهري. قوله تعالى: {كُلُواْ وَٱرْعَوْا أَنْعَامَكُمْ} أمر إباحة. {وَٱرْعَوْا} من رعت الماشية الكلأ، ورعاها صاحبها رعاية؛ أي أسامها وسرحها؛ لازم ومتعد {إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ لأُوْلِي ٱلنُّهَىٰ} أي العقول. الواحدة نُهْية. قال لهم ذلك؛ لأنهم الذين يُنْتهى إلى رأيهم. وقيل: لأنهم ينهون النفس عن القبائح. وهذا كله من موسى احتجاج على فرعون في إثبات الصانع جواباً لقوله: {قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يٰمُوسَىٰ }. وبين أنه إنما يستدل على الصانع اليوم بأفعاله. قوله تعالى: {مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ} يعني آدم عليه السلام لأنه خلق من الأرض؛ قاله أبو إسحاق الزجاج وغيره. وقيل: كل نطفة مخلوقة من التراب؛ على هذا يدل ظاهر القرآن. وروى أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما من مولود إلا وقد ذُرَّ عليه من تراب حُفْرته» تفسير : أخرجه أبو نعيم الحافظ في باب ابن سيرين، وقال: هذا حديث غريب من حديث عون لم نكتبه إلا من حديث أبي عاصم النبيل، وهو أحد الثقات الأعلام من أهل البصرة. وقد مضى هذا المعنى مبيناً في سورة «الأنعام» عن ابن مسعود. وقال عطاء الخراساني: إذا وقعت النطفة في الرحم انطلق الملك الموكل بالرحم فأخذ من تراب المكان الذي يدفن فيه فيذرّه على النطفة، فيخلق الله النّسمة من النّطفة ومن التراب؛ فذلك قوله تعالى: {مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَىٰ}. وفي حديث البراء عن النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن العبد المؤمن إذا خرجت روحه صعدت به الملائكة فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا ما هذه الروح الطيبة فيقولون فلان ابن فلان بأحسن أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا فيستفتحون لها فيفتح فيشيّعه من كل سماء مقرَّبوها إلى السماء التي تليها حتى تنتهى بها إلى السماء السابعة فيقول الله عز وجل: «اكتبوا لعبدي كتاباً في عِلّيين وأعيدوه إلى الأرض فإني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى» فتعاد روحه في جسده» تفسير : وذكر الحديث. وقد ذكرناه بتمامه في كتاب «التذكرة» وروي من حديث عليّ رضي الله عنه؛ ذكره الثعلبي. ومعنى {وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ} أي بعد الموت {وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ} أي للبعث والحساب. {تَارَةً أُخْرَىٰ} يرجع هذا إلى قوله: {مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ} لا إلى {نُعِيدُكُمْ}. وهو كقولك: اشتريت ناقة وداراً وناقة أخرى؛ فالمعنى: من الأرض أخرجناكم ونخرجكم بعد الموت من الأرض تارة أخرى.

البيضاوي

تفسير : {ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ مَهْداً } مرفوع صفة لـ {رَبّى } أو خبر لمحذوف أو منصوب على المدح. وقرأ الكوفيون هنا وفي «الزخرف» {مهداً} أي كالمهد تتمدونها، وهو مصدر سمي به، والباقون مهاداً وهو اسم ما يمهد كالفراش أو جمع مهد ولم يختلفوا في الذي في «النبأ». {وَسَلَكَ لَكُمْ سُبُلاً} وجعل لكم فيها سبلاً بين الجبال والأودية والبراري تسلكونها من أرض إلى أرض لتبلغوا منافعها. {وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاءِ مَاءً} مطراً. {فَأَخْرَجْنَا بِهِ} عدل به عن لفظ الغيبة إلى صيغة التكلم على الحكاية لكلام الله تعالى، تنبيهاً على ظهور ما فيه من الدلالة على كمال القدرة والحكمة وإيذاناً بأنه مطاع تنقاد الأشياء المختلفة لمشيئته، وعلى هذا نظائره كقوله: {أية : أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أنَزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا}تفسير : [فاطر: 27] {أية : أَم مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُمْ مّنَ ٱلسَّمَاء مَاء فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ} تفسير : [النمل: 60] الآية. {أَزْوٰجاً } أصنافاً سميت بذلك لازدواجها واقتران بعضها ببعض. {مّن نَّبَـٰتٍ} بيان أو صفة لأزواجاً وكذلك: {شَتَّىٰ } ويحتمل أن يكون صفة لـ {نَبَاتُ} فإنه من حيث إنه مصدر في الأصل يستوي فيه الواحد والجمع، وهو جمع شتيت كمريض ومرضى أي متفرقات في الصور والأغراض والمنافع يصلح بعضها للناس وبعضها للبهائم فلذلك قال: {كُلُواْ وَٱرْعَوْا أَنْعَـٰمَكُمْ } وهو حال من ضمير {فَأَخْرَجْنَا } على إرادة القول أي أخرجنا أصناف النبات قائلين {كُلُواْ وَٱرْعَوْا }، والمعنى معديهما لانتفاعكم بالأكل والعلف آذنين فيه. {إِنَّ فِى ذٰلِكَ لأَيَـٰتٍ لأُوْلِى ٱلنُّهَىٰ} لذوي العقول الناهية عن اتباع الباطل وارتكاب القبائح جمع نهية. {مِنْهَا خَلَقْنَـٰكُمْ } فإن التراب أصل خلقة أول آبائكم وأول مواد أبدانكم. {وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ } بالموت وتفكيك الأجزاء. {وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَىٰ} بتأليف أجزائكم المتفتتة المختلطة بالتراب على الصور السابقة ورد الأرواح إليها. {وَلَقَدْ أَرَيْنَـٰهُ ءَايَـٰتِنَا} بصرناه إياها أو عرفناه صحتها. {كُلَّهَا } تأكيد لشمول الأنواع أو لشمول الأفراد، على أن المراد بآياتنا آيات معهودة وهي الآيات التسع المختصة بموسى، أو أنه عليه السلام أراه آياته وعدد عليه ما أوتي غيره من المعجزات {فَكَذَّبَ } موسى من فرط عناده. {وَأَبَىٰ } الإِيمان والطاعة لعتوه. {قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا } أرض مصر. {بِسِحْرِكَ يٰمُوسَىٰ} هذا تعلل وتحير ودليل على أنه علم كونه محقاً حتى خاف منه على ملكه، فإن الساحر لا يقدر أن يخرج ملكاً مثله من أرضه. {فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِّثْلِهِ} مثل سحرك. {فَٱجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَّوْعِدًا} وعداً لقوله: {لاَّ نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنتَ } فإن الإِخلاف لا يلائم الزمان والمكان وانتصاب. {مَكَاناً سُوًى } بفعل دل عليه المصدر لا به لأنه موصوف، أو بأنه بدل من {مَّوْعِدًا } على تقدير مكان مضاف إليه وعلى هذا يكون طباق الجواب في قوله. {قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ ٱلزِّينَةِ} من حيث المعنى فإن يوم الزينة يدل على مكان مشتهر باجتماع الناس فيه في ذلك اليوم، أو بإضمار مثل مكان موعدكم مكان يوم الزينة كما هو على الأول، أو وعدكم وعد يوم الزينة، وقرىء {يوم} بالنصب وهو ظاهر في أن المراد بهما المصدر، ومعنى سوى منتصفاً يستوي مسافته إلينا وإليك وهو في النعت كقولهم: قوم عدي في الشذوذ، وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة ويعقوب بالضم، وقيل في «يَوْمُ ٱلزِّينَةِ» يوم عاشوراء، أو يوم النيروز، أو يوم عيد كان لهم في كل عام، وإنما عينه ليظهر الحق ويزهق الباطل على رؤوس الأشهاد ويشيع ذلك في الأقطار. {وَأَن يُحْشَرَ ٱلنَّاسُ ضُحًى } عطف على الـ {يوم} أو {ٱلزينة}، وقرىء على البناء للفاعل بالتاء على خطاب فرعون والياء على أن فيه ضمير الـ {يوم} أو ضمير {فرعون} على أن الخطاب لقومه. {فَتَوَلَّىٰ فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ } ما يكاد به يعني السحرة وآلاتهم. {ثُمَّ أَتَىٰ} الموعد. {قَالَ لَهُمْ مُّوسَىٰ وَيْلَكُمْ لاَ تَفْتَرُواْ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً } بأن تدعوا آياته سحراً. {فَيُسْحِتَكُم بِعَذَابٍ } فيهلككم ويستأصلكم، وبه قرأ حمزة والكسائي وحفص ويعقوب بالضم من الاسحات وهو لغة نجد وتميم، والسحت لغة الحجاز. {وَقَدْ خَابَ مَنِ ٱفْتَرَىٰ } كما خاب فرعون، فإنه افترى واحتال ليبقى الملك عليه فلم ينفعه. {فَتَنَـٰزَعُواْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ } أي تنازعت السحرة في أمر موسى حين سمعوا كلامه فقال بعضهم: ليس هذا من كلام السحرة. {وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجْوَىٰ} بأن موسى إن غلبنا اتبعناه أو تنازعوا واختلفوا فيما يعارضون به موسى وتشاوروا في السر. وقيل الضمير لفرعون وقومه وقوله: {قَالُواْ إِنْ هَـٰذٰنِ لَسَاحِرٰنِ } تفسير لـ{أَسَرُّواْ ٱلنَّجْوَىٰ } كأنهم تشاوروا في تلفيقه حذراً أن يغلبا فيتبعهما الناس، و {هَـٰذَانِ} اسم إن على لغة بلحرث بن كعب فإنهم جعلوا الألف للتثنية وأعربوا المثنى تقديراً. وقيل اسمها ضمير الشأن المحذوف و {هَـٰذٰنِ لَسَاحِرٰنِ} خبرها. وقيل {إِن} بمعنى نعم وما بعدها مبتدأ وخبر وفيهما إن اللام لا تدخل خبر المبتدأ. وقيل أصله إنه هذان لهما ساحران فحذف الضمير وفيه أن المؤكد باللام لا يليق به الحذف، وقرأ أبو عمرو «أن هذين» وهو ظاهر، وابن كثير وحفص {أَنْ هَـٰذٰنِ} على أنها هي المخففة واللام هي الفارقة أو النافية واللام بمعنى إلا. {يُرِيدَانِ أَن يُخْرِجَاكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ} بالاستيلاء عليها. {بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ ٱلْمُثْلَىٰ } بمذهبكم الذي هو أفضل المذاهب بإظهار مذهبهما وإعلاء دينهما لقوله {أية : إِنّى أَخَافُ أَن يُبَدّلَ دِينَكُـمْ }تفسير : [غافر: 26] وقيل أرادوا أهل طريقتكم وهم بنو إسرائيل فإنهم كانوا أرباب علم فيما بينهم لقول موسى {أية : أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِى إِسْرٰءيلَ }تفسير : [الشعراء: 17] وقيل الطريقة اسم لوجوه القوم وأشرافهم من حيث إنهم قدوة لغيرهم. {فَأَجْمِعُواْ كَيْدَكُمْ } فأزمعوه واجعلوه مجمعاً عليه لا يتخلف عنه واحد منكم. وقرأ أبو عمرو {فَأَجمعوا} ويعضده قوله {أية : فَجَمَعَ كَيْدَهُ }تفسير : [طه: 60] والضمير في {قَالُواْ } إن كان للسحرة فهو قول بعضهم لبعض. {ثُمَّ ٱئْتُواْ صَفّاً } مصطفين لأنه أهيب في صدور الرائين. قيل كانوا سبعين ألفاً مع كل واحد منهم حبل عصا وأقبلوا عليه إقبالة واحدة. {وَقَدْ أَفْلَحَ ٱلْيَوْمَ مَنِ ٱسْتَعْلَىٰ} فاز بالمطلوب من غلب وهو اعتراض. {قَالُواْ يَا مُوسَىٰ إَمَّا أَن تُلْقِىَ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَىٰ} أي بعد ما أتوا مراعاة للأدب و {أن} بما بعده منصوب بفعل مضمر أو مرفوع بخبرية محذوف، أي اختر إلقاءك أولاً أو إلقاءنا أو الأمر إلقاؤك أو إلقاؤنا. {قَالَ بَلْ أَلْقُواْ } مقابلة أدب بأدب وعدم مبالاة بسحرهم، وإسعافاً إلى ما أوهموا من الميل إلى البدء بذكر الأول في شقهم وتغيير النظم إلى وجه أبلغ، ولأن يبرزوا ما معهم ويستنفذوا أقصى وسعهم ثم يظهر الله سلطانه فيقذف بالحق على الباطل فيدمغه. {فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ} أي فألقوا فإذا حبالهم وعصيهم، وهي للمفاجأة والتحقيق أنها أيضاً ظرفية تستدعي متعلقاً ينصبها وجملة تضاف إليها، لكنها خصت بأن يكون المتعلق فعل المفاجأة والجملة ابتدائية والمعنى: فألقوا ففاجأ موسى عليه الصلاة والسلام وقت تخييل سعي حبالهم وعصيهم من سحرهم، وذلك بأنهم لطخوها بالزئبق فلما ضربت عليها الشمس اضطربت فخيل إليه أنها تتحرك. وقرأ ابن عامر برواية ابن ذكوان وروح «تخيل» بالتاء على إسناده إلى ضمير الحبال، والعصي وإبدال أنها {تَسْعَىٰ} منه بدل الاشتمال، وقرىء {يخيل} بالياء على إسناده إلى الله تعالى، و «تخيل» بمعنى تتخيل. {فَأَوْجَسَ فِى نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَىٰ} فأضمر فيها خوفاً من مفاجأته على ما هو مقتضى الجبلة البشرية، أو من أن يخالج الناس شك فلا يتبعوه. {قُلْنَا لاَ تَخَفْ} ما توهمت. {إِنَّكَ أَنتَ ٱلأَعْلَىٰ} تعليل للنهي وتقرير لغلبته مؤكداً بالاستئناف، وحرف التحقيق وتكرير الضمير وتعريف الخبر ولفظ العلو الدال على الغلبة الظاهرة وصيغة التفضيل. {وَأَلْقِ مَا فِى يَمِينِكَ } أبهمه ولم يقل عصاك تحقيراً لها أي لا تبال بكثرة حبالهم وعصيهم وألق العويدة التي في يدك، أو تعظيماً لها أي لا تحتفل بكثرة هذه الأجرام وعظمها فإن في يمينك ما هو أعظم منها أثراً فألقه. {تَلْقَفْ مَا صَنَعُواْ } تبتلعه بقدرة الله تعالى، وأصله تتلقف فحذفت إحدى التاءين، وتاء المضارعة تحتمل التأنيث والخطاب على إسناد الفعل إلى المسبب. وقرأ ابن عامر برواية ابن ذكوان بالرفع على الحال أو الاستنئاف، وحفص بالجزم والتخفيف على أنه من لقفته بمعنى تلقفته. {إِنَّمَا صَنَعُواْ } أن الذي زوروا وافتعلوا. {كَيْدُ سَاحِرٍ } وقرىء بالنصب على أن ما كافة وهو مفعول صنعوا. وقرأ حمزة والكسائي «سحر» بمعنى ذي سحر، أو بتسمية الساحر سحراً على المبالغة، أو بإضافة الكيد إلى السحر للبيان كقولهم: علم فقه، وإنما وحد الساحر لأن المراد به الجنس المطلق ولذلك قال: {وَلاَ يُفْلِحُ ٱلسَّـٰحِرُ } أي هذا الجنس وتنكير الأول لتنكير المضاف كقول العجاج:شعر : يَوْمَ تَرَى النُّفُوسُ مَا أَعَدَّت فِي سَعْيِ دُنْيَا طَالَما قَدْ مَدَّتْ تفسير : كأنه قيل إنما صنعوا كيد سحري. {حَيْثُ أَتَىٰ } حيث كان وأين أقبل. {فَأُلْقِىَ ٱلسَّحَرَةُ سُجَّداً} أي فألقى فتلقفت فتحقق عند السحرة أنه ليس بسحر وإنما هو آية من آيات الله ومعجزة من معجزاته، فألقاهم ذلك على وجوههم سجداً لله توبة عما صنعوا وإعتاباً وتعظيماً لما رأوا. {قَالُواْ آمَنَّا بِرَبِّ هَـٰرُونَ وَمُوسَىٰ} قدم هارون لكبر سنه أو لروي الآية، أو لأن فرعون ربى موسى في صغره فلو اقتصر على موسى أو قدم ذكره لربما توهم أن المراد فرعون وذكر هارون على الاستتباع. روي أنهم رأوا في سجودهم الجنة ومنازلهم فيها.

ابن كثير

تفسير : هذا من تمام كلام موسى فيما وصف به ربه عز وجل حين سأله فرعون عنه، فقال: {ٱلَّذِىۤ أَعْطَىٰ كُلَّ شَىءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ} ثم اعترض الكلام بين ذلك، ثم قال: {ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ مَهْداً} وفي قراءة بعضهم "مهداً" أي: قراراً تستقرون عليها، وتقومون وتنامون عليها، وتسافرون على ظهرها {وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً} أي جعل لكم طرقاً تمشون في مناكبها؛ كما قال تعالى: {أية : وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجاً سُبُلاً لَّعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ} تفسير : [الأنبياء: 31] {وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّن نَّبَـٰتٍ شَتَّىٰ} أي: من أنواع النباتات من زروع وثمار، ومن حامض وحلو ومر، وسائر الأنواع {كُلُواْ وَٱرْعَوْا أَنْعَـٰمَكُمْ} أي: شيء لطعامكم وفاكهتكم، وشيء لأنعامكم لأقواتها خضراً ويبساً {إِنَّ فِى ذٰلِكَ لآيَـٰتٍ} أي: لدلالات وحججاً وبراهين {لأُوْلِى ٱلنُّهَىٰ} أي: لذوي العقول السليمة المستقيمة، على أنه لا إله إلا الله، ولا رب سواه {مِنْهَا خَلَقْنَـٰكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَىٰ} أي: من الأرض مبدؤكم، فإن أباكم آدم مخلوق من تراب من أديم الأرض، وفيها نعيدكم، أي: وإليها تصيرون إذا متم وبليتم، ومنها نخرجكم تارة أخرى {أية : يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً} تفسير : [الإسراء: 52] وهذه الآية كقوله تعالى: {أية : قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ} تفسير : [الأعراف: 25] وفي الحديث الذي في السنن: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حضر جنازة، فلما دفن الميت، أخذ قبضة من التراب، فألقاها في القبر وقال: «حديث : منها خلقناكم» تفسير : ثم أخذ أخرى، وقال: «حديث : وفيها نعيدكم» تفسير : ثم أخرى، وقال: «حديث : ومنها نخرجكم تارة أخرى» تفسير : وقوله: {وَلَقَدْ أَرَيْنَـٰهُ ءَايَـٰتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَىٰ} يعني: فرعون أنه قامت عليه الحجج والآيات والدلالات، وعاين ذلك وأبصره، فكذب بها وأباها كفراً وعناداً وبغياً، كما قال تعالى: {أية : وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسْتَيْقَنَتْهَآ أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً } تفسير : [النمل: 14] الآية.

المحلي و السيوطي

تفسير : هو {ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ } في جملة الخلق {ٱلأَرْضَ مَهْدَاً } فراشاً {وَسَلَكَ } سهَّل {لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً } طرقاً {وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمآءِ مآءً } مطراً. قال تعالى تتميماً لما وصفه به موسى وخطاباً لأهل مكة {فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَٰجاً } أصنافاً {مِّن نَّبَٰتٍ شَتَّىٰ } صفة (أزواجاً) أي مختلفة الألوان والطعوم وغيرهما. و(شتى) جمع (شتيت) كمريض ومرضى، من شتّ الأمر: تفرّق.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {لأُوْلِي النُّهَى} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أولي الحكم. الثاني: أولي العقل، قاله السدي. الثالث: أولي الورع. وفي تسميتهم بذلك وجهان: أحدهما: لأنهم ينهون النفس عن القبيح. الثاني: لأنه ينتهي إلى آرائهم. {وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ ءَايَاتِنَا كُلَّهَا} فيه وجهان: أحدهما: حجج الله الدالة على توحيده. الثاني: المعجزات الدالة على نبوة موسى، يعني التي أتاها موسى، وإلا فجميع الآيات لم يرها. {فَكَذَّبَ وَأَبَى} يعني فكذب الخبر وأبى الطاعة. ويحتمل وجهاً آخر: يعني فجحد الدليل وأبى القبول.

ابن عطية

تفسير : انظر إن هذا الأشياء التي ذكرها موسى عليه السلام هي مما تقضي بداية العقول أن فرعون وكل بشير بعيد منها لأنه لو قال هو القادر الرازق المريد العالم ونحو هذا من العبارات لأمكن فرعون أن يغالط فيقول أنا أفعل هذا كله فإنما أتاه موسى عليه السلام بصفات لا يمكنه أن يقول إن ذلك له وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر "مِهاداً" بكسر الميم وبألف، والمهاد قيل هو جمع مهد، وقيل اسم مفرد كفرش وفراش، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي "جعل لكم الأرض مَهْداً" بفتح الميم وسكون الهاء، وقوله {سلك} بمعنى نهج ولحب، و"السبل" الطرق، وقوله {فأخرجنا به} يحتمل أن يكون كلام موسى تم عند قوله {وأنزل من السماء ماء} ثم وصل الله تعالى كلام موسى بإخباره لمحمد صلى الله عليه وسلم والمراد الخلق أجمع، فهذه الآيات المنبهة عيلها، و"الأزواج" هنا بمعنى الأنواع، وقوله {شتى} نعت للأزواج أي مختلفات، وقوله {كلوا وارعوا} بمعنى هي صالحة لأن يؤكل منها وترعى الغنم فيها فأخرج العبارة في صيغة الأمر لأنه أرجى الأفعال وأهدأها للنفوس، و {النهى} جمع نهية والنهية العقل الناهي عن القبائح، وقوله تعالى {منها خلقناكم} يريد من الأرض، وهذا حيث خلق آدم من تراب. وقوله {وفيها نعيدكم} يريد بالموت والدفن أو الفناء كيف كان وقوله {ومنها نخرجكم} يريد بالبعث ليوم القيامة، وقوله تعالى {ولقد أريناه} إخبار لمحمد صلى الله عليه وسلم عن فرعون، وهذا يؤيد أن الكلام من قوله {فأخرجنا} إنما هو خطاب لمحمد صلى الله عليه وسلم، وقوله {كلها} عائد على الآيات التي رآها لا أنه رأى كل آية لله، وإنما المعنى أن الله تعالى أراه آيات، ما بكما لها فأضاف الآيات إلى ضمير العظمة تشريفاً لها، وقوله تعالى: {وأبى} يقتضي تكسب فرعون وهذا هو الذي يتعلق به الثواب والعقاب.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن المنذر، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏{‏فأخرجنا به أزواجا‏ً}‏ يقول‏:‏ أصنافاً فكل صنف من نبات الأرض أزواج‏.‏ النخل زوج صنف، والأعناب زوج صنف، وكل شيء تنبته الأرض أزواج‏. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله‏:‏ ‏ {‏من نبات شتى‏} ‏ قال‏:‏ مختلف وفي قوله‏:‏ ‏ {‏لأولي النهى‏} ‏ قال‏:‏ لأولي التقى‏. وأخرج ابن المنذر، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله‏:‏ ‏ {‏لأولي النهى‏} ‏ قال‏:‏ لذوي الحجا والعقول‏. وأخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏ {‏لأولي النهى‏}‏ قال‏:‏ لأولي الورع‏. وأخرج ابن المنذر، عن سفيان رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏{‏لأولي النهى‏} ‏ قال‏:‏ الذين ينتهون عما نهوا عنه‏.

القشيري

تفسير : جَعَلَ الأرضَ مستقراً لأبدانهم، وجعل أبدانَهم مستقراً لعبادته، وقلوبهم مستقراً لمعرفته، وأرواحَهم مستقراً لمحبته، وأسرارهم مستقراً لمشاهدته.

اطفيش

تفسير : {الَّذِى جَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ مَهْدًا} الخطاب لمطلق الناس الحاضر والغائب. والحضور يغلب على الغيبة. وقيل لفرعون وقومه. ومعلوم أن غيرهم مثلهم. والمهاد: الفراش أو جمع مهد، ويدل له قراءة الكوفيين مهداً أى جعل ما لكم مثل المهد الذى يمهد للصبى. والذى نعت لربى أو خبر لمحذوف أو منصوب بمحذوف على المدح. {وَسَلَكَ} سهل أو أوجد. قيل: أو جعل. قلت: أو أدخل بمعنى ما ذكر. {لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً} طرقا أدخلها بين الجبال والبرارى والأودية تمشون فيها لمنافعكم. {وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاءً} هذا تمام كلام موسى. ثم قال عز وعلا تتميما لما وصفه به موسى وخطاباً لأهل مكة: {فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى} أصنافاً مختلفة الألوان والطعوم والروائح والمنافع، وبعض لكم، وبعض لدوابكم. سميت أزواجا لازدواج بعضها ببعض أى لاقتران البعض بالبعض. وشتى ألفه للتأنيث جمع شتيت. ومن نبات نعت لأزواجا ومن للبيان. وشتى نعت أزواجا للتوكيد، قيل: أو نعت نبات ولو كان جمعاً؛ لأن نباتا فى الأصل مصدر يصلح للواحد فصاعداً. وقيل: النبات أصله لما ينبت واستعماله مصدراً خروج عن ذلك وتشتت الأمر: تفرق فهو شتيت: متفرق. وتعلم مما مر أن كلام موسى تم عند قوله: ماء أنه لا التفات. وإن قلنا: إن كلامه لم يتم عند ذلك ففى الكلام التفات من الغيبة إلى التكلم حكاية لكلام الله وإما للتنبيه على ظهور كمال القدرة والحكمة والإيذان بأنه مطاع تنقاد له الأشياء المختلفة، فكما يدل عليهما التعبير بالتكلم يدل التعبير بالغيبة فليسا سبباً للالتفات كما قيل. مم الدلالة عليهما بالتكلم أقوى من حيث إن الكلام حينئذ نص من الله على لسان موسى لا كلام من موسى عن الله فافهم.

الالوسي

تفسير : {الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ مَهْداً } الخ يحتمل أن يكون ابتداء كلام منه عز وجل وكلام موسى عليه السلام قد تم عند قوله تعالى: {أية : وَلاَ يَنسَى } تفسير : [طه: 52] فيكون الموصول خبر مبتدأ محذوف والجملة على ماقيل: مستأنفة استئنافاً بيانياً كأنه سبحانه لما حكى كلام موسى عليه السلام إلى قوله: {أية : لاَّ يَضِلُّ رَبّى وَلاَ يَنسَى } تفسير : [طه: 52] سئل ما أراد موسى بقوله: {رَبّى } فقال سبحانه: {هُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ } الخ، واختار هذا الإمام بل قال: يجب الجزم به؛ ويحتمل أن يكون من كلام موسى عليه السلام على أن يكون قد سمعه من الله عز وجل فأدرجه بعينه في كلامه ولذا قال {لَكُمْ } دون لنا وهو من قبيل الاقتباس فيكون الموصول إما مرفوع المحل على أنه صفة لربـي أو خبر مبتدأ محذوف كما في الاحتمال السابق وإما منصوب على المدح، واختار هذا الزمخشري، وعلى الاحتمالين يكون في قوله تعالى: {فَأَخْرَجْنَا } التفات بلا اشتباه أو على أن موسى عليه السلام قال ذلك من عنده غير سامع له من الله عز وجل، وقال: فاخرج به بإسناد أخرج إلى ضمير الغيبة إلا أن الله تعالى لما حكاه أسنده إلى ضمير / المتكلم لأن الحاكي هو المحكي عنه فمرجع الضميرين واحد، وظاهر كلام ابن المنير اختيار هذا حيث قال بعد تقريره: ((وهذا وجه حسن رقيق الحاشية وهو أقرب الوجوه إلى الالتفات)). وأنكر بعضم أن يكون فيه التفات أو على أنه عليه السلام قاله من عنده بهذا اللفظ غير مغير عند الحكاية، وقوله: {أَخْرَجْنَا } من باب قول خواص الملك أمرنا وعمرنا وفعلنا وإنما يريدون الملك أو هو مسند إلى ضمير الجماعة بإرادة أخرجنا نحن معاشر العباد بذلك الماء بالحراثة أزواجاً من نبات شتى على ما قيل، وليس في {أَخْرَجْنَا } على هذا وما قبله التفات. ويحتمل أن يكون ذلك كلام موسى عليه السلام إلى قوله تعالى: {مَاء } وما بعده كلام الله عز وجل أوصله سبحانه بكلام موسى عليه السلام حين الحكاية لنبينا صلى الله عليه وسلم، والأولى عندي الاحتمال الأول بل يكاد يكون كالمتعين ثم الاحتمال الثاني ثم الاحتمال الثالث وسائر الاحتمالات ليس بشيء ووجه ذلك لا يكاد يخفى. وسيأتي إن شاء الله تعالى في الزخرف [10] نحو هذه الآية. والمهد في الأصل مصدر ثم جعل اسم جنس لما يمهد للصبـي. ونصبه على أنه مفعول ثان لجعل إن كان بمعنى صير أو حال إن كان بمعنى خلق، والمراد جعلها لكم كالمهد، ويجوز أن يكون باقياً على مصدريته غير منقول لما ذكر، والمراد جعلها ذات مهد أو ممهدة أو نفس المهد مبالغة، وجوز أن يكون منصوباً بفعل مقدر من لفظه أي مهدها مهداً بمعنى بسطها ووطأها، والجملة حال من الفاعل أو المفعول، وقرأ كثير {مهـٰداً} وهو على ما قال المفضل كالمهد في المصدرية والنقل. وقال أبو عبيد: المهاد اسم والمهد مصدر، وقال بعضهم: هو جمع مهد ككعب وكعاب، والمشهور في جمعه مهود، والمعنى على الجمع جعل كل موضع منها مهداً لكل واحد منكم. {وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً } أي حصل لكم طرقاً ووسطها بين الجبال والأودية تسلكونها من قطر إلى قطر لتقضوا منها مآربكم وتنتفعوا بمنافعها ومرافقها، وللدلالة على أن الانتفاع مخصوص بالإنسان كرر {لَكُمْ } وذكره أولاً لبيان أن المقصود بالذات من ذلك الإنسان {وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاء } من جهتها أو منها نفسها على ما في بعض الآثار {مَاءً } هو المطر {فَأَخْرَجْنَا بِهِ } أي بذلك الماء وواسطته حيث أن الله تعالى أودع فيه ما أودع كما ذهب إلى ذلك الماتريدية وغيرهم من السلف الصالح لكنه لا يؤثر إلا بأذن الله تعالى كسائر الأسباب فلا ينافي كونه عز وجل هو المؤثر الحقيقي، وإنما فعل ذلك سبحانه مع قدرته تعالى الكاملة على إيجاد ما شاء بلا توسيط شيء كما أوجد بعض الأشياء كذلك مراعاة للحكمة. وقيل: {بِهِ } أي عنده وإليه ذهب الأَشاعرة فالماء كالنار عندهم في أنه فيه قوة الري مثلاً والنار كالماء في أنها ليس فيها قوة الإحراق وإنما الفرق بينهما في أن الله تعالى قد جرت عادته أن يخلق الري عند شرب الماء والإحراق عند مسيس النار دون العكس. وزعموا أن من قال: إن في شيء من الأسباب قوة تأثير أودعها الله تعالى فيه فهو إلى الكفر أقرب منه إلى الإيمان وهو لعمري من المجازفة بمكان. والظاهر أن يقال: فأخرج إلا أنه التفت إلى التكلف للتنبيه على ظهور ما فيه من الدلالة على كمال القدرة والحكمة بواسطة أنه لا يسند إلى العظيم إلا أمر عظيم والإيذان بأنه لا يتأتى إلا من قادر مطاع عظيم الشأن ينقاد لأمره ويذعن لمشيئته الأشياء المختلفة فإن مثل هذا التعبير يعبر به الملوك والعظماء النافذ أمرهم. ويقوي / هذا الماضي الدال على التحقيق كالفاء الدالة على السرعة فإنها للتعقيب على ما نص عليه بعض المحققين، وجعل الإنزال والإخراج عبارتين عن إرادة النزول والخروج معللاً باستحالة مزاولة العمل في شأنه تعالى شأنه. واعترض عليه بما فيه بحث ولا يضر في ذلك كونه تعقيباً عرفياً ولم تجعل للسببية لأنها معلومة من الباء. وقال الخفاجي: لك أن تقول إن الفاء لسببية الإرادة عن الإنزال والباء لسببية النبات عن الماء فلا تكرار كما في قوله تعالى: {أية : لّنُحْيِىَ بِهِ } تفسير : [الفرقان: 49] ولعل هذا أقرب انتهى. وأنت تعلم أن التعقيب أظهر وأبلغ. وقد ورد على هذا النمط من الالتفات للنكتة المذكورة قوله تعالى: {أية : أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أنَزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا } تفسير : [فاطر: 27] وقوله تعالى: {أية : أَمَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُمْ مّنَ ٱلسَّمَاء مَاء فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ } تفسير : [النمل: 60] وقوله سبحانه: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِى أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلّ شَىْء } تفسير : [الأنعام: 99]. {أَزْوٰجاً } أي أصنافاً أطلق عليها ذلك لازدواجها واقتران بعضها ببعض. {مّن نَّبَـٰتٍ } بيان وصفة لأزواجاً. وكذا قوله تعالى: {شَتَّىٰ } أي متفرقة جمع شتيت كمريض ومرضى وألفه للتأنيث، وجوز أبو البقاء أن يكون صفة لنبات لما أنه في الأصل مصدر يستوي فيه الواحد والجمع يعني أنها شتى مختلفة النفع والطعم واللون والرائحة والشكل بعضها يصلح للناس وبعضها للبهائم. وقالوا: من نعمته عز وعلا أن أرزاق العباد إنما تحصل بعمل الأنعام وقد جعل الله تعالى علفها مما يفضل عن حاجتهم ولا يقدرون على أكله.

ابن عاشور

تفسير : هذه جمل ثلاث معترضة في أثناء قصة موسى. فالجملة الأولى منها مستأنفة ابتدائية على عادة القرآن من تفنّن الأغراض لتجديد نشاط الأذهان. ولا يحتمل أن تكون من كلام موسى إذ لا يناسب ذلك تفريع قوله: {فأخْرَجْنَا بهِ أزواجاً}. فقوله {الذي جَعَلَ لكمُ الأرضَ مِهَاداً} خبر لمبتدأ محذوف، أي هو الذي جعل لكم الأرض مهاداً، والضمير عائد إلى الربّ المفهوم من {أية : ربي}تفسير : [طه: 52]، أي هو ربّ موسى. وتعريف جزأي الجملة يُفيد الحصر، أي الجاعل الأرض مهاداً فكيف تعبدون غيره. وهذا قصر حقيقي غير مقصود به الرد على المشركين ولكنّه تذكير بالنّعمة وتعريض بأن غيره ليس حقيقاً بالإلهية. وقرأ الجمهور {مِهاداً} بكسر الميم وألففٍ بعد الهاء وهو اسم بمعنى الممهُود مثل الفراش واللّباس. ويجوز أن يكون جمع مَهْد، وهو اسم لما يمهد للصّبيّ، أي يوضع عليه ويحمل فيه، فيكون بوزن كِعاب جمعاً لكَعب. ومعنى الجمع على اعتبار كثرة البقاع. وقرأ عاصم، وحمزة، والكسائي، وخلف {مَهْداً} بفتح الميم وسكون الهاء ، أي كالمهد الذي يمهد للصبي، وهو اسم بمصدر مَهدَه، على أنّ المصدر بمعنى المفعول كالخَلْق بمعنى المخلوق، ثمّ شاع ذلك فصار اسماً لما يمهد. ومعنى القراءتين واحد، أي جعل الأرض ممهودة مسهلة للسّير والجلوس والاضطجاع بحيث لا نُتوء فيها إلاّ نادراً يمكن تجنبه، كقوله: {أية : والله جعل لكم الأرض بساطاً لتسلكوا منها سُبلاً فجاجاً}تفسير : [نوح: 19، 20]. {وسَلَكَ} فعل مشتق من السُلوك والسّلْك الذي هو الدخول مجتازاً وقاطعاً. يقال: سلك طريقاً، أي دخله مجتازاً. ويستعمل مجازاً في السّير في الطريق تشبيهاً للسائر بالشيء الداخل في شيء آخر. يقال: سلك طريقاً. فحق هذا الفعل أن يتعدّى إلى مفعول واحد وهو المدخول فيه، ويستعمل متعدياً بمعنى أسلك. وحقه أن يكون تعديه بهمزة التعدية فيقال: أسلك المسمار في اللّوح، أي جعله سالكاً إياه، إلاّ أنّه كثر في الكلام تجريده من الهمزة كقوله تعالى: {أية : نسلكه عذاباً صعداً}تفسير : [الجنّ: 17]. وكثر كون الاسم الذي كان مفعولاً ثانياً يصير مجروراً بـــ (في) كقوله تعالى: {أية : ما سَلَكَكُم في سَقَر}تفسير : [المدثر: 42] بمعنى أسلككم سقر. وقوله: {أية : كذلك سلَكْنَاه في قلوب المجرمين}تفسير : في سورة الشعراء (200)، وقوله {أية : ألم تر أنّ الله أنزل من السّماء ماء فسَلَكه ينابيع في الأرض} تفسير : في سورة الزمر (21). وقال الأعشى:شعر : كما سلك السّكيّ في الباب فيْتَق تفسير : أي أدخل المسمارَ في الباب نجارٌ، فصار فعل سلك يستعمل قاصراً ومتعدياً. فأما قوله هنا {وسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً} فهو سَلك المتعدي، أي أسلك فيها سبلاً، أي جعل سبلاً سالكة في الأرض، أي داخلة فيها، أي متخللة. وذلك كناية عن كثرتها في جهات الأرض. والمراد بالسبل: كلّ سبيل يمكن السير فيه سواء كان من أصل خلقة الأرض كالسهول والرمال، أو كان من أثر فعل النّاس مثل الثنايا التي تكرر السير فيها فتعبدت وصارت طرقاً يتابعُ الناس السير فيها. ولما ذَكَر منّة خلق الأرض شفعها بمنّة إخراج النّبات منها بما ينزل عليها من السماء من ماء. وتلك منّة تنبىء عن خلق السماوات حيث أجرى ذكرها لقصد ذلك التذكير، ولذا لم يقل: وصببنا الماء على الأرض، كما في آية: {أية : أنا صببنا الماء صباً ثم شققنا الأرض شقّاً}تفسير : [عبس: 25، 26]. وهذا إدماج بليغ. والعدول عن ضمير الغيبة إلى ضمير المتكلّم في قوله: {فأخرجنا} التفات. وحسّنه هنا أنّه بعد أن حَجّ المشركين بحجّة انفراده بخلق الأرض وتسخير السماء مما لا سبيل بهم إلى نكرانه ارتقى إلى صيغة المتكلّم المطاع فإن الذي خلق الأرض وسخّر السماء حقيق بأن تطيعه القوى والعناصر، فهو يُخرج النّبات من الأرض بسبب ماء السماء، فكان تسخير النبات أثراً لتسخير أصل تكوينه من ماء السماء وتراب الأرض. ولملاحظة هذه النكتة تكرر في القرآن مثل هذا الالتفات عند ذكر الإنبات كما في قوله تعالى: {أية : وهو الذي أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شيء}تفسير : [الأنعام: 99]، وقوله: {أية : ألم ترَ أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمراتٍ مختلفاً ألوانُها}تفسير : [فاطر: 35]، وقوله: {أية : أمّن خلق السماوات والأرض وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائقَ ذاتَ بهجة}تفسير : [النمل: 60]ومنها قوله في سورة الزخرف (11): {أية : والذي نزّل من السماء ماء بقدر فأنشرنا به بلدة ميتاً}تفسير : . وقد نبّه إلى ذلك في الكشاف، ولله درّه. ونظائره كثيرة في القرآن. والأزواج: جمع زوج. وحقيقة الزوج أنه اسم لكلّ فرد من اثنين من صنف واحد. فكلّ أحد منهما هو زوج باعتبار الآخر، لأنه يصير بسبق الفرد الأول إياه زوجاً. ثم غلب على الذكر والأنثى المقترنين من نوع الإنسان أو من الحيوان، قال تعالى: {أية : فاسلك فيها من كلّ زوجين اثنين}تفسير : [المؤمنون: 27]، وقال: {أية : فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى}تفسير : [القيامة: 39] وقال: {أية : اسكن أنتَ وزوجُك الجنّة}تفسير : [البقرة: 35]. ولمّا شاعت فيه ملاحظة معنى اتّحاد النّوع تطرقوا من ذلك إلى استعمال لفظ الزوج في معنى النوع بغير قيد كونه ثانياً لآخر، على طريقة المجاز المرسل بعلاقة الإطلاق، قال تعالى: {أية : سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تُنْبت الأرض ومن أنفسهم وممّا لا يعلمون}تفسير : [يس: 36]، ومنه قوله: {أية : فأنبتنا فيها من كلّ زَوج كريم}تفسير : [لقمان: 10]. وفي الحديث: «حديث : من أنفق زوجين في سبيل الله ابتدرتهُ حجبة الجنّة...»تفسير : الحديثَ، أي من أنفق نوعين مثل الطعام والكسوة، ومثل الخَيل والرواحل. وهذا الإطلاق هو المراد هنا، أي فأنبتنا به أنواعاً من نبات. وتقدّم في سورة الرعد. والنّبات: مصدر سمي به النبات، فلكونه مصدراً في الأصل استوى فيه الواحد والجمع. وشتّى: جمع شتيت بوزن فَعلى، مثل: مريض ومَرضى. والشّتيت: المشتّت، أي المبعّد. وأريد به هنا التباعد في الصفات من الشكل واللّون والطعم، وبعضها صالح للإنسان وبعضها للحيوان. والجملة الثانية {كُلُوا وارْعوا أنعامكُم} مقول قول محذوف هو حال من ضمير {فأخرجنا}. والتقدير: قائلين: كُلوا وارعوا أنعامكم. والأمر للإباحة مراد به المنّة. والتقدير: كلوا منها وارعوا أنعامكم منها. وهذا من مقابلة الجمع بالجمع لقصد التوزيع. وفعل (رعى) يستعمل قاصراً ومتعدياً. يقال: رعت الدابةُ ورعاها صاحبها. وفرق بينهما في المصدر فمصدر القاصر: الرّعي، ومصدر المتعدي: الرعاية. ومنه قول النّابغة:شعر : رأيتكَ ترعاني بعين بصيرة تفسير : والجملة الثالثة {إنَّ في ذٰلِكَ لآياتٍ لأُوْلِى النُّهَىٰ} معترضة مؤكدة للاستدلال؛ فبعد أن أُشير إلى ما في المخلوقات المذكورة آنفاً من الدلالة على وجود الصانع ووحدانيته، والمنّة بها على الإنسان لمن تأمل، جُمعت في هذه الجملة وصرح بما في جميعها من الآيات الكثيرة. وكلّ من الاعتراض والتوكيد مقتض لفصل الجملة. وتأكيد الخبر بحرف (إنّ) لتنزيل المخاطبين منزلة المنكرين، لأنّهم لم ينظروا في دلالة تلك المخلوقات على وحدانية الله، وهم يحسبون أنفسهم من أولي النّهى، فما كان عدم اهتدائهم بتلك الآيات إلاّ لأنهم لم يَعُدوها آيات. لا جرم أنّ ذلك المذكور مشتمل على آيات جمّة يتفطن لها ذوو العقول بالتأمّل والتفكّر، وينتبهون لها بالتذكير. والنُهى: اسم جمع نُهْية ــــ بضم النون وسكون الهاء ــــ، أي العقل، سمي نُهية لأنّه سبب انتهاء المتحلي به عن كثير من الأعمال المفسدة والمهلكة، ولذلك أيضاً سمّي بالعقل وسمي بالحِجْر.

الشنقيطي

تفسير : قرأ هذا الحرف عاصم وحمزة والكسائي "مَهْداً" بفتح الميم وإسكان الهاء من غير ألف. وقرأ الباقون من السبعة بكسر الميم وفتح الهاء بعدها ألف. والمهاد: الفراش. والمهد بمعناه. وكون أصله مصدراً لا ينافي أن يُسْتَعْمَل اسماً للفراش. وقوله في هذه الآية: {ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ} في محل رفع نعت لـ "رَبِّي" من قوله قبله {أية : قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لاَّ يَضِلُّ رَبِّي وَلاَ يَنسَى} تفسير : [طه: 52] أي لا يضل ربي الذي جعل لكم الأرض مهداً. ويجوز أن يكون خبراً لمبتدأ محذوف. أي هو الذي جعل لكم الأرض. ويجوز أن ينصب على المدح، وهو أجود من أن يقدر عامل النصب لفظة أعني، كما أشار إلى هذه الأوجه من الإعراب في الخلاصة بقوله: شعر : وارفع أو انصب إن قطعت مضمراً مبتدأ أو ناصباً لن يظهرا تفسير : هكذا قال غير واحد من العلماء. والتحقيق أنه يتعين كونه خبر مبتدأ محذوف. لأنه كلام مستأنف من كلام الله. ولا يصح تعلقه بقول موسى {لاَّ يَضِلُّ رَبِّي} لأن قوله {فَأَخْرَجْنَا} يعين أنه من كلام الله، كما نبه عليه أبو حيان في البحر، والعلم عند الله تعالى. وقد بين جل وعلا في هاتين الآيتين أربع آيات من آياته الكبرى الدالة على أنه المعبود وحده. ومع كونها من آيات على كمال قدرته واستحقاقه العبادة وحده دون غيره ـ فهي من النعم العظمى على بني آدم. الأولى: فرشه الأرض على هذا النمط العجيب. الثانية: جعله فيها سُبلاً يمر معها بنو آدم ويتوصلون بها من قطر إلى قطر. الثالثة: إنزاله الماء من السماء على هذا النمط العجيب. الرابعة: إخراجه أنواع النبات من الأرض. أما الأولى ـ التي هي جعله الأرض مهداً ـ فقد ذكر الامتنان بها مع الاستدلال بها على أنه المعبود وحده في مواضع كثيرة من كتابه. كقوله تعالى: {أية : وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ ٱلْعَزِيزُ ٱلْعَلِيمُ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ مَهْداً} تفسير : [الزخرف: 9-10] الآية، وقوله تعالى: {أية : أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ مِهَاداً وَٱلْجِبَالَ أَوْتَاداً} تفسير : [النبأ: 6-7]، وقوله تعالى: {أية : وَٱلأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ ٱلْمَاهِدُونَ} تفسير : [الذاريات: 48]، وقوله تعالى: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِي مَدَّ ٱلأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَاراً}تفسير : [الرعد: 3] والآيات بمثل ذلك كثيرة جداً. وأما الثانية ـ التي هي جعله فيها سبلاً فقد جاء الامتنان والاستدلال بها في آيات كثيرة. كقوله في "الزخرف": {أية : وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ ٱلْعَزِيزُ ٱلْعَلِيمُ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ مَهْداً وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ}تفسير : [الزخرف: 9-10]، وقوله تعالى: {أية : وَجَعَلْنَا فِي ٱلأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجاً سُبُلاً لَّعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ} تفسير : [الأنبياء: 31] وقد قدمنا الآيات الدالّة على هذا في سورة "النحل" في الكلام على قوله: {أية : وَأَنْهَاراً وَسُبُلاً لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} تفسير : [النحل: 15]. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجْنَا} فيه التفات من الغيبة إلى التكلم بصيغة التعظيم. ونظيره في القرآن قوله تعالى في "الأنعام": {أية : وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِراً نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبّاً مُّتَرَاكِباً} تفسير : [الأنعام: 99] الآية، وقوله في "فاطر" {أية : أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أنَزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا} تفسير : [فاطر: 27]، وقوله في "النمل": {أية : أَمَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَآئِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ} تفسير : [النمل: 60] الآية. وهذا الالتفات من الغيبة إلى التكلم بصيغة التعظيم في هذه الآيات كلها في إنبات النبات ـ يدل على تعظيم شأن إنبات النبات لأنه لو لم ينزل الماء ولم ينبت شيئاً ليهلك الناس جوعاً وعطشاً. فهو يدل على عظمته جل وعلا، وشدة احتياج الخلق إليه ولزوم طاعتهم له جل وعلا. وقوله في هذه الآية: {أَزْوَاجاً مِّن نَّبَاتٍ شَتَّىٰ} أي أصنافاً مختلفة من أنواع النبات. فالأزواج: جمع زوج، وهو هنا الصنف من النبات، كما قال تعالى في سورة "الحج": {أية : وَتَرَى ٱلأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ} تفسير : [الحج: 5] أي من كل صنف حسن من أصناف النبات، وقال تعالى في سورة "لقمان": {أية : خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَىٰ فِي ٱلأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ} تفسير : [لقمان: 10] أي من كل نوع حسن من أنواع النبات، وقال تعالى في سورة "يس": {أية : سُبْحَانَ ٱلَّذِي خَلَق ٱلأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ ٱلأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ} تفسير : [يس: 36] إلى غير ذلك من الآيات. وقوله {شَتَّىٰ} نعت لقوله: {أَزْوَاجاً}. ومعنى قوله: {شَتَّىٰ} جمع لـ "نبات" أي نبات مختلف كما بينا. والأظهر الأول، وقوله {شَتَّىٰ} جمع شتيت. كمريض ومرضى. والشتيت: المتفرِّق. ومنه قول رؤبة يصف إبِلاً جاءت مجتمعة ثم تَفرَّقت، وهي تثير غباراً مرتفعاً: شعر : جاءت معاً وأطرقت شتيتا وهي تثير الساطع السختيتا تفسير : وثغر شتيت: أي متفلج لأنه متفرِّق الأسنان. أي ليس بعضها لاصقاً ببعض. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً} قد قدمنا أن معنى السلك: الإدخال. وقوله {سَلَكَ} هنا معناه أنه جعل في داخل الأرض بين أوديتها وجبالها سبلاً فجاجاً يمر الخلق معها. وعبر عن ذلك هنا بقوله: {وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً} وعبر في مواضع أخر عن ذلك بالجعل، كقوله في "الأنبياء": {أية : وَجَعَلْنَا فِي ٱلأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجاً سُبُلاً لَّعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ} تفسير : [الأنبياء: 31] وقوله في "الزخرف": {أية : ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ مَهْداً وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} تفسير : [الزخرف: 10] وعبر في بعض المواضع عن ذلك بالإلقاء كقوله في "النحل": {أية : وَأَلْقَىٰ فِي ٱلأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَاراً وَسُبُلاً لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} تفسير : [النحل: 15] لأن عطف السنبل على الرواسي ظاهر في ذلك. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {كُلُواْ وَٱرْعَوْا} أي كلوا أيها الناس من الثمار والحبوب التي أخرجناها لكم من الأرض بالماء الذي أنزلنا من جميع ما هو غذاء لكم من الحبوب والفواكه ونحو ذلك، وارعوا أنعامكم. أي أسيموها وسَرحوها في المرعى الذي يصلح لأكلها. تقول: رعت الماشية الكلأ، ورعاها صاحبها: أي أسلمها وسرَّحها. يلزم ويتعدى. والأمر في قوله {كُلُواْ وَٱرْعَوْا} للإباحة. ولا يخفى ما تضمنه من الامتنان والاستدلال على استحقاق المنعم بذلك العبادة وحده. وما ذكره في هذه الآية الكريمة: من الامتنان على بني آدم بأرزاقهم وأرزاق أنعامهم جاء موضحاً في مواضع أخر. كقوله في سورة "السجدة": {أية : فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنفُسُهُمْ أَفَلاَ يُبْصِرُونَ} تفسير : [السجدة: 27]، وقوله في "النازعات": {أية : أَخْرَجَ مِنْهَا مَآءَهَا وَمَرْعَاهَا وَٱلْجِبَالَ أَرْسَاهَا مَتَاعاً لَّكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ} تفسير : [النازعات: 31-33]، وقوله في "عبس": {أية : أَنَّا صَبَبْنَا ٱلْمَآءَ صَبّاً ثُمَّ شَقَقْنَا ٱلأَرْضَ شَقّاً فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبّاً وَعِنَباً وَقَضْباً وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً وَحَدَآئِقَ غُلْباً وَفَاكِهَةً وَأَبّاً مَّتَاعاً لَّكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ} تفسير : [عبس: 25-32] وقوله في "النحل": {أية : هُوَ ٱلَّذِي أَنْزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاءِ مَآءً لَّكُم مَّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ} تفسير : [النحل: 10]، إلى غير ذلك من الآيات. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة {لأُوْلِي ٱلنُّهَىٰ} أي لأصحاب العقول. فالنهى: جمع نهية بضم النون، وهي العقل. لأنه ينهى صاحبه عمَّا لا يليق. تقول العرب: نهو الرجل بصيغة فعل بالضم: إذا كملت نهيته أي عقله. وأصله نُهي بالياء فأبدلت الياء واواً لأنها لام فعل بعد ضم. كما أشار له في الخلاصة بقوله: شعر : وواواً إثر الضم رد اليا متى ألفى لام فعل أو من قبل تا

د. أسعد حومد

تفسير : {أَزْوَاجاً} (53) - وَتَابَعَ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلاَمُ، قَائِلاً لِفِرْعَوْنَ: إِنَّ رَبَّنَا هُوَ الذِي جَعَلَ الأَرْضَ لِلنَّاسِ قَرَاراً يَسْتَقِرُّونَ عَلَيهَا، وَيَقُومُونَ وَيَنَامُونَ عَلَيْهَا، وَيُسَافِرُونَ عَلَى ظَهْرِهَا، وَجَعَلَ لَهُمْ فِيهَا طُرُقاً يَمْشُونَ فِيها، وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَطَراً فَأَخْرَجَ مِنَ الأَرْضِ نَبَاتاً مُخْتَلِفاً، وَزُرُوعاً وَثِمَاراً مُخْتَلِفَةً فِي أَصْنَافِهَا وَأَلْوَانِهَا وَطُعُومِهَا. الأَزْوَاجُ - الأَنْوَاعُ. مَهْداً - مُمَهَّدَةً كَالفِرَاشِ.

الثعلبي

تفسير : {مِنْهَا} أي من الأرض {خَلَقْنَاكُمْ} يعني أباكم آدم. وقال عطاء الخراساني: إن الملك ينطلق فيأخذ من تراب المكان الذي يدفن فيه فيذرّهُ على النطفة، فيخلق من التراب، ومن النطفة فذلك قوله سبحانه {مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ}. {وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ} أي عند الموت والدفن، قال عليّ: «إن المؤمن إذا قبض الملك روحه انتهى به إلى السماء، وقال: يا ربِّ عبدك فلان قبضنا نفسه فيقول: ارجعوا فإنّي وعدتهُ: منها خلقناكم وفيها نعيدكم فإنّه يسمع خفق نعالهم إذا ولّوا مدبرين». {وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَىٰ} مرَّة أُخرى بعد الموت عند البعث. {وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ} يعني فرعون {آيَاتِنَا كُلَّهَا} يعني اليد والعصا والآيات التسع {فَكَذَّبَ} بها وزعم أنّها سحر {وَأَبَىٰ} أن يُسلم {قَالَ} فرعون {أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا} يعني مصر {بِسِحْرِكَ يٰمُوسَىٰ * فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِّثْلِهِ فَٱجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً} فاضرب بيننا وبينك أجلاً وميقاتاً {لاَّ نُخْلِفُهُ} لا نجاوزه {نَحْنُ وَلاَ أَنتَ مَكَاناً سُوًى} مستوياً. قرأ الحسن وعاصم والأعمش وحمزة سُوى بضم السين، الباقون: بكسر وهما لغتان مثل عُدي وعِدَي، وطُوى وطِوى. قال قتادة ومقاتل: مكاناً عدلاً بيننا وبينك، وقال ابن عباس: صفاً، وقال الكلبي: يعني سوى هذا المكان، وقال أبو عبيد والقيسي: وسطاً بين الفريقين، وقال موسى بن جابر الحنفي: شعر : وإن أبانا كان حلّ ببلدة سوىً بين قيس قيس عيلان والفزر تفسير : الفزر: سعد بن زيد مناة. {قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ ٱلزِّينَةِ} قال ابن عباس وسعيد بن جبير: يعني يوم عاشوراء. وقال مقاتل والكلبي: يوم عيد لهم في كل سنة يتزيّنون ويجتمعون فيه. وروى جعفر عن سعيد قال: يوم سوق لهم، وقيل: هو يوم النيروز. وقرأ الحسن وهبيرة عن حفص يومَ الزينة بنصب الميم أي في يوم، وقرأ الباقون بالرفع على الابتداء والخبر. {وَأَن يُحْشَرَ ٱلنَّاسُ ضُحًى} وقت الضحوة، يجتمعون نهاراً جهاراً ليكون أبلغ في الحجة وأبعد من الريبة. {فَتَوَلَّىٰ فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ} حِيَلِه وَسَحَرَتَه {ثُمَّ أَتَىٰ} الميعاد. قال ابن عباس: كانوا اثنين وسبعون ساحراً مع كل واحد منهم حبل وعصا، وقيل: كانوا أربعمائة. {قَالَ} موسى للسحرة {لاَ تَفْتَرُواْ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُم} قرأ أهل: الكوفة فيسُحِتكم بضم الياء وكسر الحاء، وقرأ الباقون بفتح الياء والحاء، وهما لغتان: سحتَ وأسحت. قال مقاتل والكلبي: فيهلككم، وقال قتادة: فيستأصلكم، وقال أبو صالح: يذبحكم، قال الفرزدق: شعر : وعضّ زمان يا ابن مروان لم يدع من المال إلاّ مسحت أو مجلف تفسير : {فَتَنَازَعُوۤاْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجْوَىٰ} أي المناجاة تكون اسماً ومصدراً. {قَالُوۤاْ إِنْ هَـٰذَانِ لَسَاحِرَانِ} قرأ عبد الله: واسرّوا النجوى إن هذان ساحران بفتح الألف وجزم نونه ساحران بغير لام، وقرأ ابن كثير وحفص إن بكسر الالف وجزم النون هذان بالألف على معنى ما هذان إلاّ ساحران، نظيره: قوله {أية : وَإِن نَّظُنُّكَ لَمِنَ ٱلْكَاذِبِينَ} تفسير : [الشعراء: 186] قال الشاعر: شعر : ثكلتك أُمكّ إن قتلتَ لمُسلماً حلّت عليك عقوبة الرَّحْمن تفسير : يعني ما قتلت إلاّ مسلماً، يدل على صحة هذه القراءة قراءة أُبي بن كعب: إن ذان إلاّ ساحران، وقرأ عيسى بن عمر الثقفي وأبو عمر بن علاء: إن هذين لساحران بالياء على الأصل، قال أبو عمرو: واني لإستحي من الله أن أقرأ إنّ هذان، وقرأ الباقون: إنّ بالتشديد هذان بالألف واختلفوا فيه، فقال قوم بما أخبرنا أبو بكربن عبدوس وعبد الله بن حامد قالا: حدَّثنا أبو العباس الأصم قال: حدَّثنا محمد بن الجهم السمري قال: حدَّثنا الفرّاء قال: حدَّثني أبو معاوية عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أنها سئلت عن قوله سبحانه في النساء {أية : لَّـٰكِنِ ٱلرَّاسِخُونَ} تفسير : [النساء: 162] {أية : وَٱلْمُقِيمِينَ} تفسير : [النساء: 162] وعن قوله في المائدة {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلصَّابِئُونَ} تفسير : [المائدة: 69] وعن قوله {إِنْ هَـٰذَانِ لَسَاحِرَانِ } [طه: 63] فقالت: يا بن أخي هذا خطأ من الكاتب. وقال عثمان بن عفان: إنّ في المصحف لحناً وستقيمه العرب بألسنتهم. وقال أبان: قرئت هذه الآية عند عثمان فقال: لحن وخطأ، فقيل له: ألم تغيّره فقال: دَعُوه فإنّه لا يُحلّ حراماً ولا يحرّم حلالاً، وقال آخرون: هذه لغة الحارث بن كعب وخثعم وزبيد وكنانة يجعلون الأسين في رفعهما ونصبهما وخفضهما بالألف. قال الفرّاء: أنشدني رجل من بني الأسد وما رأيت افصح منه. شعر : وأطرق إطراق الشجاع ولو ترى مساغاً لناباه الشجاع لصمما تفسير : ويقولون: كسرت يداه، وركبت علاه، بمعنى يديه وعليه. وقال الشاعر: شعر : تزوّد منّا بين أُذناه ضربة دعته إلى هابي التراب عقيم تفسير : أراد بين أُذنيه. وقال آخر: شعر : أي قلوص راكب نراها طاروا علاهنّ فطر علاها تفسير : أي عليهن وعليها. وقال آخر: شعر : إنَّ أباها وأبا أباها قد بلغا في المجد غايتاها تفسير : وروي أنّ أعرابياً سأل ابن الزبير شيئا فحرّمه فقال: لعن الله ناقة حملتني إليك، فقال ابن الزبير: إن وصاحبها، يعني نعم. وقال الشاعر: شعر : بكرتْ عليّ عواذلي يلحينني وألو مهنَّه ويقلن شيبٌ قد علاك وقد كبرت فقلت إنّه تفسير : أي نعم، وقال الفراّء: وفيه وجه آخر: وهو أن يقول: وجدت الألف دعامة من هذا على حالها لا تزول في كل حال، كما قالت العرب: الذي ثمَّ زادوا نوناً يدلّ على الجمع فقالوا: الذين في رفعهم ونصبهم وخفضهم وكناية تقول: اللَّذوُنَ. {يُرِيدَانِ أَن يُخْرِجَاكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ} مصر {بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ ٱلْمُثْلَىٰ} حدَّث الشعبي عن عليّ قال: يصرفا وجوه الناس إليهما وهي بالسريانية. وقال ابن عباس: يعني بسراة قومكم وأشرافكم وقال مقاتل والكلبي: يعني الأمثل فالأمثل من ذوي الرأي والعقول. وقال عكرمة: يعني يذهب أخياركم. وقال قتادة: طريقتكم المُثلى يومئذ، بنو إسرائيل كانوا أكثر القوم عدداً يومئذ وأموالاً، فقال عدو الله: إنما يريدان أن يذهبا به لأنفسهما. وقال الكسائي: بطريقتكم يعني بسنّتكم وهديكم وسمتكم، والمثلى نعت للطريقة، كقولك امرأة كبرى، تقول العرب: فلان على الطريقة المثلى يعني على الهدى المستقيم. قال الشاعر: شعر : فكم متفرقين منوا بجهل حدى بهم إلى زيغ فراغوا وزِيغ بهم عن المثلى فتاهوا وأورطهم مع الوصل الرداغُ فزلّت فيه أقدام فصارت إلى نار غلا منها الدماغ تفسير : والمثلى تأنيث الأمثل. {فَأَجْمِعُواْ كَيْدَكُمْ} قرأ أبو عمرو فاجمعوا بوصل الألف وفتح الميم، من الجمع يعني لا تدعوا شيئاً من كيدكم إلا جئتم به، وتصديقه قوله: فجمع كيده، وقرأ الباقون: فأجمعوا بقطع الألف وكسر الميم وله وجهان: أحدهما: بمعنى الجمع، يقول العرب: أجمعت الشيء وجمعته بمعنى واحد. قال أبو ذؤيب: شعر : فكأنّه بالجزع جزع يتابع وأولاه ذي العرجاء تهب مجمّع تفسير : والثاني: بمعنى العزم والأحكام، يقول: أجمعت الأمر وأزمعته، وأجمعت على الأمر وأزمعت عليه إذا عزمت عليه. قال الشاعر: شعر : ياليت شعري والمنى لا تنفع هل أغدونْ يوماً وأمري مجمع تفسير : أي محكم، وقد عزم عليه كيدكم ومكركم وسحركم وعلمكم. {ثُمَّ ٱئْتُواْ صَفّاً} قال مقاتل: والكلبي: جميعاً، وقيل: صفوفاً، وقال أبو عبيد: يعني المصلّى والمجتمع، وحُكي عن بعض العرب الفصحاء: ما استطعت أن آتي الصفّ أمس، يعني المصلّى. {وَقَدْ أَفْلَحَ ٱلْيَوْمَ مَنِ ٱسْتَعْلَىٰ} يعني فاز من غلب. {قَالُواْ} يعني السحرة {يٰمُوسَىٰ إِمَّآ أَن تُلْقِيَ} عصاك من يدك {وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَىٰ } عصاه {قَالَ} موسى {بَلْ أَلْقُواْ فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ} وهو جمع العصا {يُخَيَّلُ إِلَيْهِ} قرأ ابن عامر بالتاء، ردّه إلى الحبال والعصيّ، وقرأ الباقون: بالياء ردّوه إلى الكيد أو السحر، ومعناه شبّه إليه من سحرهم حتى ظنّ {أَنَّهَا تَسْعَىٰ} أي تمشي، وذلك أنّهم كانوا لطّخوا حبالهم وعصيّهم بالزئبق فلمّا أصابه حرّ الشمس ارتهشت واهتزت فظنّ موسى أنها تقصده {فَأَوْجَسَ} أي أحسَّ ووجد، وقيل: أضمر {فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَىٰ} قال مقاتل: إنّما خاف موسى إذ صنع القوم مثل صنيعه ان يشكّو فيه فلا يتبعوه ويشك فيه من تابعه. {قُلْنَا} لموسى {لاَ تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلأَعْلَىٰ} الغالب {وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ} يعني العصا {تَلْقَفْ} تلتقم وتلتهم {مَا صَنَعُوۤاْ إِنَّمَا صَنَعُواْ} يعني إنّ الذي صنعوا {كَيْدُ سَاحِرٍ} قرأ أهل الكوفة بكسر السين من غير ألف، وقرأ الباقون: ساحر بالألف على فاعل، واختاره أبو عبيد، قال: لأنَّ إضافة الكيد إلى الرجل أولى من إضافته إلى السّحر وإن كان ذلك لا يمتنع في العربية. {وَلاَ يُفْلِحُ ٱلسَّاحِرُ حَيْثُ أَتَىٰ} من الأرض، وقيل: معناه حيث احتال. {فَأُلْقِيَ ٱلسَّحَرَةُ سُجَّداً قَالُوۤاْ آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَىٰ * قَالَ آمَنتُمْ لَهُ} يعني به كقوله {أية : فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ} تفسير : [العنكبوت: 26] {قَبْلَ أَنْ ءَاذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ } لرئيسكم ومعلّمكم {ٱلَّذِي عَلَّمَكُمُ ٱلسِّحْرَ فَلأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِّنْ خِلاَفٍ} يعني الرجل اليسرى واليد اليمنى {وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ ٱلنَّخْلِ} يعني جذوع النخل، قال سويد بن أبي كاهل: شعر : وهم صلبوا العبدي في جذع نخلة فلا عطست شيبان إلاّ بأجدعا تفسير : {وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَآ أَشَدُّ عَذَاباً} أنا أو ربّ موسى {وَأَبْقَىٰ * قَالُواْ} يعني السحرة {لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَىٰ مَا جَآءَنَا مِنَ ٱلْبَيِّنَاتِ} قال مقاتل: يعني اليد والعصا. وأخبرنا البيهقي والاصفهاني قالا: أخبرنا مكي بن عبدان قال: حدَّثنا أبو الأزهر، قال: حدَّثنا روح قال: حدَّثنا هشام بن أبي عبد الله عن القاسم بن أبي برزة قال: جمع فرعون سبعين ألف ساحر، فألقوا سبعين ألف حبل وسبعين ألف عصا حتى جعل موسى يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى، فأوحى الله سبحانه أن ألق عصاك، فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين فاغرفاه، فابتلع حبالهم وعصيّهم وأُلقي السحرة عند ذلك سجداً فما رفعوا رؤوسهم حتى رأوا الجنة والنار ورأوا ثواب أهلها، عند ذلك قالوا {لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَىٰ مَا جَآءَنَا مِنَ ٱلْبَيِّنَاتِ} يعنى الجنة والنار وما رأوا من ثوابهم ودرجاتهم. قال: وكانت امرأة فرعون تسأل: من غلب؟ فيقال: غلب موسى، فتقول: آمنت برب موسى وهارون، فأرسل إليها فرعون فقال: انظروا أعظم صخرة تجدونها فأتوها فإنْ هي رجعت عن قولها فهي امرأته، وإنْ هي مضت على قولها فألقوا عليها الصخرة، فلما أتوها رفعت بصرها إلى السماء فأريت بيتها في الجنة فمضت على قولها وانتزعت روحها، والقيت على جسد لا روح فيه. {وَٱلَّذِي فَطَرَنَا} يعني وعلى الذي خلقنا، وقيل: هو قسم {فَٱقْضِ مَآ أَنتَ قَاضٍ} فاحكم ما أنت حاكم، واصنع ما أنت صانع من القطع والصلب {إِنَّمَا تَقْضِي هَـٰذِهِ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَآ} يقول: إنّما تملكنا في الدنيا ليس لك علينا سلطان إلاّ في الدنيا {إِنَّآ آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا} قال مقاتل: كانت السحرة اثنين وسبعين ساحراً، اثنان منهم من القبط وهما رأسا القوم، وسبعون منهم من بني إسرائيل، وكان فرعون أكره أُولئك السبعين الذين هم من بني إسرائيل على تعلّم السحر. وقال عبد العزيز بن أبان: إنّ السحرة قالوا لفرعون: أرنا موسى إذا نام، فأراهم موسى نائماً وعصاه تحرسه فقالوا لفرعون: انَّ هذا ليس بسحر، إنّ الساحر إذا نام بطل سحره، فأبى عليهم إلاّ أن تعملوا فذلك قوله {وَمَآ أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ ٱلسِّحْرِ} {وَٱللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ} منك لأنّك فان هالك {إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ} في الآخرة {مُجْرِماً} مشركاً يعني بات على الشرك {فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لاَ يَمُوتُ فِيهَا} فيستريح {وَلاَ يَحْيَىٰ} حياةً تنفعه. {وَمَن يَأْتِهِ مُؤْمِناً} مات على الإيمان {قَدْ عَمِلَ ٱلصَّالِحَاتِ فَأُوْلَـٰئِكَ لَهُمُ ٱلدَّرَجَاتُ ٱلْعُلَىٰ} الرفيعة في الجنة {جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذٰلِكَ جَزَآءُ مَن تَزَكَّىٰ} أي صلح، وقيل: تطهّر من الكفر والمعاصي. وقال الكلبي: يعني أعطى زكاة نفسه وقال: لا إله إلاّ الله.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : مَهْداً: من التمهيد وتوطئة الشيء ليكون صالحاً لمهمته، كما تفعل في فراشك قبل أن تنام، ومن ذلك يسمى فراش الطفل مَهْداً؛ لأنك تُمهِّده له وتُسوّيه، وتزيل عنه ما يقلقه أو يزعجه ليستقر في مَهْده ويستريح. ولا بُدَّ لك أنْ تقوم له بهذه المهمة؛ لأنه يعيش بغريزتك أنت، إلا أن تتنبه غرائزه لمثل هذه الأمور، فيقوم بها بنفسه؛ لذلك لزمك في هذه الفترة رعايته وتربيته والعناية به. فمعنى {جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ مَهْداً ..} [طه: 53] أي: سوَّاها ومهَّدها لتكون صالحة لحياتكم ومعيشتكم عليها. وليس معنى مهّدها جعلها مستوية، إنما سوّاها لمهمتها، وإلا ففي الأرض جبال ومرتفعات ووديان، وبدونها لا يستقيم لنا العيش عليها، فتسويتها تقتضي إصلاحها للعيش عليها، سواء بالاستواء أو التعرّج أو الارتفاع أو الانخفاض. فمثلاً في الأرض المستوية نجد الطرق مستوية ومستقيمة، أما في المناطق الجبلية فهي مُتعرّجة مُلتوية؛ لأنها لا تكون إلا كذلك، ولها ميزة في التوائها أنك لا تواجه الشمس لفترة طويلة، بل تراوح بين مواجهة الشمس مرة والظل أخرى. وسبق أن ضربنا مثلاً بالخطّاف الذي نصنعه من الحديد، فلو جعلناه مستقيماً ما أدَّى مهمته، إذن: فاستقامته في كَوْنه مُعْوجاً فتقول: سويته ليؤدي مهمته، ولو كان مستقيماً ما جذب الشيء المراد جَذْبه به. إذن: نقول التسوية: جَعْل الشيء صالحاً لمهمته، سواء أكان بالاعتدال أو الاعوجاج، سواء أكان بالأمْت أو بالاستقامة. ثم يقول تعالى: {وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً ..} [طه: 53] أي: طرقاً ممهدة تُوصّلكم إلى مهماتكم بسهولة. سلك: بمعنى دخل، وتأتي متعدية، تقول: سلك فلان الطريق. وقال تعالى: {أية : مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ}تفسير : [المدثر: 42] فالمخاطبون مَسْلوكون في سقر يعني: داخلون، وقال: {أية : ٱسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ}تفسير : [القصص: 32] أي: أدْخِلْها. فتعديها إلى المفعول الداخل أو للمدخول فيه، فقوله: {وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً ..} [طه: 53] متعدية للمدخول فيه أي: عديت المخاطب إلى المدخول فيه، فأنتم دخلتم، والسُّبل مدخول فيه. إذن: المفعول مرة يكون المسلوك، ومرة يكون المسلوك فيه. وحينما تسير في الطرق الصحراوية تجدها مختلفة على قَدْر طاقة السير فيها، فمنها الضيّق على قَدْر القدم للشخص الواحد، ومنها المتسع الذي تسير فيه الجمال المحمّلة أو السيارات، فسلك لكم طرقاً مختلفة ومتنوعة على قَدْر المهمة التي تؤدونها. ثم يقول تعالى: {وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّن نَّبَاتٍ شَتَّىٰ} [طه: 53]. وهذه أيضاً من مسألة الخَلْق التي لا يدعيها أحد؛ لأنها دَعْوى مردودة على مدعيها، فأنت يا مَنْ تدّعي الألوهية أخرِجْ لنا شيئاً من ذلك، إرِنَا نوعاً من النبات فلن يقدر، وبذلك لزمتْه الحجة. كما أن إنزال الماء من السماء ليس لأحد عمل فيه، لكن عندما يخرج النبات قد يكون لنا عمل مثل الحَرْث والبَذْر والسَّقْي وخلافه، لكن هذا العمل مستمد من الأسباب التي خلقها الله لك؛ لذلك لما تكلم عن الماء قال (أنْزَلَ) فلا دَخْل لأحد فيه، ولما تكلم عن إخراج النبات قال (أَخْرَجْنَا) لأنه تتكاتف فيه صفات كثيرة، تساعد في عملية إخراجه، وكأن الحق - تبارك وتعالى - يحترم عملك السَّببي ويُقدِّره. اقرأ قوله تعالى: {أية : أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ * أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ ٱلزَّارِعُونَ}تفسير : [الواقعة: 63-64] فأثبت لهم عملاً، واحترم مجهودهم، إنما لما حرثتم من أين لكم بالبذور؟ فإذا ما تتبعت سِلْسِلة البذور القبلية لانتهتْ بك إلى نبات لا قَبْلَ له. كما لو تتبعتَ سلسلة الإنسان لوجدتها تنتهي إلى أب، لا أب له إلا مَنْ خلقه. وأنت بعد أن ألقيتَ البذرة في الأرض وسقيْتها، ألَكَ حيلة في إنباتها ونُموّها يوماً بعد يوم؟ أأمسكْتَ بها وجذبْتها لتنمو؟ أم أنها قدرة القادر {أية : ٱلَّذِي خَلَقَ فَسَوَّىٰ * وَٱلَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰ}تفسير : [الأعلى: 2-3]. لذلك يقول تعالى بعدها: {أية : لَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً ..}تفسير : [الواقعة: 65]، فإنْ كانت هذه صنعتكم فحافظوا عليها. كما حدث مع قارون حينما قال عن نعمة الله: {أية : إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ ..}تفسير : [الزمر: 49]. فما دام الأمر كذلك فحافظ عليه يا قارون بما عندك من العلم، فلما خسف الله به وبداره الأرض دَلَّ ذلك على كذبه في مقولته. ونلحظ في قوله تعالى: {أية : لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً ..}تفسير : [الواقعة: 65] أنه مؤكد باللام، لماذا؟ لأن لك شبهة عمل في مسألة الزرع، قد تُطمِعك وتجعلك مُتردّداً في القبول. إنما حينما تكلم عن الماء قال: {أية : أَفَرَأَيْتُمُ ٱلْمَآءَ ٱلَّذِي تَشْرَبُونَ * أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ ٱلْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ ٱلْمُنزِلُونَ * لَوْ نَشَآءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً ..}تفسير : [الواقعة: 68-70]. هكذا بدون توكيد؛ لأنها مسألة لا يدَّعيها أحد لنفسه. وقوله تعالى: {أَزْوَاجاً مِّن نَّبَاتٍ شَتَّىٰ} [طه: 53] لم يقل: نباتاً فقط. بل أزواجاً؛ لأن الله تعالى يريد أن تتكاثر الأشياء، والتكاثر لا بُدَّ له من زوجين: ذكر وأنثى. وكما أن الإنسان يتكاثر، كذلك باقي المخلوقات؛ لأن الحق - تبارك وتعالى - خلق الأرض وقدَّر فيها أقواتها، ولا بُدَّ لهذه الأقوات أن تكفي كل مَنْ يعيش على هذه الأرض. فإذا ضاقت الأرض، ولم تُخرِج ما يكفينا، وجاع الناس، فلنعلم أن التقصير مِنّا نحن البشر من استصلاح الأرض وزراعتها؛ لذلك حينما حدث عندنا ضيق في الغذاء خرجنا إلى الصحراء نستصلحها، وقد بدأت الآن تُؤتي ثمارها ونرى خيرها، والآن عرفنا أننا كنا في غفلة طوال المدة السابقة، فتكاثرنا ولم نُكثِّر ما حولنا من الرقعة الزراعية. والذكر والأنثى ليسا في النبات فحسْب، بل في كل ما خلق الله: {أية : سُبْحَانَ ٱلَّذِي خَلَق ٱلأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ ٱلأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ}تفسير : [يس: 36]. فالزوجية في كل شيء، عَلِمته أو لم تعلمه، حتى في الجمادات، هناك السالب والموجب والألكترونيات والأيونات في الذرة، وهكذا كلما تكاثر البشر تكاثر العطاء. وقوله تعالى: {مِّن نَّبَاتٍ شَتَّىٰ} [طه: 53] شتى مثل: مرضى جمع مريض فشتى جمع شتيت. يعني أشياء كثيرة مختلفة ومتفرقة، ليست في الأنواع فقط، بل في النوع الواحد هناك اختلاف. فلو ذهبت مثلاً إلى سوق التمور في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم تجد أنواعاً كثيرة، مختلفة الأشكال والطُّعوم والأحجام، كلها تحت مُسمّى واحد هو: التمر. وهكذا لو تأملتَ باقي الأنواع من المزروعات. ثم يذكر الحق - تبارك وتعالى - العِلَّة في إخراج النبات: {كُلُواْ وَٱرْعَوْا أَنْعَامَكُمْ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {أَزْوَاجاً مِّن نَّبَاتٍ شَتَّىٰ} معناهُ مُختلِفةُ الأَلوانِ والطُعومِ.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أعرض عن أحوال أفعاله بقوله تعالى: {ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ مَهْداً} [طه: 53] إلى قوله: {مَنِ ٱسْتَعْلَىٰ} [طه: 64] فبقوله: {ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ مَهْداً} [طه: 53] يشير إلى أن الحكمة في خلق الأرض هي أن تكون الأرض مهداً لكم {وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً} [طه: 53] أي: لأجلكم لا لغيركم {وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّن نَّبَاتٍ شَتَّىٰ * كُلُواْ وَٱرْعَوْا أَنْعَامَكُمْ} [طه: 53-54] به يشير إلى أن السماء والماء والنبات والأنعام كلها مخلوقة لكم ولسد احتياجكم للتعيش بهذه الأشياء، بل بجميع المخلوقات ما خلقتها. {إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ لأُوْلِي ٱلنُّهَىٰ} [طه: 54] أي: إن في ذلك التقدير رسالات ودلالات لذوي البصائر أنها خلقت لأجلهم؛ لأنهم كانوا أهل المعرفة، وخلقت المخلوقات فجاء صلى الله عليه وسلم لخلق المعارف كما قال في الحديث الرباني: "كنت كنزاً مخفياً فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق لأعرف"، وفيه معنى آخر وهو: إن في ذلك الذي مرَّ ذكره ومن السماوات والأرض وما بينهما لآيات بأنه مظهر صفات لطف الحق ومظهر صفات قهره، فإنهم يشاهدون فيه جمال لطفه وجلال قهره ستر الله ستراً بستر وإضماراً بإضمار. قوله: {مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ} [طه: 55] أي: من ذرة التراب التي أمر الله تعالى عزرائيل أن يأخذ من جميع الأرض {وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ} [طه: 55] أي: إلى الموضع الذي أخذ منه {وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَىٰ} [طه: 55] بعد أن يجعل لكم جسداً مستعداً للبقاء الأبدي، ثم قال: {وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ} [طه: 56] يعني: فرعون {آيَاتِنَا كُلَّهَا} [طه: 56] أي: كل آية نهدي بها أهل البصيرة {فَكَذَّبَ} [طه: 56] بها إذ لم يكن أهل البصيرة {وَأَبَىٰ} [طه: 56] ألا يؤمن بها. {قَالَ} [طه: 57] أي: فرعون. {أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يٰمُوسَىٰ} [طه: 57] وإنما قال هذا؛ لأنه كان من أهل البصر لا أهل البصيرة، فكان مطرح نظر بصره الدنيا وما فيها، فرأى مجيء موسى لإخراجه من مملكة الدنيا ولو كان ذا بصيرة لرأى مجيئه لإخراجه من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، ومن ظلمات البشرية إلى نور الروحانية، ومن نور ظلمات الإنسانية إلى نور الربانية، فلمَّا رأى ببصر الحس المعجزة سحراً قال: {فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِّثْلِهِ فَٱجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً لاَّ نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلاَ أَنتَ مَكَاناً سُوًى} [طه: 58] وإنما طلب الوعد؛ لأن صاحب السحر محتاج في تدبير السحر إلى طول الزمان وصاحب المعجزة لا يحتاج في إظهار المعجزة إلى الوعد {قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ ٱلزِّينَةِ وَأَن يُحْشَرَ ٱلنَّاسُ ضُحًى} [طه: 59] يعني: يوم عيدهم الذي يجتمع فيه الناس من كل مكان؛ ليكون بمشهد خلق عظيم لعلهم يستجيبون عنهم، فلا ينكرون المعجزة بعد إبطال السحر. {فَتَوَلَّىٰ فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ} [طه: 60] من السحرة سحرهم {ثُمَّ أَتَىٰ * قَالَ لَهُمْ مُّوسَىٰ} [طه: 60-61] يعني: السحرة {وَيْلَكُمْ لاَ تَفْتَرُواْ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً} [طه: 61] أي: بإتيان السحر في معرض المعجزة إدعاء بأن الله قد أعطاه مثل ما أعطى الأنبياء من المعجزة {فَيُسْحِتَكُم بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ ٱفْتَرَىٰ} [طه: 61] فيهلكهم بوضع السحر موضع المعجزة، فإنه ظلم عظيم لقوله تعالى: {أية : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ} تفسير : [الصف: 7] {فَتَنَازَعُوۤاْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجْوَىٰ} [طه: 62] إلى قوله: {بِسِحْرِهِمَا} [طه: 63] أي: يفتنون بأن فرعون وسحرته يقولون: {إِنْ هَـٰذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَن يُخْرِجَاكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ} [طه: 63] من مناصب شيخوختكم ومراتب قبولكم عند العوام {بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ ٱلْمُثْلَىٰ} [طه: 63] أي: بصرف وجود الناس عنكم، ويذهبا بأشراف قومكم من الملوك والأمراء والمعارف وأهل الدثور والأموال {فَأَجْمِعُواْ كَيْدَكُمْ} [طه: 64] مكركم وحيلكم في دفع هذه المزاعم {ثُمَّ ٱئْتُواْ صَفّاً وَقَدْ أَفْلَحَ ٱلْيَوْمَ مَنِ ٱسْتَعْلَىٰ} [طه: 64] أي: فإن من غلب ونال علو المرتبة بين الناس.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 605 : 12 : 33 - سفين في قوله {ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ مَهْداً} [الآية 53].