٢٠ - طه
20 - Ta-Ha (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
65
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه لما تقدم ذكر الموعد وهو يوم الزينة وتقدم أيضاً قوله: { أية : ثُمَّ ٱئْتُواْ صَفّاً } تفسير : [طه: 64] صار ذلك مغنياً عن قوله فحضروا هذا الموضع وقالوا: {إِمَّا أَن تُلْقِيَ } لدلالة ما تقدم عليه وقوله: {إِمَّا أَن تُلْقِىَ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَىٰ } معناه إما أن تلقى ما معك قبلنا، وإما أن نلقى ما معنا قبلك، وهذا التخيير مع تقديمه في الذكر حسن أدب منهم وتواضع له، فلا جرم رزقهم الله تعالى الإيمان ببركته، ثم إن موسى عليه السلام قابل أدبهم بأدب فقال: {بَلْ أَلْقُواْ } أما قوله: {بَلْ أَلْقُواْ } ففيه سؤالان: السؤال الأول: كيف يجوز أن يقول موسى عليه السلام: {بَلْ أَلْقُواْ } فيأمرهم بما هو سحر وكفر لأنهم إذا قصدوا بذلك تكذيب موسى عليه السلام كان كفراً. والجواب من وجوه: أحدها: لا نسلم أن نفس الإلقاء كفر ومعصية لأنهم إذا ألقوا وكان غرضهم أن يظهر الفرق بين ذلك الإلقاء وبين معجزة الرسول عليه السلام وهو موسى كان ذلك الإلقاء إيماناً وإنما الكفر هو القصد إلى تكذيب موسى وهو عليه السلام إنما أمر بالإلقاء لا بالقصد إلى التكذيب فزال السؤال. وثانيها: ذلك الأمر كان مشروطاً والتقدير: ألقوا ما أنتم ملقون إن كنتم محقين كما في قوله تعالى: { أية : فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مّن مِّثْلِهِ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ } تفسير : [البقرة: 23] أي إن كنتم قادرين. وثالثها: أنه لما تعين ذلك طريقاً إلى كشف الشبهة صار ذلك جائزاً. وهذا كالمحق إذا علم أن في قلب واحد شبهة وأنه لو لم يطالبه بذكرها وتقريرها بأقصى ما يقدر عليه لبقيت تلك الشبهة في قلبه، ويخرج بسببها عن الدين فإن للمحق أن يطالبه بتقريرها على أقصى الوجوه ويكون غرضه من ذلك أن يجيب عنها ويزيل أثرها عن قلبه فمطالبته بذكر الشبهة لهذا الغرض تكون جائزة فكذا ههنا. ورابعها: أن لا يكون ذلك أمراً بل يكون معناه إنكم إن أردتم فعله فلا مانع منه حساً لكي ينكشف الحق. وخامسها: أن موسى عليه السلام لا شك أنه كان كارهاً لذلك ولا شك أنه نهاهم عن ذلك بقوله: { أية : وَيْلَكُمْ لاَ تَفْتَرُواْ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُم بِعَذَابٍ } تفسير : [طه: 61] وإذا كان الأمر كذلك استحال أن يكون قوله أمراً لهم بذلك لأن الجمع بين كونه ناهياً وآمراً بالفعل الواحد محال، فعلمنا أن قوله غير محمول على ظاهره وحينئذ يزول الإشكال. السؤال الثاني: لم قدمهم في الإلقاء على نفسه مع أن تقديم استماع الشبهة على استماع الحجة غير جائز فكذا تقديم إيراد الشبهة على إيراد الحجة وجب أن لا يجوز لاحتمال أنه ربما أدرك الشبهة ثم لا يتفرغ لإدراك الحجة بعده فيبقى حينئذ في الكفر والضلال وليس لأحد أن يقول إن ذلك كان بسبب أنهم لما قدموه على أنفسهم فهو عليه السلام قابل ذلك بأن قدمهم على نفسه لأن أمثال ذلك إنما يحسن فيما يرجع إلى حظ النفس، فأما ما يرجع إلى الدليل والشبهة فغير جائز. والجواب أنه عليه السلام كان قد أظهر المعجزة مرة واحدة فما كان به حاجة إلى إظهارها مرة أخرى والقوم إنما جاؤوا لمعارضته فقال عليه السلام: لو أني بدأت بإظهار المعجزة أولاً لكنت كالسبب في إقدامهم على إظهار السحر وقصد إبطال المعجزة وذلك غير جائز، ولكني أفوض الأمر إليهم حتى أنهم باختيارهم يظهرون ذلك السحر ثم أنا أظهر المعجز الذي يبطل سحرهم فيكون على هذا التقدير سبباً لإزالة الشبهة، وأما على التقدير الأول فإنه يكون سبباً لوقوع الشبهة فكان ذلك أولى. أما قوله: {فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: قال ابن عباس رضي الله عنهما: {أَلْقَوْاْ حِبَـٰلَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ } ميلاً من هذا الجانب وميلاً من هذا الجانب فخيل إلى موسى عليه السلام أن الأرض كلها حيات وأنها تسعى فخاف فلما قيل له: {أَلْقِ مَا فِى يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُواْ } ألقى موسى عصاه فإذا هي أعظم من حياتهم ثم أخذت تزداد عظماً حتى ملأت الوادي ثم صعدت وعلت حتى علقت ذنبها بطرف القبة ثم هبطت فأكلت كل ما عملوا في الميلين والناس ينظرون إليها لا يحسبون إلا أنه سحر ثم أقبلت نحو فرعون لتبتلعه فاتحة فاها ثمانين ذراعاً فصاح بموسى عليه السلام فأخذها فإذا هي عصى كما كانت ونظرت السحرة فإذا هي لم تدع من حبالهم وعصيهم شيئاً إلا أكلته فعرفت السحرة أنه ليس بسحر وقالوا أين حبالنا وعصينا لو لم تكن سحراً لبقيت فخروا سجداً وقالوا: { أية : آمنا بِرَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ * رَبّ مُوسَىٰ وَهَـٰرُونَ } تفسير : [الأعراف: 121، 122]. المسألة الثانية: اختلفوا في عدد السحرة قال القاسم بن سلام: كانوا سبعين ألفاً مع كل واحد عصا وحبل. وقال السدي: كانوا بضعة وثلاثين ألفاً مع كل واحد عصا وحبل، وقال وهب: كانوا خمسة عشر ألفاً، وقال ابن جريج وعكرمة كانوا تسعمائة: ثلثمائة من الفرس وثلثمائة من الروم وثلثمائة من الاسكندرية. وقال الكلبي: كانوا اثنين وسبعين ساحراً اثنان منهم من القبط وسبعون من بني إسرائيل أكرههم فرعون على ذلك، واعلم أن الاختلاف والتفاوت واقع في عدد كثير وظاهر القرآن لا يدل على شيء منه والأقوال إذا تعارضت تساقطت. المسألة الثالثة: قال صاحب «الكشاف»: يقال في إذا هذه إذا المفاجأة والتحقيق فيها أنها إذا الكائنة بمعنى الوقت الطالبة ناصباً لها وجملة تضاف إليها خصت في بعض المواضع بأن تكون ناصباً فعلاً مخصوصاً وهو فعل المفاجأة والجملة ابتدائية لا غير فتقدير قوله تعالى: {فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ } ففاجأ موسى وقت تخيل سعي حبالهم وعصيهم وهذا تمثيل، والمعنى على مفاجأته حبالهم وعصيهم مخيلة إليه السعي اهـ. المسألة الرابعة: قرىء عصيهم بالضم وهو الأصل والكسر إتباع نحو دلي ودلي وقسي وقسي وقرىء تخيل بالتاء المنقوطة من فوق بإسناد الفعل إلى الحبال والعصي وقرىء بالضم بالياء المنقطة من تحت بإسناد الفعل إلى الكيد والسحر وقال الفراء أي يخيل إليه سعيها. المسألة الخامسة: الهاء في قوله: {يُخَيَّلُ إِلَيْهِ } كناية عن موسى عليه السلام والمراد أنهم بلغوا في سحرهم المبلغ الذي صار يخيل إلى موسى عليه السلام أنها تسعى كسعي ما يكون حياً من الحيات لا أنها كانت حية في الحقيقة ويقال إنهم حشوها بما إذا وقعت الشمس عليه يضطرب ويتحرك. ولما كثرت واتصل بعضها ببعض فمن رآها كان يظن أنها تسعى، فأما ما روي عن وهب أنهم سحروا أعين الناس وعين موسى عليه السلام حتى تخيل ذلك مستدلاً بقوله تعالى: { أية : فَلَمَّا أَلْقُوْاْ سَحَرُواْ أَعْيُنَ ٱلنَّاسِ } تفسير : [الأعراف: 116] وبقوله تعالى: {يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ } فهذا غير جائز لأن ذلك الوقت وقت إظهار المعجزة والأدلة وإزالة الشبهة فلو صار بحيث لا يميز الموجود عن الخيال الفاسد لم يتمكن من إظهار المعجزة فحينئذ يفسد المقصود، فإذن المراد أنه شاهد شيئاً لولا علمه بأنه لا حقيقة لذلك الشيء لظن فيها أنها تسعى، أما قوله تعالى: {فَأَوْجَسَ فِى نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَىٰ } فالإيجاس استشعار الخوف أي وجد في نفسه خوفاً، فإن قيل: إنه لا مزيد في إزالة الخوف على ما فعله الله تعالى في حق موسى عليه السلام فإنه كلمه أولاً وعرض عليه المعجزات الباهرة كالعصا واليد، ثم إنه تعالى صيرها كما كانت بعد أن كانت كأعظم ثعبان، ثم إنه أعطاه الاقتراحات الثمانية وذكر ما أعطاه قبل ذلك من المنن الثمانية ثم قال له بعد ذلك كله: { أية : إِنَّنِى مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَىٰ } تفسير : [طه: 46] فمع هذه المقدمات الكثيرة كيف وقع الخوف في قلبه والجواب عنه من وجوه. أحدها: أن ذلك الخوف إنما كان لما طبع الآدمي عليه من ضعف القلب وإن كان قد علم موسى عليه السلام أنهم لا يصلون إليه وأن الله ناصره وهذا قول الحسن. وثانيها: أنه خاف أن تدخل على الناس شبهة فيما يرونه فيظنوا أنهم قد ساووا موسى عليه السلام ويشتبه ذلك عليهم وهذا التأويل متأكد بقوله: {لاَ تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلأَعْلَىٰ } وهذا قول مقاتل. وثالثها: أنه خاف حيث بدأوا وتأخر إلقاؤه أن ينصرف بعض القوم قبل مشاهدة ما يلقيه فيدوموا على اعتقاد الباطل. ورابعها: لعله عليه السلام كان مأموراً بأن لا يفعل شيئاً إلا بالوحي فلما تأخر نزول الوحي عليه في ذلك الوقت خاف أن لا ينزل الوحي في ذلك الوقت فيبقى في الخجالة. وخامسها: لعله عليه السلام خاف من أنه لو أبطل سحر أولئك الحاضرين فلعل فرعون قد أعد أقواماً آخرين فيأتيه بهم فيحتاج مرة أخرى إلى إبطال سحرهم وهكذا من غير أن يظهر له مقطع وحينئذ لا يتم الأمر ولا يحصل المقصود، ثم إنه تعالى أزال ذلك الخوف بالإجمال أولاً وبالتفصيل ثانياً، أما الإجمال فقوله تعالى: {قُلْنَا لاَ تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلأَعْلَىٰ } ودلالته على أن خوفه كان لأمر يرجع إلى أن أمره لا يظهر للقوم فآمنه الله تعالى بقوله: {إِنَّكَ أَنتَ ٱلأَعْلَىٰ } وفيه أنواع من المبالغة. أحدها: ذكر كلمة التأكيد وهي إن. وثانيها: تكرير الضمير. وثالثها: لام التعريف. ورابعها: لفظ العلو وهو الغلبة الظاهرة وأما التفصيل فقوله: {وَأَلْقِ مَا فِى يَمِينِكَ } وفيه سؤال، وهو أنه لمَ لم يقل وألق عصاك. والجواب: جاز أن يكون تصغيراً لها أي لا تبال بكثرة حبالهم وعصيهم وألق العويد الفرد الصغير الجرم الذي بيمينك فإنه بقدرة الله تعالى يتلقفها على وحدته وكثرتها وصغره وعظمها وجائز أن يكون تعظيماً لها أي لا تحتفل بهذه الأجرام الكثيرة فإن في يمينك شيئاً أعظم منها كلها وهذه على كثرتها أقل شيء عندها فألقه يتلقفها بإذن الله تعالى ويمحقها، أما قوله: {تَلْقَفْ } أي فإنك إذا ألقيتها فإنها تلقف ما صنعوا قراءة العامة تلقف بالجزم والتشديد أي فألقها تتلقفها وقرأ ابن عامر تلقف بالتشديد وضم الفاء على معنى الحال أي ألقها متلقفة أو بالرفع على الاستئناف، وروى حفص عن عاصم بسكون اللام مع التخفيف أي تأخذ بفيها ابتلاعاً بسرعة واللقف والتلقف جميعاً يرجعان إلى هذا المعنى، وصنعوا ههنا بمعنى اختلقوا وزوروا والعرب تقول في الكذب: هو كلام مصنوع وموضوع وصحة قوله: {تَلْقَفْ } أنه إذا ألقى ذلك وصارت حية تلقفت ما صنعوا وفي قوله: { أية : فَأُلْقِيَ ٱلسَّحَرَةُ سُجَّداً } تفسير : [طه: 70] دلالة على أنه ألقى العصا وصارت حية وتلقفت ما صنعوه وفي التلقف دلالة على أن جميع ما ألقوه تلقفته وذلك لا يكون إلا مع عظم جسدها وشدة قوتها. وقد حكى عن السحرة أنهم عند التلقف أيقنوا بأن ما جاء به موسى عليه السلام ليس من مقدور البشر من وجوه: أحدها: ظهور حركة العصا على وجه لا يكون مثله بالحيلة. وثانيها: زيادة عظمه على وجه لا يتم ذلك بالحيلة. وثالثها: ظهور الأعضاء عليه من العين والمنخرين والفم وغيرها ولا يتم ذلك بالحيلة. ورابعها: تلقف جميع ما ألقوه على كثرته وذلك لا يتم بالحيلة. وخامسها: عوده خشبة صغيرة كما كانت وشيء من ذلك لا يتم بالحيلة ثم بين سبحانه وتعالى أن ما صنعوا كيد ساحر والمعنى أن الذي معك يا موسى معجزة إلهية والذي معهم تمويهات باطلة فكيف يحصل التعارض. وقرىء كيد ساحر بالرفع والنصب فمن رفع فعلى أن ما موصولة ومن نصب فعلى أنها كافة وقرىء كيد سحر بمعنى ذي سحر أو ذوي سحر أو هم لتوغلهم في سحرهم كأنهم السحر بعينه وبذاته أو بين الكيد لأنه يكون سحراً وغير سحر، كما يبين المائة بدرهم ونحوه علم فقه وعلم نحو، بقي سؤالات: السؤال الأول: لم وحد الساحر، ولم يجمع. الجواب: لأن القصد في هذا الكلام إلى معنى الجنسية لا إلى معنى العدد فلو جمع تخيل أن المقصود هو العدد ألا ترى إلى قوله: {وَلاَ يُفْلِحُ ٱلسَّـٰحِرُ حَيْثُ أَتَىٰ } أي هذا الجنس. السؤال الثاني: لم نكر أولاً ثم عرف ثانياً. الجواب: كأنه قال: هذا الذي أتوا به قسم واحد من أقسام السحر وجميع أقسام السحر لا فائدة فيه ولا شك أن هذا الكلام على هذا الوجه أبلغ. السؤال الثالث: قوله: {وَلاَ يُفْلِحُ ٱلسَّـٰحِرُ حَيْثُ أَتَىٰ } يدل على أن الساحر لا يحصل له مقصوده بالسحر خيراً كان أو شراً وذلك يقتضي نفي السحر بالكلية. الجواب: الكلام في السحر وحقيقته قد تقدم في سورة البقرة فلا وجه للإعادة، والله أعلم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {قَالُواْ يٰمُوسَىٰ} يريد السحرة. {إِمَّآ أَن تُلْقِيَ} عصاك من يدك {وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَىٰ } تأدبوا مع موسى فكان ذلك سبب إيمانهم. {قَالَ بَلْ أَلْقُواْ فَإِذَا حِبَالُهُمْ} في الكلام حذف، أي فألقوا؛ دل عليه المعنى. وقرأ الحسن «وَعُصِيُّهُمْ» بضم العين. قال هارون القارىء: لغة بني تميم «وعُصِيُّهُمْ» وبها يأخذ الحسن. الباقون بالكسر اتباعاً لكسرة الصاد. ونحوه دُلِيّ ودِلِيّ وقُسي وقِسي. {يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ}. وقرأ ابن عباس وأبو حيوة وابن ذكوان وروح عن يعقوب «تُخَيَّلُ» بالتاء؛ وردّوه إلى العصيّ والحبال إذ هي مؤنثة. وذلك أنهم لطخوا العصيّ بالزئبق، فلما أصابها حرّ الشمس ارتهشت واهتزّت. قال الكلبي: خُيّل إلى موسى أن الأرض حيّات وأنها تسعى على بطنها. وقرىء «تَخَيِّلُ» بمعنى تتخيل وطريقه طريق «تُخَيَّلُ» ومن قرأ «يُخَيَّلُ» بالياء رده إلى الكيد. وقرىء «نُخَيِّل» بالنون على أن الله هو المخيِّل للمحنة والابتلاء. وقيل: الفاعل «أَنَّهَا تَسْعَى» فـ«ـأنّ» في موضع رفع؛ أي يخيّل إليه سعيها؛ قاله الزجاج. وزعم الفراء أن موضعها موضع نصب؛ أي بأنها ثم حذف الباء. والمعنى في الوجه الأوّل: تشبّه إليه من سحرهم وكيدهم حتى ظن أنها تسعى. وقال الزجاج: ومن قرأ بالتاء جعل «أنّ» في موضع نصب أي تَخيّل إليه ذاتَ سعي. قال: ويجوز أن تكون في موضع رفع بدلاً من الضمير في «تخيّل» وهو عائد على الحبال والعصيّ، والبدل فيه بدل اشتمال. و«تسعى» معناه تمشي. قوله تعالى: {فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَىٰ} أي أضمر. وقيل: وجد. وقيل: أحسّ. أي من الحيات وذلك على ما يعرض من طباع البشر على ما تقدم. وقيل: خاف أن يفتتن الناس قبل أن يلقي عصاه. وقيل: خاف حين أبطأ عليه الوحي بإلقاء العصا أن يفترق الناس قبل ذلك فيفتتنوا. وقال بعض أهل الحقائق: إنما كان السبب أن موسى عليه السلام لما التقى بالسحرة وقال لهم: {أية : وَيْلَكُمْ لاَ تَفْتَرُواْ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُم بِعَذَابٍ} تفسير : [طه: 61] التفت فإذا جبريل على يمينه فقال له يا موسى تَرفَّق بأولياء الله. فقال موسى: يا جبريل هؤلاء سحرة جاؤوا بسحر عظيم ليبطلوا المعجزة، وينصروا دين فرعون، ويردّوا دين الله، تقول: تَرفَّق بأولياء الله! فقال جبريل: هم من الساعة إلى صلاة العصر عندك، وبعد صلاة العصر في الجنة. فلما قال له ذلك، أُوجس في نفس موسى، وخَطَر أن ما يُدريني ما عِلْم الله فيّ، فلعلّي أكون الآن في حالة، وعِلْم الله فيّ على خلافها كما كان هؤلاء. فلمّا علم الله ما في قلبه أوحى الله إليه {لاَ تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلأَعْلَىٰ} أي الغالب لهم في الدنيا، وفي الدرجات العلا في الجنة؛ للنبوّة والاصطفاء الذي آتاك الله به. وأصل «خِيفة» خِوْفة فَانقلبت الواو ياء لانكسار الخاء. قوله تعالى: {وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوۤاْ} ولم يقل وألق عصاك، فجائز أن تكون تصغيراً لها؛ أي لا تبال بكثرة حبالهم وعصيّهم، وألق العُوَيد الفَرْد الصغير الجِرْم الذي في يمينك، فإنه بقدرة الله يتلقّفها على وحدته وكثرتها، وصغره وعظمها. وجائز أن يكون تعظيماً لها أي لا تحفل بهذه الأجرام الكثيرة الكبيرة فإن في يمينك شيئاً أعظم منها كلها، وهذه على كثرتها أقل شيء وأنزره عندها؛ فألقه يتلقّفها بإذن الله ويمحقها. و«تَلَقَّفْ» بالجزم جواب الأمر؛ كأنه قال: إن تلقه تتلقّف؛ أي تأخذ وتبتلع. وقرأ السُّلَميّ وحفص «تَلْقَفْ» ساكنة اللام من لَقِف يَلْقَف لَقْفَا. وقرأ ابن ذكوان وأبو حيوة الشامي ويحيـى بن الحرث «تَلْقَفُ» بحذف التاء ورفع الفاء، على معنى فإنها تتلقف. والخطاب لموسى. وقيل: للعصا. واللقْف الأخذ بسرعة. يقال: لَقفتُ الشيء (بالكسر) ألقَفه لَقْفَا، وتلقّفته أيضاً أي تناولته بسرعة. عن يعقوب: يقال رجل لَقِف ثَقِف أي خفيف حاذق. واللَّقَف (بالتحريك) سقوط الحائط. ولقد لقِف الحوضُ لَقَفا أي تَهوّر من أسفله واتسع. وتَلْقف وتَلقَم وتَلهَم بمعنى. وقد مضى في «الأعراف». لقِمت اللُّقمة (بالكسر) لَقْما، وتَلقّمتها إذا ابتلعتها في مهلة. وكذلك لَهِمه (بالكسر) إذا ابتلعه. {مَا صَنَعُوۤاْ} أي الذي صنعوه وكذا {إِنَّمَا صَنَعُواْ} أي إن الذي صنعوه. {كَيْدُ} بالرفع «سِحْرٍ» بكسر السين وإسكان الحاء؛ وهي قراءة الكوفيين إلا عاصماً. وفيه وجهان: أحدهما: أن يكون الكيد مضافاً إلى السحر على الإتباع من غير تقدير حذف. والثاني: أن يكون في الكلام حذف أي كيد ذي سحر. وقرأ الباقون «كَيْدَ» بالنصب بوقوع الصنع عليه، و«ما» كافة ولا تضمر هاءً «ساحِرٍ» بالإضافة. والكيد في الحقيقة على هذه القراءة مضاف للساحر لا للسحر. ويجوز فتح «أنّ» على معنى لأن ما صنعوا كيد ساحر. {وَلاَ يُفْلِحُ ٱلسَّاحِرُ حَيْثُ أَتَىٰ} أي لا يفوز ولا ينجو حيث أتى من الأرض. وقيل: حيث احتال. وقد مضى في «البقرة» حكم الساحر ومعنى السحر فتأمله هناك. قوله تعالى: {فَأُلْقِيَ ٱلسَّحَرَةُ سُجَّداً} لما رأوا من عظيم الأمر وخرق العادة في العصا؛ فإنها ابتلعت جميع ما احتالوا به من الحبال والعصيّ؛ وكانت حمل ثلاثمائة بعير ثم عادت عصاً لا يعلم أحد أين ذهبت الحبال والعصيّ إلا الله تعالى. وقد مضى في «الأعراف» هذا المعنى وأمر العصا مستوفى. {قَالُوۤاْ آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَىٰ. قَالَ آمَنتُمْ لَهُ} أي به؛ يقال: آمن له وآمن به؛ ومنه {أية : فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ} تفسير : [العنكبوت: 26] وفي الأعراف {قَالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ ءَاذَنَ لَكُمْ}. إنكار منه عليهم؛ أي تعديتم وفعلتم ما لم آمركم به. {إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ ٱلَّذِي عَلَّمَكُمُ ٱلسِّحْرَ}. أي رئيسكم في التعليم، وإنما غلبكم لأنه أحذق به منكم. وإنما أراد فرعون بقوله هذا ليشبه على الناس حتى لا يتبعوهم فيؤمنوا كإيمانهم، وإلا فقد علم فرعون أنهم لم يتعلموا من موسى، بل قد علموا السحر قبل قدوم موسى وولادته. {فَلأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِّنْ خِلاَفٍ وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ ٱلنَّخْلِ} أي على جذوع النخل. قال سويد بن أبي كاهل:شعر : هُم صَلَبُوا العبديّ في جذع نخلةٍ فلا عَطَستْ شيبانُ إلا بأَجْدَعَا تفسير : فقطّع وصلّب حتى ماتوا رحمهم الله تعالى. وقرأ ابن محيصن هنا وفي الأعراف «فَلأَقْطَعَنَّ»، و«لأَصْلِبَنَّكُمْ» بفتح الألف والتخفيف من قَطَع وصَلَب. {وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَآ أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَىٰ} يعني أنا أم ربُّ موسى.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى مخبراً عن السحرة حين توافقوا هم وموسى عليه السلام، أنهم قالوا لموسى: {إِمَّآ أَن تُلْقِىَ} أي: أنت أولاً {؛ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَىٰ قَالَ بَلْ أَلْقُواْ} أي: أنتم أولاً؛ لنرى ماذا تصنعون من السحر، وليظهر للناس جلية أمرهم {فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ} وفي الآية الأخرى أنهم لما ألقوا، {أية : وَقَالُواْ بِعِزَّةِ فِرْعَونَ إِنَّا لَنَحْنُ ٱلْغَـٰلِبُونَ} تفسير : [الشعراء: 44] وقال تعالى: {أية : سَحَرُوۤاْ أَعْيُنَ ٱلنَّاسِ وَٱسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَآءُو بِسِحْرٍ عَظِيمٍ} تفسير : [الأعراف: 116] وقال ههنا: {فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ} وذلك أنهم أودعوها من الزئبق ما كانت تتحرك بسببه وتضطرب وتميد، بحيث يخيل للناظر أنها تسعى باختيارها، وإنما كان حيلة، وكانوا جماً غفيراً وجمعاً كثيراً، فألقى كل منهم عصاً وحبلاً حتى صار الوادي ملآن حيات يركب بعضها بعضاً. وقوله: {فَأَوْجَسَ فِى نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَىٰ} أي: خاف على الناس أن يفتنوا بسحرهم، ويغتروا بهم قبل أن يلقي ما في يمينه، فأوحى الله تعالى إليه في الساعة الراهنة أن ألقِ ما في يمينك، يعني: عصاك، فإذا هي تلقف ما صنعوا، وذلك أنها صارت تنيناً عظيماً هائلاً ذا قوائم وعنق ورأس وأضراس، فجعلت تتبع تلك الحبال والعصي، حتى لم تبق منها شيئاً إلا تلقفته وابتلعته، والسحرة والناس ينظرون إلى ذلك عياناً جهرة نهاراً ضحوة، فقامت المعجزة واتضح البرهان، ووقع الحق وبطل السحر، ولهذا قال تعالى: {إِنَّمَا صَنَعُواْ كَيْدُ سَاحِرٍ وَلاَ يُفْلِحُ ٱلسَّـٰحِرُ حَيْثُ أَتَىٰ} وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن موسى الشيباني، حدثنا حماد بن خالد، حدثنا ابن معاذ، أحسبه الصائغ، عن الحسن عن جندب بن عبد الله البجلي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : إذا أخذتم، يعني: الساحر فاقتلوه، ثم قرأ: {وَلاَ يُفْلِحُ ٱلسَّـٰحِرُ حَيْثُ أَتَىٰ} قال: لا يؤمن به حيث وجد» تفسير : وقد روى أصله الترمذي موقوفاً ومرفوعاً. فلما عاين السحرة ذلك وشاهدوه، ولهم خبرة بفنون السحر وطرقه ووجوهه، علموا علم اليقين أن هذا الذي فعله موسى ليس من قبيل السحر والحيل، وأنه حق لا مرية فيه، ولا يقدر على هذا إلا الذي يقول للشيء: كن فيكون، فعند ذلك وقعوا سجداً لله، وقالوا: آمنا برب العالمين، رب موسى وهارون، ولهذا قال ابن عباس وعبيد بن عمير: كانوا أول النهار سحرة، وفي آخر النهار شهداء بررة. وقال محمد بن كعب: كانوا ثمانين ألفاً، وقال القاسم بن أبي بزة: كانوا سبعين ألفاً، وقال السدي: بضعة وثلاثين ألفاً، وقال الثوري عن عبد العزيز بن رفيع عن أبي ثمامة: كان سحرة فرعون تسعة عشر ألفاً، وقال محمد بن إسحاق: كانوا خمسة عشر ألفاً، وقال كعب الأحبار: كانوا اثني عشر ألفاً. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا محمد بن علي بن حمزة، حدثنا علي بن الحسين بن واقد عن أبيه عن يزيد النحوي عن عكرمة عن ابن عباس قال: كانت السحرة سبعين رجلاً، أصبحوا سحرة، وأمسوا شهداء. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا المسيب بن واضح بمكة، حدثنا ابن المبارك قال: قال الأوزاعي: لما خر السحرة سجداً، رفعت لهم الجنة حتى نظروا إليها، قال: وذكر عن سعيد بن سلام، حدثنا إسماعيل بن عبد الله بن سليمان عن سالم الأفطس عن سعيد بن جبير قوله: {فَأُلْقِىَ ٱلسَّحَرَةُ سُجَّداً} قال: رأوا منازلهم تبنى لهم وهم في سجودهم، وكذا قال عكرمة والقاسم بن أبي بزة.
المحلي و السيوطي
تفسير : {قَالُواْ يَٰمُوسَىٰ } اختر {إِمَّآ أَن تُلْقِىَ } عصاك أي أوّلاً {وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَىٰ } عصاه.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {قَالَ بَلْ أَلْقُواْ...} الآية. في أمر موسى للسحرة بالإِلقاء- وإن كان ذلك كفراً لا يجوز أن يأمر به - وجهان: أحدهما: إن اللفظ على صفة الأمر، ومعناه معنى الخبر، وتقديره: إن كان إلقاؤكم عندكم حجة فألقواْ. الثاني: إن ذلك منه على وجه الاعتبار ليظهر لهم صحة نبوته ووضوح محبته، وأن ما أبطل السحر لم يكن سحراً. وختلفوا في عدد السحرة فحكي عن القاسم بن أبي بزة أنهم كانواْ سبعين ألف ساحر، وحكي عن ابن جريج أنهم كانواْ تسعمائة ساحر، ثلاثمائة من العريش، وثلاثمائة من الفيوم، ويشكون في الثلاثمائة من الإسكندرية، وحكى أبو صالح عن ابن عباس أنهم كانواْ اثنين وسبعين ساحراً، منهم اثنان من القبط وسبعون من بني إسرائيل، كانواْ في أول النهار سحرة وفي آخرة شهداء. {يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى} يحتمل وجهين: أحدهما: أنه يخيل ذلك لفرعون. الثاني: لموسى كذلك. {فَأَوْجسَ فِي نَفْسِهِ خِيِفَةً مُّوسَى} وفي خوف وجهان: أحدهما: أنه خاف أن يلتبس على الناس أمرهم فيتوهمواْ أنهم فعلواْ مثل فعله وأنه من جنسه. الثاني: لما هو مركوز في الطباع من الحذر. وأوجس: بمعنى أسر. {قُلْنَا لاَ تَخَفْ...} الآية. تثبيتاً لنفسه، وإزالة لخوفه. قوله تعالى: {وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُواْ} أي تأخذه بفيها ابتلاعاً بسرعة، فقيل إنها ابتلعت حمل ثلاثمائة بعير من الحبال والعصي، ثم أخذها موسى ورجعت عصا كما كانت. وفيها قولان: أحدهما: أنها كانت من عوسج، قاله وهب. الثاني: من الجنة، قاله ابن عباس، قال: وبها قتل موسى عوج بن عناق. {فَأَلْقِيَ السَّحْرةُ سُجَّداً} طاعة لله وتصديقاً لموسى. {قَالُواْ ءَامَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى} أي بالرب الذي دعا إليه هارون وموسى، لأنه رب لنا ولجميع الخلق، فقيل إنهم، ما رفعوا رؤوسهم حتى رأواْ الجنة وثواب أهلها، فعند ذلك.
ابن عطية
تفسير : خير السحرة موسى عليه السلام في أن يبتدئ بالإلقاء أو يتأخر بعدهم، وروي أنهم كانوا سبعين ألف ساحر، وروي أنهم كانوا ثلاثين ألف ساحر، وروي أنهم كانوا خمسة عشر ألف، وروي أنهم كانوا تسعمائة، ثلاثمائة من الفيوم وثلاثمائة من الفرما وثلاثمائة من الإسكندرية وكان مع كل رجل منهم حبل وعصى قد استعمل فيها السحر، وقوله {فإذا} هي للمفاجأة كما تقول خرجت فإذا زيد، وهي التي تليها الأسماء، وقرأت فرقة "عِصيهم" بكسر العين، وقرأت فرقة "عُصيهم" بضمها، وقرأت فرقة "يُخيل" على بناء الفعل للمفعول فقوله {أنها} في موضع رفع على ما لم يسم فاعله، وقرأ الحسن والثقفي "تُخِيل" بضم التاء المنقوطة وكسر الياء وإسناد الفعل إلى الحبال والعصي، فقوله {أنها} مفعول من أجله والظاهر من الآيات والقصص في كتب المفسرين أن الحبال والعصي كانت تنتقل بحيل السحر وبدس الأجسام الثقيلة المياعة فيها وكان تحركها يشبه تحرك الذي له إرادة كالحيوان، وهو السعي فإنه لا يوصف بالسعي إلا من يمشي من الحيوان، وذهب قوم إلى أنها ما لم تكن تتحرك لكنهم سحروا أعين الناس وكان الناظر يخيل إليه أنها تتحرك وتنتقل ع وهذا يحتمل والله أعلم أي ذلك كان، وقوله تعالى: {فأوجس} عبارة عما يعتري نفس الإنسان إذا وقع ظنه في أمر على شيء يسوءه، وظاهر الأمر كله الصلاح، فهذا العمل من أفعال النفس يسمى الوجيس وعبر المفسرون عن أوجس بأضمر وهذه العبارة أعم من الوجيس بكثير. و {خفية} يصح أن يكون أصلها خوفة قبلت الواو ياء للتناسب، وخوف موسى عليه السلام إنما كان على الناس أن يضلوا لهول ما رأى والأول أصوب أنه أوجس على الجملة وبقي ينتظر الفرج، وقوله {أنت الأعلى} أي الغالب لمن ناوأك في هذا المقام، وقرأ جمهور القراء "تلقّفْ" بالجزم على جواب الأمر وبشد القاف، وقرأ ابن عامر وحده "تلقف" وهو في موضع الحال ويصح أن يكون من الملقى على اتساع ويصح أن يكون من المقلى وهي العصا وهذه حال، وإن كانت لم تقع بعد كقوله تعالى: {أية : هدياً بالغ الكعبة} تفسير : [المائدة: 95] وهذا كثير. وقرأ حفص عن عاصم "تلْقف" بسكون اللام وتخفيف القاف وأنث الفعل وهو مسند الى ما في اليمين من حيث كانت العصا مرادة بذلك، وروى البزي عن ابن كثير أنه كان يشدد التاء من "تلقف" كأنه أراد تتلقف فأدغم، وأنكر أبو علي هذه القراءة ع ويشبه أن قارئها إنما يلتزمها في الوصل حيث يستغنى عن جلب ألف، وقرأ الجمهور "كيدُ ساحر" برفع الكيد، وقرأ حمزة والكسائي "كيد السحر"، وقرأت فرقة "كيدَ" بالنصب "سحر" وهذا على أن "ما" كافة و"كيدَ" منصوب بـ {صنعوا}، ورفع "كيدُ" على أن "ما" بمعنى الذي. و{يفلح} معناه يبقى ويظفر ببغيته، وقالت فرقة معناه أن الساحر يقتل حيث ثقف ع وهذا جزاء من عدم الفلاح، وقرأت فرقة "أين أتى" والمعنى بهما متقارب، وروي من قصص هذه الآية أن فرعون، لعنه الله، جلس في علية له طولها ثمانون ذراعاً والناس تحته في بسيط وجاء سبعون ألف ساحر فألقوا من حبالهم وعصيهم ما فيه وقر ثلاثمائة بعير فهال الأمر. ثم إن موسى عليه السلام ألقى عصاه من يده فاستحالت ثعباناً وجعلت تنمو حتى روي أنها عبرت النهر بذنبها، وقيل البحر، وفرعون في هذا يضحك ويرى أن الاستواء حاصل، ثم أقبلت تأكل الحبال والعصي حتى أفنتها ففرت نحو فرعون ففزع عند ذلك وقال يا موسى فمد موسى يده إليها فرجعت عصى كما كانت فنظر السحرة وعلموا الحق ورأوا الحبال والعصي فآمنوا رضي الله عنهم.
الخازن
تفسير : {قالوا} يعني السحرة {يا موسى إما أن تلقي} أي عصاك {وإما أن نكون أول من ألقى} أي عصينا {قال} يعني موسى {بل ألقوا} يعني أنتم أولاً {فإذا حبالهم} فيه إضمار أي فألقوا فإذا حبالهم {وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى} قيل إنهم لما ألقوا الحبال والعصي أخذوا أعين الناس، فرأى موسى كأن الأرض امتلأت حيات وكانت قد أخذت ميلاً في ميل من كل جانب ورآها كأنها تسعى {فأوجس} أي أضمر وقيل وجد {في نفسه خيفة موسى} قيل هو طبع البشرية وذلك أنه ظن أنها تقصده، وقيل خاف على القوم أن يلتبس عليهم الأمر فيشكوا في أمره فلا يتبعوه {قلنا لا تخف} أي قال الله تعالى لموسى لا تخف {إنك أنت الأعلى} أي الغالب عليهم ولك الغلبة عليهم والظفر {وألق ما في يمينك} أي عصاك والمعنى لا يخيفنك كثرة حبالهم وعصيهم فإن في يمينك شيئاً أعظم منها كلها {تلقف} أي تلقم وتبتلع {ما صنعوا إنما صنعوا كيد ساحر} أي حيلة ساحر {ولا يفلح الساحر حيث أتى} أي من الأرض. وقال ابن عباس لا يسعد حيث كان {فألقي السحرة سجداً قالوا آمنا برب هارون وموسى} قال صاحب الكشاف سبحان الله ما أعجب أمرهم قد ألقوا حبالهم وعصيهم للكفر والجحود، ثم ألقوا رؤوسهم بعد ساعة للشكر والسجود فما أعظم الفرق بين الإلقائين. وقيل إنهم لم يرفعوا رؤوسهم حتى رأوا الجنة والنار وقيل إنهم لما سجدوا أراهم الله تعالى في سجودهم منازلهم التي يصيرون إليها في الجنة {قال} يعني فرعون {آمنتم له قبل أن آذن لكم إنه لكبيركم} أي لرئيسكم وعظيمكم يعني أنه أسحركم وأعلاكم في صناعة السحر ومعلمكم {الذي علمكم السحر فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف} يعني أقطع اليد اليمنى والرجل اليسرى {ولأصلبنكم في جذوع النخل} يعني على جذوع النخل {ولتعلمن أينا أشد عذاباً} يعني على إيمانكم به أنا أو رب موسى على ترك الإيمان به {وأبقى} يعني أدوم {قالوا} يعني السحرة {لن نؤثرك} يعني لن نختارك {على ما جاءنا من البينات} يعني الدلالات الواضحات، قيل هي اليد البيضاء والعصا وقيل كان استدلالهم أنهم قالوا لو كان هذا سحر فأين حبالنا وعصينا. وقيل إنهم لما سجدوا رأوا الجنة والنار ورأوا منازلهم في الجنة فعند ذلك قالوا لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات {والذي فطرنا} قيل هو قسم، وقيل معناه لن نؤثرك على الله الذي فطرنا {فاقض ما أنت قاض} يعني فاصنع ما أنت صانع {إنما تقضي هذه الحياة الدنيا} يعني إنما أمرك وسلطانك في الدنيا سيزول عن قريب {إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر} فإن قلت كيف قالوا هذا وقد جاؤوا مختارين غير مكرهين. قلت كان فرعون أكرههم في الابتداء على تعلمهم السحر لكي لا يذهب أصله. وقيل كانت السحرة اثنين وسبعون اثنان من القبط وسبعون من بني إسرائيل، وكان فرعون أكره الذين هم من بني إسرائيل على تعلم السحر. وقيل قال السحرة لفرعون أرنا موسى إذا هو نام فأراهم موسى نائماً وعصاه تحرسه فقالوا لفرعون هذا ليس بساحر إن الساحر إذا نام بطل سحره. فأبى عليهم فأكرههم على أن يعملوا فذلك قولهم وما أكرهتنا عليه من السحر {والله خير وأبقى} يعني خير منك ثواباً وأبقى عقاباً وقيل خير منك إن أطيع وأبقى عذاباً إن عصي وهذا جواب لقوله {ولتعلمن أينا أشد عذاباً وأبقى} {إنه من يأت ربه مجرماً} قيل هذا ابتداء كلام من الله تعالى وقيل هو من تمام قول السحرة معناه من مات على الشرك {فإن له جهنم لا يموت فيها} فيستريح {ولا يحيى} حياة ينتفع بها {من يأته مؤمناً} يعني من مات على الإيمان {قد عمل الصالحات فأولئك لهم الدرجات العلى} يعني الرفيعة العلية.
ابن عادل
تفسير : قوله: {قَالُواْ يَا مُوسَىٰ إِمَّا أَن تُلْقِيَ} الآية: وهنا حذف والتقدير: فحضروا الموضع قالوا السحرة يا موسى. قوله: {إِمَّا أَن تُلْقِيَ} فيه أوجه: أحدها أنه منصوب بإضمار فعل تقديره: اختر أحد الأمرين. كذا قدره الزمخشري. قال أبو حيان: هذا تفسير معنى لا تفسير إعراب، وتفسير الإعراب إما أن تختار الإلقاء. والثاني: أنه مرفوع على خبر ميتدأ محذوف تقديره: الأمر إما إلقاؤك أو إلقاؤنا. كذا قدره الزمخشري. الثالث: أن يكون مبتدأ وخبره محذوف، تقديره: إلقاؤك أول، ويدل عليه قوله: {وَإِمَّا أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى}، واختار أبو حيان، وقال: فتحسن المقابلة من حيث المعنى، وإن لم تحسن المقابلة من حيث التركيب اللفظي. قال: وفي تقدير الزمخشري الأمر إلقاؤك فيه. وتقدم نظير هذا في الأعراف. فصل معنى الكلام: إما أن تلقي ما معك قَبْلنا (وإما أنْ نلقي ما معنا قبلك) وهذا التخيير مع تقديمه في الذكر حسن أدب منهم وتواضع، فلا جرم رزقهم الله الإيمان ببركته، ثم إن موسى - عليه السلام - قابل أدبهم بأدب فقال: "بَلْ أَلْقُوا". فإن قيل: كيف يجوز أن يقول موسى "بَلْ أَلْقُوا" فيأمرهم بما هو سحر وكفر لأنهم إذا قصدوا بذلك تكذيب موسى - عليه السلام - كان كفراً؟ فالجواب من وجوه: الأول: لا نسلم أن نفس الإلقاء كفر، لأنهم إذا ألقوا وكان غرضهم أن يظهروا، الفرق بين ذلك الإلقاء وبين معجزة موسى - عليه السلام - (كان ذلك الإلقاء إيماناً إنما الكفر هو القصد إلى تكذيب موسى - عليه السلام -، وهو عليه السلام) إنما أمر بالإلقاء لا بالقصد إلى التكذيب فزال السؤال. والثاني: ذلك الأمر كان مشروطاً، والتقدير: ألقوا ما أنتم ملقون إن كنتم محقين، كقوله تعالى: {أية : فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ} تفسير : [البقرة: 23] (أي: إن كنتم قادرين). الثالث: أنه لما تعيَّن ذلك طريقاً إلى كشف الشبهة صار ذلك جائزاً، وهذا كالمحقق إذا علم في أن قلب واحد شبهة، وأنه لو لم يطالبه بذكرها وتقريرها بأقصى ما يقدر عليه لبقيت تلك الشبهة في قلبه ويخرج بسببها عن الدين، فإن للمحق أن يطالبه بتقريرها على أقصى الوجوه، ويكون غرضه من ذلك أن يجيب عنها، ويزيل أثرها عن قلبه، فمطالبته بذكر الشبهة لهذا الغرض جائز فكذا ههنا. الرابع: أن لا يكون ذلك أمراً بل معناه: إنكم إن أردتم فعله فلا مانع منه حسًّا لكي ينكشف الحق. الخامس: أن موسى - عليه السلام - لا شك أنه كان كارهاً لذلك ولا شك أنه نهاهم عن ذلك بقوله: {أية : وَيْلَكُمْ لاَ تَفْتَرُواْ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُم بِعَذَابٍ} تفسير : [طه: 61] وإن كان كذلك استحال أن يأمرهم بذلك، لأن الجمع بين كونه ناهياً آمراً بالفعل الواحد محال، فعلمنا أن أمره غير محمول على ظاهره، وحينئذ يزول الإشكال. فإن قيل: لم قدمهم في الإلقاء على نفسه مع أن تقديم إسماع الشبهة على إسماع الحجة غير جائز، فكذا تقديم إرائة الشبهة على إرائة الحجة يجب أن لا يجوز، لاحتمال أنه ربما أدرك الشبهة ثم لا يتفرغ لإدراك الحجة بعده، فيبقى حينئذ في الكفر والضلال، وليس لأحد أن يقول: إن ذلك كان بسبب أنهم لما قدموه على أنفسهم فهو - عليه السلام - قابل ذلك بأن قدمهم، لأن أمثال ذلك إنما يحسن فيما يرجع إلى حظ النفس فأما ما يرجع إلى الدليل والشبهة فغير جائز. فالجواب أنه - عليه السلام - كان قد أظهر المعجزة مرةً واحدةً فما كان به حاجة إلى إظهارها مرة أخرى، والقوم إنما جاءوا لمعارضته، فقال - عليه السلام - لو أظهرت المعجزة أولاً لكنت كالسبب في إقدامهم على إظهار السحر وقصد إبطال المعجزة وهو لا يجوز، ولكنني أفوض الأمر إليهم باختيارهم يظهرون ذلك السحر، ثم أظهر أنا ذلك المعجز الذي يبطل سحرهم، فيكون هذا التقديم سبباً لدفع الشبهة فكان أولى. قوله: "فَإِذَا حِبَالُهُمْ" هذه الفاء عاطفة على (جملة محذوفة دل عليها السياق، والتقدير: فَأَلْقُوا فَإذَا، وإذا هي التي للمفاجأة وفيها ثلاثة أقوال تقدمت: أحدها: أنها باقية على ظرفية الزمان. الثاني: أنها ظرف مكان. الثالث: أنها حرف. قال الزمخشري: والتحقيق فيها أنها الكائنة بمعنى الوقت الطالبة ناصباً لها، وجملة تضاف إليها، خصت في بعض المواضع بأن يكون الناصب لها فعلاً مخصوصاً، وهو فعل المفاجأة، والجملة ابتدائية لا غير، فتقدير قوله: {فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ} ففَاجأ موسى وقتَ تخييل سَعْي حِبَالهم وعصيّهم، وهذا تمثيل، والمعنى: على مفاجأته حبالهم وعصيّهم مخيِّلةً إليه السعي. قال أبو حيان: قوله: إنها زمانية قول مرجوح، وهو مذهب الرياشي. وقوله: الطالبة ناصباً لها صحيح. وقوله: وجملة تضاف إليها ليس صحيحاً عند بعض أصحابنا، لأنها إما أن تكون هي خبراً لمبتدأ، وإما أن تكون معمولة لخبر المبتدأ، وإذا كان كذلك استحال أن تضاف إلى الجملة، لأنها إما أن تكون بعض الجملة أو معمولة لبعضها، فلا يمكن الإضافة. وقوله: خصت في بعض المواضع إلى آخره. قد بيَّنا الناصبَ لها. وقوله: والجملة بعدها ابتدائية لا غير هذا الحصر ليس بصحيح، بل جوَّز الأخفش على أن الجملة الفعلية المقترنة بقد تقع بعدها نحو خرجت فإذا قد ضرب زيد عمراً وبنى على ذلك مسألة الاشتغال نحو: خرجتُ فإذا زيدٌ قد ضربه عمرو، برفع زيد ونصبه على الاشتغال. وقوله: والمعنى على مفاجأته حبالهم وعصيهم مخيِّلةً إليه السعي، فهذا عكس ما قدر بل المعنى على مفاجأة حبالهم وعصيِّهم إياه. فإذا قلت: خرجت فإذا السبع، فالمعنى: أنه فاجأني وهجم ظهوره. انتهى. قال شهاب الدين: وما ردَّ به غير لازم له، لأنه ردَّ عليه بقول بعض النحاة، وهو لا يلزم ذلك القول حتى يرد به عليه لا سيما إذا كان المشهور غيره ومقصوده تفسير المعنى. وقال أبو البقاء: الفاء جواب ما حذف وتقديره: فألقوا فإذا، فـ "إذا" في هذا ظرف مكان العامل فيه "أَلْقُوا". وفي هذا نظر.، لأن "أَلْقُوا" هذا المقدر لا يطلب جواباً حتى يقول: الفاء جوابه، بل كان ينبغي أن يقول: الفاء عاطفة هذه الجملة الفجائية على جملة أخرى مقدرة، وقوله: ظرف مكان هذا مذهب المبرد، وظاهر قول سيبويه أيضاً وإن كان المشهور بقاؤها على الزمان وقوله: إن العامل فيها "فَأَلْقُوا" لا يجوز لأن الفاء تمنع من ذلك. هذا كلام أبي حيان. ثم قال بعده: ولأن "إذا" هذه إنما هي معمولة لخبر المبتدأ الذي هو حبالهم وعصيهم إن لم يجعلها هي في موضع الخبر، لأنه يجوز أن يكون) الخبر "يُخَيَّل"، ويجوز أن تكون "إذا" و "يُخَيَّلُ" في موضع الحال، وهذا نظير: خرجت فإن الأسد رابضٌ ورابضاً، وإذا رفعت رابضاً كانت إذا معمولة له والتقدير: فبالحضرة الأسد رابض، أو في المكان، وإذا نصبت كانت "إذا" خبراً، ولذلك يكتفى بها وبالمرفوع بعدها كلاماً نحو خرجت فإذا الأسد. قوله: "يُخَيَّل إلَيْهِ" قرأ العامة "يُخَيَّل" بضم الياء الأولى وفتح الثانية مبنيًّا للمفعول، و "أنَّهَا تَسْعَى" مرفوع بالفعل قبله لقيامه مقام الفاعل تقديره: يُخَيَّل إليه سعيُهَا. وجوز أبو البقاء فيه وجهين: أحدهما: (أن يكون القائم مقام الفاعل ضمير الحِبَال والعِصِيّ وإنما ذكَّر ولم يقل "تُخَيَّلُ" بالتاء من فوق، لأن تأنيث الحبال غير حقيقي. الثاني: أن القائم مقام الفاعل ضمير يعود على الملقي، فلذلك ذكر. وعلى الوجهين: ففي قوله: "أَنَّهَا تَسْعَى" وجهان أحدهما): أنه بدل اشتمال من ذلك الضمير المستتر في "يُخَيَّل" والثاني: أنه مصدر في موضع نصب على الحال من الضمير المستتر أيضاً، والمعنى: يُخَيَّل إليه هي أنها ذات سعي. ولا حاجة إلى هذا، وأيضاً فقد نصوا على أن المصدر المؤول لا يقع موقع الحال، لو قلت: جاء زيد أن رَكَض، تريد ركضاً بمعنى ذا ركض لم يجز. وقرأ ابن ذكوان: "تُخَيَّلُ" بالتاء من فوق، وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن الفعل مسند لضمير الحِبَال والعِصِيّ، أي: تُخَيَّل الحبال (والعصي، و) "أنَّهَا تَسْعَى" بدل اشتمال من ذلك الضمير. الثاني: كذلك إلا "أنَّهَا تَسْعَى" حال، أي: ذات سَعْي كما تقدم تقريره قبل ذلك. الثالث: أن الفعل مسند لقوله: "أنَّهَا تَسْعَى" كقراءة العامة في أحد الأوجه وإنما أنَّثَ الفعل لاكتساب المرفوع التأنيث بالإضافة، إذ التقدير: تُخَيَّلُ إلَيْه سَعْيُها، فهو كقوله: شعر : 3674- شَرِقَتْ صَدْرُ القَنَاةِ مِنَ الدَّمِ تفسير : ({فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا}). وقرأ أبو السمال: "تَخَيَّلُ" بفتح التاء والياء مبنياً للفاعل، والأصل: تَتَخَيَّلُ، فحذف إحدى التاءين نحو "تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ"، و "أَنَّهَا تَسْعَى" بدل اشتمال أيضاً من ذلك الضمير. وجوَّز ابن عطية أيضاً أنه مفعول من أجله. ونقل ابن جبارة الهذلي: قراءة أبي السمال: "تُخَيِّل" بضم التاء من فوق وكسر الياء، فالفعل مسند لضمير الحبال، و "أنَّهَا تَسْعَى" مفعول، أي: تُخَيِّل الحبال سعيها. ونسب ابن عطية هذه القراءة للحسن وعيسى الثقفي. وقرأ أبو حيوة: "نُخَيِّل" بنون العظمة، و "أَنَّها تَسْعَى" مفعول به أيضاً على هذه القراءة. وقرأ الحسن والثقفي "عُصيِّهم" بضم العين حيث وقع، وهو الأصل، وإنما كسرت العين إتباعاً (للصاد، وكسرت الصاد إتباعاً) للياء نحو دَلْو ودِلِيّ، وقوس وقِسِيّ، والأصل: عُصُوو، بواوين فأًُعِلَّ كما ترى بقلب الواوين ياءين استثقالاً لهما، فكسرت الصاد لتصح الياء، وكسرت العين إتباعاً. ونقل صاحب اللوامح: أنَّ قراءة الحسن "عُصْيُهُمْ" بضم العين وسكون الصاد وتخفيف الياء مع الرفع، وهو أيضاً جمع كالعامة إلا أنه على فُعْل، والأول على فُعُول كفُلُوس. والجملة من "تُخَيِّل" يحتمل أن تكون في محل رفع خبراً لهي على أن "إذا" الفجائية فضلة. وأن تكون في محل نصب على الحال على أن "إذا" الفجائية هي الخبر والضمير في "إِلَيْه" الظاهر عوده على موسى. وقيل يعود على (فِرْعَون) (ويدل للأول) قوله تعالى: {فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَىٰ}. وفيه إضمار أي: فألقوا فإذا حبالُهُم وعِصِيُّهم، جمع حبل وعصا. فصل قال ابن عباس: أَلْقَوا حِبَالَهُمْ وَعِصيَّهُم وأخذوا أعين الناس فرأى موسى والقوم كأن الأرض امتلأت حيَّات وكانت أخذت مَيْلاً من كل جانب، وأنها تسعى فخاف، و {أَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً} وأوجَسَ: أضمر في نفسه خوفاً. (وقيل: وجد في نفسه خيفة). فإن قيل: كيف استشعر الخوف وقد عرض عليه المعجزات الباهرة كالعصا واليد، فجعل العصا حيَّة عظيمة، ثم إنه تعالى أعادها لما كانت، ثم أعطاه الاقتراحات الثمانية، وذكر ما أعطاه قبل ذلك من المنن وقال له بعد ذلك كله: {أية : إِنَّنِي مَعَكُمَآ أَسْمَعُ وَأَرَىٰ} تفسير : [طه: 46]، فمع هذه المقدمات الكثيرة كيف وقع الخوف في قلبه؟ فالجواب من وجوه: أحدها: قال الحسن: إن ذلك الخوف إنما كان لطبع البشرية من ضعف القلب وإن كان قد علم موسى أنهم لا يصلون إليه وأن الله ناصره. والثاني: قال مقاتل: خاف على القوم أن يلتبس عليهم الأمر فيشكوا في أمره، فيظنون أنهم قد ساووا موسى - عليه السلام - ويؤكده قوله تعالى: {لاَ تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلأَعْلَىٰ}. الثالث: خاف حيث بدأوا وتأخر إلقاؤه أن ينصرف بعض القوم قبل مشاهدة ما يلقيه، فيدوموا على اعتقاد باطل. الرابع: لعلَّه - عليه السلام - كان مأموراً بأن لا يفعل شيئاً إلا بالوحي، فلما تأخر نزول الوحي في ذلك الجمع بقي في الخجل. الخامس: لعله - عليه السلام - خاف من أنه لو أبطل سحرهم، فلعلَّ فرعون قد أعد أقواماً آخرين فيحتاج مرة أخرى إلى إبطال سحرهم وهلم جرًّا، فلا يظهر له مقطع وحينئذ لا يتم الأمر ولا يحصل المقصود. فصل اختلفوا في عدد السحرة، فقال الكلبي: كانوا اثنين وسبعين ساحراً، اثنان من القبط، وسبعون من بني إسرائيل، أكرههم فرعون على ذلك مع كل واحد منهم عصا وحبل. وقال ابن جريج: تسعمائة، ثلاثمائة من الفرس، وثلاثمائة من الروم، وثلاثمائة من الإسكندرية. وقال وهب: خمسة عشر ألفاً. وقال السدي: بضعة وثلاثون ألفاً. وقال القاسم بن سلام: سبعون ألفاً. وظاهر القرآن لا يدل على شيء من هذه الأقوال. ثم إنه تعالى أزال ذلك الخوف بقوله: {لاَ تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلأَعْلَىٰ} أي الغالب: يعني: لك الغلبة والظفر، وذلك يدل على أن خوفه كان لأمر يرجع إلى أنَّ أمره لا يظهر للقوم، فآمنه الله بقوله: {إِنَّكَ أَنتَ ٱلأَعْلَىٰ}، وفيه أنوع من المبالغة: أحدها: ذكر كلمة التأكيد وهي (إنَّ). وثانيها تكرير الضمير. وثالثها: لام التعريف. ورابعها: لفظ العلو، وهو الغلبة الظاهرة. قوله: {وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ} وهاهنا سؤال، وهو أنه لم لم يقل وألق عصاك؟ والجواب: جاز أن يكون تصغيراً لهما، أي: لا تبالِ بكثرة حِبالِهِمْ وعِصِيهم، وألق العُوَيد الفرد الصغير الجرم الذي بيمينك، فإنَّه بقدرة الله يتلقفها على وحدته وكثرتها، وصغره وعظمها. وجاز أن يكون تعظيماً لها أي لا تُخيفك هذه الأجرام الكثيرة فإن في يمينك شيئاً أعظم منها كلها، وهذه على كثرتها أقل شيء عندها، فألقه يتلقفها بإذن الله ويمحقها. قوله: "تَلْقَفْ" أي: تَلْقَمْ وتبتلع "مَا صَنَعُوا" بسرعة. قرأ العامة بفتح اللام وتشديد القاف وجزم الفاء على جواب الأمر، وقد تقدم أن حفصاً يقرأ "تَلْقَفْ" بسكون اللام وتخفيف القاف، وقرأ ابن ذكوان هنا "تَلَقَّفُ" بالرفع إما على الحال، وإما على الاستئناف، وأنّث الفعل في "تَلْقَفْ" حملاً على معنى "ما" لأن معناها العصا، ولو ذكَّر ذهاباً إلى لفظها لجاز ولم يقرأ به. وقال أبو البقاء: إنه يجوز أن يكون فاعل "تَلْقَفْ" ضمير موسى فعلى هذا يجوز أن يكون "تَلْقَفُ" في قراء الرفع حالاً من موسى، وفيه بُعْد. و ("صَنَعُوا" ههنا: اختلقوا وزَوّرُوا) والعرب تقول في الكذب: هو كلام مصنوع. قوله: {إِنَّمَا صَنَعُواْ كَيْدُ سَاحر} العامة على رفع "كَيْد" على أنه خبر "إنَّ" و "مَا" موصولة، و "صَنَعُوا" صلتها، والعائد محذوف، والموصول هو الاسم، والتقدير: إنَّ الذي صنعوه كَيْدُ سَاحِرٍ. ويجوز أن تكون "مَا" مصدرية فلا حاجة إلى العائد، والإعراب بحاله والتقدير: (إنَّ صُنْعَهُم) كيدُ ساحر. (وقرأ مجاهد وحميد وزيد بن عليّ "كَيْدَ" بالنصب على أنه مفعول به و "مَا" مزيدة مهيئة. وقرأ الأخوان: "كَيْدُ سِحْرٍ" على أن) المعنى: كَيْدُ ذُوِي سِحْرٍ، (أو جعلوا نفس السحر مبالغةً وتبييناً للكيد، أي حيلةَ سحر، لأنه يكون سحراً وغير سحر) كما تميز سائر الأعداد بما يفسره نحو مائة درهم، وألف دينارٍ، ومثله علم فقهٍ وعلمُ نحوٍ. وقال أبو البقاء: "كَيْدُ سَاحِرٍ" إضافة المصدر إلى الفاعل، و "كَيْدُ سِحْرٍ" إضافة الجنس من النوع. والباقون: ("سَاحِرٍ"). وأفرد ساحِراً وإن كان المراد به جماعة، قال الزمخشري: لأن القصد في هذا الكلام إلى معنى الجنسية لا إلى معنى العدد (فلو جمع لَخُيِّلَ أنَّ المقصود هو العدد). وقرىء "سَاحِراً" بالنصب على أن "مَا" كافة. ثم قال: {وَلاَ يُفْلِحُ ٱلسَّاحِرُ حَيْثُ أَتَىٰ} من الأرض. قال ابن عباس: لا يسعد حيث كان. وقيل معناه: حيث احتال. قوله: {فَألْقِيَ ٱلسَّحَرَةُ سُجَّداً} لما ألْقَى ما في يمينه، وصار حيَّةً، وتلقف ما صنعوا، وظهر الأمر، خروا عند ذلك سجداً، لأنهم كانوا في أعلى طبقات السحر، فلما رأوا ما فعل موسى - عليه السلام - خارجاً عن صناعتهم عرفوا أنه ليس من السحر البتّة، روي أن رئيسهم قال: كُنَّا نغلِبُ الناسَ بالسحر، وكانت (الآلات) تبقى علينا، فلو كان هذا سحراً فأيْنَ ما ألقيناه؟ فاستدل بتغير أحوال الأجسام على الصانع القادر العالم، وبظهوره على يد موسى - عليه السلام - على كونه رسولاً صادقاً من عند الله فلا جرم تابوا وآمنوا وأتوا بما هو النهاية في الخضوع وهو السجود. قال الأخفش: إنهم في سرعة ما سجدوا كأنهم خروا. قال الزمخشري: ما أعجب أمرهم قد ألقوا حبالهم للكفر والحجود، ثم ألقوا رؤوسهم بعد ساعة للشكر والسجود، فما أعظم الفرق بين الإلقاءين. روي أنهم لم يرفعوا رؤوسهم حتى رأوا الجنة، والنار، ورأوا ثواب أهلها، وعن عكرمة: لما خروا سُجَّداً أراهم الله في سجودهم منازلهم التي يصيرون إليها في الجنة. قال القاضي: هذا بعيد، لأنهم لو أراهم عياناً لصاروا ملجئين، وذلك لا يليق به قولهم: {أية : إِنَّآ آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا} تفسير : [طه: 73]. وأجيب: أنه لما جاز لإبراهيم مع قطعه بكونه مغفوراً له أن يقول: {أية : وَٱلَّذِيۤ أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِيَ خَطِيئَتِي} تفسير : [الشعراء: 82] فلم لا يجوز في حق السحرة؟ قوله: {ءَامَنَّا بِرَبِّ هارُونَ وَمُوسَىٰ} احتج التعليمية بهذه الآية وقالوا: إنَّهم آمَنُوا بالله الذي عرفوه من قِبَل هارون وموسى، وفي الآية فائدتان: الفائدة الأولى: أنَّ فرعون ادَّعى الربوبية في قوله: "أَنَا رَبُّكُم". والإلهية في قوله: {أية : مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرِي} تفسير : [القصص: 38] فلو قالوا: آمَنَّا بربِّ العالمين، لكان فرعون يقول: إنهم آمنوا بي لا بغيري، فلقطع هذه التهمة اختاروا هذه العبارة، ويدل عليه تقديمهم ذكر هارون على مُوسى، لأن فرعون كان يدعي ربوبية موسى (بناء على أنه ربَّاه)، وقال: {أية : أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً} تفسير : [الشعراء: 18]، فالقوم لما احترزوا على إيهامات (فرعون قدموا ذكر هارون على موسى قطعاً لهذا الخيال. الفائدة الثالثة: هي أنهم لما شاهدوا) ما خصهما الله تعالى به من المعجزات العظيمة والدرجات الشريفة قالوا: {رَبِّ هارُونَ وَمُوسَىٰ}.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {قَالُواْ يٰمُوسَىٰ إِمَّآ أَن تُلْقِيَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَىٰ}. أظهروا من أنفسهم التجلَّدَ ظنَّا بأَنَّ النصرةَ لهم، وإخلاداً إلى ما كان السَّحَرَةُ يُسوِّلُون لهم، فَخَيَّروا موسى في الابتداء بناءً على ما توهموا من الإلقاء، فقال لهم موسى: {قَالَ بَلْ أَلْقُواْ فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَىٰ قُلْنَا لاَ تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلأَعْلَىٰ وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوۤاْ إِنَّمَا صَنَعُواْ كَيْدُ سَاحِرٍ وَلاَ يُفْلِحُ ٱلسَّاحِرُ حَيْثُ أَتَىٰ فَأُلْقِيَ ٱلسَّحَرَةُ سُجَّداً قَالُوۤاْ آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَىٰ قَالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ ءَاذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ ٱلَّذِي عَلَّمَكُمُ ٱلسِّحْرَ فَلأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِّنْ خِلاَفٍ وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ ٱلنَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَآ أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَىٰ}. قال لهم موسى بل ألقوا أنتم، وليس ذلك إذْناً لهم في السحر، ولكن أراد الحقُّ إظهارَ تمويههم، فلمَّا خَيَّلوا للناس بإلقاءِ الحِبال أنها حياتٌ ابتَلَعَتْ عصا موسى جُمْلَةَ ما صَنَعُوا، وتحقَّقَ السَّحَرة أنَّ ذلك أمرٌ سماويٌّ حيث تلاشى عين ما كان معهم من أوقار الحِبَال، وصار الثعبانُ عَصَاً كما كان، فسجدوا لله مؤمنين، وانقلب فرعونُ وقومُه خائِبين، وتَوَعَّدَهم بالقتل والصَّلْبِ، وفنونٍ من العذابِ الصعب، وبعدما كانوا يقْسِمُون بِعِزَّةِ فرعونَ صاروا يَحْلِفُونَ بالله.
اسماعيل حقي
تفسير : {قالوا} اى السحرة بعد اجماعهم واتيانهم الموعد واصطفافهم. قال الكاشفى [سحره بقولى سيصد هزار خروار حبل وعصاهاميان تهى كرده وبر اززيبق ساخته بميدان آوردند بطريق ادب وكفتند]{يا موسى اما ان تلقى} الالقاء طرح الشئ حيث تلقاه اى تراه ثم صار فى التعارف اسما لكل طرح اى تطرح عصاك من يدك على الارض {واما ان نكون اول من القى} ما نلقيه من العصى والحبال وان مع ما فى حيزها منصوب بفعل مضمر او مرفوع بخبرية مبتدأ محذوف اى اختر القاءك اولا او القاءنا او الامر اما القاؤك او القاؤنا. وفيه اشارة الى ان السحرة لما اعزوا موسى عليه السلام بالتقديم والتخيير فى الالقاء اعزهم الله بالايمان الحقيقى حتى رأوا بنور الايمان معجزة موسى فآمنوا به تحقيقا لا تقليدا وهذا حقيقة قوله "حديث : من تقرب الى شبرا تقربت اليه ذراعا"تفسير : فلما تقربوا الى الله باعزاز من اعزهالله اعزهم بالايمان تقربا اليه فكذلك اعزهم موسى بالتقديم فى الالقاء كما حكى الله عنه بقوله {قال} موسى {بل القوا} اولا ما انتم ملقون. يقول الفقير الظاهر ان الله تعالى الهم السحرة التخيير وعلم موسى اختيار القائهم اولا ليظهر الحق من الباطل لان الحق يدفع الباطل ويمحوه ولو كان موسى اول من ألقى لتفرق الناس من اول الامر خيفة الثعبان كما تفرقوا بعد ابتلاع العصا عصيهم وحبالهم وذا مخل بالمقصود. قال الامام فان قيل كيف امرهم به وهو سحر وكفر. قلنا لما تعين طريقا الى كشف الشبهة صار جائزا. وفى الاسئلة المقحمة هذا ليس بامر وانما هو للاستهانة بذلك وعدم الاكتراث به لما كان يعلم ان ذلك سبب لظهور الحق وزهوق الباطل{فاذا حبالهم وعصيهم يخيل اليه من سحرهم انها تسعى} الفاء فصيحة واذا لمفاجأة ظرفية والحبال جمع حبل وهو الرسن والعصى جمع عصا والتخيل تصوير خيال الشئ فى النفس والتخيل تصور ذلك والخيال اصله الصورة المجردة كالصورة المتصورة فى المنام وفى المرآة وفى القلب بعيد غيبوبة المرئى ثم تستعمل فى صورة كل امر متصور وفى كل شخص دقيق يجرى مجرى الخيال وانها تسعى نائب فاعل ليحيل والسعى المشى السريع وهو دون العدو. والمعنى فالقوا ففاجأوا موسى وقت ان يخيل اليه سعى حبالهم وعصيهم من سحرهم: وبالفارسية [بس رسنها وعصاهاى ايشان نموده شد بموسى از جادويى وكيد ايشان كه كويى بدرستى كه آن ميرود ومى شتابد] وذلك انهم كانوا لطخوها بالزئبق فلما ضربت عليها الشمس اضطرب واهتزت فخيل اليها انها تتحرك
الجنابذي
تفسير : خيّروه مراعاةً للادب وحفظاً لتوقيره لمّا علموا انّه الهىٌّ وليس فعله سحراً ولذلك قدّموه على انفسهم فى التّخيير، قيل: لهذا الادب والتّوقير هداهم الله ولم يكلهم الى انفسهم.
اطفيش
تفسير : {قَالُوا يَا مُوسَى إمَّا أَنْ تُلْقَى} مفعول لمحذوف، أى اختر إما إلقاءك أولاً. {وَإمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى} وإما كوننا أول ملق أو خبر لمحذوف أى الأمر إما إلقاؤك أولاً، وإما إلقاؤنا. لما أتوا صفًّا. خيروا موسى استعمالا للأدب وتواضعًا. والمراد بأن تلقى: أن تلقى ما به تسحر أى إما أن تستعمل سحرك وتظهره أولاً. وقيل: مرادهم أن تلقى عصاك على أنهم علموا أن عمله يكون بها.
الالوسي
تفسير : {قَالُواْ } استئناف بياني كأنه قيل: فماذا فعلوا بعد ما قالوا ذلك؟ فقيل قالوا: {يَا مُوسَىٰ } وإنما لم يتعرض لإجماعهم وإتيانهم مصطفين إشعاراً بظهور أمرهما وغنائهما عن البيان {إِمَّا أَن تُلْقِىَ } أي ما تلقيه أولاً على أن المفعول محذوف لظهوره أو تفعل الإلقاء أولاً على أن الفعل منزل منزلة اللازم {وَإِمَّا أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَىٰ } ما يلقيه أو أول من يفعل الإلقاء خيروه عليه السلام وقدموه على أنفسهم إظهاراً للثقة بأمرهم، وقيل: مراعاة للأدب معه عليه السلام. و(أن) مع ما في حيزها منصوب بفعل مضمر أي إما تختار إلقاءك أو تختار كوننا أول من ألقى أو مرفوع على أنه خبر لمبتدأ محذوف أي الأمر إما إلقاؤك أو كوننا أول من ألقى. واختار أبو حيان كونه مبتدأ محذوف الخبر أي إلقاؤك أول بقرينة {أن نكون أول من ألقَىٰ } وبه تتم المقابلة لكنها معنوية.
ابن عاشور
تفسير : تقدمت هذه القصة ومعانيها في سورة الأعراف سوى أن الأوليّة هنا مصرّح بها في أحد الشقّين. فكانت صريحة في أن التخيير يتسلط على الأولية في الإلقاء، وسوى أنه صرّح هنا بأن السحر الذي ألقوْهُ كان بتخييل أن حبالهم وعصيّهم ثعابين تسعى لأنها لا يشبهها في شكلها من أنواع الحيوان سوى الحيات والثعابين. والمفاجأة المستفادة من (إذا) دلّت على أنهم أعدّوها للإلقاء وكانوا يخشون أن يمرّ زمان تزول به خاصياتها فلذلك أسرعوا بإلقائها. وقرأ الجمهور {يُخيّل} بتحتيّة في أول الفعل على أن فاعله المصدر من قوله {أنَّها تَسْعَىٰ}. وقرأه ابن ذكوان عن ابن عامر، ورَوحٌ عن يعقوب «تُخيّل» بفوقية في أوله على أنّ الفعل رافع لضمير {حِبَالُهُم وعِصِيُّهُم}، أي هي تخيل إليه. و {أنَّها تَسْعَىٰ} بدل من الضمير المستتر بدل اشتمال. وهذا التخييل الذي وجده موسى من سحر السحرة هو أثر عقاقير يُشرِبونها تلك الحبالَ والعصيّ، وتكون الحبال من صنف خاص، والعصيّ من أعواد خاصة فيها فاعلية لتلك العقاقير، فإذا لاقت شعاع الشمس اضطربت تلك العقاقير فتحركت الحبال والعصيّ. قيل: وضعوا فيها طِلاءَ الزئبق. وليس التخييل لموسى من تأثير السحر في نفسه لأنّ نفس الرسول لا تتأثر بالأوهام، ويجوز أن تتأثر بالمؤثرات التي يتأثر منها الجسد كالمرض، ولذلك وجب تأويل ظاهر حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة في سحر النبي - صلى الله عليه وسلم - وأخبار الآحاد لا تنقض القواطع. وليس هذا محلّ ذكره وقد حققته في كتابي المسمّى «النظر الفسيح» على صحيح البخاري. و {مِن} في قوله {مِن سِحْرِهِم} للسببيّة كما في قوله تعالى: {أية : مما خطيئاتهم أغرقوا}تفسير : [نوح: 25].
الشنقيطي
تفسير : ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن السحرة لما جمعهم فرعون واجتمعوا مع موسى للمغالبة قالوا له متأدبين معه: {إِمَّآ أَن تُلْقِيَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَىٰ} وقد بين تعالى مقالتهم هذه في غير هذا الموضع. كقوله في "الأعراف": {أية : قَالُواْ يٰمُوسَىٰ إِمَّآ أَن تُلْقِيَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ نَحْنُ ٱلْمُلْقِينَ} تفسير : [الأعراف: 115]. وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك: أن من أنواع البيان التي تضمنها أن يحذف مفعول {نُلْقِيَ}، ومفعول أول من {أَلْقَىٰ} وقد بين تعالى في مواضع أخر أن مفعول إلقاء موسى هو عصاه وذلك في قوله في "الأعراف": {أية : أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ} تفسير : [الأعراف: 117]، وقوله في "الشعراء": {أية : فَأَلْقَىٰ مُوسَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ} تفسير : [الشعراء: 45]، وقوله هنا: {أية : وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوۤاْ} تفسير : [طه: 69] الآية. وما في يمينه هو عصاه. كما قال تعالى: {أية : وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يٰمُوسَىٰ قَالَ هِيَ عَصَايَ} تفسير : [طه: 17-18] الآية. وقد بين تعالى أيضاً في موضع آخر: أن مفعول إلقائهم هو حبالهم وعصيهم، وذلك في قوله في "الشعراء": {أية : فَأَلْقَوْاْ حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُواْ بِعِزَّةِ فِرْعَونَ إِنَّا لَنَحْنُ ٱلْغَالِبُونَ}تفسير : [الشعراء: 44]. وقد أشار تعالى إلى ذلك أيضاً بقوله هنا {أية : قَالَ بَلْ أَلْقُواْ فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ} تفسير : [طه: 66]، لأن في الكلام حذفاً دل المقام عليه، والتقدير: قال بل ألقوا فألقوا حبالهم وعصيهم فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى. والمصدر المنسبك من "أن" وصلتها في قوله {أَن تُلْقِيَ} وفي قوله {أَن نَّكُونَ} فيه وجهان من الإعراب: الأول ـ أنه في محل نصب بفعل محذوف دل المقام عليه، والتقدير: إما أن تختار أن تلقي أي تختار إلقاءك أولاً، أو تختار إلقاءنا أولاً. وتقدير المصدر الثاني: وإما أن تختار أن نكون أي كوننا أول من ألقى، والثاني أنه في محل رفع، وعليه فقيل هو مبتدأ والتقدير إما إلقاؤك أول، أو إلقاؤنا أول. وقيل خبر مبتدأ محذوف، أي إما الأمر إلقاؤنا أو إلقاؤك.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 65- واجه السحرة موسى برأى واحد، وخيَّروه فى شموخ واعتزاز، بَيْن أن يبدأ فيلقى عصاه، أو أن يكونوا هم البادئين. 66- قال موسى: بل ابتدئوا، فألقوا حبالهم وعصيهم، فتخيَّل موسى من السحر أنها انقلبت ثعابين تتحرك وتسير. 67- فأحس موسى بالخوف لِما رآه من أثر السحر، ومن احتمال أن يلتبس السحر على الناس بالمعجزة. 68- فأدركه الله بلطفه قائلا: لا تخش شيئاً، إنك الغالب المنتصر على باطلهم. 69- وأَلْق العصا التى بيمينك لتبتلع ما زوَّروا من السحر، إن صنيعهم لا يجاوز تمويه السحرة، وإن الساحر لا يفوز أينما كان. 70- فألقى موسى عصاه، فإذا بها تنقلب حقاً بقدرة الله حية كبيرة مخيفة، وابتلعت كل ما أعدّوه، فلما رأى السحرة تلك المعجزة بادروا إلى السجود موقنين بصدق موسى قائلين: آمنا بالله - وحده - رب هارون وموسى، ورب كل شئ. 71- قال فرعون: كيف تؤمنون به دون إذن منى؟ إنه لرئيسكم الذى علَّمكم السحر، وليس عمله معجزة كما توهمتم، وهددهم: لأُقَطعَنّ أيديكم وأرجلكم مختلفات بِقَطْع اليمنى من واحدة واليسرى من الأخرى، ولأصلبنكم فى جذوع النخل، وستعلمون أى الإلهين أشد عذاباً وأدوم زمنا: أنا أم إله موسى.
القطان
تفسير : فأَوجسَ في نفسه خيفةً: أحس بالخوف. انت الاعلى: المنتصر. ما في يمينك: هي العصا. تلقف ما صنعوا: تبتلع كل حبالهم وعصيّهم. حيث اتى: اينما كان. انه لكبيركم الذي علّمكم السحر: ان موسى لَزعيمكم الذي علّمكم السحر. من خلاف: وذلك ان تقطع اليد اليمنى والرجل اليسرى مثلا. لن نُؤْثرك على ما جاءنا: لن نفضلك على الايمان الذي حصلنا عليه. فَطرنا: خلقنا. فاقض ما انت قاض: اعمل ما تريد. تزكى: تطهر. بعد ان اتفقوا على الموعد وهو يومُ الزينة، جاؤا مصطفين مستعدّين أتم استعداد وسألوا موسى وخيّروه بين أن يبدأ فيُلقي عصاه، او يكونوا هم البادئين. قال موسى: بل ابتدئوا، ألقوا ما عندكم. فألقوا حِبالهم وعصَّيهم فاذا هي افاعٍ تسعى. وخُيّل لموسى أنها حقيقة من شدة سحرهم، واحس بالخوف لِما رآه من أثر السحر. فأدركه الله بلطفه فأوحى اليه قائلا: {لاَ تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلأَعْلَىٰ} لا تخشَ شيئا، إنك انت الغالب المنتصر على باطلهم. ألقِ العصا التي بيمينك فإنها تبتلع ما زوّروا من السحر، فليس الذي فعلوه إلا كيد ساحر. وكانت صنعة السحر هي الغالبة في ذلك الزمان، وكانوا يضعون الزئبق بطريقة خفية في الحبال والعصي، فعندما تتأثر بحرارة الشمس (وجوُّ مصرَ حارٌّ) تضطرب الحبال وتتحرك فيظنُّ من يراها أنها تسعى. فلا تخفْ يا موسى، فالساحر لا يفلح, وامتثل موسى أمر ربه، والقى عصاه فاذا هي حيَّة تسعى. بل إنها اخذت تلقف ما زوّروه من حبال وعصي وتبتلعها. فلما رأى السحرة تلك المعجزة آمنوا بموسى وربه وسجدوا لله قائلين: {آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَىٰ} وعلموا أن ما جاء به موسى ليس سحرا. وقال رئيس السحرة: كنا نغلِب الناسَ بالسحر، فلو كان هذا سحرا فأين الذي ألقيناه من حبال وعصي، أين ذهبت؟ ما هذه العصا الصغيرة التي تأكل كل ما عندنا؟ ان هذا ليس سحرا، انما هو شيء آلهي خارق للعادة؟ ولذلك آمنوا وخرّوا ساجدين. قال صاحب الكشّاف: سبحان الله، ما أعجبَ أمرهم، قد القوا حبالهم وعصيَّهم للكفر الجحود، ثم ألقوا رؤوسَهم ساعةٍ للشكر والسجود!! وقال ابن عباس رضي الله عنه: كانوا اول النهار سحَرة، وفي آخره شهداء بررة، لأن فرعون قتلهم. ولما خاف فرعون أن يصير إيمانهم سبباً لاقتداء الناس بهم في الإيمان. {قَالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ ءَاذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ ٱلَّذِي عَلَّمَكُمُ ٱلسِّحْرَ}. قال فرعون: كيف تؤمنون به دون إذنٍ مني؟ إنكم تلاميذُ موسى في السحر وهو كبيركم الذي علمكم إياه، وليس عمله معجزةً كما توهمتم. ثم هددهم بالقتل والتعذيب تحذيراً لغيرهم من الاقتداء بموسى وهارون: فقال: {فَلأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِّنْ خِلاَفٍ}. وأقسم إني لأقطعنّ من كل واحدٍ منكم يدَه ورجلَه المختلفتين، يده اليمنى، ورجله اليسرى. ولم يكتفِ بذلك بل قال: {وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ ٱلنَّخْلِ}. زيادة في التعذيب والإيلام، وتشهيرا بهم. ولاجعلنكم مُثْلَةً يتعجّب منها الناس. ثم يزيد استعلاء بقوته وجبروته فيقول: {وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَآ أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَىٰ}. وسوف ترون من هو الذي يكون أشدَّ عذاباً، انا، أم آله موسى وهارون؟ لم يكن يعلم أنه فاتَ الاوان، وان الايمان قد بلغ ذِروتَه في قلوبهم، وهانت عليهم نفوسُهم في الله، فلن يأبهوا لوعيده وتهديده، فأجابوه مطمئنين: {قَالُواْ لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَىٰ مَا جَآءَنَا مِنَ ٱلْبَيِّنَاتِ وَٱلَّذِي فَطَرَنَا}. اراد فرعون من السحرة ان يرجعوا عن إيمانهم، فثبتوا عليه، ودفعوا تهديده بقولهم: لن نختارك على ما جاءنا من الهدى، وعلى خالِقنا الذي فطرنا وانشأَنا من العدم. {فَٱقْضِ مَآ أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَـٰذِهِ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَآ...} افعل ما تريد، إن سلطانك وحكمك لا يتجاوز هذه الحياة الدنيا. آمنّا بربنا الحق، ليغفرَ لنا ما سلف من الخطايا، وعن ممارسة السحر الذي أكرهتَنا على تعلُّمه والعملِ به. {وَٱللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ} خيرٌ منك يا فرعون ومن ثوابك، وأبقى منك سلطانا وقدرة. ثم ختم السحرة كلامهم بهذه الآيات التي تبيّن حال المجرمين، وحال المؤمنين يوم القيامة وما ينتظر كلاً منهم. {إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَىٰ}. إن من يلقى الله وهو مجرم بكفره يكون مصيره الى جهنم لا يموت فيها فينتهي عذابه، ولا يحيى حياة طيبة ينتفع فيها بالنعيم. {وَمَن يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ ٱلصَّالِحَاتِ فَأُوْلَـٰئِكَ لَهُمُ ٱلدَّرَجَاتُ ٱلْعُلَىٰ}. أما من يلاقي ربه على الإيمان وصالح الاعمال، فله المنازل الرفيعة، والدرجاتُ العالية. ثم فسر تلك المنازل والدرجات بقوله: {جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذٰلِكَ جَزَآءُ مَن تَزَكَّىٰ}. تلك المنازل هي جنات الاقامة الدائمة، في نعيمٍ خالد، تجري بين اشجارها الأنهار، وذلك الفوز الذي أوتوه جزاءٌ لمن طهّر نفسه من الكفر بالايمان والطاعة والاعمال الصالحة. قراءات: قرأ حفص: تلقفْ بفتح القاف وسكون الفاء. وقرأ ابن عامر: تلقّفُ: بتشديد القاف ورفع الفاء. والباقون: تلقف: بتشديد القاف وسكون الفاء. وقرأ حمزة: كيد سحر. والباقون كيد ساحر. قرأ حفص وابن كثير وورش: آمنتم، فعل ماض على انه خبر. وقرأ الباقون: أآمنتم بهمزتين.
د. أسعد حومد
تفسير : {يٰمُوسَىٰ} (65) - فَقَالَ السَّحَرَةُ لِمُوسَى إِمَّا أَنْ تَبْدَأَ أَنْتَ بِإِظْهَارِ مَا عِنْدَكَ مِنْ فُنُونِ السِّحْرِ، وَتُلْقِيهِ أَمَامَ النَّاسِ وَالمَلِكِ، وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ البَادِئِينَ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : تُلْقي: ترمي. والمراد أن يرمي واحد منهم ما أعدّه من سحر، فاختار موسى أنْ يُلْقُوا هم أولاً.
الجيلاني
تفسير : ثم لما أتى السحرة صافين إلى المجلس على الوجه الذي أمروا {قَالُواْ} من فرط عتوهم واستيلائهم: {يٰمُوسَىٰ} نادوه استحقاراً واستذلالاً {إِمَّآ أَن تُلْقِيَ} أولاً ما تلقيتَ وجئتَ به في مقابلتنا {وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَىٰ} [طه: 65] ما تلقينا في مقابلتك، فالأمران عندنا سيَّان؛ لأننا عصبة ومعنا جميع هذه الخلائق، وأنت ضعيفُ ليس معك إلا أخوك. {قَالَ} موسى: لا تضعفوني أيها الحمقى إن معي ربي سيقويني إن شاء، ويغلبني على جميع من في الأرض {بَلْ أَلْقُواْ} أنتم أولاً أيها المغرورين فألقوا {فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ} التي يسحرون بها {يُخَيَّلُ إِلَيْهِ} أي: إلى موسى {مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ} [طه: 66] بذاتها. {فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَىٰ} [طه: 67] أي: أضمر في نفسه خوفاً من غلبتهم عليه. ثم لما عَلِمنا من موسى خوفه {قُلْنَا} له تشريحاً لصدره وإزالةً لخوفه: {لاَ تَخَفْ} أيها لامرشد من عندنا من تمثالاتهم الغير المطابقة للمواقع {إِنَّكَ أَنتَ ٱلأَعْلَىٰ} [طه: 68] أي: الغالب عليهم بعد إلقائك {وَ} بعدما أطمأن قلبك بوحينا لك هذا {أَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ} يعني: عصاك بالجراءة التامة والقدرة الغالبة بلا جبنٍ وتزلزلٍ {تَلْقَفْ} أي: تبلع وتلتقم {مَا صَنَعُوۤاْ} لمعارضتك {إِنَّمَا} التماثيل التي {صَنَعُواْ} ليس لها اعتباْ بل ما هي إلا {كَيْدُ سَاحِرٍ} وحيلةُ ماكرٍ {وَلاَ يُفْلِحُ} ويَغلِبُ {ٱلسَّاحِرُ} بحيله وسحره {حَيْثُ أَتَىٰ} [طه: 69] أي: في أي مكان أتى به، سواءً كان عند معاونيه أو في مكانٍ آخر. فألقى موسى عصاه امتثالاً لأمر ربه، فصار ثعباناً فابتلع حبالهم جميعاً مجتمعين {فَأُلْقِيَ ٱلسَّحَرَةُ} مجتمعين {سُجَّداً} متذللين نادمين من معارضتهم {قَالُوۤاْ} بلسانهم موافقاً لقلوبهم: {آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَىٰ} [طه: 70] بأن له القدرة والاختيار لا يعارَض فعله أصلاً، يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد. {قَالَ} لهم فرعون على سبيل التقريع والتوبيخ بعدما سمع إيمانهم، وتلذللهم عند موسى: {آمَنتُمْ لَهُ} وسلَّمتم سحرَه بلا استئذان مني، بل {قَبْلَ أَنْ ءَاذَنَ لَكُمْ} بتسليمه فظهر عندي {إِنَّهُ} أي: موسى {لَكَبِيرُكُمُ} أي: معلمكم ومقتداتكم {ٱلَّذِي عَلَّمَكُمُ ٱلسِّحْرَ} في خلوتكم معه، فاتفقتم معه حتى تخرجوني من ملكي، فواعزتي وجلالي وعظم شأني لأنتقمن منكم انتقاماً شديداً {فَلأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ} أولاً {مِّنْ خِلاَفٍ} أي: متبادلين {وَ} بعد ذلك {لأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ ٱلنَّخْلِ} حتى يعتبر منكم من كان في قلبه بغضي وعداوتي، وإن ىمنتم خوفاً من شدة عذاب ربه ودوامه {وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَآ أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَىٰ} [طه: 71] وأدومُ عقاباً، أنا، أم رب موسى؟!. {قَالُواْ} بعدما كوشفوا بما كوشفوا: {لَن نُّؤْثِرَكَ} ونرجحك يا فرعون {عَلَىٰ مَا جَآءَنَا} ونكشف علينا من الحق الصريح سيَّما بعد ظهور المرجحات {مِنَ ٱلْبَيِّنَاتِ} الواضحات الدالة على إيثاره وترجيحه، مع أنه لا بينة لك سوى ما جئنا به من السحر من قبلك وهو يبطله. {وَ} بالجملة: كوشفنا الآن بأنه سبحانه هو {ٱلَّذِي فَطَرَنَا} وأوجدنا من كتم العدم بكمال الاستقلال والاختيار فله التصرف فينا ولا نبال بتخويفك وتهديدك يا فرعون الطاغي، وبالجلمة {فَٱقْضِ} أي: امض علينا {مَآ أَنتَ} عليه { قَاضٍ} راضٍ من القطع والصلب وغير ذلك؛ لأنك {إِنَّمَا تَقْضِي هَـٰذِهِ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَآ} [طه: 72] أي: ما تقضي وتحكم أنت أي حكمٍ تحببت، ما هي إلا في هذه الحياة الفانية المستعارة؛ إذ حكومتك مقوصرة عليها، والدنيا وعذابها فانيةُ حقيرةُ، والآخرة وعقابها باقيةُ عظيمةُ. لذلك {إِنَّآ آمَنَّا بِرَبِّنَا} الذي ربانا بأنواع النعم، فكفرنا له وأشركناك مع تعاليه عن الشريك والكفء والنظير، فالآن ظهر الحق وارتفع الحجب، فرجعنا إليه واستغفرنا منه من ذنوبنا {لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَ} خصوصاً {مَآ أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ ٱلسِّحْرِ} بمعارضة المعجزة {وَ} بعد رجوعنا إليه تحقق عندنا أنه؛ أي: {ٱللَّهُ خَيْرٌ} منك ومن كل ما سواه {وَأَبْقَىٰ} [طه: 73] أي: بعد فناء الكل. وقد تحقق عندنا أيضاً {إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ} القادر على الانتقام والإنعام {مُجْرِماً} مشركاً طاغياً {فَإِنَّ} أي: حقَّ وثبتَ {لَهُ جَهَنَّمَ} التي هي دار البعد والخذلان أبداً {لاَ يَمُوتُ فِيهَا} حتى يستريح {وَلاَ يَحْيَىٰ} [طه: 74] أيضاً حياةً يستفيد بها. وثانياً إنه {وَمَن يَأْتِهِ مُؤْمِناً} موقناً بذاته وصفاته وأفعاله، ومع ذلك {قَدْ عَمِلَ ٱلصَّالِحَاتِ} بمقتضى أوامره {فَأُوْلَـٰئِكَ} المؤمنون الصالحون {لَهُمُ} لا لغيرهم من الصالحين {ٱلدَّرَجَاتُ ٱلْعُلَىٰ} [طه: 75] القريبة إلى الدرجة العليا التي انتهت إليها جميع الدرجات، وهي {جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} أي: أنهار المعارف والحقائق لأولي البصائر والأبصار الناظرين بعيون الاعتبار المستغرقين بمطالعة جمال الله بلا مزاحمة الأغيار {خَالِدِينَ فِيهَا} بلا ملاحظة زمانٍ ومقدارٍ {وَذٰلِكَ جَزَآءُ مَن تَزَكَّىٰ} [طه: 76] من ذمائم الأخلاق ورذائل الأطوار.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر عن إعزاز أهل الإعجاز وإذلال أهل الضلالة بقوله تعالى: {قَالُواْ يٰمُوسَىٰ} [طه: 65] إلى قوله: {وَذٰلِكَ جَزَآءُ مَن تَزَكَّىٰ} [طه: 76] يشير إلى أن السحرة لمَّا أمروا موسى بالتقديم والتأخير في الإلقاء إذ {قَالُواْ يٰمُوسَىٰ إِمَّآ أَن تُلْقِيَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَىٰ} [طه: 65] أعزهم الله بالإيمان الحقيقي حتى رأوا بنور الإيمان معجزة موسى فآمنوا به تحقيقاً لا تقليداً، وهذا حقيقة قوله تعالى: "من تقرب إليَّ شبراً تقربت إليه ذراعاً". فلمَّا تقربوا إلى الله بإعزاز من أعزه الله أعزهم الله بالإيمان تقرباً إليهم ذراعاً، فكذلك أعزهم موسى بالتقديم في الإلقاء وقال: {بَلْ أَلْقُواْ} [طه: 66] وتقرب به إلى الله {فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ} [طه: 66] أي: ما كان لها تسعى على الحقيقة بل بالتخيل، وكانت تسعى عصى موصى بالحقيقة كقوله تعالى: {أية : فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَىٰ} تفسير : [طه: 20]. وبقوله: {فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَىٰ} [طه: 67] يشير إلى أن خوف البشرية مركوز في جبلة الإنسان ولو كان نبياً إلى أن ينزع الله الخوف منه انتزاعاً ربانياً بقول صمداني كما قال تعالى: {قُلْنَا لاَ تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلأَعْلَىٰ} [طه: 68] أي: أعلى درجة من أن تخاف من المخلوقات دون الخالق، وفيه معنى آخر: أن خوف موسى عليه السلام ما كان من المكونات، بل كان من المكون إذ رأى عصاه ثعباناً تلقف سحر السحرة قد علم أنها صارت مظهر صفة قهاريته فخاف من الحق تعالى وقهره، لا من العصا وثعبانها، فلهذا قال تعالى: {لاَ تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلأَعْلَىٰ} [طه: 68] أي: لأنك أعلى درجة عندنا منها؛ لأنها عصاك مصنوعة لنفسك وأنت رسولي وكليمي {أية : وَٱصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي} تفسير : [طه: 41] وإن كانت في مظهر صفة قهري فأنت مظهر صفات لطفي وقهري كلها. {وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوۤاْ إِنَّمَا صَنَعُواْ كَيْدُ سَاحِرٍ} [طه: 69] به يشير إلى أن ما في يمينك هو مصنوعي وكيدي وما صنع السحرة إنما هو مصنوعهم وكيدهم. {وَلاَ يُفْلِحُ ٱلسَّاحِرُ} [طه: 69] ومصنوعهم وكيدهم {حَيْثُ أَتَىٰ} [طه: 69] مصنوعي وكيدي {أية : إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ} تفسير : [القلم: 45] فلمَّا أظهر الله عز وجل كيده في صورة الثعبان وابتلع مصنوعهم وأظهر برهانه {فَأُلْقِيَ ٱلسَّحَرَةُ سُجَّداً قَالُوۤاْ آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَىٰ} [طه: 70] فكان الإيمان على البصيرة ببرهان الربوبية؛ آمنوا بالبرهان بالتقليد، وإن فرعون ما رأى برهان الربوبية فلم يؤمن بالتقليد فقد تحققوا أن المعجزة لم تكن سحراً ولا الرسول ساحراً {قَالَ} [طه: 71] للسحرة {آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ ءَاذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ ٱلَّذِي عَلَّمَكُمُ ٱلسِّحْرَ فَلأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِّنْ خِلاَفٍ وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ ٱلنَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَآ أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَىٰ} [طه: 71] وإنما قال: {أَشَدُّ عَذَاباً} [طه: 71] لأنه كان بصيراً بعذاب الدنيا وشدته، وكان أعمى بعذاب الآخرة وشدته. {قَالُواْ} [طه: 72] يعني: السحرة {لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَىٰ مَا جَآءَنَا مِنَ ٱلْبَيِّنَاتِ} [طه: 72] أي: لن نختارك على ما جاءنا من نور الإيمان ورؤية البرهان والاطلاع على الجنان وجوار الرحمن {وَٱلَّذِي فَطَرَنَا} [طه: 72] وهم قسم؛ أي: بالذي فطرنا على فطرة الإسلام والتعرض للفاطرية لإيجابها عدم إيثارهم فرعون عليه تعالى {فَٱقْضِ مَآ أَنتَ قَاضٍ} [طه: 72] أي: فاحكم وأجر علينا ما قضى الله لنا في الأزل من الشبهات {مَآ أَنتَ قَاضٍ} أي: ما أنت الذي قضى لنا هذه الدرجة {تَقْضِي هَـٰذِهِ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَآ} [طه: 72] علينا كما قضى الله وقدره. {إِنَّآ آمَنَّا بِرَبِّنَا} [طه: 73] الذي قضى وحكم لنا {لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا} [طه: 73] التي كنا نرى منكم الخير والشر {وَمَآ أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ ٱلسِّحْرِ} [طه: 73] رغبة في خيرك ورهبة من شرك {وَٱللَّهُ خَيْرٌ} [طه: 73] في إبطال الخير والشر ونفع البشر منك {وَأَبْقَىٰ} [طه: 73] خيره من خيرك وعذابه من عذابك {إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً} [طه: 74] بائعاً دينه بدنياه مشترياً صحبتك بمولاه {فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ} [طه: 74] البعد والقطيعة {لاَ يَمُوتُ فِيهَا} [طه: 74] موتاً يستريح {وَلاَ يَحْيَىٰ} [طه: 74] حياة ينتفع بها {يَأْتِهِ مُؤْمِناً} [طه: 74] بما وعد وأوعد على لسان أنبيائه {قَدْ عَمِلَ ٱلصَّالِحَاتِ} [طه: 74] التي جاءوا بها {فَأُوْلَـٰئِكَ لَهُمُ ٱلدَّرَجَاتُ ٱلْعُلَىٰ} [طه: 74] والمنازل القربى {جَنَّاتُ عَدْنٍ} [طه: 76] في حظائر القدس. {تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} [طه: 76] أي: من تحت أشجار الأنس أنها الحكم والمعارف {خَالِدِينَ فِيهَا} [طه: 76] بالسير إلى الله وبالله وفي الله، وتلك المقامات والدرجات {جَزَآءُ مَن تَزَكَّىٰ} [طه: 76] عن أخلاقه الذميمة النفسانية وأوصافه السبعية الشيطانية، وتحلى بالأخلاق الروحانية الربانية، واعلم أن التحلية بهذه الأخلاق إنما يكون بعد تزكية النفس عن هذه الأوصاف.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):