٢٠ - طه
20 - Ta-Ha (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
76
Tafseer
البيضاوي
تفسير : {جَنَّـٰتُ عَدْنٍ} بدل من الدرجات. {تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَـٰالِدِينَ فِيهَا} حال والعامل فيها معنى الإِشارة أو الاستقرار. {وَذٰلِكَ جَزَاءُ مَن تَزَكَّىٰ } تطهر من أدناس الكفار والمعاصي، والآيات الثلاث يحتمل أن تكون من كلام السحرة وأن تكون ابتداء كلام من الله تعالى.
المحلي و السيوطي
تفسير : {جَنَّٰتِ عَدْنٍ } أي إقامة بيان له {تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهـَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا وَذٰلِكَ جَزَآءُ مَن تَزَكَّىٰ } تطهّر من الذنوب.
الخازن
تفسير : فسر الدرجات بقوله {جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء من تزكى} يعني تطهر من الذنوب، وقيل أعطى زكاة نفسه وقال لا إله إلا الله عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إن أهل الدرجات العلى ليراهم من تحتهم كما ترون النجم الطالع في أفق السماء وإن أبا بكر وعمر منهم وأنعما"تفسير : أخرجه الترمذي. قوله وأنعما يقال أحسن فلان إلى فلان وأنعم يعني أفضل وزاد في الإحسان، والمعنى أنهما منهم وزادوا تناهياً إلى غايته. قوله تعالى {ولقد أوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي} يعني أسر بهم ليلاً من أرض مصر {فاضرب لهم طريقاً} يعني اجعل لهم طريقاً {في البحر} بالضرب بالعصا {يبساً} يعني يابساً ليس فيه ماء ولا طين وذلك أن الله تعالى أيبس لهم الطريق في البحر {لا تخاف دركاً ولا تخشى} يعني لا تخاف أن يدركك فرعون من ورائك ولا تخشى أن يغرقك البحر أمامك {فأتبعهم} يعني فلحقهم {فرعون بجنوده فغشيهم} يعني أصابهم {من اليم ما غشيهم} وهو الغرق وقيل علاهم وسترهم من اليم ما لم يعلم كنهه إلا الله تعالى فغرق فرعون وجنوده ونجا موسى وقومه {وأضل فرعون قومه وما هدى} يعني وما أرشدهم وهو تكذيب لفرعون في قوله {أية : وما أهديكم إلا سبيل الرشاد} تفسير : [غافر: 29].قوله عز وجل {يا بني إسرائيل قد أنجيناكم من عدوكم وواعدناكم جانب الطور الأيمن ونزلنا عليكم المن والسلوى} ذكرهم الله النعمة في نجاتهم وهلاك عدوهم وفيما وعد موسى من المناجاة بجانب الطور وكتب التوراة في الألواح. وإنما قال وواعدناكم لأنها اتصلت بهم حيث كانت لنبيهم، ورجعت منافعها إليهم وبها قوام دينهم وشريعتهم وفيها أفاض الله عليهم من سائر نعمه وأرزاقه {كلوا من طيبات ما رزقناكم ولا تطغوا فيه} قال ابن عباس لا تظلموا، وقيل لا تكفروا النعمة فتكونوا طاغين، وقيل لا تتقووا بنعمتي على المعاصي، وقيل لا تدخروا {فيجعل عليكم غضبي} يعني يجب عليكم غضبي {ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى} يعني هلك وسقط في النار {وإني لغفار لمن تاب} قال ابن عباس تاب عن الشرك {وآمن} يعني وحد الله وصدق رسوله {وعمل صالحاً} يعني أدى الفرائض {ثم اهتدى} قال ابن عباس علم أن ذلك توفيق من الله تعالى، وقيل لزم الإسلام حتى مات عليه، وقيل علم أن لذلك ثواباً، وقيل أقام على السنة. قوله عز وجل {وما أعجبك} يعني وما حملك على العجلة {عن قومك يا موسى} وذلك أن موسى اختار من قومه سبعين رجلاً يذهبوا معه إلى الطور ليأخذوا التوراة. فسار بهم ثم عدل موسى من بينهم شوقاً إلى ربه، وخلف السبعين وأمرهم أن يتبعوه إلى الجبل فقال الله له وما أعجلك عن قومك يا موسى؟ فأجاب ربه فـ {قال هم أولاء على أثري} أي هم بالقرب مني يأتون على أثري من بعدي. فإن قلت لم يطابق السؤال الجواب فإنه سأله عن سبب العجلة فعدل عن الجواب، فقال هم أولاء بأنه لم يوجد منه إلا تقدم سيره ثم أعقبه بجواب السؤال فقال {وعجلت إليك رب لترضى} أي لتزداد رضاً {قال فإنا قد فتنا قومك} أي فإنا ابتلينا الذين خلفتهم مع هارون وكانوا ستمائة ألف فافتتنوا بالعجل غير اثني عشر ألفاً {من بعدك} أي من بعد انطلاقك إلى الجبل {وأضلهم السامري} أي دعاهم وصرفهم إلى الضلال وهو عبادة العجل، وإنما أضاف الضلال إلى السامري لأنهم ضلوا بسببه وقيل إن جميع المنشآت تضاف إلى منشئها في الظاهر، وإن كان الموجد لها في الأصل هو الله تعالى فذلك قوله هنا وأضلهم السامري، قيل كان السامري من عظماء بني إسرائيل من قبيلة يقال لها السامرة، وقيل كان من القبط وكان جاراً لموسى وآمن به، وقيل كان علجاً من علوج كرمان رفع إلى مصر وكان من قوم يعبدون البقر {فرجع موسى إلى قومه غضبان أسفاً} أي حزيناً جزعاً {قال يا قوم ألم يعدكم ربكم وعداً حسناً} أي صدقاً يعطيكم التوراة {أفطال عليكم العهد} أي مدة مفارقتي إياكم {أم أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم} أي أردتم أن تفعلوا فعلاً يجب عليكم الغضب من ربكم بسببه {فأخلفتم موعدي} يعني ما وعدوه من الإقامة على دينه إلى أن يرجع.
ابو السعود
تفسير : {جَنَّـٰتِ عَدْنٍ} بدلٌ من الدرجات العلى أو بـيان، وقد مر أنّ عدْناً علمٌ لمعنى الإقامة أو لأرض الجنة فقوله تعالى: {تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ} حال من الجنات وقوله تعالى {خَـٰلِدِينَ فِيهَا} حالٌ من الضمير في لهم والعاملُ معنى الاستقرارِ أو الإشارةِ {وَذَلِكَ} إشارةٌ إلى ما أتيح لهم من الفوز بما ذُكر من الدرجات العُلى، ومعنى البُعد لما مر من التفخيم {جَزَاء مَن تَزَكَّىٰ} أي تطهر من دنس الكفرِ والمعاصي بما ذكر من الإيمان والأعمالِ الصالحة، وهذا تحقيقٌ لكون ثوابِه تعالى أبقى، وتقديمُ ذكرِ حال المجرمِ للمسارعة إلى بـيان أشدّية عذابِه ودوامِه رداً على ما ادعاه فرعونُ بقوله: { أية : أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَىٰ} تفسير : [طه: 71] هذا وقد قيل: هذه الآياتُ الثلاثُ ابتداءُ كلامٍ من الله عز وجل، قالوا: ليس في القرآن أن فرعونَ فعل بأولئك المؤمنين ما أوعدهم به ولم يثبُت في الأخبار. {وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ} حكايةٌ إجماليةٌ لما انتهى إليه أمرُ فرعونَ وقومِه، وقد طُويَ في البـين ذِكرُ ما جرى عليهم من الآيات المفصّلات الظاهرةِ على يد موسى عليه الصلاة والسلام بعد ما غلب السحرةَ في نحو من عشرين سنةً حسبما فُصّل في سورة الأعراف، وتصديرُها بالقسم لإبراز كمالِ العناية بمضمونها وأنْ في قوله: {أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِى} إما مفسرةُ لأن الوحيَ فيه معنى القول أو مصدريةٌ حذف عنها الجارُّ، والتعبـيرُ عنهم بعنوان كونِهم عباداً له تعالى لإظهار المرحمةِ والاعتناءِ بأمرهم والتنبـيهِ على غاية قُبح صنيعِ فرعونَ بهم حيث استعبدهم وهم عبادُه عز وجل وفعل بهم من فنون الظلم ما فعل، أي وبالله لقد أوحينا إليه عليه الصلاة والسلام أنْ أسرِ بعبادي الذين أرسلتُك لإنقاذهم من مَلَكة فرعونَ، أي سِرْ بهم من مصرَ ليلاً {فَٱضْرِبْ لَهُمْ} أي فاجعل أو فاتخذْ لهم {طَرِيقاً فِى ٱلْبَحْرِ يَبَساً} أي يابساً على أنه مصدرٌ وصف به الفاعلُ مبالغةً، وقرىء يَبْساً وهو إما مخففٌ منه أو وصفٌ كصعب، أو جمعُ يابس كصحْب، وُصف الواحد للمبالغة أو لتعدّده حسبَ تعدّدِ الأسباط {لاَّ تَخَافُ دَرَكاً} حالٌ من المأمور أي آمِناً من أن يُدركَكم العدوُّ أو صفةٌ أخرى لطريقاً والعائدُ محذوفٌ، وقرىء لا تخَفْ جواباً للأمر {وَلاَ تَخْشَىٰ} عطف على لا تخاف داخلٌ في حكمه أي ولا تخشى الغرقَ، وعلى قراءة الجزم استئنافٌ أي وأنت لا تخشى أو عطفٌ عليه والألفُ للإطلاق كما في قوله تعالى: {أية : وَتَظُنُّونَ بِٱللَّهِ ٱلظُّنُونَاْ } تفسير : [الأحزاب: 33] وتقديمُ الخوفِ المذكورِ للمسارعة إلى إزاحة ما كانوا عليه من الخوف العظيمِ حيث قالوا: إنا لمدرَكون.
اسماعيل حقي
تفسير : {جنات عدن} بدل من الدرجات العلى {تجرى من تحتها الانهار}[بيسوته ميرود از زير منازل آن يا اشجار آن جويها] حال من الجنات {خالدين فيها} حال من الضمير فى لهم والعامل معنى الاستقرار او الاشارة {وذلك} اى المذكور من الثواب {جزاء من تزكى} الجزاء ما فيه الكفاية من المقابلة ان خيرا فخير وان شرا فشر يقال جزيته كذا وبكذا والفرق بين الاجر والجزاء ان الاجر يقال فيما كان عن عقد وما يجرى مجرى العقد ولا يقال الا فى النفع دون الضر والجزاء يقال فيما كان عن عقد وعن غير عقد ويقال فى النافع والضار والمعنى جزاء من تطهر من دنس الكفر والمعاصى بما ذكر من الايمان والاعمال الصالحة وهذا تحقيق لكون ثواب الله تعالى ابقى وفى الحديث "حديث : ان اهل الدرجات العلى ليراهم من تحتهم كما ترون الكوكب الدرىّ فى افق السماء وان ابا بكر وعمر منهم وانعما"تفسير : اى هما اهل لهذا. قالوا ليس فى القرآن ان فرعون فعل باولئك المؤمنين ما اوعدهم به ولم يثبت فى الاخبار كما فى الاخبار. وقال فى التفسير الكبير نقلا عن ابن عباس رضى الله عنهما كانوا اول النهار سحرة وآخره شهداء وفى بحر العلوم اصبحوا كفرة وامسوا ابرارا شهداء: وفى المثنوى شعر : ساحران درعهد فرعون لعين جون مرى كردند با موسى بكين ليك موسى را مقدم داشتند ساحران اورا مكرّم داشتند زانكه كفتندش كه فرمان آن تست كرتومى خواهى عصا بفكن نخست كفت نى اول شما اى ساحران افكنيد آن مكرهارا درميان اين قدر تعظيم ايشانرا خريد وازمرى آن دست وباهاشان بريد ساحران جون قدر اونشناختند دست وبادر جرم آن در باختند تفسير : فدلت هذه الاخبار على كونهم شهداء وان فرعون استعمل الصلب فيهم والالم لم يكن اول من صلب. فعلى العاقل ان يختار الله تعالى ويتزكى عن الاخلاق الذميمة النفسانية والاوصاف الشنيعة الشيطانية ويتحلى بالاخلاق الروحانية الربانية ويبذل المال والروح لينال اعلى الفتوح جعلنا الله واياكم من اهل الولاء وممن هان عليه البلاء.
الطوسي
تفسير : قرأ حمزة وحده {لا تخف دركاً} على النهي، أو على الجزاء لقوله {فاضرب لهم طريقاً} الباقون {لا تخاف} بالرفع {ولا تخشى} بألف بلا خلاف على الاستئناف. ومثله قوله {يولوكم الادبار ثم لا ينصرون}. وقيل انه يحتمل ان يكون {لا تخش} مجزوماً، وزيد الالف ليوافق رؤس الآي كما، قال الشاعر: شعر : الم يأتيك والأبناء تنمي بما لاقت لبون بني زياد تفسير : ومن قرأ {لا تخاف} بالرفع، و {لا تخشى} مثله، فهو على الخبر. وقال ابو علي: هو في موضع نصب على الحال، وتقديره طريقاً في البحر يبساً غير خائف دركاً. وقرأ حمزة والكسائي {أنجيتكم، ووعدتكم} بالتاء فيهما بغير الف. الباقون بالالف والنون. وقرأ ابو عمرو وحده {ووعدناكم} بغير الف. الباقون {وواعدناكم} بالف. ولم يختلفوا فى {نزلنا} انه بالنون. ومعنى التاء والنون قريب بعضه من بعض، لكن النون لعظم حال المتكلم. لما اخبر الله تعالى ان لمن آمن بالله الدرجات العلى، قال ولهم {جنات عدن} اي بساتين إقامة {تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها} وقد فسرناه في غير موضع. ثم قال {وذلك} الذي وصفه {جزاء من تزكى} فالتزكي طلب الزكا بارادة الطاعة، والعمل بها. والزكا النماء فى الخبر، ومنه الزكاة، لان الميل ينمو بها فى العاجل والاجل، لما لصاحبها عليها من ثواب الله تعالى. وقيل: معنى {تزكى} تطهر من الذنوب بالطاعة بدلا من تدنيسها بالمعصية. والخلود المكث فى الشيء الى غير غاية. ثم أخبر تعالى فقال {ولقد أوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي} أي سر بهم ليلا لأن الاسراء السير بالليل {فاضرب لهم طريقاً في البحر يبساً} والمعنى: اضرب بعصاك البحر تجعل طريقاً، فكأنه قيل: اجعل طريقاً بالضرب بالعصا، فعداه الى الطريق لما دخله هذا المعنى فكأنه قد ضرب الطريق، كضربه الدينار. واليبس اليابس وجمعه ايباس، وجمع اليبس - بسكون الباء - يبوس. وقال ابو عبيدة: اليبس - بفتح الباء - المكان الجاف. واذا كان اليبس فى نبات الارض فهو اليبس - بسكون الباء - قال علقمة بن عبده: شعر : تخشخش أبدان الحديد عليهم كما خشخشت يبس الحصاد جنوب تفسير : وقوله {لا تخاف دركا ولا تخشى} معناه لا تخف أن يدركك فرعون، ولا تخش الغرق من البحر - في قول ابن عباس وقتادة - وقيل: معناه لا تخف لحوقاً من عدوك، ولا تخش الغرق من البحر الذي انفرج عنك. والمعنيان متقاربان. وكان سبب ذلك أن اصحاب موسى قالوا له: هذا فرعون قد لحقنا، وهذا البحر قد غشينا يعنون اليم، فقال الله تعالى {لا تخف دركا ولا تخش}. ثم اخبر تعالى فقال {فأتبعهم فرعون بجنوده} أي دخل خلف موسى وبني إسرائيل، وفى الكلام حذف لأن تقديره: فدخل موسى وقومه البحر ثم أتبعهم فرعون بجنوده ومن اتبعهم. فمن قطع الهمزة جعل الباء زائدة. ومن وصلها أراد: تبعهم وسار في أثرهم، والباء للتعدية. وقوله {فغشيهم من اليم ما غشيهم} يعني الذي غشيهم. وقيل: معناه تعظيم للامر لأن {غشيهم} قد دل على {ما غشيهم} وإنما ذكره تعظيماً. وقيل: ذكره تأكيداً. وقال قوم: معناه فغشيهم الذي عرفتموه. كما قال ابو النجم: شعر : أنا ابو النجم وشعري شعري تفسير : وقال الزجاج: فغشيهم من اليم ما غرقهم. وقال الفراء: معناه {فغشيهم من اليم ما غشيهم} لأنه ليس الماء كله غشيهم، وانما غشيهم بعضه. وقال قوم: معناه {فغشيم} يعني أصحاب فرعون {من اليم} ما غشي قوم موسى إلا أن الله غرق هؤلاء، ونجا أولئك. ويجوز أن يكون المراد: فغشيهم من قبل اليم الذي غشيهم من الموت والهلاك، فكأنه قال: الذي غشيهم من الموت والهلاك كان من قبل البحر إذ غشيهم، فيكون {غشيهم} الاول للبحر، و {غشيهم} الثاني للهلاك والموت. وقوله {وأضل فرعون قومه وما هدى} معناه أنه دعاهم الى الضلال واغواهم، فضلوا عنده، فنسب اليه الضلال. وقيل: إن معناه أستمر بهم على الضلالة فلذلك قيل {وما هدى}. ثم عدد الله على بني إسرائيل نعمه، بأن قال {يا بني اسرائيل قد أنجيناكم} أي خلصناكم {من عدوكم} فرعون {وواعدناكم جانب الطور الأيمن} معناه إن الله واعدكم جانب الجبل الذي هو الطور، لتسمعوا كلام الله لموسى بحضرتكم هناك {ونزلنا عليكم المن والسلوى} يعني في زمان التيه أنزل عليهم المن، وهو الذي يقع على بعض الاشجار، والسلوى طائر أكبر من السمان.
الجنابذي
تفسير : {جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} قد مضى مكرّراً انّ المراد بجريان الانهار تحت الجنّات جريانها تحت عماراتها او تحت اشجارها او تحت قطعها، وانّ التّحقيق انّ الوجود وصفاتها بمنزلة الانهار الجارية من الغيب الى عوالم الامكان وانّ كلّ مرتبةٍ عالية من العالم باعتبارٍ جنّة وباعتبارٍ محلّ للجنّة، وانّ افاضات الحقّ الّتى هى بمنزلة الانهار تصل اوّلاً الى العالم الاعلى وتفيض من تحت ذلك العالم الى العالم الادنى {خَالِدِينَ فِيهَا وَذٰلِكَ جَزَآءُ مَن تَزَكَّىٰ} من الكفر والمعاصى وممّا يشوب انسانيّته من شوائب البهيميّة والسّبعيّة والشّيطانيّة، ولاقبال نفوسهم على الآخرة ونعيمها وقوّة جانب الرّجاء بسطوا فى جانب الوعد، ويجوز ان يكون الآيات مستأنفة من الله تعالى.
اطفيش
تفسير : {جَنَّاتُ عَدْنٍ} بدل من الدرجات، أو خبر لمحذوف على المدح. والعدن: الإقامة. {تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى} تطهَّر من الذنوب. وقال ابن عباس: قال: لا إله إلا الله وقد مر أشراط العمل الصالح وهو فعل ماض كما هو ظاهر وخالدين ناصبه معنى الإشارة، أو الثبوت فى قوله: {أية : لهم} تفسير : و {تجرى من تحتها الأنهار} نعت لجنات؛ لأنه هنا نكرة أو حال لجنات للإضافة لعدن وإن تكلف له تعريف تعينه الحالية.
الالوسي
تفسير : {جَنَّـٰتِ عَدْنٍ } بدل من {أية : ٱلدَّرَجَـٰتُ ٱلْعُلَىٰ} تفسير : [طه: 75] أو بيان وقد تقدم في عدن [أنها علم لمعنى الإقامة، أو لأرض الجنة] {تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ } حال من الجنات، وقوله تعالى: {خَـٰلِدِينَ فِيهَا } تحقيق لكون ثوابه تعالى أبقى وهو حال من الضمير في {أية : لَهُمْ } تفسير : [طه: 75]، والعامل فيه معنى الاستقرار في الظرف أو ما في {أية : أُوْلَـٰئِكَ } تفسير : [طه: 75] من معنى أشير والحال مقدرة ولا يجوز أن يكون {جَنَّـٰتُ } خبر مبتدأ محذوف أي هي جنات لخلو الكلام حينئذ عن عامل في الحال ما ذكره أبو البقاء {وَذَلِكَ } إشارة إلى ما أتيح لهم من الفوز بما ذكر [من الدرجات] ومعنى البعد لما أشير إليه من قرب من التفخيم {جَزَاء مَن تَزَكَّىٰ } أي تطهر من دنس الكفر والمعاصي بما ذكر من الإيمان والأعمال الصالحة. وهذا تصريح بما أفادته الشرطية، وتقديم ذكر حال المجرم للمسارعة إلى بيان أشدية عذابه عز وجل ودوامه رداً على ما ادعاه فرعون بقوله: {أية : أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَىٰ } تفسير : [طه: 71]، وقال بعضهم: إن الشرطيتين إلى هنا ابتداء كلام منه جل وعلا تنبيهاً على قبح ما فعل فرعون وحسن ما فعل السحرة والأول أولى خلافاً لما حسبه النيسابوري. هذا واستدل المعتزلة بالشرطية الأولى على القطع بعذاب مرتكب الكبيرة قالوا: مرتكب الكبيرة مجرم لأن أصل الجرم قطع الثمرة عن الشجرة ثم استعير لاكتساب المكروه وكل مجرم فإن له جهنم للآية فإن من الشرطية فيها عامة بدليل صحة الاستثناء فينتج مرتكب الكبيرة أن له جهنم وهو دال على القطع بالوعيد. وأجاب أهل السنة بأنا لا نسلم الصغرى لجواز أن يراد بالمجرم الكافر فكثيراً ما جاء في القرآن بذلك المعنى كقوله تعالى: {أية : يَتَسَاءلُونَ * عَنِ ٱلْمُجْرِمِينَ * مَا سَلَكَكُمْ فِى سَقَرَ }تفسير : [المدثر: 40-42] إلى قوله سبحانه: {أية : وَكُنَّا نُكَذّبُ بِيَوْمِ ٱلدّينِ } تفسير : [المدثر: 46] وقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ كَانُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ يَضْحَكُونَ } تفسير : [المطففين: 29] إلى آخر السورة، وعلى تقدير تسليم هذه المقدمة لا نسلم الكبرى على إطلاقها وإنما هي كلية بشرط عدم العفو مع أنا لا نسلم أن من الشرطية قطعية في العموم كما قال الإمام وحينئذ لا يحصل القطع بالوعيد مطلقاً، وعلى تقدير تسليم المقدمتين يقال يعارض ذلك الدليل عموم الوعد في قوله تعالى {مِنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً} الخ ويجعل الكلام فيمن آمن وعمل الصالحات وارتكب الكبيرة / وهو داخل في عموم {أية : مِنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ } تفسير : [طه: 75] ولا يخرجه عن العموم ارتكابه الكبيرة ومتى كانت له الجنة فهي لمن آمن وارتكب الكبيرة ولم يعمل الأعمال الصالحة أيضاً إذ لا قائل بالفرق، فإذا قالوا: مرتكب الكبيرة لا يقال له مؤمن كما لا يقال كافر لإثباتهم المنزلة بين المنزلتين فلا يدخل ذلك في العموم أبطلنا ذلك وبرهنا على حصر المكلف في المؤمن والكافر ونفي المنزلة بين الإيمان والكفر بما هو مذكور في محله. وعلى تقدير تسليم أن {أية : مَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً } تفسير : [طه: 75] الخ لا يعم مرتكب الكبيرة يقال: إن قوله تعالى: {أية : فَأُوْلَٰئِكَ لهم الدرجات العلى} تفسير : [طه: 75] يدل على حصول العفو لأصحاب الكبائر لأنه تعالى جعل الدرجات العلى وجنات عدن لمن أتى بالإيمان والأعمال الصالحة فسائر الدرجات الغير العالية والجنات لا بد أن تكون لغيرهم وما هم إلا العصاة من أهل الإيمان. ولقد أخرج أبو داود وابن مردويه عن أبـي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن أهل الدرجات العلى ليراهم من تحتهم كما ترون الكوكب الدري في أفق السماء وإن أبا بكر وعمر منهم وأنعما»تفسير : ، واستدل على شمول {أية : مَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً } تفسير : [طه: 75] صاحب الكبيرة بقوله تعالى: {وَذٰلِكَ جَزَاء مَن تَزَكَّىٰ } بناء على ما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما من أن المراد بمن تزكى من قال لا إلٰه إلا الله كأنه أراد من تطهر عن دنس الكفر والله تعالى أعلم. ثم إن العاصي إذا دخل جهنم لا يكون حاله كحال المجرم الكافر إذا دخلها بل قيل: إنه يموت احتجاجاً بما أخرج مسلم وأحمد وابن أبـي حاتم وابن مردويه عن أبـي سعيد الخدري «حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب فأتى على هذه الآية {إِنَهُ مَن يَأْتِ } [طه: 74] الخ فقال عليه الصلاة والسلام: أما أهلها ـ يعني جهنم ـ الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون وأما الذين ليسوا بأهلها فإن النار تميتهم إماتة ثم يقوم الشفعاء فيشفعون فيؤتى بهم ضبائر على نهر يقال له الحياة أو الحيوان فينبتون كما تنبت القثاء بحميل السيل» تفسير : وحمل ذلك القائل تميتهم فيه على الحقيقة وجعل المصدر تأكيداً لدفع توهم المجاز كما قيل في قوله تعالى: {أية : وَكَلَّمَ ٱللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيماً } تفسير : [النساء: 164]، وذكر أن فائدة بقائهم في النار بعد إماتتهم إلى حيث شاء الله تعالى حرمانهم من الجنة تلك المدة وذلك منضم إلى عذابهم بإحراق النار إياهم. وقال بعضهم: إن تميتهم مجاز والمراد أنها تجعل حالهم قريبة من حال الموتى بأن لا يكون لهم شعور تام بالعذاب، ولا يسلم أن ذكر المصدر ينافي في التجوز فيجوز أن يقال قتلت زيداً بالعصا قتلاً والمراد ضربته ضرباً شديداً ولا يصح أن يقال: المصدر لبيان النوع أي تميتهم نوعاً من الإماتة لأن الإماتة لا أنواع لها بل هي نوع واحد وهو إزهاق الروح ولهذا قيل:شعر : ومن لم يمت بالسيف مات بغيره تعددت الأسباب والموت واحد تفسير : واستدل المجسمة بقوله سبحانه {أية : إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ} تفسير : [طه: 74] على ثبوت مكان له تعالى شأنه وأجيب بأن المراد من إتيانه تعالى إتيان موضع وعده عز وجل أو نحو ذلك.
د. أسعد حومد
تفسير : {جَنَّاتُ} {ٱلأَنْهَارُ} {خَالِدِينَ} (76) - وَهذِهِ الدَّرَجَاتُ العُلاَ، هِيَ جَنَّاتُ إِقَامَةٍ (عَدْنٍ)، تَنْسَابُ فِيهَا الأَنْهَارُ، وَيَبْقَوْنَ فِيهَا مَاكِثِينَ أَبَداً، وَهَذا جَزَاءُ مَنْ طَهَّرَ نَفْسَهُ مِنَ الدَّنَسِ وَالخَبَثِ وَالشِّرْكِ، وَعَبدَ اللهَ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَاتَّبَعَ المُرْسَلِينَ فِيمَا جَاؤُوا بِهِ. تَزَكَّى - تَطَهَّرَ مِنْ دَنَسِ الشِّرْكِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : عدن: أي إقامة. مِنْ عَدَنَ في المكان: أقام فيه، فالمراد جنات أعِدَّتْ لإقامتك، وفرْق بين أنْ تُعِد المكان للإقامة وأنْ تُعِدَّ مكاناً لعابر، كما أن المكان يختلف إعداده وترفه حَسْب المُعِدْ وإمكاناته، فالإنسان العادي يُعِد مكاناً غير الذي يعده عظيم من العظماء، فما بالك إذنْ بمكان أعدّه لك ربك - عز وجل - بقدراته وإمكاناته؟ وقوله: {تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ..} [طه: 76]. نعلم أن الماء من أهم مقومات الحياة الدنيا، فبه تنبت الأرض النبات، وفيه تذوب العناصر الغذائية، وبدونه لا تقوم لنا حياة على وجه الأرض. والحق سبحانه وتعالى ساعةَ يُنزِل مطراً من السماء قد لا ينتفع بالمطر مَنْ نزل عليه المطر، فربما نزل على جبل مثلاً، فالنيل الذي نحيا على مائه يأتي من أين؟ من الحبشة وغيرها. لذلك جعل الخالق - عز وجل - كلمة {تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ ..} [طه: 76] رمزاً للخضرة وللنضارة وللنماء وللحياة السعيدة الهانئة، حتى الإنسان وإنْ لم يكُنْ محتاجاً للطعام بأنْ كان شبعان مثلاً، يجد لذة في النظر إلى الطبيعة الخضراء، وما فيها من زرع وورود وزهور، فليس الزرع للأكل فقط، بل للنظر أيضاً، وإنْ كنتَ تأكل في اليوم ثلاث مرات، والأكل غذاء للجسم، فأنت تتمتع بالمنظر الجميل وتُسَرُّ به كلما نظرتَ إليه، والنظر متعة للروح، وسرور للنفس. وكأن الحق - تبارك وتعالى - يقول لنا: لا تقصروا انتفاعكم بنعم الله على ما تملكون، فتقول مثلاً: لا آكل هذه الفاكهة لأنها ليست مِلْكي، لأن هناك متعةً أخرى: {أية : ٱنْظُرُوۤاْ إِلِىٰ ثَمَرِهِ إِذَآ أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ ..}تفسير : [الأنعام: 99] فقبل أن تأكل انظر، فالنظر متعة، وغذاء مستمر. فقوله تعالى: {تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ ..} [طه: 76] لأن ظاهرة جريان الأنهار في الدنيا وسيلة للخُضْرة والخِصْب والإيناع، و{مِن تَحْتِهَا ..} [طه: 76] أي: أن الماء ذاتيّ فيها، ونابع منها، ليس جارياً إليك من مكان آخر، ربما يُمنَع عنك أن تُحرم منه. لذلك يقول تعالى في آية أخرى: {أية : تَجْرِي تَحْتَهَا ٱلأَنْهَارُ ..}تفسير : [التوبة: 100] فتحتها أنهار جارية، لكن مصدرها ومنبعها من مكان آخر. ونسب الجريان إلى النهر، لا إلى الماء للمبالغة. فالنهر هو المجرى الذي يجري فيه الماء. ثم يقول تعالى: {خَالِدِينَ فِيهَا ..} [طه: 76] وهذا هو التأمين الحقّ للنعيم؛ لأن آفة النعم أنْ تزولَ، إمّا بأن تفوتها أنت أو تفوتك هي، أما نعيم الجنة فقد سَلَّمه الله تعالى من هذه الآفة، فهو خالد بَاقٍ، لا يزول ولا يُزال عنه. {وَذٰلِكَ جَزَآءُ مَن تَزَكَّىٰ} [طه: 76] الزكاة: تُطلَق على الطهارة وعلى النماء، فالطهارة: أن يكون الشيء في ذاته طاهراً، والنماء: أنْ توجَد فيه خصوصية نمو فيزيد عَمَّا تراه أنت عليه. كما ترى مثلاً الورد الصناعي والورد الطبيعي في البستان، وفيه المائية والنضارة والرائحة الطيبة والألوان المختلفة والنمو، وكلها صفات ذاتية في الوردة، على خلاف الورد الصناعي فهو جامد على حالة واحدة. وهذا هو الفرق بين صَنْعة البشر وصَنْعة الخالق للبشر؛ لذلك كانت صنعة الله أخلد وأبقى، وصدق الله العظيم حين قال: {أية : فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ}تفسير : [المؤمنون: 14]. وتلحظ أنه لم يَضِنّ عليك بصفة الخَلْق؛ لأنك استعملتَ الأسباب وأَعملتَ الفكر، فكان لك شيء من الخلق، لكن ربَّك أحسنُ الخالقين؛ لأنك خلقتَ من باطن خِلْقته، خلقتَ من موجود، وهو سبحانه يخلق من عدم، خلقتَ شيئاً جامداً لا حياة فيه، وخلق سبحانه شيئاً حياً نامياً، يتكاثر بذاته. ومن هنا سُمِّي المال الذي تُخرجه للفقراء زكاةً؛ لأنه يُطهِّر الباقي ويُنمِّيه. ومن العجائب أن الله تعالى سَمّى ما يخرج من المال زكاة ونماءً، وسَمَّى زيادة الربا مَحْقاً. فمعنى: {وَذٰلِكَ جَزَآءُ مَن تَزَكَّىٰ} [طه: 76] أي: تطهَّر من المعاصي، ثم نَمَّى نفسه، ومعنى التنمية هنا ارتقاءات المؤمن في درجات الوصول للحق، فهو مؤمن بداية، لكن يزيد إيمانه وينمو ويرتقي يوماً بعد يوم، وكلما ازداد إيمانه ازداد قُرْبه من ربه، وازدادت فيوضات الله عليه. والطهارة للأشياء سابقة على تنميتها؛ لأن دَرْء المفسدة مُقدَّم على جلب المصلحة. إذن: زكَّى نفسه: طهَّرها أولاً، ثم يُنمِّيها ثانياً، كمَنْ يريد التجارة، فعليه أولاً أن يأتي برأس المال الطاهر من حلال ثم يُنمِّيه، لكن لا تأتي برأس المال مُدنّساً ثم تُنمِّيه بما فيه من دَنَسٍ. وكلما نَمَّى الإنسانُ إيمانَهُ ارتقى في درجاته، فكانت له الدرجات العُلاَ في الآخرة.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):