Verse. 2414 (AR)

٢٠ - طه

20 - Ta-Ha (AR)

قَالَ بَلْ اَلْقُوْا۝۰ۚ فَاِذَا حِبَالُہُمْ وَعِصِيُّہُمْ يُخَيَّلُ اِلَيْہِ مِنْ سِحْرِہِمْ اَنَّہَا تَسْعٰي۝۶۶
Qala bal alqoo faitha hibaluhum waAAisiyyuhum yukhayyalu ilayhi min sihrihim annaha tasAAa

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قال بل ألقوا» فألقوا «فإذا حبالهم وعصيهم» أصله عصوو قبلت الواوان ياءين وكسرت العين والصاد «يخيل إليه من سحرهم أنها» حيات «تسعى» على بطونها.

66

Tafseer

المحلي و السيوطي

تفسير : {قَالَ بَلْ أَلْقُواْ } فألقَوْا {فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ } أصله «عُصُوو» و قلبت الواوان ياءين وكسرت العين والصاد {يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا } حيات {تَسْعَىٰ } على بطونها.

ابن عبد السلام

تفسير : {بَلْ أَلْقُواْ} إنما أمر بذلك لإظهار حجته وبطلان كيدهم وإلا فهو كفر لا يجوز الأمر به، أو هو خبر بصيغة الأمر تقديره "إن كان إلقاؤكم حجة فألقوا ". وكانوا سبعين ألف ساحر أو تسعمائة ثلاثمائة من العريش وثلاثمائة من الفيوم ويشكون في الثلاثمائة من الإسكندرية، أو اثنين وسبعين اثنان من القبط وسبعون من بني إسرائيل، كانوا أول النهار سحرة وآخره شهداء.

ابو السعود

تفسير : {قَالَ} استئنافٌ كما سلف ناشىءٌ من حكاية تخيـيرِ السحرةِ إياه عليه الصلاة والسلام، كأنه قيل: فماذا قال عليه الصلاة والسلام؟ فقيل: قال: {بَلْ أَلْقُواْ} أنتم أولاً مقابلةً للأدب بأحسنَ مِنْ أدبهم حيث بتّ القولَ بإلقائهم أولاً، وإظهاراً لعدم المبالاةِ بسحرهم ومساعدةً لما أوهموا من الميل إلى البدء وليبُرِزوا ما معهم ويستفرغوا أقصى جُهدِهم ويستنفدوا قُصارى وُسعِهم، ثم يظهر الله عز وجل سلطانَه فيقذف بالحق على الباطل فيدمغه لمّا علم أن ما سيظهر بـيده سيلقَف ما يصنعون من مكايد السحر. {فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ} الفاءُ فصيحة معربة عن مسارعتهم إلى الإلقاء كما في قوله تعالى: { أية : أَنِ ٱضْرِب بّعَصَاكَ ٱلْبَحْرَ فَٱنفَلَقَ} تفسير : [الشعراء: 63] أي فألقَوا فإذا حبالُهم وهي للمفاجأة والتحقيقُ أنها أيضاً ظرفيةٌ تستدعي متعلَّقاً ينصِبها وجملةً تضاف إليها، ولكنها خُصت بكون متعلَّقِها فعلَ المفاجأة والجملةُ ابتدائيةٌ، والمعنى فألقَوا ففاجأ موسى عليه الصلاة والسلام وقت أن يُخيَّل إليه سعيُ حبالِهم وعِصِيِّهم من سحرهم وذلك أنهم كانوا لطّخوها بالزئبق فلما ضربت عليها الشمسُ اضطربت واهتزت فخُيل إليه أنها تتحرك، وقرىء تُخيِّل بالتاء على إسناده إلى ضمير الحبال والعِصِيّ وإبدالِ (أنها تسعى) منه بدلَ اشتمالٍ، وقرىء يُخيِّل بإسناده إليه تعالى، وقرىء تَخَيَّل بحذف إحدى التاءين من تتخيل {فَأَوْجَسَ فِى نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَىٰ} أي أضمر فيها بعضَ خوفٍ من مفاجأته بمقتضى البشريةِ المجبولةِ على النفْرة من الحيّات والاحترازِ من ضررها المعتاد من اللسْع ونحوِه، وقيل: من أن يخالج الناسَ شكٌّ فلا يتبعوه وليس بذاك كما ستعرفه، وتأخيرُ الفاعل لمراعاة الفواصل. {قُلْنَا لاَ تَخَفْ} أي ما توهمتَ {إِنَّكَ أَنتَ ٱلأَعْلَىٰ} تعليلٌ لما يوجبه النهيُ من الانتهاء عن الخوف وتقريرٌ لغلبته على أبلغ وجهٍ وآكَدِه كما يُعرب عنه الاستئنافُ، وحرفُ التحقيق وتكريرُ الضمير وتعريفُ الخبر ولفظُ العلوّ المنبىءِ على الغلَبة الظاهرة وصيغةُ التفضيل. {وَأَلْقِ مَا فِى يَمِينِكَ} أي عصاك كما وقع في سورة الأعراف، وإنما أُوثر الإبهامُ تهويلاً لأمرها وتفخيماً لشأنها وإيذاناً بأنها ليست من جنس العِصِيِّ المعهودة المستتبعةِ للآثار المعتادة، بل خارجةٌ عن حدود سائرِ أفراد الجنسِ مبهمةُ الكُنْهِ مستتبِعةٌ لآثار غريبةٍ. وعدمُ مراعاة هذه النُّكتةِ عند حكايةِ الأمرِ في موضع آخرَ لا يستدعي عدمَ مراعاتها عند وقوع المحكيّ. هذا وحملُ الإبهامِ على التحقير ـ بأن يراد لا تُبالِ بكثرة حبالِهم وعصيِّهم وألقِ العُوَيدَ الذي في يدك فإنه بقدرة الله تعالى يلقَفها مع وَحدته وكثرتها وصِغره وعِظَمها ـ يأباه ظهورُ حالها فيما مر مرتين، على أن ذلك المعنى إنما يليق بما لو فعلتْ العصا ما فعلتْ وهي على هيئتها الأصليةِ وقد كان منها ما كان وقوله تعالى: {تَلْقَفْ مَا صَنَعُواْ} بالجزم جواباً للأمر من لقِفه إذا ابتلعه والتقمه بسرعة، والتأنيثُ لكون (ما) عبارةً عن العصا أي تبتلع ما صنعوه من الحبال والعِصِيّ التي خُيّل إليك سعيُها وخِفّتُها، والتعبـيرُ عنها بما صنعوا للتحقير والإيذانِ بالتمويه والتزوير، وقرىء تَلَقّف بتشديد القاف وإسقاطِ إحدى التاءين من تتلقف، وقرىء بالرفع على الحال أو الاستئنافِ والجملةُ الأمرية معطوفةٌ على النهي متمّمةٌ بما في حيزها لتعليل موجبِه ببـيان كيفيةِ غلبتِه عليه الصلاة والسلام وعلوِّه، فإن ابتلاعَ عصاه لأباطيلهم التي منها أوجسَ في نفسه ما أوجس مما يقلَع مادّته بالكلية، وهذا كما ترى صريحٌ في أن خوفَه عليه الصلاة والسلام لم يكن مما ذكر من مخالجة الشكِّ للناس وعدمِ اتّباعِهم له عليه الصلاة السلام وإلا لعُلّل بما يُزيله من الوعد بما يوجب إيمانَهم واتباعَهم له عليه الصلاة والسلام، وقوله تعالى: {إِنَّ مَا صَنَعُواْ} الخ، تعليلٌ لقوله تعالى: {تَلْقَفْ مَا صَنَعُواْ} وما إما موصولةٌ أو موصوفةٌ أي إن الذي صنعوه أو إن شيئاً صنعوه {كَيْدُ سَاحِرٍ} بالرفع على أنه خبرٌ لأن أن كيدُ جنسِ الساحر، وتنكيرُه للتوسل به إلى تنكير ما أضيف إليه للتحقير، وقرىء بالنصب على أنه مفعولُ صنعوا و(ما) كافةٌ، وقرىء كيدُ سحرٍ على أن الإضافةَ للبـيان كما في علمُ فقةٍ أو على معنى ذي سحر أو على تسمية الساحر سحراً مبالغةً وقوله تعالى: {وَلاَ يُفْلِحُ ٱلسَّـٰحِرُ} أي هذا الجنسُ {حَيْثُ أَتَىٰ} أي حيث كان وأين أقبل، من تمام التعليل، وعدمُ التعرض لشأن العصا وكونِها معجزةً إلٰهيةً مع ما في ذلك من تقوية التعليلِ للإيذان بظهور أمرِها، والفاء في قوله تعالى: {فَأُلْقِىَ ٱلسَّحَرَةُ سُجَّداً} كما سلف فصيحةٌ معربةٌ عن محذوفَين ينساق إليهما النظمُ الكريم غنيّـين عن التصريح بهما لعدم احتمال تردّدِ موسى عليه السلام في الامتثال بالأمر واستحالةِ عدمِ وقوعِ اللقْف الموعود، أي فألقاه عليه السلام فوقع ما وقع من اللقف فألقى السحرةُ سجّداً لما تيقنوا أن ذلك ليس من باب السحر وإنما هي آيةٌ من آيات الله عز وجل. روي أن رئيسَهم قال: كنا نغلِب الناسَ وكانت الآلاتُ تبقى علينا، فلو كان هذا سحراً فأين ما ألقَيناه من الآلاتِ؟ فاستَدلّ بتغير أحوال الأجسامِ على الصانع القادرِ العالِم، وبظهور ذلك على يد موسى عليه الصلاة والسلام على صحة رسالتِه لا جرم، ألقاهم ما شاهدوه على وجوههم وتابوا وآمنوا وأتَوا بما هو غايةُ الخضوعِ، قيل: لم يرفعوا رؤوسَهم حتى رأَوا الجنةَ والنارَ والثوابَ والعقاب، وعن عِكرمة لما خرّوا سجداً أراهم الله تعالى في سجودهم منازلَهم في الجنة ولا ينافيه قولهم: {أية : إِنَّا آمَنَّا بِرَبّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَـٰيَـٰنَا } تفسير : [طه: 73] الخ، لأن كونَ تلك المنازلِ منازلَهم باعتبار صدورِ هذا القول عنهم {قَالُواْ} استئناف كما مر غيرَ مرة {آمَنَّا بِرَبّ هَـٰرُونَ وَمُوسَىٰ} تأخيرُ موسى عند حكاية كلامِهم لرعاية الفواصل وقد جُوّز أن يكون ترتيبُ كلامهم أيضاً هكذا، إما لِكبَر سنَّ هارون عليه الصلاة والسلام وإما للمبالغة في الاحتراز عن التوهم الباطلِ من جهة فرعونَ وقومِه، حيث كان فرعونُ ربّىٰ موسى عليه الصلاة والسلام في صِغَره فلو قدّموا موسى عليه الصلاة والسلام لربما توهم اللعينُ وقومُه من أول الأمر أن مرادَهم فرعونُ.

الجنابذي

تفسير : {قَالَ بَلْ أَلْقُواْ} فانّه (ع) لم يكترث بما فعلوا وقال القوا حتّى يلقوا ويؤتوا بغاية جهدهم ليظهر على الكلّ غلبته اتّكالاً على ربّه [فَأَلْقَوْا] ما صنعوا، وقيل: كانوا قد ملأوا الميدان وكان اوسع ما يكون من الاعمدة والحبال {فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ} قرئ يخيّل بياء الغيبة مبنيّاً للمفعول وبتاء التّأنيث مبنيّاً للفاعل.

اطفيش

تفسير : {قَالَ} موسى: {بَلْ أَلْقُوا} أنتم أولاً. قال هذا مقابلة لتأدبهم بتأَدُّب، ولعدم مبالاته بسحرهم، وإسعافا إلى ما أوهموا من الليل إلى البدء بذكر الأول فى إلقائهم دون إلقائه؛ إذ قالوا: {أية : أن نكون أول من ألقى} تفسير : ولم يقولوا: إما أن نلقى أولاً، مع أنه مراد ولكن أسقطوا لفظ أول، وبتغيير النظم إلى وجه أبلغ؛ إذا لمطابق لقولهم: {أية : إما أن تلقى}تفسير : أن يقولوا: وإما أن نلقى. والمراد فى الشقين الإبقاء أولاً. وأيضا أمَرهم موسى بالإلقاء أولا لأنهم إذا بدأوا بالإلقاء واستقصوا مجهودهم فسلط الله المعجزة على سحرهم ومحقته كان أفخر من أن يبدأ موسى فيسلطوا سحرهم على معجزته فلا يبطلها أو يُخيَّلوا تخييلا من غير تسلط عليها. وقد أعلم الله موسى بأنه غالب فاطمأن أو أُلهم ذلك إلهاما. وإن قلت: كيف قالوا: {أية : أول من ألقى} تفسير : بالمضىّ؟ قلت: هو بمعنى المضارع وعبر بالماضى للفاصلة، أو اعتبروا وقوع الإلقاءين ومضيهما والفراغ منهما، حتى إن المخبر ليقول: هم أول من ألقى وإن قلت: كيف أمرهم بإلقاء السحر وهو كفر - رضى الله عنهم؟ قلت: إنما أمرهم به نظرا إلى محنة بمعجزته وفى محقه إعلاء الدين. {فَإذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ} جمع عصاً، وفى ذلك محذوف تقديره: فألقوا فإذا الخ. وإذا للفجاءة حرف عند الأخفش وابن مالك. قال ابن هشام: ويرجحه قولهم: خرجت فإذا إن زيدا بالباب بكسر إن لأن إن لا يعمل ما بعدها فيما قبلها، وظرف مكان عقد المبرِّد وابن عصفور، وظرف زمان عند الزجاج وجار الله القائل: التحقيقية أنها الكائنة بمعنى الوقت الطالبة ناصبا لها، وجملةً تضاف إليها، خُصت فى بعض المواضع بأن يكون ناصبا فعلا مخصوصًا وهو فعل المفاجأة. والجملة اسمية أى ففاجأ موسى تخيله وقت تخيل سعى حبالهم وعصيهم. قال ابن هشام: وذلك زعم منه، بل ناصبها الخبر المذكور، أو المقدر بعدها وأطلت الكلام فى النحو. وأصل عصهم عصووهم بناء على أن ألف العصى عن واو وهو الصحيح أدغمت الواو فى الواو وقلبتا يائين وكسر ما قبلهما، أو أصله عصويهم بضم العين والصاد وإسكان الواو قلبت ضمة الصاد كسرة وقلبت الواو ياء لسكونها بعد كسرة وأدغمت فى الياء، أو لما اجتمعت مع الياء وسكنت قلبت ياء وأدغمت وكسرت الصاد بعد ذلك. وأما كسرة العين فتبع لكسر الصاد. وكذا ظهر لى وزنه فعول. وقرئ بضم العين تركا للإتباع. وفيه التصريف والوزن المذكوران. ثم رأيت بعض ذلك للسيوطى وغيره. {يُخَيَّلُ إلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ} من للتعليل. {أنَّهَا تَسْعَى} نائب يخيل. وقرئ بكسر الياء الثانية. أى بأنها تسعى والفاعل ضمير يعود إلى الله عز وعلا. وقرأ ابن ذكران عن ابن عامر تخيل بالفوقية والبناء للمفعول والنائب ضمير الحبال والعصى واقعا أنها تسمى بدل اشتمال منه. وقرئ بالفوقية والبناء للفاعل الذى هو ضمير ذلك، وأنها تسعى مفعول، ونسب لابن ذكوان عن ابن عامر. وقرئ تخيل بفتح الفوقية وفاعله ضمير ذلك، وأنها تسعى بدل منه وأصله تتخيل حذفت إحدى التاءين. روى أنهم صمّخوا الحبال والعصى بالزئبق، ولما طلعت عليها الشمس اضطربت فى رؤية العين كأنها تتحرك، وكانت قبل أخذت ميلا لكل جانب.

اطفيش

تفسير : {قال بل ألقوا} أنتم أولا ما تلقون لأنى لا أعبأ بعملكم، وأنا الغالب بإذن الله عز وجل، وإيضاً ساعفهم فيما ظن فيهم أنهم يحبون البدء، أو لو غيروا ذلك فى عبارتهم، وأيضاً قابل أدبهم بأدب، وأمره لهم بالإلقاء ليس إعانة عل معصية السحر، ولا إباحة له، بل طاعة لله عز وجل، لأنه عز وجل رضى أن يقول لهم ذلك ليفعلوا فيظهر عجزهم. وقد روى أنهم لما قالوا: إما أن تلقى الخ قال الملائكة أو ملك أو جبريل: ألقوا يا أولياء الله، فلا حاجة الى ما قيل من أنه قال ألقوا تهديداً، كما يقال للعاصى: افعل ما شئت، ولا إلى ما قيل المراد ألقوا إن كنتم محقين إذ لا يخفى عنه أنهم غير محقين، ولا إلقاء يكون منهم حقا، مع أنه معارضة للتوحيد. {فإذا حبالُهُم وعصيُّهم يُخيَّل إليه من سِحْرهم أنَّها تَسْعى} أى فألقوا، فإذا حبالهم الخ كقوله عز وجل: "فانفلق" أى فضرب فانفلق، أشعر هذا أن ملقاهم حبال وعصى، قيل كانوا سبعين ألفاً، كل واحد معه عصا وحبل، أقبلوا على موسى إقبالة واحدة، صفاً والصف أشد إرهاباً من غيره، كما أمروا أن يكونوا صفاً، وفى نفسى من إكثار العدد فى القصص بعض إنكار، ذكر الإخباريون أنهم جعلوا فى القصص والحبال زئبقاً، فاهتزت لحرارة الشمس واضطربت، كأنها تمشى، ومن غرائب أهل القصص أنهم حفروا تحتها الأرض، وجعلوا النار تحتها، فلم لا تحرق الحبال، وإن قويت النار، فلم لا تحرق العصى الضعاف، وإن كانت الحبال والعصى قليلا أمكن ذلك بأعماق النار، بحيث توجد حرارتها فى الزئبق، ولا تحرق، وكيف ذلك، وقد قيل أخذت ميلا فى ميل إن صح، ومن للابتداء أو للتعليل، وأنها تسعى نائب الفاعل وقوله: "يخيل" الخ خبر حبال وعصى، والرابط فى أنها تسعى.

الالوسي

تفسير : {قَالَ } استئناف كما مر كأنه قيل: فماذا قال عليه السلام؟ فقيل قال: {بَلْ أَلْقُواْ } أنتم أولاً إظهاراً لعدم المبالاة بسحرهم وإسعافاً لما أوهموا من الميل إلى البدء في شقهم حيث غيروا النظم إلى وجه أبلغ إذ كان الظاهر أن يقولوا: وإما أن نلقى وليبرزوا ما معهم ويستفرغوا جهدهم ويستنفدوا قصارى وسعهم ثم يظهر الله تعالى شأنه سلطانه فيقذف بالحق على الباطل فيدمغه. قيل وفي ذلك أيضاً مقابلة أدب بأدب، واستشكل بعضهم هذا الأمر ظناً منه أنه يستلزم تجويز السحر فحمله دفعاً لذلك على الوعيد على السحر كما يقال للعبد العاصي: افعل ما أردت، وقال أبو حيان: هو مقرون بشرط مقدر أي ألقوا إن كنتم محقين. وفيه أنه عليه السلام يعلم عدم إحقاقهم فلا يجدي التقدير بدون ملاحظة غيره. وأنت تعلم أنه لا حاجة إلى ذلك ولا إشكال فإن هذا كالأمر بذكر الشبهة لتنكشف. والقول بأن تقديم سماع الشبهة على الحجة غير جائز لجواز أن لا يتفرغ لإدراك الحجة بعد ذلك فتبقى مما لا يلتفت إليه. {فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ } الفاء فصيحة معربة عن مسارعتهم إلى الإلقاء كما في قوله تعالى: {أية : فَقُلْنَا ٱضْرِب بّعَصَاكَ ٱلْحَجَرَ فَٱنفَلَقَ } تفسير : [البقرة: 60] أي فألقوا فإذا حبالهم الخ. وهي في الحقيقة عاطفة لجملة المفاجأة على الجملة المحذوفة. وإذا فجائية وهي عند الكوفيين حرف وهو مذهب مرجوح عند أبـي حيان وظرف زمان عند الرياشي وهو كذلك عنده أيضاً وظرف مكان عند المبرد وهو ظاهر كلام سيبويه ومختار / أبـي حيان والعامل فيها هنا {أَلْقُوْاْ } عند أبـي البقاء. ورد بأن الفاء تمنع من العمل، وفي «البحر» إنما هي معمولة لخبر المبتدأ الذي هو {حِبَـٰلَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ } إن لم يجعلها هي في موضع الخبر بل جعلنا الخبر جملة {يُخَيَّلُ } وإذا جعلناها في موضع الخبر وجعلنا الجملة في موضع الحال فالأمر واضح. وهذا نظير خرجت فإذا الأسد رابض ورابضاً. ولصحة وقوعها خبراً يكتفى بها وبالمرفوع بعدها كلاماً فيقال: خرجت فإذا الأسد. ونص الأخفش في «الأوسط» على أنها قد يليها جملة فعلية مصحوبة بقد فيقال: خرجت فإذا قد ضرب زيد عمراً، وفي «الكشاف» التحقيق فيها أنها إذا الكائنة بمعنى الوقت الطالبة ناصباً لها وجملة تضاف إليها خصت في بعض المواضع بأن يكون ناصبها فعلاً مخصوصاً وهو فعل المفاجأة، والجملة ابتدائية لا غير فتقدير الآية ففاجأ موسى وقت تخيل سعي حبالهم وعصيهم وهذا تمثيل، والمعنى على مفاجأة حبالهم وعصيهم مخيلة إليه السعي انتهى، وفيه من المخالفة لما قدمنا ما فيه لكن أمر العطف عليه أوفق كما لا يخفى، وعنى بقوله: هذا تمثيل أنه تصوير للإعراب وأن إذا وقتية أوقع عليها فعل المفاجأة توسعاً لأنها سدت مسد الفعل والمفعول ولأن مفاجأة الوقت يتضمن مفاجأة ما فيه بوجه أبلغ، وما قيل: إنه أراد الاستعارة التمثيلية فيحتاج إلى تكلف لتحصيلها. وضمير {إِلَيْهِ } الظاهر أنه لموسى عليه السلام بل هو كالمتعين، وقيل: لفرعون وليس بشيء، وأن وما في حيزها نائب فاعل {يُخَيَّلُ } أي يخيل إليه بسبب سحرهم سعيها وكأن ذلك من باب السيمياء وهي علم يقتدر به على إراء الصورة الذهنية لكن يشترط غالباً أن يكون لها مادة في الخارج في الجملة ويكون ذلك على ما ذكره الشيخ محمد عمر البغدادي في «حاشيته على رسالة الشيخ عبد الغني النابلسي في وحدة الوجود» بواسطة أسماء وغيرها. وذكر العلامة البيضاوي في بعض «رسائله» أن علم السيمياء حاصله إحداث مثالات خيالية لا وجود لها في الحس ويطلق على إيجاد تلك المثالات بصورها في الحس وتكون صوراً في جوهر الهواء وهي سريعة الزوال بسبب سرعة تغير جوهره ولفظ سيمياء معرب شيم يه ومعناه اسم الله تعالى انتهى. وما ذكره من سرعة الزوال لا يسلم كلياً وهو عندي بعض من علم السحر. وعرفه البيضاوي بأنه علم يستفاد منه حصول ملكة نفسانية يقتدر بها على أفعال غريبة بأسباب خفية ثم قال: والسحر منه حقيقي ومنه غير حقيقي ويقال له: الأخذ بالعيون وسحرة فرعون أتوا بمجموع الأمرين انتهى، والمشهور أن هؤلاء السحرة جعلوا في الحبال والعصي زئبقاً فلما أصابتها حرارة الشمس اضطربت واهتزت فخيل إليه عليه السلام أنها تتحرك وتمشي كشيء فيه حياة. ويروى أنه عليه السلام رآها كأنها حيات وقد أخذت ميلاً في ميل؛ وقيل: حفروا الأرض وجعلوا فيها ناراً ووضعوا فوقها تلك الحبال والعصي فلما أصابتها حرارة النار تحركت ومشت، وفي القلب من صحة كلا القولين شيء. والظاهر أن التخيل من موسى عليه السلام قد حصل حقيقة بواسطة سحرهم، وروي ذلك عن وهب. وقيل: لم يحصل. والمراد من الآية أنه عليه السلام شاهد شيئاً لولا علمه بأنه لا حقيقة له لظن فيها أنها تسعى فيكون تمثيلاً وهو خلاف الظاهر جداً. وقرأ الحسن وعيسى {عصيهم} بضم العين وإسكان الصاد وتخفيف الياء مع الرفع وهو جمع كما في القراءة المشهورة وقرأ الزهري والحسن وعيسى وأبو حيوة وقتادة والجحدري وروح وابن ذكوان وغيرهم {تخيل} بالتاء الفوقانية مبنياً للمفعول وفيه ضمير الحبال والعصي. و {أَنَّهَا تَسْعَىٰ } بدل اشتمال من ذلك الضمير ولا يضر الإبدال منه في كونه رابطاً لكونه ليس ساقطاً من كل الوجوه. وقرأ أبو السمال {تخيل} بفتح التاء أي تتخيل وفيه أيضاً ضمير ما ذكر و {أَنَّهَا تَسْعَىٰ } بدل منه أيضاً، وقال ابن عطية: / هو مفعول من أجله، وقال أبو القاسم بن حبارة الهذلي الأندلسي في كتاب «الكامل»: عن أبـي السمال أنه قرىء {تخيل} بالتاء من فوق المضمومة وكسر الياء والضمير فيه فاعل و {أَنَّهَا تَسْعَىٰ } نصب على المفعول به. ونسب ابن عطية هذه القراءة إلى الحسن وعيسى الثقفي ومن بني {تخيل} للمفعول فالمخيل لهم ذلك هو الله تعالى للمحنة والابتلاء. وروى الحسن بن يمن عن أبـي حيوة {نخيل} بالنون وكسر الياء فالفاعل ضميره تعالى و {أَنَّهَا تَسْعَىٰ } مفعول به.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {قَالَ بَلْ أَلْقُواْ} ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن نبيه موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام لما خيره سحرة فرعون أن يلقي قبلهم أو يلقوا قبله قال لهم: {أَلْقُواْ} يعني ألقوا ما أنتم ملقون كما صرح به في "الشعراء" في قوله تعالى: {أية : قَالَ لَهُمْ مُّوسَىٰ أَلْقُواْ مَآ أَنتُمْ مُّلْقُونَ} تفسير : [الشعراء: 43] وذلك هو المراد أيضاً بقوله في "الأعراف" {أية : قَالَ أَلْقَوْاْ فَلَمَّآ أَلْقُوْاْ سَحَرُوۤاْ أَعْيُنَ ٱلنَّاسِ} تفسير : [الأعراف: 116] الآية. تنبيه: قول موسى للسحرة: ألقوا المذكور في "الأعراف"، وطه، والشعراء" فيه سؤال معروف، وهو أن يقال: كيف قال هذا النَّبي الكريم للسحرة ألقوا. أي ألقوا حبالكم وعصيكم، يعني اعملوا السحر وعارضوا به معجزة الله التي أيد بها رسوله، وهذا أمر بمنكر؟ والجواب ـ هو أن قصد موسى بذلك قصد حسن يستوجبه المقام، لأن إلقاءهم قبله يستلزم إبراز ما معهم من مكائد السحر، واستنفاد أقصى طرقهم ومجهودهم. فإذا فعلوا ذلك كان في إلقائه عصاه بعد ذلك وابتلاعها لجميع ما ألقوا من إظهار الحق وإبطال الباطل ما لا جدال بعده في الحق لأدنى عاقل. ولأجل هذا قال لهم: ألقوا، فلو ألقى قبلهم وألقوا بعده لم يحصل ما ذكرنا، والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى: {فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ}. قرأ هذا الحرف ابن ذكوان عن ابن عامر "تخيَّل" بالتاء، أي تخيل هي أي الحبال والعصي أنها تسعى. والمصدر في "أنها تسعى" بدل من ضمير الحبال والعصي الذي هو نائب فاعل "تخيل" بدل اشتمال. وقرأ الباقون بالياء التحتية. والمصدر في {أَنَّهَا تَسْعَىٰ} نائب فاعل {يُخَيَّلُ}. وفي هذه الآية الكريمة حذف دل المقام عليه، والتقدير: قال بل ألقوا فألقوا حبالهم وعصيهم، فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى. وبه تعلم أن الفاء في قوله {فَإِذَا حِبَالُهُمْ} عاطفة على محذوف كما أشار لنحو ذلك ابن مالك في الخلاصة بقوله: وحذف متبوع بدا هنا استبح و "إذا" هي الفجائية، وقد قدمنا كلام العلماء فيها فأغنى ذلك عن إعادته هنا. والحبال: جمع حبل، وهو معروف. و "العصي" جمع عصا، وألف العصا منقلبة عن واو، ولذا ترد إلى أصلها في التثنية: ومنه قول غيلان ذي الرمة: شعر : فجاءت بنسج العنكبوت كأنه على عصويها سابري مشبرق تفسير : وأصل العصي عصوو على وزن فعول جمع عصا. فأعل بإبدال الواو التي في موضع اللام ياء فصار عصوباً، فأبدلت الواو باء وأدغمت في الياء، فالياءان أصلهما واوان. وإلى جواز هذا النوع من الإعلال في واوي اللام مما جاء على فعول أشار في الخلاصة بقوله: شعر : كذاك ذا وجهين جا الفعول من ذي الواو لام جمع أو فرد يعن تفسير : وضمه الصاد في {وَعِصِيُّهُمْ} أبدلت كسرة لمجانسة الياء، وضمة عين "عِصِيِّهِمْ" أبدلت كسرة لإتباع كسرة الصاد. والتخيل في قوله {يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ} هو إبداء أمر لا حقيقة له، ومنه الخيال. وهو الطيف الطارق في النوم. قال الشاعر: شعر : ألا يا لقومي للخيال المشوق وللدار تنأى بالحبيب ونلتقي تفسير : وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ} يدل على أن السحر الذي جاء به سحرة فرعون تخييل لا حقيقة له في نفس الأمر. وهذا الذي دلت عليه آية "طه" هذه ـ دلت عليه آية "الأعراف" وهي قوله تعالى: {أية : فَلَمَّآ أَلْقُوْاْ سَحَرُوۤاْ أَعْيُنَ ٱلنَّاسِ} تفسير : [الأعراف: 116] الآية، لأن قوله: {سَحَرُوۤاْ أَعْيُنَ ٱلنَّاسِ} يدل على أنهم خيلوا لأعين الناظرين أمراً لا حقيقة له. وبهاتين الآيتين احتج المعتزلة ومن قال بقولهم على أن السحر خيال لا حقيقة له. والتحقيق الذي عليه عليه جماهير العلماء من المسلمين: أن السحر منه ما هو أمر له حقيقة لا مطلق تخييل لا حقيقة له، ومما يدل على أن منه ما له حقيقة قوله تعالى: {أية : فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَزَوْجِهِ} تفسير : [البقرة: 102] فهذه الآية تدل على أنه شيء موجود له حقيقة تكون سبباً للتفريق بين الرجل وامرأته وقد عبر الله عنه بما الموصولة وهي تدل على أنه شيء له وجود حقيقي. ومما يدل على ذلك أيضاً قوله تعالى: {أية : وَمِن شَرِّ ٱلنَّفَّاثَاتِ فِي ٱلْعُقَدِ} تفسير : [الفلق: 4] يعني السواحر اللاتي يعقدن في سحرهن وينفثن في عقدهن. فلولا أن السحر حقيقة لم يأمر الله بالاستعاذة منه. وسيأتي إن شاء الله أن السحر أنواع: منها ما هو أمر له حقيقة، ومنها ما هو تخييل لا حقيقة له. وبذلك يتضح عدم التعارض بين الآيات الدالة على أن له حقيقة، والآيات الدالة على أنه خيال. فإن قيل: قوله في "طه": {يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ} الآية، وقوله في "الأعراف": {أية : سَحَرُوۤاْ أَعْيُنَ ٱلنَّاسِ} تفسير : [الأعراف: 116] الدالان على أن سحر سحرة فرعون خيال لا حقيقة له، يعارضهما قوله في "الأعراف": {أية : وَجَآءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ} تفسير : [الأعراف: 116] لأن وصف سحرهم بالعظم يدل على أنه غير خيال. فالذي يظهر في الجواب ـ والله أعلم ـ أنهم أخذوا كثيراً من الحبال والعصي، وخيلوا بسحرهم لأعين الناس أن الحبال والعصي تسعى وهي كثيرة. فظن الناظرون أن الأرض ملئت حيات تسعى، لكثرة ما ألقوا من الحبال والعصي فخافوا من كثرتها، وبتخييل سعي ذلك العدد الكثير وصف سحرهم بالعظم. وهذا ظاهر لا إشكال فيه. وقد قال غير واحد: إنهم جعلوا الزئبق على الحبال والعصي، فلما أصابها حر الشمس تحرك الزئبق فحرك الحبال والعصي، فخيل للناظرين أنها تسعى. وعن ابن عباس: أنهم كانوا اثنين وسبعين ساحراً، مع كل ساحر منهم حبال وعصي. وقيل: كانوا أربعمائة. وقيل كانوا اثني عشر ألفاً. وقيل أربعة عشر ألفاً. وقال ابن المنكدر: كانوا ثمانين ألفاً. وقيل: كانوا مجمعين على رئيس يقال له شمعون. وقيل: كان اسمه يوحنا معه اثني عشر نقيباً، مع كل نقيب عشرون عريفاً، مع كل عريف ألف ساحر. وقيل: كانوا ثلاثمائة ألف ساحر من الفيوم، وثلاثمائة ألف ساحر من الصعيد وثلاثمائة ألف ساحر من الريف فصاروا تسعمائة ألف، وكان رئيسهم أعمى ا هـ. وهذه الأقوال من الإسرائيليات، ونحن نتجنبها دائماً، ونقلل من ذكرها، وربما ذكرنا قليلاً منها منبهين عليه.

د. أسعد حومد

تفسير : (66) - فَقَالَ لَهُمْ مُوسَى: بَلْ أَلْقُوا أَنْتُمْ لِنَرَى مَاذَا تَصْنَعُونَ مِنَ السِّحْرِ، فَأَلْقَوا مَا لَدَيْهِمْ فَسَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ، وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَأَدْخَلُوا الرُّوعَ إِلى نُفُوسِهِمْ، وَجَاؤُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ - كَمَا جَاءَ فِي آيَةٍ أُخْرَى - وَظَهَرَ لِلنَّاسِ مِنْ قُوَّةِ سِحْرِهِمْ أَنَّ حِبَالَهُمْ وَعِصيَهُمُ التِي أَلْقَوْهَا، تَسْعَى وَتَسِيرُ بِاخْتِيَارِهَا.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : لأنهم إنْ ألقوا سِحْرهم كانت للعصا مهمة حين يلقيها موسى، فأراد أن يكون للعصا حركة بعد أن تنقلب إلى ثعبان أو حية أو جان، وإلا لو ألقى هو أولاً، فماذا سيكون عملها؟ وقد ألهم الله تعالى سحرة فرعون هذا الأدب في معركتهم مع موسى، فخيَّروه بين أنْ يلقي هو، أو يلقوا هُمْ، والله - تبارك وتعالى - يحُول بين المرء وقلبه، فألهمهم ذلك مع أنهم خصومه، وأنطقهم بما يؤيد صاحب المعجزة الخالدة، فقالوا: {أية : إِمَّآ أَن تُلْقِيَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَىٰ}تفسير : [طه: 65]. وقد اختار موسى - عليه السلام - أنْ يُلقي أخيراً؛ لأن التجربة التي مَرَّ بها في طوى مع ربه - عز وجل - لما قال له ربه: {أية : قَالَ أَلْقِهَا يٰمُوسَىٰ}تفسير : [طه: 19]. فلما ألقى موسى عصاه انقلبتْ إلى حيَّة تسعى ورأى هو حركتها، لكن لم يكُنْ بهذه التجربة شيء تلقفه العصا، فإذا ألقى موسى أولاً وتحوَّلَتْ العصا حية أو ثعباناً، فما الفرق بينها وبين حبال السحرة التي تحولتْ أمامهم إلى حيَّات وثعابين؟ إذن: لا بُدَّ من شيء يُميِّز عصا موسى كمعجزة عن سِحْر السحرة وشعوذتهم؛ لذلك اختار موسى أنْ يُلقي هو آخراً بإلهام من الله حتى تلقف عصاه ما يأفكون، فما يُلقَف لا بُدَّ أن يسبق ما يَلْقُف. فمن حيث الحركة أمام الناظرين لا فَرْقَ بين عصا موسى وحبال السحرة وعِصِيهم، فكلها تتحرك، إنما تميزت عصا موسى بأنها تلقف ما يصنعون من السحر، وتتتبع حبالهم وعِصيَّهم، وتقفز هنا وهناك، فلها - إذن - عَيْن تبصر، ثم تلقف سحرهم في جوفها، ومع ذلك تظل كما هي لا تنتفخ بطنها مثلاً، وهذا هو موضع المعجزة في عصا موسى عليه السلام. وقوله تعالى: {فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ} [طه: 66] إذن: فحركة العِصِيّ والحبال ليستْ حركة حقيقية، إنما هي تخيُّل {يُخَيَّلُ إِلَيْهِ ..} [طه: 66] فيراها تسعى، وهي ليست كذلك. وقد قال تعالى عن هؤلاء السحرة: {أية : سَحَرُوۤاْ أَعْيُنَ ٱلنَّاسِ ..}تفسير : [الأعراف: 116] فجاءوا بأعمال تخيُّلية خادعة بأيِّ وسيلة كانت، فالبعض يقول مثلاً: إنهم وضعوا بها الزئبق، فلما حَمِيَتْ عليه الشمس تمدّد، فصارتْ الأشياء تتلوّى وتتحرك، فأياً كانت وسائلهم فهي مجرد تخيُّلات، أمَّا الساحر نفسه فيراها حِبَالاً على حقيقتها، وهذا هو الفرق بين سِحْر السحرة، ومعجزة عصا موسى. والسحر يختلف عن الحِيَل التي تعتمد على خِفَّة الحركة والألاعيب والخُدَع، فالسحر أقرب ما يكون إلى الحقيقة في نظر الرائي، كما قال تعالى: {أية : وَٱتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ ٱلشَّيَاطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَـٰكِنَّ ٱلشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ ٱلنَّاسَ ٱلسِّحْرَ ..}تفسير : [البقرة: 102]. إذن: هو فَنٌّ يُتعلم، يعطي التخييل بواسطة تسخير الجنِّ، فهم الذين يقومون بكل هذه الحركات، فهي - إذن - ليستْ حيلاً ولا خفة حركة، إنما هي عملية لها أصول وقواعد تُدرَّس وتُتعَلَّم. والخالق - عز وجل - حينما يعرض علينا قضية السحر، وأنه عبارة عن تَسخير الشياطين لخدمة الساحر، ويجعل لكل منهما القدرة على مضرّة الآخرين: الساحر بالسحر، والشياطين بما لديهم من قوة التشكّل في الأشكال المختلفة والنفاذ من الحواجز؛ لأن الجن خُلِقُوا من النار، والنار لها شفافية تنفذ خلال الجدار مثلاً. أما الإنسان فَخُلِق من الطين، والطين له كثافة، وضربنا مثلاً لنقرب هذه المسألة، قلنا: هَبْ أنك تجلس خلف جدار، ووراء هذا الجدار تفاحة مثلاً وهي من الطينية المتجمدة، أيصل إليك من التفاحة شيء؟ إنما لو خلف الجدار نار فسوف تشعر من خلال الجدار بحرارتها. هذه - إذن - خصوصيات جعلها الخالق عز وجل للشياطين فضلاً عن أنهم يرونكُم من حيث لا ترونهم. لكن، كان من لُطْف القدير بنا أن جعل لنا ما يحمينا من الشياطين، فجعل الحق - تبارك وتعالى - حين يتشكَّلون في الأشكال المختلفة تحكمهم هذه الأشكال، بمعنى لو أن الشيطان تشكّل لك في صورة إنسان فقد حكمتْه هذه الصورة، فلو أطلقتَ عليه الرصاص في هذه اللحظة لقتلتَه فعلاً. لذلك؛ فالشيطان يخاف منك أكثر مما تخاف منه، ولا يظهرون لنا إلا ومضة ولمحة سريعة خَوْفاً أن يكون الرائي له على عِلْم بهذه المسألة فيمسك به وساعتها لن يفلت منك. وقد أمسك النبي صلى الله عليه وسلم شيطاناً وقال: "حديث : لقد هممت أن أربطه بسارية المسجد، يلعب به غلمان المدينة، إلا أنني ذكرت دعوة أخي سليمان {وَهَبْ لِي مُلْكاً لاَّ يَنبَغِي لأَحَدٍ مِّن بَعْدِيۤ ..} ". تفسير : إذن: الحق سبحانه أعطاهم خصوصية التشكّل كما يحبون، إنما قيدهم بما يشكّلون به، كأنه يقول له: إذا تركتَ طبيعتك وتشكَّلْت بصورة أخرى فارْضَ بأنْ تحكمك هذه الصورة، وأن يتحكم فيك الأضعف منك، وإلا لَفزَّعوا الناس وأرهبوهم، ولم نسلم من شَرِّهم. وكذلك الحال مع الساحر نفسه، فلديه بالسحر والطلاسم أن يُسخِّر الجن يفعلون له ما يريد، وهذه خصوصية تفوق بها قدرتُه قدرةَ الآخرين، ولديه بالسحر فُرْصة لا تتوفر لغيره من عامة الناس، فليس بينه وبينهم تكافؤ في الفُرص. والله عز وجل يريد لخَلْقه أنْ تتكافأ فُرَصهم في حركة الحياة فيقول الساحر: إياك أن تفهم أن ما يسَّرته لك من تسخير الأقوى منك ليقدر على ما لا تقدر عليه يفيدك بشيء. أو أنك أخذتَ بالسحر فرصةً على غيرك، بل العكس هو الصحيح فلن تجنيَ من سِحْرك إلا الضرر والشقاء، فالسحر فتنة للإنسان، كما أنه فتنة للجن. لذلك يقول تعالى: {أية : وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ ..}تفسير : [البقرة: 102]. والفتنة هنا معناها أن نختبر استعماله لمدى مَا أعدَّه الله له، أيستعمله في الخير أم في الشر؟ فإنْ قُلْتَ: أتَعلَّم السحر لأستعمله في الخير. نقول: هذا كلامك ساعة التحمُّل، ولا تضمن نفسك ساعة الأداء. كما قلنا سابقاً في تحمُّل الأمانة حين تقبلها ساعة التحمل، وأنت واثق من قدرتك على أدائها في وقتها، ومطمئنٌ إلى سلامة نيتك في تحمُّلها، أما وقت الأداء فربما يطرأ عليك ما يُغيّر نيتك. وكما جاء في قول الحق تبارك وتعالى: {أية : إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً}تفسير : [الأحزاب: 72]. فاخترْنَ التسخير على الاختيار وحَمْل الأمانة؛ لأنهن لا يضمَنَّ القيام بها. وقد أعذر الله تعالى إلى السحرة في قوله: {أية : وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ ..}تفسير : [البقرة: 102]. كأن الساحر مآله إلى الكفر؛ لأنه ابن أهواء وأغيار، لا يستطيع أن يتحكّم في نفسه فيُسخِّر قوة السحر في الخير، كما أن الله تعالى إذا أراد أن يُسخِّر القوى للخير: أيُسخِّر الطائع؟ أم يُسخِّر العاصي؟ سيُسخِّر الطائع، والجن الطائع لا يرضى أبداً بهذه المسألة. إذن: لن يستطيع الساحر إلا تسخير الجن العاصي، كما قال تعالى: {أية : وَإِنَّ ٱلشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىۤ أَوْلِيَآئِهِمْ ..}تفسير : [الأنعام: 121]. لذلك تلاحظ أن كل الذين يشتغلون بهذه العملية على سَمْتهم الغضب، وعلى سحنتهم آثار الذنوب وشُؤْمها، ينفر منهم مَنْ رآهم، يعيشون في أضيق صور العيش، فترى الساحر يأخذ من هذا، ويأخذ من هذا، ويبتز الناس ويخدعهم، ومع ذلك تراه شحاذاً يعيش في ضيق، ويموت كافراً مُبْعَداً من رحمة الله حتى أولاده من بعده لا يَسْلمَون من شُؤْمه، وصدق الله العظيم حين قال: {أية : وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ ٱلإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ ٱلْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً}تفسير : [الجن: 6]. كما أن في حياة السحرة لفتة، يجب أن نلتفت إليها، وهي أن السحرة الذين يصنعون السحر للناس ويخدعونهم: من أين يرتزقون؟ من عامة الناس الذين لا يفهمون في السحر شيئاً، ولو أنه أفلح بالسحر لأغنى نفسه عن أنْ تمتد يده إلى هذا، فيأخذ منه عدة جنيهات، وإلى هذا يطلب منه أشياء غريبة يُوهمه أن مسألته لن تُحّل إلا بها. ولماذا لم يستخدم سحره في سرقة خزينة مثلاً ويريح نفسه من هذا العناء، وإنْ قال: كيف وهي أموال الناس والسطو عليها سرقة، فليذهب إلى الرِّكاز وكنوز الأرض فليست مملوكة لأحد. نعود إلى سحرة فرعون؛ أياً كان سحرهم أمِنْ نوع الألاعيب وخِفّة الحركة وخداع الناظرين؟ أم من نوع السحر الذي علّمته الشياطين من زمن سليمان - عليه السلام - فهو سحر لن يقف أمام معجزة باهرة جاءت على يد موسى لإثبات صدقه. ثم يقول الحق تبارك وتعالى: {فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً ...}.