Verse. 2402 (AR)

٢٠ - طه

20 - Ta-Ha (AR)

كُلُوْا وَارْعَوْا اَنْعَامَكُمْ۝۰ۭ اِنَّ فِيْ ذٰلِكَ لَاٰيٰتٍ لِّاُولِي النُّہٰى۝۵۴ۧ
Kuloo wairAAaw anAAamakum inna fee thalika laayatin liolee alnnuha

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«كلوا» منها «وارعوا أنعامكم» فيها جمع نعم، وهي الإبل والبقر والغنم، يقال رعت الأنعام ورعيتها والأمر للإباحة وتذكير النعمة والجملة حال من ضمير أخرجنا، أي مبيحين لكم الأكل ورعي الأنعام «إن في ذلك» المذكور «لآيات» لعبرا «لأولي النهى» لأصحاب العقول ينهى صاحبه عن ارتكاب القبائح.

54

Tafseer

المحلي و السيوطي

تفسير : {كُلُواْ } منها {وَٱرْعَوْا أَنْعَٰمَكُمْ } فيها جمع (نَعَم) وهي الإِبل والبقر والغنم، يقال: رعت الأنعام ورعيتها، والأمر للإِباحة وتذكير النعمة، والجملة حال من ضمير أخرجنا أي مبيحين لكم الأكل ورعي الأنعام {إِنَّ فِى ذَٰلِكَ } المذكور هنا {لأَيَٰتٍ } لَعِبَراً {لأُوْلِى ٱلنُّهَىٰ } لأصحاب العقول، جمع (نُهْيَة) كغُرْفة وغُرَف، سمي به العقل لأنه ينهى صاحبه عن ارتكاب القبائح.

ابن عبد السلام

تفسير : {النُّهَى} الحكم أو العقل، أو الورع لأنه يُنتهى إلى رأيهم، أو لأنهم ينهون النفس عن القبيح.

ابو السعود

تفسير : قوله تعالى: {كُلُواْ وَٱرْعَوْا أَنْعَـٰمَكُمْ} حال من ضمير فأخرجنا على إرادة القول أي أخرجنا منها أصنافَ النباتِ قائلين: كلوا وارعَوا أنعامَكم أي معدّيها لانتفاعكم بالذات وبالواسطة آذنين في ذلك {إِنَّ فِى ذَلِكَ} إشارةٌ إلى ما ذكر من شؤونه تعالى وأفعاله، وما فيه من معنى البُعد للإيذان بعلو رتبتِه وبُعْدِ منزلته في الكمال، والتنكيرُ في قوله تعالى: {لآيَاتٍ} للتفخيم كماً وكيفاً أي لآياتٍ كثيرةً جليلةً واضحةَ الدِلالة على شؤون الله تعالى في ذاته وصفاتِه وأفعاله، وعلى صحة نبوةِ موسى وهارون عليهما الصلاة والسلام {لأُوْلِى ٱلنُّهَىٰ} جمع نُهْية سمّي بها العقلُ لنهيه عن اتباع الباطلِ وارتكاب القبائح كما سمّي بالعقل والحِجْر لعقله وحَجْره عن ذلك، أي لذوي العقولِ الناهية عن الأباطيل التي من جملتها ما يدّعيه الطاغية ويقبله منه فئتُه الباغية، وتخصيصُ كونها آياتٍ بهم مع أنها آياتٌ للعالمين باعتبار أنهم المنتفعون بها. {مِنْهَا خَلَقْنَـٰكُمْ} أي في ضمن خلقِ أبـيكم آدمَ عليه الصلاة والسلام منها فإن كل فردٍ من أفراد البشر له حظٌّ من خلقه عليه الصلاة والسلام إذ لم تكن فطرتُه البديعةُ مقصورةً على نفسه عليه الصلاة والسلام، بل كانت أنموذَجاً منطوياً على فطرة سائرِ أفرادِ الجنسِ انطواءً إجمالياً مستتبِعاً لجَريان آثارِهما على الكل فكان خلقُه عليه الصلاة والسلام منها خلقاً للكل منها، وقيل: المعنى خلقنا أبدانَكم من النُطفة المتولدة من الأغذية المتولّدة من الأرض بوسائطَ، وقيل: إن الملَك الموكلَ بالرحِم يأخذ من تربة المكان الذي يُدفن فيه المولود فيبدّدها على النطفة فيخلق من التراب والنطفة {وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ} بالإماتة وتفريقِ الأجزاء، وإيثار كلمة في على كلمة إلى للدِلالة على الاستقرار المديدِ فيها {وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَىٰ} بتأليف أجزائِكم المتفتّتة المختلطةِ بالتراب على الهيئة السابقةِ وردِّ الأرواح إليها، وكونُ هذا الإخراجِ تارةً أخرى باعتبار أن خلقَهم من الأرض إخراجٌ لهم منها وإن لم يكن على نهج التارةِ الثانيةِ، والتارة في الأصل اسمٌ للتَّوْر الواحد وهو الجرَيانُ ثم أطلق على كل فَعْلة واحدة من الفَعَلات المتجددة كما مر في المرة. {وَلَقَدْ أَرَيْنَـٰهُ} حكايةٌ إجماليةٌ لما جرى بـين موسى عليه الصلاة والسلام وبـين فرعونَ إثرَ حكايةِ ما ذكره عليه الصلاة والسلام بجلائل نَعمائِه الداعيةِ له إلى قَبول الحقِّ والانقيادِ له، وتصديرُها بالقسم لإبراز كمالِ العنايةِ بمضمونها وإسنادُ الإراءةِ إلى نون العظمةِ نظراً إلى الحقيقة لا إلى موسى نظراً إلى الظاهر لتهويل أمرِ الآياتِ وتفخيمِ شأنها وإظهار كمالِ شناعةِ اللعين وتماديه في المكابرة والعناد، أي وبالله لقد بصّرنا فرعونَ أو عرّفناه {ءايَـٰتِنَا} حين قال لموسى عليه الصلاة والسلام: { أية : إِن كُنتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ فَأَلْقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَآءُ لِلنَّاظِرِينَ} تفسير : [الأعراف: 106- 108] وصيغةُ الجمع مع كونهما اثنتين باعتبار ما في تضاعيفهما من بدائع الأمورِ التي كلٌّ منها آيةٌ بـينةٌ لقوم يعقلون حسبما بـين في تفسير قوله تعالى: {أية : ٱذْهَبْ أَنتَ وَأَخُوكَ بِـئَايَـٰتِى } تفسير : [طه: 43] وقد ظهر عند فرعونَ أمورٌ أُخَرُ كلُّ واحد منها داهيةٌ دهياءُ، فإنه روي أنه عليه الصلاة والسلام لما ألقاها انقلب ثعباناً أشعَرَ فاغراً فاه بـين لحيـيه ثمانون ذراعاً وضَع لَحْيَه الأسفلَ على الأرض والأعلى على سور القصر وتوجه نحوَ فرعون، فهرب وأحدث وانهزم الناسُ مزدحِمين، فمات منهم خمسة وعشرون ألفاً من قومه، فصاح فرعونُ: ياموسى أنشدك بالذي أرسلك إلا أخذتَه فأخذه فعاد عصاً، وروي أنها انقلبت حيةً فارتفعت في السماء قدرَ ميلٍ ثم انحطت مُقبلةً نحو فرعون وجعلت تقول: يا موسى مُرْني بما شئت، ويقول فرعون: أنشدك الخ، ونزع يدَه من جيبه فإذا هي بـيضاءُ بـياضاً نورانياً خارجاً عن حدود العادات قد غلب شعاعُه شعاعَ الشمس يجتمع عليه النظّارة تعجباً من أمره، ففي تضاعيف كلَ من الآيتين آياتٌ جمّةٌ لكنها لما كانت غيرَ مذكورةٍ صراحة أُكدتْ بقوله تعالى: {كُلَّهَا} كأنه قيل: أريناه آيتَيْنا بجميع مُستتبَعاتِهما وتفاصيلِهما قصداً إلى بـيان إنه لم يبقَ له في ذلك عذرٌ ولا مساغَ لعد بقية الآياتِ التسعِ منها لما أنها إما ظهرت على يده عليه الصلاة والسلام بعد ما غلب السحرةَ على مهل في نحو من عشرين سنةً كما مر في تفسير سورة الأعراف، ولا ريب في أن أمرَ السحرةِ مترقَّبٌ بعُد، وأبعدُ من ذلك أن يُعدَّ منها ما جُعل لإهلاكهم لا لإرشادهم إلى الإيمان من فلْق البحرِ وما ظهر بعد مهلِكِه من الآيات الظاهرةِ لبني إسرائيل، من نتْق الجبل والحجر سواءٌ أريد به الحجرُ الذي فرَّ بثوبه أو الذي انفجرت منه العيون، وكذا أن يُعدّ منها الآياتُ الظاهرةُ على يد الأنبـياءِ عليهم الصلاة والسلام بناءً على أن حكايتَه عليه الصلاة والسلام إياها لفرعون في حكم إظهارِها بـين يديه وإراءتِه إياها لاستحالة الكذب عليه عليه الصلاة والسلام، فإن حكايتَه عليه الصلاة والسلام إياها لفرعون مما لم يجْرِ ذكرُه هٰهنا على أن ما سيأتي من حمل ما أظهره عليه الصلاة والسلام على السحر والتصدي للمعارضة بالمثل يأباه إباءً بـيّناً، وينطِق بأن المرادَ بها ما ذكرناه قطعاً ولولا ذلك لجاز جعلُ ما فصله عليه الصلاة والسلام ـ من أفعاله تعالى الدالةِ على اختصاصه بالربوبـية وأحكامِها ـ من جملة الآيات {فَكَذَّبَ} موسى عليه الصلاة والسلام من غير تردّد وتأخُّر مع ما شاهده في يده من الشواهد الناطقةِ بصدقه جحوداً وعِناداً {وَأَبَىٰ} الإيمانَ والطاعةَ لعتوّه واستكبارِه، وقيل: كذب بالآيات جميعاً وأبى أن يقبل شيئاً منها أو أبى قَبولَ الحق.

القشيري

تفسير : هيَّأَ لهم أسبابَ المعيشة، وكما نَظَرَ إليهم وَرَزَقَهُم رَزَقَ دوابَّهم التي ينتفعون بها، وأَمَرَهُم أنْ يَتَقَووْا بما تَصِلُ إليه أيديهم، وأنْ ينتفِعُوا - ما أمكنهم - بأَنْعَامِهمِ لِيَكْمُلَ لديهم إنْعَامُهم.

اسماعيل حقي

تفسير : {كلوا} حال من ضمير فاخرجنا على ارادة القول اى اخرجنا منها اصناف النباتات قائلين كلوا منها اى من الثمار والحبوب ونحوهما {وارعوا} الرعى فى الاصل حفظ الحيوان اما بغذائه الحافظ لحياته او بذب العدو عنه اى اسيموا واسرحوا فيها: وبالفارسية [وبجرانيد]{انعامكم} وهى الابل والبقر والضأن والمعزاى اقصدوا بها الانتفاع بالذات وبالواسطة آذنين فى الانتفاع بها مبيحين بان تأكلوا بعضها وتعلفوا بعضها. قال فى التأويلات النجمية يشير الى ان السماء والماء والنبات والانعام كلها مخلوقة لكم ولولا احتياجكم للتعيش بهذه الاشياء بل بجميع المخلوقات ما خلقتها: قال المغربى قدس سره شعر : غرض توبى زوجود همه جهان ورنه لام تكوّن فى الكون كائن لولاك تفسير : {ان فى ذلك} المذكور من الشؤون والافعال الالهية من جعل الارض مهدا وسلك السبل فيها وانزال الماء واخراج اصناف النبات {لآيات} كثيرة جليلة واضحة الدلالة على الصانع ووحدته وعظيم قدرته وباهر حكمته {لاولى النهى} جمع نهية سمى بها العقل لنهيه عن اتباع الباطل وارتكاب القبيح كما سمى بالعقل والحجر لعقله وحجره عن ذلك لذوى العقول الناهية عن الاباطيل التى من جملتها ما تدعيه الطاغية وتقبله منهم الفئة الباغية وتخصيص اولى النهى مع انها آيات للعالمين باعتبار انهم المنتفعون بها.

الجنابذي

تفسير : {كُلُواْ وَٱرْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ} عديدةً دالّةً على علمه تعالى وقدرته وحكمته البالغة وعلى اهتمامه بشأن المواليد الارضيّة ولا سيّما بالاشرف منها وهو الانسان وعلى انّه لا يهمل الانسان بحسب بقائه فى الآخرة الّذى هو المقصود من خلقه فى الدّنيا بدون تهيّة اسباب بقائه وبدون من يدلّه على بقائه وما به بقاؤه بنحو المرضىّ له وليست الآيات لكلّ الموجودات لانّ بعضهم غنىّ عن اظهار الآيات كالملائكة، وبعضهم لا يدركون منها كونها آيات بل للانسان وليست لكلّ فرقة منه بل {لأُوْلِي ٱلنُّهَىٰ} الّذين حصّلوا بقبول الولاية واتّباع شروط عهده عقلاً يكون مرجعاً ومنتهى لكلّ الاعضاء والجوارح بحسب افعالها، ولكلّ القوى والمدارك بحسب آثارها، وناهياً للكلّ عمّا لا ينبغى، ومنتهى لعلوم السّابقين؛ وقد اشير فى الخبر الى كلّ وعلم من ذلك وجه تسمية هذا العقل بالنّهية، ولا يحصل هذا العقل الاّ بالولاية، لانّ من لم يتولّ ولّى امره تمكّن الشّيطان من عنقه، ومن تمكّن الشّيطان من عنقه لم يدعه على حالٍ ولم يذره على شأنٍ فلم يكن له جهة وحدة يرجع الكلّ اليها فكان كرجلٍ متشاكسٍ فيه رجالٌ والاصل فى الاتّصاف بالنّهى هم الائمّة (ع) ولذلك فسّروا اولى النّهى بانفسهم بطريق الحصر، والفرع فى ذلك شيعتهم وليس لغيرهم منه حظّ ونصيبٌ، وورد عن النّبىّ (ص) انّ خياركم اولو النّهى قيل: يا رسول الله ومن اولوا النّهى؟- قال: هم اولوا الاخلاق الحسنة والاحلام الرّزينة، وصلة الارحام والبررة بالامّهات والآباء والمتعاهدون للفقراء والجيران واليتامى ويطعمون الطّعام ويفشون السّلام فى العالم ويصلّون والنّاس نيام غافلون.

فرات الكوفي

تفسير : {إنّ في ذلك لآيات لأولي النهى 54و128} فرات قال: حدّثني جعفر بن محمد الفزاري معنعناً: عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله [تعالى. ر]: {إن في ذلك لآيات لأولي النهى}: قال: نحن والله أولي النهى ونحن قوام الله على خلقه وخزانه على دينه، نخزنه ونستره ونكتم به من عدونا كما اكتتم به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى أذن الله [له. ب] في الهجرة وجهاد المشركين، فنحن على منهاج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى يأذن الله تعالى بإظهار دينه بالسيف وندعو الناس إليه ونضربهم عليه عوداً كما ضربهم عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بدءاً.

اطفيش

تفسير : {كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ} مفعول لحال محذوفة وصاحبها ضمير أخرجنا أى قائلين: كلوا الخ، ولكن هذا القول عبارة عن الإذن وعدم المنع. أراد أن بعض النبات لكم، وبعضه علف لدوابكم. وأصل العبارة: هى صالحة للأكل والرعى وأخرج الكلام إلى الأمر؛ لأنه أهز للنفوس ومضمن للآن فى الأكل والرعى. قال بعضهم: من نعمة الله أنه جعل ما يخرج عن طعامنا كنوى التمر علفاً لدوابنا ولا يضيع. والأنعام: الإبل والبقر والغنم. {إنَّ فِى ذَلِكَ لآيَاتٍ لأُولِى النُّهَى} لأصحاب العقول الناهية عن اتباع الباطل أو النُّهى جمع نهية وهى العقل لنهيه عن القبائح كغرفة وغرف. وزعم بعضهم أن النُّهى: الورع.

اطفيش

تفسير : {كلُوا وارْعَوْا أنعامكم} مفعول لقول مستأنف، أى قلنا أو مفعول لحال من الضمير فى أخراجنا أى قائلين كلوا، أو لنعت أزواجا، أو معمول لنعت أزواجاً، أى مقولا فيها: كلوا، ورعى يتعدى كما فى الآية: ويلزم كما تقول رعت الدابة، ولا شىء من النبات يحرم إلا حوزة الطبيب، وحوزة الشرك، وجوزة هند، فقيل: تحرم، لأنها للسكر، وإلا الأفيون والشيكران والخشخاش كذلك، وإلا النبات الذى يشرب دخانه، فإنه سواء ما يسكر بمجرده أو يغيِّر العقل، وما يفعل ذلك باعتياده إذا انقطع. وأما الثوم والبصل والكراث فحلال لآل النبى صلى الله عليه وعلى كراهة خوف مضرة الناس، وحرام عليه صلى الله عليه وسلم، لأنه يلقى جبريل، ولم يكرههن بعض إلا أنه يجب علينا أن نحذر مضرة الناس، ولا نطعم الدابة نجساً أو مسكراً، وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : البطاطيخ أربعة: حلو ينبت اللحم، وطيب ينبت الشحم، وحامض يقتل الدود، ومر يقطع الباسور ". تفسير : {إن فى ذلك آيات لأولى النهى} أاشار إلى أقوال موسى وأفعاله وشئونه بإشارة البعد لعلو مرتبته فى الكمال والتنزيل عدم ذكر المشار إليه باسمه منزلة البعد الحسى، والمعنى آيات كثيرة عظام، ولذلك نكر، ولوضوح دلالتها على عظم أفعال الله وصفاته والنهى جمع نهيته بضم النون، وهى العقل سمى لأنه ينهى عن الباطل، كما سمى حجراً لأنه يحجر عنه. أى يمنع وعقلها لأنه يكف عنه. قيل وقد يجىء مفرداص، قيل ويجوز أن يكون مصدراً {منها} من الأرض لا من غيرها {خلقناكم} بخلق أبيكم منها، أو خلقناكم من النطفة المتولدة من الأغذية المتولدة من الأرض. وقيل: من التراب الذى يدفن فيه كل أحد، يؤخذ منه فيدر على نطفته، فهو مخلوق من التراب، والنطفة جزء من التراب الذى أخذ من موضع دفنه، وجزء من نطفة ابيه، وجزء من نطفة أمه، وقيل تراب نبينا محمد صلى الله عليه وسلم من الكعبة، ونقل فى الطوفان الى محل قبره الشريف. {وفيها نُعيدُكم} بالإماتة وتفريق الأجزاء غالباً، إذ من الناس من تأكله السباع، ومن يلقى فى البحر وأجساد الأنبياء، ومن يلتحق بهم ولا تفرق، واختار فى على الى للدلالة على طول المكث فى الأرض {ومنها نُخرجكم تارةً} مرة {أخرى} برد أرواحكم، وما فنى من أجسادكم بنفسه، المعنى أن لكم مرتين من فعلين مرة إدخال ومرة إخراج، أو اعتبر أن خلقهم من الأرض إخراج منها. فهو إخراج أول والثانى بعثهم، وما أصعب تقلب الأزمان بالإنسان. شعر : سقى الله أياماً لنا ولياليا مضت فجرت من ذكرهن دموع فياهل لها يوماً من الدهر أوبة وله لى الى أرض الحبيب رجوع

الالوسي

تفسير : وقوله تعالى: {كُلُواْ وَٱرْعَوْا أَنْعَـٰمَكُمْ } معمول قول محذوف وقع حالاً من ضمير {أية : فَأَخْرَجْنَا } تفسير : [طه: 53] أي أخرجنا أصناف النبات قائلين كلوا الخ أي معديها لانتفاعكم بالذات وبالواسطة آذنين في ذلك، وجوز أن يكون القول حالاً من المفعول أي أخرجنا أزواجاً مختلفة مقولاً فيها ذلك. والأول أنسب وأولى. ورعى كما قال الزجاج يستعمل لازماً ومتعدياً، يقال: رعت الدابة رعياً ورعاها صاحبها رعاية إذا أَسامها وسرحها وأراحها {إِنَّ فِى ذَلِكَ } إشارة إلى ما ذكر من شؤنه تعالى وأفعاله، وما فيه من معنى البعد للإيذان بعلو رتبته وبعد منزلته في الكمال، وقيل: لعدم ذكر المشار إليه بلفظه. والتنكير في قوله سبحانه {لآيَاتٍ } للتفخيم كماً وكيفاً أي لآيات كثيرة جليلة واضحة الدلالة على شؤون الله تعالى في ذاته وصفاته {لأُِوْلِى ٱلنُّهَىٰ } جمع نهية بضم النون سمي بها العقل نهيه عن اتباع الباطل وارتكاب القبيح كما سمي بالعقل والحجر لعقله وحجره عن ذلك. ويجيء النهي مفرداً بمعنى العقل كما في «القاموس» وهو ظاهر ما روي عن ابن عباس هنا فإنه قال: أي لذوي العقل، وفي رواية أخرى عنه أنه قال: لذوي التقى. ولعله تفسير باللازم. وأجاز أبو علي أن يكون مصدراً كالهدى والأكثرون على الجمع أي لذوي العقول الناهية عن الأباطيل وتخصيص كونها آيات بهم لأن أوجه دلالتها على شؤنه تعالى لا يعلمها إلا العقلاء ولذا جعل نفعها عائداً إليهم في الحقيقة فقال سبحانه: {كُلُواْ وَٱرْعَوْا } دون كلوا أنتم والأنعام.

د. أسعد حومد

تفسير : {أَنْعَامَكُمْ} {لآيَاتٍ} (54) - وَقَدْ أَخْرَجَ اللهُ تَعَالَى مِنْ نَبَاتِ الأَرْضِ مَا هُوَ لِطَعَامِكُمْ وَفَاكِهَتِكُمْ، وَمَا هُوَ لأَِقْوَاتِ أَنْعَامِكُمْ، تَأْكُلُهُ خَضِراً وَيَابِساً، وَقَدْ قَالَ اللهُ تَعَالَى لِلنَّاسِ: كُلُوا مِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ، وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ مِنْهُ، وَفِي كُلِّ ذَلِكَ دَلاَلاَتٌ وَحُجَجٌ وَبَراهِينُ لِذَوِي العُقُولِ السَّلِيمَةِ. لأِولِي النُّهَى - لأَِصْحَابِ العُقُولِ وَالبَصَائِرِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : (كُلُوا): تدل على أن الخالق عز وجل خلق الحياة، وخلق مقومات الحياة، وأولها القوت من الطعام والشراب، وهذه المقوّمات تناسبت فيها الملكية مع الأهمية، فالقوت أولاً، ثم الماء، ثم الهواء. فأنت تحتاج الطعام وتستطيع أن تصبر عليه شهراً على قَدْر ما يختزن في جسمك من شحم ولحم، يتغذّى منها الجسم في حالة فقد الطعام؛ لأنك حين تأكل تستهلك جزءاً من الطعام في حركتك، ثم يُختزن الباقي في صورة دهون هي مخزن الغذاء في الجسم، فإذا ما نفد الدُّهْن امتصَّ الجسم غذاءه من اللحم، ثم من العظم، فهو آخر مخازن الغذاء في جسم الإنسان. لذلك لما أراد سيدنا زكريا عليه السلام أن يعبر عن ضعفه، قال: {أية : رَبِّ إِنَّي وَهَنَ ٱلْعَظْمُ مِنِّي ..}تفسير : [مريم: 4]. لذلك تجد كثيراً ما يُتملّك الغذاء؛ لأنك تصبر عليه مدة طويلة تُمكِّنك من الاحتيال في طلبه، أو تُمكِّن غيرك من مساعدتك حين يعلم أنك محصور جوعان. أما الماء فلا تصبر عليه أكثر من ثلاثة أيام إلى عشرة؛ لذلك قليلاً ما يُملِّك الماء لأحد. أما الهواء فلا تصبر عليه أكثر من نفَس واحد، فمن رحمة الله بعباده ألاَّ يُملِّك الهواء لأحد، وإلاّ لو غضب عليك صاحب الهواء، فمنعه عنك لمتّ قبل أنْ يرضى عنك، وليس هناك وقت تحتال في طلبه. وقوله تعالى: {وَٱرْعَوْا أَنْعَامَكُمْ ..} [طه: 54] لأنها تحتاج أيضاً إلى القُوت، وقال تعالى في أية أخرى: {أية : مَتَاعاً لَّكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ}تفسير : [النازعات: 33] ثم يصبّ الجميع في أن يكون متاعاً للإنسان الذي سخّر الله له كل هذا الكون. وقوله تعالى: {إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ لأُوْلِي ٱلنُّهَىٰ} [طه: 54]. آيات: عجائب. والنُّهَى: جمع نُهية مثل قُرَبْ جمع: قُرْبة. والنُّهَى: العقول، وقد سمّاها الله تعالى أيضاً الألباب، وبها تتم عملية التدبير في الاختيارات. والعقل من العقال الذي تعقل به الدابة حتى لا تشرد منك، وكذلك العقل لم يُخلَق لك كي تشطح به كما تحب، إنما لتعقل غرائزك، وتحكمها على قَدْر مهمتها في حياتك، فغريزة الأكل مثلاً لبقاء الحياة، وعلى قَدّْر طاقة الجسم، فإنْ زادت كانت شراهة مفسدة. وقد جُعل حُبُّ الاستطلاع للنظر في الكون وكَشْف أسراره وآيات الله فيه، فلا ينبغي أنْ تتعدّى ذلك، فتتجسس على خَلْق الله. وسُمِّيَتْ العقول كذلك النُّهَى، لأنها تنهى عن مثل هذه الشطحات. إذن: فلا بد للإنسان من عقل يعقل غرائزه، حتى لا تتعدى المهمة التي جُعلَتْ لها، ويُوقِفها عند حَدِّها المطلوب منها، وإلا انطلقتْ وعربدتْ في الكون، لا بُدَّ للإنسان من نُهية تنهاه وتقول له: لا لشهوات النفس وأهوائها، وإلاّ فكيف تُطلِق العنان لشهواتك، ولست وحدك في الكون؟ وما الحال لو أطلق غيرك العنان لشهواتهم؟ وسُمِّي العقل لُبّاً، ليشير لك إلى حقائق الإشياء لا إلى قشورها، ولتكون أبعد نظراً. وأعمق فكراً في الأمور. فحين يأمرك أن تعطي شيئاً من فضل مالك للفقراء، فسطحية التفكير تقول: لا كيف أتعب وأعرق في جمعه، ثم أعطيه للفقير؟ وهو لم يفعل شيئاً؟ أما حين تتعمق في فَهْم الحكمة من هذا الأمر تجد أن الحق - تبارك وتعالى - قال لك: أعط المحتاجين الآن وأنت قادر حتى إذا ما احتجتَ تجد مَنْ يعطيك، فقد يصير الغني فقيراً، أو الصحيح سقيماً، أو القوي ضعيفاً، فهذه سنة دائرة في الخَلْق متداولة عليهم. وحين تنظر إلى تقييد الشرع لشهواتك، فلا تنسَ أنه قيَّد غيرك أيضاً بنفس المنهج وبنفس التكاليف. فحين يقول لك: لا تنظر إلى محارم الناس وأنت فرد فهو في نفس الأمر يكون قد أمر الناس جميعاً ألاّ ينظروا إلى حرماتك. وهكذا جعل الخالق عز وجل آلة العقل هذه، لا لنعربد بها في الكون، إنما لنضبط بها الغرائز والسلوك، ونحرسها من شراسة الأهواء، فيعتدل المجتمع ويسْلَم أفراده. وإلاَّ فإذا سمحتَ لنفسك بالسرقة، فاسمح للآخرين بالسرقة منك!! إذن: فمن مصلحتك أنت أنْ يوجد تقنين ينهاك، ومنهج يُنظِّم حياتك وحياة الآخرين. والحق سبحانه يقول: {مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {لأُوْلِي ٱلنُّهَىٰ} يعني لأُولي العُقُولِ. واحدُها نُهْيةٌ.