Verse. 2403 (AR)

٢٠ - طه

20 - Ta-Ha (AR)

مِنْہَا خَلَقْنٰكُمْ وَفِيْہَا نُعِيْدُكُمْ وَمِنْہَا نُخْرِجُكُمْ تَارَۃً اُخْرٰى۝۵۵
Minha khalaqnakum wafeeha nuAAeedukum waminha nukhrijukum taratan okhra

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«منها» أي من الأرض «خلقناكم» بخلق أبيكم آدم منها «وفيها نعيدكم» مقبورين بعد الموت «ومنها نخرجكم» عند البعث «تارة» مرة «أخرى» كما أخرجناكم عند ابتداء خلقكم.

55

Tafseer

المحلي و السيوطي

تفسير : {مِنْهَا } أي من الأرض {خَلَقْنَٰكُمْ } بخلق أبيكم آدم منها {وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ } مقبورين بعد الموت {وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ } عند البعث {تَارَةً } مرّة {أُخْرَىٰ } كما أخرجناكم عند ابتداء خلقكم.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ} يريد من الأَرض {وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ} أَيْ: بالموت، والدفن. {وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ} أيْ: بالبعث ليوم القيامة. وقوله: {وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا} إخبار لنبيِّنا محمد صلى الله عليه وسلم. وقوله {كُلَّهَا} عائد على الآيات التي رآها فرعون، لا أنه رأى كلَّ آية للَّه عز وجل وإنما المعنى: أن اللَّه أراه آيات ما؛ كاليد، والعصا، والطّمْسة، وغير ذلك. وكانت رؤيتُه لهذه الآياتِ مستوعبة يرى الآياتِ كلَّها كاملةً. ومعنى {سُوىً} أَيْ: عَدْلاً ونصفَه، أي: حالنا فيه مُستَوِيَة. وقالت فرقة: معناه مستوياً من الأرض؛ لا وهْدَ فيه، ولا نشز، فقال موسَى: {موعدكم يوم الزينة} وروي. أَنَّ يوم الزينة كان عيداً لهم، ويوماً مشهوراً. وقيل: هو يوم كسر الخليج الباقي إلى اليوم. وقوله: {وَأَن يُحْشَرَ ٱلنَّاسُ} عطفاً على {ٱلزِّينَةِ}؛ فهو في موضع خفض. {فَتَوَلَّىٰ فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ} أي: جمع السحرةَ، وأمرهم بالاِسْتعدَادِ لموسى، فهذا هو كيدُه. {ثُمَّ أَتَىٰ} فرعونُ بجمعه، فقال موسى للسحرة: {وَيْلَكُمْ لاَ تَفْتَرُواْ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً} وهذه مُخَاطَبةُ مُحَذّر، وندبَهم في هذه الآية إلى قول الحق إذا رأوه، أَلاَّ يباهتوا بكذب؛ {فَيُسْحِتَكُم} أيّ: فيهلككم، ويذهبكم، فلما سمع السَّحَرَةُ هذه المقالةَ، هالهم هذا المنزع، ووقع في نفوسهم من هَيْبتِه شديد الموقع. و {تَنَازَعُوۤاْ أَمْرَهُمْ} والتنازُعُ يقتضي ٱختلافاً كان بينهم في السرِّ؛ فقائلٌ منهم يقول: هو محقٌّ، وقائل يقول: هو مُبْطل، ومعلوم أن جميع تناجيهم إنما كان في أمر موسى عليه السلام و {ٱلنَّجْوَىٰ} المسارة، أي: كل واحد يناجي مَنْ يليه سِرّاً؛ مخافةً من فرعون أن يتبين له فيهم ضعف. وقالت فرقة: إنما كان تناجِيهم بالآية التي بعد هذا. {إِنْ هَـٰذَانِ لَسَـٰحِرَٰنِ} قرأ نافعٌ، وابنُ عامرٍ، وحمزةُ والكسائيُّ: «إنَّ هذان لساحران» فقالت فرقةٌ: قوله: «إِن» بمعنى: نعم؛ كما قال صلى الله عليه وسلم إن الحمدُ للَّه، برفع الحمد. وقالت فرقةٌ: إنّ هذه القراءةَ على لغةِ بَلْحَارِث بن كعْب، وهي إبقاء ألف التثنية في حال النَّصْبِ، والخِفْضِ، وتُعْزىٰ هذه اللغة لكِنَانةَ، وتُعْزى لخثْعَم. وقال الزجاج: في الكلام ضميرٌ تقديره: إنه هذان لساحران وقرأ أبو عَمْرو وَحْدَه: «إنَّ هَذَيْنِ لَسَاحِرَانِ». وقرأ ابنُ كثيرٍ: «إنْ هَذَانِّ لسَاحِرَانِّ» بتخفيف إنَّ، وتشديد نون هذان لساحران. وقرأ حفصٌ عن عاصِمٍ: «إنْ» بالتخفيف «هَذَانِ» خفيفة أَيْضاً «لَسَاحِرَانِ». وعبّر كَثيرٌ من المفسرين عن الطريقة بالسادة أهْل العَقْل والحِجَا؛ وحكوا أن العرب تقول: فلانٌ طريقَةُ قومِه، أيْ: سيدهم، وإلا ظهر في الطريقة هنا أَنها السِّيرة، والمملكة، والحال الَّتي كانُوا عليها. و {المُثْلَىٰ} تأنِيث أَمثل، أي: الفاضلة الحسنة. وقرأَ جمهورُ القرَّاء: «فأَجْمِعوا»: بقطْع الهمزة، وكسْرِ الميم؛ على معنى: ٱنفذُوا، وٱعزِمُوا. وقرأ أو عمرو وَحْدَهُ «فَٱجْمَعُوا» من جمع، أي: ضموا سِحْركم بعضه إلى بعض. وقوله {صفا} أي: مصطفين، وتداعوا إلى هذا؛ لأنه أهْيب، وأظهر لهم، {وأفْلَحَ} معناه: ظفر بِبُغْيَته، وباقي الآية بيِّن مما تقدم.

البقاعي

تفسير : ولما أخبر سبحانه وتعالى عما خلق في الأرض من المنافع الدالة على تمام علمه وباهر قدرته، على وجه دالّ على خصوص القدرة على البعث، وكان من الفلاسفة تناسخيتهم وغيرهم من يقر الله بالوحدانية ولا يقر بقول أهل الإسلام: إن الروح جسم لطيف سار في الجسم سريان النار في الفحم، بل يقول: إنها ليست بجسم ولا قوة في جسم ولا صورة لجسم وليست متصلة به اتصال انطباع ولا حلول فيه، بل اتصال تدبير وتصرف، وأنها إذا فارقت البدن اتصلت بالروحانيين من العالم العقلي الذي هو عالم المجردات وانخرطت في سلك الملائكة المقربين، أو اتصلت ببعض الأجرام السماوية من كوكب أو غيره كاتصالها بالبدن الأول وانقطع تعلقها به فلم تعد إليه حتى ولا يوم البعث عند من يقول منهم بالحشر، وصل بذلك قوله تعالى، يرد عليهم، معبراً بالضمير الذي يعبر به الهيكل المجتمع من البدن والنفس: {منها} أي الأرض لا من غيرها {خلقناكم} إذ أخرجناكم منها بالعظمة الباهرة في النشأة الأولى بخلق أبيكم آدم عليه السلام {وفيها} لا في غيرها كما أنتم كذلك تشاهدون {نعيدكم} بالموت كذلك أجساماً وأرواحاً، فتصيرون تراباً كما كنتم، وللروح مع ذلك وأن كانت في عليين تعلق ببدنها بوجه ما، يدرك البدن به اللذة بالتذاذها والألم بتألهما، وقد صح أن الميت يقعد في قبره ويجيب سؤال الملكين عليهما السلام، لا يقدر أحد منكم أن يخلص من تلك العظمة المحيطة بجليل عظمته ولا بدقيق حكمته {ومنها} لا من غيرها {نخرجكم} يوم البعث بتلك العظمة بعينها {تارة أخرى*} كما بدأناكم أول مرة مثل ما فعلنا في النبات سواء، فقد علم أن هذا فعل الواحد المختار، لا فعل الطبائع، فمرة جعلكم أحياء من شيء ليس له أصل في الحيوانية أصلاً، وكرة ردكم إلى ما كنتم عليه قبل الحياة تراباً لا روح فيه ولا ما يشبهها، فلا ريب أن فاعل ذلك قادر على أن يخرجكم منها أحياء كما ابتدأ ذلك، بل الإعادة أهون في مجاري العادة. ولما كان ما ذكر مما علق بالأرض من المرافق وغيره على غاية من الوضوح، ليس وراءها مطمح، فكان المعنى: أرينا فرعون هذا الذي ذكرنا لكم من آياتنا وغيره، وكان المقام لتعظيم القدرة، عطف عليه قوله: {ولقد أريناه} أي بالعصا واليد وغيرهما مما تقدم من مقتضى عظمتنا {آياتنا} أي التي عظمتها من عظمتنا {كلها} بالعين والقلب لأن من قدر على مثل ذلك فهو قادر على غيره من أمثاله من خوارق العادات، لأن الممكنات بالنسبة إلى قدرته على حد سواء، لا سيما والذي ذكر أمهات الآيات كما سيومأ إليه إن شاء الله تعالى في سورة الأنبياء {فكذب} أي بها {وأبى*} أي أن يرسل بني إسرائيل؛ وهذا أبلغ من تعديد ما ذكر في الأعراف، فكأنه قيل: كيف صنع في تكذيبه وإبائه؟ فقيل: {قال} حين لم يجد مطعناً مخيلاً للقبط بما يثيرهم حمية لأنفسهم لأنه علم حقية ما جاء به موسى وظهوره، وتقبل العقول له، فخاف أن يتبعه الناس ويتركوه، ووهن في نفسه وهناً عظيماً بتأمل كلماته مفردة ومركبة يعرف مقداره: {أجئتنا لتخرجنا من أرضنا} هذه التي نحن مالكوها {بسحرك يا موسى*} فخيل إلى أتباعه أن ذلك سحر، فكان ذلك - مع ما ألفوه من عادتهم في الضلال - صارفاً لهم عن اتباع ما رأوا من البيان، ثم وصل بالفاء السببية قوله مؤكداً إيذاناً بعلمه أن ما أتى به موسى ينكر كل من يراه أن يقدر غيره على معارضته: {فلنأتينك} أي والإله الأعظم! بوعد لا خلف فيه {بسحر مثله} تأكيداً لما خيل به؛ ثم أظهر النصفة والعدل إيثاقاً لربط قومه فقال: {فاجعل بيننا وبينك موعداً} أي من الزمان والمكان {لا نخلفه} أي لا نجعله خلفنا {نحن ولا أنت} بأن نقعد عن إتيانه. ولما كان من الزمان والمكان لا ينفك عن الآخر قال: {مكاناً} وآثر ذكر المكان لأجل وصفه بقوله: {سوى *} أي عدلاً بيننا، لا حرج على واحد منا في قصده أزيد من حرج الآخر، فانظر هذا الكلام الذي زوقه وصنعه ونمقه فأوقف به قومه عن السعادة واستمر يقودهم بأمثاله حتى أوردهم البحر فأغرقهم، ثم في غمرات النار أحرقهم، فعلى الكيس الفطن أن ينقد الأقوال والأفعال، والخواطر والأحول، ويعرضها على محك الشرع: الكتاب والسنة، فما وافق لزمه وما لا تركه. ولما كان مجتمع سرورهم الذي اعتادوه حاوياً لهذه الأغراض زماناً ومكاناً وغيرهما، اختاره عليه السلام لذلك، فاستؤنف الخبر عنه في قوله تعالى: {قال موعدكم} أي الموصوف {يوم الزينة} أي عيدكم الذي اعدتم الاجتماع فيه في المكان الذي اعتدتموه، فآثر هنا ذكر الزمان وإن كان يتضمن المكان لما فيه من عادة الجمع كما آثر فيما تقدم المكان لوصفه بالعدل {وأن يحشر} بناه للمفعول لأن القصد الجمع، لا كونه من معين {الناس} أي إغراء ولو بكره {ضحى*} ليستقبل النهار من أوله، فيكون أظهر لما يعمل وأجلى، ولا يأتي الليل إلا وقد قضي الأمر، وعرف المحق من المبطل، وأنتم أجمع ما تكونون وأفرغ، فيكل حد المبطلين وأشياعهم، والمتكبرين على الحق وأتباعهم، ويكثر المحدث بذلك الأمر العلم في كل بدو وحضر، ويشيع في جميع أهل الوبر والمدر {فتولى فرعون} عن موسى إلى تهيئة ما يريد من الكيد بعد توليه عن الانقياد لأمر الله {فجمع كيده} أي مكره وحيلته وخداعه، الذي دبره على موسى بجمع من يحصل بهم الكيد، وهم السحرة، حشرهم من كل أوب، وكان أهل مصر أسحر أهل الأرض وأكثرهم ساحراً، وكانوا في ذلك الزمان أشد اعتناء بالسحر وأمهر ما كانوا وأكثر {ثم أتى *} للميعاد الذي وقع القرار عليه بمن حشره من السحرة والجنود ومن تبعهم من الناس، مع توفر الدواعي على الإتيان للعيد، والنظر إلى تلك المغالبة التي لم يكن مثلها.

السيوطي

تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن المنذر، عن عطاء الخراساني قال‏:‏ إن الملك ينطلق فيأخذ من تراب المكان الذي يدفن فيه، فيذره على النطفة فيخلق من التراب ومن النطفة، وذلك قوله منها خلقناكم وفيها نعيدكم‏.‏ وأخرج أحمد والحاكم، عن أبي أمامة قال‏:‏ ‏حديث : لما وضعت أم كلثوم بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في القبر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏ {‏منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى‏}‏ ‏"بسم الله وفي سبيل الله وعلى ملة رسول الله"‏ ‏‏. تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏ {‏تارة أخرى‏} ‏ قال مرة أخرى‏. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، ن مجاهد رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏ {‏مكاناً سوى‏} ‏ قال‏:‏ منصفاً بينهم‏. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد، عن قتادة رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏ {‏مكاناً سوى‏} ‏ قال‏:‏ نصفاً بيني وبينك‏. وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏ {‏مكاناً سوى‏} ‏ قال‏:‏ عدلا‏ً. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏{‏مكاناً سوى‏} ‏ قال‏:‏ مكاناً مستوياً يتبين الناس سواء فيه. لا يكون صوت، ولا شيء يتغيب بعض ذلك، عن بعض مستوحين يرى‏.

السلمي

تفسير : قال - قيل ليحيى بن معاذ: ما بال الإنسان يحب الدنيا. قال فحق له أن يحبها منها خلق فهى أمه، وفيها نشأ فهى عيشه، ومنها قد رزقه فهى حياته، وفيها يعاد، وهى ممر الصالحين إلى الله فكيف لا يحب طريقًا يأخذ بسالكه إلى جوار ربه.

القشيري

تفسير : إذ خَلَقْنا آدمَ من الترابِ، وإذ أخْرَجْناكم من صُلبه... فقد خَلْقْنَاكم من الترابِ أيضاً. والأجسادُ قوالِبُ والأرواحُ ودائعُ، والقوالب نسبتها التُّربة، والودائع صفتها القُرْبة، فالقوالب يزِّينها بأفضاله، والودائع يحييها بكشف جلاله ولطف جماله. وللقوالب اليوم اعتكافٌ على بِساط عبادته، وللودائع اتصافٌ بدوام معرفته.

البقلي

تفسير : الاشارة فيه الى الاجسام والهياكل لان الارواح من عالم الملكوت ولولا انها ستر لها الحق بقوالب ترابية لملات الاكوان والحدثان من روح واحدة ولاحترق الجميع فى انوارها ان الله سبحانه صوّع من اكسير الارض سبايك الاشباح لمعادن الافراح ورباها بنظام تجلى جماله وجلاله بقوله واشرقت الارض بنور ربها بها فلما حملت الارواح فى ميادين العبودية حتى طارت منها الارواح الى عالم الربوبية بقيت السبايك فى معادنها الزوائد تربية ربها فلما تمت التربية ربها ظلما تمت التربية لها من نور فعل الحق صارت الهياكل والارواح على لغوت الروحانية ولا يقوم الارض بحملها بعد ذلك ويكون موضعها عالم الغيب نعم التراب يا عاقل هو معادن نور الفعل ومصدر خاصية القبضة الجبروتية ما اشرف هذه الطينة حيث تخمرت بقبض الازل والابد كان معدنها معدن ملك الصفات ورجوعنا من الصفات الى عالم الذات الا ترى كيف قال سبحانه فى اصل خلقتنا وخلقت بيدى ونفخت فيه من روحى فصدرتما من الصفة لرؤية الذات وصدرنا من الذات للعلم بالصفات انظر كيف قال لحبيبه عليه السّلام ان الذى فرض عليك القرأن لرادك الى معاد الله الله لا تظن حديث النسطورية والافروقية التى قول بالثالث والثلاث فانهم فى غلط الخيالات وقعوا فى انقسام الجزئيات من الكليات فنحن وقعنا من زنود تجلى القدم فى العدم فكنا معدومين ونكون معدومين ونحن فى وجودنا معدومون من حيث الحقيقة لان من ليس وجوده منه وبقاؤه به معدوم من حيث الحقيقة والمعدوم يكون معدوماً كما لم يكن فى العدم والقديم لا يزال كما لا يزل فى القدم فمنها خلقنا كم وقع على تراب العدم الذى فى قبضة القدم قيل ليحيى بن معاذ ما بال الانسان يحب الدنيا قال حق له ان يحبها منها خلق وهى امه وفيها نشأ فهى عيشه ومنها قد قدر رزقه فهى حيوته فيها يعاد فهى كفاية وفيها كسب الجنة فهى مبدأ سعادته وهى ممر الصالحين الى الله فكيف لا يحب طريقا يأخذ بسالكه الى جوار ربّه.

اسماعيل حقي

تفسير : {منها} اى من الارض. وفى التأويلات النجمية من قبضة التراب التى امر الله تعالى عزرائيل ان يأخذها من جميع الارض {خلقناكم} بوساطة اصلكم آدم والا فمن عدا آدم وحواء مخلوق من النطفة واصل الخلق التقدير المستقيم ويستعمل فى ابداع الشئ من غير اصل ولا احتذاء قال تعالى {أية : خلق السموات والارض}تفسير : ويستعمل فى ايجاد الشئ من الشىء كما فى هذا المقام {وفيها نعيدكم} عند الموت بالدفن فى الموضع الذى اخذ ترابكم منه وايثار كلمة فى للدلالة على الاستقرار والعود الرجوع الى الشئ بعد الانصراف عنه اما انصراف بالذات او بالقول والعزيمة واعادة الشئ كالحديث وغيره تكريره {ومنها نخرجكم تارة اخرى} اى عند البعث بتأليف الاجزاء وتسوية الاجساد ورد الارواح للحساب والجزاء وكون هذا الاخراج تارة اخرى باعتبار ان خلقهم من الارض اخراج لهم منها وان لم يكن على نهج التارة المثانية. والتارة فى الاصل اسم للتور الواحد وهو الجريان ثم اطلق على كل فعلة واحدة من الفعلات المتجددة كما مر فى المرة: قال الحكيم فردوسى شعر : بخاكت در آرد خداوند باك دكرره برون آرد از زير خاك بدان حال كايى بخاك اندرون بدان كونه از خاك آيى برون اكر باك درخاك كيرى مقام برآيى از وباك وباكيزه نام تفسير : عن ابن عباس رضى الله عنه حديث : ان جبريل جاء الى النبى عليه السلام فقال يا محمد ان ربك يقرئك السلام وهو يقول مالى اراك مغموما حزينا قال عليه السلام "يا جبريل طال تفكرى فى امر امتى يوم القيامة" قال أفى امر اهل الكفر ام فى امر اهل الاسلام فقال "يا جبريل فى امر اهل لا اله الا الله محمد رسول الله" فاخذ بيده حتى اقامه الى مقبرة بنى سلمة ثم ضرب بجناحه الايمن على قبر ميت فقال قم باذن الله فقام رجل مبيض الوجه وهو يقول لا اله الا الله محمد رسول الله فقال جبريل عد الى مكانك فعاد كما كان ثم ضرب بجناحه الايسر فقال قم باذن الله فخرج رجل مسود الوجه ازرق العينين وهو يقول واحسرتاه واندامتاه فقال له جبريل عد الى مكانك فعاد كما كان ثم قال يا محمد على هذا يبعثون يوم القيامة وعند ذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "تموتون كما تعيشون وتنبعثون كما تموتون " تفسير : قيل ليحيى بن معاذ رضى الله عنه ما بال الانسان يحب الدنيا قال حق له ان يحبها منها خلق وهى امه ومنها عيشه ورزقه فهى حياته وفيها يعاد فهى كفاته وفيها كسب الجنة فهى مبدأ سعادته وهى ممر الصالحين إلى الله تعالى فكيف لا يحب طريقاً يأخذ بسالكه الى جوار ربه. واعلم ان من صفة الارض الطمأنينة والسكون لفوزها بوجود مطلوبها فكانت اعلى مرتبة فى عين السفل وقامت بالرضى فمقامها رضى وحالها تسليم ودينها اسلام وهكذا الانسان الكامل فى الدنيا فان الله تعالى قد صاغه من قالب الارض وهووان كان ترابى الاصل لكن طرح عليه اكسير الروح الاعظم فاذا طار الروح بقيت سبيكة الجسد على حالها كالذهب الخالص اذ لا تبلى نفوس الكمل. قال فى اسئلة الحكم الأكثرون على تفضيل الارض على السماء لان الانبياء خلقوا من الارض وعبدوا فيها ودفنوا فيها وان الارض دار الخلافة ومزرعة الآخرة واما الارض الاولى فقال بعضهم انها افضل لكونها مهبط الوحى ومشاهد الانبياء وللانتفاع بها ولاستقرار الخلفاء عليها وغيرها من الفضائل انتهى. يقول الفقير كان الظاهر ان تفضل السماء لكونها مقر الارواح العالية ولذا يبقى الجسد هنا بعد الوفاة ويعرج الروح ولكن فضل الارض لان اسباب العروج انما حصلت بالآلات الجسدانية وهى من الارض ولذا جعل عليه السلام الصلاة من الدنيا فى قوله "حديث : حببت الىّ من دنياكم ثلاث الطيب والنساء وقرة عينى فى الصلاة"تفسير : وذلك لان صورة الصلاة التى هى الافعال والاذكار تحصل بالاعضاء والجوارح التى هى من الدنيا وعالم الملك وان كان القلب والتوجه من عالم الملكوت نسأل الله تعالى ان يجعلنا من المتحققين بحقائق الارض والمعرضين عن كل طول وعرض.

الجنابذي

تفسير : {مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ}. اعلم، انّ المخاطب من كلّ مخاطب هو الفعليّة الاخيرة هى الصّورة الّتى هو بها هو، لا الفعليّة السّابقة الفانية المستهلكة تحت الفعليّة الاخيرة لكنّ الفعليّة الاخيرة بحكم الاحاطة والمعيّة مع كلّ الفعليّات السّابقة كانت متّحدةً، ويجوز ان يجرى عليها حكم تلك الفعليّات فصحّ ان يخاطب الانسان ويحكم عليه بحكم مادّته الّتى هى مخلوقة من الارض باعتبار غلبة جزئها الارضىّ والاّ فهى مخلوقة من العناصر الاربعة، وخلق مادّة الانسان من الارض وعوده اليها ظاهرٌ، وخروجها منها بعد عودها اليها باعتبار كونها مادّةً لهذا الانسان خفىّ غير ظاهر، نعم مادّة الانسان تخرج من الارض وتجعل مادّةً لمواليد اُخر او لاناسىّ آخرين تاراتٍ اخر بل كرّاتٍ غير متناهية لكن نقول: انّ الانسان له مراتب دانية طبيعيّة ومراتب عالية روحانيّة، والانسانيّة لسعتها واحاطتها متّحدة مع الكلّ وصادقة عليها كما انّ القرآن له مصاديق دانية طبيعيّة ومصاديق عالية روحانيّة، وانّ المنظور من الانسان كالقرآن هى المصاديق الرّوحانيّة والمصاديق الطّبيعيّة منظورة بالتّبع وكما انّ المرتبة الطّبيعيّة من الانسان خلقت من الارض الطّبيعيّة كذلك المرتبة البرزخيّة والمثاليّة منه خلقت من التّراب العلّيّينىّ البرزخىّ المثالىّ او السّجّينىّ البرزخىّ، فصحّ ان يقول الله تعالى: من الارض البرزخيّة او المثاليّة خلقناكم {وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ} بعد موتكم الطّبيعىّ {وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَىٰ} بعد الانتهاء الى الاعراف من البرزخ، وقد ورد انّه سئل ابو ابراهيم (ع) عن الميّت لم يُغسّل غسل الجنابة؟- فقال: انّ الله تبارك وتعالى أعلى وأخلص من ان يبعث الاشياء بيده انّ لله تبارك وتعالى ملكين خلاّقين فاذا اراد ان يخلق خلقاً امر اولئك الخلاّقين فأخذوا من التّربة الّتى قال الله عزّوجلّ فى كتابه: منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارةً اخرى فعجنوها بالنّطفة المسكنة فى الرّحم فاذا اعجنت النّطفة بالتّربة قالا: يا ربّ مانخلق؟- قال (ع) فيوحى الله تبارك وتعالى ما يريد ذكراً وانثى مؤمناً او كافراً اسود وابيض شقيّاً او سعيداً، فاذا مات سالت عنه تلك النّطفة بعينها لا غير، فمن ثمّ صار الميّت يغسّل غسل الجنابة، وهذا الخبر يشعر بما ذكرناه من التّربة البرزخيّة فانّ التّربة الّتى تعجن بالنّطفة فى الرّحم او بعد اربعين يوماً من نزولها فى الرّحمم ليست الاّ التّربة البرزخيّة فانّ النّطفة لها كيفيّة استعداديّة لحصول الجسد البرزخىّ والمثالىّ فيها، وبهذا الاستعداد يخلق الانسان الّذى هو امر روحانىّ فيها، ولولا هذا الاستعداد لكان النّطفة غير قابلة للصّورة الانسانيّة ولا لروحانيّتها، والموت صفة طارية لبدن الانسان والاّ فجهاته الرّوحانيّة حيّة لا يطروها الموت والخارج من بدن الانسان حين موته ليس الاّ روحه واستعداد النّطفة لقبول روحه والتّربة المثاليّة فقوله (ع) فى الخبر: فاذا مات يعنى اذا مات مرتبة الانسان الطّبيعيّة وقوله: سالت عنه، يعنى عن تلك المرتبة الطّبيعيّة تلك النّطفة يعنى تلك المعجونة بالتّربة البرزخيّة من حيث اعتجانها واستعدادها لا من حيث ارضيّتها الطّبيعيّة وقد ورد بمضمون هذا الخبر عنهم (ع).

الهواري

تفسير : قوله: {مِنْهَا} أي من الأرض {خَلَقْنَاكُمْ} يعني خلق آدم {وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى}. ذكروا عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : إن خلق أحدكم ليجمع في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثم يكون علقة أربعين يوماً ثم يكون مضغة أربعين يوماً. ثم يؤمر الملك أن يكتب أربعاً: رزقه وعمله وأثره وشقياً أو سعيداً. والذي لا إله إلا هو إن العبد ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبين الجنة إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها. وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبين النار إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها . تفسير : وقال بعضهم: إنه يؤخذ من تربة الأرض التي يموت فيها فيخلط بخلقه، أو فتذرى على خلقه؛ وهو قوله تعالى: {مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى}. قوله: {وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ ءَايَاتِنَا كُلَّهَا} أي: التسع الآيات التي قال عنها في سورة بني إسرائيل: (أية : وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ ءَايَاتٍ بَيِّنَاتٍ) تفسير : [الإسراء: 101] وهي يده وعصاه والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم (أية : وَلَقَدْ أَخَذْنَآ ءَالَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِّنَ الثَّمَرَاتِ) تفسير : [الأعراف: 130]. وبعضهم يحقّق أن السنين ونقصاً من الثمرات آية واحدة، وطريقاً في البحر يبساً تمام التسع الآيات. قوله عز وجل: {فَكَذَّبَ وَأَبَى} أي: فكذّب بها كلِّها وأبى أن يؤمن.

اطفيش

تفسير : {مِنْهَا} من الأرض، وقدم حصرا واعتناء. {خَلَقْنَاكُمْ} لما كان التراب أصل مواد أبداننا لأن أبانا آدم خلق منه قال: خلقناكم منها، أو يقدر مضاف أى خلقنا إياكم، وما صَدَق الوجهين واحد، أو معنى خلقه إيانا منها: ما روى أن الملَك يأخذ من التراب الذى يدفن فيه الإنسان فيبدده على النطفة فهو من تراب ونطفة، فالتقديم للاعتناء فقط أو للحصر الإضافى أى ما خلقناكم إلا من تراب أى مع نصفة ولم نخلقكم من غير التراب مع النطفة. وإن أريد بالخلق منها كونهم فرعاً عمن خلق منها كما مر وكون نطفهم مخلوطة بتراب مدافنهم كان جمعاً بين الحقيقة والمجاز، أو من عموم المجاز. وإن أريد خلط النطف بالتراب مع تقدير المضاف فليس فيه الجمع بين الحقيقة والمجاز المختلف فى جوازه؛ لأن حذف المضاف مجاز بالحذف لا مجاز مرسل ولا بالاستعارة. {وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ} قدم الظرف للحصر والاعتناء، أى ما تقبرون إلا فيها. وذلك تعديد لما تعلق بالأرض من المنافع: جعلها فراشاً لهم، وجعل لهم فيها مسالك، وأنبت فيها أقواتهم وعلوفات بهائمهم، وهى أصلهم الذى تفرعوا منه، وكِفانُهم إذا ماتوا. ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : تمسحوا بالأرض فإنها بكم برَّة"تفسير : . إشارة إلى أنها أم برة بالولد. {وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ} بالبعث بتأليف الأجزاء المفتتة الفانية على الصورة السابقة ورد الأرواح إليها {تَارَةً} مرة. {أُخْرَى} مقابل لقوله: {منها خلقناكم} فإن خلقهم منها هو الإخراج الأول منها.

الالوسي

تفسير : {مِنْهَا } أي من الأرض. {خَلَقْنَـٰكُمْ } أي في ضمن خلق أبيكم آدم عليه السلام منها فإن كل فرد من أفراد البشر له حظ من خلقه عليه السلام إذا لم تكن فطرته البديعة مقصورة على نفسه عليه السلام بل كانت أنموذجاً منطوياً على فطرة سائر أفراد الجنس انطواء إجمالياً مستتبعاً لجريان آثارها على الكل فكان خلقه عليه السلام منها خلقاً للكل منها، وقيل: / المعنى خلقنا أبدانكم من النطفة المتولدة من الأغذية المتولدة من الأرض بوسائط. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عطاء الخراساني قال: إن الملك ينطلق فيأخذ من تراب المكان الذي يدفن فيه الشخص فيذره على النطفة فيخلق من التراب والنطفة {وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ } بالإماتة وتفريق الأجزاء، وهذا وكذا ما بعد مبني على الغالب بناء على أن من الناس من لا يبلى جسده كالأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وإيثار كلمة في على كلمة إلى للدلالة على الاستقرار المديد فيها {وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَىٰ} بتأليف أجزائكم المتفتتة المختلطة بالتراب على الهيئة السابقة ورد الأرواح من مقرها إليها، وكون هذا الإخراج تارة أخرى باعتبار أن خلقهم من الأرض إخراج لهم منها وإن لم يكن على نهج التارة الثانية أو التارة في الأصل اسم للتور الواحد وهو الجريان، ثم أطلق على كل فعلة واحدة من الفعلات المتجددة كما مر في المرة، وما ألطف ذكر قوله تعالى: {مِنْهَا خَلَقْنَـٰكُمْ } الخ بعد ذكر النبات وإخراجه من الأرض فقد تضمن كل إخراج أجسام لطيفة من الترباء الكثيفة وخروج الأموات أشبه شيء بخروج النبات. هذا ومن باب الإشارة في الآيات: {أية : طه} تفسير : [طه: 1] يا طاهراً بنا هادياً إلينا أو يا طائف كعبة الأحدية في حرم الهوية وهادي الأنفس الزكية إلى المقامات العلية، وقيل: إن ط لكونها بحساب الجمل تسعة وإذا جمع ما انطوت عليه من الأعداد ـ أعني الواحد والإثنين والثلاثة ـ وهكذا إلى التسعة بلغ خمسة وأربعين إشارة إلى آدم لأن أعداد حروفه كذلك، وهـ لكونها بحساب الجمل خمسة وما انطوت عليه من الأعداد يبلغ خمسة عشر إشارة إلى حوا بلا همز، والإشارة بمجموع الأمرين إلى أنه صلى الله عليه وسلم أبو الخليقة وأمها فكأنه قيل: يا من تكونت منه الخليقة، وقد أشار إلى ذلك العارف بن الفارض قدس سره بقوله على لسان الحقيقة المحمدية:شعر : وإني وإن كنت ابن آدم صورة فلي منه معنى شاهد بأبوتي تفسير : وقال في ذلك الشيخ عبد الغني النابلسي عليه الرحمة:شعر : طه النبـي تكونت من نوره كل البرية ثم لو ترك القطا تفسير : وقيل: {طه } في الحساب أربعة عشر وهو إشارة إلى مرتبة البدرية فكأنه قيل: يا بدر سماء عالم الإمكان {أية : مَا أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْءانَ لِتَشْقَىٰ * إِلاَّ تَذْكِرَةً لّمَن يَخْشَىٰ } تفسير : [طه: 2-3] أي إلا لتذكر من يخشى أيام الوصال التي كانت قبل تعلق الأرواح بالأبدان وتخبرهم بأنها يحصل نحوها لهم لتطيب أنفسهم وترتاح أرواحهم أو لتذكرهم إياها ليشتاقوا إليها وتجري دموعهم عليها ويجتهدوا في تحصيل ما يكون سبباً لعودها ولله تعالى در من قال:شعر : سقى الله أياماً لنا ولياليا مضت فجرت من ذكرهن دموع فيا هل لها يوماً من الدهر أوبة وهل لي إلى أرض الحبيب رجوع تفسير : / وقيل: من يخشى هم العلماء لقوله تعالى: {أية : إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاء }تفسير : [فاطر: 28]. ولما كان العلم مظنة العجب والفخر ونحوهما ناسب أن يذكر صاحبه عظمة الله عز وجل ليكون ذلك سوراً له مانعاً من تطرق شيء مما ذكر {أية : ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ}تفسير : [طه: 5] العرش جسم عظيم خلقه الله تعالى كما قيل من نور شعشعاني وجعله موضع نور العقل البسيط الذي هو مشرق أنوار القدم وشرفه بنسبة الاستواء الذي لا يكتنه، وقيل: خلق من أنوار أربعة مختلفة الألوان وهي أنوار سبحان الله والحمد لله ولا إلٰه إلا الله والله أكبر ولذا قيل له الأطلس، وإلى هذا ذهبت الطائفة الحادثة في زماننا المسماة بالكشفية. وذكر بعض الصوفية أن العرش إشارة إلى قلب المؤمن الذي نسبة العرش المشهور إليه كنسبة الخردلة إلى الفلاة بل كنسبة القطرة إلى البحر المحيط وهو محل نظر الحق ومنصة تجليه ومهبط أمره ومنزل تدليه، وفي «إحياء العلوم» لحجة الإسلام الغزالي قال الله تعالى: «لم يسعني سمائي ولا أرضي ووسعني قلب عبدي المؤمن اللين الوادع» أي الساكن المطمئن، وفي «الرشدة» لصدر الدين القونوي قدس سره بلفظ «ما وسعني أرضي ولا سمائي ووسعني قلب عبدي المؤمن التقي النقي الوادع» وليس هذا القلب عبارة عن البضعة الصنوبرية فإنها عند كل عاقل أحقر من حيث الصورة أن تكون محل سره جل وعلا فضلاً عن أن تسعه سبحانه وتكون مطمح نظره الأعلى ومستواه عز شأنه وهي وإن سميت قلباً فإنما تلك التسمية على سبيل المجاز، وتسمية الصفة والحامل باسم الموصوف والمحمول بل القلب الإنساني عبارة عن الحقيقة الجامعة بين الأوصاف والشؤون الربانية وبين الخصائص والأحوال الكونية الروحانية منها والطبيعية وتلك الحقيقة تنتشىء من بين الهيئة الاجتماعية الواقعة بين الصفات والحقائق الإلٰهية والكونية وما يشتمل عليه هذان الأصلان من الأخلاق والصفات اللازمة وما يتولد من بينهما بعد الارتياض والتزكية، والقلب الصنوبري منزل تدلي الصورة الظاهرة من بين ما ذكرنا التي هي صورة الحقيقة القلبية، ومعنى وسع ذلك للحق جل وعلا على ما في مسلك الوسط الداني كونه مظهراً جامعاً للأسماء والصفات على وجه لا ينافي تنزيه الحق سبحانه من الحلول والاتحاد والتجزئة وقيام القديم بالحادث ونحو ذلك من الأمور المستحيلة عليه تعالى شأنه. هذا لكن ينبغي أن يعلم أن هذا الخبر وإن استفاض عند الصوفية قدست أسرارهم إلا أنه قد تعقبه المحدثون، ((فقال العراقي: لم أر له أصلاً. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: هو مذكور في الإسرائيليات وليس له إسناد معروف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكأنه أشار بما في الإسرائيليات إلى ما أخرجه الإمام أحمد في «الزهد» عن وهب بن منبه قال: إن الله تعالى فتح السمٰوات لحزقيل حتى نظر إلى العرش فقال حزقيل: سبحانك ما أعظمك يا رب فقال الله تعالى: إن السمٰوات والأرض ضعفن من أن يسعنني ووسعني قلب عبدي المؤمن الوادع اللين. نعم لذلك ما يشهد له فقد قال العلامة الشمس ابن القيم في «شفاء العليل» ما نصه، وفي «المسند» وغيره عن النبـي صلى الله عليه وسلم: «حديث : القلوب آنية الله تعالى في أرضه فأحبها إليه أصلبها وأرقها وأصفاها» تفسير : انتهى. وروى الطبراني من حديث أبـي عنبة الخولاني رفعه «حديث : إن لله تعالى آنية من [أهل] الأرض وآنية ربكم قلوب عباده الصالحين وأحبها إليه ألينها وأرقها» تفسير : وهذا الحديث وإن كان في سنده بقية بن الوليد وهو مدلس إلا / أنه صرح فيه بالتحديث))؛ ويعلم من مجموع الحديثين أربع صفات للقلب الأحب إليه تعالى اللين وهو لقبول الحق والصلابة وهي لحفظه فالمراد بها صفة تجامع اللين والصفاء والرقة وهما لرؤيته، واستواؤه تعالى على العرش بصفة الرحمانية دون الرحيمية للإشارة إلى أن لكل أحد نصيباً من واسع رحمته جل وعلا. {أية : وَإِن تَجْهَرْ بِٱلْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ ٱلسّرَّ وَأَخْفَى } تفسير : [طه: 7] قيل: السر أمر كامن في القلب كمون النار في الشجر الرطب حتى تثيره الإرادة لا يطلع عليه الملك ولا الشيطان ولا تحس به النفس ولا يشعر به العقل والأخفى ما في باطن ذلك. وعند بعض الصوفية السر لطيفة بين القلب والروح وهو معدن الأسرار الروحانية والخفي لطيفة بين الروح والحضرة الإلٰهية وهو مهبط الأنوار الربانية وتفصيل ذلك في محله. وقد استدل بعض الناس بهذه الآية على عدم مشروعية الجهر بالذكر والحق أنه مشروع بشرطه، واختلفوا في أنه هل هو أفضل من الذكر الخفي أو الذكر الخفي أفضل منه والحق فيما لم يرد نص على طلب الجهر فيه وما لم يرد نص على طلب الإخفاء فيه أنه يختلف الأفضل فيه باختلاف الأشخاص والأحوال والأزمان فيكون الجهر أفضل من الإخفاء تارة والإخفاء أفضل أخرى {أية : وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَىٰ * إِذْ رَأَى نَاراً } تفسير : [طه: 9-10] قال الشيخ إبراهيم الكوراني عليه الرحمة في «تنبيه العقول»: إن تلك النار كانت مجلى الله عز وجل وتجليه سبحانه فيها مراعاة للحكمة من حيث إنها كانت مطلوب موسى عليه السلام، واحتج على ذلك بحديث رواه عن ابن عباس رضي الله عنه وسنذكره إن شاء الله تعالى عند قوله تعالى: {أية : فَلَمَّا جَاءهَا نُودِىَ أَن بُورِكَ مَن فِى ٱلنَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا } تفسير : [النمل: 8] الآية {فَٱخْلَعْ نَعْلَيْكَ} اترك الالتفات إلى الدنيا والآخرة وسر مستغرق القلب بالكلية في معرفة الله تعالى ولا تلتفت إلى ما سواه سبحانه. {أية : إِنَّكَ بِٱلْوَادِ ٱلْمُقَدَّسِ طُوًى} تفسير : [طه: 12] وهو وادي قدس جلال الله تعالى وتنزه عزته عز وجل، وقيل: النعلان إشارة إلى المقدمتين اللتين يتركب منهما الدليل لأنهما يتوصل بهما العقل إلى المقصود كالنعلين يلبسهما الانسان فيتوصل بالمشي بهما إلى مقصوده كأنه قيل: لا تلتفت إلى المقدمتين ودع الاستدلال فإنك في وادي معرفة الله تعالى المفعم بآثار ألوهيته سبحانه {فَٱعْبُدْنِى } قدم هذا الأمر للإشارة إلى عظم شرف العبودية، وثنى بقوله سبحانه{أية : وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِذِكْرِيۤ } تفسير : [طه: 14] لأن الصلاة من أعلام العبودية ومعارج الحضرة القدسية.{أية : وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يٰمُوسَىٰ } تفسير : [طه: 17] إيناس منه تعالى له عليه السلام فإنه عليه السلام دهش لما تكلم سبحانه معه بما يتعلق بالألوهية فسأله عن شيء بيده ولا يكاد يغلط فيه ليتكلم ويجيب فتزول دهشته، قيل وكذلك يعامل المؤمن بعد موته وذلك أنه إذا مات وصل إلى حضرة ذي الجلال فيعتريه ما يعتريه فيسأله عن الإيمان الذي كان بيده في الدنيا ولا يكاد يغلط فيه فإذا ذكره زال عنه ما اعتراه، وقيل: إن الله تعالى لما عرفه كمال الألوهية أراد أن يعرفه نقصان البشرية فسأله عن منافع العصا فذكر بعضها فعرفه الله تعالى أن فيها ما هو أعظم نفعاً مما ذكره تنبيهاً على أن العقول قاصرة عن معرفة صفات الشيء الحاضر فلولا التوفيق كيف يمكنه الوصول إلى معرفة أجل الأشياء وأعظمها {أية : فَأَلْقَـٰهَا فَإِذَا هِىَ حَيَّةٌ تَسْعَىٰ } تفسير : [طه: 20] فيه إشارة إلى ظهور أثر الجلال ولذلك خاف موسى عليه السلام فقال سبحانه: {خُذْهَا وَلاَ تَخَفْ} فهذا الخوف من كمال المعرفة لأنه لم يأمن مكر الله تعالى ولو سبق منه سبحانه الإيناس، وفي بعض الآثار «يا موسى لا تأمن مكري حتى تجوز الصراط». وقيل: كان خوفه من فوات المنافع المعدودة ولذا علل النهي بقوله تعالى: {أية : سَنُعِيدُهَا سِيَرتَهَا ٱلاْولَىٰ } تفسير : [طه: 21] وهذا جهل بمقام موسى عليه السلام. وكذا ما قيل: إنه لما رأى الأمر الهائل فر حيث لم يبلغ مقام {أية : فَفِرُّواْ إِلَى ٱللَّهِ } تفسير : [الذاريات: 50] ولو بلغه لم يفر. وما قيل: أيضاً لعله لما حصل له مقام المكالمة بقي في قلبه عجب فأراه الله تعالى أنه بعد في النقص الإمكاني ولم يفارق عالم البشرية وما النصر والتثبيت إلا من عند الله تعالى وحده. {أية : وَٱضْمُمْ يَدَكَ إِلَىٰ جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوء } تفسير : [طه: 22] أراد سبحانه أن يريه آية نفسية بعد أن أراه عليه السلام آية آفاقية كما قال سبحانه: {أية : سَنُرِيهِمْ ءايَـٰتِنَا فِى ٱلآفَاقِ وَفِى أَنفُسِهِمْ } تفسير : [فصلت: 53] وهذا من نهاية عنايته جل جلاله. وقد ذكروا في هذه القصة نكات وإشارات منها أنه سبحانه لما أشار إلى العصا واليمين بقوله تعالى: {أية : وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ } تفسير : [طه: 17] حصل في كل منهما برهان باهر ومعجز قاهر فصار أحدهما وهو الجماد حيواناً والآخر وهو الكثيف نورانياً لطيفاً. ثم إنه تعالى ينظر في كل يوم ثلثمائة وستين نظرة إلى قلب العبد فأي عجب أن ينقلب قلبه الجامد المظلم حياً مستنيراً، ومنها أن العصا قد استعدت بيمن يمين موسى عليه السلام للحياة وصارت حية فيكف لا يستعد قلب المؤمن الذي هو بين أصبعين من أصابع الرحمن للحياة ويصير حياً. ومنها أن العصا بإشارة واحدة صارت بحيث ابتلعت سحر السحرة فقلب المؤمن أولى أن يصير بمدد نظر الرب في كل يوم مرات بحيث يبتلع سحر النفس الأمارة بالسوء، ومنها أن قوله تعالى أولاً: {أية : ٱخْلَعْ نَعْلَيْكَ } تفسير : [طه: 12] إشارة إلى التخلية وتطهير لوح الضمير من الأغيار وما بعده إشارات إلى التحلية وتحصيل ما ينبغي تحصيله. وأشار سبحانه إلى علم المبدأ بقوله تعالى: {إِنَّنِى أَنَا ٱللَّهُ } وإلى علم الوسط بقوله عز وجل {أية : فاعْبُدْنِى وَأَقِم الصَّلاةَ لِذِكْرِى } تفسير : [طه: 14] وفيه إشارة إلى الأعمال الجسمانية والروحانية وإلى علم المعاد بقوله سبحانه {أية : إِنَّ ٱلسَّاعَةَ ءاتِيَةٌ } تفسير : [طه: 15] ومنها أنه تعالى افتتح الخطاب بقوله عز قائلاً: {أية : وَأَنَا ٱخْتَرْتُكَ} تفسير : [طه: 13] وهو غاية اللطف وختم الكلام بقوله جل وعلا: {فَلاَ يَصدّنكَ عَنْهَا} - إلى - {أية : فَتَرْدَىٰ } تفسير : [طه: 16] وهو قهر تنبيهاً على أن رحمته سبقت غضبه وأن العبد لا بد أن يكون سلوكه على قدمي الرجاء والخوف، ومنها أن موسى عليه السلام كان في رجله شيء وهو النعل وفي يده شيء وهو العصا والرجل آلة الهرب واليد آلة الطلب فأمر بترك ما فيهما تنبيهاً على أن السالك ما دام في مقام الطلب والهرب كان مشتغلاً بنفسه وطالباً لحظه فلا يحصل له كمال الاستغراق في بحر العرفان وفيه أن موسى عليه السلام مع جلالة منصبه وعلو شأنه لم يمكن لو الوصول إلى حضرة الجلال حتى خلع النعل وألقى العصا فأنت مع ألف وقر من المعاصي كيف يمكنك الوصول إلى جنابه وحضرته جل جلاله. واستشكلت هذه الآية من حيث إنها تدل على أن الله تعالى خاطب موسى عليه السلام بلا واسطة وقد خاطب نبينا صلى الله عليه وسلم بواسطة جبريل عليه السلام فيلزم مزيه الكليم على الحبيب عليهما الصلاة والسلام. والجواب أنه تعالى شأنه قد خاطب نبينا صلى الله عليه وسلم أيضاً بلا واسطة ليلة المعراج غاية ما في البال أنه تعالى خاطب موسى عليه السلام في مبدأ رسالته بلا واسطة وخاطب حبيبه عليه الصلاة والسلام في مبدأ رسالته بواسطة ولا يثبت بمجرد ذلك المزية على أن خطابه لحبيبه الأكرم صلى الله عليه وسلم بلا واسطة كان مع كشف الحجاب ورؤيته عليه الصلاة والسلام إياه على وجه لم يحصل لموسى عليه السلام وبذلك يجبر ما يتوهم في تأخير الخطاب بلا واسطة عن مبدأ الرسالة. وانظر إلى الفرق بين قوله تعالى عن نبينا صلى الله عليه وسلم: {أية : مَا زَاغَ ٱلْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ }تفسير : [النجم: 17] وقوله عن موسى عليه السلام: {أية : قَالَ هِيَ عَصَايَ} تفسير : [طه: 18] الخ ترى الفرق واضحاً بين الحبيب والكليم مع أن لكل رتبة التكريم صلى الله تعالى عليهما وسلم. وذكر بعضهم أن في الآيات ما يشعر بالفرق بينهما أيضاً عليهما الصلاة والسلام من وجه آخر وذلك / أن موسى عليه السلام كان يتوكأ على العصا والنبـي صلى الله عليه وسلم كان يتكل على فضل الله تعالى ورحمته قائلاً مع أمته وحسبنا الله ونعم الوكيل، ولذا ورد في حقه {أية : حَسْبُكَ ٱللَّهُ وَمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ }تفسير : [الأنفال: 64] على معنى وحسب من اتبعك. وأيضاً إنه عليه السلام بدأ بمصالح نفسه في قوله: {أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا} ثم مصالح رعيته بقوله: {أية : وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِى } تفسير : [طه: 18] والنبـي صلى الله عليه وسلم لم يشتغل إلا بإصلاح أمر أمته حديث : اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمونتفسير : ، فلا جرم يقول موسى عليه السلام يوم القيامة: نفسي نفسي والنبـي صلى الله عليه وسلم يقول: «أمتي أمتي» انتهى، وهو مأخوذ من كلام الإمام بل لا فرق إلا بيسير جداً. ولعمري إنه لا ينبغي أن يقتدى به في مثل هذا الكلام كما لا يخفى على ذوي الأفهام، وإنما نقلته لأنبه على عدم الاغترار به نعوذ بالله تعالى من الخذلان {أية : رَبّ ٱشْرَحْ لِى صَدْرِى } تفسير : [طه: 25] لم يذكر عليه السلام بم يشرح صدره وفيه احتمالات. قال بعض الناس: إنه تعالى ذكر عشرة أشياء ووصفها بالنور. الأول ذاته جل شأنه {أية : ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ } تفسير : [النور: 35] الثاني الرسول صلى الله عليه وسلم: {أية : قَدْ جَاءكُمْ مّنَ ٱللَّهِ نُورٌ وَكِتَـٰبٌ } تفسير : [المائدة: 15]، الثالث الكتاب {أية : وٱتَّبَعُواْ ٱلنُّورَ ٱلَّذِى أُنزِلَ مَعَهُ } تفسير : [الأعراف: 157]، الرابع الإيمان: {أية : يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُواْ نُورَ ٱللَّهِ } تفسير : [التوبة: 32] الخامس عدل الله تعالى: {أية : وَأَشْرَقَتِ ٱلأَرْضُ بِنُورِ رَبّهَا } تفسير : [الزمر: 69] السادس القمر {أية : وَجَعَلَ ٱلْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً } تفسير : [نوح: 16] السابع النهار {أية : وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَـٰتِ وَٱلنُّورَ } تفسير : [الأنعام: 1]. الثامن البينات {أية : إِنَّا أَنزَلْنَا ٱلتَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ } تفسير : [المائدة: 44]. التاسع الأنبياء عليهم السلام {أية : نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ } تفسير : [النور: 35]؛ العاشر المعرفة {أية : مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ } تفسير : [النور: 35] فكان موسى عليه السلام قال أولاً {أية : رَبّ ٱشْرَحْ لِى صَدْرِى } تفسير : [طه: 25] بمعرفة أنوار جلال كبريائك، وثانياً {رَبّ ٱشْرَحْ لِى صَدْرِى } بالتخلق بأخلاق رسلك وأنبيائك، وثالثاً {رَبّ ٱشْرَحْ لِى صَدْرِى } باتباع وحيك وامتثال أمرك ونهيك، ورابعاً {رَبّ ٱشْرَحْ لِى صَدْرِى } بنور الإيمان والإيقان بإلهيتك، وخامساً {رَبّ ٱشْرَحْ لِى صَدْرِى } بالاطلاع على أسرار عدلك في قضائك وحكمك. وسادساً {رَبّ ٱشْرَحْ لِى صَدْرِى } بالانتقال من نور شمسك وقمرك إلى أنوار جلال عزتك كما فعله إبراهيم عليه السلام، وسابعاً {رَبّ ٱشْرَحْ لِى صَدْرِى } من مطالعة نهارك وليلك إلى مطالعة نهار فضلك وليل قهرك، وثامناً {رَبّ ٱشْرَحْ لِى صَدْرِى } بالاطلاع على مجامع آياتك ومعاقد بيناتك في أرضك وسمواتك، وتاسعاً {رَبّ ٱشْرَحْ لِى صَدْرِى } في أن أكون خلف صدق للأنبياء المتقدمين ومشابهاً لهم في الانقياد لحكم رب العالمين، وعاشراً {رَبّ ٱشْرَحْ لِى صَدْرِى } بأن يجعل سراج الإيمان كالمشكاة التي فيها المصباح انتهى. ولا يخفى ما بين أكثر ما ذكر من التلازم واغناء بعضه عن بعض، وقال أيضاً: إن شرح الصدر عبارة عن إيقاد النور في القلب حتى يصير كالسراج، ولا يخفى أن مستوقد السراج محتاج إلى سبعة أشياء زند وحجر وحراق وكبريت ومسرجة وفتيلة ودهن، فالزند زند المجاهدة {أية : وَٱلَّذِينَ جَـٰهَدُواْ فِيْنَا } تفسير : [العنكبوت: 69] والحجر حجر التضرع {أية : ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً} تفسير : [الأعراف: 55] والحراق منع الهوى ونهي النفس عن الهوى والكبريت الإنابة {أية : وَأَنِـيبُوۤاْ إِلَىٰ رَبِّكُمْ}تفسير : [الزمر: 54] والمسرجة الصبر {أية : وَٱسْتَعِينُواْ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلَٰوةِ } تفسير : [البقرة: 45] والفتيلة الشكر {أية : لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ } تفسير : [إبراهيم: 7] والدهن الرضا {أية : وَٱصْبِرْ لِحُكْمِ رَبّكَ } تفسير : [الطور: 48] أي ارض بقضائه، ثم إذا صلحت هذه الأدوات فلا تعول عليها بل ينبغي أن تطلب المقصود من حضرة ربك جل وعلا قائلاً: {رَبّ ٱشْرَحْ لِى صَدْرِى } فهنالك تسمع {أية : قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يٰمُوسَىٰ } تفسير : [طه: 36] ثم إن هذا النور الروحاني أفضل من الشمس الجسمانية لوجوه، الأول أن الشمس يحجبها الغيم وشمس المعرفة لا تحجبها السمٰوات السبع {أية : إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ } تفسير : [فاطر: 10]. الثاني الشمس تغيب / ليلاً وشمس المعرفة لا تغيب ليلاً: {أية : إِنَّ نَاشِئَةَ ٱللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْأً وَأَقْوَمُ قِيلاً} تفسير : [المزمل: 6] {أية : وَٱلْمُسْتَغْفِرِينَ بِٱلأَسْحَارِ} تفسير : [آل عمران: 17] {أية : سُبْحَانَ ٱلَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلاً } تفسير : [الإسراء: 1].شعر : الليل للعاشقين ستر يا ليت أوقاته تدوم تفسير : الثالث الشمس تفنى {أية : إِذَا ٱلشَّمْسُ كُوّرَتْ } تفسير : [التكوير: 1] والمعرفة لا تفنى. {أية : أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي ٱلسَّمَآءِ} تفسير : [إبراهيم: 24] {أية : سَلاَمٌ قَوْلاً مّن رَّبّ رَّحِيمٍ } تفسير : [يس: 58]، الرابع الشمس إذا قابلها القمر انكسفت، وشمس المعرفة وهي أشهد أن لا إلٰه إلا الله إذا لم تقرن بقمر النبوة وهي أشهد أن محمداً رسول الله لم يصل النور إلى عالم الجوارح، الخامس الشمس تسود الوجوه والمعرفة تبيض الوجوه {أية : يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ } تفسير : [آل عمران: 106]، السادس الشمس تصدع والمعرفة تصعد. السابع الشمس تحرق والمعرفة تمنع من الإحراق «جز يا مؤمن فقد أطفأ نورك لهبـي»، الثامن الشمس منفعتها في الدنيا والمعرفة منفعتها في الدارين {أية : فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَٰوةً طَيّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} تفسير : [النحل: 97] التاسع الشمس فوقانية الصورة تحتانية المعنى والمعارف الإلٰهية بالعكس، العاشر الشمس تقع على الولي والعدو والمعرفة لا تحصل إلا للولي، الحادي عشر الشمس تعرف أحوال الخلق والمعرفة توصل القلب إلى الخالق، ولما كان شرح الصدر الذي هو أول مراتب الروحانيات أشرف من أعلى مراتب الجسمانيات بدأ موسى عليه السلام بطلبه قائلاً {رَبّ ٱشْرَحْ لِى صَدْرِى} وعلامة شرح الصدر ودخول النور الإلٰهي فيه التجافي عن دار الغرور والرغبة في دار الخلود وشبهوا الصدر بقلعة وجعلوا الأول كالخندق لها والثاني كالسور فمتى كان الخندق عظيماً والسور محكماً عجز عسكر الشيطان من الهوى والكبر والعجب والبخل وسوء الظن بالله تعالى وسائر الخصال الذميمة ومتى لم يكونا كذلك دخل العسكر وحينئذ ينحصر الملك في قصر القلب ويضيق الأمر عليه. وفرقوا بين الصدر والقلب والفؤاد واللب بأن الصدر مقر الإسلام {أية : أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ } تفسير : [الزمر: 22] والقلب مقر الإيمان {أية : حَبَّبَ إِلَيْكُمُ ٱلإِيمَـٰنَ وَزَيَّنَهُ فِى قُلُوبِكُمْ } تفسير : [الحجرات: 7] {أية : أُوْلَٰئِكَ كَتَبَ فِى قُلُوبِهِمُ ٱلإيمَـٰنَ } تفسير : [المجادلة: 22] والفؤاد مقر المشاهدة {أية : مَا كَذَبَ ٱلْفُؤَادُ مَا رَأَىٰ } تفسير : [النجم: 11] واللب مقام التوحيد {أية : إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَـٰبِ } تفسير : [الرعد: 19] أي الذين خرجوا من قشر الوجود المجازي وبقوا بلب الوجود الحقيقي؛ وإنما سأل موسى عليه السلام شرح الصدر دون القلب لأن انشراح الصدر يستلزم انشراح القلب دون العكس وأيضاً شرح الصدر كالمقدمة لشرح القلب والحر تكفيه الإشارة، فإذا علم المولى سبحانه أنه طالب للمقدمة فلا يليق بكرمه أن يمنعه النتيجة. وأيضاً أنه عليه السلام راعى الأدب في الطلب فاقتصر على طلب الأدنى فلا جرم أعطي المقصود فقيل: {أية : قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يٰمُوسَىٰ } تفسير : [طه: 36] ولما اجترأ في طلب الرؤية قيل له: {أية : لَن تَرَانِى } تفسير : [الأعراف: 143]، ولا يخفى ما بين قول موسى عليه السلام لربه عز وجل {أية : رَبّ ٱشْرَحْ لِى صَدْرِى } تفسير : [طه: 25] وقول الرب لحبيبه صلى الله عليه وسلم {أية : أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ } تفسير : [الشرح: 1] ويعلم منه أن الكليم عليه السلام مريد والحبيب صلى الله عليه وسلم مراد والفرق مثل الصبح ظاهر. ويزيد الفرق ظهوراً أن موسى عليه السلام في الحضرة الإلٰهية طلب لنفسه ونبينا صلى الله عليه وسلم حين قيل له هناك السلام عليك أيها النبـي قال: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، وقد أطال الإمام الكلام في هذه الآية بما هو من هذا النمط فارجع إليه إن أردته {أية : وَٱحْلُلْ عُقْدَةً مّن لّسَانِى * يَفْقَهُواْ قَوْلِي } تفسير : [طه: 27-28] كأنه عليه السلام طلب قدرة التعبير عن الحقائق الإلٰهية بعبارة واضحة فإن المطلب وعر لا يكاد توجد له عبارة تسهله حتى يأمن سامعه عن العثار. ولذا ترى كثيراً من الناس ضلوا بعبارات بعض الأكابر من الصوفية / في شرح الأسرار الألٰهية وقيل: إنه عليه السلام سأل حل عقدة الحياء فإنه استحيا أن يخاطب عدو الله تعالى بلسان به خاطب الحق جل وعلا. ولعله أراد من القول المضاف القول الذي به إرشاد للعباد فإن همة العارفين لا تطلب النطق والمكالمة مع الناس فيما لا يحصل به إرشاد لهم نعم النطق من حيث هو فضيلة عظيمة وموهبة جسيمة ولهذا قال سبحانه: {أية : ٱلرَّحْمَـٰنُ * عَلَّمَ ٱلْقُرْءانَ * خَلَقَ ٱلإِنسَـٰنَ * عَلَّمَهُ ٱلبَيَانَ } تفسير : [الرحمن: 1ـ4] من غير توسيط عاطف. وعن علي كرم الله تعالى وجهه ما الإنسان لولا اللسان إلا صورة مصورة أو بهيمة مهملة، وقال رضي الله عنه: المرء مخبوء تحت طي لسانه لا طيلسانه، وقال رضي الله تعالى عنه: المرء بأصغريه قلبه ولسانه، وقال زهير:شعر : لسان الفتى نصف ونصف فؤاده فلم يبق إلا صورة اللحم والدم تفسير : ومن الناس من مدح الصمت لأنه أسلم:شعر : يموت الفتى من عثرة بلسانه وليس يموت المرء من عثرة الرجل تفسير : وفي « نوابغ الكلم» قِ فاك لا يقرع قفاك، والإنصاف أن الصمت في نفسه ليس بفضيلة لأنه أمر عدمي والمنطق في نفسه فضيلة لكن قد يصير رذيلة لأسباب عرضية، فالحق ما أشار إليه صلى الله عليه وسلم بقوله: «حديث : رحم الله تعالى امرأ قال خيراً فغنم أو سكت فسلم»تفسير : . وذكر في وجه عدم طلبه عليه السلام الفصاحة الكاملة أنها نصيب الحبيب عليه الصلاة والسلام، فقد كان صلى الله عليه وسلم أفصح من نطق بالضاد فما كان له أن يطلب ما كان له {أية : وَٱجْعَل لّى وَزِيراً مّنْ أَهْلِى * هَـٰرُونَ أَخِى * ٱشْدُدْ بِهِ أَزْرِى * وَأَشْرِكْهُ فِى أَمْرِى } تفسير : [طه: 29-32] فيه إشارة إلى فضيلة التعاون في الدين فإنه من أخلاق المرسلين عليهم صلوات الله تعالى وسلامه أجمعين، والوزارة المتعارفة بين الناس ممدوحة إن زرع الوزير في أرضها ما لا يندم عليه وقت حصاده بين يدي ملك الملوك، وفيه إشارة أيضاً إلى فضيلة التوسط بالخير للمستحقين لا سيما إذا كانوا من ذوي القرابة:شعر : ومن منع المستوجبين فقد ظلم تفسير : وفي تقديم موسى عليه السلام مع أنه أصغر سناً على هٰرون عليه السلام مع أنه الأكبر دليل على أن الفضل غير تابع للسن فالله تعالى يختص بفضله من يشاء {أية : إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيراً } تفسير : [طه: 35] في ختم الأدعية بذلك من حسن الأدب مع الله تعالى ما لا يخفى، وهو من أحسن الوسائل عند الله عز وجل. ومن آثار ذلك استجابة الدعاء {أية : وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَىٰ } تفسير : [طه: 37] تذكير له عليه السلام بما يزيد إيقانه، وفيه إشارة إلى أنه تعالى لا يرد بعد القبول ولا يحرم بعد الإحسان، ومن هنا قيل: إذا دخل الإيمان القلب أمن السلب وما رجع من رجع إلا من الطريق{أية : وَٱصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي} تفسير : [طه: 41] أفردتك لي بالتجريد فلا يشغلك عني شيء {فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِيۤ أَهْلِ مَدْيَنَ} أشير بذلك إلى خدمته لشعيب عليه السلام وذلك تربية منه تعالى له بصحبة المرسلين ليكون متخلقاً بأخلاقهم متحلياً بآدابهم صالحاً للحضرة. ولصحبة الأخيار نفع عظيم عند الصوفية وبعكس ذلك صحبة الأشرار {أية : ثُمَّ جِئْتَ عَلَىٰ قَدَرٍ يٰمُوسَىٰ} تفسير : [طه: 40] وذلك زمان كمال الاستعداد ووقت بعثة الأنبياء عليهم السلام وهو زمن بلوغهم أربعين سنة، ومن بلغ الأربعين ولم يغلب خيره على شره فلينح على نفسه وليتجهز إلى النار{أية : ٱذْهَبَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ }تفسير : [طه: 43] جاوز الحد في المعصية حتى ادعى الربوبية وذلك أثر سكر القهر الذي هو وصف النفس الأمارة ويقابله سكر اللطف وهو وصف الروح ومنه ينشأ الشطح ودعوى الأنانية قالوا: وصاحبه معذور / وإلا لم يكن فرق بين الحلاج مثلاً وفرعون. وأهل الغيرة بالله تعالى يقولون: لا فرق{أية : فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ } تفسير : [طه: 44] فيه إشارة إلى تعليم كيفية الإرشاد، وقال النهرجوري: إن الأمر بذلك لأنه أحسن إلى موسى عليه السلام في ابتداء الأمر ولم يكافئه {أية : مِنْهَا خَلَقْنَـٰكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَىٰ } تفسير : [طه: 55] إشارة إلى الهياكل وأقفاص بلابل الأرواح وإلا فالأرواح أنفسها من عالم الملكوت، وقد أشرقت على هذه الأشباح {أية : وَأَشْرَقَتِ ٱلأَرْضُ بِنُورِ رَبّهَا } تفسير : [الزمر: 96] والله تعالى أعلم. وقد تأول بعض أهل التأويل هذه القصة والآيات على ما في الأنفس وهو مشرب قد تركناه إلا قليلاً والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.

ابن عاشور

تفسير : مستأنفة استئنافاً ابتدائياً. وهذا إدماج للتذكير بالخلق الأول ليكون دليلاً على إمكان الخلق الثاني بعد الموت. والمناسبة متمكنة؛ فإن ذكر خلق الأرض ومنافعها يستدعي إكمال ذكر المهم للنّاس من أحوالها، فكان خلق أصل الإنسان من الأرض شبيهاً بخروج النبات منها. وإخراج النّاس إلى الحشر شبيه بإخراج النبات من الأرض. قال تعالى: {أية : والله أنبتكم من الأرض نباتاً ثم يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجاً}تفسير : [نوح: 17، 18]. وتقديم المجرورات الثلاثة على متعلَّقاتها؛ فأما المجرور الأول والمجرور الثالث فللاهتمام بكون الأرض مبدأ الخلق الأول والخلق الثاني. وأما تقديم {وفِيهَا نُعِيدكُم} فللمزاوجة مع نظيريه. ودل قوله تعالى: {وفِيهَا نُعيدُكُم} على أن دفن الأموات في الأرض هو الطريقة الشرعيّة لمواراة الموتى سواء كان شَقّاً في الأرض أو لحْداً، لأن كليهما إعادة في الأرض؛ فما يأتيه بعض الأمم غير المتدينة من إحراق الموتى بالنّار، أو إغراقهم في الماء، أو وضعهم في صناديق فوق الأرض، فذلك مخالف لسنّة الله وفطرته. لأنّ الفطرة اقتضت أنّ الميت يسقط على الأرض فيجب أن يوارى فيها. وكذلك كانت أول مواراة في البشر حين قتَل أحدُ ابني آدم أخَاه. كما قال تعالى في سورة العقود (31) {أية : فبعث الله غراباً يبحث في الأرض لِيُريَه كيف يُوارِي سوْأة أخيه قال يا ويْلَتَىٰۤ أعجَزت أن أكون مثل هذا الغراب فأوَارِيَ سوأة أخي}تفسير : فجاءت الشرائع الإلهيّة بوجوب الدفن في الأرض. والتّارة: المرة، وجمعها تارات. وأصل ألفها الواو. وقال ابن الأعرابي: أصل ألفها همزة فلمّا كثر استعمالهم لها تركوا الهمزة. وقال بعضهم: ظهر الهمز في جمعها على فِعَل فقالوا: تِئَر بالهمز. ويظهر أنّها اسم جامد ليس له أصل مشتق منه. والإخراج: هو إخراجها إلى الحشر بعد إعادة هياكل الأجسام في داخل الأرض، كما هو ظاهر قوله {ومنها نُخْرِجُكُم}، ولذلك جعل الإخراج تارة ثانية للخلق الأول من الأرض. وفيه إيماء إلى أن إخراج الأجساد من الأرض بإعادة خلقها كما خلقت في المرّة الأولى، قال تعالى: {أية : كما بدَأنا أوَّل خلق نُعيده}تفسير : [الأنبياء: 104].

الشنقيطي

تفسير : الضمير في قوله "مِنْهَا" معاً، وقوله {فِيهَا} راجع إلى "الأَرْضَ" المذكورة في قوله {ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ مَهْداً}. وقد ذكر في هذه الآية الكريمة ثلاث مسائل: الأولى: أنه خلق بني آدم مِن الأرض. الثانية: أنه يعيدهم فيها. الثالثة: أنه يخرجهم منها مرة أخرى. وهذه المسائل الثلاث المذكورة في هذه الآية جاءت مُوضَحة في غير هذه المواضع. أما خلقه إياهم من الأرض ـ فقد ذكره في مواضع من كتابه. كقوله {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ ٱلْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِّن تُرَابٍ} تفسير : [الحج: 5]، الآية، وقوله تعالى: {أية : وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ} تفسير : [الروم: 20] الآية، وقوله في سورة "المؤمن": {أية : هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ} تفسير : [غافر: 67] الآية، إلى غير ذلك من الآيات. والتحقيق أن معنى خلقه الناس من تراب ـ أنه خلق أباهم آدم منها. كما قال تعالى: {أية : إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ} تفسير : [آل عمران: 59] الآية. ولما خلق أباهم من تراب وكانوا تبعاً له في الخلق صدق عليهم أنهم خُلقوا من تراب. وما يزعمه بعض أهل العلم من أن معنى خلقهم من تراب أن النطفة إذا وقعت في الرحم انطلق الملك الموكل بالرحم فأخذ من تراب المكان الذي يُدفن فيه فيذره على النطفة فيخلق الله النسمة من النطفة والتراب معاً ـ فهو خلاف التحقيق. لأن القرآن يدل على أن مرحلة النطفة بعد مرحلة التراب بمهلة. فهي غير مقارنة لها بدليل الترتيب بينهما بـ "ثُم" في قوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ ٱلْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِّن تُرَابٍ} تفسير : [الحج: 5]: الآية، وقوله تعالى: {أية : هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ} تفسير : [غافر: 67] الآية، وقوله تعالى: {أية : ذٰلِكَ عَالِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ٱلَّذِيۤ أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ ٱلإِنْسَانِ مِن طِينٍ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلاَلَةٍ مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ} تفسير : [السجدة: 6-8] وكذلك ما يزعمه بعض المفسِّرين من أن معنى خلقهم من تراب ـ أن المراد أنهم خلقوا من الأغذية التي تتولد من الأرض فهو ظاهر السقوط كما ترى. وأما المسألة الثانية ـ فقد ذكرها تعالى أيضاً في غير هذا الموضع. وذلك في قوله تعالى: {أية : أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ كِفَاتاً أَحْيَآءً وَأَمْواتاً} تفسير : [المرسلات: 25-26] فقوله {كِفَاتاً} أي موضعهم الذي يكفتون فيه أي يضمون فيه: أحياء على ظهرها، وأمواتاً في بطنها. وهو معنى قوله {وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ}. وأما المسألة الثالثة ـ وهي إخراجهم من الأرض أحياء يوم القيامة فقد جاءت موضحة في آيات كثيرة. كقوله: {أية : وَيُحْيِي ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ} تفسير : [الروم: 19] أي من قبوركم أحياء بعد الموت، وقوله تعالى: {أية : وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً كَذَلِكَ ٱلْخُرُوجُ} تفسير : [ق: 11] أي من القبور بالبعث يوم القيامة، وقوله تعالى: {أية : ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِّنَ ٱلأَرْضِ إِذَآ أَنتُمْ تَخْرُجُونَ} تفسير : [الروم: 25]، وقوله تعالى: {أية : حَتَّىٰ إِذَآ أَقَلَّتْ سَحَاباً ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ ٱلْمَآءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ كَذٰلِكَ نُخْرِجُ ٱلْموْتَىٰ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}تفسير : [الأعراف: 57]، وقوله تعالى: {أية : يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ ٱلأَجْدَاثِ سِرَاعاً كَأَنَّهُمْ إِلَىٰ نُصُبٍ يُوفِضُونَ} تفسير : [المعارج: 43]، وقوله تعالى: {أية : يَوْمَ يَسْمَعُونَ ٱلصَّيْحَةَ بِٱلْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ ٱلْخُرُوجِ} تفسير : [ق: 42]، والآيات بمثل ذلك كثيرة جداً. وقوله في هذه الآية الكريمة: {مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ} الآية، كقوله تعالى: {أية : قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ} تفسير : [الأعراف: 25]. والتارة في قوله {تَارَةً أُخْرَىٰ} بمعنى المرة. وفي حديث السنن: حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حضر جنازة، فلما أرادوا دفن الميت أخذ قبضة من التراب فألقاها في القبر وقال: "منها خلقناكم" ثم أخذ أخرى وقال "وفيها نعيدكم" ثم أخرى وقال "ومنها نخرجكم تارة أخرى ".

د. أسعد حومد

تفسير : {خَلَقْنَاكُمْ} (55) - مِنَ الأَرْضِ مَبْدَؤُكُمْ، فَأَبُوكُمْ آدَمُ مَخْلُوقٌ مِنْهَا، وَنُطَفُكُمْ تَتَخَلَّقُ مِمَّا تَتَغَذَّوْنَ بِهِ مِمَّا تُخْرِجُهُ الأَرْضُ، وَإِلَيْهَا تَصِيرُونَ إِذَا مِتُّمْ، وَبَلِيَتْ أَجْسَادُكُمْ، وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ يَوْمَ الحَشْرِ مَرَّةً أُخْرَى.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : نلحظ هنا أن موسى - عليه السلام - يعرض على فرعون قضايا لا تخصُّ فرعون وحده، إنما تمنع أنْ يوجد فرعون آخر. وقوله: {مِنْهَا ..} [طه: 55] أي: من الأرض التي سبق أنْ قال عنها: {أية : ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ مَهْداً ..}تفسير : [طه: 53]. ثم ذكر لنا مع الأرض مراحل ثلاث: {مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَىٰ} [طه: 55]. وفي آية أخرى يذكر مرحلة رابعة، فيقول: {أية : فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ}تفسير : [الأعراف: 25]. بذلك تكون المراحل أربعة: منها خلقناكم، وفيها تحيَوْن، وإليها تُرجعون بالموت، ومنها نُخرجكم بالبعث. فقوله تعالى: {مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ ..} [طه: 55] الخلْق قِسْمان: خَلْق أولي، وخَلْق ثانوي، الخلق الأَوليّ في أدم عليه السلام، وقد خُلِق من الطين أي: من الأرض. ثم الخَلْق الثاني، وجاء من التناسل، وإذا كان الخَلْق الأَوّلي من طين، فكل ما ينشأ عنه يُعَدّ كذلك؛ لأنه الأصل الأول. ويمكن أن نُوجِّه الكلام توجيهاً آخر، فنقول: التناسل يتولد من ميكروبات الذكورة وبويضات الأنوثة، وهذه في الأصل من الطعام والشراب، وأصله أيضاً من الأرض. إذن: فأنت من الأرض بواسطة أو بغير واسطة. وإنْ كانت قضية الخَلْق هذه قضية غيبية، فقد ترك الخالق في كونه عقولاً تبحث وتنظر في الكون، وتعطينا الدليل على صِدْق هذه القضية، فلما حلّل العلماء طينة الأرض وجدوها ستة عشر عنصراً تبدأ بالأكسوجين، وتنتهي بالمنجنيز، وحين حلّلوا عناصر الإنسان وجدوها نفس العناصر الستة عشر، ليثبتوا بذلك البحث التحليلي صِدْق قضية الخَلْق التي أخبر عنها الخالق عز وجل. وقوله: {وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ ..} [طه: 55] هذه مرحلة مشاهدة، فكُلُّ مَنْ يموت مِنّا ندفنه في الأرض؛ لذلك يقول الشاعر: شعر : إنْ سَئِمْتَ الحياةَ فَارْجِعْ إلَى الأرْضِ تَنَمْ آمِناً مِنَ الأوْصَاب هِيَ أُمٌّ أحْنَى عَليْكَ مِنَ الأم التي خَلَّفتْك للإتْعَابِ تفسير : فبعد أن تُنقض بنية الإنسان بالموت لا يسارع إلى مواراته التراب إلا أقرب الناس إليه، فترى المرأة التي مات وحيدها، وأحب الناس إليها، والتي كانت لا تطيق فراقه ليلة واحدة، لا تطيق وجوده الآن، بل تسارع به إلى أمه الأصيلة (الأرض). وذلك لأن الجسد بعد أنْ فارقته الروح سرعان ما يتحول إلى جيفة لا تطاق حتى من أمه وأقرب الناس إليه، أما الأرض فإنها تحتضنه وتمتصُّ كل ما فيه من أذى. ومن العجائب في نَقْض بنية الإنسان بالموت أنها تتم على عكس بنائه، فعندما تكلم الخالق عز وجل عن الخلق الأول للإنسان قال: إنه خلق من تراب، ومن طين، ومن حمأ مسنون، ومن صلصال كالفخار. وقلنا: إن هذه كلها أطوار للمادة الواحدة، ثم بعد ذلك ينفخ الخالق فيه الروح، فتدبّ فيه الحياة. فإذا ما تأملنا الموت لوجدناه على عكس هذا الترتيب، كما أنك لو بنيتَ عمارة من عِدَّة أدوار، فآخر الأدوار بناءً أولها هَدْماً. كذلك الموت بالنسبة للإنسان يبدأ بنزع الروح التي وُضِعَتْ فيه آخراً، ثم يتصلّب الجسد و(يشضب) كالصلصال ثم يرمّ، ويُنتن كالحمأ المسنون، ثم يتبخر ما فيه من ماء، وتتحلل باقي العناصر، فتصير إلى التراب. ثم يقول تعالى: {وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَىٰ} [طه: 55] أي: مرة أخرى بالبعث يوم القيامة، وهذا الإخراج له نظام خاصّ يختلف عن الإخراج الأول؛ لأنه سيبدأ بعودة الروح، ثم يكتمل لها الجسد. هذه كلها قضايا كونية تُلْقَى على فرعون عَلَّها تُثنيه عَمَّا هو عليه من ادّعاء الألوهية، والألوهية تقتضي مألوهاً، فالإله معبود له عابد، فكيف يَدّعي الألوهية، وليس له في الربوبية شيء؟ فلا يستحق الألوهية والعبادة إلا مَنْ له الربوبية أولاً، وفي الأمثال: (اللي ياكل لقمتي يسمع كلمتي). ثم يقول الحق سبحانه: {وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا ...}.