٢٠ - طه
20 - Ta-Ha (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
74
Tafseer
البيضاوي
تفسير : {إِنَّهُ} إن الأمر. {مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً } بأن يموت على كفره وعصيانه. {فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لاَ يَمُوتُ فِيهَا } فيستريح. {وَلاَ يَحْيَا } حياة مهنأة.
ابن كثير
تفسير : الظاهر من السياق أن هذا من تمام ما وعظ به السحرة لفرعون، يحذرونه من نقمة الله وعذابه الدائم السرمدي، ويرغبونه في ثوابه الأبدي المخلد، فقالوا: {إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً} أي: يلقى الله يوم القيامة وهو مجرم {فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَىٰ} كقوله: {أية : لاَ يُقْضَىٰ عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُواْ وَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِّنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ} تفسير : [فاطر: 36] وقال: {أية : وَيَتَجَنَّبُهَا ٱلأَشْقَى ٱلَّذِى يَصْلَى ٱلنَّارَ ٱلْكُبْرَىٰ ثُمَّ لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَا} تفسير : [الأعلى: 11 - 13] وقال تعالى: {أية : وَنَادَوْاْ يٰمَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَّاكِثُونََ} تفسير : [الزخرف: 77] وقال الإمام أحمد بن حنبل: حدثنا إسماعيل، أخبرنا سعيد بن يزيد عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : أما أهل النار الذين هم أهلها، فإنهم لا يموتمون فيها ولا يحيون، ولكن أناس تصيبهم النار بذنوبهم، فتميتهم إماتة، حتى إذا صاروا فحماً، أذن في الشفاعة، فجيء بهم ضبائر ضبائر، فبثوا على أنهار الجنة، فيقال: يا أهل الجنة أفيضوا عليهم، فينبتون نبات الحبة تكون في حميل السيل» تفسير : فقال رجل من القوم: كأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان بالبادية، وهكذا أخرجه مسلم في كتابه "الصحيح" من رواية شعبة وبشر بن المفضل، كلاهما عن أبي سلمة سعيد بن يزيد به. وقال ابن أبي حاتم: ذكر عن عبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث قال: حدثنا أبي، حدثنا حيان، سمعت سليمان التيمي عن أبي نضرة عن أبي سعيد: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب، فأتى على هذه الآية: {إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَىٰ} قال النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : أما أهلها الذين هم أهلها، فلا يموتون فيها ولا يحيون، وأما الذين ليسوا من أهلها، فإن النار تمسهم، ثم يقوم الشفعاء فيشفعون، فتجعل الضبائر، فيؤتى بهم نهراً يقال له الحياة أو الحيوان، فينبتون كما ينبت العشب في حميل السيل».تفسير : وقوله تعالى: {وَمَن يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ} أي: ومن لقي ربه يوم المعاد مؤمن القلب، قد صدق ضميره بقوله وعمله {فَأُوْلَـٰئِكَ لَهُمُ ٱلدَّرَجَـٰتُ ٱلْعُلَىٰ} أي: الجنة ذات الدرجات العاليات، والغرف الآمنات، والمساكن الطيبات. قال الإمام أحمد: حدثنا عفان، أنبأنا همام، حدثنا زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن عبادة بن الصامت عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : الجنة مائة درجة، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض، والفردوس أعلاها درجة، ومنها تخرج الأنهار الأربعة، والعرش فوقها، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس» تفسير : ورواه الترمذي من حديث يزيد بن هارون عن همام به. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي، أخبرنا خالد بن يزيد بن أبي مالك عن أبيه قال: كان يقال: الجنة مائة درجة، في كل درجة مائة درجة، بين كل درجتين كما بين السماء والأرض، فيهن الياقوت والحلي، في كل درجة أمير يرون له الفضل والسؤدد، وفي "الصحيحين": «حديث : إن أهل عليين ليرون من فوقهم كما ترون الكوكب الغابر في أفق السماء؛ لتفاضل ما بينهم - قالوا يا رسول الله: تلك منازل الأنبياء قال - بلى والذي نفسي بيده رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين» تفسير : وفي السنن: «حديث : وإن أبا بكر وعمر لمنهم وأنعما»تفسير : . وقوله: {جَنَّاتِ عَدْنٍ} أي: إقامة، وهي بدل من الدرجات العلى {تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَـٰالِدِينَ فِيهَا} أي: ماكثين أبداً {وَذٰلِكَ جَزَآءُ مَن تَزَكَّىٰ} أي طهر نفسه من الدنس والخبث والشرك، وعبد الله وحده لا شريك له. واتبع المرسلين فيما جاؤوا به من خير وطلب.
المحلي و السيوطي
تفسير : قال تعالى {إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً } كافراً كفرعون {فَإِنَّ لَهُ } نار {جَهَنَّمَ لاَ يَمُوتُ فِيهَا } فيستريح {وَلاَ يَحْيَا } حياة تنفعه.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَى} يحتمل وجهين: أحدهما: لا ينتفع بحياته ولا يستريح بموته، كما قال الشاعر: شعر : ألا من لنفسٍ لا تموت فينقضي شقاها ولا تحيا حياة لها طعم تفسير : الثاني: أن نفس الكافر معلقة بحنجرته كما أخبر الله عنه فلا يموت بفراقها. ولا يحيا باستقرارها.
ابن عطية
تفسير : قالت فرقة هذه الآية بجملتها من كلام السحرة لفرعون على جهة الموعظة له والبيان فيما فعلوه، وقالت فرقة بل هي من كلام الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم تنبيهاً على قبح ما فعل فرعون وحسن ما فعل السحرة وتحذيراً قد ضمنت القصة المذكورة مثاله. و"المجرم" الذي اكتسب الخطايا والجرائم، وقوله {لا يموت فيها ولا يحيى} مختص بالكافر فإنه معذب عذاباً ينتهي به إلى الموت ثم لا يجهز عليه فيستريح، بل يعاد جلده ويجدد عذابه، فهو لا يحيى حياة هنية، وأما من يدخل النار من المؤمنين بالمعاصي فهم قبل أن تخرجهم الشفاعة في غمرة قد قاربوا الموت، إلا أنهم لا يجهز عليهم ولا يجدد عذابهم فهذا فرق ما بينهم وبين الكفار. وفي الحديث الصحيح "أنهم يماتون إماتة" وهذا هو معناه لأنه لا يموت في الآخرة. و {الدرجات العلى} هي القرب من الله تعالى و{تزكى} معناه أطاع الله تعالى وأخذ بأزكى الأمور وتأتل التكسب في لفظة {تزكى} فأنه بين.
الثعالبي
تفسير : وقوله عز وجل: {إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَىٰ...} الآية. قالت فرقة: هذه الآيةُ بجملتها مِنْ كلام السحرة لفرعون علىٰ جهة الموعظة له، والبيان فيما فعلُوه. وقالتْ فرقةٌ: بلْ هي مِنْ كَلامِ اللَّه عز وجل لنبيّنَا محمدٍ صلى الله عليه وسلم تنبيهاً على قُبْح ما فعل فرعون، وحُسْنِ ما فعل السحرة، وموعظة، وتحذِيراً قد تضمنت القِصّة المذكورة مثاله. وقوله: {لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَىٰ} مختصٌّ بالكافر؛ فإنه مُعَذّب عذاباً ينتهي به إلى الموت، ثم لا يُجْهز عليه فيستريح، بل يُعاد جلده، ويجدّدُ عذابه. وأما مَنْ يدخل النار من المؤمنين بالمعاصي، فهم قبل أن تخرجهم الشفاعةُ في غمرة قد قاربوا الموت، إلا أنّهم لا يُجْهز عليهم، ولا يجددُ عذابهم؛ فهذا فرقُ ما بينهم وبين الكفار، وفي الحديث الصحيح: «حديث : أَنَّهُمْ يُمَاتُونَ فِيهَا إمَاتَةً»تفسير : ، وهذا هو معناها؛ لأنه لاَ مَوْتَ في الآخرة: و {تَزَكَّىٰ} معناه: أطاع اللَّهَ، وأخذَ بأَزْكَى الأُمور. وقوله سبحانه: {ولَقَدْ أَوْحَيْنَا إلَىٰ مُوسَىٰ} هذا ٱستِئْنافُ إخبارٍ عن شيء من أمر موسى، وباقي الآية بيِّنٌ، وقد تقدم ذكر ما يخصها من القصص. وقوله تعالى: {لاَ تَخَافُ دَرَكاً} أيْ: من فرعون، وجنودِهِ، {ولاَ تَخْشَىٰ} غرقاً من البحر. وقوله {مَا غَشِيَهُمْ} إبهام أهول من النصّ؛ وهذا كقوله: {أية : إذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَىٰ}تفسير : [النجم:16] {وأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ} يريد: من أول أمره إلى هذه النهاية، {وَمَا هَدَىٰ} مقابل لقوله: {أية : وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ} تفسير : [غافر:29].
ابن عادل
تفسير : قوله: {إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً} قيل: هذا ابتداء كلام من الله تعالى وقيل: من تمام قول السحرة ختموا كلامهم بشرح أحوال المجرمين وأحوال المؤمنين في عرصة القيامة. والهاء في "إنَّه" ضمير الشأن، والجملة الشرطية خبرها، و "مُجْرِماً" حال من فاعل "يأت". وقوله: "لاَ يَمُوتُ" يجوز أن يكون حالاً من الهاء في "لَهُ" وأن يكون حالاً من جهنم، لأنَّ في الجملة ضمير كل منهما. والمراد بالمجرم المشرك الذي مات على الشرك {فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لاَ يَمُوتُ فِيهَا} فيستريح "وَلاَ يَحْيَى" حياة ينتفع بها. فَإنْ قيلَ: الجسم الحيُّ لا بد وأن يبقى حيّاً أو ميتاً فخلوه عن الوصفين محال. فالجواب: أنَّ المعنى يكون في جهنم بأسوأ حال لا يموت موتة مريحة ولا يَحْيَى حياة (ممتعة). وقال بعضهم: إن لنا حالاً ثالثة، وهي كحالة المذبوح قبل أنْ يهدى فلا هو حَيٌّ، لأنه قد ذبح ذبحاً لا يبقى الحياة معه، ولا هو ميت، لأن الروح لم تفارقه بعد فهي حالة ثانية. فصل استدلت المعتزلة بهذه الآية في القطع على وعيد أصحاب الكبائر: قالوا: صاحب الكبيرة مجرم، وكل مجرم فإنَّ له جَهَنَّم لقوله: {مَن يَأْتِ رَبَّه مُجْرِماً} وكلمةُ (مَنْ) في معرض الشرط تفيد العموم بدليل أنه يجوز استثناء كل واحد منها، والاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لدخل. وأحبيت بأنه لا نَسَلِّم أن صاحب الكبيرة مجرم، لأنه تعالى جعل المجرم في مقابلة المؤمن لقوله: {وَمَن يَأْتِهِ مُؤْمِناً}، وقال: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ كَانُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ يَضْحَكُونَ} تفسير : [المطففين: 29]، وأيضاً: فإنه لا يليق بصاحب الكبيرة أن يقال في حقّه، فَإنَّ لَهُ جَهَنَّم لاَ يَكُون بهذا الوصف، وفي الخبر الصحيح "يَخْرُجُ من النَّار مَنْ كانَ في قلبه مثقال ذرة من الإيمان". قال ابنُ الخطيب: وهذه اعتراضات ضعيفة أما قوله: إنَّ الله تعالى جعل المجرم في مقابلة المؤمن فمسلم لكن هذا إنما ينفع لو ثبت أن صاحب الكبيرة مؤمن، ومذهب المعتزلة أنه ليس بمؤمن، فهذا المعترض كأنه بنى هذا الاعتراض على مذهب نفسه وذلك ساقط. وقوله ثانياً: إنه لا يليق بصاحب الكبيرة (أن يقال في حقه): إِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيى. قلنا: لا نسلم فإنَّ عذاب جهنَّم في غاية الشدة قال تعالى: {أية : رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ ٱلنَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ} تفسير : [آل عمران: 192] وأما الحديث فقالوا: القرآن متواتر فلا يعارضه خبر الواحد، ويمكن أن يقال: ثبت في أصول الفقه أنه يجوز تخصيص القرآن بخبر الواحد، وللخصم أن يجيب بأن ذلك يفيد الظن فيجوز الرجوع إليه في العمليات، وهذه المسألة ليست من العمليات بل من الاعتقادات، فلا يجوز الرجوع إليها ههنا. واعترض آخر فقال: أجمعنا على أن هذه المسألة مشروطة بنفي التوبة وبأن لا يكون عقابه محبطاً بثواب طاعته، والقدر المشترك بين الصورتين هو أن لا يوجد ما يحبط ذلك العقاب، لكن عندنا العفو مُحْبِطٌ للعقاب، وعندنا أنَّ المجرم الذي لا يوجد في حقه العفو لا بد وأن يدخل جهنم. قال ابن الخطيب: وهذا الاعتراض أيضاً ضعيف. أمَّا شَرْطُ نفي التوبة فلا حاجة إليه، لأنه قال: {مَن يَأْتِ رَبَّهُ مجْرِماً}، لأن المجرم اسم ذم، فلا يجوز إطلاقه على صاحب الصغيرة، بل الاعتراض الصحيح أن يقول: عموم هذا الوعيد معارض بما جاء بعده من عموم الوعد، وهو قوله تعالى: {وَمَن يَأتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ ٱلصَّالِحَاتِ فَأُوْلَـئِكَ لَهُمُ ٱلدَّرَجَاتُ ٱلْعُلَىٰ}، وكلامنا فيمن أتى بالإيمان (والأعمال الصالحة) ثم أتى بعد ذلك ببعض الكبائر. فإن قيل: عقاب المعصية يحبط ثواب الطاعة. قلنا: لِمَ لا يجوز أنْ يقال: ثواب الإيمان يدفع عقابَ المعصية؟ فإن قالوا: فلو كان كذلك لوجب أن لا يجوز إقامة الحد عليه. قلنا: أما اللعن فغير جائز عندنا، وأما إقامة الحد فقد يكون على سبيل المحنة كما في حق التائب، وقد يكون على سبيل التنكيل. قالت المعتزلة: قوله تعالى: {أية : وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقْطَعُوۤاْ أَيْدِيَهُمَا جَزَآءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ ٱللَّهِ} تفسير : [المائدة: 38] فالله تعالى نصَّ على أَنَّه يجب عليه إقامة الحد على سبيل التنكيل، وكل من كان كذلك استحال أن يكون مستحقاً للمدح والتعظيم، وإذَا لم يبق ذلك لم يبق الثواب على قولنا: إن عذاب الكبيرة أولى بإزالة ثواب الطاعة المتقدمة من الطاعات بدفع عقاب الكبيرة الطارئة. فقد انتهى كلامهم في مسألة الوعيد. قلنا: حاصل الكلام يرجع إلى أنَّ هذا النص الدال على إقامة الحد عليه على سبيل التنكيل صار معارضاً للنصوص الدالة على كونه مستحقاً للثواب، فلم كان ترجيح أحدهما على الآخر أولى من العكس، وذلك لأن المؤمن كما ينقسم إلى السَّارق وإلى غير السَّارق، فالسَّارق ينقسم إلى المؤمن وغير المؤمن، فلم يكن لأحدهما مزية على الآخر في العموم والخصوص، وإذا تعارضا تساقطا. ثم نقول: لا نُسَلمُ أنَّ كلمة "مَنْ" في إفادة العموم قطيعة بل ظنية (ومسألتنا قطعيَّة) فلا يجوز التعويل على ما ذكرتموه. فصل تمسك المجَسِّمة بقوله: {مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ} فقالوا: الجسم إنما يأتي ربه لو كان الربّ في المكان. وجوابه أنَّ الله تعالى جعل إتيانَهُم موضع الوعد إتْيَاناً إلى الله مجازاً كقول إبراهيم عليه السلام: {أية : إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي سَيَهْدِينِ} تفسير : [الصافات: 99]. قوله: {وَمَن يَأْتِهِ مُؤْمِناً}. قرأ أبو عمرو ساكنة الهاء، ويختلسها أبو جعفر وقالون ويعقوب والآخرون بالإشباع. "مُؤْمِناً" مات على الإيمان "قَدَ عَمِل" أي وقد عمل الصالحات، واعلم أن قوله: {قَدْ عَمِلَ ٱلصَّالِحَاتِ} يقتضي أن يكون آتياً بكل الصالحات وذلك بالاتفاق غير معتبر ولا ممكن، فينبغي أن يحمل ذلك على أداء الواجبات، ثم ذكر أنَّ مَنْ أتى بالإيمان والأعمال الصالحة كانت لهم الدرجات العلا، ثم فسر الدرجات العلا فقال: {جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَٰرُ} وفي الآية تنبيه على حصول العفو لأصحاب الكبائر، لأنه تعالى جعل الدرجات العلا من الجنة لمن أتى بالإيمان والأعمال الصالحة فسائر الدرجات التي هي غير عالية ولا بد وأن تكون لغيرهم، وما هم إلا العصاة من أهل الإيمان. والعلا: جميع العليا، والعليا تأنيث الأعلى. قوله: "جَنَّاتُ" بدل من "الدَّرَجَاتُ" أو بيان، قال أبو البقاء: ولا يجوز أن يكون التقدير: هِي جَنَّاتُ، لأن "خَالِدِينَ" على هذا التقدير لا يكون في الكلام ما يعمل في الثاني، وعلى الأول يكون في الحال الاستقرار، أو معنى الإشارة. قوله: {وَذلِكَ جَزَآءُ مَن تَزَكَّىٰ} قال ابن عباس: يريد من قال: لا إله إلا الله ومعنى "تَزَكَّى" تطهَّر من الذنوب، قال عليه السلام "حديث : إِنَّ أهْلَ الدَّرَجَاتِ العُلَى لَتَرَوْنَهُمْ مِنْ تَحْتِهِمْ كَمَا تَرَوْنَ الكَوْكَبَ الدُّرِّي فِي أُفقِ السَّمَاء، وإنَّ أبَا بَكْر وَعُمَر مِنْهُم" تفسير : . واعلم أنَّه ليس في القرآن أنَّ فرعون فعل بأولئك القوم المؤمنين ما أوعدهم، ولم يثبت في الأخبار.
اسماعيل حقي
تفسير : {انه} اى الشأن وهو تعليل من جهتهم لكونه تعالى خيرا وابقى {من}[كس كه]{يأت}[آيد در روزقيامت]{ربه}[نزديك برور دكار او]{مجرما} حال كونه متوغلا فى اجرامه منهمكا فيه بان يموت على الكفر والمعاصى ولانه مذكور فى مقابلة المؤمن {فان له جهنم لا يموت فيها} فينتهى عذابه ويستريح وهذا تحقيق لكون عذابه ابقى {ولا يحيى} حياة ينتفع بها.
الجنابذي
تفسير : {إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً} وعلى الاوّل يكون تعليلاً لقوله انّا آمنّا بربّنا {فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَىٰ} هذه العبارة صارت مثلاً فى العرب والعجم لمن ابتلى ببليّةٍ عظيمةٍ لا يكون له مخلص عنها والمقصود من هذا المثل انّه لا يموت عن الحيٰوة الانسانيّة حتّى يصير العذاب عذباً له، ولا يحيى بالحيٰوة الانسانيّة حيٰوةً خالصةً عن شوائب الظّلمات الشّيطانيّة فيخرج منها.
اطفيش
تفسير : {إِنَّهُ} أى الشأن {مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا} أى يموت على شركه أو نفاقه. {فَإِنَّ لَهُ جُهُنَّمَ لاَ يَمُوتُ فِيهَا} فيستريح {وَلاَ يَحْيَى} إما على حذف النعت والمنعوت، أى حياة نافعة، أو على تشبيه حياته بعدمها، لعدم ما وحد من المنافع، والقرينة قوله: لا يموت.
اطفيش
تفسير : {إنَّه} الخ تقرير لقولهم: "أية : والله خير وأبقى" تفسير : [طه: 73] ورد على فرعون الذي يشتد عذابه وثوابه، مع دوام هو الله عز وجل، وأكد بضمير الشأن {من يَأتِ} بالموت أو بالبعث {ربَّهُ مُجْرماً} بالشرك أو غيره بالشرك أو غيره من الكبائر {فإن لّه جَهنَّم لا يمُوتُ فيها} فيستريح {ولا يحيا} فيها حياة نافعة.
الالوسي
تفسير : وقوله تعالى: {إِنَّهُ } إلى آخر الشرطيتين تعليل من جهتهم لكونه تعالى شأنه خيراً وأبقى وتحقيق له وإبطال لما ادعاه اللعين، وتصديرهما بضمير الشأن للتنبيه على فخامة مضمونهما ولزيادة تقرير له أي إن الشأن الخطير هذا أي قوله تعالى: {مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً } بأن مات على الكفر والمعاصي. {فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لاَ يَمُوتُ فِيهَا } فينتهي عذابه وهذا تحقيق لكون عذابه تعالى أبقى {وَلاَ يَحْيَىٰ } حياة ينفتع بها.
ابن عاشور
تفسير : هذه الجمل معترضة بين حكاية قصة السحرة وبين ذكر قصّة خروج بني إسرائيل، ساقها الله موعظة وتأييداً لمقالة المؤمنين من قوم فرعون. وقيل: هي من كلام أولئك المؤمنين. ويبعده أنه لم يحك نظيره عنهم في نظائر هذه القصّة. والمجرم: فاعل الجريمة، وهي المعصية والفعل الخبيث. والمجرم في اصطلاح القرآن هو الكافر، كقوله تعالى: {أية : إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون}تفسير : [المطففين: 29]. واللام في {لَهُ جَهَنَّمَ} لامُ الاستحقاق، أي هو صائر إليها لا محالة، ويكون عذابه متجدّداً فيها؛ فلا هو ميت لأنّه يُحِس بالعذاب ولا هو حيّ لأنه في حَالةٍ الموتُ أهون منها، فالحياة المنفية حياة خاصة وهي الحياة الخالصة من العذاب والآلام. وبذلك لم يتناقض نفيها مع نفي الموت، وهو كقول عبّاس بن مرداس:شعر : وقد كنتُ في الحرب ذَا تُدْرَإٍ فلم أُعْطَ شيئاً ولم أُمنع تفسير : وليس هذا من قبيل قوله {أية : إنها بقرة لا فارض ولا بكر}تفسير : [البقرة: 68] ولا قوله {أية : زيتونة لا شرقية ولا غربية}تفسير : [النور: 35]. وأما خلود غير الكافرين في النّار من أهل الكبائر فإن قوله {لا يَمُوتُ فِيهَا ولا يَحْيَىٰ} جعلها غير مشمولة لهذه الآية. ولها أدلّة أخرى اقتضت خلود الكافر وعدم خلود المؤمن العاصي. ونازَعَنَا فيها المعتزلة والخوارج. وليس هذا موضع ذكرها وقد ذكرناها في مواضعها من هذا التفسير. والإتيان باسم الإشارة في قوله: {فأولئك لهم الدرجات} للتنبيه على أنهم أحرياء بما يذكر بعد اسم الإشارة من أجل ما سبق اسمَ الإشارة. وتقدم معنى {عَدْن} وتفسير {تجري من تحتها الأنهار} في قوله تعالى: {أية : وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة في جنات عدن} تفسير : في سورة براءة (72). والتزكّي: التطهر من المعاصي. افتتاح الجملة بحرف التحقيق للاهتمام بالقصة ليلقي السامعون إليها أذهانهم. وتغيير الأسلوب في ابتداء هذه الجملة مؤذن بأن قصصاً طويت بين ذكر القصتين، فلو اقتصر على حرف العطف لتوهّم أن حكاية القصة الأولى لم تزل متصلة فتُوهم أن الأمر بالخروج وقع موالياً لانتهاء مَحْضَر السحرة، مع أن بين ذلك قصصاً كثيرة ذُكرت في سورة الأعراف وغيرها، فإن الخروج وقع بعد ظهور آيات كثيرة لإرهاب فرعون كلما همّ بإطلاق بني إسرائيل للخروج. ثمّ نكَل إلى أن أذن لهم بأخَرَة فخرجوا ثمّ ندم على ذلك فأتبعهم. فجملة {ولقَدْ أوْحَيْنَا إلى مُوسَىٰ} ابتدائية، والواو عاطفة قصة على قصة وليست عاطفة بعض أجزاء قصة على بعض آخر. و {اسْرِ} أمرٌ من السُرَى بضم السين وفتح الراء وتقدّم في سورة الإسراء أنه يقال: سَرَى وأسرى. وإنما أمره الله بذلك تجنّباً لنكول فرعون عليهم. والإضافة في قوله {بِعِبَادي} لتشريفهم وتقريبهم والإيماءِ إلى تخليصهم من استعباد القبط وأنهم ليسُوا عبيداً لفرعون. والضرب: هنا بمعنى الجَعْل كقولهم: ضَرَب الذهبَ دنانير. وفي الحديث: «حديث : واضربوا إليّ معكم بسهم»تفسير : ، وليس هو كقوله {أية : أن اضْرِب بعصاك البحر}تفسير : [الشعراء: 63] لأنّ الضرب هنالك متعد إلى البحر وهنا نصَب طريقا. واليَبَس ــــ بفتح المثناة والموحدة ــــ. ويقال: ــــ بسكون الموحدة ــــ: وصف بمعنى اليابس. وأصله مصدر كالعَدَم والعُدْم، وصف به للمبالغة ولذلك لا يؤنث فقالوا: ناقة يَبَس إذا جفّ لبنها. و {لا تخافُ} مرفوع في قراءة الجمهور، وعدٌ لموسى اقتصر على وعده دون بقية قومه لأنه قدوتهم فإذا لم يخف هو تشجعوا وقوي يقينهم، فهو خبر مراد به البُشرى. والجملة في موضع الحال. وقرأ حمزة وحده لا تَخَفْ على جواب الأمر الذي في قوله {فاضرب}، وكلمة {تَخَفْ} مكتوبة في المصاحف بدون ألف لتكون قراءتها بالوجهين لكثرة نظائر هذه الكلمة ذات الألف في وسطها في رسم المصحف ويسميه المؤدبون «المحذوفَ». وأما قوله {وَلاَ تَخْشَىٰ} فالإجماع على قراءته بألف في آخره. فوجه قراءة حمزة فيها مع أنّه قرأ بجزم المعطوف عليه أن تكون الألف للإطلاق لأجل الفواصل مثل ألف {أية : فأضلونا السبيلا}تفسير : [الأحزاب: 67] وألف {أية : وتظنون بالله الظُنونا}تفسير : [الأحزاب: 10]، أو أن تكون الواو في قوله {ولا تخشى} للاستئناف لا للعطف. و {الدّرَك} بفتحتين اسم مصدر الإدراك، أي لا تخاف أن يدركك فرعون. والخشية: شدّة الخوف. وحذف مفعوله لإفادة العموم، أي لا تخشى شيئاً، وهو عامّ مراد به الخصوص، أي لا تخشى شيئاً مما يخشى من العدوّ ولا من الغرق.
الشنقيطي
تفسير : ذكر الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة: {إِنَّهُ} أي الأمر والشأن {إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ} يوم القيامة في حال كونه {مُجْرِماً} أي مرتكباً الجريمة في الدنيا حتى مات على ذلك كالكافر عياذاً بالله تعالى {فَإِنَّ لَهُ} عند الله {جَهَنَّمَ} يعذب فيها فـ {لاَ يَمُوتُ} فيستريح {وَلاَ يَحْيَىٰ} حياة فيها راحة. وهذا الذي ذكره هنا ـ أوضحه في غير هذا الموضع: كقوله: {أية : وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لاَ يُقْضَىٰ عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُواْ وَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِّنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ} تفسير : [فاطر: 36]، وقوله تعالى: {أية : وَٱسْتَفْتَحُواْ وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ مِّن وَرَآئِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَىٰ مِن مَّآءٍ صَدِيدٍ يَتَجَرَّعُهُ وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ ٱلْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِن وَرَآئِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ} تفسير : [إبراهيم: 15-17]، وقوله تعالى: {أية : كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ} تفسير : [النساء: 56]، وقوله تعالى: {أية : وَيَتَجَنَّبُهَا ٱلأَشْقَى ٱلَّذِى يَصْلَى ٱلنَّارَ ٱلْكُبْرَىٰ ثُمَّ لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَا} تفسير : [الأعلى: 11-13]، وقوله تعالى: {أية : يٰمَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَّاكِثُونَ} تفسير : [الزخرف: 77] إلى غير ذلك من الآيات. ونظير ذلك من كلام العرب قول عبيد الله بن عبدالله بن عتبة بن مسعود أحد فقهاء المدينة السبعة: شعر : ألا من لنفس لا تموت فينقضي شقاها ولا تحيا حياة لها طعم
د. أسعد حومد
تفسير : (74) - وَتَابَعَ السَّحَرَةُ وَعْظَهُمْ لِفِرْعَوْنَ وَهُمْ يُحَذِّرُونَهُ مِنْ نَقْمَةِ اللهِ، وَعَذَابِهِ الدَّائِمِ، وَيُرَغِّبُونَهُ فِي ثَوَابِهِ الأَبَدِيِّ المُخَلَّدِ، فَقَالُوا لَهُ: إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ، فَإِنَّ اللهَ قَدْ أَعَدَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ جَزَاءً لَهُ، وَكَانَ مُخَلَّداً فِيهَا، وَلاَ يَمُوتُ فِيهَا مِيتَةً مُرِيحَةً فَيَرْتَاحُ، وَلاَ يَحْيَا حَيَاةً مُمْتِعَةً يُسَرُّ بِهَا.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : قوله: {مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً ..} [طه: 74] يعني مُجرِّماً عمل الجريمة، والجريمة أنْ تكسر قانوناً من قوانين الحق - عز وجل - كما يفعل البشر في قوانينهم، فيضعون عقوبة لمَنْ يخرج عن هذه القوانين، لكن ينبغي أن تُعيِّن هذه الجريمة وتُعلَن على الناس، فإذا ما وقع أحد في الجريمة فقد أعذر من أنذر. إذن: لا يمكن أن تعاقب إلا بجريمة، ولا توجد جريمة إلا بنص. وقوله: {يَأْتِ} أي: هو الذي سيأتي رغم إجرامه، ورغم ما ينتظره من العذاب. لكن لماذا خاطبوه بلفظ الإجرام؟ لأنه قال: {أية : فَلأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِّنْ خِلاَفٍ وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ ٱلنَّخْلِ ..}تفسير : [طه: 71] ولم يفعلوا أكثر من أنْ قالوا كلمة الحق، فأيُّنا إذنْ المجرم؟ وقوله تعالى: {فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَىٰ} [طه: 74] لأن الموت سَيُريحهم من العذاب؛ لذلك يتمنَّوْنَ الموت، كما جاء في قوله تعالى: {أية : وَنَادَوْاْ يٰمَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ ..}تفسير : [الزخرف: 77] فيأتي رده {أية : إِنَّكُمْ مَّاكِثُونَ}تفسير : [الزخرف: 77]. وفَرْقٌ بين عذاب وموت، فالموت إنهاء للحياة، وليس بعد الموت إيلام، أمَّا العذاب فلا ينشأ إلا مع الحياة؛ لأنه إيلام حَيٍّ. لذلك، فالحق - تبارك وتعالى - لما عرض لهذه المسألة في قصة سليمان عليه السلام والهدهد وأن سليمان قال: {أية : لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ ..}تفسير : [النمل: 21] فالعذاب شيء، والذبح شيء آخر؛ لأنه إنهاء للحياة الحاسة. ومعنى: {لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَىٰ} [طه: 74] أن هناك مرحلة وحلقة بين الموت والحياة، حيث لا يموت فيستريح، ولا يحيى حياةً سالمة من العذاب، فبقاؤهم في جهنم في هذه المرحلة، التي لا هي موت ولا هي حياة.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يخبر تعالى أن من أتاه، وقدم عليه مجرما -أي: وصفه الجرم من كل وجه، وذلك يستلزم الكفر- واستمر على ذلك حتى مات، فإن له نار جهنم، الشديد نكالها، العظيمة أغلالها، البعيد قعرها، الأليم حرها وقرها، التي فيها من العقاب ما يذيب الأكباد والقلوب، ومن شدة ذلك أن المعذب فيها لا يموت ولا يحيا، لا يموت فيستريح، ولا يحيا حياة يتلذذ بها، وإنما حياته محشوة بعذاب القلب والروح والبدن، الذي لا يقدر قدره، ولا يفتر عنه ساعة، يستغيث فلا يغاث، ويدعو فلا يستجاب له. نعم إذا استغاث، أغيث بماء كالمهل يشوي الوجوه، وإذا دعا، أجيب بـ {أية : اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ }. تفسير : ومن يأت ربه مؤمنا به مصدقا لرسله، متبعا لكتبه { قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ } الواجبة والمستحبة، { فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلا } أي: المنازل العاليات، وفي الغرف المزخرفات، واللذات المتواصلات، والأنهار السارحات، والخلود الدائم، والسرور العظيم، فيما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. { وَذَلِكَ } الثواب، { جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى } أي: تطهر من الشرك والكفر والفسوق والعصيان، إما أن لا يفعلها بالكلية، أو يتوب مما فعله منها، وزكى أيضا نفسه، ونماها بالإيمان والعمل الصالح، فإن للتزكية معنيين، التنقية، وإزالة الخبث، والزيادة بحصول الخير، وسميت الزكاة زكاة، لهذين الأمرين.
النسائي
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَىٰ} [74]. 347 - أنا محمدُ بن عبد الأعلى، ما خالدٌ، نا عثمانُ، أن أبا نضرة حدثهم، عن أبي سعيد الخُدري، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : يُجمعُ الناس عند جسر جهنم، وإن عليه حسكاً وكلاليب، ويمر الناسُ، قال: فيمرُّ منهم مثل البرق، وبعضهم مثل الفرس المُضمرِ، وبعضهم يسعى، وبعضهم يمشي وبعضهم يزحف، والكلاليب تخطفهم والملائكة بجنبتيه: اللَّهُمَّ سلِّم سلِّم، والكلاليبُ تخطفهم"، قال: "فأما أهلها الذين هم أهلها فلا يموتون ولا يحيون، وأما أُناسٌ يُؤخذون بذنوبٍ وخطايا يحترقون فيكونون/ فحماً، فيؤخذون ضباراتٍ ضباراتٍ، فيُقذفون على نهر من الجنةِ، فينبتون كما تنبت الحبةُ في حميل السيل"، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "هل رأيتم الصبغاء؟ بعدُ يُؤذن لهم فيدخلون الجنة ".
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):