٢٠ - طه
20 - Ta-Ha (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
62
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {فَتَنَازَعُوۤاْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ} أي تشاوروا؛ يريد السّحرة. {وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجْوَىٰ} قال قتادة {قَالُوۤاْ}: إن كان ما جاء به سحراً فسنغلبه، وإن كان من عند الله فسيكون له أمر؛ وهذا الذي أسروه. وقيل الذي أسروا قولهم: {إِنْ هَـٰذَانِ لَسَاحِرَانِ} الآيات، قاله السدي ومقاتل. وقيل الذي أسروا قولهم: إن غَلَبنا اتبعناه؛ قاله الكلبي دليله ما ظهر من عاقبة أمرهم. وقيل: كان سرهم أن قالوا حين قال لهم موسى {أية : وَيْلَكُمْ لاَ تَفْتَرُواْ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً} تفسير : [طه: 61]: ما هذا بقول ساحر. و«النجوى» المناجاة يكون اسماً ومصدراً؛ وقد تقدم في «النساء» بيانه. قوله تعالى: {إِنْ هَـٰذَانِ لَسَاحِرَانِ} قرأ أبو عمرو «إِنَّ هَذَيْنِ لَسَاحِرَانِ». ورويت عن عثمان وعائشة رضي الله عنهما وغيرهما من الصحابة؛ وكذلك قرأ الحسن وسعيد بن جبير وإبراهيم النَّخَعيّ وغيرهم من التابعين؛ ومن القراء عيسى بن عمر وعاصم الجحدري؛ فيما ذكر النحاس. وهذه القراءة موافقة للإعراب مخالفة للمصحف. وقرأ الزهريّ والخليل بن أحمد والمفضل وأبان وابن محيصن وابن كثير وعاصم في رواية حفص عنه «إِنْ هَذَانِ» بتخفيف «إن» «لساحران» وابن كثير يشدّد نون «هذانّ». وهذه القراءة سلمت من مخالفة المصحف ومن فساد الإعراب، ويكون معناها ما هذان إلا ساحران. وقرأ المدنيون والكوفيون «إنَّ هَذَانِ» بتشديد «إنّ» «لساحران» فوافقوا المصحف وخالفوا الإعراب. قال النحاس: فهذه ثلاث قراءات قد رواها الجماعة عن الأئمة، وروي عن عبد الله بن مسعود أنه قرأ «إِنْ هذانِ إِلاّ ساحِرَانِ» وقال الكسائي في قراءة عبد الله: «إِنْ هَذَانِ سَاحِرَانِ» بغير لام؛ وقال الفراء في حرف أبيّ «إِنْ ذَانِ إِلاَّ سَاحِرَانِ» فهذه ثلاث قراءات أخرى تحمل على التفسير لا أنها جائز أن يقرأ بها لمخالفتها المصحف. قلت: وللعلماء في قراءة أهل المدينة والكوفة ستة أقوال ذكرها ابن الأنباري في آخر كتاب الردّ له، والنحاس في إعرابه، والمهدوي في تفسيره، وغيرهم أدخل كلام بعضهم في بعض. وقد خطأهم قوم حتى قال أبو عمرو: إني لأستحي من الله تعالى أن أقرأ «إِنَّ هَذَانِ»: وروى عروة عن عائشة رضي الله عنها أنها سئلت عن قوله تعالى: {أية : لَّـٰكِنِ ٱلرَّاسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ} تفسير : [النساء: 162] ثم قال: «والمقِيمِين» وفي «المائدة» {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ والصَّابِئُونَ} تفسير : [البقرة: 62] و«إِنَّ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ» فقالت: يا ابن أختيٰ هذا خطأ من الكاتب. وقال عثمان بن عفان رضي الله عنه: في المصحف لحن وستقيمه العرب بألسنتهم. وقال أبان بن عثمان: قرأت هذه الآية عند أبي عثمان بن عفان، فقال: لحن وخطأ؛ فقال له قائل: ألا تغيِّروه؟ فقال: دَعُوه فإنه لا يحرّم حلالاً ولا يحلّل حراماً. القول الأول من الأقوال الستة أَنها لغة بني الحرث بن كعب وزَبيد وخَثْعم وكنانة بن زيد يجعلون رفع الاثنين ونصبه وخفضه بالألف؛ يقولون: جاء الزيدان ورأيت الزيدان ومررت بالزيدان، ومنه قوله تعالى: {أية : وَلاَ أَدْرَاكُمْ بِهِ} تفسير : [يونس: 16] على ما تقدّم. وأنشد الفراء لرجل من بني أسد ـ قال: وما رأيت أفصح منه:شعر : فأَطرقَ إطراقَ الشُّجاعِ ولو يَرَى مَساغاً لِنَابَاهُ الشُّجَاعُ لَصَمَّمَا تفسير : ويقولون: كسرت يداه وركبت عَلاَه؛ بمعنى يديه وعليه؛ قال شاعرهم:شعر : تَزوَّدَ مِنّا بين أُذْنَاه ضَرْبَةً دعته إلى هابِي التُّرابِ عَقِيم تفسير : وقال آخر:شعر : طَارُوا عَلاَهُنَّ فَطِرْ عَلاَهَا تفسير : أي عليهنّ وعليها وقال آخر:شعر : إنّ أَبَاهَا وأَبَا أباهَا قد بَلَغَا في المجدِ غايتاها تفسير : أي إن أبا أبيها وغايتيها. قال أبو جعفر النحاس: وهذا القول من أحسن ما حملت عليه الآية؛ إذ كانت هذه اللغة معروفة، وقد حكاها من يرتضى بعلمه وأمانته؛ منهم أبو زيد الأنصاري، وهو الذي يقول: إذا قال سيبويه حدّثني من أثق به فإنما يعنيني؛ وأبو الخطاب الأخفش وهو رئيس من رؤساء اللغة، والكسائي والفراء كلهم قالوا هذا على لغة بني الحارث بن كعب. وحكى أبو عبيدة عن أبي الخطاب أن هذه لغة بني كنانة. المهدوي: وحكى غيره أنها لغة لخثعم. قال النحاس ومن أبين ما في هذا قول سيبويه: واعلم أنك إذا ثنيت الواحد زدت عليه زائدتين، الأولى منهما حرف مدّ ولين وهو حرف الإعراب؛ قال أبو جعفر فقول سيبويه: وهو حرف الإعراب، يوجب أن الأصل ألا يتغير، فيكون «إِنَّ هَذَانِ» جاء على أصله ليعلم ذلك، وقد قال تعالى: {أية : ٱسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ ٱلشَّيْطَانُ} تفسير : [المجادلة: 19] ولم يقل استحاذ؛ فجاء هذا ليدل على الأصل، وكذلك {إِنْ هَـٰذَانِ} ولا يفكر في إنكار من أنكر هذه اللغة إذْ كان الأئمة قد رووها. القول الثاني: أن يكون «إنّ» بمعنى نعم؛ كما حكى الكسائي عن عاصم قال: العرب تأتي بـ«ـإنّ» بمعنى نعم، وحكى سيبويه أن «إنّ» تأتي بمعنى أَجَلْ، وإلى هذا القول كان محمد بن يزيد، وإسماعيل بن إسحاق القاضي يذهبان؛ قال النحاس: ورأيت أبا إسحاق الزجاج وعلي بن سليمان يذهبان إليه. الزمخشري: وقد أعجب به أبو إسحاق. النحاس: وحدّثنا عليّ بن سليمان، قال: حدّثنا عبد الله بن أحمد بن عبد السلام النيسابوريّ، ثم لقيت عبد الله بن أحمد (هذا) فحدّثني، قال: حدّثني عمير بن المتوكل، قال: حدّثنا محمد بن موسى النوفلي من ولد حارث بن عبد المطلب، قال: حدّثنا عمرو بن جميع الكوفي عن جعفر بن محمد عن أبيه عن عليّ ـ وهو ابن الحسين ـ عن أبيه عن عليّ بن أبي طالب رضوان الله عليهم أجمعين، قال: لا أحصي كم سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول على منبره: «حديث : إنَّ الحمدُ لله نحمده ونستعينه» تفسير : ثم يقول: «حديث : أنا أفصح قريش كلها وأفصحها بعدي أبان بن سعيد بن العاص» تفسير : قال أبو محمد الخفاف قال عمير: إعرابه عند أهل العربية والنحو «إنَّ الحمد لله» بالنصب إلا أن العرب تجعل «إن» في معنى نعم، كأنه أراد صلى الله عليه وسلم نعم الحمد لله؛ وذلك أن خطباء الجاهلية كانت تفتتح خطبها بنعم. وقال الشاعر في معنى نعم:شعر : قالوا غَدَرْتَ فقلتُ إنّ وربَّمَا نَالَ العُلاَ وشَفَى الغَليلَ الغادِرُ تفسير : وقال عبد الله بن قيس الرُّقيات:شعر : بَكَرَ العواذلُ في الصَّبا حِ يَلُمْنَني وأَلُومُهُنَّهْ ويَقلْنَ شيبٌ قد عَلاَ كَ وقد كَبِرتَ فقلتُ إنَّهْ تفسير : فعلى هذا جائز أن يكون قول الله عز وجل: «إِنَّ هَذَانَ لَسَاحِرَانِ» بمعنى نعم ولا تنصب. قال النحاس: أنشدني داود بن الهيثم، قال أنشدني ثعلب:شعر : ليت شعري هل للمحبِّ شفاء من جَوَى حبّهن إنَّ اللقاءُ تفسير : قال النحاس: وهذا قول حسن إلا أن فيه شيئاً لأنه إنما يقال: نعم زيد خارج، ولا تكاد تقع اللام هاهنا، وإن كان النحويون قد تكلموا في ذلك فقالوا: اللام ينوى بها التقديم؛ كما قال:شعر : خالِي لأنتَ ومَنْ جريرٌ خالُه يَنلِ العَلاَء ويُكْرِم الأَخوالاَ تفسير : قال آخر: شعر : أُمُّ الْحُلَيْسِ لَعَجُوزٌ شَهْرَبَهْ تَرْضَى من الشَّاةِ بِعَظْمِ الرَّقَبَهْ تفسير : أي لخالي ولأمّ الحليس؛ وقال الزجاج: والمعنى في الآية إن هذان لهما ساحران ثم حذف المبتدأ. المهدوي: وأنكره أبو عليّ وأبو الفتح بن جنيّ. قال أبو الفتح: «هما» المحذوف لم يحذف إلا بعد أن عُرِف، وإذا كان معروفاً فقد استغنى بمعرفته عن تأكيده باللام، ويقبح أن تحذف المؤكَّد وتترك المؤكِّد. القول الثالث قاله الفراء أيضاً: وجدت الألف دعامة ليست بلام الفعل، فزدت عليها نوناً ولم أغيرها، كما قلت: «الذي» ثم زدت عليه نوناً فقلت: جاءني الذين عندك، ورأيت الذين عندك، ومررت بالذين عندك. القول الرابع قاله بعض الكوفيين؛ قال: الألف في «هذان» مشبهة بالألف في يفعلان؛ فلم تغير. القول الخامس: قال أبو إسحاق: النحويون القدماء يقولون الهاء هاهنا مضمرة، والمعنى: إنه هذان لساحران؛ قال ابن الأنباري: فأضمرت الهاء التي هي منصوب «إن» و«هذان» خبر «إن» و«ساحران» يرفعها «هما» المضمر (والتقدير) إنه هذان لهما ساحران. والأشبه عند أصحاب أهل هذا الجواب أن الهاء اسم «إن» و«هذان» رفع بالابتداء وما بعده خبر الابتداء. القول السادس: قال أبو جعفر النحاس وسألت أبا الحسن بن كيسان عن هذه الآية، فقال: إن شئت أجبتك بجواب النحويين، وإن شئت أجبتك بقولي؛ فقلت: بقولك؛ فقال: سألني إسماعيل بن إسحاق عنها فقلت: القول عندي أنه لما كان يقال «هذا» في موضع الرفع والنصب والخفض على حال واحدة، وكانت التثنية يجب ألا يغير لها الواحد، أجريت التثنية مجرى الواحد؛ فقال: ما أحسن هذا لو تقدمك أحد بالقول به حتى يؤنس به؛ قال ابن كيسان: فقلت له: فيقول القاضي به حتى يؤنس به؛ فتبسم. قوله تعالى: {يُرِيدَانِ أَن يُخْرِجَاكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ ٱلْمُثْلَىٰ} هذا من قول فِرعون للسحرة؛ أي غرضهما إفساد دينكم الذي أنتم عليه؛ كما قال فرعون: {أية : إِنِّيۤ أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُـمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي ٱلأَرْضِ ٱلْفَسَادَ} تفسير : [غافر: 26]. ويقال: فلان حسن الطريقة أي حسن المذهب. وقيل: طريقة القوم أفضل القول؛ وهذا الذي ينبغي أن يسلكوا طريقته ويقتدوا به؛ فالمعنى: ويذهبا بسادتكم ورؤسائكم؛ استمالة لهم. أو يذهبا ببني إسرائيل وهم الأماثل وإن كانوا خولاً لكم لما يرجعون إليه من الانتساب إلى الأنبياء. أو يذهبا بأهل طريقتكم فحذف المضاف. و«المثلى» تأنيث الأمثل؛ كما يقال الأفضل والفضلى. وأنث الطريقة على اللفظ، وإن كان يراد بها الرجال. ويجوز أن يكون التأنيث على الجماعة. وقال الكسائي: «بطريقتكم» بسنتكم وسمتكم. و«المثلى» نعت كقولك امرأة كبرى. تقول العرب: فلان على الطريقة المثلى يعنون على الهدى المستقيم. قوله تعالى: {فَأَجْمِعُواْ كَيْدَكُمْ} الإجماع الإحكام والعزم على الشيء. تقول: أجمعت الخروج وعلى الخروج أي عزمت. وقراءة كل الأمصار «فَأَجْمِعُوا» إلا أبا عمرو فإنه قرأ «فَاجْمَعُوا» بالوصل وفتح الميم. واحتج بقوله: تعالى {أية : فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَىٰ} تفسير : [طه: 60]. قال النحاس وفيما حُكي لي عن محمد بن يزيد أنه قال: يجب على أبي عمرو أن يقرأ بخلاف قراءته هذه، وهي القراءة التي عليها أكثر الناس. قال: لأنه احتج بـ«ـجمع» وقوله عز وجل: «فجمع كيده» قد ثبت هذا فيبعد أن يكون بعده «فَاجْمَعُوا» ويقرب أن يكون بعده «فَأَجْمِعُوا» أي اعزموا وجدّوا؛ ولما تقدم ذلك وجب أن يكون هذا بخلاف معناه يقال: أمر مجمع ومُجمَع عليه. قال النحاس: ويصحح قراءة أبي عمرو «فَاجْمَعُوا» أي اجمعوا كل كيد لكم وكل حيلة فضُمُّوه مع أخيه. وقاله أبو إسحاق. الثعلبي: القراءة بقطع الألف وكسر الميم لها وجهان: أحدهما: بمعنى الجمع، تقول: أجمعت الشيء وجمعته بمعنى واحد، وفي الصحاح: وأجمعت الشيء جعلته جميعاً؛ قال أبو ذؤيب يصف حُمُراً:شعر : فكأنّها بالجِزْعِ بَيْنَ نُبَايِعٍ وأولاتِ ذي العَرْجاءِ نَهْبٌ مُجمَعُ تفسير : أي مجموع. والثاني: أنه بمعنى العزم والإحكام؛ قال الشاعر: شعر : يا ليت شِعرِي والمُنَى لا تَنفعُ هل أغدُوَن يوماً وأمرِي مُجمَعُ تفسير : أي مُحكَم. {ثُمَّ ٱئْتُواْ صَفّاً} قال مقاتل والكلبي: جميعاً. وقيل: صفوفاً ليكون أشد لهيبتكم. وهو منصوب بوقوع الفعل عليه على قول أبي عبيدة؛ قال يقال: أتيت الصّف يعني المصلَّى؛ فالمعنى عنده ائتوا الموضع الذي تجتمعون فيه يوم العيد. وحكي عن بعض فصحاء العرب: ما قدرت أن آتي الصفّ؛ يعني المصلَّى. وقال الزجاج: يجوز أن يكون المعنى ثم ائتوا والناس مصطفون؛ فيكون على هذا مصدراً في موضع الحال. ولذلك لم يجمع. وقرىء «ثُمِّ ايْتُوا» بكسر الميم وياء. ومن ترك الهمز أبدل من الهمزة ألفاً. {وَقَدْ أَفْلَحَ ٱلْيَوْمَ مَنِ ٱسْتَعْلَىٰ} أي من غلب. وهذا كله من قول السحرة بعضهم لبعض. وقيل: من قول فرعون لهم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {فَتَنَٰزَعُواْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ } في موسى وأخيه {وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجْوَىٰ } أي الكلام بينهم فيهما.
ابن عبد السلام
تفسير : {أَمْرَهُم} فما هيؤوه من الحبال والعصي، أو أيهم يبدأ بالإلقاء. {النَّجْوَى} قولهم: إن كان ساحراً فسنغلبه وإن كان من السماء فله أمره، أو لما قال: {وَيْلَكُمْ} الآية، قالوا ما هذا كلام ساحر، أو أسروها دون موسى وهارون {إِنَّ هذان لساحران} الآيات، أو قالوا: إن غلبنا موسى اتبعناه.
الخازن
تفسير : قوله تعالى: {فتنازعوا أمرهم بينهم} أي تناظروا وتشاوروا، يعني السحرة في أمر موسى سراً من فرعون وقالوا إن غلبنا موسى اتبعناه، معناه لما قال لهم موسى ويلكم لا تفتروا على الله كذباً. قال بعضهم لبعض ما هذا بقول ساحر {وأسروا النجوى} أي المناجاة {قالوا} قال بعضهم لبعض سراً {إن هذان لساحران} يعني موسى وهارون {يريدان أن يخرجاكم من أرضكم} يعني من مصر {بسحرهما ويذهبا بطريقتكم المثلى} قال ابن عباس: يعني بسراة قومكم وأشرافكم, وقيل معناه يصرفان وجوه الناس عنكم، وقيل أراد أهل طريقتكم المثلى وهم بنو إسرائيل يعني يريد أن يذهبا بهم لأنفسهما، وقيل معناه يذهبا بسنتكم وبدينكم الذي أنتم عليه {فأجمعوا كيدكم} أي لا تدعو شيئاً من كيدكم إلا جئتم به، وقيل معناه اعزموا كلكم على كيده مجتمعين له ولا تختلفوا فيختل أمركم {ثم ائتوا صفاً} أي جمعاً مصطفين ليكون أشد لهيبتكم وقيل معناه ثم ائتوا المكان الموعود به {وقد أفلح اليوم من استعلى} أي فاز من غلب.
ابو السعود
تفسير : {فَتَنَـٰزَعُواْ} أي السحرةُ حين سمعوا كلامَه عليه الصلاة والسلام كأن ذلك غاظهم فتنازعوا {أَمَرَهُمْ} الذي أريد منهم مِنْ مغالبته عليه الصلاة والسلام وتشاوروا وتناظروا {بَيْنَهُمْ} في كيفية المعارضةِ وتجاذبوا أهدابَ القول في ذلك {وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجْوَىٰ} أي من موسى عليه الصلاة والسلام لئلا يقِفَ عليه فيدافعَه وكان نجواهم ما نطَق به قوله تعالى: {قَالُواْ} أي بطريق التناجي والإسرار: {إِنْ هَـٰذٰنِ لَسَاحِرٰنِ} الخ، فإنه تفسيرٌ له ونتيجةٌ لتنازعهم وخلاصةُ ما استقرت عليه آراؤُهم بعد التناظرِ والتشاور، وإنْ مخففةٌ من إنّ قد أهملت عن العمل واللامُ فارقةٌ، وقرىء بتشديد نون هذان، وقيل: هي نافيةٌ واللامُ بمعنى إلا أي ما هذان إلا ساحران، وقرىء إنّ بالتشديد وهذان اسمُها على لغة بلحارث بن كعب فإنهم يُعربون التثنيةَ تقديراً، وقيل: اسمُها ضميرُ الشأن المحذوفُ وهذان لساحران خبرُها، وقيل: إن بمعنى نعم وما بعدها جملةٌ من مبتدأ وخبر وفيهما أن اللامَ لا تدخُل خبرَ المبتدأ، وقيل: أصله إنه هذان لهما ساحران فخذف الضمير وفيه أن المؤكدَ باللام لا يليق به الحذفُ، وقرىء إن هذين لساحران وهي قراءةٌ واضحة {يُرِيدَانِ أَن يُخْرِجَاكُمْ مّنْ أَرْضِكُمْ} أي أرض مصرَ بالاستيلاء عليها {بِسِحْرِهِمَا} الذي أظهراه من قبل {وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ ٱلْمُثْلَىٰ} أي بمذهبكم الذي هو أفضلُ المذاهب وأمثلُها بإظهار مذهبهما وإعلاءِ دينهما يريدون به ما كان عليه قومُ فرعون لا طريقةَ السحر فإنهم ما كانوا يعتقدونه ديناً، وقيل: أرادوا أهلَ طريقتكم وهم بنو إسرائيلَ لقول موسى عليه الصلاة والسلام: أرسل معنا بني إسرائيلَ وكانوا أربابَ علمٍ فيما بـينهم، ويأباه أن إخراجَهم من أرضهم إنما يكون بالاستيلاء عليها تمكناً وتصرفاً فكيف يتصور حينئذ نقلُ بني إسرائيلَ إلى الشام؟ وحملُ الإخراج على إخراج بني إسرائيلَ منها مع بقاء قومِ فرعون على حالهم مما يجب تنزيهُ التنزيلِ عن أمثاله على أن هذه المقالةَ منهم للإغراء بالمبالغة في المغالبة والاهتمامِ بالمناصبة فلا بد أن يكون الإنذارُ والتحذيرُ بأشد المكاره وأشقِّها عليهم، ولا ريب في أن إخراجَ بني إسرائيلَ من بـينهم والذهابَ بهم إلى الشام وهو آمنون في ديارهم ليس فيه كثيرُ محذورٍ، وقيل: الطريقةُ اسمٌ لوجوه القوم وأشرافِهم لما أنهم قُدوةٌ لغيرهم ولا يخفى أن تخصيصَ الإذهاب بهم مما لا مزيةَ فيه.
اسماعيل حقي
تفسير : {فتنازعوا} اى السحرة حين سمعوا كلامه كأنه ذلك غاظهم فتنازعوا {امرهم} الذى اريد منهم من مغالبته عليه السلام وتشاوروا وتناظروا {بينهم} فى كيفية المعارضة وتجاذبوا اهداب القول فى ذلك. قال فى المفردات نزع الشئ جذبه من مقره كنزع القوس عن كبده والتنازع والمنازعة المجاذبة ويعبر بها عن المخاصمة والمجادلة {واسروا النجوى} وبالغوا فى اخفاء النجوى عن موسى لئلا يقف عليه فيدافعه: وبالفارسية [وينهان داشتتد ازكفتن را] والنجوى السر واصله المصدر وناجيته اى ساررته واصله ارتحلوا به فى نجوة من الارض اى مكان مرتفع منفصل بارتفاعه عما حوله وقيل اصله واصله من النجاة وهو ان تعاونه على ما فيه خلاصه او ان تنجوا بسرك ان يطلع عليه وكان نجواهم ما نطق به قوله تعالى {قالوا} اى بطريق التناجى والاسرار {ان هذان لساحران} اى مخففة واللام هى الفارقة بينها وبين النافية والمشار اليه موسى وهارون {يريدان ان يخرجاكم من ارضكم} اى من ارض مصر بالغلبة والاستيلاء عليها وهو خبر بعد خبر {بسحرهما} الذى اظهراه من قبل{ ويذهبا بطريقتكم المثلى} المثلى تأنيث الامثل وهو الاشرف اى بمذهبكم الذى هو افضل المذاهب وامثلها باظهار مذهبهما واعلاء دينهما يريدون ما كان عليه قوم فرعون لقوله{أية : انى اخاف ان يبدل دينكم}تفسير : لا طريقة السحر فانهم ما كانوا يعتقدون دينا. قال فى بحر العلوم سموا مذهبهم بها لزيادة سرورهم وكمال فرحهم بذلك وانه الذى تطمئن به نفوسهم كما قال تعالى {أية : كل حزب بما لديهم فرحون } تفسير : قال الامام الراغب الطريق السبيل الذى يطرق بالارجل ويضرب قال تعالى {أية : فاضرب لهم طريقا فى البحر يبسا}تفسير : ومنه استعير لكل مسلك يسلكه الانسان فى فعل محمود كان او مذموما قال تعالى {ويذهبا بطريقتكم المثلى} اى الاشبه بالفضيلة.
الجنابذي
تفسير : {فَتَنَازَعُوۤاْ} اى السّحرة او قوم فرعون او السّحرة وقوم فرعون جمعاً او فرعون وقومه او فرعون وقومه والسّحرة، او الجميع، او بعضهم مع موسى (ع) وهارون (ع) فى انّ امرهما سحرا والهىٌّ او السّحرة مع موسى (ع) وهارون (ع) فى تقديم الالقاء {أَمْرَهُمْ} يعلم مرجع هذا الضّمير بالمقايسة {بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجْوَىٰ} اى السّحرة بينهم او قوم فرعون بينهم او السّحرة او قوم فرعون ناجوا فرعون واسرّوا النّجوى عن موسى (ع) وهارون (ع) او عن آخرين.
اطفيش
تفسير : {فَتَنَازَعُوا} أى السحرة أو قوم فرعون {أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ} فى أمر موسى وأخيه، حين سمعوا قوله: لا تفتروا الخ وما لهم هذا التحذير منه. فقال بعضهم: هو محق، وما هذا كلام ساحر وقال بعضهم: مبطل. {وَأَسَرُّوا النَّجْوَى} والإسرار - بكسر الهمزة -: الإخفاء. والنجوى: الكلام الخفى خفاء، أى بالغوا فى إخفاء الكلام مخافة أن يتبين لفرعون فيهم تحير وضعف. ويحتمل أن يكون النجوى بمعنى مطلق الكلام تسمية للعام باسم الخاص. فالمعنى أخفوا الكلام، وهذا الكلام الذى تناجوا به هو قولهم: إن غلَبنا موسى اتبعناه. قاله ابن عباس. وقال قتادة: إن كان ساحراً فستغلبه، وإن كان من السماء فله أمر. وعن بعضهم: أن تنازعهم وإسرارهم كان فى معنى واحد فسره بقوله:
اطفيش
تفسير : {فَتَنازعُوا أمرهُم بَيْنَهم} هو ما أراده منهم موسى، من أن يغلبهم تشاوروا فى ذلك الأمر، كأنه ينزع كل واحد عن الآخر ما يقول فى شأنه من الرأى، ويريد رأيه. أو ينزع كل واحد عن الآخر الكلام فيه قبل تمامه، أو يعجل بعد تمامه، ويتكلم هو ما يريد، وإذا تم كلامك فتكلم غيرك، وقد احتمل أن تزيد فقد نازعك {وأسرّوا النَّجْوى} زادوا فى الكلام الذى لم يجهر به خفاء، وذكر فتناجوا به فى قوله: {قالُوا} أى السحرة المعلومون من المقام، أو لفرعون وقومه مطلقاً {إن هذان لساحران} فالإسرار عن موسى لمروءتهم، أو تناجوا حين سمعوا كلامه بأنه ليس كلام ساحر، أو بأن قالوا: إن غلبنا اتبعناه، أو قالوا: إن كان ساحراً غلبناه، وإن كان أمر من السماء فله أمره، وهذا أمر لموسى، ونسبه الله عز وجل إليهم، لأنهم ذكروه فيما بينهم، فالإسرار عن فرعون لئلا يعاقبهم فاختلفوا فيما بينهم قال بعض: إن ذلك حق من الله، وقال بعض: هو سحر، ثم اتفقوا أنهما ساحران، ويجوز أن يكون واو فأتوا بفرعون وملئه خاطبو به السحرة ولا تخافوهما أيها السحرة، لا تختلفوا فما إلا ساحران، وأنتم أعلم بالسحر، وفيه بعد لأن واو تنازعوا وما بعده ليست لفرعون وملئه وإن جعلت لهم لم يكن فيه بعد، هذان بالألف مع إنما اسم إن، واللام للتأكيد فى خبرها، وذلك على لغة كنانة، وبنى الحارث وخثهم، وزيد وأهل تلم الناحية، وبنى العنبر وبنى الهيجم، ومراد وعذرة، ويلزمون المثنى الألف كقوله: شعر : وأما لريا ثم واها واها يا ليت عيناها لنا وفاها وموضع الخلخان من رجالها بثمن ترضى به أباها تفسير : وقوله: شعر : وأطرق إطراق الشجاع ولو رأى مساغاً لتأباه الشجاع لصمما تفسير : وقالوا: ضربته بين أذناه ومن يشترى الخفان أو جاء بالأنف للتنبيه على الأصل من أن هذين فى الجر والنصب ليست ياؤه أعرابا، بل هو مبنى وألفه بقيت لم تقلب ياء، وهى ألف المفرد. وهى مناسبة لألف ساحران، وذكر البخارى ومسلم عن عائشة وعروة بن الزبير: هذا والمقيمين الصلاة والصابئون لحن من الكتَّاب، وخطأ ومعناه أنه عدول عن القراءة المشهورة، فى اللغة، وفى الأخذ عنه صلى الله عليه وسلم، ولا يصح عن عثمان ما قيل عنه إن ذلك لحن ستقيمه العرب، ولم يتقدم ما تجعل له إن جواباً بمعنى نعم، فيكون هذان مبتدأ، واللام زائدة فى خبر هذان، أو داخلة، على مبتدأ أى لهما ساحران لعدم صحة أن بمعنى نعم، أو ندوره كقول ابن الزبير: إن وراكبها والأصل عدم الحذف والزيادة. {يريدان أن يخْرجاكُم من أرضكم} من مصر {بسحْرهما} نسبوا ما لموسى اليه والى هارون لأنهم رأه يجرى معه {ويذْهَبا بطَريقتكُم المُثْلى} الباء للتعدية كالهمزة أى يذهبان طريقتكم بضم الياء، والطريقة المذهب، والمثلى العظمى العليا، وهى ما عليه فرعون وقومه من شرك. وما استحسنوه من القبائح، وليس المراد السحر لأنهم لم يتخذوا السر دينا، أو يقدر مضاف، هكذا أهل طريقتكم المثلى، وهم بنو إسرائيل لقوله: "أية : أن أرسل معنا بنى إسرائيل" تفسير : [الشعراء: 17] أرباب طريقة عظيمة فى صنعة الأشياء، وذلك من كلام فرعون وقومه، قالوه إغراء على عداوة موسى، فلا يعتبر إمكانه أو عدمه فلا يقال: كيف يقولون، وإخراج بنى إسرائيل لا يتمكن لموسى مع بقاء فرعون على قوته، أو الطريقة أصحاب المناصب والتصرف من قوم فرعون، أو من بنى إسرائيل، فإنهم أشرف نسبا، وأكثر نشباً، وفيه أن فرعون وقومه لا يسمونهم باسم المناصب. والتصرف، ولو كانوا فى قلوبهم كذلك، بل استعبدوهم، ويقتلون أولادهم، وقد يجاب بأنهم نطقوا بذلك شذوذاً فالإضافة لأنهم فى أيديهم.
الالوسي
تفسير : {فَتَنَـٰزَعُواْ } أي السحرة حين سمعوا كلامه عليه السلام كأن ذلك غاظهم فتنازعوا {أَمَرَهُمْ } الذي أريد منهم من مغالبته عليه السلام وتشاوروا وتناظروا {بَيْنَهُمْ } في كيفية المعارضة وتجاذبوا أهداب القول في ذلك {وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجْوَىٰ } بالغوا في إخفاء كلامهم عن موسى وأخيه عليهما السلام لئلا يقفا عليه فيدافعاه، وكان نجواهم على ما قاله جماعة منهم الجبائي وأبو مسلم ما نطق به قوله تعالى: {قَالُواْ إِنْ هَـٰذٰنِ لَسَاحِرٰنِ...}.
ابن عاشور
تفسير : أي تفرع على موعظة موسى تنازُعهم الأمرَ بينهم، وهذا يؤذن بأن منهم من تركتْ فيه الموعظة بعضَ الأثر، ومنهم من خشي الانخذال، فلذلك دعا بعضهم بعضاً للتشاور فيما ذا يصنعون. والتنازل: تفاعل من النزع، وهو الجَذْب من البئر، وجَذْب الثوب من الجسد، وهو مستعمل تمثيلاً في اختلاف الرأي ومحاولة كل صاحب رأي أن يقنع المخالف له بأن رأيه هو الصواب، فالتنازع: التخالف. والنّجوى: الحديث السريّ، أي اختَلَوْا وتحادثوا سِرّاً ليَصدروا عن رأي لا يطّلع عليه غيرهم، فجَعْلُ النجوى معمولاً لــــ{أسَرّوا} يفيد المبالغة في الكتمان، كأنه قيل: أسرّوا سرّهم، كما يقال: شعر شاعر. وزادهُ مبالغة قوله {بَيْنَهُم} المقتضي أنّ النجوى بين طائفة خاصة لا يشترك معهم فيها غيرهم. وجملة {قَالُوا إنْ هٰذَانِ لَسٰحِرانِ} بدل اشتمال من جملة {وأسَرُّوا النَّجْوىٰ}، لأن إسرار النجوى يشتمل على أقوال كثيرة ذُكر منها هذا القول، لأنّه القول الفصل بينهم والرأي الذي أرسوا عليه، فهو زبدة مخيض النجوى. وذلك شأن التشاور وتنازع الآراء أن يسفر عن رأي يصدر الجميع عنه. وإسناد القول إلى ضمير جمعهم على معنى: قال بعضهم: هذان لساحران، فقال جميعهم: نعم هذان لسَاحران، فأسند هذا القول إلى جميعهم، أي مقالة تداولوا الخوض في شأنها فأرسوا عليها. وقال بعضهم لبعض: نعم هو كذلك، ونطقوا بالكلام الذي استقرّ عليه رأيهم، وهو تحققهم أنّ موسى وأخاه ساحران. واعلم أنّ جميع القراء المعتبرين قرأوا بإثبات الألف في اسم الإشارة من قوله «هاذان» ما عدا أبا عمرو من العشرة وما عدا الحسن البصري من الأربعة عشر. وذلك يوجب اليقين بأن إثبات الألف في لفظ (هذانِ) أكثر تواتراً بقطع النظر عن كيفيّة النطق بكلمة (إنّ) مشدّدة أو مخفّفة، وأن أكثر مشهور القراءات المتواترة قرأوا ــــ بتشديد نون ــــ (إنّ) ما عدا ابنَ كثير وحفصاً عن عاصم فهما قرءَا (إنْ) ــــ بسكون النون ــــ على أنها مخففة من الثقيلة. وإن المصحف الإمام ما رسمُوه إلاّ اتّباعاً لأشهر القراءات المسموعة المروية من زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - وقرّاء أصحابه، فإن حفظ القرآن في صدور القرّاء أقدم من كتابته في المصاحف، وما كتب في أصول المصاحف إلاّ من حفظ الكاتِبين، وما كُتب المصحف الإمام إلا من مجموع محفوظ الحُفاظ وما كتبه كتاب الوحي في مدة نزول الوحي. فأما قراءة الجمهور {إنّ هذان لساحران بتشديد نون (إنّ) وبالألف في هذان وكذلك في لساحران، فللمفسرين في توجيهها آراء بلغت الستّة. وأظهرها أن تكون (إنّ) حرف جواب مثل: نعم وأجَل، وهو استعمال من استعمالات (إنّ)، أي اتبعوا لما استقر عليه أمرهم بعد النّجوى كقول عبد الله بن قيس الرقيّات:شعر : ويقلْن شيب قد عَلا كَ وقد كبِرت فقلت إنّه تفسير : أي أجل أو نعم، والهاء في البيت هاءُ السّكْتِ، وقول عبد الله بن الزُبير لأعرابي استجداه فلم يعطه، فقال الأعرابي: لعَن الله ناقة حملتني إليك. قال ابن الزّبير: إنّ وراكِبَها. وهذا التوجيه من مبتكرات أبي إسحاق الزجاج ذكره في تفسيره. وقال: عرضته على عالمينا وشيْخينا وأستاذيْنا محمد بن يزيد (يعني المبرد)، وإسماعيل بن إسحاق بن حمّاد (يعني القاضي الشهير) فقبلاه وذكرا أنه أجود ما سمعاه في هذا. وقلت: لقد صدقا وحقّقا، وما أورده ابن جنّي عليه من الرد فيه نظر. وفي «التفسير الوجيز» للواحدي سأل إسماعيل القاضي (هو ابن إسحاق بن حمّاد) ابنَ كيسان عن هذه المسألة، فقال ابنُ كيسان: لما لم يظهر في المبهم إعرابٌ في الواحد ولا في الجمع (أي في قولهم هذا وهؤلاء إذ هما مبنيان) جرت التثنية مجرى الواحد إذ التثنية يجب أن لا تغيّر. فقال له إسماعيل: ما أحسن هذا لو تقدمك أحد بالقول فيه حتى يُؤْنس به فقال له ابنُ كيسان: فليقل به القاضي حتى يؤنس به، فتبسم. وعلى هذا التوجيه يكون قوله تعالى: {إنّ هَذانِ لسَاحِرانِ} حكايةً لمقال فريق من المتنازعين، وهو الفريق الذي قبِل هذا الرأي لأنّ حرف الجواب يقتضي كلاماً سبقه. ودخلت اللاّم على الخبر: إما على تقدير كون الخبر جملة حذف مبتدأها وهو مدخول اللام في التقدير، ووجودُ اللاّم ينبىء بأن الجملة التي وقعت خبراً عن اسم الإشارة جملة قسميّة؛ وإما على رأي من يجيز دخول اللام على خبر المبتدأ في غير الضرورة. ووجهت هذه القراءة أيضاً بجعل (إنّ) حرف توكيد وإعرابِ اسمها المثنّى جَرى على لغة كنانة وبِلْحارث بن كعب الذين يجعلون علامة إعراب المثنى الألفَ في أحوال الإعراب كلها، وهي لغة مشهورة في الأدب العربي ولها شواهد كثيرة منها قول المتلمّس:شعر : فأطرقَ إطراقَ الشُجاع ولو درى مساغاً لِنَأبَاهُ الشجاعُ لصمّما تفسير : وقرأه حفص ــــ بكسر الهمزة وتخفيف نون (إنْ) مسكنة ــــ على أنها مخففة (إنّ) المشددة. ووجه ذلك أن يكون اسم (إنْ) المخففة ضمير شأن محذوفاً على المشهور. وتكون اللاّم في {لَسٰحِرٰنِ} اللاّم الفارقة بين (إنْ) المخففة وبين (إن) النافية. وقرأ ابن كثير ــــ بسكون نون (إنْ) ــــ على أنها مخففة من الثقيلة وبإثبات الألف في «هذان» وبتشديد نون (هاذانّ). وأما قراءة أبي عمرو وحده {إنَّ هذَيْن بتشديد نون (إنّ) وبالياء بعد ذال هذين. فقال القرطبي: هي مخالفة للمصحف. وأقل: ذلك لا يطعن فيها لأنّها رواية صحيحة ووافقت وجهاً مقبولاً في العربيّة. ونزول القرآن بهذه الوجوه الفصيحة في الاستعمال ضرب من ضروب إعجازه لتجري تراكيبه على أفانين مختلفة المعاني متحدة المقصود. فلا التفات إلى ما روي من ادعاء أن كتابة إن هاذان خطأ من كاتب المصحف، وروايتِهم ذلك عن أبانَ بن عثمان بن عفّان عن أبيه، وعن عروة بن الزبير عن عائشة، وليس في ذلك سند صحيح. حسبوا أنّ المسلمين أخذوا قراءة القرآن من المصاحف وهذا تغفّل، فإن المصحف ما كتب إلاّ بعد أن قرأ المسلمون القرآن نيّفاً وعشرين سنة في أقطار الإسلام، وما كتبت المصاحف إلاّ من حفظ الحفّاظ، وما أخذ المسلمون القرآن إلاّ من أفواه حُفّاظه قبل أن تكتب المصاحف، وبعد ذلك إلى اليوم فلو كان في بعضها خطأ في الخطّ لما تبعه القراء، ولكان بمنزلة ما تُرك من الألفات في كلمات كثيرة وبمنزلة كتابة ألف الصلاة، والزكاة، والحياة، والرّبا بالواو في موضع الألف وما قرأوها إلاّ بألِفاتها. وتأكيد السحرة كونَ موسى وهارون ساحرين بحرف (إنّ) لتحقيق ذلك عند من يخامره الشكّ في صحّة دعوتهما. وجعل ما أظهره موسى من المعجزة بين يدي فرعون سحراً لأنّهم يطلقون السحر عندهم على خوارق العادات، كما قالت المرأة الّتي شاهدت نبع الماء من بين أصابع النبي لقومها: جئتكم من عندِ أسْحر النّاس، وهو في كتاب المغازي من صحيح البخاري. والقائلون: قد يكون بعضهم ممن شاهد ما أتى به موسى في مجلس فرعون، أو ممن بلغهم ذلك بالتسامع والاستفاضة. والخطاب في قوله {أن يُخْرِجَاكُم} لملئهم. ووجه اتهامهما بذلك هو ما تقدم عند قوله تعالى: {أية : قال أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك يا موسى}تفسير : [طه: 57]. ونزيد هنا أن يكون هذا من النجوى بين السحرة، أي يريدانِ الاستئثار بصناعة السحر في أرضكم فتخرجوا من الأرض بإهمال الناس لكم وإقبالهم على سحر موسى وهارون. والطريقة: السُّنّة والعادة؛ شبهت بالطريق الذي يسير فيه السائر، بجامع الملازمة. والمثلى: مؤنّث الأمثل. وهو اسم تفضيل مشتقّ من المَثَالة، وهي حسن الحالة يقال: فلان أمثل قومِه، أي أقربهم إلى الخير وأحسنهم حالاً. وأرادوا من هذا إثارة حمية بعضهم غيرة على عوائدهم، فإن لكلّ أمّة غيرة على عوائدها وشرائعها وأخلاقها. ولذا فرّعوا على ذلك أمرهم بأن يجمعوا حيلهم وكل ما في وسعهم أن يغلبوا به موسى. والباء في {بطريقتكم} لتعدية فعل {يذهبا}. والمعنى: يُذهبانها، وهو أبلغ في تعلّق الفعل بالمفعول من نصب المفعول. وتقدّم عند قوله تعالى: {أية : ذهب الله بنورهم} تفسير : في أول سورة البقرة (17). وقرأ الجمهور {فأجمِعوا} بهمزة قطع وكسر الميم أمراً من: أجمع أمره، إذا جعله متفقاً عليه لا يختلف فيه. وقرأ أبو عمرو {فاجمَعوا} ــــ بهمزة وصل وبفتح الميم ــــ أمراً من جمع، كقوله فيما مضى {أية : فجَمَع كيْدَه}تفسير : [طه: 60]. أطلق الجمع على التعاضد والتعاون، تشبيهاً للشيء المختلف بالمتفرّق، وهو مقابل قوله {فتنازعوا أمرهم}. وسموا عملهم كيداً لأنهم تواطئوا على أن يظهروا للعامة أن ما جاء به موسى ليس بعجيب، فهم يأتون بمثله أو أشدّ منه ليصرفوا الناس عن سماع دعوته فيكيدوا له بإبطال خصيصية ما أتى به. والظاهر أنّ عامة الناس تسامعوا بدعوة موسى، وما أظهره الله على يديه من المعجزة، وأصبحوا متحيّرين في شأنه؛ فمن أجل ذلك اهتمّ السحرة بالكيد له، وهو ما حكاه قوله تعالى: في آية سورة الشعراء (38 ــــ 40): {أية : فجمع السحرة لميقات يوم معلوم وقيل للناس هل أنتم مجتمعون لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين}.تفسير : ودبروا لإرهاب الناس وإرهاب موسى وهارون بالاتفاق على أن يأتوا حين يتقدمون لإلقاء سحرهم مصطفين لأن ذلك أهيبُ لهم. ولم يزل الذين يرومون إقناع العموم بأنفسهم يتخيّرون لذلك بَهاء الهيبة وحسن السمت وجلال المظهر. فكان من ذلك جلوس الملوك على جلود الأسود، وربما لبس الأبطال جلود النمور في الحرب. وقد فسر به فعل «تنمّروا» في قول ابن معد يكرب:شعر : قوم إذا لبِسوا الحديد تنَمروا حَلَقاً وقَدّاً تفسير : وقيل: إن ذلك المراد من قولهم الجاري مجرى المثل «لبس لي فلان جلد النمر». وثبت في التاريخ المستند للآثار أنّ كهنة القبط في مصر كانوا يلبسون جلود النمور. والصفّ: مصدر بمعنى الفاعل أو المفعول، أي صافّين أو مصفوفين، إذا ترتبوا واحد حذو الآخر بانتظام بحيث لا يكونون مختلطين، لأنهم إذا كانوا الواحد حذو الآخر وكان الصف منهم تلو الآخر كانوا أبهر منظراً، قال تعالى: {أية : إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً}تفسير : [الصفّ: 4]. وكان جميع سحرة البلاد المصريّة قد أحضروا بأمر فرعون فكانوا عدداً كثيراً. فالصفّ هنا مراد به الجنس لا الواحدة، أي ثم ائتوا صفوفاً، فهو كقوله تعالى: {أية : يوم يقوم الروح والملائكة صفاً}تفسير : [النبأ: 38] وقال: {أية : والملك صفاً صفاً}تفسير : [الفجر: 22]. وانتصب {صَفّاً} على الحال من فاعل {ائتُوا} والمقصود الإتيان إلى موضع إلقاء سحرهم وشعوذتهم، لأنّ التناجي والتآمر كان في ذلك اليوم بقرينة قولهم {وقَدْ أفْلَحَ اليَوْمَ مَنِ اسْتَعلَى}. وجملة {وقَدْ أفلحَ اليومَ مَنِ استَعْلى} تذييل للكلام يجمع ما قصدوه من تآمرهم بأن الفلاح يكون لمن غلب وظهر في ذلك الجمع. فــــ{استعلى} مبالغة في عَلا، أي علا صاحبَه وقهره، فالسين والتاء للتأكيد مثل استأخر. وأرادوا الفلاح في الدنيا لأنّهم لم يكونوا يؤمنون بأنّ أمثال هذه المواقف مما يؤثر في حال الحياة الأبديّة وإن كانوا يؤمنون بالحياة الثانية.
د. أسعد حومد
تفسير : {فَتَنَازَعُوۤاْ} (62) - فَاخْتَلَفَ السَّحَرَةُ فِيمَا بَيْنَهُمْ، وَأَخَذُوا يَتَحَاوَرُونَ وَيَتَنَاجَوْنَ سِرّاً، وَيَتَشَاوَرُونَ فِيمَا قَالَهُ لَهُمْ مُوسَى، وَفِيمَا سَيَفْعَلُونَهُ لِيُفَاجِئُوا مُوسَى وَهَارُونَ، وَلِيَتَغَلَّبُوا عَلَيْهِمَا. فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: هذا لَيْسَ بِكَلاَمِ سَاحِرٍ، وَإِنَّمَا هُوَ كَلامُ نَبِيٍّ، وَقَالَ آخَرُونَ إِنَّهُ وَأَخَاهُ سَاحِرَانِ. أَسَرُّوا النَّجْوَى - أَخْفَوْا التَّنَاجِيَ أَشَدَّ الإِخْفَاءِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : يبدو أن تخويفَ موسى لهم بقوله: {أية : وَيْلَكُمْ لاَ تَفْتَرُواْ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُم بِعَذَابٍ ..}تفسير : [طه: 61] قد أثَّر فيهم وأخافهم {فَتَنَازَعُوۤاْ أَمْرَهُمْ ..} [طه: 62] أخذوا يتساومون القَوْل ويتبادلون الآراء. {وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجْوَىٰ} [طه: 62] تحدثوا سِراً، وهذا دليل خوفهم من كلام موسى، ودليل ما فيهم من استعداد للخير، لكن انتهى رأيهم إلى الاستمرار في الشوط إلى آخره.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):