Verse. 2408 (AR)

٢٠ - طه

20 - Ta-Ha (AR)

فَتَوَلّٰى فِرْعَوْنُ فَـجَمَعَ كَيْدَہٗ ثُمَّ اَتٰى۝۶۰
Fatawalla firAAawnu fajamaAAa kaydahu thumma ata

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«فتولى فرعون» أدير «فجمع كيده» أي ذوي كيده من السحرة «ثم أتى» بهم الموعد.

60

Tafseer

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى مخبراً عن فرعون أنه لما تواعد هو وموسى عليه السلام إلى وقت ومكان معلومين، تولى، أي: شرع في جمع السحرة من مدائن مملكته، كل من ينسب إلى السحر في ذلك الزمان، وقد كان السحر فيهم كثيراً نافقاً جداً؛ كما قال تعالى: {أية : وَقَالَ فِرْعَوْنُ ٱئْتُونِى بِكُلِّ سَـٰحِرٍ عَلِيمٍ} تفسير : [يونس: 79] ثم أتى: أي اجتمع الناس لميقات يوم معلوم، وهو يوم الزينة، وجلس فرعون على سرير مملكته، واصطف له أكابر دولته، ووقفت الرعايا يمنة ويسرة، وأقبل موسى عليه الصلاة والسلام متوكئاً على عصاه، ومعه أخوه هارون، ووقف السحرة بين يدي فرعون صفوفاً، وهو يحرضهم ويحثهم ويرغبهم في إجادة عملهم في ذلك اليوم، ويتمنون عليه، وهو يعدهم ويمنيهم، يقولون: {أية : أَئِنَّ لَنَا لاََجْراً إِن كُنَّا نَحْنُ ٱلْغَـٰلِبِينَ قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذاً لَّمِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ } تفسير : [الشعراء: 41 - 42] {قَالَ لَهُمْ مُّوسَىٰ وَيْلَكُمْ لاَ تَفْتَرُواْ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً} أي: لا تخيلوا للناس بأعمالكم إيجاد أشياء لا حقائق لها، وأنها مخلوقة، وليست مخلوقة، فتكونون قد كذبتم على الله {فَيُسْحِتَكُم بِعَذَابٍ} أي: يهلككم بعقوبة هلاكاً لا بقية له {وَقَدْ خَابَ مَنِ ٱفْتَرَىٰ فَتَنَـٰزَعُوۤاْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجْوَىٰ } قيل: معناه أنهم تشاجروا فيما بينهم، فقائل يقول: ليس هذا بكلام ساحر، إنما هذا كلام نبي، وقائل يقول: بل هو ساحر، وقيل غير ذلك، والله أعلم. وقوله: {وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجْوَىٰ} أي: تناجوا فيما بينهم {قَالُوۤاْ إِنْ هَـٰذَٰنِ لَسَاحِرَٰنِ} وهذه لغة لبعض العرب، جاءت هذه القراءة على إعرابها، ومنهم من قرأ: {إن هذين لساحران} وهذ اللغة المشهورة، وقد توسع النحاة في الجواب عن القراءة الأولى بما ليس هذا موضعه. والغرض أن السحرة قالوا فيما بينهم: تعلمون أن هذا الرجل وأخاه - يعنون: موسى وهارون - ساحران عالمان، خبيران بصناعة السحر، يريدان في هذا اليوم أن يغلباكم وقومكم، ويستوليا على الناس، وتتبعهما العامة، ويقاتلا فرعون وجنوده، فينصرا عليه، ويخرجاكم من أرضكم. وقوله: {وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ ٱلْمُثْلَىٰ} أي: ويستبدا بهذه الطريقة، وهي السحر، فإنهم كانوا معظمين بسببها، لهم أموال وأرزاق عليها، يقولون: إذا غلب هذان، أهلكاكم وأخرجاكم من الأرض، وتفردا بذلك، وتمحضت لهما الرياسة بها دونكم، وقد تقدم في حديث الفتون أن ابن عباس قال في قوله: {وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ ٱلْمُثْلَىٰ} يعني: ملكهم الذي هم فيه والعيش. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا نعيم بن حماد، حدثنا هشيم عن عبد الرحمن بن إسحاق، سمع الشعبي يحدث عن علي في قوله: {وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ ٱلْمُثْلَىٰ} قال: يصرفا وجوه الناس إليهما. وقال مجاهد: {وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ ٱلْمُثْلَىٰ} قال: أولو الشرف والعقل والأسنان. وقال أبو صالح: بطريقتكم المثلى: أشرافكم وسرواتكم. وقال عكرمة: بخيركم. وقال قتادة: وطريقتهم المثلى يومئذ بنو إسرائيل، وكانوا أكثر القوم عدداً وأمولاً، فقال عدو الله: يريدان أن يذهبا بها لأنفسهما. وقال عبد الرحمن بن زيد: بطريقتكم المثلى: بالذي أنتم عليه. وقوله {فَأَجْمِعُواْ كَيْدَكُمْ ثُمَّ ٱئْتُواْ صَفّاً} أي: اجتمعوا كلكم صفاً واحداً، وألقوا ما في أيديكم مرة واحدة لتبهروا الأبصار، وتغلبوا هذا وأخاه {وَقَدْ أَفْلَحَ ٱلْيَوْمَ مَنِ ٱسْتَعْلَىٰ} أي: منا ومنه، أما نحن، فقد وعدنا هذا الملك العطاء الجزيل، وأما هو، فينال الرياسة العظيمة.

المحلي و السيوطي

تفسير : {فَتَوَلَّىٰ فِرْعَوْنُ } أدبر {فَجَمَعَ كَيْدَهُ } أي ذوي كيده من السحرة {ثُمَّ أَتَىٰ } بهم الموعد.

الشوكاني

تفسير : قوله: {فَتَوَلَّىٰ فِرْعَوْنُ } أي انصرف من ذلك المقام ليهيـىء ما يحتاج إليه مما تواعدوا عليه وقيل: معنى: تولى أعرض عن الحق، والأوّل أولى {فَجَمَعَ كَيْدَهُ } أي جمع ما يكيد به من سحره وحيلته. والمراد: أنه جمع السحرة. قيل: كانوا اثنين وسبعين. وقيل: أربعمائة. وقيل: اثنا عشر ألفاً. وقيل: أربعة عشر ألفاً. وقال ابن المنذر: كانوا ثمانين ألفاً {ثُمَّ أَتَىٰ } أي أتى الموعد الذي تواعدا إليه مع جمعه الذي جمعه، وجملة {قَالَ لَهُمْ مُّوسَىٰ } مستأنفة جواب سؤال مقدّر {وَيْلَكُمْ لاَ تَفْتَرُواْ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً } دعا عليهم بالويل، ونهاهم عن افتراء الكذب. قال الزجاج: هو منصوب بمحذوف، والتقدير: ألزمهم الله ويلاً. قال: ويجوز أن يكون نداء، كقوله: {أية : يٰوَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا } تفسير : [يۤس: 52]. {فَيُسْحِتَكُم بِعَذَابٍ } السحت: الاستئصال، يقال: سحت وأسحت بمعنى، وأصله استقصاء الشعر. وقرأ الكوفيون إلا شعبة: {فيسحتكم} بضم حرف المضارعة من أسحت، وهي لغة بني تميم، وقرأ الباقون بفتحه من سحت، وهي لغة الحجاز، وانتصابه على أنه جواب للنهي {وَقَدْ خَابَ مَنِ ٱفْتَرَىٰ } أي: خسر وهلك، والمعنى: قد خسر من افترى على الله أي: كذب كان {فَتَنَـٰزَعُواْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ } أي السحرة لما سمعوا كلام موسى، تناظروا وتشاوروا وتجاذبوا أطراف الكلام في ذلك {وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجْوَىٰ } أي من موسى، وكانت نجواهم هي قولهم: {إِنْ هَـٰذٰنِ لَسَاحِرٰنِ }. وقيل: إنهم تناجوا فيما بينهم فقالوا: إن كان ما جاء به موسى سحراً فسنغلبه، وإن كان من عند الله فسيكون له أمر. وقيل: الذي أسروه: أنه إذا غلبهم اتبعوه، قاله الفرّاء والزجاج. وقيل: الذي أسروه: أنهم لما سمعوا قول موسى: {ويلكم لا تفتروا على الله} قالوا: ما هذا بقول ساحر. والنجوى: المناجاة يكون اسماً ومصدراً. قرأ أبو عمرو: "إن هذين لَسَاحِرٰنِ" بتشديد الحرف الداخل على الجملة وبالياء في اسم الإشارة على إعمال إن عملها المعروف، وهو نصب الاسم ورفع الخبر. ورويت هذه القراءة عن عثمان وعائشة وغيرهما من الصحابة، وبها قرأ الحسن وسعيد بن جبير والنخعي وغيرهم من التابعين، وبها قرأ عاصم الجحدري وعيسى بن عمر كما حكاه النحاس، وهذه القراءة موافقة للإعراب الظاهر مخالفة لرسم المصحف فإنه مكتوب بالألف. وقرأ الزهري والخليل بن أحمد والمفضل وأبان وابن محيصن وابن كثير وعاصم في رواية حفص عنه: "إن هذان" بتخفيف إن على أنها نافية، وهذه القراءة موافقة لرسم المصحف وللإعراب. وقرأ ابن كثير مثل قراءتهم إلا أنه يشدّد النون من هذان. وقرأ المدنيون والكوفيون وابن عامر: "إنّ هذان" بتشديد إن وبالألف، فوافقوا الرسم وخالفوا الإعراب الظاهر. وقد تكلم جماعة من أهل العلم في توجيه قراءة المدنيين والكوفيين وابن عامر، وقد استوفى ذكر ذلك ابن الأنباري والنحاس، فقيل إنها لغة بني الحارث بن كعب وخثعم وكنانة يجعلون رفع المثنى ونصبه وجره بالألف، ومنه قول الشاعر:شعر : فأطرق إطراق الشجاع ولو يرى مساغاً لناباه الشجاع لصمما تفسير : وقول الآخر:شعر : تزوّد منا بين أذناه ضربة تفسير : وقول الآخر:شعر : إن أباها وأبا أباها قد بلغا في المجد غايتاها تفسير : ومما يؤيد هذا تصريح سيبويه والأخفش وأبي زيد والكسائي والفراء: إن هذه القراءة على لغة بني الحارث بن كعب وحكى أبو عبيدة عن أبي الخطاب أنها لغة بني كنانة. وحكى غيره أنها لغة خثعم. وقيل: إن "إنّ" بمعنى نعم ها هنا، كما حكاه الكسائي عن عاصم، وكذا حكاه سيبويه. قال النحاس: رأيت الزجاج والأخفش يذهبان إليه، فيكون التقدير: نعم هذان لساحران، ومنه قول الشاعر:شعر : ليت شعري هل للمحبّ شفاء من جوى حبهنّ إنّ اللقاء تفسير : أي نعم اللقاء. قال الزجاج: والمعنى في الآية: أن هذا لهما ساحران، ثم حذف المبتدأ وهو هما. وأنكره أبو علي الفارسي وأبو الفتح بن جني، وقيل: إن الألف في {هذان} مشبهة بالألف في يفعلان فلم تغير. وقيل: إن الهاء مقدّرة، أي إنه هذان لساحران، حكاه الزجاج عن قدماء النحويين، وكذا حكاه ابن الأنباري. وقال ابن كيسان: إنه لما كان يقال: هذا بالألف في الرفع والنصب والجرّ على حال واحدة، وكانت التثنية لا تغير الواحد أجريت التثنية مجرى الواحد فثبت الألف في الرفع والنصب والجر، فهذه أقوال تتضمن توجيه هذه القراءة توجيها تصح به وتخرج به عن الخطأ، وبذلك يندفع ما روي عن عثمان وعائشة أنه غلط من الكاتب للمصحف. {يُرِيدَانِ أَن يُخْرِجَاكُمْ مّنْ أَرْضِكُمْ } وهي أرض مصر {بِسِحْرِهِمَا } الذي أظهراه {وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ ٱلْمُثْلَىٰ } قال الكسائي: بطريقتكم: بسنّتكم. و{المثلى} نعت، كقولك: امرأة كبرى، تقول العرب: فلان على الطريقة المثلى، يعنون: على الهدى المستقيم. قال الفراء: العرب تقول هؤلاء طريقة قومهم وطرائق قومهم لأشرافهم، والمثلى تأنيث الأمثل، وهو الأفضل، يقال: فلان أمثل قومه، أي أفضلهم، وهم الأماثل. والمعنى: أنهما إن يغلبا بسحرهما مال إليهما السادة والأشراف منكم، أو يذهبا بمذهبكم الي هو أمثل المذاهب. {فَأَجْمِعُواْ كَيْدَكُمْ } الإجماع: الإحكام، والعزم على الشيء قاله الفراء. تقول: أجمعت على الخروج مثل أزمعت. وقال الزجاج: معناه ليكن عزمكم كلكم كالكيد مجمعاً عليه. وقد اتفق القراء على قطع الهمزة في أجمعوا إلا أبا عمرو، فإنه قرأ بوصلها وفتح الميم من الجمع. قال النحاس: وفيما حكي لي عن محمد بن يزيد المبرد أنه قال: يجب على أبي عمرو أن يقرأ بخلاف هذه القراءة، وهي القراءة التي عليها أكثر الناس. {ثُمَّ ٱئْتُواْ صَفّاً } أي مصطفين مجتمعين ليكون أنظم لأمورهم وأشد لهيبتهم، وهذا قول جمهور المفسرين. وقال أبو عبيدة: الصف: موضع المجمع ويسمى المصلى الصف. قال الزجاج: وعلى هذا معناه: ثم ائتوا الموضع الذي تجتمعون فيه لعيدكم وصلاتكم، يقال: أتيت الصف بمعنى: أتيت المصلى، فعلى التفسير الأول يكون انتصاب {صفاً} على الحال، وعلى تفسير أبي عبيدة يكون انتصابه على المفعولية. قال الزجاج: يجوز أن يكون المعنى ثم ائتوا والناس مصطفون، فيكون على هذا مصدراً في موضع الحال، ولذلك لم يجمع. وقرىء بكسر الهمزة بعدها ياء، ومن ترك الهمزة أبدل منها ألفاً {وَقَدْ أَفْلَحَ ٱلْيَوْمَ مَنِ ٱسْتَعْلَىٰ } أي من غلب، يقال: استعلى عليه: إذا غلبه، وهذا كله من قول السحرة بعضهم لبعض. وقيل: من قول فرعون لهم. وجملة: {قَالُواْ مُوسَىٰ إَمَا أَن تُلْقِيَ} مستأنفة جواباً لسؤال مقدّر، كأنه قيل: فماذا فعلوا بعدما قالوا فيما بينهم ما قالوا؟ فقيل: قالوا يا موسى، إما أن تلقي، وإن مع ما في حيزها في محل نصب بفعل مضمر، أي اختر إلقاءك أولاً أو إلقاءنا، ويجوز أن تكون في محل رفع على أنها وما بعدها خبر مبتدأ محذوف، أي الأمر إلقاؤك، أو إلقاؤنا، ومفعول تلقي محذوف، والتقدير: إما أن تلقي ما تلقيه أوّلاً {وَإِمَّا أَن نَّكُونَ } نحن {أَوَّلَ مَنْ أَلْقَىٰ } ما يلقيه، أو أوّل من يفعل الإلقاء. والمراد: إلقاء العصيّ على الأرض، وكانت السحرة معهم عصيّ، وكان موسى قد ألقى عصاه يوم دخل على فرعون، فلما أراد السحرة معارضته قالوا له هذا القول، فقال لهم موسى {بَلْ أَلْقُواْ } أمرهم بالإلقاء أوّلاً؛ لتكون معجزته أظهر إذا ألقوا هم ما معهم ثم يلقي هو عصاه فتبتلع ذلك، وإظهاراً لعدم المبالاة بسحرهم {فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ } في الكلام حذف، والتقدير: فألقوا فإذا حبالهم، والفاء فصيحة، وإذا للمفاجأة أو ظرفية. والمعنى: فألقوا ففاجأ موسى وقت أن {يُخَيَّلُ إِلَيْهِ } سعي حبالهم وعصيهم، وقرأ الحسن "عصيهم" بضم العين وهي لغة بني تميم، وقرأ الباقون بكسرها اتباعاً لكسرة الصاد، وقرأ ابن عباس، وابن ذكوان وروح عن يعقوب: "تخيل" بالمثناة؛ لأن العصيّ والحبال مؤنثة، وذلك أنهم لطخوها بالزئبق، فلما أصابها حرّ الشمس ارتعشت واهتزّت، وقرىء: "نخيل" بالنون على أن الله سبحانه هو المخيل لذلك، وقرىء: "يخيل" بالياء التحتية مبنياً للفاعل، على أن المخيل هو الكيد. وقيل: المخيل هو أنها تسعى، فأن في موضع رفع، أي يخيل إليه سعيها، ذكر معناه الزجاج. وقال الفراء: إنها في موضع نصب، أي بأنها ثم حذف الباء. قال الزجاج: ومن قرأ بالتاء: يعني: الفوقية جعل أنّ في موضع نصب، أي تخيل إليه ذات سعي. قال: ويجوز أن يكون في موضع رفع بدلاً من الضمير في تخيل، وهو عائد على الحبال والعصيّ، والبدل فيه بدل اشتمال، يقال: خيل إليه: إذا شبه له وأدخل عليه البهمة والشبهة. {فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَىٰ } أي أحسّ. وقيل: وجد. وقيل: أضمر. وقيل: خاف، وذلك لما يعرض من الطباع البشرية عند مشاهدة ما يخشى منه. وقيل: خاف أن يفتتن الناس قبل أن يلقي عصاه. وقيل: إن سبب خوفه هو أن سحرهم كان من جنس ما أراهم في العصا، فخاف أن يلتبس أمره على الناس فلا يؤمنوا، فأذهب الله سبحانه ما حصل معه من الخوف بما بشّره به بقوله: {قُلْنَا لاَ تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلاْعْلَىٰ } أي: المستعلي عليهم بالظفر والغلبة، والجملة تعليل للنهي عن الخوف. {وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ } يعني العصا، وإنما أبهمها تعظيماً وتفخيماً، وجزم {تَلْقَفْ مَا صَنَعُواْ } على أنه جواب الأمر، قرىء بتشديد القاف، والأصل تتلقف فحذف إحدى التاءين، وقرىء: "تلقف" بكسر اللام من لقفه إذا ابتلعه بسرعة، وقرىء: "تلقف" بالرفع على تقدير فإنها تتلقف، ومعنى {مَا صَنَعُواْ }: الذي صنعوه من الحبال والعصيّ. قال الزجاج: القراءة بالجزم جواب الأمر، ويجوز الرفع على معنى الحال، كأنه قال: ألقها متلقفة، وجملة {إِنَّمَا صَنَعُواْ كَيْدُ سَاحِرٍ } تعليل لقوله: {تلقف} وارتفاع كيد على أنه خبر لإن، وهي قراءة الكوفيين إلا عاصماً. وقرأ هؤلاء: "سَـٰحِرٌ" بكسر السين وسكون الحاء، وإضافة الكيد إلى السحر على الاتساع من غير تقدير، أو بتقدير ذي سحر. وقرأ الباقون: {كيد ساحر} {وَلاَ يُفْلِحُ ٱلسَّـٰحِرُ حَيْثُ أَتَىٰ } أي لا يفلح جنس الساحر حيث أتى وأين توجه، وهذا من تمام التعليل {فَأُلْقِيَ ٱلسَّحَرَةُ سُجَّداً } أي فألقي ذلك الأمر الذي شاهدوه من موسى والعصا السحرة سجداً لله تعالى، وقد مرّ تحقيق هذا في سورة الأعراف. {قَالُواْ آمَنَّا بِرَبّ هَـٰرُونَ وَمُوسَىٰ } إنما قدّم هارون على موسى في حكاية كلامهم؛ رعاية لفواصل الآي وعناية بتوافق رؤوسها. وقد أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {فَيُسْحِتَكُم بِعَذَابٍ } قال: يهلككم. أخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة {فَيُسْحِتَكُم } قال: يستأصلكم. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن أبي صالح قال: فيذبحكم. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن عليّ: {وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ ٱلْمُثْلَىٰ } قال: يصرفا وجوه الناس إليهما. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في الآية قال: يقول: أمثلكم، وهم بنو إسرائيل. وأخرج عبد بن حميد وعبد الرزاق في قوله: {تَلْقَفْ مَا صَنَعُواْ } ما يأفكون، عن قتادة قال: ألقاها موسى فتحوّلت حية تأكل حبالهم وما صنعوا. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة؛ أن سحرة فرعون كانوا تسعمائة، فقالوا لفرعون: إن يكن هذان ساحرين فإنا نغلبهما فإنه لا أسحر منا، وإن كانا من ربّ العالمين فإنه لا طاقة لنا بربّ العالمين، فلما كان من أمرهم أن خرّوا سجداً أراهم الله في سجودهم منازلهم التي إليها يصيرون فعندها {قَالُواْ لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَىٰ مَا جَاءنَا مِنَ ٱلْبَيّنَـٰتِ } إلى قوله: {وَٱللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ }.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {لاَ تَفْتَرُواْ عَلَى اللَّهِ كَذِباً} فيه وجهان: أحدهما: لا تفترواْ على الله كذباً بسحركم. الثاني: بتكذيبي وقولكم م جئت به سحر. {فَيُسْحِتَكُم بِعَذَابٍ} فيهلككم ويستأصلكم، قال الفرزدق: شعر : وعض زمان يا ابن مروان لم يدع من المال إلا مسحتاً أو مُجَلَّف تفسير : فالمسحت: المستأصل، والمجلف: المهلك. {فَتَنَازَعُوآ أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ} فيه وجهان: أحدهما: فيما هيؤوه من الحبال والعصي، قاله الضحاك. والثاني: فيمن يبتدىء بالإِلقاء. {وَأَسَرُّواْ النَّجْوَى} فيه أربعة أقاويل: أحدها: أن النجوى التي أسروها أن قالوا: إن كان هذا سحراً فسنغلبه، وإن كان السماء فله أمره، قاله قتادة. الثاني: أنه لما قال لهم {وَيْلَكُمْ} الآية. قالوا: ما هذا بقول ساحر، قاله ابن منبه. الثالث: أنه أسروا النجوى دون موسى وهارون بقولهم، {إنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ...} الآيات، قاله مقاتل والسدي. الرابع: أنهم أسرواْ النجوى. إن غَلَبَنَا موسى اتبعناه، قاله الكلبي. قوله تعالى: {قَالُواْ إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ} هذه قراءة أبي عمرو وهي موافقة للإِعراب مخالفة للمصحف. وقرأ الأكثرون: إن هذان الساحران، فوافقوا المصحف فيها، ثم اختلفوا في تشديد إنّ فخففها ابن كثير وحفص فسلما بتخفيف إن من مخالفة المصحف ومن فساد الإِعراب، ويكون معناها: ما هذان إلا ساحران. وقرأ أُبَيّ: إن ذان إلا ساحران، وقرأ باقي القراء بالتشديد: إنَّ هذان لساحران. فوافقوا المصحف وخالفوا ظاهر الإِعراب. واختلف من قرأ بذلك في إعرابه على أربعة أقاويل: أحدها: أن هذا على لغة بلحارث بن كعب وكنانة بن زيد يجعلون رفع الإِثنين ونصبه وخفضه بالألف، وينشدون: شعر : فأطرق إطراق الشجاع ولو رأى مساغاً لِناباهُ الشجاع لصمّما تفسير : والوجه الثاني: لا يجوز أن يحمل القرآن على ما اعتل من اللغات ويعدل به عن أفصحها وأصحها، ولكن في "إن" هاء مضمرة تقديرها إنّه هذان لساحران، وهو قول متقدمي النحويين. الثالث: أنه بَنَى "هذان" على بناء لا يتغير في الإِعراب كما بَنَى الذين على هذه الصيغة في النصب والرفع. الرابع: أن "إن" المشددة في هذا الموضع بمعنى نعم، كما قال رجل لابن الزبير: لعن الله ناقة حملتني إليك، فقال ابن الزبير: إنّ وصاحبها. وقال عبد الله بن قيس الرقيات: شعر : بكى العواذل في الصبا ح يلمنني وألومُهُنّة ويقلن شيب قد علا ك وقد كبرت فقلت إنْه تفسير : أي نعم {وَيَذْهَبَا بِطَرِيقتِكُمْ الْمُثْلَى} في قائل هذه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه قول السحرة. الثاني: أنه قول قوم فرعون. الثالث: قول فرعون من بين قومه، وإن أشير به إلى جماعتهم. وفي تأويله خمسة أوجه: أحدها: ويذهبا بأهل العقل والشرف. قاله مجاهد. الثاني: ببني إسرائيل، وكانوا أولي عدد ويسار، قاله قتادة. الثالث: ويذهبا بالطريقة التي أنتم عليها في السيرة قاله ابن زيد. الرابع: ويذهبا بدينكم وعبادتكم لفرعون، قاله الضحاك. الخامس: ويذهبا بأهل طريقتكم المثلى، [والمثلى مؤنث] الأمثل والمراد بالأمثل الأفضل، قال أبو طالب: شعر : وإنا لعمرو الله إن جدّ ما أرى لتلتبسن أسيافنا بالأماثل تفسير : قوله تعالى: {فَأَجْمِعُواْ كَيْدَكُمْ} فيه وجهان: أحدهما: جماعتكم على أمرهم في كيد موسى وهارون. الثاني: معناه أحكموا أمركم، قال الراجز: شعر : يا ليت شعري والمنى لا تنفع هل أغدوا يوماً وأمري مجمع تفسير : أي محكم. {ثُمَّ ائْتُواْ صَفّاً} أي اصطفواْ ولا تختلطواْ. {... مَنِ اسْتَعْلَى} أي غلب.

ابن عطية

تفسير : المعنى "فجمع" السحرة ووعدهم وأمرهم بالإعداد لموسى، وروي أمرهم، فهذا هو {كيده}، {ثم أتى} فرعون بجمعه وأهل دولته والسحرة معه وكانت عصابة لم يخلق الله أسحر منها وجاء أيضاً موسى عليه السلام ببني إسرائيل معه فقال موسى للسحرة {ويلكم} وهذه مخاطبة محذرة ندبهم في هذه الآية إلى قول الحق إذا رأوه وأن لا يباهتوا بكذب وقرأ ابن عباس ونافع وعاصم وأبو عمرو وابن عامر "فيَسحتكم" بفتح الياء، وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم "فيُسحتكم" بضم الياء وهما لغتان بمعنى يقال سحت وأسحب إذا أهلك وأذهب ومنه قول الفرزدق: [الطويل] شعر : وعض زماني يا ابن مروان لم يدع من المال إلا مسحتاً أو مجلف تفسير : فهذا من أسحت فلما سمع السحرة هذه المقالة هالهم هذا المنزع ووقع في نفوسهم من مهابته أمر شديد {فتنازعوا أمرهم} والتنازع يقتضي اختلافاً كان بينهم في السر أي قال بعضهم لبعض هو محق، وقال بعضهم هو مبطل، وقال بعضهم إن كان من عند الله فسيغلبنا ونحو هذا من الأقوال التي تعهد من الجموع الكثيرة في وقت الخوف كالحرب ونحو هذا، ومعلوم أن جميع تناجيهم إنما كان في أمر موسى. وقالت فرقة إنما كان تناجيهم بالآية التي بعد هذا {إن هذان لساحران} ع والأظهر أن تلك قيلت علانية ولو كان تناجيهم ذلك لم يكن ثم تنازع، و {النجوى} السرار والمساررة أي كان كل رجل يناجي من يليه، ثم جعلوا ذلك سراً مخافة فرعون أن يتبين فيهم ضعفاً لأنهم لم يكونوا حينئذ مصممين على غلبة موسى بل كان ظناً من بعضهم، وقوله تعالى: {إن هذان لساحران} الآية، قرأ نافع وابن عامر وحمزة والكسائي "إنّ" مشددة النون "هذان" بألف ونون مخففة للتثنية. وقرأ أبو عمرو وحده "إن هذين لساحران" وقرأ ابن كثير "إن هذان" بتخفيف نون "إنْ" وتشديد نون "هذان لسحران" وقرأ حفص عن عاصم "إن" بالتخفيف "هذان" خفيفة أيضاً "لساحران" وقرأت فرقة "إن هذان إلا ساحران"، وقرأت فرقة "إن ذان لساحران"، وقرأت فرقة "ما هذان إلا ساحران"، وقرأت فرقة "إن هذان" بتشديد النون من "هذان". فأما القراءة الأولى فقالت فرقة قوله "إن" بمعنى نعم كما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال في خطبته: "إن الحمدُ لله" فرفع الحمد وقال ابن الزبير إن وراكبها حين قال له الرجل فأبعد الله ناقة حملتني إليك ويلحق هذا التأويل أن اللام لا تدخل في خبر الإبتداء وهو مما يجوز في الشعر ومنه قول الشاعر: [الرجز] شعر : أم الحليس لعجوز شهربه ترضى من اللحم بعظم الرقبة تفسير : وذهبت فرقة إلى أن هذه الآية على لغة بلحارث وهو إبقاء ألف التثنية في حال النصب والخفض فمن ذلك قول الشاعر [هوبر الحارثي]: [الطويل] شعر : تزود منها بين أذناه ضربة دعته إلى هابي التراب عقيم تفسير : وقال الآخر: [الطويل] شعر : فأطرق إطراق الشجاع ولو رأى مساغاً لنا باه الشجاع لصمما تفسير : وتعزى هذه اللغة لكنانة وتعزى لخثعم وقال الفراء الألف في "هذان" دعامة وليست بمجلوبة للتثنية وإنما هي ألف هذا تركبت في حال التثنية كما تقول الذي ثم تزيد في الجمع نوناً وتترك الياء في حال الرفع والنصب والخفض وقال الزجاج في الكلام ضمير تقديره إنه هذان لساحران. قال القاضي أبو محمد: وفي هذا التأويل دخول اللام في الخبر وقال بعض النحاة ألف "هذان" مشبهة هنا بألف تفعلان وقال ابن كيسان لما كان هذا بحال واحدة في رفعه ونصبه وخفضه تركت تثنيته هنا كذلك، وقال جماعة، منهم عائشة رضي الله عنها وأبو بكر، هذا مما لحن الكاتب فيه وأقيم بالصواب وهو تخفيف النون من أن ع وهذه الأقوال معترضة إلا ما قيل من أنها لغة، و"إن" بمعنى أجل ونعم أو "إن" في الكلام ضميراً وأما من قرأ "إن" خفيفة فهي عن سيبويه المخففة من الثقيلة ويرتفع بعدها الأسم ويقول الفراء هي بمعنى ما واللام بمعنى إلا ووجه سائر القراءات بينّ. وعبر كثير عن المفسرين عن "الطريقة" بالسادة وأنها يراد بها أهل العقل والسن والحجى وحكوا أن العرب تقول فلان طريقة قومه أي سيدهم والأظهر في "الطريقة" هنا أنها السيرة والمملكة والحال التي هي عليها، و {المثلى} تأنيث أمثل أي الفاضلة الحسنة. وقرأ جمهور القراء "فأجمعوا" بقطع الألف وكسر الميم على معنى أنقذوا وأعزموا، وقرأ ابو عمرو وحده "فاجمعوا" من جمع أي ضموا سحركم بعضه إلى بعض، وقرأ ابن كثير "ثمَّ" بفتح الميم "ايْتوا" بسكون الياء، وقرأ أيضاً في رواية شبل عنه بكسر الميم "ثمِ ايتوا" قال أبو علي وهذا غلط ولا وجه لكسر الميم من "ثم" وقرأ الجمهور "ثم ائتوا" بفتح الميم وبهمزة بعد الألف، قوله {صفاً} حال أي مصطفين وتداعوا إلى هذا لأنه أهيب وأظهر لهم، و {أفلح} معناه ظفر ببغيته و {استعلى} معناه طلب العلو في أمره وسعى سعيه.

ابن عادل

تفسير : قوله: {فَتَوَلَّىٰ فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَىٰ} التَّولِّي: قد يكون إعراضاً وقد يكون انصرافاً، والظاهر أنه هنا بمعنى الانصراف، وهو مفارقة موسى عن الحق "فَجَمَعَ كَيْدَهُ" مكره، وقومه، وحيله، وسحرته، وآلاته "ثُمَّ أَتَى" الموضع بما جمعه. قال ابن عباس: كانوا اثنين وسبعين ساحراً مع كل واحد منهم حبل وعصا. وقيل: كانوا أربعمائة. وقال كعب: اثني عشر ألفاً. وقيل: أكثر من ذلك. ثم ضربت لفرعون قبة فجلس فيها ينظر إليها، وكان طول القبة سبعون ذراعاً. فقال لهم موسى عند ذلك يعني للسحرة الذين جمعهم فرعون {وَيْلَكُمْ لاَ تَفْتَرُواْ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُم بِعَذَابٍ} أي: لا تزعموا أن الذي جئت به ليس بحق، وأنه سحر، وأنكم متمكنون من معارضتي، فَيُسْحِتَكم الله بعذاب أي: فيهلككم، قاله مقاتل والكلبي. وقال قتادة: فيستأصلكم {وَقَدْ خَابَ مَنِ ٱفْتَرَى}. الخيبة: الحرمان والخسران. قوله: "وَيْلَكُمْ" قال الزجاج: يجوز في انتصاب "وَيْلَكُمْ" أن يكون المعنى ألزمهم الله وَيْلاً إن افتروا على الله، ويجوز على النداء كقوله: {أية : يَٰوَيْلَتَا أَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ} تفسير : [هود: 72] {أية : قَالُواْ يَٰوَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا} تفسير : [يس: 52]. قوله: "فَيُسْحِتَكُم" قرأ الأخوان وحفص عن (عاصم "فَيُسْحِتَكُم" بضم الياء وكسر الحاء. والباقون بفتحهما. فقراءة الأخوين من أسْحَتَ رباعياً وهي لغة نجد وتميم. قال) الفرزدق التميمي: شعر : 3664- وعَضُّ زَمَانٍ يَا ابْنَ مَرْوَانَ لَمْ يَدَعْ مِنَ المَالِ إلاَّ مُسْحَتاً أوْ مُجَلَّفُ تفسير : وقراءة الباقين من سحته ثلاثياً وهي لغة الحجاز، وأصل هذه المادة الدلالة على الاستقصاء والنفاد، ومنه سحت الحالق الشعر أي استقصاه، فلم يترك منه شيئاً، ويستعمل في الإهلاك والإذهاب، ونصبه بإضمار أنْ في جواب النهي. ولمَّا أنشد الزمخشري قول الفرزدق: شعر : ................................ ..........(إلاَّ مُسْحَتاً أوْ مُجَلَّفُ) تفسير : قال بعد ذلك: في بيت لم تزل الرُّكَبُ تصطك في تسوية إعرابه. قال شهاب الدين: يعني: أن هذا البيتَ صعبُ الإعراب، وإذ قد ذكر ذلك فلنذكر ما ورد في هذا البيت من الروايات، وما قاله الناس في ذلك على حسب ما يليق بهذا الموضوع، فأقول وبالله الحول: روي هذا البيت بثلاث روايات كل واحدة لا تخلو من ضرورة. الأولى: (لَمْ يَدَع) بفتح الياء والدال، ونصب مُسْحَت وفي هذه خمسة أوجه: الأول: أن معنى (لَمْ يَدَع مِنَ المَالِ مُسْحَتاً) لم يبق إلا مُسْحَتٌ، فلما كان هذا في قوة الفاعل عطف عليه قوله: (أو مُجَلَّفُ) (بالرفع)، وبهذا البيت استشهد الزمخشري على قراءة أُبَيّ والأعمش {فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلٌ} [البقرة: 249] (برفع قليل) وقد تقدم. الثاني: أنه مرفوع بفعل مقدر دل عليه (لَمْ يَدَع) والتقدير: أو بقي مُجَلَّف. الثالث: أن (مُجَلَّف) مبتدأ وخبره مضمر، تقديره: أو مُجَلَّفٌ كذلك وهو تخريج الفراء. الرابع: أنه معطوف على الضمير المستتر في "مُسْحَتاً" وكان من حق هذا أن يفصل بينهما بتأكيد ما إلا أنَّ القائل بذلك وهو الكسائي لا يشترط، وأيضاً: فهو جائز (في الضرورة) عند الكل. الخامس: أن يكون (مُجَلَّفُ) مصدراً بزنة اسم المفعول، كقوله تعالى: {أية : كُلَّ مُمَزَّقٍ} تفسير : [سبأ: 7] أي تجليف وتمزيق، وعلى هذا فهو نسق على "عَضُّ زَمَانٍ" إذ التقدير: رَمَتْ بِنَا هُمُومُ المُنَى وعَضُّ زَمَانٍ أو تجليفٍ فهو فاعل لعطفه على الفاعل، وهو قول الفارسي، وهو أحسنها. الرواية الثانية: فتح الياء وكسر الدال ورفع مُسْحَت، وتخريجها واضح، وهو أن يكون من ودع في بيته يدع فهو وادع بمعنى بقي يبقى فهو باق، فيرتفع "مُسْحَتٌ" بالفاعلية، ويرفع (مُجَلَّفٌ) بالعطف عليه ولا بد حينئذ من ضمير محذوف تقديره: من أجله أو بسببه ليرتبط الكلام. الرواية الثالثة: (يُدَع) بضم الياء وفتح الدال على ما يسمَّ فاعله و ( مُسْحَتٌ) بالرفع لقيامه مقام الفاعل و (مُجَلَّف) عطف عليه، وكان من حق الواو أن لا تحذف بل تثبت، لأنها لم تقع بين ياء وكسرة، وإنما حذفت حملاً للمبني للمفعول على المبني للفاعل. وفي البيت كلام أطول من هذا تركته اختصاراً، وهذا لبُّه، وقد ذكرته في البقرة، وفسرت معناه ولغته، وصلته بما قبله فعليك بالالتفات إليه. قوله: {فَتَنَازَعُواْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُم} أي: تفاوَضُوا وتشاوَرُوا واستقروا على شيء واحد. وقال مقاتل: اختلفوا فيما بينهم. قال محمد بن إسحاق ووهب: لما قال لهم موسى {لاَ تَفْتَرُواْ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً} قال بعضهم لبعض: ما هذا بقول ساحر. قال بعض المفسرين إن فرعون وقومه دخلوا مع السحرة في التنازع. وقال آخرون: إنما تنازع السحرة وحدهم، أي تناظروا وتشاوروا في أمر موسى سرًّا من فرعون. قال الكلبي: قالوا سرًّا إن غَلَبَنَا موسى اتبعناه. وهو قول ابن عباس. قوله: {وَأَسَرُّواْ ٱلْنَّجْوَى} أي المناجاة يكون مصدراً واسماً، أي: أسروا النحوى من فرعون. قال ابن عباس: إنَّ نجواهُم إن غلبنا موسى اتبعناه. وقال قتادة: إنْ كانَ ساحراً فسنغلبه وإن كان من السماء فله أمر. وقال السدي: نجواهم هو قولهم: {أية : إِنْ هَـٰذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَن يُخْرِجَاكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ} تفسير : [طه: 63].

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {فَتَوَلَّىٰ فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَىٰ}. كادَ فرعونَ فَكِيد لَه، وأراد فارتدَّ إليه، ودعا للاستعداد فأُذِلَّ وأُذِيقَ البأسَ. ولم يَدَعْ موسى شيئاً من الوعظ والرِّفْقِ، ولم يغادِرْ فرعونَ شيئاً من البَلَهِ والحُمْقِ ولكن: {قَالَ لَهُمْ مُّوسَىٰ وَيْلَكُمْ لاَ تَفْتَرُواْ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُم بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ ٱفْتَرَىٰ فَتَنَازَعُوۤاْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجْوَىٰ}. اعلموا أنه لا طاقةَ لأحدٍ مع الله - سبحانه - إذا عذَّبَه، فحملوا مقالتَه على الإفك، ورَمَوْا معجزته بالسحر فقالوا: {قَالُوۤاْ إِنْ هَـٰذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَن يُخْرِجَاكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ ٱلْمُثْلَىٰ فَأَجْمِعُواْ كَيْدَكُمْ ثُمَّ ٱئْتُواْ صَفّاً وَقَدْ أَفْلَحَ ٱلْيَوْمَ مَنِ ٱسْتَعْلَىٰ}. هما في دعواهما كاذبان يَقْصِدان إلى إخراجِكم من بَلَدِكم، والتشويشِ عليكم في مُعْتَقَدِكم.

اسماعيل حقي

تفسير : {فتولى فرعون} اى ترك الولى والقرب والنصرف عن المجلس وارسل الى المدائن لجمع السحرة {فجمع كيده} اى ما يكاد به من السحرة وادواتهم والكيد ضرب من الاحتيال {ثم اتى} اى الموعد ومعه ما جمعه من كيده وفى كلمة التراخى ايماء الى انه لم يسارع اليه بل اتاه بعد تأخير.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {إن هذان لساحران}: مَنْ خَفَّفَ {إن}: جعلها نافية، أو مخففة، واللام فارقة. ومَنْ ثَقَّلها وقرأها: {هذان}؛ بالألف، فقيل: على لغة بلحارث بن كعب وخثعم وكنانة، فإنهم يَلْزَمُونَ الألف؛ رفعًا ونصبًا وجرًا، ويُعرِبُونَها تقديرًا، وقيل: اسمها: ضمير الشأن، أي: إنه الأمر والشأن هاذان لهما ساحران. وقيل: "إن" بمعنى "نعم"، لا تعمل، وما بعدها: جملة من مبتدأ وخبر. وقالت عائشة - رضي الله عنها -: إنه خطأ من الكُتاب، مثل قوله: {أية : وَٱلْمُقِيمِينَ ٱلصَّلاَةَ} تفسير : [النِّساء: 162]، {أية : وَٱلصَّابِئُونَ} تفسير : [المائدة: 69]، في المائدة، ويرده تواتر القراءة. يقول الحقّ جلّ جلاله: {فتولَّى فرعونُ} أي: انصرف عن المجلس، ورجع إلى وطنه، {فجمعَ كيده} أي: حِيلَه وسَحرته؛ ليكيد به موسى عليه السلام، {ثم أتى} الموعد، ومعه ما جمعه من كيده وسحرته، وسيأتي عددهم. {قال لهم موسى}، حيث اجتمعوا من طريق النصيحة: {ويلَكُم} أي: ألزمَكم اللهُ الويل، إن افتريتم على الله الكذب، {لا تفتروا على الله كذبًا} بإشراك أحد معه، كما تعتقدون في فرعون، أو بأن تحيلوا الباطل حقًا، {فَيُسْحِتَكم} أي: يستأصلكم، بسببه، {بعذابٍ} لا يُقَادَر قدره، وقرئ رباعيًا وثلاثيًا، يقال: سحت وأسحت. فالثلاثي: لغة أهل الحجاز، والرباعي: لغة بني تميم ونجد. {وقد خاب} وخسر {مَن افترى} على الله، كائنًا من كان، بأي وجه كان، فيدخل الافتراء المنهي عنه دخولاً أوليًا، أو: قد خاب فرعون المفتري على الله، فلا تكونوا مثله في الخيبة. {فتنازعوا} أي: السحرة، حين سمعوا كلامه عليه السلام، {أمرَهُم} أي: في أمرهم الذي أريد منهم؛ من مغالبته عليه السلام، وتشاوروا وتناظروا {بينهم} في كيفية المعارضة، وتشاجروا، ورددوا القول في ذلك، {وأسَرُّوا النجوى} أي: من موسى عليه السلام؛ لئلا يقف عليه فيدافعه، ونجواهم على هذا هو قوله: {قالوا إِنْ هذان} أي: موسى وهارون، {لساحران} عظيمان {يُريدان أن يُخرجاكم من أرضكم}؛ مصر، بالاستيلاء عليها {بسحرهما} الذي أظهره قبل، {ويَذْهبا بطريقتكُمُ المثلى} أي: بمذهبكم، الذي هو أفضل المذاهب وأمثلُها، بإظهار مذهبهما وإعلاء دينهما. قال ابن عطية: والأظهر، في الطريقة هنا، أنه السيرة والمملكة. والمُثلى: تأنيث الأمثل، أي: الفاضلة الحسنة. هـ. وقيل: الطريقة هنا: اسم لوجوه القوم وأشرافِهم، لأنهم قدوة لغيرهم، والمعنى: يريدان أن يصرفا وجوه الناس وأشرافَهم إليهما، ويُبطلان ما أنتم عليه. وقال قتادة: (طريقتهم المثلى يومئذ: بنو إسرائيل، كانوا أكثر القوم عددًا وأموالاً، فقال فرعون: إنما يريدان أن يذهبا به لأنفسهما). ولا شك أن حمل الإخراج على إخراج بني إسرائيل من بينهم، مع بقاء قوم فرعون على حالهم آمِنين في ديارهم بعيد، مما يجب تنزيه التنزيل عن أمثاله. وقوله تعالى: {فأجْمِعُوا كيدكم}: تصريح بالمطلوب، أي: إذا كان الأمر كما ذكر، من كونهما ساحرين يُريدان إخراجكم من بلادكم، فأجمعوا كيدكم، أي: اجعلوه مُجمعًا عليه، بحيث لا يتخلف عنه واحد منكم، وارموه عن قوس واحدة. وقرأ أبو عمرو: {فاجْمَعُوا}، من الجمع، أي: فاجمعوا أدوات سحركم ورتبوها كما ينبغي، {ثم ائْتُوا صفًّا} أي: مصطفين، أمروا بذلك؛ لأنه أَهْيَبُ في صدور الرائين، وأَدْخَلُ في استجلاب الرهبة من المشاهدين. قيل: كانوا سبعين ألفًا، مع كل واحد منهم حبل وعصا، وأقبلوا عليه إقبالة واحدة، وقيل: كانوا اثنين وسبعين ساحرًا؛ اثنان من القبط، والباقي من بني إسرائيل، وقيل: تسعمائة؛ ثلاثمائة من الفُرس، وثلاثمائة من الروم، وثلاثمائة من الإسكندرية، وقيل: خمسة عشر ألفًا. والله تعالى أعلم. ولعل الموعد كان مكانًا متسعًا، خاطبهم موسى عليه السلام بما ذكر في قطر من أقطاره، وتنازعوا أمرهم في قطر آخر، ثم أمروا أن يأتوا وسطه على الوجه المذكور. ثم قالوا في آخر نجواهم: {وقد أفلح اليوم مَن استعلى}؛ فاز بالمطلوب مَنْ غلب، يريدون بما وعدهم فرعون من الأجر والتقريب، أو بالرئاسة والجاه والذكر الحسن في الناس. وقيل: كان نجواهم أن قالوا - حين سمعوا مقاله موسى عليه السلام -: ما هذا بقول ساحر، وقيل: كان ذلك أن قالوا: إن غلبنا موسى اتبعناه، وقيل: قالوا فيها: إن كان ساحرًا غلبناه، وإن كان من السماء فله أمر. فيكون إسرارهم حينئذ من فرعون، ويحمل قولهم: {إِن هذان لساحران...} الخ، على أنهم اختلفوا فيما بينهم على الأقاويل المذكورة، ثم أعرضوا عن ذلك بعد التنازع والتناظر، واستقرت آراؤهم على المغالبة والمعارضة. والله تعالى أعلم بما كان. ثم طلبوا المعارضة، فقالوا: {يا موسى إِما أن تُلقي} ما تلقيه أولاً، {وإِما أن نكون أول من ألقى} ما نلقيه. خيروه عليه السلام فيما ذكر؛ مراعاة للأدب، لما رأوا عليه من مخايل الخير، وإظهارًا للجلادة، {قال بل أَلْقُوا} أنتم أولاً، مقابلة لأدبهم بأحسن منه، فَبَتَّ القول بإلقائهم أولاً، وإظهارًا لعدم المبالاة بسحرهم، ومساعدة لما أوهموا من الميل إلى البدء، وليستفرغوا أقصى جهدهم وسعيهم، ثم يُظهر اللهُ سبحانه سلطانه، فيقذف بالحق على الباطل فيدمغه كما تعودَ من ربه. فألقوا ما عندهم، {فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِم أَنَّهَا تَسْعَى} أي: ففوجئ موسى، وتخيل سعي حبالهم وعصيهم من سحرهم، وذلك أنهم كانوا لطخوها بالزئبق، فلما ضربت عليها الشمس اضطربت واهتزت، فخيل إليه أنها تتحرك. قلت: هكذا ذكر كثير من المفسرين. والذي يظهر أن تحريكها إنما كان من تخييل السحر الذي يقلب الأعيان في مرأى العين، كما يفعله أهل الشعوذة، وهو علم معروف من علوم السحر، ويدل على ذلك ما ورد أنها انقلبت حيات تمشي على بطونها، تقصد موسى عليه السلام، فكيف يفعل الزئبق هذا؟ قال ابن جزي: استدل بعضهم بهذه الآية أن السحر تخييل لا حقيقة له. هـ. {فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً} أي: خوفًا، {موسى}: أي: أضمر في نفسه بعض خوف، من جهة الطبع البشري المجبول على النفرة من الحيات، والاحتراز من ضررها. وقال مقاتل: إنما خاف موسى، إذ صنع القوم مثل صنيعه، بأن يشكُّوا فيه، فلا يتبعوه، ويشك فيه من تابعه. {قلنا لا تخف} ما توهمت، {إِنك أنت الأعلى}؛ الغالب عليهم، والجملة: تعليل لنهيه عن الخوف، وتقرير لغلبته، على أبلغ وجه، كما يُعرب عنه الاستئناف، وحرف التحقيق، وتأكيد الضمير، وتعريف الخبر، ولفظ العلو. ثم قال له: {وأَلْقِ ما في يمينك} أي: عصاك، وإنما أبهمت؛ تفخيمًا لشأنها، وإيذانًا بأنها ليست من جنس العصا المعهودة، بل خارجة عن حدود أفراد الجنس، مبهمة الكنه، مستتبعة لآثار غريبة، وأما حملُ الإبهام على التحقير، بمعنى: لا تبال بكثرة حبالهم وعصيهم، وألق العُوَيْد الذي في يدك، فإنه بقدرة الله تعالى يتلقفُها مع وحدته وكثرتها، وصغره وكبرها، فيأباه ظهور حالها، وما وقع منها فيما مر من تعظيم شأنها. وقوله تعالى: {تَلْقَفْ ما صنعوا}: جواب الأمر، من لقفه، إذا ابتلعه والتقمه بسرعة، أي: تبتلع، وتلتقم بسرعة، ما صنعوا من الحبال والعصي، التي تخيل إليك، والجملة الأمرية معطوفة على النهي عن الخوف، موجبة لبيان كيفية غلبته عليه السلام وعلوه، وإدحاض الخوف عنه، فإن ابتلاع عصاه لأباطيلهم، التي منها أوجس في نفسه ما أوجس، مما يقلع مادته بالكلية. وهذا، كما ترى، صريح في أن خوفه عليه السلام لم يكن - كما قال مقاتل - من خوف شك الناس وعدم اتباعه له عليه السلام، وإلا لعلله بما يزيله من الوعد بالنصر الذي يُوجب اتباعه. فتأمله. قاله أبو السعود. وفيه نظر بأن قوله: {تلقف ما صنعوا} صريح في عدم الالتباس؛ إذ لا ينبغي التباس مع ابتلاع عصاه لعصيهم، فتأمله. {إِنما صنعوا كَيْدُ ساحرٍ} أي: إن الذي صنعوه كيد ساحر وحِيلَهُ. وقرأ أهل الكوفة: {سِحْر}؛ بكسر السين، فالإضافة للبيان، كما في "علم فقه"، أو: كيد ذي سحر، أو يسمى الساحر سحرًا؛ مبالغة. والجملة تعليل لقوله: {تلقف} أي: تبتلعه؛ لأنه كيد ساحر، {ولا يُفلح الساحرُ حيث أتى} أي: حيث وُجد، وأين أقبل، وهو من تمام التعليل. والله تعالى أعلم. الإشارة: يقال للفقير، المتوجه إلى الله تعالى، من قبل الحق: إمَّا أن تُلقي الدنيا من يدك، وإمَّا أن نكون أول من ألقاها عنك، أي: إما أن تتركها اختيارًا، أو تزول عنك اضطرارًا؛ لأن عادته تعالى، مع المتوجه الصادق، أن يدفع عنه كل ما يشغله من أمور الدنيا فيقول - إن كان صادق القلب -: بل ألقها، ولا حاجة لي بها، فألقاها الحق تعالى، وأخرجها من يده، عناية به، فإذا أشغالها وعلائقها كانت تسعى في هلاكه وخراب قلبه وتضييع عمره، فأوجس في نفسه خيفة من العيلة ولحوق الفاقة، قلنا: لا تخف، حيث توجهت إلى مولاك، فإن الله يرزق بغير حساب وبلا أسباب، وأَلقِ ما في يمين قلبك من اليقين، تلقف ما صنعوا، أي: ما صنعت بِكَ خواطر السوء والشيطان، لأنه يَعدِ بالفقر ويأمر بالفحشاء، وإنما صنعوا ذلك؛ تخويفًا وتمويهًا، لا حقيقة له، كما يفعل الساحر، {ولا يفلح الساحر حيث أتى} . ثمَّ ذكر إسلام السحرة وما كان من شأنهم

الجنابذي

تفسير : {فَتَوَلَّىٰ فِرْعَوْنُ} عن موسى (ع) او الى جمع السّحرة واسباب السّحر {فَجَمَعَ كَيْدَهُ} ما يكاد به من السّحرة واسباب سحرهم {ثُمَّ أَتَىٰ} الى الموعد.

الأعقم

تفسير : {فتولى فرعون} أي انصرف وفارق موسى على الموعد {فجمع كيده} سحره وحيله {ثم أتى} الميعاد، ثم بيَّن تعالى بعد اجتماعهم للموعد فقال سبحانه: {قال لهم موسى} للسحرة {ويلكم} كلمة وعيد وتهديد، وعن وهب لما قال: {ويلكم} الآية، قالوا: ما هذا بقول ساحر {فيسحتكم}، قيل: يستأصلكم بعذاب، وقيل: يهلككم {فتنازعوا أمرهم بينهم}، قيل: تشاورت السحرة {وأسرُّوا النجوى} أي أخفوا كلامهم عمّن أخفوه، قيل: من فرعون وقومه، أي تناجوا فيما بينهم وأخفوا عنه ما علموا من أمر موسى، وقيل: أخفوا عن موسى وهارون أن ما جرى مع فرعون في إبطال أمرهما، وقيل: أخفوا عن عوام الناس ليوهموا عليهم، واختلفوا في الذي أسرّوا قيل: قالوا: إن كان ساحراً شغلته، وإن كان أمراً سماوياً فله أمره، وقيل: أسرّوا عن موسى وهارون {إن هذان لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما ويذهبا بطريقتكم المثلى}، قيل: أولو الفضل والشرف والأنساب، وقيل: يذهبا بطريقتكم التي أنتم عليها في السيرة والدين {فأجمعوا كيدكم}، قيل: هو قول فرعون للسحرة، وقيل: هو من قول السحرة بعضهم لبعض {ثم ائتوا صفاً}، قيل: جمعاً، وقيل: صفوفاً ولا يختلف عنَّا منكم أحد، لأنَّه في صدور الراس، وروي أنهم كانوا سبعين ألفاً مع كل واحد منهم حبل وعصا وقد أقبلوا إقبالة واحدة {وقد أفلح اليوم من استعلى} من غلب، ثم بيَّن تعالى ما جرى بينهم فقال سبحانه: {قالوا} يعني السحرة {يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون أول من ألقى} وإنما قالوا ذلك إيهاماً أن الغلبة لهم، وقيل: كان بلغهم أن العصا تتقلب مرة حية ومرة عصا {قال بل ألقوا فإذا حبالهم وعصيُّهم يخيّل إليه من سحرهم أنها تسعى} تمشي، ويقال: كيف صنعوا حتى خيل أنها تسعى؟ قالوا: كانوا نقروا العصا وجعلوا فيها الزئبق، وكذلك جعلوا الزئبق في الحبال، فلما اصابها حرّ الشمس اهتزت وتحركت، وقيل: حفروا أسراباً ثم أوقدوا فيها النار، ثم ألقوا عليها الحبال والعصي، فلما أصابها حرّ النار تحركت، وكانوا سبعين ألفاً ومع كل واحد منهم حبل وعصا {فأوجس في نفسه خيفةً موسى}، قيل: خاف التلبيس على العوام، وقيل: الخوف إضمار شيء منه {قلنا لا تخف إنك أنت الأعلى} الغالب القاهر {وألقِ ما في يمينك} أي العصا {تلقف} أي تبتلع {ما صنعوا} من الحبال والعصي، قال: لما ألقى عصاه صارت حيةً وطافت حول الصفوف حتى رآها الناس كلهم ثم قصدت نحو الحبال والعِصي فابتلعتها كلها مع كثرتها، ثم أخذها موسى فعادت عصا، فلما رأت السحرة ذلك علموا أنه ليس بسحر وأنها معجزة آمنوا.

اطفيش

تفسير : {فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ} أدبر {فَجَمَعَ كَيْدَهُ} ما يكيد به موسى عليه السلام وهو السحرة وآلاتهم. {ثُمَّ أَتَى} بهم الموعد.

اطفيش

تفسير : {فتولَّى فرْعون} ذهب عن مجلسه ويضعف تفسيره بأنه تولى الأمر بنفسه، لأنه على حاله المعهودة، وتقليده السحرة، وتفسيره بالتولى عن الحق، لأن توليه عنه قد سبق مشبعاً، وليس هذا محل ذكره إذ لا يشك أحد أنه بعد طلبه الموعد، أنه لم يتولى عن الحق. {فَجَمَع كَيْدَه} أى لم يبق شيئاً من نفس الكيد، لم يتدبره بواسطة سحرته، أو يقدر فجمع ذوى كيده {ثمَّ أتى} ما عهد من المكان البارز فى الزمان المعهود، مع ما جمع، وفى ثم إشارة إلى بطئه للمبالغة فى الجمع، وكأنه قيل: فما شأن موسى فى ذلك فقال: {قال لَهُم مُوسى} بعد مجيئه بطريق النصح {ويْلَكم لا تَفْتروا عَلَى الله كذباً} بأن تدعوا أن ما تأتون به من السحر حق، وأن آياتى التى مضت والتى إنِّى الآن بصدد ما كذب كما زعم، ولا يتم لعاقل ينظر بعقله، أن يطلب هذا الاجتماع بعد ما رأوا من شأن العصا، لكن الرغبة فى الرفعة والدفع عن النفس، يرى الحق باطلا وينسى النظر فى العواقب. {فيَسْحتكم} يستأصلكم {بعذَابٍ} عظيم لا يعلم قدره إلا الله {وقدْ خَابَ مَن افْتَرى} على الله كائناً من كان، فيدخل فرعون أولا. أو قد خاب فرعون المفترى فلا تكونوا مثله.

الالوسي

تفسير : {فَتَوَلَّىٰ فِرْعَوْنُ } أي انصرف عن المجلس، وقيل: تولى الأمر بنفسه وليس بذاك. وقيل: أعرض عن قبول الحق وليس بشيء {فَجَمَعَ كَيْدَهُ } أي ما يكاد به من السحرة وأدواتهم أو ذوي كيده {ثُمَّ أَتَىٰ } أي الموعد ومعه ما جمعه. وفي كلمة التراخي إيماء إلى أنه لم يسارع إليه بل أتاه بعد بطء وتلعثم، ولم يذكر سبحانه إتيان موسى عليه السلام بل قال جل وعلا: {قَالَ لَهُمْ مُّوسَىٰ...}.

ابن عاشور

تفسير : تفريع التولّي وجمع الكيد على تعيين موسى للموعد إشارة إلى أن فرعون بادر بالاستعداد لهذا الموعد ولم يُضعِ الوقت للتهيئة له. والتولّي: الانصراف، وهو هنا مستعمل في حقيقته، أي انصرف عن ذلك المجلس إلى حيثُ يُرسل الرسل إلى المدائن لجمع من عُرفوا بعلم السحر، وهذا كقوله تعالى في سورة النازعات (22، 23) {أية : ثم أدبر يسعى فحشر فنادى}تفسير : . ومعنى جمع الكيد: تدبير أسلوب مناظرة موسى، وإعداد الحيل لإظهار غلبة السحرة عليه، وإقناع الحاضرين بأنّ موسى ليس على شيء. وهذا أسلوب قديم في المناظرات: أن يسعى المناظر جهده للتشهير ببطلان حجّة خصمه بكلّ وسائل التلبيس والتشنيع والتشهير، ومباداته بما يفتّ في عضده ويشوش رأيه حتّى يذهب منه تدبيره. فالجمع هنا مستعمل في معنى إعداد الرأي. واستقصاء ترتيب الأمر، كقوله {أية : فأجمعوا أمركم}تفسير : [يونس: 71]، أي جمع رأيه وتدبيره الذي يكيد به موسى. ويجوز أن يكون المعنى فجمع أهل كيده، أي جمع السحرة، على حد قوله تعالى: {أية : فجمع السحرة لميقات يوم معلوم}تفسير : [الشعراء: 38]. والكَيْد: إخفاء ما به الضر إلى وقت فعله. وقد تقدّم عند قوله تعالى: {أية : إن كيدي متين} تفسير : في سورة الأعراف (183). ومعنى {ثُمَّ أَتَّىٰ} ثمّ حضر الموعدَ، وثم للمهلة الحقيقية والرتبية معاً، لأن حضوره للموعد كان بعد مضي مهلة الاستعداد، ولأن ذلك الحضور بعد جمع كيده أهمّ من جمع الكيد، لأنّ فيه ظهور أثر ما أعدّه. وجملة {قَالَ لَهُم مُوسَىٰ} مستأنفة استئنافاً بيانياً، لأنّ قوله {ثُمَّ أَتَىٰ} يثير سؤالاً في نفس السامع أن يقول: فماذا حصل حين أتى فرعون ميقات الموعد. وأراد موسى مفاتحة السحرة بالموعظة. وضمير {لَهُم} عائد إلى معلوم من قوله {فلنأتينك بسحر مثله} أي بأهل سحر، أو يكون الخطاب للجميع، لأنّ ذلك المحضر كان بمرأى ومسمع من فرعون وحاشيته، فيكون معاد الضمير ما دلّ عليه قوله {فَجَمعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أتَىٰ}، أي جمع رجال كيده. والخطاب بقوله {وَيْلَكُمْ} يجوز أن يكون أراد به حقيقة الدعاء، فيكون غير جار على ما أمر به من إلانة القول لفرعون: إما لأن الخطاب بذلك لم يكن مواجهاً به فرعون بل واجه به السحرةَ خاصة الذين اقتضاهم قوله تعالى: {فَجَمعَ كَيْدَهُ}، أي قال موسى لأهل كيد فرعون؛ وإما لأنه لما رأى أن إلانة القول له غير نافعة، إذ لم يزل على تصميمه على الكفر، أغلظ القول زجراً له بأمر خاص من الله في تلك الساعة تقييداً لمطلق الأمر بإلانة القول، كما أذن لمحمد - صلى الله عليه وسلم - بقوله: {أية : أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا} تفسير : الآيات في سورة الحج (39)؛ وإما لأنه لما رأى تمويههم على الحاضرين أنّ سحرهم معجزة لهم من آلهتهم ومن فرعون ربّهم الأعلى وقالوا: {أية : بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون}تفسير : [الشعراء: 44] رأى واجباً عليه تغيير المنكر بلسانه بأقصى ما يستطيع، لأن ذلك التغيير هو المناسب لمقام الرسالة. ويجوز أن تكون كلمة {وَيْلَكُمْ} مستعملة في التعجب من حال غريبة، أي أعجبُ منكم وأحذركم، كـحديث : قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لأبي بصير: «ويلُ أُمهُ مسعر حرب» تفسير : فحكى تعجب موسى باللفظ العربي الدال على العجب الشديد. والويل: اسم للعذاب والشر، وليس له فعل. وانتصب {وَيْلَكُمْ} إما على إضمار فعل على التحذير أو الإغراء، أي الزموا ويلكم، أو احذروا ويلكم؛ وإما على إضمار حرف النداء فإنهم يقولون: يا ويلنا، ويا ويلتنا. وتقدم عند قوله تعالى: {أية : فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم}تفسير : في سورة البقرة (79). والإفتراء: اختلاق الكذب. والجمع بينه وبين {كَذِباً} للتأكيد، وقد تقدم عند قوله تعالى: {أية : ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب} تفسير : في سورة المائدة (103). والافتراء الذي عناه موسى هو ما يخيّلونه للناس من الشعوذة، ويقولون لهم: انظروا كيف تحرّك الحبل فصار ثعباناً، ونحو ذلك من توجيه التخيّلات بتمويه أنها حقائق، أو قولهم: ما نفعله تأييد من الله لنا، أو قولهم: إن موسى كاذب وساحر، أو قولهم: إن فرعون إلههم، أو آلهة فرعون آلهة. وقد كانت مقالات كفرهم أشتاتاً. وقرأ الجمهور {فَيَسْحَتَكُم} ــــ بفتح الياء ــــ مضارع سَحَتَه: إذا استأصله، وهي لغة أهل الحجاز. وقرأه حمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم، وخَلف، ورويسٌ عن يعقوب ــــ بضم الياء التحتية ــــ من أسحته، وهي لغة نجد وبني تميم، وكلتا اللغتين فصحى. وجملة {وقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَىٰ} في موضع الحال من ضمير {لا تَفْتَرُوا} وهي مسوقة مساق التعليل للنهي، أي اجتنبوا الكذب على الله فقد خاب من افترى عليه من قبلُ. بعد أن وعظهم فنهاهم عن الكذب على الله وأنذرهم عذابه ضرب لهم مثلاً بالأمم البائدة الذين افتروا الكذب على الله فلم ينجحوا فيما افتَرَوْا لأجله. و{منْ} الموصولة للعموم. وموقع هذه الجملة بعد التي قبلها كموقع القضية الكبرى من القياس الاقتراني. وفي كلام موسى إعلان بأنه لا يتقول على الله ما لم يأمره به لأنه يعلم أنه يستأصله بعذاب ويعلم خيبة من افترى على الله؛ ومن كان يعلم ذلك لا يُقدم عليه.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى في هذه الآية الكريمة {فَتَوَلَّىٰ فِرْعَوْنُ} قال بعض العلماء: معناه فتولى فرعون، انصرف مدبراً من ذلك المقام ليهيئ ما يحتاج إليه مما تواعد عليه هو وموسى. ويدل لهذا الوجه قوله تعالى في سورة "النازعات" في القصة بعينها {أية : ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَىٰ فَحَشَرَ فَنَادَىٰ} تفسير : [النازعات: 22-23] وقوله {فَحَشَرَ} أي جمع السحرة. وقال بعض العلماء: معنى قوله {فَتَوَلَّىٰ فِرْعَوْنُ} أي أعرض عن الحق الذي جاء به موسى. ومن معنى هذا الوجه قوله تعالى: {أية : إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَآ أَنَّ ٱلْعَذَابَ عَلَىٰ مَن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ} تفسير : [طه: 48]. وقوله تعالى: {فَجَمَعَ كَيْدَهُ} هو جمعه للسحرة من أطراف مملكته، ويدل على هذا أمران: أحدهما ـ تسمية السحر في القرآن كيداً. كقوله {أية : إِنَّمَا صَنَعُواْ كَيْدُ سَاحِرٍ} تفسير : [طه: 69] الآية، وقوله تعالى عن السحرة: {أية : فَأَجْمِعُواْ كَيْدَكُمْ} تفسير : [طه: 64] وكيدهم سحرهم. الثاني ـ أن الذي جمعه فرعون هو السحرة كما دلت عليه آيات من كتاب الله. كقوله تعالى في "الأعراف": {أية : وَأَرْسِلْ فِي ٱلْمَدَآئِنِ حَاشِرِينَ يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ} تفسير : [الأعراف: 111-112]. وقوله {حَاشِرِينَ} أي جامعين يجمعون السحرة من أطراف مملكته، وقوله في "الشعراء": {أية : وَٱبْعَثْ فِي ٱلْمَدَآئِنِ حَاشِرِينَ يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ فَجُمِعَ ٱلسَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ} تفسير : [الشعراء: 36-38] وقوله في "يونس": {أية : وَقَالَ فِرْعَوْنُ ٱئْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ} تفسير : [يونس: 79]. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {ثُمَّ أَتَىٰ} أي جاء فرعون بسحرته للميعاد ليغلب نبي الله موسى بسحره في زعمه.

د. أسعد حومد

تفسير : (60) - فَخَرَجَ فِرْعَوْنُ مِنْ مَجْلِسِهِ ذَاكَ، وَشَرَعَ فِي جَمْعِ السَّحَرَةِ مِنْ أَطْرَافِ مَمْلَكَتِهِ، وَكَانَ السِّحْرُ كَثِيراً فِي ذلِكَ الزَّمَانِ، فَاجْتَمَعَ لَهُ مِنْهُمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ، ثُمَّ أَتَى مَعَهُمْ فِي المَوْعِدِ المُحَدَّدِ إِلَى المَكَانِ المُعَيَّنِ لِلِّقَاءِ. وَجَلَسَ فِرْعَوْنُ عَلَى سَرِيرِ المُلْكِ، وَوَقَفَ السَّحَرَةُ صُفُوفاً بَيْنَ يَدَيْهِ، وَهُوَ يُحَرِّضُهُمْ وَيُشَجِّعُهُمْ. وَجَاءَ مُوسَى يَتَوَكَّأُ عَلَى عَصَاهُ، وَإِلى جَانِبِهِ أَخُوهُ هَارُونُ. كَيْدَهُ - سَحَرَتَهُ الَّذِينَ يَكِيدُ بِهِمْ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : تولى: أي: ترك موسى وانصرف ليُدبِّر شأنه {فَجَمَعَ كَيْدَهُ ..} [طه: 60] الكيد: التدبير الخفي للخَصْم، والتدبير الخفيّ هنا ليس دليلَ قوة، بل دليل ضَعْف؛ لأنه لا قوةَ له على المجابهة الواضحة، مثل الذي يدسُّ السُّم للآخر لعدم قدرته على مواجهته. إذن: الكيد دليل ضَعْف؛ لذلك نفهم من قوله تعالى عن النساء: {أية : إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ}تفسير : [يوسف: 28] أنه ليس دليلاً على قوة المرأة، إنما دليلٌ على ضعفها، فكما أن كيدهُنّ عظيم، فكذلك ضعفُهن عظيم. فمعنى {فَجَمَعَ كَيْدَهُ ..} [طه: 60] أدار فِكْره على ألوان الكَيْد المختلفة، ليختار منها ما هو أنكَى لخَصْمه، كما جاء في آية أخرى في شَأْنِ نوح عليه السلام {أية : فَأَجْمِعُوۤاْ أَمْرَكُمْ ..}تفسير : [يونس: 71]. وكأن الأمر الذي هو بصدده يتطلب وجهات نظر متعددة: نفعل كذا، أو نفعل كذا؟ ثم ينتهي من هذه المشاورة إلى رَأْي يجمع كل الاحتمالات، بحيث لا يفاجئه شيء بعد أنْ احتاط لكل الوجوه. فالمعنى: اتفِقُوا على الخطة الواضحة التي تُوحِّد آراءكم عند تحقيق الهدف. ومن ذلك قوله تعالى في قصة يوسف عليه السلام: {أية : وَأَجْمَعُوۤاْ أَن يَجْعَلُوهُ فِي غَيَٰبَتِ ٱلْجُبِّ ..}تفسير : [يوسف: 15]. أي: اتفقوا على هذا الرأي، وأجمعوا عليه، بعد أن قال أحدهم {أية : ٱقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ ٱطْرَحُوهُ أَرْضاً ..}تفسير : [يوسف: 9]، فكان الرأي النهائي أنْ يجعلوه في غيابة الجب. فهُمْ على آية حال سلالة نُبوة، لم يتأصل الشرُّ في طباعهم؛ لذلك يتضاءل شرُّهم من القتل إلى الإلقاء في متاهات الأرض إلى أهْوَن هذه الأخطار، أنْ يُلْقوه في الجُبِّ، وهذه صفة الأخيار، أما الأشرار الذين تأصل الشر في نفوسهم وتعمّق، فشرُّهم يتزايد ويتنامى، فيقول أحدهم: أريد أنْ أقابل فلاناً، فأبصق في وجهه، أو أضربه، أو أُقطّعه، بل رصاصة تقضي عليه فيُصعِّد ما عنده من الشر. وبعد ذلك يرجُونَ له النجاة، فيقولون: {أية : يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ ٱلسَّيَّارَةِ ..}تفسير : [يوسف: 10]. ثم يقول تعالى في شأن فرعون: {ثُمَّ أَتَىٰ} [طه: 60] أي: أتى الموعد الذي سبق تحديده، مكاناً وزماناً. ثم يُحدِّثنا الحق سبحانه عن وقائع هذا اليوم، فيقول: {قَالَ لَهُمْ مُّوسَىٰ وَيْلَكُمْ ...}.