Verse. 2404 (AR)

٢٠ - طه

20 - Ta-Ha (AR)

وَلَقَدْ اَرَيْنٰہُ اٰيٰتِنَا كُلَّہَا فَكَذَّبَ وَاَبٰى۝۵۶
Walaqad araynahu ayatina kullaha fakaththaba waaba

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ولقد أريناه» أي أبصرنا فرعون «آياتنا كلها» التسع «فكذب» بها وزعم أنها سحر «وأبى» أن يوحد الله تعالى.

56

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى بين أنه أرى فرعون الآيات كلها ثم إنه لم يقبلها واختلفوا في المراد بالآيات، فقال بعضهم أراد كل الأدلة ما يتصل بالتوحيد وما يتصل بالنبوة، أما التوحيد فما ذكر في هذه السورة من قوله: { أية : رَبُّنَا ٱلَّذِى أَعْطَىٰ كُلَّ شَىء خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ } تفسير : [طه: 50] وقوله: {أية : ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ مَهْداً } تفسير : [طه: 53] الآية، وما ذكر في سورة الشعراء: { أية : قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ؟ * قَالَ رَبّ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } تفسير : [الشعراء: 23، 24] الآيات، وأما النبوة فهي الآيات التسع التي خص الله بها موسى عليه السلام وهي العصا واليد وفلق البحر والحجر والجراد والقمل والضفادع والدم ونتق الجبل وعلى هذا التقرير معنى أريناه عرفناه صحتها وأوضحنا له وجه الدلالة فيها، ومنهم من حمل ذلك على ما يتصل بالنبوة وهي هذه المعجزات، وإنما أضاف الآيات إلى نفسه سبحانه وتعالى مع أن المظهر لها موسى عليه السلام لأنه أجراها على يديه كما أضاف نفخ الروح إلى نفسه فقال: { أية : فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا } تفسير : [الأنبياء: 91] مع أن النفخ كان من جبريل عليه السلام، فإن قيل قوله: كلها يفيد العموم والله تعالى ما أراه جميع الآيات لأن من جملة الآيات ما أظهرها على الأنبياء عليهم السلام الذين كانوا قبل موسى عليه السلام والذين كانوا بعده قلنا: لفظ الكل وإن كان للعموم لكن قد يستعمل في الخصوص عند القرينة كما يقال دخلت السوق فاشتريت كل شيء أو يقال إن موسى عليه السلام أراه آياته وعدد عليه آيات غيره من الأنبياء عليهم السلام فكذب فرعون بالكل أو يقال تكذيب بعض المعجزات يقتضي تكذيب الكل فحكى الله تعالى ذلك على الوجه الذي يلزم ثم إنه سبحانه وتعالى حكى عنه أنه كذب وأبى قال القاضي: الإباء الامتناع وإنه لا يوصف به إلا من يتمكن من الفعل والترك ولأن الله تعالى ذمه بأنه كذب وبأنه أبى ولو لم يقدر على ما هو فيه لم يصح، واعلم أن هذا السؤال مر في سورة البقرة في قوله: { أية : إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَٱسْتَكْبَرَ } تفسير : [البقرة: 34] والجواب مذكور هناك، ثم حكى الله تعالى شبهة فرعون وهي قوله: {أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يٰمُوسَىٰ } وتركيب هذه الشبهة عجيب وذلك لأنه ألقى في مسامعهم ما يصيرون به مبغضين له جداً وهو قوله: {أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا } وذلك لأن هذا مما يشق على الإنسان في النهاية ولذلك جعله الله تعالى مساوياً للقتل في قوله: { أية : أَنِ ٱقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ أَوِ ٱخْرُجُواْ مِن دِيَـٰرِكُمْ } تفسير : [النساء: 66] ثم لما صاروا في نهاية البغض له أورد الشبهة الطاعنة في نبوته عليه السلام وهي أن ما جئتنا به سحر لا معجز، ولما علم أن المعجز إنما يتميز عن السحر لكون المعجز مما يتعذر معارضته والسحر مما يمكن معارضته قال: {فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مّثْلِهِ } أما قوله تعالى: {فَٱجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً لاَّ نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنتَ } فاعلم أن الموعد يجوز أن يكون مصدراً ويجوز أن يكون اسماً لمكان الوعد كقوله: { أية : وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ } تفسير : [الحجر: 43] وأن يكون اسماً لزمان الوعد كقوله: { أية : إِنَّ مَوْعِدَهُمُ ٱلصُّبْحُ } تفسير : [هود: 81] والذي في هذه الآية بمعنى المصدر أي اجعل بيننا وبينك وعداً لا نخلفه لأن الوعد هو الذي يصح وصفه بالخلف. أما الزمان والمكان فلا يصح وصفهما بذلك، ومما يؤكد ذلك أن الحسن قرأ يوم الزينة بالنصب وذلك لا يطابق المكان والزمان وإنما نصب مكاناً لأنه هو المفعول الثاني للجعل والتقدير اجعل مكان موعد لا نخلفه مكاناً سوى. أما قوله: {سُوًى } فاعلم أنه قرأ عاصم وحمزة وابن عامر {سُوًى } بضم السين والباقون بكسرها وهما لغتان مثل طوى وطوى، وقرىء أيضاً منوناً وغير منون، وذكروا في معناه وجوهاً: أحدها: قال أبو علي مكاناً تستوي مسافته على الفريقين وهو المراد من قول مجاهد قال قتادة منصفاً بيننا. وثانيها: قال ابن زيد: {سُوًى } أي مستوياً لا يحجب العين ما فيه من الارتفاع والانخفاض فسوى على التقدير الأول صفة المسافة وعلى هذا التقدير صفة المكان والمقصود أنهم طلبوا موضعاً مستوياً لا يكون فيه ارتفاع ولا انخفاض حتى يشاهد كل الحاضرين كل ما يجري. وثالثها: مكاناً يستوي حالنا في الرضاء به. ورابعها: قال الكلبي: مكاناً سوى هذا المكان الذي نحن فيه الآن.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا} أي المعجزات الدالة على نبوّة موسى. وقيل: حجج الله الدالة على توحيده. {فَكَذَّبَ وَأَبَىٰ} أي لم يؤمن. وهذا يدل على أنه كفر عِناداً، لأنه رأى الآيات عِياناً لا خبراً. نظيره {أية : وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسْتَيْقَنَتْهَآ أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً} تفسير : [النمل: 14]. قوله تعالى: {قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يٰمُوسَىٰ } لما رأى الآيات التي أتاه بها موسى قال: إنها سحر؛ والمعنى: جئت لتوهم الناس أنك جئت بآية توجب اتباعك والإيمان بك، حتى تغلب على أرضنا وعلينا. {فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِّثْلِهِ} أي لنعارضنك بمثل ما جئت به ليتبين للناس أن ما أتيت به ليس من عند الله. {فَٱجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً} هو مصدر؛ أي وعداً. وقيل: الموعد اسم لمكان الوعد؛ كما قال تعالى: {أية : وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ } تفسير : [الحجر: 43] فالموعد هاهنا مكان. وقيل: الموعد اسم لزمان الوعد؛ كقوله تعالى: {أية : إِنَّ مَوْعِدَهُمُ ٱلصُّبْحُ} تفسير : [هود: 81] فالمعنى: اجعل لنا يوماً معلوماً، أو مكاناً معروفاً. قال القشيري: والأظهر أنه مصدر ولهذا قال: {لاَّ نُخْلِفُهُ} أي لا نخلف ذلك الوعد، والإخلاف أن يعد شيئاً ولا ينجزه. وقال الجوهري: والميعاد المواعدة والوقت والموضع وكذلك المَوْعِد. وقرأ أبو جعفر بن القعقاع وشيبة والأعرج «لاَ نُخْلِفْهُ» بالجزم جواباً لقوله «اجْعَلْ». ومن رفع فهو نعت لـ«ـموعد» والتقدير. موعداً غير مخلف. {مَكَاناً سُوًى} قرأ ابن عامر وعاصم وحمزة «سُوًى» بضم السين. الباقون بكسرها؛ وهما لغتان مثل عُداً وعِداً وطُوًى وطِوًى. واختار أبو عبيد وأبو حاتم كسر السين لأنها اللغة العالية الفصيحة. وقال النحاس: والكسر أعرف وأشهر. وكلهم نوّنوا الواو، وقد روي عن الحسن، واختلف عنه ضم السين بغير تنوين. واختلف في معناه فقيل: سوى هذا المكان؛ قاله الكلبي. وقيل: مكاناً مستوياً يتبيّن للناس ما بينّاه فيه؛ قاله ابن زيد. ابن عباس: نصفاً. مجاهد: منصفاً؛ وعنه أيضاً وقتادة عَدلاً بيننا وبينك. وقال النحاس: وأهل التفسير على أن معنى «سُوًى» نَصَف وعَدْل وهو قول حسن؛ قال سيبويه يقال: سِوى وسُوًى أي عَدْل؛ يعني مكاناً عَدْلاً بين المكانين فيه النَّصَفة؛ وأصله من قولك: جلس في سَواء الدار بالمدّ أي في وسطها؛ ووسط كل شيء أعدله؛ وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ {أية : وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً} تفسير : [البقرة: 143] أي عدلاً، وقال زهير:شعر : أَرُونَا خُطَّةً لا ضَيْمَ فِيها يُسَوِّي بيننا فيها السَّوَاءُ تفسير : وقال أبو عبيدة والقتبي: وسطا بين الفريقين؛ وأنشد أبو عبيدة لموسى بن جابر الحنفي:شعر : وإنَّ أبانا كان حَلّ ببلدةٍ سِوًى بين قيسٍ قيسِ عَيْلاَنَ والفِزْرِ تفسير : والفِزْر: سعد بن زيد مَناة بن تميم. وقال الأخفش: «سِوًى» إذا كان بمعنى غير أو بمعنى العدل يكون فيه ثلاث لغات: إن ضممت السين أو كسرت قصرت فيهما جميعاً. وإن فتحت مددت، تقول: مكان سِوًى وسُوًى وسَواء؛ أي عدل ووسط فيما بين الفريقين. قال موسى بن جابر:شعر : وجدنـا أبانـا كـان حَـلَّ ببـلـدةٍ تفسير : البيت. وقيل: «مكاناً سوى» أي قصداً؛ وأنشد صاحب هذا القول:شعر : لو تَمنَّتْ حَبِيبتي ما عَدَتْنِي أو تَمنَّيتُ ما عَدوتُ سِواها تفسير : وتقول: مررت برجل سِواك وسُوَاك وسَوَائِك أي غيرك. وهما في هذا الأمر سواء وإن شئت سواءان. وهم سواء للجميع وهم أسواء؛ وهم سواسية مثل ثمانية على غير قياس. وانتصب «مكاناً» على المفعول الثاني لـ«ـجعل». ولا يحسن انتصابه بالموعد على أنه مفعول أو ظرف له؛ لأن الموعد قد وصف، والأسماء التي تعمل عمل الأفعال إذا وصفت أو صغِّرت لم ينبغ أن تعمل لخروجها عن شبه الفعل، ولم يحسن حمله على أنه ظرف وقع موقع المفعول الثاني؛ لأن الموعد إذا وقع بعده ظرف لم تجره العرب مجرى المصادر مع الظروف، لكنهم يتسعون فيه كقوله تعالى: {أية : إِنَّ مَوْعِدَهُمُ ٱلصُّبْحُ} تفسير : [هود: 81] و{مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ ٱلزِّينَةِ}. واختلف في يوم الزينة، فقيل هو يوم عيد كان لهم يتزيَّنون ويجتمعون فيه؛ قاله قتادة والسدي وغيرهما. وقال ابن عباس وسعيد بن جبير: كان يوم عاشوراء. وقال سعيد بن المسيّب: يوم سوق كان لهم يتزيَّنون فيها؛ وقاله قتادة أيضاً. وقال الضحاك: يوم السبت. وقيل: يوم النيروز؛ ذكره الثعلبي. وقيل: يومٌ يكسر فيه الخليج؛ وذلك أنهم كانوا يخرجون فيه يتفرجون ويتنزهون؛ وعند ذلك تأمن الديار المصرية من قِبل النيل. وقرأ الحسن والأعمش وعيسى الثقفي والسُّلَمي وهبيرة عن حفص «يَوْمَ الزِّينَةِ» بالنصب. ورويت عن أبي عمرو؛ أي في يوم الزينة إنجاز موعدنا. والباقون بالرفع على أنه خبر الابتداء. {وَأَن يُحْشَرَ ٱلنَّاسُ ضُحًى} أي وجمع الناس؛ فـ«ـأَنْ» في موضع رفع على قراءة من قرأ «يَوْمُ» بالرفع. وعطف {وَأَن يُحْشَرَ} يقوّي قراءة الرفع؛ لأن «أَنْ» لا تكون ظرفاً، وإن كان المصدر الصريح يكون ظرفاً كمقدم الحاج؛ لأن من قال: آتيك مقدم الحاج لم يقل آتيك أن يقدم الحاج. النحاس: وأولى من هذا أن يكون في موضع خفض عطفاً على الزينة. والضحا مؤنثة تصغرها العرب بغير هاء لئلا يشبه تصغيرها تصغير ضحوة؛ قاله النحاس. وقال الجوهري: ضحوة النهار بعد طلوع الشمس، ثم بعده الضُّحَا وهي حين تُشرق الشمس؛ مقصورة تؤنث وتذكّر؛ فمن أنث ذهب إلى أنها جمع ضحوة؛ ومن ذكّر ذهب إلى أنه اسم على فُعَل مثل صُرَد ونُغَر؛ وهو ظرف غير متمكن مثل سحر؛ تقول: لقيته ضُحاً؛ وضُحَا إذا أردت به ضُحَا يومك لم تنوّنه، ثم بعده الضَّحاء ممدود مذكر، وهو عند ارتفاع النهار الأعلى. وخصّ الضُّحا لأنه أول النهار، فلو امتد الأمر فيما بينهم كان في النهار متَّسع. وروي عن ابن مسعود والجحدري وغيرهما وأن «يَحْشُرَ النَّاسَ» على معنى وأن يحشر الله الناس ونحوه. وعن بعض القراء «وَأَنْ تَحْشُرَ الناس» والمعنى وأن تحشر أنت يا فرعون الناس. وعن الجحدري أيضاً «وَأَنْ نَحْشُرَ» بالنون. وإنما واعدهم ذلك اليوم؛ ليكون علو كلمة الله، وظهور دينه، وكبت الكافر، وزهوق الباطل على رؤوس الأشهاد، وفي المجمع الغاصّ لتقوى رغبة من رغب في الحقّ، ويكلّ حدّ المبطلين وأشياعهم، ويُكثر المحدّثُ بذلك الأمر العلم في كل بدو وحضر، ويشيع في جمع أهل الوَبَر والمدَر. قوله تعالى: {فَتَوَلَّىٰ فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ} أي حِيَله وسحره؛ والمراد جَمْع السّحرة. قال ابن عباس: كانوا اثنين وسبعين ساحراً، مع كل ساحر منهم حبال وعصيّ. وقيل: كانوا أربعمائة. وقيل: كانوا اثني عشر ألفاً. وقيل: أربعة عشر ألفاً. وقال ابن المنكدر: كانوا ثمانين ألفاً. وقيل: كانوا مجتمعين على رئيس يقال له شمعون. وقيل: كان اسمه يوحنا معه اثنا عشر نقيباً، مع كل نقيب عشرون عريفاً، مع كل عريف ألف ساحر. وقيل: كانوا ثلاثمائة ألف ساحر من الفيوم، وثلاثمائة ألف ساحر من الصعيد، وثلاثمائة ألف ساحر من الريف، فصاروا تسعمائة ألف، وكان رئيسهم أعمى. {ثُمَّ أَتَىٰ} أي أتى الميعاد. {قَالَ لَهُمْ مُّوسَىٰ} أي قال لفرعون والسحرة {وَيْلَكُمْ} دعاء عليهم بالويل. وهو بمعنى المصدر. وقال أبو إسحاق الزجاج: هو منصوب بمعنى ألزمهم الله وَيْلاً. قال: ويجوز أن يكون نداء كقوله تعالى: {أية : يٰوَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا} تفسير : [يۤس: 52]. {لاَ تَفْتَرُواْ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً} أي لا تختلقوا عليه الكذب، ولا تشركوا به، ولا تقولوا للمعجزات إنها سحر. {فَيُسْحِتَكُم بِعَذَابٍ} مِن عِنده أي يستأصلكم بالإهلاك. يقال فيه: سَحَت وأَسْحت بمعنًى. وأصله من استقصاء الشَّعْر. وقرأ الكوفيون «فَيُسْحِتَكُمْ» من أسْحَت، الباقون «فَيَسْحَتَكُمْ» من سَحَت وهذه لغة أهل الحجاز و(الأولى لغة) بني تميم. وانتصب على جواب النهي. وقال الفرزدق:شعر : وعَضّ زمانٍ يا ابنَ مَرْوانَ لم يَدَعْ من المالِ إِلاَّ مُسْحَتاً أو مُجَلَّفُ تفسير : الزمخشري: وهذا بيت لا تزال الركب تصطك في تسوية إعرابه. {وَقَدْ خَابَ مَنِ ٱفْتَرَىٰ} أي خسر وهلك، وخاب من الرحمة والثواب من ادعى على الله ما لم يأذن به.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَلَقَدْ أَرَيْنَٰهُ } أي أبصرنا فرعون {ءَايَٰتِنَا كُلَّهَا } التسع {فَكَذَّبَ } بها وزعم أنه سحر {وَأَبَىٰ } أن يوحِّد الله تعالى.

ابن عبد السلام

تفسير : {ءَايَاتِنَا} الدالة على التوحيد، أو على نبوة موسى صلى الله عليه وسلم. {فَكَذَّبَ} الخبر {وَأَبَى} الطاعة.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ ءَايَاتِنَا} الآية. هذه الرؤية بصرية فلما دخلت همزة النقل تعدت بها إلى اثنين أولهما الهاء والثاني "ءَايَاتِنَا". والمعنى: أبْصَرْنَاه، والإضافة هنا قائمة مقام التعريف العهدي، أي: الآيات المعروفة كالعصا واليد ونحوهما. وإلا فَلَم يُرِ الله تعالى فرعون جميع آياته. وجوَّز الزمخشري أن يراد بها الآيات على العموم، بمعنى أن موسى - عليه السلام - أراه الآية التي بعث بها وعدد عليه الآيات التي جاءت بها الرسل قبله عليهم السلام وهو نبيٌّ صادق لا فرق بين ما يخبر عنه وبين ما يشاهد به. قال أبو حيان: وفيه بُعد، لأن الإخبار بالشيء لا يسمَّى رؤية له إلا بمجاز بعيد وقيل: بل الرؤية هنا قلبية، فالمعنى: أعْلَمْنَاه، وأيَّد ذلك أنه لم يُرِه إلا العصا واليد فقط. ومن جوَّز استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه، أو إعمال المشترك في معنييه يجيز أن يراد المعنيان جميعاً. وتأكيد الآيات بـ "كُلَّها" يدل على إرادة العموم، لأنهم قالوا: فائدة التوكيد بكلٍّ وأخواتها رفع توهم وضع الأخص موضع الأعم فلا يُدَّعى أنه أراد بالآيات آيات مخصوصة، وهذا يتمشى على أن الرؤية قلبية. ويراد بالآيات ما يدل على وحدانية الله تعالى وصدق المبلِّغ، فأما الآيات الدالة على الوحدانية فقوله: {أية : ٱلَّذِيۤ أَعْطَىٰ كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ} تفسير : [طه: 50]، وقوله: {أية : ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ مَهْداً} تفسير : [طه: 53] إلى آخره. وما ذكره في سورة الشعراء: {أية : قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ قَالَ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَآ} تفسير : [الشعراء: 23- 24] الآيات. وأما الآيات الدالة على صدق المبلِّغ فهي الآيات التسع المختصة بموسى - عليه السلام -، وهي العَصَا، واليَد، وفلقُ البحر، والحجرُ، والجرَادُ، والقملُ، والضَّفَادِع، والدَّم، ونَتْقُ الجَبَلِ. ومعنى "أَرَيْنَاهُ" عرَّفناه صحتها، وأوضحنا له وجه الدلالة فيها. وإنما أضاف الآيات إلى نفسه سبحانه وتعالى مع أنَّ المظهر لها موسى، لأنه أجراها على يديه، كما أضاف نفخَ الروح إلى نفسه فقال: {أية : فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا} تفسير : [الأنبياء: 91] مع أن النفخَ كان من جبريل (عليه السلام) - ولم يذكر مفعول التكذيب والإباء تعظيماً له، وهو معلوم. قوله: {وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ ءَايَاتِنَا} يعني الآيات التسع "فَكَذَّب" بها وزعم أنها سِحْرٌ "وَأَبَى" أن يسلم. فإن قيل: قوله: "كُلَّهَا" يفيد العموم، والله - تعالى - ما أراه جميع الآيات، لأن من جملة الآيات ما أظهرها على أيدي الأنبياء قبل موسى - عليه السلام وبعده. فالجواب: لفظ الكُلِّ وإنْ كانَ للعموم لكن قد يستعمل في الخصوص مع القرينة، كما يقال: دَخَلْتُ السوق فاشتريت كلَّ شيء، أو يقال إن موسى - عليه السلام - أراه آياته، وعدد عليه آيات غيره من الأنبياء، فكذَّب فرعونُ بالكُلِّ، أو يقال: تكذيب بعض المعجزات يقتضي تكذيب الكل، فحكى الله - تعالى - ذلك على الوجه الذي يلزم. قال القاضي: الإباء الامتناع، وإنه لا يوصف به إلا من كذَّبَ بتمكنٍ من الفعل والترك، ولأنه تعالى ذمَّه بأنه كذَّب، وبأنه أبَى، وإن لم يقدر على ما هو فيه لم يصح. وهذا السؤال وجوابه تقدم في سورة البقرة في {أية : إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَٱسْتَكْبَرَ} تفسير : [البقرة:34]. قوله: {أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا} يعني مصر {بِسِحْرِكَ يَا مُوسَىٰ} وتركيب هذه الشبهة عجيب، وذلك لأنه ألقى في مسامعهم ما يصيرون مبغضين له جداً بقوله: {أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا}، لأن هذا مما يشق على الإنسان في النهاية، ولذلك جعله الله تعالى مساوياً للقتل في قوله {أية : ٱقْتُلُوۤاْ أَنفُسَكُمْ أَوِ ٱخْرُجُواْ مِن دِيَارِكُمْ} تفسير : [النساء: 66]، ثم لما صاروا في نهاية البغض له أورد الشبهة الطاعنة في نبوته - عليه السلام - وهي أنَّ ما جئتنا به سِحْرٌ لا معجز، ولمَّا علم أنَّ المعجز إنما يتميز عن السحر، لكون المعجز مما يتعذر بمعارضته قال: {فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِّثْلِهِ}. قوله: "فَلَنَأتِيَنَّكَ" جواب قسم محذوف تقديره: والله لنأتينَّكَ. وقوله "بِسِحْرٍ" يجوز أن يتعلق بالإتيان وهذا هو الظاهر. ويجوز أن يتعلق بمحذوف على أنَّه حال من فاعل الإتيان أي ملتبسين بسحرٍ. قوله: "مَوْعِداً" يجوز أن يكون زماناً كقوله: {أية : إِنَّ مَوْعِدَهُمُ ٱلصُّبْحُ} تفسير : [هود: 81] ويرجحه قوله: "مَوْعِدُكُمْ يَوْمَ الزِّينَةِ"، (والمعنى: عَيِّن لنا وَقْتَ اجتماعنا، ولذلك أجابهم بقوله: "مَوْعِدُكُمْ يَوْمَ الزِّينَةِ" وضعَّفوا هذا بأنه ينبو عنه قوله: "مَوْعِدُكُم يَوْمَ الزِّينَةِ"). وبقوله: "لاَ نُخْلِفُه". وأجاب عن قوله: "لاَ نُخْلِفُهُ" بأن المعنى: لا نخلف الوقت في الإجتماع فيه. ويجوز أن يكون مكاناً. والمعنى: بَيِّنْ لنا مكاناً معلوماً نعرفه نحن وأنت فنأتيه، ويؤيد بقوله: "مَكَاناً سُوًى". قال فهذا يدل على أنه مكان، وهذا يَنْبُو عنه قوله: {مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ}، ويجوز أن يكون مصدراً أي اجعل بيننا وبينك وعداً لا نخلِفه، ويؤيد هذا قوله: {لاَّ نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلاَ أَنتَ}، لأن الموعد هو الذي يصح وصفه بالخلف وعدمه، وإلى هذا نحا جماعة مختارين له ويُرَدُّ عليهم بقوله: "مَوْعِدكُمْ يَوْمَ الزِّينَةِ" (فإنه لا يطابقه). وقال الزمخشري: إن جعلته زماناً نظراً في أن قوله: "مَوْعِدكُمْ يَوْمَ الزِّينَةِ" مطابق له، لزمك شيئان: أن تجعل الزمان مخلفاً، وأن يعضل عليك ناصب مكاناً، (وإن جعلته مكاناً) لقوله: "مَكَاناً سُوى" لزمك أيضاً أن توقع الإخلاف على المكان، وأن لا يطابق قوله: "مَوْعِدُكُمْ يَوْمَ الزِّينَةِ"، وقراءة الحسن غير مطابقة له زماناً ومكاناً جميعاً، لأنه قرأ "يَوْمَ الزِّينَةِ" بالنصب، فقي أن يُجْعَل مصدراً يعني الوعد، ويقدَّر مضاف محذوف أي: مكان الوعد، ويجعل الضمير في "تُخْلِفُه" للموعد، و "مكاناً" بدل من المكان المحذوف. فإن قلت: فكيف طابقه قوله: "مَوْعِدكُمْ يَوْمَ الزِّينَةِ" ولا بد من أن تجعله زماناً والسؤال واقع عن المكان لا عن الزمان؟ قلت: هو مطابق معنى وإن لم يطابقه لفظاً، لأنهم لا بدَّ لهم أن يجتمعوا يوم الزينة في مكان بعينه مشتهر باجتماعهم فيه في ذلك الزمان، فبذكر الزمان علم المكان وأما قراءة الحسن فالموعد فيها مصدر لا غير، والمعنى: إنجاز وَعْدِكم يوم الزينة، وطابق هذا أيضاً من طريق المعنى، ويجوز أن لا يقدر مضاف محذوف ويكون المعنى: اجْعَلْ بينَنَا وبينَك وَعْداً لا نُخْلِفُه. وقال أبو البقاء: هو هنا مصدر لقوله: {لاَّ نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلاَ أَنتَ} والجعل هنا بمعنى التصير و "مَوْعِداً" مفعول أول، والظرف هو الثاني، والجملة من قوله: "لاَ نُخْلِفُهُ" صفة لموعد، و "نَحْنُ" توكيدٌ مصحِّحٌ للعطف على الضمير المرفوع المستتر في "نُخْلِفُه" و "مكاناً" بدل من المكان المحذوف كما قدره الزمخشري. وجوز أبو علي الفارسي وأبو البقاء أن ينتصب "مَكَاناً" على المفعول الثاني لـ "اجْعَلْ" قال: و "مَوْعِداً" على هذا مكان أيضاً، ولا ينتصب بموعد لأنه مصدر قد وصف. يعني أنه يصح (نصبه مفعولاً ثانياً، ولكن بشرط أن يكون الموعد بمعنى المكان ليطابق المبتدأ الخبر) في الأصل. وقوله: ولا ينتصب بالمصدر يعني أنه لا يجوز أن يدعي انتصاب "مَكَاناً" بموعد، والمراد بالموعد المصدر، وإن كان جائزاً من جهة المعنى، لأن الصناعة تأباه (وهو وصف المصدر. والمصدر شرط إعماله: عدم وصفه قبل العمل عند الجمهور). وهذا الذي منعه الفارسي وأبو البقاء جوزه الزمخشري وبدأ به فقال: فإن قلت: فيم ينتصب "مكاناً"؟ قلت: بالمصدر أو بما يدل عليه المصدر. فإن قلت: كيف يطابقه (فالجواب): فقلت: أما على قراءة الحسن فظاهر، وأما على قراءة العامة فعلى تقدير: (وَعْدكم وَعْدُ يوم زينة. قال أبو حيان: وقوله: إنَّ "مكاناً" ينتصب بالمصدر) ليس بجائز، لأنه قد وصف قبل العمل بقوله: "لاَ نُخْلِفُه"، وهو موصول، والمصدر إذا وصف قبل العمل لم يجز أن يعمل عندهم. قال شهاب الدين: الظروف والمجرورات يتسع فيها ما لا يتسع في غيرها، وفي المسألة خلاف مشهور. وأبو القاسم نحا إلى جواز ذلك. وجعل الحوفيُّ انتصاب "مكاناً" على الظرف وانتصابه بـ "اجْعَل" فتحصل في نصب "مكاناً" خمسة أوجه: أحدها: أنه بدلٌ من (مكاناً) المحذوف. الثاني: أنَّه مفعول ثانٍ للجَعْل. الثالث: أنَّهُ نُصبَ بإضمار فعل. الرابع: أنَّه منصوبٌ بنفس المصدر. الخامس: أنَّه منصوبٌ على الظرف بنفس "اجْعَل". وقرأ أبو جعفر وشيبة: "لا نُخْلِفْه" بالجزم على جواب الأمر والعامة بالرفع على الصفة لموعدكم كما تقدم. وقرأ ابن عامر وحمزة وعاصم والحسن: "سُوًى" بضم السين منوناً وصلاً. والباقون: بكسرها. وهما لغتان مثل: عِدًى وعُدًى وطِوًى وطُوًى، فالكسر والضم على أنها صفة بمعنى مكان عدلٍ إلاَّ أنَّ الصفة على فُعَل كثيرة نحو لُبَد وحُطَم (وقليلة على فِعَل. ولم ينوِّن الحسن "سُوَى" أجرى الوصل مجرى الوقف ولا جائز أن يكون منع صرفه للعدل وعلى فُعَل كعُمَر، لأن ذلك في الأعلام، وأما فُعَل في الصفات فمصروفة نحو حُطَم، ولُبد). وقرأ عيسى بن عمر "سِوَى" بالكسر من غير تنوين وهي كقراءة الحسن في التأويل. (وسوى معناه: عدلاً ونصفة. قال الفارسي: كأنه قال قربهُ منكُم قِرْبَةً منَّا. قال الأخفش): "سوى" مقصور إن كسرت سينه أو ضممت، وممدود إن فتحتها، ثلاث لغات، ويكون فيها جميعها بمعنى غَيْر، وبمعنى عدل ووسط بين الفريقين، قال الشاعر: شعر : 3663- وَإنَّ أَبَانَا كَانَ حَلَّ بِبَلْدَةٍ سِوًى بَيْنَ قَيْسٍ قَيْسِ عَيْلاَنَ والفِزَرْ تفسير : قال: وتقول: مررتُ برجل سِواك وسُواك وسَوائِك أي غيرك، ويكون للجميع وأعلى هذه اللغات الكسر. قاله النحاس. وزعم بعض أهل اللغة والتفسير أنَّ معنى: "مَكَاناً سوًى" مستوٍ من الأرض لا وعر فيه ولا جبل. فصل قال مقاتل وقتادة: مكاناً وعدلاً بيننا وبينك. وعن ابن عباس نصفاً أي: يستوى مسافة الفريقين إليه. وقال مجاهد: منصفاً بيننا. قال الكلبي: مكاناً سوى هذا المكان الذي نحن فيه. وقال ابن زيد: مستوٍ لا يحجب العين ما فيه من الارتفاع والانخفاض حتى يشاهد كل الحاضرين كل ما يجري. وقيل: "سِوَى" أي يستوي حالنا في الرضا به. قوله: "مَوْعِدُكُمْ يَوْم الزِّينَةِ" العامة على رفع "يَوْمُ الزِّينَةِ" خبراً لـ "مَوْعِدكُمْ"، فإن جعلت "مَوْعِدُكُم" زماناً لم يحتج إلى حذف مضاف، إذ التقدير: زمانُ الوعدِ يَوْمُ الزينة. (وإنْ جعلتَه مصدراً احتجت إلى حذف مضاف تقديره: وَعْدُكُمْ وَعْدُ يومِ الزينة). وقرأ الحسن والأعمش وعيسى وعاصم في بعض طرقه وأبو حيوة وابن أبي عبلة وقتادة والجحدري (وهبيرة) "يَوْمَ" بالنصب، وفيه أوجه: أحدها: أن يكون خبراً لمَوْعِدُكم أن المراد بالموعد المصدر، أي وَعْدُكُم كائنٌ في يوم الزِّينَة كقولك: القتال يوم كذا والسفر غداً. الثاني: أن يكون "مَوْعِدُكم" مبتدأ، والمراد به الزمان، و "ضُحى" خبره على نية التعريف فيه، لأنه ضحى ذلك اليوم بعينه. قاله الزمخشري ولم يبين ما الناصب لـ "يومَ الزِّيِنَةِ" ولا يجوز أن يكون منصوباً بـ "مَوْعِدُكم" على هذا التقدير، لأن مَفْعِلاً مراداً به الزمان أو المكان لا يعمل وإن كان مشتقاً، فيكون الناصب له فعلاً مقدراً. وواخذه أبو حسان في قوله: على نية التعريف. قال: لأنه وإن كان ضُحَى ذلك اليوم بعينه فليس على نية التعريف بل هو نكرة، وإن كان من يوم بعينه، لأنه ليس معدولاً عن الألف واللام كسَحَر، ولا هو معرف بالإضافة، ولو قلت: جئت يوم الجمعة بَكراً، لم ندع أن بكراً معرفة وإن كنت تعلم أنه من يوم بعينه. الثالث: أن يكون "مَوْعِدُكُم" مبتدأ، والمراد به المصدر، و "يَوْمَ الزِّينَةِ" (ظرف له، و "ضُحَى" منصوب على الظرف خبراً للموعد كما أخبر عنه في الوجه الأول بـ "يَوْمَ الزِّينَةِ") نحو: القتال يوم كذا. قوله: {وَأن يُحْشَرَ ٱلْنَّاسُ} في محله وجهان: أحدهما: الجر نسقاً (على الزينة أي: مَوْعِدُكُم يومَ الزِّينةِ ويوم أن يُحْشَرَ ويومَ حَشْر النَّاس). والثاني: الرفع نسقاً على "يوم". التقدير: موعدكم يوم كذا وموعدكم أن يُحْشَرَ الناس أي حشرهم. وقرأ ابن مسعود والجحدري وأو نهيك وعمرو بن فائد "وَأَنْ تَحْشر الناسَ" بتاء الخطاب في "تَحْشرَ" وروي عنهم "يَحشر" بياء الغيبة، و "الناسَ" نصب في كلتا القراءتين (على المفعولية) والضمير في القراءتين لفرعون أي وأن تَحْشرَ أنتَ يا فرعونُ (أوْ وأنْ يَحْشُرَ فرعون). وجوز بعضهم أن يكون الفاعل ضمير اليوم في قراءة الغيبة، وذلك مجاز لما كان الحشر واقعاً فيه نشب إليه نحو: نهاره صائم، وليله قائم. و "ضُحَى" نصب على الظرف العامل فيه "يُحْشَر" ويذكر ويؤنث "والضَّحاء" بالمد وفتح الضاد فوق الضحى، لأن الضُّحى ارتفاع النهار والضَّحاءُ بعد ذلك، وهو مذكر لا غير. فصل قال مجاهد وقتادة والسدي: "يَوْمُ الزِّينَةِ" كان يوم عيد لهم يتزيَّنُون فيه، ويجتمعون في كل سنة. وقيل: هو يوم النيروز، قاله مقاتل. وقال ابن عباس وسعيد بن جبير: يوم عاشوراء. واختلفوا في القائل {مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ ٱلْزِّينَةِ} فقيل: هو فرعون بيَّن الوقت. قال: القاضي: لأن المطالب بالاجتماع هو فرعون. والظاهر أنه من كلام موسى لأن جواب لقول فرعون {فَٱجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً} وأيضاً: إن تعيين يوم الزينة يقتضي اطلاع الكل على ما سيقع فيه، فتعيينه إنما يليق بالمحق الذي يعرف أن اليد له لا بالمبطل الذي يعرف أنه لس معه إلا التلبيس. وأيضاً: فقوله: "مَوْعِدُكُمْ" خطاب للجميع، فلو جعلناه من فرعون لموسى وهارون لزم إما حمله على التعظيم وذلك لا يليق بحال فرعون معهما، أو على أن أقل الجمع اثنان وهو غير جائز، أما لو جعلناه من موسى إلى فرعون وقومه استقام الكلام. وإنما أوعدهم ذلك اليوم، ليكون علو كلمة الله، وظهور دينه وكبت الكافرين، وزهوق الباطل على رؤوس الأشهاد في المجمع العام ليكثر المحدث بذلك الأمر العجيب في كل بدو وحضر، ويشيع في جميع أهل الوبر والمدر. قال القاضي: إنه عين اليوم بقوله "يَوْم الزِّينَةِ"، ثم عين من اليوم وقتاً معيناً بقوله: {وَأَن يُحْشَرَ ٱلْنَّاسُ ضُحًى} أي: وقت الضحوة نهاراً جهاراً.

القشيري

تفسير : أمره بجهره، وأعماه عن شهود ذلك بِسِره، فما نَجَعَ فيه كلامهُ، وما انتفعَ بما حذّره من انتقامه، ويَسَّرَ من إنعامه.

اسماعيل حقي

تفسير : {ولقد اريناه آياتنا كلها} اضافة الآيات عهدية وكلها تأكيد لشمول الانواع اى وبالله لقد بصرنا فرعون على يدى موسى آياتنا كلها من العصا واليد وغيرهما على مهل من الزمان او عرفناه صحتها واوضحنا وجه الدلالة فهيا {فكذب} بالآيات كلها من فرط عناده من غير تردد وتأخير وزعم انها سحر {وابى} عن قبولها لعتوه والاباء شدة الامتناع فكل اباء امتناع وليس كل امتناع اباء.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {موعدًا}: مصدر، مفعول أول لـ {اجعل}. و {مكانًا}: مفعول بفعل محذوف، أي: تعدنا مكانًا سُوى، لا بموعد، لأنه وصف، ويجوز نصبه على إسقاط الخافض، و {يوم الزينة}: على حذف مضاف، أي: مكان يوم الزينة، و {أن يحشر}: عطف على يوم، أو الزينة. يقول الحقّ جلّ جلاله: {ولقد أريناه} أي: فرعون، {آياتنا}، حين قال له: {أية : فَأْتِ بِهِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ فَأَلْقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَآءُ لِلنَّاظِرِينَ} تفسير : [الشُّعَرَاء: 31-33]، وعبّر بالجمع، مع كونهما اثنتين، باعتبار ما في تضاعيفهما من الخوارق، التي كل واحدة منها آية. وقد رأى فرعونُ من هاتين الآيتين أمورًا دواهي، فإنه روى أنه عليه السلام، لما ألقى العَصا، انقلبت ثعبانًا أشعر، فاغرًا فاه، بين لَحْيَيْهِ ثمانون ذراعًا، وضع لحيه الأسفل على الأرض، والأعلى على سور القصر، ثم توجه نحو فرعون، فهرب وأحدث، وانهزم الناس مزدحمين، فمات منهم خمسة وعشرون ألفًا من قومه، فصاح فرعون: يا موسى أُنشدك الذي أرسلك إلا أخذته، فأخذه، فعاد عصًا. ورُوي أنها، لما انقلبت حية ارتفعت في السماء قدر ميل، ثم انحطت مقبلة نحو فرعون، وجعلت تقول: يا موسى مُرني بما شئت، ويقول فرعون: أنشدك... الخ. ونزع يده من جيبه، فإذا هي بيضاء بياضًا نورانيًا خارجًا عن العادة. ففي تضاعيف كُلٍّ من الآيتين آيات جمة، لكنها لما كانت غير مذكورة بالصراحة، أكدت بقوله تعالى: {كلَّها} ، كأنه قيل: أريناه آياتنا بجميع مستتبعاتها وتفاصيلها، قصدًا إلى بيان أنه لم يبق له في ذلك عذر. وقيل: أريناه آياتنا التسع، وهو بعيد؛ لأنها إنما ظهرت على يده عليه السلام بعد ما غلبت السحرة على مَهَل، في نحو من عشرين سنة، والكلام هنا قبل المعارضة، اللهم إلا أن يكون الحق تعالى أخبرنا أنه أراه الآيات التسع كلها، فأبى عن الإيمان، ثم رجع إلى إتمام القصة. وأبعد منه: من عَدّ في الآيات ما جُعِل لإهلاكهم، لا لإرشادهم إلى الإيمان؛ من فلق البحر، وما ظهر بعد مهلكه من الآيات الظاهرة لبني إسرائيل؛ من نتق الجبل والحجر، وغير ذلك، وكذلك من عَدّ منها الآيات الظاهرة على يد الأنبياء - عليهم السلام -؛ حيث حكاها موسى عليه السلام لفرعون، بناء على أن حكايته إياها له في حكم إظهارها بين يديه؛ لاستحالة الكذب عليه، فإنَّ حكايته إياها لفرعون مما لم يجر ذكره هنا، فكل هذا بعيد من سياق النظم الكريم. قال تعالى: {فَكَذَّبَ} فرعونُ موسى، {وأَبَى} الإيمان والطاعة، مع ما شاهد على يده من الشواهد الناطقة بصدقه. جحودًا وعنادًا؛ لعتوه واستكباره، وقيل: كذَّب بالآيات جميعًا، وأبَى أن يقبل شيئًا منها. {قال أجئتنا لتُخْرِجَنا من أرضنا بسحرك يا موسى}، هذا استئناف مُبين لكيفية تكذيبه وإبائه. والمجيء إما على حقيقته، أو بمعنى الإقبال على الأمر والتصدي له، أي: أجئتنا من مكانك الذي كنتَ فيه ترعى الغنم؛ لتُخرجنا من أرضنا؟ أو: أقبلت إلينا؛ لتُخرجنا من مصر؛ بما أظهرت لنا من السحر، فإن ذلك مما لا يصدر عن عاقل؛ لكونه من باب محاولة المحال، وإنما قاله؛ تحريضًا لقومه على مقت موسى والبعد عنه، بإظهار أن مراده عليه السلام إخراج القبط من وطنهم، وحيازة أموالهم، وإهلاكهم بالكلية، حتى لا يميل أحد إليه، {أية : وَٱللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ} تفسير : [يوسف: 21]. وسمى ما أظهره عليه السلام من المعجزة الباهرة سحرًا، ثم ادعى أنه يعارضه، حيث قال: {فَلنَأْتينك بسحرٍ مثله} أي: وإذا كان الأمر كذلك، فوالله لنأتينك بسحر مثل سحرك، {فاجعلْ بيننا وبينك موعدًا} أي: وعدًا {لا نُخلفه} أي: لا نخلف ذلك الوعد، ولا نجاوزه {نحنُ ولا أنت}، بل نجتمع فيه وقت ذلك الموعد، وإنما فوض اللعينُ أمرَ الوعد إلى موسى عليه السلام؛ للاحتراز عن نسبته إلى ضعف القلب ودخول الرعب إليه، وإظهار الجلادة، بإظهار أنه متمكن من تهيئَة أسباب المعارضة، طال الأمر أو قصر، كما أن تقديم ضميره على ضمير موسى عليه السلام، وتوسيط كلمة "النفي" بينهما؛ للإيذان بمسارعته إلى عدم الاختلاف. وقوله تعالى: {مكانًا سُوىً} أي: يكون ذلك الوعد - أي: وعد الاجتماع - في مكان مستوٍ، تستوي مسافته بيننا وبينك، عدلاً، لا ظلم على أحد في الإتيان إليه، منا ومنك، وفيه لغتان: ضم السين وكسرها. {قال} لهم موسى عليه السلام: {موعدُكُم يومُ الزينة} أي: مكان الزينة؛ لأن يوم الزينة يدل على مكان مشتهر باجتماع الناس فيه في ذلك اليوم، وهو يوم عيد لهم، في كل عام يتزينون ويجتمعون فيه، وقيل: يوم النيروز، وقيل: يوم عاشوراء، وقيل: يوم سوق لهم. {وأن يُحشر الناسُ ضحًى} أي: موعدكم يوم الزينة، وحشرُ الناس ضحى، أو يوم حشر الناس في وقت الضحى، يجتمعون نهارًا جهارًا، أراد عليه السلام أن يكون أبلغ في إظهار الحجة وإدحاض الباطل، بكونه على رؤوس الأشهاد. والله تعالى أعلم. الإشارة: من سبق له البعد عن الرحمن، لا ينفع فيه خوارق معجزاتٍ، ولا قاطع برهان ودليل، أبعده التكبر والطغيان، ودفعُ الحق بالباطل. نعوذ بالله من موارد الخذلان. ثمَّ ذكر جمعهم وما كان من شأنهم

الطوسي

تفسير : قوله {ولقد أريناه آياتنا كلها} تقديره أريناه آياتنا التي اعطيناها موسى واظهرناها عليه {كلها} لما يقتضيه حال موسى (ع) معه، ولم يرد جميع آيات الله التي يقدر عليها، ولا كل آية خلقها الله، لان المعلوم أنه لم يرد به جميعها. وقوله {فكذب وأبى} معناه نسب الخبر الذي أتاه الى الكذب {وأبى} امتنع مما دعي اليه من توحيد الله واخلاص عبادته والطاعة لما أمر به. وقال فرعون لموسى {أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك ياموسى} والسحر حيلة يخفى سببها ويظن بها المعجزة، ولذلك يكفر المصدق بالسحر، لانه لاَ يمكنه العلم بصحة النبوة مع تصديقه بأن الساحر يأتي بسحره بتغيير الثابت. ثم قال فرعون لموسى {فلنأتينك} يا موسى {بسحر} مثل سحرك {فاجعل بيننا وبينك موعداً لا نخلفه نحن ولا أنت مكاناً سوى} اي عدنا مكاناً نجتمع فيه ووقتا نأتي فيه {مكاناً سوى} أي مكاناً عدلا بيننا وبينك - في قول قتادة والسدي - وقيل معناه مستوياً يتبين الناس ما بيننا فيه - ذكره ابن زيد - وقيل: معناه يستوي حالنا في الرضا به. وفيه إذا قصر لغتان - كسر السين، وضمها - وإذا فتحت السين مددته نحو قوله {أية : إلى كلمة سواء بيننا وبينكم} تفسير : ومثله عدى وعدى. وطوى وطوى، وثنى وثنى. وقال ابو عبيدة: {سوى} النصف والوسط قال الشاعر: شعر : وإن ابانا كان حل ببلدة سوى بين قيس قيس غيلان والفزر تفسير : قيس وفزر قبيلتان هنا. والفزر القطيع من الشاء. والقيس القردة. والقيس مصدر قاس خطاه قيساً إذا سوى بينها. ويقال جارية تميس ميساً وتقيس قيساً، فمعنى تميس تتبختر. وسأل رجل اعرابياً: ما اسمك قال محمد، قال: والكنية، قال: ابو قيس. قال قبحك الله اتجمع بين اسم النبي والقرد. وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة {سوى} بضم السين، الباقون بالكسر. فقال له موسى {موعدكم يوم الزينة} وهو يوم عيد كان لهم - فى قول قتادة وابن جريج والسدي وابن زيد وابن اسحاق - وقال الفراء {يوم الزينة} يوم شرف كانوا يتزينون بها. وقوله {وأن يحشر الناس ضحى} يحتمل أن يكون فى موضع رفع، وتقديره موعدكم حشر الناس. ويحتمل ان يكون فى موضع جر وتقديره يوم يحشر الناس. وقوله {فتولى فرعون} أي اعرض عن موسى على هذا الوعد {فجمع كيده} من السحر و {اتى} يوم الموعد. وقرأ هبيرة عن حفص عن عاصم {يوم} بفتح الميم على الظرف. الباقون بضمها على أنه خبر {موعدكم} فجعلوا الموعد هو اليوم بعينه.

الجنابذي

تفسير : {وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ} بواسطة موسى (ع) {آيَاتِنَا} من جعل العصا حيّةً حيّةً، واليد البيضاء والآيات السّابقة على رسالة موسى (ع) من حين ولادته الى خروجه من مصر الدّالّة على علمنا وقدرتنا، وان لا مانع من امضاء مقاديرنا، وانّ الماكر معنا يمكر بنفسه، فيغلب من حيث مكره، او اعلمناه آياتنا الدّالّة على قدرتنا وعلمنا، وغلبتنا فى اليقظة والمنام من المعجزات وغيرها {كُلَّهَا} عموم الآيات وتأكيد العموم بالكلّ اضافى لا حقيقىّ يعنى الآيات الّتى يمكن اراءتها له {فَكَذَّبَ} موسى (ع) او فكذّب الآيات {وَأَبَىٰ} من الايمان بنا وبرسولنا وزعم انّ موسى (ع) مثل ابناء الزّمان طالب للملك الدّاثر.

اطفيش

تفسير : {وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ} أبصرناه - والضمير لفرعون، أو المعنى عرّفناه. وعلى كل فهو مِن رأى المتعدى لواحد، تعدى لاثنين لدخول الهمزة. {آياتِنَا كُلِّهَا} أى عرّفناه حجة آياتنا. ويجوز أن يكون أرى من رأى المتعدى لاثنين تعدى لثلاثة لدخول الهمزة والثالث محذوف، أى أعلمناه آياتنا صحاحا. والتأكيد بكل إما لشمول الأنواع؛ فإنه ولو أراه تسع آيات فقط لكن هذه التسع شاملة بالتضمين لغيرها. وإما شمول الأفراد التى هى التسع المذكورة: اليد والعصى وفلق البحر والحجر والجراد والقُمّل والضفادع والدم ونتق الجبل. وإما لشمول الإفراد كلها، بأن يكون موسى عليه الصلاة والسلام عدَّد عليه الآيات الواقعة للأنبياء، فالإضافة على الأول والثالث للاستغراق لكن على الأول إنما صح الاستغراق بالتضمين، وعلى الثانى للعهد وعدَّ بعضهم مكان نتق الجبل الطوفان. {فَكَذَّبَ} بها وقال: إنها سحر {وَأَبَى} امتنع من توحيد الله وطاعته، أو كره التوحيد والطاعة.

اطفيش

تفسير : {ولقد أريناهُ آياتنا} صيرناه رآهن ببصره أو صيرناه عارفهن بقلبه: اليد والعصا، أطلق الجمع على الاثنين وهو جائز مجاز مشهور، وقيل حقيقة بل إنهما تضمنا آيات كما سمى مقام إبراهيم آيات، رجعت ثعباناً أشعر فاغراً فاه بين لحييه ثمانون ذراعاً، وضع بمكه الأسفل على موز القصر، والآخر فى الهواء أو الأسفل فى الأرض، والأخر على السور، فتوجه نحو فرعون فهرب وانهزم الناس مزدحمين، فمات منهم خمسة عشر ألفاً فأنشده فرعون بالذى أرسلك أن تأخذ فأخذه، وروى أنها انقلبت حية، وارتفعت الى جهة السماء نحو ميل، فانحطت نحو فرعون قائلة: يا موسى مرنى بما شئت، وأنشده فرعون بما ذكر، ونزع يده بيضاء يغلب شعاعها شعاع الشمس، فاجتمعوا ينظرون إليها. {كلَّها} أى أياتنا المعهودة التى ذكرها كلها، لا كل آية وعد بعض منها حل العقدة، وليس المراد الآيات التسع لأنها لم تجتمع كلها على عهد فرعون، بل جلها بعد هلاكه، قيل: المراد أنواع الآيات كلها، هن بإيجاد معدوم، وإعدام موجود، وتغيير مع بقاء، وقيل آيات الأنبياء حكاها الى موسى، وإذا صرنا الى هذا لم يبعد الى أن يحكى له ما يكون له عليه السلام بعد فرق البحر، وشق الجبل، وغير ذلك، أوقد رأى صدقه فهو كأنه يراهن، ولعل المراد أريناه بما أريناه من الآيات كل آية، إذ فيها رآه الكفاية وزوال الشبهة بالكلية. {فكذَّب} هن أو بموسى دون تردد أو تأخير {وأبى} امتنع من قبولهن، أو من الحق أو من الإيمان والطاعة جحوداً بلسانه، عارفاً فى قلبه أنهن حق.

الالوسي

تفسير : {وَلَقَدْ أَرَيْنَـٰهُ } حكاية أخرى إجمالية لما جرى بين موسى عليه السلام وفرعون عليه اللعنة. وتصديرها بالقسم لإبراز كمال العناية بمضمونها. والاراءة من الرؤية البصرية المتعدية إلى مفعول واحد وقد تعدت إلى ثان بالهمزة أو من الرؤية القلبية بمعنى المعرفة وهي أيضاً متعدية إلى مفعول واحد بنفسها وإلى آخر بالهمزة، ولا يجوز أن تكون من الرؤية بمعنى العلم المتعدي إلى اثنين بنفسه وإلى ثالث بالهمزة لما يلزمه من حذف المفعول الثالث من الأعلام وهو غير جائز. وإسناد الإراءة إلى ضمير العظمة نظراً إلى الحقيقة لا إلى موسى عليه السلام نظراً إلى الظاهر لتهويل أمر الآيات وتفخيم شأنها وإظهار كمال شناعة اللعين وتماديه في الطغيان. وهذا الإسناد يقوي كون ما تقدم من قوله تعالى: {أية : ٱلَّذِى} تفسير : [طه: 53] الخ من كلامه عز وجل أي بالله لقد بصرنا فرعون أو عرفناه {ءايَـٰتِنَا } حين قال لموسى عليه السلام: {أية : إِن كُنتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ * فَأَلْقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ * وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَآءُ لِلنَّاظِرِينَ} تفسير : [الأعراف: 106-108] وصيغة الجمع مع كونهما اثنتين إما لأن إطلاق الجمع على الاثنين شائع على ما قيل أو باعتبار ما في تضاعيفهما من بدائع الأمور التي كل منها آية بينة لقوم يعقلون وقد ظهر عند فرعون أمور أخر كل منها داهية دهياء. فإنه روي أنه عليه السلام لما ألقاها انقلبت ثعباناً أشعر فاغراً فاه بين لحييه ثمانون ذراعاً وضع لحيه الأسفل على الأرض والأعلى على سور القصر فتوجه نحو فرعون فهرب وأحدث فانهزم الناس مزدحمين فمات منهم خمسة وعشرون ألفاً من قومه فصاح فرعون يا موسى أنشدك بالذي أرسلك إلا أخذته فأخذه فعاد عصا. وقد تقدم نحوه عن وهب بن منبه، وروي أنها انقلبت حية ارتفعت في السماء قدر ميل ثم انحطت مقبلة نحو فرعون وجعلت تقول: يا موسى مرني بما شئت ويقول فرعون: أنشدك الخ ونزع يده من جيبه فإذا هي بيضاء للناظرين بياضاً نورانياً خارجاً عن حدود العادات قد غلب شعاعه شعاع الشمس يجتمع عليه النظارة تعجباً من أمره ففي تضاعيف كل من الآيتين آيات جمة لكنها لما كانت غير مذكورة صريحاً أكدت بقوله تعالى: {كُلَّهَا } كأنه قيل: أريناه آياتنا بجميع مستتبعاتها وتفاصيلها قصداً إلى بيان أنه لم يبق [له] في ذلك عذر ما. والإضافة على ما قرر للعهد. وأدرج بعضهم فيها حل العقدة كما أدرجه فيها في قوله تعالى: {أية : ٱذْهَبْ أَنتَ وَأَخُوكَ بِـئَايَـٰتِى } تفسير : [طه: 42] وقيل: المراد بها آيات موسى عليه السلام التسع كما روي عن ابن عباس فيما تقدم والإضافة للعهد أيضاً. وفيه أن أكثرها إنما ظهر على يده عليه السلام بعد ما غلب السحرة على مهل في نحو من عشرين سنة. ولا ريب في أن أمر السحرة مترقب بعد، وعد بعضهم منها ما جعل لإِهلاكهم لا لإرشادهم إلى الإيمان من فلق البحر وما ظهر من بعد مهلكه من الآيات الظاهرة / لبني اسرائيل من نتق الجبل والحجر الذي انفجرت منه العيون. وعد آخرون منها الآيات الظاهرة على أيدي الأنبياء عليه السلام وحملوا الإضافة على استغراق الأفراد. وبنى الفريقان ذلك على أنه عليه السلام قد حكى جميع ما ذكر لفرعون وتلك الحكاية في حكم الإظهار والإراءة لاستحالة الكذب عليه عليه السلام. ولا يخفى أن حكايته عليه السلام تلك الآيات مما لم يجر لها ذكر هٰهنا مع أن ما سيأتي إن شاء الله تعالى من حمل ما أظهره عليه السلام على السحر والتصدي للمعارضة بالمثل مما يبعد ذلك جداً. وأبعد من ذلك كله إدراج ما فصله عليه السلام من أفعاله تعالى الدالة على اختصاصه سبحانه بالربوبية وأحكامها في الآيات، وقيل: الإضافة لاستغراق الأنواع و كل تأكيد له أي أريناه أنواع آياتنا كلها، والمراد بالآيات المعجزات وأنواعها وهي كما قال السخاوي: ترجع إلى إيجاد معدوم أو إعدام موجود أو تغييره مع بقائه وقد أري اللعين جميع ذلك في العصا واليد وفي الانحصار نظر ومع الإغماض عنه لا يخلو ذلك عن بعد، وزعمت الكشفية أن المراد من الآيات علي كرم الله تعالى وجهه أظهره الله تعالى لفرعون راكباً على فرس وذكروا من صفتها ما ذكروا. والجمع كما في قوله تعالى: {أية : آيات بَيّـنَـٰتٌ مَّقَامُ إِبْرٰهِيمَ} تفسير : [آل عمران: 97] وظهور بطلانه يغني عن التعرض لرده. والفاء في قوله تعالى: {فَكَذَّبَ } للتعقيب والمفعول محذوف أي فكذب الآيات أو موسى عليه السلام من غير تردد وتأخير {وَأَبَىٰ } أي قبول الآيات أو الحق أو الإيمان والطاعة أي امتنع عن ذلك غاية الامتناع وكان تكذيبه وإباؤه عند الأكثرين جحوداً واستكباراً وهو الأوفق بالذم. ومن فسر أرينا بعرفنا وقدر مضافاً أي صحة آياتنا وقال: إن التعريف يوجب حصول المعرفة قال بذلك لا محالة.

ابن عاشور

تفسير : رجوع إلى قصص موسى ــــ عليه السلام ــــ مع فرعون. وهذه الجملة بين الجمل التي حكت محاورة موسى وفرعون وقعت هذه كالمقدمة لإعادة سَوق ما جرى بين موسى وفرعون من المحاورة. فيجوز أن تكون الجملة معطوفة على جملة: {أية : قال فمن ربكما يا موسى}تفسير : [طه: 49] باعتبار ما يقدّر قبل المعطوف عليها من كلام حذف اختصاراً، تقديره: فأتيَاهُ فقالاَ ما أمرناهما أن يقولاه قال فمن ربّكما الخ. المعنى: فأتياه وقالا ما أمرناهما وأريناه آياتنا كلها على يد موسى ــــ عليه السلام ــــ. ويجوز أن تكون الجملة معترضة بين ما قبلها، والواو اعتراضيّة. وتأكيد الكلام بلام القسم و (قد) مستعمل في التعجيب من تصلّب فرعون في عناده، وقصد منها بيان شِدّته في كفره وبيان أن لموسى آيات كثيرة أظهرها الله لفرعون فلم تُجْد في إيمانه. وأجملت وعُممت فلم تفصل، لأنّ المقصود هنا بيان شدّة تصلبه في كفره بخلاف آية سورة الأعراف التي قصد منها بيان تعاقب الآيات ونصرتها. وإراءة الله إياه الآيات: إظهارها له بحيث شاهدها. وإضافة (آيات) إلى ضمير الجلالة هنا يفيد تعريفاً لآيات معهودة، فإن تعريف الجمع بالإضافة ــــ يأتي لما يأتي له التعريف باللاّم ــــ يكون للعهد ويكون للاستغراق، والمقصود هنا الأول، أي أرينا فرعون آياتنا التي جرت على يد موسى، وهي المذكورة في قوله تعالى: {أية : في تسع آيات إلى فرعون وقومه}تفسير : [النمل: 12]. وهي انقلاب العصا حيّة، وتبدّل لون اليد بيضاء، وسِنُو القحط، والجراد، والقُمَّل، والضفادع، والدم، والطوفان، وانفلاق البحر. وقد استمر تكذيبه بعد جميعها حتى لما رأى انفلاق البحر اقتحمه طمعاً للظفر ببني إسرائيل. وتأكيد الآيات بأداة التوكيد {كُلَّها} لزيادة التعجيب من عناده. ونظيره قوله تعالى: {أية : ولقد جاء آل فرعون النذر كذبوا بآياتنا كلها} تفسير : في سورة القمر (41، 42). وظاهر صنيع المفسرين أنهم جعلوا جملة {ولَقَدْ أريناهُ ءَايٰتِنَا} عطفاً على جملة {أية : قال فمن ربكما يا موسى}تفسير : [طه: 49]، وجملة {قال فمن ربكما} بياناً لجملة {فَكَذَّبَ وأَبَىٰ}. فيستلزم ذلك أن يكون عزم فرعون على إحضار السحرة متأخّراً عن إرادة الآيات كلها فوقعوا في إشكال صحة التعميم في قوله تعالى: {آياتِنَا كُلَّهَا} وكيف يكون ذلك قبل اعتراف السحرة بأنهم غلبوا مع أن كثيراً من الآيات إنما ظهر بعد زمن طويل مثل: سني القحط، والدم، وانفلاق البحر. وهذا الحمل لا داعي إليه لأنّ العطف بالواو لا يقتضي ترتيباً.

الشنقيطي

تفسير : أظهر القولين أن الإضافة في قوله {آيَاتِنا} مضمنة معنى العهد كالألف واللام. والمراد بآياتنا المعهودة لموسى كلها وهي التسع المذكورة في قوله: {أية : وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ} تفسير : [الإسراء: 101] الآية، وقوله تعالى: {أية : وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوۤءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ}تفسير : [النمل: 12] الآية. وقال بعضهم: الآيات التسع المذكورة هي: العصا، واليد البيضاء، وفلق البحر، والحجر الذي انفجرت منه اثنتا عشرة عيناً، والجراد، والقُمَّل، والضفادع، والدم، ونتق الجبل فوقهم كأنه ظلة. وقد قدمنا كلام أهل العلم في الآيات التسع في سورة "الإسراء". وقال بعض أهل العلم: العموم على ظاهره، وإن الله أرى فرعون جميع الآيات التي جاء بها موسى، والتي جاء بها غيره من الأنبياء، وذلك بأن عرفه موسى جميع معجزاته ومعجزات سائر الأنبياء. والأول هو الظاهر. وقد بين جل وعلا في غير هذا الموضع: أن الآيات التي أراها فرعون وقومه بعضها أعظم من بعض، كما قال تعالى في سورة "الزخرف": {أية : وَمَا نُرِيِهِم مِّنْ آيَةٍ إِلاَّ هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا} تفسير : [الزخرف: 48]، وقوله: {أية : لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا ٱلْكُبْرَىٰ} تفسير : [النازعات: 20] لأن الكبرى في الموضعين تأنيث الأكبر، وهي صيغة تفضيل تدل على أنها أكبر من غيرها. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {فَكَذَّبَ وَأَبَىٰ} يعني أنه مع ما أراه الله من الآيات المعجزات الدالة على صدق نبيه موسى، كذب رسول ربه موسى، وأبى عن قبول الحق. وقد أوضح جل وعلا في غير هذا الموضع شدة إبائه وعناده وتكبره على موسى في مواضع كثيرة من كتابه. كقوله: {أية : وَقَالُواْ مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِن آيَةٍ لِّتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ} تفسير : [الأعراف: 132]، وقوله تعالى: {أية : فَلَمَّا جَآءَهُم بِآيَاتِنَآ إِذَا هُم مِّنْهَا يَضْحَكُونَ} تفسير : [الزخرف: 47] وقوله: {أية : قَالَ لَئِنِ ٱتَّخَذْتَ إِلَـٰهَاً غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ ٱلْمَسْجُونِينَ} تفسير : [الشعراء: 29]، وقوله تعالى: {أية : وَنَادَىٰ فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يٰقَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَـٰذِهِ ٱلأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِيۤ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ أَمْ أَنَآ خَيْرٌ مِّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ فَلَوْلاَ أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ أَوْ جَآءَ مَعَهُ ٱلْمَلاَئِكَةُ مُقْتَرِنِينَ} تفسير : [الزخرف: 51-53]. ومقصوده بذلك كله تعظيم أمر نفسه وتحقير أمر موسى، وأنه لا يمكن أن يتبع الفاضل المفضول. وقد بين جل وعلا: أن فرعون كذب وأبى، وهو عالم بأن ما جاء به موسى حق. وأن الآيات التي كذب بها وأبى عن قبولها ما أنزلها إلا الله، وذلك في قوله تعالى: {أية : وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسْتَيْقَنَتْهَآ أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً} تفسير : [النمل: 14]. وقوله: {أية : قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَآ أَنزَلَ هَـٰؤُلاۤءِ إِلاَّ رَبُّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ بَصَآئِرَ وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يٰفِرْعَونُ مَثْبُوراً} تفسير : [الإسراء: 102] إلى غير ذلك من الآيات. وقوله: {أَرَيْنَاهُ} أصله من رأى البصرية على الصحيح.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: أريناه آياتنا كلها: أي أبصرناه حججنا وأدلتنا على حقيقة ما أرسلنا به رسولينا موسى وهارون إليه كلها فرفضها وأبى أن يصدق بأنهما رسولين إليه من رب العالمين. من أرضنا: أي أرض مصر التي فرعون ملك عليها. بسحرك يا موسى: يشير إلى العصا واليد البيضاء. مكاناً سوى: أي مكان عدل بيننا وبينك ونَصَفٍ، صالحاً للمباراة بحيث يكون ساحة كبرى مكشوفة مستوية يرى ما فيها كل ناظر إليها. يوم الزينة: أي يوم عيد يتزينون فيه ويقعدون عن العمل. وأن يحشر الناس ضحى: أي وأن يؤتى بالناس من كل أنحاء البلاد للنظر في المباراة. فتولى فرعون: أي انصرف من مجلس الحوار بينه وبين موسى وهارون في كبرياء وإعراض. فجمع كيده: أي ذوى كيده وقوته من السحرة. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في الحوار بين موسى وهارون من جهة وفرعون وملائه من جهة أخرى فقال تعالى: {وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ} أي أرينا فرعون {آيَاتِنَا كُلَّهَا} أي أدلتنا وحججنا على أن موسى وهارون رسولان من (قبلنا) أرسلناهما إليه، فكذب برسالتهما وأبى الاعتراف بهما، وقال ما أخبر تعالى به عنه: {قَالَ أَجِئْتَنَا} أي يا موسى {لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا} أي منازلنا وديارنا ومملكتنا {بِسِحْرِكَ} الذي انقلبت به عصاك حية تسعى، {فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِّثْلِهِ فَٱجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً} نتقابل فيه، {لاَّ نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلاَ أَنتَ مَكَاناً سُوًى} عدلاً بيننا وبينك يكون من الاعتدال والاتساع بحيث كل من ينظر إليه يرى ما يجرى فيه من المباراة بيننا وبينك. فأجاب موسى بما أخبر تعالى به عنه فقال: {مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ ٱلزِّينَةِ} وهو يوم عيد للأقباط يتجملون فيه ويقعدون عن العمل، {وَأَن يُحْشَرَ ٱلنَّاسُ ضُحًى} أي في يوم يجمع فيه الناس ضحى للتفرج في المباراة من كل أنحاء الممكلة وهنا تولى فرعون بمعنى انصرف من مجلس المحاورة وكله كبر وعناد فجمع قواته من السحرة لإِنفاذ كيده في موسى وهارون. وفي الآيات التالية تظهر الحقيقة. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- بيان كبر فرعون وصلفه وطغيانه. 2- للسحر آثار وله مدارس يتعلم فيها ورجال يحذقونه ويعلمونه. 3- مشروعية المبارزة والمباراة لإِظهار الحق وإبطال الباطل. 4- مشروعية اختيار المكان والزمان اللائق للقتال والمباراة ونحوهما.

د. أسعد حومد

تفسير : {أَرَيْنَاهُ} {آيَاتِنَا} (56) - وَيُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى: أَنَّهُ أَرَى فِرْعَوْنَ آيَاتِهِ الدَّالَّةَ عَلَى وَحْدَانِيَّتِهِ وَقُدْرَتِهِ، وَعَلَى نُبُوَّةِ مُوسَى، فَعَايَنَها بِنَفْسِهِ، وَتَحَقَّقَ مِنْهَا، وَلكِنَّهُ أَبَى أَنْ يَنْقَادَ إِلَيْها، وَأَنْ يُؤْمِنَ بِرَبِّهِ، وَاسْتَمَرَّ عَلَى كُفْرِهِ وَتَكْذِيبِهِ. أَبَى - امْتَنَعَ عَنِ الإِيمَانِ وَالطَّاعَةِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : الآيات: الأمور العجيبة، كما نقول: فلان آية في الذكاء، آية في الحسن، آية في الكرم. يعني: عجيب في بابه، وسبق أنْ قسّمنا آيات الله إلى: آيات كونية كالشمس والقمر، وآيات لإثبات صِدْق الرسُل، وهي المعجزات وآيات القرآن الكريم، والتي تسمى حاملة الأحكام. لكن آيات الله - عز وجل - كثيرة ولا تُحصى، فهل المراد هنا أن فرعون رأى كل آيات الله؟ لا؛ لأن المراد هنا الآيات الإضافية، وهي الآيات التسعة التي جعلها الله حُجّة لموسى وهارون، ودليلاً على صِدْقهما، كما قال سبحانه: {أية : وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ ..}تفسير : [الإسراء: 101]. وهي: العصا واليد والطوفان والجراد والقُمَّل والضفادع والدم والسنين والنقص من الثمرات. تلك هي الآيات التي أراها الله لفرعون. والكلية في قوله: {آيَاتِنَا كُلَّهَا ..} [طه: 56] كلية إضافية. أي: كل الآيات الخاصة به كما تقول لولدك (لقد أحضرتُ لك كل شيء) وليس المقصود أنك أتيتَ له بكل ما في الوجود، إنما هي كلية إضافية تعني كل شيء تحتاج إليه. ومع ذلك كانت النتيجة {فَكَذَّبَ وَأَبَىٰ} [طه: 56] كذَّب: يعني نسبها إلى الكذب، والكذب قَوْل لا واقعَ له، وكان تكذيبه لموسى عِلَّة إبائه {وَأَبَىٰ} [طه: 56] امتنعَ عن الإيمان بما جاء به موسى. ولو ناقشنا فرعون في تكذيبه لموسى عندما قال: {أية : رَبُّنَا ٱلَّذِيۤ أَعْطَىٰ كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ}تفسير : [طه: 50]. لما كذبتَ يا فرعون؟ الحق سبحانه قال: خلقتُ هذا الكون بما فيه، ولم يَأْتِ أحد لينقضَ هذا القول، أو يدَّعيه لنفسه، حتى أنت يا مَنْ ادعيْتَ الألوهية لم تدَّعِ خَلْق شيء، فهي - إذن - قضية مُسلَّم بها للخالق عز وجل لم ينازعه فيها أحد، فأنت - إذن - كاذب في تكذيبك لموسى، وفي إبائك الإيمان به. ثم يقول الحق سبحانه: {قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا ...}.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : { وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى * قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى * فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى * قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى * فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى * قَالَ لَهُمْ مُوسَى وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى } . يخبر تعالى، أنه أرى فرعون من الآيات والعبر والقواطع، جميع أنواعها العيانية، والأفقية والنفسية، فما استقام ولا ارعوى، وإنما كذب وتولى، كذب الخبر، وتولى عن الأمر والنهي، وجعل الحق باطلا والباطل حقا، وجادل بالباطل ليضل الناس، فقال: { أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ } زعم أن هذه الآيات التي أراه إياها موسى، سحر وتمويه، المقصود منها إخراجهم من أرضهم، والاستيلاء عليها، ليكون كلامه مؤثرا في قلوب قومه، فإن الطباع تميل إلى أوطانها، ويصعب عليها الخروج منها ومفارقتها. فأخبرهم أن موسى هذا قصده، ليبغضوه، ويسعوا في محاربته، فلنأتينك بسحر مثل سحرك فأمهلنا، واجعل لنا { مَوْعِدًا لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى } أي: مستو علمنا وعلمك به، أو مكانا مستويا معتدلا ليتمكن من رؤية ما فيه. فقال موسى: { مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ } وهو عيدهم، الذي يتفرغون فيه ويقطعون شواغلهم، { وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى } أي: يجمعون كلهم في وقت الضحى، وإنما سأل موسى ذلك، لأن يوم الزينة ووقت الضحى فيه يحصل فيه من كثرة الاجتماع، ورؤية الأشياء على حقائقها، ما لا يحصل في غيره، { فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ } أي: جميع ما يقدر عليه، مما يكيد به موسى، فأرسل في مدائنه من يحشر السحرة الماهرين في سحرهم، وكان السحر إذ ذاك، متوفرا، وعلمه علما مرغوبا فيه، فجمع خلقا كثيرا من السحرة، ثم أتى كل منهما للموعد، واجتمع الناس للموعد. فكان الجمع حافلا حضره الرجال والنساء، والملأ والأشراف، والعوام، والصغار، والكبار، وحضوا الناس على الاجتماع، وقالوا للناس: {أية : هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ * لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ } تفسير : فحين اجتمعوا من جميع البلدان، وعظهم موسى عليه السلام، وأقام عليهم الحجة، وقال لهم: { وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ } أي: لا تنصروا ما أنتم عليه من الباطل بسحركم وتغالبون الحق، وتفترون على الله الكذب، فيستأصلكم بعذاب من عنده، ويخيب سعيكم وافتراؤكم، فلا تدركون ما تطلبون من النصر والجاه عند فرعون وملائه، ولا تسلمون من عذاب الله، وكلام الحق لا بد أن يؤثر في القلوب. لا جرم ارتفع الخصام والنزاع بين السحرة لما سمعوا كلام موسى، وارتبكوا، ولعل من جملة نزاعهم، الاشتباه في موسى، هل هو على الحق أم لا؟ ولكن هم إلى الآن، ما تم أمرهم، ليقضي الله أمرا كان مفعولاً، {أية : لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ } تفسير : فحينئذ أسروا فيما بينهم النجوى، وأنهم يتفقون على مقالة واحدة، لينجحوا في مقالهم وفعالهم، وليتمسك الناس بدينهم، والنجوى التي أسروها فسرها بقوله: { قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى } كمقالة فرعون السابقة، فإما أن يكون ذلك توافقا من فرعون والسحرة على هذه المقالة من غير قصد، وإما أن يكون تلقينا منه لهم مقالته، التي صمم عليها وأظهرها للناس، وزادوا على قول فرعون أن قالوا: { وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى } أي: طريقة السحر حسدكم عليها، وأراد أن يظهر عليكم، ليكون له الفخر والصيت والشهرة، ويكون هو المقصود بهذا العلم، الذي أشغلتم زمانكم فيه، ويذهب عنكم ما كنتم تأكلون بسببه، وما يتبع ذلك من الرياسة، وهذا حض من بعضهم على بعض على الاجتهاد في مغالبته، ولهذا قالوا: { فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ } أي: أظهروه دفعة واحدة متظاهرين متساعدين فيه، متناصرين، متفقا رأيكم وكلمتكم، { ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا } ليكون أمكن لعملكم، وأهيب لكم في القلوب، ولئلا يترك بعضكم بعض مقدوره من العمل، واعلموا أن من أفلح اليوم ونجح وغلب غيره، فإنه المفلح الفائز، فهذا يوم له ما بعده من الأيام فلله درهم ما أصلبهم في باطلهم، وأشدهم فيه، حيث أتوا بكل سبب، ووسيلة وممكن، ومكيدة يكيدون بها الحق، ويأبى الله إلا أن يتم نوره، ويظهر الحق على الباطل،.فلما تمت مكيدتهم، وانحصر مقصدهم، ولم يبق إلا العمل { قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ } عصاك { وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى } خيروه، موهمين أنهم على جزم من ظهورهم عليه بأي: حالة كانت، فقال لهم موسى: { بَلْ أَلْقُوا } فألقوا حبالهم وعصيهم، { فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ } أي: إلى موسى { مِنْ سِحْرِهِمْ } البليغ { أَنَّهَا تَسْعَى } أي: أنها حيات تسعى فلما خيل إلى موسى ذلك. { أَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى } كما هو مقتضى الطبيعة البشرية، وإلا فهو جازم بوعد الله ونصره. { قُلْنَا } له تثبيتا وتطمينا: { لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الأعْلَى } عليهم، أي: ستعلو عليهم وتقهرهم، ويذلوا لك ويخضعوا. { وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ } أي: عصاك { تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى } أي: كيدهم ومكرهم، ليس بمثمر لهم ولا ناجح، فإنه من كيد السحرة، الذين يموهون على الناس، ويلبسون الباطل، ويخيلون أنهم على الحق، فألقى موسى عصاه، فتلقفت ما صنعوا كله وأكلته، والناس ينظرون لذلك الصنيع، فعلم السحرة علما يقينا أن هذا ليس بسحر، وأنه من الله، فبادروا للإيمان. {أية : فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجدين * قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ } تفسير : فوقع الحق وظهر وسطع وبطل السحر والمكر والكيد في ذلك المجمع العظيم. فصارت بينة ورحمة للمؤمنين وحجة على المعاندين فـ { قَالَ } فرعون للسحرة { آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ } أي كيف أقدمتم على الإيمان من دون مراجعة مني ولا إذن؟ استغرب ذلك منهم لأدبهم معه وذلهم وانقيادهم له في كل أمر من أمورهم وجعل هذا من ذاك. ثم استلج فرعون في كفره وطغيانه بعد هذا البرهان واستخف عقول قومه وأظهر لهم أن هذه الغلبة من موسى للسحرة ليس لأن الذي معه الحق بل لأنه تمالأ هو والسحرة ومكروا ودبروا أن يخرجوا فرعون وقومه من بلادهم فقبل قومه هذا المكر منه وظنوه صدقاً {أية : فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ } تفسير : مع أن هذه المقالة التي قالها لا تدخل عقل من له أدنى مسكة من عقل ومعرفة بالواقع فإن موسى أتى من مدين وحيدا وحين أتى لم يجتمع بأحد من السحرة ولا غيرهم بل بادر إلى دعوة فرعون وقومه وأراهم الآيات فأراد فرعون أن يعارض ما جاء به موسى فسعى ما أمكنه وأرسل في مدائنه من يجمع له كل ساحر عليم. فجاءوا إليه ووعدهم الأجر والمنزلة عند الغلبة وهم حرصوا غاية الحرص وكادوا أشد الكيد على غلبتهم لموسى وكان منهم ما كان فهل يمكن أن يتصور مع هذا أن يكونوا دبروا هم وموسى واتفقوا على ما صدر؟ هذا من أمحل المحال ثم توعد فرعون السحرة فقال { فلأقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ } كما يفعل بالمحارب الساعي بالفساد يقطع يده اليمنى ورجله اليسرى { وَلأصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ } أي لأجل أن تشتهروا وتختزوا { وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى } يعني بزعمه هو أو الله وأنه أشد عذابا من الله وأبقى قلبا للحقائق وترهيبا لمن لا عقل له. ولهذا لما عرف السحرة الحق ورزقهم الله من العقل ما يدركون به الحقائق أجابوه بقولهم: { لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ } أي لن نختارك وما وعدتنا به من الأجر والتقريب على ما أرانا الله من الآيات البينات الدالات على أن الله هو الرب المعبود وحده المعظم المبجل وحده وأن ما سواه باطل ونؤثرك على الذي فطرنا وخلقنا هذا لا يكون { فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ } مما أوعدتنا به من القطع والصلب والعذاب. { إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا } أي إنما توعدنا به غاية ما يكون في هذه الحياة الدنيا ينقضي ويزول ولا يضرنا بخلاف عذاب الله لمن استمر على كفره فإنه دائم عظيم. وهذا كأنه جواب منهم لقوله { وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى } وفي هذا الكلام من السحرة دليل على أنه ينبغي للعاقل أن يوازن بين لذات الدنيا ولذات الآخرة وبين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة. { إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا } أي كفرنا ومعاصينا فإن الإيمان مكفر للسيئات والتوبة تجب ما قبلها وقولهم { وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ } الذي عارضنا به الحق هذا دليل على أنهم غير مختارين في عملهم المتقدم وإنما أكرههم فرعون إكراها. والظاهر -والله أعلم- أن موسى لما وعظهم كما تقدم في قوله { وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ } أثر معهم ووقع منهم موقعا كبيرا ولهذا تنازعوا بعد هذا الكلام والموعظة ثم إن فرعون ألزمهم ذلك وأكرههم على المكر الذي أجروه ولهذا تكلموا بكلامه السابق قبل إتيانهم حيث قالوا { إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا } فجروا على ما سنه لهم وأكرههم عليه ولعل هذه النكتة التي قامت بقلوبهم من كراهتهم لمعارضة الحق بالباطل وفعلهم ما فعلوا على وجه الإغماض هي التي أثرت معهم ورحمهم الله بسببها ووفقهم للإيمان والتوبة { والله خير } مما وعدتنا من الأجر والمنزلة والجاه وأبقى ثوابا وإحسانا لا ما يقول فرعون { وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى } يريد أنه أشد عذابا وأبقى وجميع ما أتى من قصص موسى مع فرعون يذكر الله فيه إذا أتى على قصة السحرة أن فرعون توعدهم بالقطع والصلب ولم يذكر أنه فعل ذلك ولم يأت في ذلك حديث صحيح والجزم بوقوعه أو عدمه يتوقف على الدليل والله أعلم بذلك وغيره ولكن توعده إياهم بذلك مع اقتداره دليل على وقوعه ولأنه لو لم يقع لذكره الله ولاتفاق الناقلين على ذلك.