Verse. 2411 (AR)

٢٠ - طه

20 - Ta-Ha (AR)

قَالُوْۗا اِنْ ھٰذٰىنِ لَسٰحِرٰنِ يُرِيْدٰنِ اَنْ يُّخْرِجٰكُمْ مِّنْ اَرْضِكُمْ بِسِحْرِہِمَا وَيَذْہَبَا بِطَرِيْقَتِكُمُ الْمُثْلٰى۝۶۳
Qaloo in hathani lasahirani yureedani an yukhrijakum min ardikum bisihrihima wayathhaba bitareeqatikumu almuthla

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قالوا» لأنفسهم «إن هذان» وهو موافق للغة من يأتي في المثنى بالألف في أحواله الثلاث ولأبي عمرو: هذين «لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما ويذهبا بطريقتكم المثلى» مؤنث أمثل بمعنى أشرف أي بأشرافكم بميلهم إليهما لغلبتهما.

63

Tafseer

الرازي

تفسير : وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: القراءة المشهورة: {إِنْ هَـٰذٰنِ لَسَاحِرٰنِ } ومنهم من ترك هذه القراءة وذكروا وجوهاً أخر. أحدها: قرأ أبو عمرو وعيسى بن عمر: (إن هذين لساحران) قالوا: هي قراءة عثمان وعائشة وابن الزبير وسعيد بن جبير والحسن رضي الله تعالى عنه واحتج أبو عمرو وعيسى على ذلك بما روى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها سئلت عن قوله: {إِنْ هَـٰذٰنِ لَسَاحِرٰنِ } وعن قوله: { أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلصَّـٰبِئُونَ وَٱلنَّصَـٰرَىٰ } تفسير : [المائدة: 69] في المائدة، وعن قوله: { أية : لَّـٰكِنِ ٱلرَّاسِخُونَ فِى ٱلْعِلْمِ مِنْهُمْ} تفسير : [النساء: 162] إِلى قوله {أية : وَٱلْمُقِيمِينَ ٱلصَّلَوٰةَ وَٱلْمُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ } تفسير : [النساء: 162] فقالت يا ابن أخي هذا خطأ من الكاتب، وروي عن عثمان أنه نظر في المصحف فقال: أرى فيه لحناً وستقيمه العرب بألسنتها، وعن أبي عمرو أنه قال: إني لأستحي أن أقرأ: {إِنْ هَـٰذٰنِ لَسَاحِرٰنِ }، وثانيها: قرأ ابن كثير: (إن هذان) بتخفيف إن وتشديد نون هذان. وثالثها: قرأ حفص عن عاصم إن هذان بتخفيف النونين. ورابعها: قرأ عبد الله بن مسعود: {وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجْوَىٰ أنْ هَـٰذٰنِ } بفتح الألف وجزم نونه (و) ساحران بغير لام. وخامسها: عن الأخفش: {إِنْ هَـٰذٰنِ لَسَاحِرٰنِ } خفيفة في معنى ثقيلة وهي لغة قوم يرفعون بها ويدخلون اللام ليفرقوا بينها وبين التي تكون في معنى ما. وسادسها: روى عن أبي بن كعب: (ما هذان إلا ساحران) وروي عنه أيضاً: (إن هذان لساحران) وعن الخليل مثل ذلك، وعن أبي أيضاً: (إن ذان لساحران) فهذه هي القراءات الشاذة المذكورة في هذه الآية، واعلم أن المحققين قالوا: هذه القراءات لا يجوز تصحيحها لأنها منقولة بطريق الآحاد، والقرآن يجب أن يكون منقولاً بالتواتر إذ لو جوزنا إثبات زيادة في القرآن بطريق الآحاد لما أمكننا القطع بأن هذا الذي هو عندنا كل القرآن لأنه لما جاز في هذه القراءات أنها مع كونها من القرآن ما نقلت بالتواتر جاز في غيرها ذلك، فثبت أن تجويز كون هذه القراءات من القرآن يطرق جواز الزيادة والنقصان والتغيير إلى القرآن وذلك يخرج القرآن عن كونه حجة ولما كان ذلك باطلاً فكذلك ما أدى إليه، وأما الطعن في القراءة المشهورة فهو أسوأ مما تقدم من وجوه: أحدها: أنه لما كان نقل هذه القراءة في الشهرة كنقل جميع القرآن فلو حكمنا ببطلانها جاز مثله في جميع القرآن وذلك يفضي إلى القدح في التواتر وإلى القدح في كل القرآن وأنه باطل، وإذا ثبت ذلك امتنع صيرورته معارضاً بخبر الواحد المنقول عن بعض الصحابة. وثانيها: أن المسلمين أجمعوا على أن ما بين الدفتين كلام الله تعالى وكلام الله تعالى لا يجوز أن يكون لحناً وغلطاً فثبت فساد ما نقل عن عثمان وعائشة رضي الله عنهما أن فيه لحناً وغلطاً. وثالثها: قال ابن الأنباري إن الصحابة هم الأئمة والقدوة فلو وجدوا في المصحف لحناً لما فوضوا إصلاحه إلى غيرهم من بعدهم مع تحذيرهم من الإبتداع وترغيبهم في الاتباع، حتى قال بعضهم: اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم. فثبت أنه لا بد من تصحيح القراءة المشهورة. واختلف النحويون فيه وذكروا وجوهاً: الوجه الأول: وهو الأقوى أن هذه لغة لبعض العرب وقال بعضهم هي لغة بلحارث بن كعب، والزجاج نسبها إلى كنانة وقطرب نسبها إلى بلحارث بن كعب ومراد وخثعم وبعض بني عذرة، ونسبها ابن جني إلى بعض بني ربيعة أيضاً وأنشد الفراء على هذه اللغة: شعر : فأطرق إطراق الشجاع ولو يرى مساغاً لناباه الشجاع لصمما تفسير : وأنشد غيره: شعر : تزود منا بين أذناه ضربة دعته إلى هابي التراب عقيم تفسير : قال الفراء وحكى بعض بني أسد أنه قال هذا خط يدا أخي أعرفه. وقال قطرب هؤلاء يقولون: رأيت رجلان واشتريت ثوبان قال رجل من بني ضبة جاهلي: شعر : أعرف منها الجيد والعينانا ومنخرين أشبها ظبيانا تفسير : وقوله ومنخرين على اللغة الفاشية وما وراء ذلك على لغة هؤلاء. وقال آخر: شعر : طاروا علاهن فطر علاها واشدد بمثنى حقب حقواها تفسير : وقال آخر: شعر : كأن صريف ناباه إذا ما أمرهما صرير الأخطبان تفسير : قال بعضهم: الأخطبان ذكر الصردان، فصيرهما واحداً فبقي الاستدلال بقوله صريف ناباه، قال: وأنشدني يونس لبعض بني الحرث: شعر : كأن يميناً سحبل ومصيفه مراق دم لن يبرح الدهر ثاويا تفسير : وأنشدوا أيضاً: شعر : إن أباها وأبا أباها قد بلغا في المجد غايتاها تفسير : وقال ابن جني روينا عن قطرب: شعر : هناك أن تبكي بشعشعان رحب الفؤاد طائل اليدان تفسير : ثم قال الفراء وذلك وإن كان قليلاً أقيس لأن ما قبل حرف التثنية مفتوح، فينبغي أن يكون ما بعده ألفاً ولو كان ما بعده ياء ينبغي أن تنقلب ألفاً لانفتاح ما قبلها وقطرب ذكر أنهم يفعلون ذلك فراراً إلى الألف التي هي أخف حروف المد هذا أقوى الوجوه في هذه الآية ويمكن أن يقال أيضاً: الألف في هذا من جوهر الكلمة والحرف الذي يكون من جوهر الكلمة لا يجوز تغييره بسبب التثنية والجمع لأن ما بالذات لا يزول بالعرض فهذا الدليل يقتضي أن لا يجوز أن يقال: (إن هذين) فلما جوزناه فلا أقل من أن يجوز معه أن يقال إن هذان. الوجه الثاني: في الجواب أن يقال إن ههنا بمعنى نعم قال الشاعر: شعر : ويقلن شيب قد علا ك وقد كبرت فقلت إنه تفسير : أي فقلت نعم فالهاء في إنه هاء السكت كما في قوله تعالى: { أية : هَلَكَ عَنّي سُلْطَـٰنِيَهْ } تفسير : [الحاقة: 29] وقال أبو ذؤيب: شعر : شاب المفارق إن إن من البلى شيب القذال مع العذار الواصل تفسير : أي نعم إن من البلى فصار إن كأنه قال نعم هذان لساحران، واعترضوا عليه فقالوا: اللام لا تدخل في الخبر على الاستحسان إلا إذا كانت إن داخلة في المبتدأ، فأما إذا لم تدخل أن على المبتدأ فمحل اللام المبتدأ إذ يقال لزيد اعلم من عمرو ولا يقال زيد لأعلم من عمرو، وأجابوا عن هذا الاعتراض من وجهين، الأول: لا نسلم أن اللام لا يحسن دخولها على الخبر والدليل عليه قوله: شعر : أم الحليس لعجوز شهر به ترضى من اللحم بعظم الرقبه تفسير : وقال آخر: شعر : خالي لأنت ومن جرير خاله ينل العلاء ويكرم الأخوالا تفسير : وأنشد قطرب: شعر : ألم تكن حلفت بالله العلي أن مطاياك لمن خير المطي تفسير : وإن رويت إن بالكسر لم يبق الاستدلال إلا أن قطرباً قال: سمعناه مفتوح الهمزة وأيضاً فقد أدخلت اللام في خبر أمسى، قال ابن جني أنشدنا أبو علي: شعر : مروا عجالى فقالوا كيف صاحبكم فقال من سئلوا أمسى لمجهودا تفسير : وقال قطرب وسمعنا بعض العرب يقول: أراك المسالمي وإني رأيته لشيخاً وزيد والله لواثق بك وقال كثير: شعر : وما زلت من ليلى لدن أن عرفتها لكالهائم المقصى بكل بلاد تفسير : وقال آخر: شعر : ولكنني من حبها لعميد تفسير : وقال المعترض هذه الأشعار من الشواذ وإنما جاءت كذا لضرورة الشعر وجل كلام الله تعالى عن الضرورة وإنما تقرر هذا الكلام إذا بينا أن المبتدأ إذا لم يدخل عليه إن وجب إدخال اللام عليه لا على الخبر وتحقيقه أن اللام تفيد تأكيد موصوفية المبتدأ بالخبر واللام تدل على حالة من حالات المبتدأ وصفة من صفاته فوجب دخولها على المبتدأ لأن العلة الموجبة لحكم في محل لا بد وأن تكون مختصة بذلك المحل لا يقال هذا مشكل بما إذا دخلت إن على المبتدأ فإن ههنا يجب إدخال اللام على الخبر مع أن ما ذكرتموه حاصل فيه لأنا نقول ذلك لأجل الضرورة وذلك لأن كلمة إن للتأكيد واللام للتأكيد فلو قلنا: إن لزيداً قائم لكنا قد أدخلنا حرف التأكيد على حرف التأكيد وذلك ممتنع فلما تعذر إدخالها على المبتدأ لا جرم أدخلناها على الخبر لهذه الضرورة، وأما إذا لم يدخل حرف إن على المبتدأ كانت هذه الضرورة زائلة فوجب إدخال اللام على المبتدأ لا يقال إذا جاز إدخال حرف النفي على حرف النفي في قوله: شعر : ما إن رأيت ولا سمعت به كاليوم طالبني أنيق أجرب تفسير : والغرض به تأكيد النفي فلم لا يجوز إدخال حرف التأكيد على حرف التأكيد والغرض به تأكيد الإثبات لأنا نقول الفرق بين البابين أن قولك زيد قائم يدل على الحكم بموصوفية زيد بالقيام فإذا قلت إن زيداً قائم فكلمة إن تفيد تأكيد ذلك الحكم فلو ذكرت مؤكداً آخر مع كلمة إن صار عبثاً، أما لو قلت: رأيت فلاناً فهذا للثبوت فإذا أدخلت عليه حرف النفي أفاد حرف النفي معنى النفي ولا يفيد التأكيد لأنه مستقل بإفادة الأصل فكيف يفيد الزيادة فإذا ضممت إليه حرف نفي آخر صار الحرف الثاني مؤكداً للأول فلا يكون عبثاً فهذا هو الفرق بين البابين فهذا منتهى تقرير هذا الاعتراض وهو عندي ضعيف، لأن الكل اتفقوا على أنه إذا اجتمع النقل والقياس فالنقل أولى، ولأن هذه العلل في نهاية الضعف فكيف يدفع بها النقل الظاهر. الوجه الثاني: في الجواب عن قولهم اللام لا يحسن دخولها على الخبر إلا إذا دخلت كلمة إن على المبتدأ كما ذكره الزجاج فقال: إن وقعت موقع نعم واللام في موقعها والتقدير نعم هذان لهما ساحران فكانت اللام داخلة على المبتدأ لا على الخبر. قال: وعرضت هذا القول على محمد بن يزيد وعلى إسماعيل بن إسحق فارتضياه وذكرا أنه أجود ما سمعناه في هذا. قال ابن جنى: هذا القول غير صحيح لوجوه: الوجه الأول: أن الأصل أن المبتدأ إنما يجوز حذفه لو كان أمراً معلوماً جلياً ولولا ذلك لكان في حذفه مع الجهل به ضرب من تكليف علم الغيب للمخاطب وإذا كان معروفاً فقد استغنى بمعرفته عن تأكيده باللام لأن التأكيد إنما يحتاج إليه حيث لم يكن العلم به حاصلاً. الوجه الثاني: أن الحذف من باب الاختصار والتأكيد من باب الإطناب فالجمع بينهما غير جائز ولأن ذكر المؤكد وحذف التأكيد أحسن في العقول من العكس. الوجه الثالث: امتناع أصحابنا البصريين من تأكيد الضمير المحذوف العائد على المبتدأ في نحو قولك زيد ضربت فلا يجيزون زيد ضربت نفسه على أن يجعل النفس توكيداً للهاء المؤكدة المقدرة في ضربت أي ضربته لأن الحذف لا يكون إلا بعد التحقيق والعلم به، وإذا كان كذلك فقد استغنى عن تأكيده فكذا ههنا. الوجه الرابع: أن جميع النحويين حملوا قول الشاعر: أم الحليس لعجوز شهر به. على أن الشاعر أدخل اللام على الخبر ضرورة ولو كان ما ذهب إليه الزجاج جائزاً لما عدل عنه النحويون ولما حملوا الكلام عليه على الإضطرار إذا وجدوا له وجهاً ظاهراً، ويمكن الجواب عن اعتراض ابن جنى بأنه إنما حسن حذف المبتدأ لأن في اللفظ ما يدل عليه وهو قوله: هذان أما لو حذف التأكيد فليس في اللفظ ما يدل عليه فلا جرم كان حذف المبتدأ أولى من حذف التأكيد، وأما امتناعهم من تأكيد الضمير في قولهم: زيد ضربت نفسه فذاك إنما كان لأن إسناد الفعل إلى المظهر أولى من إسناده إلى المضمر فإذا قال زيد: ضربت نفسه كان قوله نفسه مفعولاً فلا يمكن جعله تأكيداً للضمير فتأكيد المحذوف إنما امتنع ههنا لهذه العلة لا لأن تأكيد المحذوف مطلقاً ممتنع وأما قوله: النحويون حملوا قول الشاعر: أم الحليس لعجوز شهر به. على أن الشاعر أدخل اللام على الخبر ضرورة فلو جاز ما قاله الزجاج لما عدل عنه النحويون، فهذا اعتراض في نهاية السقوط لأن ذهول المتقدمين عن هذا الوجه لا يقتضي كونه باطلاً فما أكثر ما ذهل المتقدم عنه وأدركه المتأخر فهذا تمام الكلام في شرح هذا. الوجه الثالث: في الجواب أن كلمة إن ضعيفة في العمل لأنها تعمل بسبب مشابهة الفعل فوجب كونها ضعيفة في العمل وإذا ضعفت جاز بقاء المبتدأ على إعرابه الأصلي وهو الرفع. المقدمة الأولى: أنها تشبه الفعل وهذه المشابهة حاصلة في اللفظ والمعنى. أما اللفظ فلأنها تركبت من ثلاثة أحرف وانفتح آخرها ولزمت الأسماء كالأفعال، وأما المعنى فلأنها تفيد حصول معنى في الإسم وهو تأكيد موصوفيته بالخبر كما أنك إذا قلت: قام زيد فقولك قام أفاد حصول معنى في الإسم. المقدمة الثانية: أنها لما أشبهت الأفعال وجب أن تشبهها في العمل فذلك ظاهر بناء على الدوران. المقدمة الثالثة: أنها لم تنصب الاسم وترفع الخبر فتقريره أن يقال: إنها لما صارت عاملة فإما أن ترفع المبتدأ والخبر معاً أو تنصبهما معاً أو ترفع المبتدأ وتنصب الخبر أو بالعكس والأول باطل لأن المبتدأ والخبر كانا قبل دخول إن عليهما مرفوعين فلو بقيا كذلك بعد دخولها عليهما لما ظهر له أثر ألبتة ولأنها أعطيت عمل الفعل، والفعل لا يرفع الإسمين فلا معنى للاشتراك. والقسم الثاني: أيضاً باطل لأن هذا أيضاً مخالف لعمل الفعل لأن الفعل لا ينصب شيئاً مع خلوه عما يرفعه. والقسم الثالث: أيضاً باطل لأنه يؤدي إلى التسوية بين الأصل والفرع فإن الفعل يكون عمله في الفاعل أولاً بالرفع وفي المفعول بالنصب فلو جعل النصب ههنا كذلك لحصلت التسوية بين الأصل والفرع، ولما بطلت الأقسام الثلاثة تعين. القسم الرابع: وهو أنها تنصب الاسم وترفع الخبر، وهذا مما ينبه على أن هذه الحروف دخيلة في العمل لا أصيلة لأن تقديم المنصوب على المرفوع في باب العمل عدول عن الأصل فذلك يدل على أن العمل بهذه الحروف ليس بثابت بطريق الأصالة بل بطريق عارض. المقدمة الرابعة: لما ثبت أن تأثيرها في نصب الاسم بسبب هذه المشابهة وجب جواز الرفع أيضاً، وذلك لأن كون الاسم مبتدأ يقتضي الرفع ودخول إن على المبتدأ لا يزيل عنه وصف كونه مبتدأ لأنه يفيد تأكيد ما كان لا زوال ما كان إذا ثبت هذا فنقول: وصف كونه مبتدأ يقتضي الرفع وحرف إن يقتضي النصب ولكن المقتضى الأول أولى بالاقتضاء من وجهين: أحدهما: أن وصف كونه مبتدأ صفة أصلية للمبتدأ ودخول إن عليه صفة عرضية والأصل راجح على العارض. والثاني: أن اقتضاء وصف المبتدأ للرفع أصلي واقتضاء حرف إن للنصب صفة عارضة بسبب مشابهتها بالفعل فيكون الأول أولى فثبت بمجموع ما قررنا أن الرفع أولى من النصب فإن لم تحصل الأولوية فلا أقل من أصل الجواز ولهذا السبب إذا جئت بخبر إن ثم عطفت على الاسم إسماً آخر جاز فيه الرفع والنصب معاً. الوجه الرابع: في الجواب قال الفراء: هذا أصله ذا زيدت الهاء لأن ذا كلمة منقوصة فكملت بالهاء عند التنبيه وزيدت ألفاً للتثنية فصارت هذا إن فاجتمع ساكنان من جنس واحد فاحتيج إلى حذف واحد ولا يمكن حذف ألف الأصل لأن أصل الكلمة منقوصة فلا تجعل أنقص فحذف ألف التثنية لأن النون يدل عليه فلا جرم لم تعمل إن لأن عملها في ألف التثنية، وقال آخرون: الألف الباقي إما ألف الأصل أو ألف التثنية. فإن كان الباقي ألف الأصل لم يجز حذفها لأن العامل الخارجي لا يتصرف في ذات الكلمة، وإن كان الباقي ألف التثنية فلا شك أنهم أنابوها مناب ألف الأصل، وعوض الأصل أصل لا محالة فهذا الألف أصل فلا يجوز حذفه ويرجع حاصل هذا إلى الجواب الأول. الوجه الخامس: في الجواب حكى الزجاج عن قدماء النحويين أن الهاء ههنا مضمرة والتقدير إنه هذان لساحران، وهذه الهاء كناية عن الأمر والشأن، فهذا ما قيل في هذا الموضع، فأما من خفف فقرأ إن هذان لساحران فهو حسن فإن ما بعد الخفيفة رفع واللام بعدها في الخبر لازمة واجبة وإن كانت في إن الثقيلة جائزة ليظهر الفرق بين إن المؤكدة وإن النافية. قال الشاعر: شعر : وإن مالك للمرتجى إن تضعضعت رحا الحرب أو دارت على خطوب تفسير : وقال آخر: شعر : إن القوم والحي الذي أنا منهم لأهل مقامات وشاء وجامل تفسير : الجامل جمع جمل، ثم من العرب من يعمل إن ناقصة كما يعملها تامة اعتباراً بكان فإنها تعمل وإن نقصت في قولك: لم يكن لبقاء معنى التأكيد، وإن زال الشبه اللفظي بالفعل لأن العبرة للمعنى، وهذه اللغة تدل على أن العبرة في باب الإعمال الشبه المعنوي بالفعل وهو إثبات التوكيد دون الشبه اللفظي كما أن التعويل في باب كان على المعنى دون اللفظ لكونه فعلاً محضاً، وأما اللغة الظاهرة وهي ترك إعمال إن الخفيفة دالة على أن الشبه اللفظي في إن الثقيلة أحد جزأي العلة في حق عملها وعند الخفة زال الشبه فلم تعمل بخلاف السكون فإنه عامل بمعناه لكونه فعلاً محضاً ولا عبرة للفظه. المسألة الثانية: أنه سبحانه وتعالى لما ذكر ما أسروه من النجوى حكى عنهم ما أظهروه ومجموعه يدل على التنفير عن موسى عليه السلام ومتابعة دينه. فأحدها: قولهم: {هَـٰذٰنِ لَسَاحِرٰنِ } وهذا طعن منهم في معجزات موسى عليه السلام ثم مبالغة في التنفير عنه لما أن كل طبع سليم يقتضي النفرة عن السحر وكراهة رؤية الساحر، ومن حيث إن الإنسان يعلم أن السحر لا بقاء له فإذا اعتقدوا فيه السحر قالوا: كيف نتبعه فإنه لا بقاء له ولا لدينه ولا لمذهبه. وثانيها: قوله: {يُرِيدَانِ أَن يُخْرِجَاكُمْ مّنْ أَرْضِكُمْ } وهذا في نهاية التنفير لأن المفارقة عن المنشأ، والمولد شديدة على القلوب، وهذا هو الذي حكاه الله تعالى عن فرعون في قوله: { أية : أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يٰمُوسَىٰ } تفسير : [طه: 57] وكأن السحرة تلقفوا هذه الشبهة من فرعون ثم أعادوها. وثالثها: قوله: {وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ ٱلْمُثْلَىٰ } وهذا أيضاً له تأثير شديد في القلب فإن العدو إذا جاء واستولى على جميع المناصب والأشياء التي يرغب فيها فذلك يكون في نهاية المشقة على النفس فهم ذكروا هذه الوجوه للمبالغة في التنفير عن موسى والترغيب في دفعه وإبطال أمره وههنا بحثان: البحث الأول: قال الفراء: الطريقة الرجال الأشراف الذين هم قدوة لغيرهم يقال هم طريقة قومهم، ويقال للواحد أيضاً: هو طريقة قومه، وجعل الزجاج الآية من باب حذف المضاف أي ويذهبا بأهل طريقتكم المثلى، وعلى التقديرين، فالمراد أنهم كانوا يحرضون القوم بأن موسى وهـٰرون عليهما السلام يريدان أن يذهبا بأشراف قومكم وأكابركم وهم بنوا اسرائيل لقول موسى عليه السلام: { أية : أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِى إِسْرٰءيلَ } تفسير : [الشعراء: 17] وإنما سموا بني إسرائيل بذلك لأنهم كانوا أكثر القوم يومئذ عدداً وأموالاً ومن المفسرين من فسر الطريقة المثلى بالدين سموا دينهم بالطريقة المثلى: { أية : وَكُلٌّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ } تفسير : [الروم: 32] ومنهم من فسرها بالجاه والمنصب والرياسة. البحث الثاني: {ٱلْمُثْلَىٰ } مؤنثة لتأنيث الطريقة، واختلفوا في أنه لم سمى الأفضل بالأمثل فقال بعضهم: الأمثل: الأشبه بالحق، وقيل: الأمثل الأوضح والأظهر، ثم إنه تعالى لما حكى عنهم مبالغتهم في التنفير عن موسى عليه السلام والترغيب في إبطال أمره حكى عنهم أنهم قالوا: {فَأَجْمِعُواْ كَيْدَكُمْ ثُمَّ ٱئْتُواْ صَفّاً } قرأ أبو عمرو بوصل الألف وفتح الميم من أجمعوا يعني لا تدعوا شيئاً من كيدهم إلا جئتم به دليله قوله: {فَجَمَعَ كَيْدَهُ } وقرأ الباقون بقطع الألف وكسر الميم وله وجهان: أحدهما: قال الفراء: الإجماع الأحكام والعزيمة على الشيء، يقال: أجمعت على الخروج مثل أزمعت. والثاني: بمعنى الجمع وقد مضى الكلام في هذا عند قوله: { أية : فَأَجْمِعُواْ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءكُمْ } تفسير : [يونس: 71] قال الزجاج: ليكن عزمكم كلكم كاليد مجمعاً عليه لا تختلفوا ثم ائتوا صفاً، ذكر أبو عبيدة والزجاج وجهين: أحدهما: أن الصف موضع الجمع والمعنى ائتوا الموضع الذي تجتمعون فيه لعيدكم وصلاتكم، والمعنى: ائتوا مصلى من المصليات أو كان الصف علماً للمصلى بعينه فأمروا بأن يأتوه. والثاني: أن يكون الصف مصدراً والمعنى ثم ائتوا مصطفين مجتمعين لكي يكون أنظم لأمركم وأشد لهيبتكم، وهذا قول عامة المفسرين، وقوله: {وَقَدْ أَفْلَحَ ٱلْيَوْمَ مَنِ ٱسْتَعْلَىٰ } اعتراض، يعني: وقد فاز من غلب فكانوا يقرون بذلك أنفسهم فيما اجتمعوا عليه من إظهار ما يظهرونه من السحر.

المحلي و السيوطي

تفسير : {قَالُواْ } لأنفسهم {إِنْ هَٰذَانِ} لأبي عمرو ولغيره هذين وهو موافق للغة من يأتي في المثنى بالألف في أحواله الثلاث {لَسَٰحِرٰنِ يُرِيدَانِ أَن يُخْرِجَاكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ ٱلْمُثْلَىٰ } مؤنث أمثل بمعنى أشرف أي بأشرافكم بميلهم إليهما لغلبتهما.

ابن عبد السلام

تفسير : {إِنَّ هذان} رفع الاثنين ونصبهما وخفضهما بالألف على لغة بلحارث بن كعب وكنانة وزبيد، قال: شعر : فأطرق إطراق الشجاع ولو رأى مساغاً لناباه الشجاع لصمما إن أباها وأبا أباها قد بلغا في المجد غايتاها تفسير : أو تقديره " إنه هذان" فحذف الهاء وإن لم تكن هذه اللغة فصحى فيجوز ورود القرآن بالأفصح وبما عداه قاله متقدمو النحاة أو هذان مبني كبناء الذين لا يتغير في أحوال الإعراب، أو إن بمعنى نعم. شعر : ويقلن شيب قد علا ك وقد كبرت فقلت إنه تفسير : وهو قول السحرة، أو قول فرعون أشير به إلى جماعة، أو قول قومه. {بِطَرِيقَتِكُمُ} أهل العقل والشرف والأسنان، أو بنو إسرائيل كانوا ذوي عدد ويسار، أو بسيرتكم، أو بدينكم وعبادتكم لفرعون، أو بأهل طريقتكم المثلى، والمثلى تأنيث الأمثل وهو الأفضل.

النسفي

تفسير : {قَالُواْ إِنْ هَـٰذٰنِ لَسَاحِرٰنِ } يعني موسى وهارون. قرأ أبو عمرو {إن هَـذينِ لَسَاحِرٰنِ } وهو ظاهر ولكنه مخالف للإمام، وابن كثير وحفص والخليل وهو أعرف بالنحو واللغة {إِنْ هَـٰذٰنِ لَسَاحِرٰنِ } بتخفيف {إن} مثل قولك «إن زيد لمنطلق» واللام هي الفارقة بين «إن» النافية والمخففة من الثقيلة. وقيل: هي بمعنى «ما» واللام بمعنى إلا أي ما هذان إلا ساحران دليله قراءة أبيّ {إن ذان إلا ساحران} وغيرهم {إِنْ هَـٰذٰنِ لَسَاحِرٰنِ } قيل هي لغة بلحارث بن كعب وخثعم ومراد وكنانة فالتثنية في لغتهم بالألف أبداً فلم يقلبوها ياء في الجر والنصب كعصا وسعدى قال: شعر : إن أباها وأبا أباها قد بلغا في المجد غايتاها تفسير : وقال الزجاج: إن بمعنى نعم، قال الشاعر: شعر : ويقلن شيب قد علا ك وقد كبرت فقلت إنه تفسير : أي نعم والهاء للوقف. و {هَـٰذَانِ } مبتدأ و {ساحران} خبر مبتدأ محذوف واللام داخلة على المبتدأ المحذوف تقديره: هذان لهما ساحران فيكون دخولهما في موضعها الموضوع لها وهو الابتداء، وقد يدخل اللام في الخبر كما يدخل في المبتدأ قال:شعر : خالي لأنت ومن جرير خاله تفسير : قال: فعرضته على المبرد فرضيه وقد زيفه أبو عليّ. { يُرِيدَانِ أَن يُخْرِجَاكُمْ مّنْ أَرْضِكُمْ } مصر {بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ } بدينكم وشريعتكم {ٱلْمُثْلَىٰ } الفضلى تأنيث الأمثل وهو الأفضل {فَأَجْمِعُواْ } فأحكموا أي اجعلوه مجمعاً عليه حتى لا تختلفوا. {فَأَجْمِعُواْ } أبو عمرو ويعضده {فَجَمَعَ كَيْدَهُ } {كَيْدَكُمْ } هو ما يكاد به {ثُمَّ ٱئْتُواْ صَفّاً } مصطفين حال أمروا بأن يأتوا صفاً لأنه أهيب في صدور الرائين {وَقَدْ أَفْلَحَ ٱلْيَوْمَ مَنِ ٱسْتَعْلَىٰ } وقد فاز من غلب وهو اعتراض. {قَالُواْ } أي السحرة {يٰمُوسَىٰ إِمَّا أَن تُلْقِيَ} عصاك أولاً {وَإِمَّا أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَىٰ } ما معنا وموضع «أن» مع ما بعده فيهما نصب بفعل مضمر، أو رفع بأنه خبر مبتدأ محذوف معناه اختر أحد الأمرين، أو الأمر إلقاؤك أو إلقاؤنا. وهذا التخيير منهم استعمال أدب حسن معه وكأنه تعالى ألهمهم ذلك وقد وصلت إليهم بركته وعلم موسى اختيار إلقائهم أولاً حتى {قَالَ بَلْ أَلْقُواْ } أنتم أولاً ليبرزوا ما معهم من مكايد السحر ويظهر الله سلطانه ويقذف بالحق على الباطل فيدمغه، ويسلط المعجزة على السحر فتمحقه فيصير آية نيرة للناظرين وعبرة بينة للمعتبرين فألقوا {فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ } يقال في {إِذَا } هذه: إذا المفاجأة والتحقيق أنها إذا الكائنة بمعنى الوقت الطالبة ناصباً لها وجملة تضاف إليها، وخصت في بعض المواضع بأن يكون ناصبها فعلاً مخصوصاً وهو فعل المفاجأة والجملة ابتدائية لا غير والتقدير: ففاجأ موسى وقت تخيل سعي حبالهم وعصيهم والمعنى على مفاجأته حبالهم وعصيهم مخيلة إليه السعي {يُخَيَّلُ } وبالتاء: ابن ذكوان {إِلَيْهِ } إلى موسى {مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ } رفع بدل اشتمال من الضمير في {يُخَيَّلُ } أي يخيل الملقى. رُوي أنهم لطخوها بالزئبق فلما ضربت عليها الشمس اضطربت واهتزت فخيلت ذلك. {فَأَوْجَسَ فِى نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَىٰ } أضمر في نفسه خوفاً ظنًّا منه أنها تقصده للجبلة البشرية أو خاف أن يخالج الناس شك فلا يتبعوه {قُلْنَا لاَ تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلأَعْلَىٰ } الغالب القاهر. وفي ذكر «إن» و «أنت» وحرف التعريف ولفظ العلو وهو الغلبة الظاهرة مبالغة بينة. {وَأَلْقِ مَا فِى يَمِينِكَ تَلْقَفْ } بسكون اللام والفاء وتخفيف القاف: حفص و {تَلْقَفْ }: ابن ذكوان، الباقون {تَلْقَفْ } {مَا صَنَعُواْ } زوراً وافتعلوا أي اطرح عصاك تبتلع عصيهم وحبالهم. ولم يقل عصاك تعظيماً لها أي لا تحتفل بما صنعوا فإن ما في يمينك أعظم منها، أو تحقيراً أي لا تبال بكثرة حبالهم وعصيهم وألق العويد الفرد الذي في يمينك فإنه بقدرتنا يتلقفها على وحدته وكثرتها {إِنَّمَا صَنَعُواْ كَيْدُ سَاحِرٍ } كوفي غير عاصم سحر بمعنى ذي سحر أو ذوي سحر أو هم لتوغلهم في السحر كأنهم السحر، و {كَيْدَ } بالرفع على القراءتين و «ما» موصولة أو مصدرية. وإنما وحد {سَـٰحِرٌ } ولم يجمع لأن القصد في هذا الكلام إلى معنى الجنسية لا إلى معنى العدد، فلو جمع لخيل أن المقصود هو العدد ألا ترى إلى قوله {وَلاَ يُفْلِحُ ٱلسَّـٰحِرُ } أي هذا الجنس {حَيْثُ أَتَىٰ } أينما كان فألقى موسى عصاه فتلقفت ما صنعوا فلعظم ما رأوا من الآية وقعوا إلى السجود فذلك قوله {فَأُلْقِىَ ٱلسَّحَرَةُ سُجَّداً } قال الأخفش: من سرعة ما سجدوا كأنهم ألقوا فما أعجب أمرهم قد ألقوا حبالهم وعصيهم للكفر والجحود، ثم ألقوا رؤوسهم بعد ساعة للشكر والسجود، فما أعظم الفرق بين الإلقاءين. رُوي أنهم رأوا الجنة ومنازلهم فيها في السجود فرفعوا رؤوسهم ثم {قَالُواْ امَنَّا بِرَبّ هَـٰرُونَ وَمُوسَىٰ } وإنما قدم «هارون» هنا وأخر في الشعراء محافظة للفاصلة ولأن الواو لا توجب ترتيباً {قَالَ ءامَنتُمْ } بغير مد: حفص، وبهمزة ممدودة: بصري وشامي وحجازي، وبهمزتين: غيرهم {لَهُ قَبْلَ أَنْ ءاذَنَ لَكُمْ } أي لموسى. يقال: آمن له وآمن به {إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ ٱلَّذِى عَلَّمَكُمُ ٱلسّحْرَ } لعظيمكم أو لمعلمكم، تقول أهل مكة للمعلم: أمرني كبيري {فَلأُقَطّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مّنْ خِلاَفٍ } القطع من خلاف أن تقطع اليد اليمنى والرجل اليسرى لأن كل واحد من العضوين يخالف الآخر بأن هذا يد وذاك رجل وهذا يمين وذاك شمال، و «من» لابتداء الغاية لأن القطع مبتدأ وناشىء من مخالفة العضو، ومحل الجار والمجرور النصب على الحال يعني لأقطعنها مختلفات لأنها إذا خالف بعضها بعضاً فقد اتصفت بالاختلاف، شبه تمكن المصلوب في الجذع بتمكن المظروف في الظرف فلهذا قال {وَلأُصَلّبَنَّكُمْ فِى جُذُوعِ ٱلنَّخْلِ } وخص النخل لطول جذوعها {وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَاباً } أنا على ترك إيمانكم بي أو رب موسى على ترك الإيمان به. وقيل: يريد نفسه لعنه الله وموسى صلوات الله وسلامه عليه بدليل قوله {آمنتم له} واللام مع الإيمان في كتاب الله لغير الله كقوله {أية : يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ } تفسير : [التوبة: 61] {وَأَبْقَىٰ } أدوم.

ابن عادل

تفسير : قوله: "إنْ هَذَانِ" اختلف القراء في هذه الآية فقرأ بن كثير وحده: "إنْ هَذَانِّ" بتخفيف "إنْ" والألف وتشديد النون. وحفص كذلك إلا أنه خفف نون "هذانِ" وقرأ أبو عمر "إنَّ" بالتشديد "هَذَيْنِ" بالياء وتخفيف النون. والباقون كذلك إلا أنهم قرءوا "هذانِ" بالألف. فأما القراءة الأولى، وهي قراءة ابن كثير وحفص فأوضح القراءات معنًى ولفظاً وخطاً، وذلك أنهما جعلا (إن) المخففة من الثقيلة فأهملت، ولما أهملت كما هو الأفصح من وجهها خيف التباسها بالنافية فجيء باللام فارقةً في الخبر، فـ "هَذَانِ" مبتدأ، و "لَسَاحِرَانِ" خبره، ووافقت خط المصحف، فإن الرسم "هَذَانِ" دون ألف ولا ياء (وسيأتي بيان ذلك). وأما تشديد نون "هَذَانِّ" فعلى ما تقدم في سورة النساء متقناً، وأما الكوفيون فيزعمون أنَّ "أنْ" نافية (بمعنى (ما)) واللام (إلا) وهو خلاف مشهور، وقد وافق تخريجهم هنا قراءة بعضهم {مَا هَذَانِ إلاَّ سَاحِرَانِ}. وأما قراءة أبي عمرو فواضحة من حيث الإعراب والمعنى، أما الإعراب فـ "هَذَيْنِ" اسم "إنَّ" وعلامة نصبه الياء، و "لَسَاحِرَانِ" خبرها، ودخلت اللام توكيداً، وأما من حيث المعنى فإنهم أثبتوا لهما السحر بطريق تأكيدي من طرفيه، ولكنهم استشكلوها من حيث خط المصحف، وذلك أنه رسم "هَذَانِ" بدون ألف ولا ياء، فَإِتيانه بالياء زيادة على خط المصحف. قال أبو إسحاق: لا أجيز قراءة أبي عمرو لأنها خلاف المصحف. وقال أبو عبيد: رأيتها في الإمام مصحف عثمان "هَذَانِ" ليس فيها ألف وهكذا رأيت رفع الاثنين في ذلك المصحف بإسقاط الألف، وإذا كتبوا النصب والخفض كتبوه بالياء ولا يسقطونها. قال شهاب الدين: وهذا لا ينبغي أن يرد به على أبي عمرو، وكم جاء في الرسم أشياء خارجة عن القياس، وقد نَصُّوا على أنه لا يجوز القراءة بها، فليكن هذا منها أعني: مما خرج عن القياس، فإن قلت ما نقلته عن أبي عبيد مشترك الإلزام بين أبي عمرو وغيره، فإنهم كما اعترضوا عليه بزيادة الياء يعترض عليهم بزيادة الألف، فإن الألف ثابتة في قراءتهم ساقطة من خط المصحف. فالجواب ما تقدم من قول أبي عبيد أنه رآهم يسقطون الألف من رفع الاثنين فإذا كتبوا النصب والخفض كتبوه بالياء، وذهب جماعة منهم عائشة - رضي الله عنها - وأبو عمرو إلى أن هذا مما لَحَن فيه الكاتب وأفهم بالصواب يعنون أنه كان من حقه أن يكتبه بالياء فلم يفعل، فلم يقرأه الناس إلا بالياء على الصواب. وأما قراءة الباقين ففيها أوجه: أحدها: أنَّ "إنَّ" بمعنى نَعَمْ، و "هَذَانِ" مبتدأ، و "لَسَاحِرَانِ" خبره، ومن ورود "إنَّ" بمعنى نَعَم قوله: شعر : 3665- بَكَرَ العَوَاذِلُ في المَشيـ ـبِ يَلُمْنَنِي وَأَلُومُهُنَّهْ وَيَقُلْنَ شَيْبٌ قَدْ عَلاَ كَ وَقَدْ كَبِرْتَ فَقُلْتُ إنَّهْ تفسير : أي فقلت: نعم، والهاء للسكت، وقال رجل لابن الزبير: لعن الله ناقةً حَمَلَتْنِي إليك. فقال: إنَّ صاحِبَها. أي نَعَم ولعَنَ صاحبَها. وهذا رأي المبرد وعلي بن سليمان. وهو مردود من وجهين: أحدهما: عدم ثبوت "إنَّ" بمعنى "نَعَمْ" وما أوردوه يؤول، أما البيت فإن الهاء اسمها، والخبر محذوف لفهم المعنى تقديره: إنَّه كذلك، وأما قول ابن الزبير فذاك من حذف المعطوف عليه وإبقاء المعطوف، وحذف خبر "إنَّ" للدلالة عليه تقديره: إنها وصاحبها ملعونان وفيه تكلف لا يخفى. والثاني: دخول اللام على خبر المبتدأ دون المؤكد بأنَّ المكسورة، لأن مثله لا يقع إلا ضرورة، كقوله: شعر : 3666- أُمُّ الحُلَيْسِ لَعَجُوزٌ شَهْرَبَهْ تَرْضَى مِنَ اللَّحْمِ بِعَظْمِ الرَّقَبَهْ تفسير : وقد يجاب عنه بأنَّ "لَسَاحِرَانِ" يجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف دخلت عليه هذه اللام تقديره لَهُمَا ساحران، وقد فعل ذلك الزجاج كما سيأتي حكايته عنه. الثاني: أنَّ اسمها ضمير القصة وهو "ها" التي قبل "ذَانِ"، وليست بـ "ها" التي للتنبيه الداخلة على أسماء الإشارة، والتقدير: إنها القصة ذَانِ لسَاحِرَانِ. وقد ردوا هذا من وجهين: أحدهما: من جهة الخط (وهو أنه) لو كان كذلك لكان ينبغي أن يكتب إنها، فيصلوا الضمير بالحرف قبله كقوله تعالى: {أية : فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى ٱلأَبْصَارُ} تفسير : [الحج: 46] فكتبهم إياها مفصولة من "إنَّ" متصلة باسم الإشارة يمنع كونها ضميراً وهو أوضح. الثاني: أنه يؤدي إلى دخول لام الابتداء في الخبر غير المنسوخ وقد يجاب عنه بما تقدم. الثالث: أن اسمها ضمير الشأن محذوف والجملة من المبتدأ والخبر بعده في محل رفع خبر لأن التقدير: إنه أي: الأمر والشأن. وقد ضعف هذا بوجهين: أحدهما: حذف اسم "إنَّ" وهو غير جائز إلا في شعرٍ بشرط أن لا تباشر "إنَّ" فعلاً، كقوله: شعر : 3667- إنَّ مَنْ يَدْخُل الكَنِيسَةَ يَوْماً يَلْقَ فِيهَا جَآذِراً وَظِبَاءا تفسير : والثاني: دخول اللام في الخبر، وقد أجاب الزجاج بأنها داخلة على مبتدأ محذوف تقديره: لَهُمَا سَاحِرَانِ، وهذا قد استحسنه شيخه المبرد أعني جوابه بذلك. الرابع: أنَّ "هَذَانِ" اسمها و "لَسَاحِرَانِ" خبرها. وقد رد هذا بأنه كان ينبغي أن يكون "هَذَيْنِ" بالياء كقراءة أبي عمرو، وقد أجيب عن ذلك بأنه على لغة بني الحرث وبني الصَّخم وبني العنبر وزبيد وعذرة وسراة وخثعم وكِنَانَة، وحكى هذه اللغة الأئمة الكبار كأبي الخطاب وأبي زيد الأنصاري (والكسائي). قال أبو زيد: سمعت من العرب من يقلب كل ياء ينفتح ما قبلها ألفاً، يجعلون المثنى كالمقصور، فيثبتون ألفاً في جميع أحواله، ويقدرون إعرابه بالحركات، وأنشدوا قوله: شعر : 3668- فَأَطْرَقَ إطْرَاقَ الشُّجَاعِ وَلَوْ يَرَى مَسَاغاً لِنَابَاهُ الشُّجَاعُ لَصَمَّمَا تفسير : أي لنابيْه. وقوله: شعر : 3669- إنَّ أَبَاهَا وَأَبَا أَبَاهَا قَدْ بَلَغَا في المَجْدِ غَايَتَاهَا تفسير : أي غايتيها. قال الفراء: وحكى بعض بني أسد قال: هذا خطُّ يدَا أخي أعرفه وقال قطرب: هؤلاء يقولون: رأيتُ رجلاَنِ، واشتريت ثوبَانِ قال: وقال رجل من بني ضبة جاهليّ: شعر : 3670- (أعْرِفُ مِنْهَا الأَنْفَ وَالعَيْنَانَا وَمَنْخِرَيْنِ أَشْبَهَا ظَبْيَانَا) تفسير : وقال آخر: شعر : 3671- كَأَنَّ صَرِيفَ نَابَاهُ إذَا مَا أَمَرَّهُمَا قَدِيمُ الخَطْبَانِ تفسير : (الخطبان: ذكر الصِّرْدَان). وروى ابن جني عن قطرب: شعر : 3672- هِيَّاكَ أَنْ تَبْكِي بِشَعْشَعَانِ خَبِّ الفُؤَادِ مَائِلِ اليَدَانِ تفسير : قال الفراء: وذلك - وإن كان قليلاً - أقيس. لأن ما قبل حرف التثنية مفتوح فينبغي أن يكون ما بعده ألفاً لانفتاح ما قبلها, وذكر قطرب أنهم يفعلون ذلك فراراً إلى الألف التي هي أخف حروف المد ويقولون: كسرتُ يداه، وركبتُ علاه، يعني يديه وعليه، وقال شاعرهم: شعر : 3673- تَزَوَّدَ مِنَّا بَيْنَ أذْنَاهُ ضَرْبَةً دَعَتْهُ إلى هَابِي التُّرَابِ عَقِيم تفسير : إلى غير ذلك من الشواهد. واستدل لقراءة أبي عمرو بأنها قراءة عثمان وعائشة وابن الزبير وسعيد بن جبير، روى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة - رضي الله عنها - أنها سئلت عن قوله تعالى: {إِنْ هَـذَانِ لَسَاحِرَانِ} وعن قوله: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلصَّابِئُونَ وَٱلنَّصَارَىٰ} تفسير : [في المائدة: 69]، وعن قوله: {أية : لَّٰكِنِ ٱلرَّاسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ مِنْهُم} تفسير : [النساء: 162] إلى قوله: {أية : وَٱلْمُقِيمِينَ ٱلصَّلَٰوةَ وَٱلْمُؤْتُونَ ٱلزَّكَٰوةَ} تفسير : [النساء: 162]، فقالت: يا ابن أخي هذا خطأ من الكاتب. وروي عن عثمان أنه نظر في المصحف، فقال: أرى فيه لحناً وستقيمه العرب بألسنتها. وعن ابن عمرو أنه قال: إنِّي لأَسْتَحي أن أقرأ {إِنَّ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ}. وقرأ ابن مسعود: {وَأسَرُّوا النَّجْوَى أنْ هَذَانِ سَاحِرَانِ} بفتح "أن" وإسقاط اللام على أنها وما في خبرها بدل من "النَّجْوَى" كذا قاله الزمخشري، وتبعه أبو حيان ولم ينكره، وفيه نظر، لأن الاعتراض بالجملة القولية بين البدل والمبدل منه لا يصح. وأيضاً: فإن الجملة القولية مفسرة للنجوى في قراءة العامة. وكذا قاله الزمخشري أولاً فكيف يصح أن يجعل {أنْ هَـذَان سَاحِرَانِ} بدلاً من النجوى؟ وقرأ حفص عن عاصم بتخفيف النونين. وعن الأخفش: {إنْ هَـذَانِ لَسَاحِرَانِ} خفيفة بمعنى ثقيلة وهي لغة لقوم يرفعون بها ويدخلون اللام ليفرقوا بينها وبين التي تكون في معنى (ما). وروي عن أبي بن كعب {ما هَذَانِ إلاَّ سَاحِرَانِ}، وروي عنه أيضاً {إنْ هَـذَانِ إلاَّ سَاحِرَانِ}، وعن الخليل بمثل ذلك. وعن أُبَيِّ أيضاً: {إنْ ذَانِ لَسَاحِرَانِ}. فصل قال المحققون: هذه القراءات لا يجوز تصحيحها، لأنها منقولة بطريق الآحاد، والقرآن يجب أن يكون منقولاً بالتواتر، ولو جوزنا إثبات زيادة في القرآن بطريق الآحاد لما أمكننا القطع بأن هذا الذي هو عندنا كل القرآن، لأنه لما جاز في هذه القراءات أنها من القرآن مع كونها ما نقلت بالتواتر جاز في غيرها ذلك. فثبت أن تجويز كون هذه القراءات من القرآت يطرق جواز الزيادة والنقصان والتغيير في القرآن، وذلك يُخرج القرآن عن كونه حجة، ولما كان ذلك باطلاً فكذلك ما قرىء. وأما الطعن في القراءة المشهورة فلو حكمنا ببطلانها جاز مثله في جميع القرآن، وذلك يُفضِي إلى القدح في التواتر، وإلى القدح في كل القرآن، وهو باطل، وإذا ثبت ذلك امتنع صيرورته معارضاً بخبر الواحد المنقول عن بعض الصحابة. وأيضاً: فإن المسلمين أجمعوا على أنَّ ما بين الدفتين كرمُ الله، وكلام الله لا يجوز أن يكون لحناً وغلطاً ولذلك ذكر النحويون وجه تصحيح القراءة المشهورة كما تقدم. فصل اعلم أنه تعالى لما ذكر ما أسروه من النجوى حكى عنهم ما أظهروه بما يدل على التنفير عن متابعة موسى، وهو أمور: أحدها: قولهم {إنَّ هَذَيْنِ لَسَاحِرَانِ} وهذا طعن منهم في معجزات موسى ومبالغة في التنفير عنه، لأن كل طبع سليم ينفر عن السحر وعن رؤية الساحر لأنَّ الإنسان يعلم أن السِّحْر لا بقاء له، فإذا اعتقدوا فيه السحر قالوا: كيف نتبعه، وهو لا بقاء له ولا لدينه؟ وثانيها: قوله: {يُرِيدَانِ أَن يُخْرِجَاكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ} وهذا نهاية التنفير، لأن مفارقة الوطن والمنشأ شديدة على القلب. وهذا كقول فرعون: تُرِيدُ أنْ تُخْرِجَنَا مِنْ أرْضِنَا بِسِحْرِكَ يا مُوسَى، فكأنَّ السحرة تلقفوا هذه الشبهة من فرعون ثم أعادوها. وثالثها: قوله: {وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ ٱلْمُثْلَىٰ}، وهذا أيضاً له تأثير شديد في القلب، فإن العدو إذا استولى على جميع المناصب والأشياء التي يرغب فيها كذلك يكون في نهاية المشقة على القلب. قال ابن عباس: يَعْني براءة قومِكم وأشْرَافِهم يقال: هؤلاء طريقة قومهم أي: أشْرَافُهُمْ. والمُثْلَى تأنيثُ الأَمْثَلِ (وهو الأفضل. وسمي الأفضل بالأمثل)، لأن الأمثل هو الأشبه بالحق وقيل: الأَمْثَلُ: الأوضح الأظهر وحدث الشعبي عن عليٍّ قال: يصرفان وجوه الناس إليهما. وقال قتادة: "طَرِيقَتُكُمْ المُثْلَى" يومئذ بنو إسرائيل، كانوا أكثر القوم عدداً (وأموالاً)، فقال عدو الله يريد أن يذهبا بهم لأنفسهم. وقيل: بطريقتكم أي بسنتكم ودينكم الذي أنتم عليه. والمُثْلَى: نعت الطريقة، تقول العرب: فلان على الطريقة المُثْلَى يعني على الهدى المستقيم. وقيل: الطريقة المُثْلى الجاه والمنصب والرياسة. قوله: "بِطَرِيقَتِكُمْ" الياء مُعَدِّية كالهمزة، والمعنى بأهل طريقتكم. قال الزجاج: هذا من باب حذف المضاف. وإذا كانت الطريقة عبارة عن العادة فلا حذف.

الجنابذي

تفسير : {قَالُوۤاْ} بيان لاسرّوا النّجوى ولذلك لم يأت باداة الوصل {إِنْ هَـٰذَانِ لَسَاحِرَانِ} قرئ ان بتشديد النّون وهذان بالالف وعليها قيل: انّ بمعنى نعم من غير تقديرٍ، وقيل: بمعنى نعم بتقدير مبتدء بعد الّلام ليكون دخول الّلام على المبتدأ، وقيل: انّ ملغاة عن العمل، وقيل: تقديره انّه لهذان بتقدير ضمير الشّأن، وقيل: انّ هذه الالف ليست الف التّثنية وانّما لحق بالف هذا نون التّثنية، وفى الكلّ ضعف من وجهٍ او وجوهٍ، وقيل: اجرى التّثنية بالالف على لغة من يجرى التّثنية بالالف مطلقاً فانّ القرآن نزل باللّغات المتفرّقة، وقرئ انّ هذان بتخفيف نون ان نافية كانت والّلام بمعنى الاّ او مخفّفة من المثقّلة والّلام فارقة، وقرئ انّ هذين ولا اشكال، وقرئ بتشديد نون هذان بجعل تشديد النّون عوضاً عن الالف المحذوفة من هذا، وقرئ ما هذان لساحران، وروى عن بعضهم ان ذان الاّ ساحران {يُرِيدَانِ أَن يُخْرِجَاكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ} بالاجلاء او بالاستيلاء عليها والتّملّك لها وقطع تصرّفكم عنها {بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ ٱلْمُثْلَىٰ} اى الفضلى بمحو هذا الدّين الّذى انتم عليه ونشر مذهبٍ غير مألوفٍ وغير امثل حتّى يترأّسا على النّاس به.

اطفيش

تفسير : {قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ} الخ زوَّروا هذا الكلام خوفا من غلبتهما فيتبعهما الناس وتشاوروا فميا يغلبون به موسى، والإشارة لموسى وهارون، وهذه قراءة نافع وابن عامر وحمزة و الكسائى. وقد أطال ابن هشام فى إعرابها فى شرح الشذور، وأطلت فى حاشيته وإعرابها أيضاً فى المعنى وغيره. وروى عن عائشة أن ذلك وقوله: والصابئون بعد إن، وقوله: والمقيمين الصلاة قبل قوله والمؤتون خطأ من الكاتبين. وعن عثمان أن ذلك لحن مكتوب لتستصلحه العرب بأَلسنتها. قال السيوطى: كيف يظن بالصحابة وهم الفصحاء أن يلحنوا فى الكلام، ولا سيما القرآن الذى تلقوه عن النبى صلى الله عليه وسلم، وأمروا بالصون له؟ وكيف يجتمعون على الخطأ ثم كيف لا يرجعون عنه؟ وكيف يكلونه إلى إصلاح العرب باللسان ويتركونه مكتوباً؟ وما روى عامًّا أن فى الكتاب لحناً ستقيمة العرب محمول على نحو الحذف كالكتاب والصابرين، بإسقاط الألف فى الخط وعلى نحو الزيادة مثل ولا أوضعوا ولا أذبحنه. وكيف يتركون الخطأ فى الكتاب لمن يقيمه مع أن غيرهم إنما يقتدى بهم. وروى أن عثمان لما عرضت عليه المصاحف بعد الفراغ منها قال: أرى شيئاً سنقيمه، ومراده ما كتب بغير لغة قريش كما كتبوا التابوت التابوه وقد أقامه بلغتهم فلم يبق شئ. وروى عن ابن جبير عن عثمان أن فيه لحنا سيقام. ومراده باللحن اللغة والقراءة للكاتب. ومعنى قول عائشة خطأ من الكاتبين أنهم عدلوا عما هو أولى. وعن النخعى: إن هذان لساحران بالألف مكان الياء والصابئون بالواو مكان الياء والمقيمين بالياء مكان الواو. قال ابن أشته: مراد به يقرأ هذان بالياء ولو كتب بألف. وهكذا كما كتب الصلاة بالواو ويقرأ بألف. ورد بأن الكاتب هذان بألف مثلا يقرؤه بالألف وقد تبين أنه لا لحن. وإن قلت: فما الإعراب؟ قلت: هاذان اسم إن على لغة قصر المثنى. وقيل: الألف ألف المفرد وياء النصب محذوفة أو اسم إن ضمير الشأْن وهذان مبتدأ واللام زائدة أو للابتداء داحلة على مبتدأ محذوف أى لهما ساحران. ويرده أن المؤكد باللام لا يليق به الحذف. وقيل: ها اسم إن. ورُدَّ بحذف ألفها واتصالها بالذال وانفصال إن، أو الألف بدل من الياء لمناسبة يريدان كما نُوِّن سلاسلا لمناسبة أغلالا. وقيل: إن بمعنى نعم، وهذان مبتدأ واللام زائدة فى غيره، وقد بحثت فى تلك الوجوه فى الحواشى النحوية. وقرأ أبو عمرو إن هذين لساحران بالياء على الجهة الظاهرة المكشوفة. وقرأ ابن كثير وحفص إن هذان لساحران بسكون النون، على أن إن مخففة واللام للفرق بين النفى والإثبات، أو إن النافية واللام بمعنى إلا. وقرأ أبىّ إنْ ذان إلا ساحران بالإسكان. وقرأ ابن مسعود - رضى الله عنه - وأسروا النجوى أنّ هذان ساحران بفتح الهمزة والتشديد على الإبدال من النجوى. وعن ابن كثير إن هذان لساحران بالإسكان وتشديد نون هذان ومد ألفه. {يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ} إلى غيرها، أو المراد بالإخراج منها الاستيلاء عليها؛ فإنه إذا كان الحكم لهما فكأنهما أخرجوهم منها {بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ} بمذهبكم الذى هو أفضل المذاهب، كما صرح بالتفضيل بقوله: {الْمُثْلَى} فإنه تأنيث الأمثل بمعنى الأفضل والأشرف. ومرادى بالمذهب هنا الدين تبعاً للتعبير بالطريقة. ومعنى ذهابهما بطريقتهم إزالتها وإظهار دينهما قال: إننى أخاف أن يبدل دينكم. وقيل: الطريقة سادات القبط سموا طريقة من حيث إنهم قدوة لغيرهم متبوعة كما يتبع الطريق. تقول العرب: فلان طريقة قومه أى سيدهم وصاحب العقل منهم. واستظهر بعضهم أن الطريقة المملكة أو السيرة. وقيل: المراد صرف وجوه الناس عنكم. وقيل: الطريقة المثلى: بنو إسرائيل؛ لأنهم أهل علم ومال وعدد، أى بأهل طريقتكم وإنما نسبتهم للطريقة من حيث بناؤها عليهم من كل ما احتاجوا. ويطابق هذا قوله: {أية : أرسل معنا بنى إسرائيل }.

الالوسي

تفسير : {قَالُواْ } أي بطريق التناجي والإسرار {إِنْ هَـٰذٰنِ لَسَاحِرٰنِ } الخ فإنه تفسير لذلك ونتيجة التنازع وخلاصة ما استقرت / عليه آراؤهم بعد التناظر والتشاور. وقيل: كان نجواهم أن قالوا حين سمعوا مقالة موسى عليه السلام ما هذا بقول ساحر، وروي ذلك عن محمد بن إسحاق. وقيل: كان ذلك أن قالوا: إن غلبنا موسى اتبعناه، ونقل ذلك عن الفراء والزجاج. وقيل: كان ذلك أن قالوا: إن كان هذا ساحراً فسنغلبه وإن كان من السماء فله أمر، وروي ذلك عن قتادة، وعلى هذه الأقوال يكون المراد من {أية : أَمَرَهُمْ } تفسير : [طه: 62] أمر موسى عليه السلام وإضافته إليهم لأدنى ملابسة لوقوعه فيما بينهم واهتمامهم به ويكون إسرارهم من فرعون وملئه، ويحمل قولهم: {إِنْ هَـٰذٰنِ لَسَاحِرٰنِ } الخ على أنهم اختلفوا فيما بينهم من الأقاويل المذكورة ثم استقرت آراؤهم على ذلك وأبوا إلا المناصبة للمعارضة وهو كلام مستأنف استئنافاً بيانياً كأنه قيل: فماذا قالوا للناس بعد تمام التنازع فقيل: {قَالُواْ إِنْ هَـٰذٰنِ } الخ. وجعل الضمير في {قَالُواْ }: لفرعون وملئه على أنهم قالوا ذلك للسحرة رداً لهم عن الاختلاف وأمراً بالإجماع والإزماع وإظهار الجلادة مخل بجزالة النظم الكريم كما يشهد به الذوق السليم، نعم لو جعل ضمير {أية : تَنَـٰزَعُواْ }تفسير : [طه: 62] والضمائر الذي بعده لهم كما ذهب إليه أكثر المفسرين أيضاً لم يكن فيه ذلك الإخلال، وإن مخففة من إن وقد أهملت عن العمل واللام فارقة. وقرأ ابن كثير بتشديد نون {هَـٰذان } وهو على خلاف القياس للفرق بين الأسماء المتمكنة وغيرها. وقال الكوفيون: إن نافية واللام بمعنى إلا أي ما هذان إلا ساحران ويؤيده أنه قرىء كذلك. وفي رواية عن أبـي أنه قرأ {إِنْ هَـٰذٰنِ إِلا ساحران}. وقرىء {إن ذان } بدون هاء التنبيه {إِلا ساحران} وعزاها ابن خالويه إلى عبد الله. وبعضهم إلى أبـي وهي تؤيد ذلك أيضاً. وقرىء {إن ذان لساحران} بإسقاط هاء التنبيه فقط. وقرأ أبو جعفر والحسن وشيبة والأعمش وطلحة وحميد وأيوب وخلف في اختياره وأبو عبيد وأبو حاتم وابن عيسى الأصبهاني وابن جرير وابن جبير الأنطاكي والأخوان والصاحبان من السبعة {إن} بتشديد النون {هَـٰذان } بألف ونون خفيفة، واستشكلت هذه القراءة حتى قيل: إنها لحن وخطأ بناءً على ما أخرجه أبو عبيد في «فضائل القرآن» عن هشام بن عروة عن أبيه قال: سألت عائشة رضي الله تعالى عنها عن لحن القرآن عن قوله تعالى: {إِنْ هَـٰذٰنِ لَسَاحِرٰنِ } وعن قوله تعالى: {أية : وَٱلْمُقِيمِينَ ٱلصَّلَٰوةَ وَٱلْمُؤْتُونَ ٱلزَّكَٰوةَ } تفسير : [النساء: 162] وعن قوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلصَّـٰبِئُونَ } تفسير : [المائدة: 69] فقالت: يا ابن أخي هذا عمل الكتاب أخطؤا في الكتاب، وإسناده صحيح على شرط الشيخين كما قال الجلال السيوطي. وهذا مشكل جداً إذ كيف يظن بالصحابة أولاً أنهم يلحنون في الكلام فضلاً عن القرآن وهم الفصحاء اللد، ثم كيف يظن بهم ثانياً الغلط في القرآن الذي تلقوه من النبـي صلى الله عليه وسلم كما أنزل ولم يألوا جهداً في حفظه وضبطه وإتقانه، ثم كيف يظهر بهم ثالثاً اجتماعهم كلهم على الخطأ وكتابته، ثم كيف يظن بهم رابعاً عدم تنبههم ورجوعهم عنه، ثم كيف يظن خامساً الاستمرار على الخطأ وهو مروي بالتواتر خلفاً عن سلف ولو ساغ مثل ذلك لارتفع الوثوق بالقرآن. وقد خرجت هذه القراءة على وجوه، الأول أن {إن} بمعنى نعم وإلى ذلك ذهب جماعة منهم المبرد والأخفش الصغير وأنشدوا قوله:شعر : / بكر العواذل في الصبو ح يلمنني وألومهنه ويقلن شيب قد علا ك وقد كبرت فقلت إنه تفسير : والجيد الاستدلال بقول ابن الزبير رضي الله تعالى عنهما لمن قال له: لعن الله ناقة حملتني إليك إن وراكبها إذ قد قيل: في البيت إنا لا نسلم أن إن فيه بمعنى نعم، والهاء للسكت بل هي الناصبة والهاء ضمير منصوب بها والخبر محذوف أي إنه كذلك ولا يصح أن يقال: إنها في الخبر كذلك وحذف الجزءان لأن حذف الجزأين جميعاً لا يجوز. وضعف هذا الوجه بأن كونها بمعنى نعم لم يثبت، أو هو نادر. وعلى تقدير الثبوت من غير ندرة ليس قبلها ما يقتضي جواباً حتى تقع نعم في جوابه. والقول بأنه يفهم من صدر الكلام أن منهم من قال: هما ساحران فصدق وقيل: نعم بعيد. ومثله القول بأن ذلك تصديق لما يفهم من قول فرعون:{أية : أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يٰمُوسَىٰ} تفسير : [طه: 57] وأيضاً إن لام الابتداء لا تدخل على خبر المبتدأ. وأجيب عن هذا بأن اللام زائدة وليست للابتداء كما في قوله:شعر : أم الحليس لعجوز شهربه ترضى من اللحم بعظم الرقبة تفسير : أو بأنها داخلة على مبتدأ محذوف أي لهما ساحران، كما اختاره الزجاج وقال: عرضته على عالمنا وشيخنا وأستاذنا محمد بن زيد يعني المبرد والقاضي إسماعيل بن إسحاق بن حماد فقبلاه، وذكرا أنه أجود ما سمعناه في هذا أو بأنها دخلت بعد إن هذه لشبهها بأن المؤكدة لفظاً كما زيدت أن بعد ما المصدرية لمشابهتها للنافية في قوله:شعر : ورج الفتى للخير ما إن رأيته على السن خيراً لا يزال يزيد تفسير : ورد الأول: بأن زيادتها في الخبر خاصة بالشعر وما هنا محل النزاع فلا يصح الاحتجاج به كما توهم النيسابوري. وزيف الثاني أبو علي في «الإغفال» بما خلاصته أن التأكيد فيما خيف لبسه فإذا بلغ به الشهرة الحذف استغنى لذلك عن التأكيد، ولو كان ما ذكر وجهاً لم يحمل نحو لعجوز شهربة على الضرورة ولا تقاس على أن حيث حذف معها الخبر في:شعر : إن محلا وإن مرتحلا تفسير : وإن اجتمعا في التأكيد لأنها مشبهة بلا وحمل النقيض على النقيض شائع، وابن جني بأن الحذف من باب الإيجاز والتأكيد من باب الإطناب والجمع بينهما محال للتنافي. وأجيب: بأن الحذف لقيام القرينة والاستغناء غير مسلم والتأكيد لمضمون الجملة لا للمحذوف والحمل في البيت ممكن أيضاً واقتصارهم فيه على الضرورة ذهول وكم ترك الأول للآخر واجتماع الإيجاز والإطناب مع اختلاف الوجه غير محال. وأصدق شاهد على دخول اللام في مثل هذا الكلام ما رواه الترمذي وأحمد وابن ماجه {أغبط أوليائي عندي لمؤمن خفيف الحاذ} نعم لا نزاع في شذوذ هذا الحذف استعمالاً وقياساً. الثاني: أن إن من الحروف الناصبة واسمها ضمير الشأن وما بعد مبتدأ وخبر والجملة خبرها، وإلى ذلك ذهب قدماء النحاة. وضعف بأن ضمير الشأن موضوع لتقوية الكلام وما كان كذلك لا يناسبه الحذف والمسموع من حذفه كما في قوله:شعر : إن من لام في بني بنت حسا ن ألمه وأعصه في الخطوب تفسير : وقوله:شعر : إن من يدخل الكنيسة يوماً يلق فيها جآذرا وظباء تفسير : / ضرورة أو شاذ إلا في باب ان المفتوحة إذا خففت فاستسهلوه لوروده في كلام بني على التخفيف فحذف تبعاً لحذف النون ولأنه لو ذكر لوجب التشديد إذ الضمائر ترد الأشياء إلى أصولها، ثم يرد بحث دخول اللام في الخبر، وإن التزم تقدير مبتدأ داخلة هي عليه فقد سمعت ما فيه من الجرح والتعديل، الثالث: أنها الناصبة وهاء ضمير القصة اسمها وجملة {هَـٰذٰنِ لَسَاحِرٰنِ } خبرها، وضعف بأنه يقتضي وصل ها بإن من إثبات الألف وفصل ها من {ذان} في الرسم وما في المصحف ليس كذلك، ومع ذلك يرد بحث دخول اللام. الرابع: أن إن ملغاة وإن كانت مشددة حملاً لها على المخففة وذلك كما أعملت المخففة حملا لها عليها في قوله تعالى: {أية : وَإِنَّ كُـلاًّ لَّمَّا لَيُوَفّيَنَّهُمْ } تفسير : [هود: 111] أو حطاً لرتبتها عن الفعل لأن عملها ليس بالأصالة بل بالشبه له وما بعدها مبتدأ وخبر وإلى ذلك ذهب علي بن عيسى. وفيه أن هذا الإلغاء لم ير في غير هذا الموضع وهو محل النزاع وبحث اللام فيه بحالة. الخامس: وهو أجود الوجوه وأوجهها واختاره أبو حيان وابن مالك والأخفش وأبو علي الفارسي وجماعة أنها الناصبة، واسم الإشارة اسمها، واللام لام الابتداء و {ساحران} خبرها؛ ومجىء اسم الإشارة بالألف مع أنه منصوب جار على لغة بعض العرب من إجراء المثنى بالألف دائماً قال شاعرهم:شعر : واها لريا ثم واها واها يا ليت عيناها لنا وفاها وموضع الخلخال من رجلاها بثمن نرضي به أباها تفسير : وقال الآخر:شعر : وأطرق إطراق الشجاع ولو يرى مساغاً لنا باه الشجاع لصمما تفسير : وقالوا: ضربته بين أذناه ومن يشتري الخفان وهي لغة لكنانة حكى ذلك أبو الخطاب ولبني الحرث بن كعب وخثعم وزبيد وأهل تلك الناحية حكى ذلك الكسائي ولبني العنبر وبني الهيجم ومراد وعذرة وقال أبو زيد: سمعت من العرب من يقلب كل ياء ينفتح ما قبلها ألفاً، وابن الحاجب يقول: إن {هَـٰذَانِ } مبني لدلالته على معنى الإشارة وإن قول الأكثرين هذين جراً ونصباً ليس إعراباً أيضاً. قال ابن هشام: وعلى هذا فقراءة هذان أقيس إذ الأصل في المبني أن لا تختلف صيغته مع أن فيها مناسبة لألف {ساحران} اهـ. وأما الخبر السابق عن عائشة فقد أجاب عنه ابن أشته وتبعه ابن جبارة في «شرح الرائية» بأن قولها: أخطؤا على معنى أخطؤا في اختيار الأولى من الأحرف السبعة لجمع الناس عليه لا أن الذي كتبوا من ذلك خطأ لا يجوز فإن ما لا يجوز من كل شيء مردود بالإجماع وإن طالت مدة وقوعه وبنحو هذا يجاب عن أخبار رويت عنها أيضاً. وعن ابن عباس في هذا الباب تشكل ظواهرها. ثم أخرج عن إبراهيم النخعي أنه قال: (إن هذان لساحران) و(إن هذين لساحران) سواء لعلهم كتبوا الألف مكان الياء يعني أنه من إبدال حرف في الكتابة بحرف كما وقع في صلاة وزكاة وحياة. ويرد على هذا أنه إنما يحسن لو كانت القراءة بالياء في ذلك. ثم أنت تعلم أن الجواب المذكور لا يحسم مادة الإشكال لبقاء تسمية عروة ذلك في السؤال لحناً اللهم إلا أن يقال: أراد باللحن اللغة كما قال ذلك ابن أشته في قول ابن جبير المروي عنه بطرق في {أية : وَٱلْمُقِيمِينَ ٱلصَّلَٰوةَ } تفسير : [النساء: 162] هو لحن من الكاتب أو يقال: أراد به اللحن بحسب بادىء الرأي. وابن الأنباري جنح إلى تضعيف الروايات في / هذا الباب ومعارضتها بروايات أخر عن ابن عباس وغيره تدل على ثبوت الأحرف التي قيل فيها ما قيل في القراءة. ولعل الخبر السابق الذي ذكر أنه صحيح الإسناد على شرط الشيخين داخل في ذلك لكن قال الجلال السيوطي: إن الجواب الأول الذي ذكره ابن أشته أولى وأقعد. وقال العلاء فيما أخرجه ابن الأنباري وغيره عن عكرمة قال: لما كتبت المصاحف عرضت على عثمان فوجد فيها حروفاً من اللحن فقال: لا تغيروها فإن العرب ستغيرها أو قال: ستقرؤها بألسنتها لو كان الكاتب من ثقيف والمملي من هذيل لم توجد فيه هذه الحروف إن ذلك لا يصح عن عثمان فإن إسناده ضعيف مضطرب منقطع. والذي أجنح أنا إليه والعاصم هو الله تعالى تضعيف جميع ما ورد مما فيه طعن بالمتواتر ولم يقبل تأويلاً ينشرح له الصدر ويقبله الذوق وإن صححه من صححه. والطعن في الرواة أهون بكثير من الطعن بالأئمة الذين تلقوا القرآن العظيم الذي وصل إلينا بالتواتر من النبـي صلى الله عليه وسلم ولم يألوا جهداً في إتقانه وحفظه. وقد ذكر أهل المصطلح أن مما يدرك به وضع الخبر ما يؤخذ من حال المروي كأن يكون مناقضاً لنص القرآن أو السنة المتواترة أو الإجماع القطعي أو صريح العقل حيث لا يقبل شيء من ذلك التأويل أو لم يحتمل سقوط شيء منه يزول به المحذور فلو قال قائل بوضع بعض هاتيك الأخبار لم يبعد والله تعالى أعلم. وقرأ أبو عمرو {إن هذين} بتشديد نون {إن} وبالياء في {هذين} وروي ذلك عن عائشة والحسن والأعمش والنخعي والجحدري وابن جبير وابن عبيد وإعراب ذلك واضح إذ جاء على المهيع المعروف في مثله لكن في «الدر المصون» قد استشكلت هذه القراءة بأنها مخالفة لرسم الإمام فإن اسم الإشارة فيه بدون ألف وياء فإثبات الياء زيادة عليه ولذا قال الزجاج: أنا لا أجيزها وليس بشيء لأنه مشترك الإلزام ولو سلم فكم في القراءات ما خالف رسمه القياس مع أن حذف الألف ليس على القياس أيضاً. {يُرِيدَانِ أَن يُخْرِجَاكُمْ مّنْ أَرْضِكُمْ } أي أرض مصر بالاستيلاء عليها {بِسِحْرِهِمَا } الذي أظهراه من قبل، ونسبة ذلك لهارون لما أنهم رأوه مع موسى عليهما السلام سالكاً طريقته. وهذه الجملة صفة أو خبر بعد خبر. {وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ ٱلْمُثْلَىٰ } أي بمذهبكم الذي هو أفضل المذاهب وأمثلها بإظهار مذهبهما وإعلاء دينهما يريدون به ما كان عليه قوم فرعون لا طريقة السحر فإنهم ما كانوا يعتقدونه ديناً. وقيل: أرادوا أهل طريقتكم فالكلام على تقدير مضاف. والمراد بهم بنو إسرائيل لقول موسى عليه السلام: {أية : أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِى إِسْرٰءيلَ } تفسير : [طه: 47] وكانوا أرباب علم فيما بينهم. وأخرج ذلك ابن المنذر وابن أبـي حاتم عن ابن عباس. وتعقب بأن إخراجهم من أرضهم إنما يكون بالاستيلاء عليها تمكناً وتصرفاً فكيف يتصور حينئذٍ نقل بني إسرائيل إلى الشام. وحمل الإخراج على إخراج بني إسرائيل منها مع بقاء قوم فرعون على حالهم مما يجب تنزيه التنزيل عن أمثاله، على أن هذه المقالة منهم للإغراء بالمبالغة في المغالبة والاهتمام بالمناصبة فلا بد أن يكون الإنذار والتحذير بأشد المكاره وأشقها عليهم، ولا ريب في أن إخراج بني إسرائيل من بينهم والذهاب بهم إلى الشام وهم آمنون في ديارهم ليس فيه كثير محذور وهو كلام يلوح عليه مخايل القبول فلعل الخبر عن الحبر لا يصح. وأخرج ابن المنذر وابن أبـي حاتم أيضاً عن مجاهد أن الطريقة اسم لوجوه القوم وأشرافهم. وحكى فلان / طريقة قومه أي سيدهم، وكأن إطلاق ذلك على الوجوه مجاز لاتباعهم كما يتبع الطريق. وأخرجا عن علي كرم الله تعالى وجهه أن إطلاق ذلك عليهم بالسريانية، وكأنهم أرادوا بهؤلاء الوجوه الوجوه من قوم فرعون أرباب المناصب وأصحاب التصرف والمراتب فيكونوا قد حذروهم بالإخراج من أوطانهم وفصل ذوي المناصب منهم عن مناصبهم وفي ذلك غاية الذل والهوان ونهاية حوادث الزمان، فما قيل: إن تخصيص الإذهاب بهم مما لا مزية فيه ليس بشيء، وقيل: إنهم أرادوا بهم بني إسرائيل أيضاً لأنهم كانوا أكثر منهم نشباً وأشرف نسباً وفيه ما مر آنفاً، واعترض أيضاً بأنه ينافيه استعبادهم واستخدامهم وقتل أولادهم وسومهم العذاب. وأجيب بالمنع فكم من متبوع مقهور وشريف بأيدي الأنذال مأسور وهو كما ترى.

د. أسعد حومد

تفسير : {هَـٰذَانِ} {لَسَاحِرَانِ} (63) - ثُمَّ اسْتَقَرَّ رَأْيُ الأَغْلَبِيَّةِ عَلَى القَوْلِ إِنَّ هذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ سَاحِرَانِ، عَالِمَانِ بِصِنَاعَةِ السِّحْرِ وَفُنُونِهَا، وَهُمَا يُرِيدَانِ أَنْ يَغْلِبَاكُمْ وَقَوْمَكُمْ بِسِحْرِهِمَا، وَيَسْتَوْلِيَا عَلَى النَّاسِ، وَأَنْ تَتْبَعَهُمَا العَامَّةُ، ثُمَّ يُقَاتِلانِ فِرْعَوْنَ وَجُنُودَهُ، وَيَنْتَصِرَانِ عَلَيْهِ وَيُخْرِجَانِكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ، وَيَسْتَأْثِرَانِ بِالسِّحْرِ، وَهُوَ طَرِيقَةُ عَيْشِكُمُ الفُضْلَى (المُثْلَى)، وَمَوْرِدُ رِزْقِكُمْ، وَمَصْدَرُ جَاهِكُمْ. بِطَرِيقَتِكُمُ المُثْلَى - بِسُنَّتِكُمْ وَشَرِيعَتِكُمُ الفُضْلَى.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : توقف العلماء طويلاً حول هذه الآية، لأن فيها قراءتين (إنْ هذان) بسكون (إنْ) والأخرى (إنَّ هذان) بالتشديد. والقراءة التي نحن عليها قراءة حفص {إِنْ هَـٰذَانِ لَسَاحِرَانِ ..} [طه: 63] و (إنْ) شرطية إنْ دخلت على الفعل، كما نقول: إنْ زارني زيد أكرمته، وتأتي نافية بمعنى ما، كما في قوله تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنكُمْ مِّن نِّسَآئِهِمْ مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلاَّ ٱللاَّئِي وَلَدْنَهُمْ ..}تفسير : [المجادلة: 2]. فالمعنى: ما أمهاتهم إلا اللائي وَلَدْنهم. كذلك في قوله تعالى: {إِنْ هَـٰذَانِ لَسَاحِرَانِ ..} [طه: 63] فالمعنى: ما هذان إلا ساحران، فتكون اللام في {لَسَاحِرَانِ ..} [طه: 63] بمعنى إلا. كأنك قُلْتَ: ما هذان إلا ساحران. وتأتي اللام بمعنى إلا، إذا اختلفنا مثلاً على شيء، كل واحد مِنّا يدَّعيه لنفسه، فيأتي الحكم يقول: لَزَيدُ أحقُّ به، كأنه قال: ما هذا الشيء إلا لزيد. إذن: اللام تأتي بمعنى إلا. وعلى القراءة الثانية بالتشديد (إنَّ هذان لساحران) فإنَّ حرف ناسخ ينصب المبتدأ ويرفع الخبر، تقول: إنَّ زيداً مجتهدٌ، أما في الآية بهذه القراءة: (إنّ هذان لساحران) جاء اسم إنَّ هذان بالرفع بالألف؛ لأنه مثنى، والقاعدة تقتضي أن نقول (هذين). فكيف يتم توجيه إنَّ المشددة الناسخة وبعدها الاسم مرفوع؟ قالوا: هذه لغة كنانة إحدى قبائل العرب، وكان لكل قبيلة لهجتها الخاصة ولغتها المشهورة فيقولون: جعجعة خزاعة، وطُمْطُمانيّة حِمْيَر، وتَلْتلة بَهْراء، وفحفحة هذيل.. الخ. ولما نزل القرآن نزل على جمهرة اللغة القرشية؛ لأن لغات العرب جميعها كانت تصبُّ في لغة قريش في مواسم الحج والشعر والتجارة وغيرها، فكانت لغة قريش هي السائدة بين لغات كل هذه القبائل؛ لذلك نزل بها القرآن، لكن الحق تبارك وتعالى أراد أن يكون للقبائل الأخرى نصيب، فجاءت بعض ألفاظ القرآن على لهجات العرب المختلفة للدلالة على أن القرآن ليس لقريش وحدها، ليجعل لها السيادة على العرب، وإنما جاء للجميع. ومن لهجات القبائل التي نزل بها القرآن لهجة كنانة التي تلزم المثنى الألف في كل أحواله رَفْعاً ونَصْباً وجراً. وشاهِدهم في كتب النحو قول شاعرهم: شعر : وَاهَاً لِسَلْمى ثُمَّ وَاَهَا وَاهَا يَا ليْتَ عَيْناهَا لَنَا وَافَاهَا هِيَ المُنَى لَوْ أنَّنَا نِلْناهَا ومَوْضِع الخُلْخال من قَدمَاهَا إنَّ أبَاهَا وأبَا أَبَاهَا قَدْ بلغَا في المجْدِ غَايتَاهَا تفسير : فقال: إنَّ أباها. ولم يقل: إنَّ أبيها؛ لأنه يُلزِم المثنى الألف. إذن: لم ينزل القرآن بلغة قريش على أنها لغة سيادة، وإنما لأنها تنطوي على زُبْدة فصاحات لغات الجزيرة كلها، وكانت لغة قريش تصفَّى في مواسم الشعر والأدب في عكاظ وذى المجنّة وغيرها. نعود إلى قول الحق تبارك وتعالى: {قَالُوۤاْ إِنْ هَـٰذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَن يُخْرِجَاكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا ..} [طه: 63] ويبدو أن استعداء فرعون لقومه على موسى وهارون جاء بنتيجة ونالتْ حيلته من نفوسهم؛ لذلك يُردِّدون نفس كلام المعلم الكبير فرعون، فيتهمون موسى وهارون بالسحر. وقولهم: {وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ ٱلْمُثْلَىٰ} [طه: 63] طريقتهم المثلى. أي: ما ارتضاه القوم للعيش عليه، والمذهب والطريق الذي سلكوه. والمراد بالطريقة المثلى التي ساروا عليها أنهم اتخذوا واحداً منهم إلهاً يعبدونه ويأتمرون بأمر، تلك هي الطريقة المثلى!! والمثلى: أي الفاضلة مُذكّرها أمثل.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ ٱلْمُثْلَىٰ} معناه ويَصْرِفا وِجَوهَ الناسِ إِليهما.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 608 : 15 : 9 - سفين عن اسماعيل بن أبي خالد عن أبي صالح {وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ ٱلْمُثْلَىٰ} قال، سراة الناس. [الآية 63].

همام الصنعاني

تفسير : 1822- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {بِطَرِيقَتِكُمُ ٱلْمُثْلَىٰ} [الآية: 63]، قال: يا بني إسرائيل.