٢٠ - طه
20 - Ta-Ha (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
77
Tafseer
الرازي
تفسير : واعلم أن في قوله: {وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِى } دلالة على أن موسى عليه السلام في تلك الحالة كثر مستجيبوه. فأراد الله تعالى تمييزهم من طائفة فرعون وخلاصهم فأوحى إليه أن يسري بهم ليلاً، والسري اسم لسير الليل والإسراء مثله، فإن قيل: ما الحكمة في أن يسري بهم ليلاً، قلنا لوجوه: أحدها: أن يكون اجتماعهم لا بمشهد من العدو فلا يمنعهم عن استكمال مرادهم في ذلك. وثانيها: ليكون عائقاً عن طلب فرعون ومتبعيه. وثالثها: ليكون إذا تقارب العسكران لا يرى عسكر موسى عسكر فرعون فلا يهابوهم، أما قوله: {فَٱضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِى ٱلْبَحْرِ يَبَساً } ففيه وجهان: الأول: أي فاجعل لهم من قولهم ضرب له في ماله سهماً، وضرب اللبن عمله. والثاني: بين لهم طريقاً في البحر بالضرب بالعصا وهو أن يضرب البحر بالعصا حتى ينفلق، فعدى الضرب إلى الطريق. والحاصل أنه أريد بضرب الطريق جعل الطريق بالضرب يبساً ثم بين تعالى أن جميع أسباب الأمن كان حاصلاً في ذلك الطريق. أحدها: أنه كان يبساً قرىء يابساً ويبساً بفتح الياء وتسكين الباء فمن قال: يابساً جعله بمعنى الطريق ومن قال يبساً بتحريك الباء فاليبس واليابس شيء واحد والمعنى طريقاً أيبس. ومن قال: يبساً بتسكين الباء فهو مخفف عن اليبس، والمراد أنه ما كان فيه وحل ولا نداوة فضلاً عن الماء. وثانيها: قوله: {لاَّ تَخَافُ دَرَكاً وَلاَ تَخْشَىٰ } أي لا تخاف أن يدركك فرعون فإني أحول بينك وبينه بالتأخير، قال سيبويه: قوله: {تَخَافُ } رفعه على وجهين: أحدهما: على الحال كقولك غير خائف ولا خاش. والثاني: على الإبتداء أي أنت لا تخاف وهذا قول الفراء، قال الأخفش والزجاج: المعنى لا تخاف فيه كقوله: { أية : وَٱتَّقُواْ يَوْمًا لاَّ تَجْزِى نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ } تفسير : [البقرة: 48] أي لا تجزي فيه نفس وقرأ حمزة لا تخف وفيه وجهان. أحدهما: أنه نهي. والثاني: قال أبو علي: جعله جواب الشرط على معنى إن تضرب لا تخف وعلى هذه القراءة ذكروا في قوله: {وَلاَ تَخْشَىٰ } ثلاثة أوجه. أحدهما: أن يستأنف كأنه قيل وأنت لا تخشى أي ومن شأنك أنك آمن لا تخشى. وثانيها: أن لا تكون الألف هي الألف المنقلبة عن الياء التي هي لام الفعل ولكن زائدة للإطلاق من أجل الفاصلة كقوله تعالى: { أية : فَأَضَلُّونَا ٱلسَّبِيلاْ } تفسير : [الأحزاب: 67] { أية : وَتَظُنُّونَ بِٱللَّهِ ٱلظُّنُونَاْ } تفسير : [الأحزاب: 10]. وثالثها: أن يكون مثل قوله: شعر : [وتضحك مني شيخة عبشمية] كأن لم ترى قبلي أسيراً يمانياً تفسير : وثالثها: قوله: {وَلاَ تَخْشَىٰ } والمعنى أنك لا تخاف إدراك فرعون ولا تخشى الغرق بالماء أما قوله: {فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ } قال أبو مسلم: زعم رواة اللغة أن أتبعهم وتبعهم واحد وذلك جائز ويحتمل أن تكون الباء زائدة والمعنى أتبعهم فرعون جنوده كقوله تعالى: { أية : لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِى وَلاَ بِرَأْسِى } تفسير : [طه: 94] أسرى بعبده وقال الزجاج: قرىء: (فأتبعهم فرعون وجنوده) أي ومعه جنوده وقرىء: {بِجُنُودِهِ } ومعناه ألحق جنوده بهم ويجوز أن يكون بمعنى معهم أما قوله: {فَغَشِيَهُمْ } فالمعنى: علاهم وسترهم وما غشيهم تعظيم للأمر أي غشيهم ما لا يعلم كنهه إلا الله تعالى وقرىء: (فغشاهم من اليم ما غشيهم) وفاعل غشاهم إما الله سبحانه وتعالى أو ما غشيهم أو فرعون لأنه الذي ورط جنوده وتسبب في هلاكهم أما قوله: {وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَىٰ } فاحتج القاضي به وقال لو كان الضلال من خلق الله تعالى لما جاز أن يقال وأضل فرعون قومه بل وجب أن يقال الله تعالى أضلهم ولأن الله تعالى ذمه بذلك فكيف يجوز أن يكون خالقاً للكفر لأن من ذم غيره بشيء لا بد وأن يكون هو غير فاعل لذلك الفعل وإلا لاستحق ذلك الذم وقوله: {وَمَا هَدَىٰ } تهكم به في قوله: { أية : وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ } تفسير : [غافر: 29] ولنذكر القصة وما فيها من المباحث. قال ابن عباس رضي الله عنهما لما أمر الله تعالى موسى أن يقطع بقومه البحر وكان موسى عليه السلام وبنو إسرائيل استعاروا من قوم فرعون الحلى والدواب لعيد يخرجون إليه فخرج بهم ليلاً وهم ستمائة ألف وثلاثة آلاف ونيف ليس فيهم ابن ستين ولا عشرين وقد كان يوسف عليه السلام عهد إليهم عند موته أن يخرجوا بعظامه معهم من مصر فلم يخرجوا بها فتحير القوم حتى دلتهم عجوز على موضع العظام فأخذوها فقال موسى عليه السلام للعجوز: احتكمي فقالت: أكون معك في الجنة. وذكر ابن عباس أن محمداً صلى الله عليه وسلم وأبا بكر هجموا على رجل من العرب وامرأة ليس لهم إلا عنز فذبحوها لهما فقال عليه السلام:حديث : إذا سمعت برجل قد ظهر بيثرب فاته فلعل الله يرزقك منه خيراً، فلما سمع بظهور الرسول صلى الله عليه وسلم أتاه مع امرأته فقال: أتعرفني؟ قال: نعم عرفتك فقال له: احتكم، فقال: ثمانون ضانية فأعطاه إياها وقال له: أما إن عجوز بني إسرائيل خير منك » تفسير : وخرج فرعون في طلب موسى عليه السلام وعلى مقدمته ألف ألف وخمسمائة ألف سوى الجنبين والقلب فلما انتهى موسى إلى البحر قال: ههنا أمرت ثم قال موسى عليه السلام للبحر: انفرق فأبى، فأوحى الله إليه أن اضرب بعصاك البحر فضربه فانفلق فقال لهم موسى عليه السلام: ادخلوا فيه فقالوا: كيف وأرضه رطبة فدعا الله فهبت عليه الصبا فجفت فقالوا: نخاف الغرق في بعضنا فجعل بينهم كوى حتى يرى بعضهم بعضاً ثم دخلوا حتى جاوزوا البحر فأقبل فرعون إلى تلك الطرق فقال قومه له: إن موسى قد سحر البحر فصار كما ترى وكان على فرس حصان وأقبل جبريل عليه السلام على فرس أنثى في ثلاثة وثلاثين من الملائكة فصار جبريل عليه السلام بين يدي فرعون وأبصر الحصان الفرس الحجر فاقتحم بفرعون على أثرها وصاحت الملائكة في الناس الحقوا الملك حتى إذا دخل آخرهم وكاد أولهم أن يخرج التقى البحر عليهم فغرقوا فسمع بنو إسرائيل خفقة البحر عليهم، فقالوا: ما هذا يا موسى؟ قال: قد أغرق الله فرعون وقومه فرجعوا لينظروا إليهم فقالوا: يا موسى ادع الله أن يخرجهم لنا حتى ننظر إليهم، فدعا فلفظهم البحر إلى الساحل وأصابوا من سلاحهم، وذكر ابن عباس أن جبريل عليه السلام قال: يا محمد لو رأيتني وأنا أدس فرعون في الماء والطين مخافة أن يتوب فهذا معنى قوله: {فَغَشِيَهُمْ مّنَ ٱلْيَمّ مَا غَشِيَهُمْ } وفي القصة أبحاث. البحث الأول: روي في الأخبار أن موسى عليه السلام لما ضرب بعصاه البحر حصل اثنا عشر طريقاً يابساً يتهيأ طروقه وبقي الماء قائماً بين الطريق والطريق كالطود العظيم وهو الجبل. فأخذ كل سبط من بني إسرائيل في طريق من هذه الطرق. ومنهم من قال: بل حصل طريق واحد وحجة القول الأول الأخبار ومن القرآن قوله تعالى: { أية : فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَٱلطَّوْدِ ٱلْعَظِيمِ } تفسير : [الشعراء: 63] وذلك لا يحصل إلا إذا حصل هناك طرق حتى يكون الماء القائم بين الطريقين كالطود العظيم وحجة القول الثاني ظاهر قوله: {فَٱضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِى ٱلْبَحْرِ يَبَساً } وذلك يتناول الطريق الواحد وإن أمكن حمله على الطرق نظراً إلى الجنس. البحث الثاني: روي أن بني إسرائيل بعد أن أظهر موسى عليه السلام لهم الطريق وبينها لهم تعنتوا وقالوا: نريد أن يرى بعضنا بعضاً وهذا كالبعيد وذلك أن القوم لما أبصروا مجيء فرعون صاروا في نهاية الخوف والخائف إذا وجد طريق الفرار والخلاص كيف يتفرغ للتعنت البارد. البحث الثالث: أن فرعون كان عاقلاً بل كان في نهاية الدهاء فكيف اختار إلقاء نفسه إلى التهلكة فإنه كان يعلم من نفسه أن انفلاق البحر ليس بأمره فعند هذا ذكروا وجهين. أحدهما: أن جبريل عليه السلام كان على الرمكة فتبعه فرس فرعون، ولقائل أن يقول: هذا بعيد لأنه يبعد أن يكون خوض الملك في أمثال هذه المواضع مقدماً على خوض جميع العسكر وما ذكروه إنما يتم إذا كان الأمر كذلك وأيضاً فلو كان الأمر على ما قالوه لكان فرعون في ذلك الدخول كالمجبور وذلك مما يزيده خوفاً ويحمله على الإمساك في أن لا يدخل وأيضاً فأي حاجة لجبريل عليه السلام إلى هذه الحيلة وقد كان يمكنه أن يأخذه مع قومه ويرميه في الماء ابتداء، بل الأولى أن يقال: إنه أمر مقدمة عسكره بالدخول فدخلوا وما غرقوا فغلب على ظنه السلامة فلما دخل الكل أغرقهم الله تعالى. البحث الرابع: أن الذي نقل عن جبريل عليه السلام أنه كان يدسه في الماء والطين خوفاً من أن يؤمن فبعيد لأن المنع من الإيمان لا يليق بالملائكة والأنبياء عليهم السلام. البحث الخامس: الذي روي أن موسى عليه السلام كلم البحر قال له: انفلق لي لأعبر عليك، فقال البحر: لا يمر علي رجل عاص. فهو غير ممتنع على أصولنا لأن عندنا البنية ليست شرطاً للحياة وعند المعتزلة أن ذلك على لسان الحال لا على لسان المقال، والله أعلم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي} تقدم الكلام في هذا مستوفى. {فَٱضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي ٱلْبَحْرِ يَبَساً} أي يابساً لا طين فيه ولا ماء؛ وقد مضى في «البقرة» ضرب موسى البحر وكنيته إياه، وإغراق فرعون فلا معنى للإعادة. {لاَّ تَخَافُ دَرَكاً} أي لحاقاً من فرعون وجنوده. {وَلاَ تَخْشَىٰ} قال ابن جريج قال أصحاب موسى له: هذا فرعون قد أدركنا، وهذا البحر قد غشينا، فأنزل الله تعالى {لاَّ تَخَافُ دَرَكاً وَلاَ تَخْشَىٰ} أي لا تخاف دركاً من فرعون ولا تخشى غرقاً من البحر أن يَمسَّك إن غشيك. وقرأ حمزة «لا تخف» على أنه جواب الأمر. التقدير إن تضرب لهم طريقاً في البحر لا تخف. و«لا تخشى» مستأنف على تقدير: ولا أنت تخشى. أو يكون مجزوماً والألف مشبعة من فتحة؛ كقوله: {أية : فَأَضَلُّونَا ٱلسَّبِيلاْ}تفسير : [الأحزاب: 67] أو يكون على حدّ قول الشاعر:شعر : كَأنْ لَم تَرَى قَبْلي أسِيراً يَمانِيَا تفسير : على تقدير حذف الحركة كما تحذف حركة الصحيح. وهذا مذهب الفراء. وقال آخر:شعر : هَجوت زَبَّان ثم جئتَ معتذراً من هجوِ زَبَّانَ لَمْ تَهْجُو ولَمْ تَدَعِ تفسير : وقال آخر:شعر : أَلَمْ يأتيكَ والأنباءُ تَنْمِي بِما لاَقَتْ لَبُون بَنيِ زِيَادِ تفسير : قال النحاس: وهذا من أقبح الغلط أن يحمل كتاب الله عز وجل على الشذوذ من الشعر؛ وأيضاً فإن الذي جاء به من الشعر لا يشبه من الآية شيئاً؛ لأن الياء والواو مخالفتان للألف؛ لأنهما تتحركان والألف لا تتحرك، وللشاعر إذا اضطر أن يقدرهما متحركتين ثم تحذف الحركة للجزم، وهذا محال في الألف؛ والقراءة الأولى أبين لأن بعده «وَلاَ تَخْشَى» مجمع عليه بلا جزم؛ وفيها ثلاث تقديرات: الأول: أن يكون «لا تخاف» في موضع الحال من المخاطب، التقدير فاضرب لهم طريقاً في البحر يبسا غير خائف ولا خاشٍ. الثاني: أن يكون في موضع النعت للطريق؛ لأنه معطوف على يبس الذي هو صفة، ويكون التقدير لا تخاف فيه؛ فحذف الراجع من الصفة. والثالث: أن يكون منقطعاً خبر ابتداء محذوف تقديره: وأنت لا تخاف. قوله تعالى: {فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ} أي أتبعهم ومعه جنوده، وقرىء «فَاتَّبَعَهُمْ» بالتشديد فتكون الباء في {بِجُنُودِهِ} عدّت الفعل إلى المفعول الثاني؛ لأن اتبع يتعدى إلى مفعول واحد. أي تبعهم ليلحقهم بجنوده أي مع جنوده كما يقال: ركب الأمير بسيفه أي مع سيفه. ومن قطع «فأتبع» يتعدى إلى مفعولين: فيجوز أن تكون الباء زائدة، ويجوز أن يكون اقتصر على مفعول واحد. يقال: تبعه وأتبعه ولحِقه وألحقه بمعنى واحد. وقوله: «بِجنودِهِ» في موضع الحال؛ كأنه قال: فأتبعهم سائقاً جنوده. {فَغَشِيَهُمْ مِّنَ ٱلْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ} أي أصابهم من البحر ما غرّقهم، وكرر على معنى التعظيم والمعرفة بالأمر. {وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَىٰ} أي أضلّهم عن الرشد وما هداهم إلى خير ولا نجاة؛ لأنه قدّر أن موسى عليه السلام ومن معه لا يفوتونه؛ لأن بين أيديهم البحر. فلما ضرب موسى البحر بعصاه انفلق منه اثنا عشر طريقاً، وبين الطرق الماء قائماً كالجبال. وفي سورة الشعراء {أية : فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَٱلطَّوْدِ ٱلْعَظِيمِ} تفسير : [الشعراء: 63] أي الجبل الكبير؛ فأخذ كل سِبْط طريقاً. وأوحى الله إلى أطواد الماء أَنْ تَشَبَّكي فصارت شبكات يرى بعضهم بعضاً، ويسمع بعضهم كلام بعض، فكان هذا من أعظم المعجزات، وأكبر الآيات، فلما أقبل فرعون ورأى الطرق في البحر والماء قائماً أوهمهم أن البحر فعل هذا لهيبته، فدخل هو وأصحابه فانطبق البحر عليهم. وقيل إن قوله: {وَمَا هَدَىٰ} تأكيد لإضلاله إياهم. وقيل: هو جواب قول فرعون {أية : مَآ أُرِيكُمْ إِلاَّ مَآ أَرَىٰ وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ} تفسير : [غافر: 29] فكذَّبه الله تعالى. وقال ابن عباس: {وَمَا هَدَىٰ} أي ما هدى نفسه بل أهلك نفسه وقومه.
البيضاوي
تفسير : {وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي} أي من مصر. {فَٱضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً} فاجعل لهم، من قولهم ضرب له في ماله سهماً أو فاتخذ من ضرب اللبن إذا عمله. {فِى ٱلْبَحْرِ يَبَساً} يابساً مصدر وصف به يقال يبس يبساً ويبساً كسقم سقماً وسقماً، ولذلك وصف به المؤنث فقيل شاة يبس للتي جف لبنها، وقرىء {يبْسا} وهو إما مخفف منه أو وصف على فعل كصعب أو جمع يابس كصحب وصف به الواحد مبالغة كقوله:شعر : كَأَنَّ قُتُودَ رَحْلِي حِينَ ضَمَّت حَوَالِبَ غُرزاً وَمَعِيَ جِيَاعاً تفسير : أو لتعدده معنى فإنه جعل لكل سبط منهم طريقاً. {لاَّ تَخَافُ دَرَكاً } حال من المأمور أي آمنا من أن يدرككم العدو، أو صفة ثانية والعائد محذوف، وقرأ حمزة «لا تخف» على أنه جواب الأمر. {وَلاَ تَخْشَىٰ } استئناف أي وأنت لا تخشى، أو عطف عليه والألف فيه للإِطلاق كقوله {أية : وَتَظُنُّونَ بِٱللَّهِ ٱلظُّنُونَاْ }تفسير : [الأحزاب: 10] أو حال بالواو والمعنى ولا تخشى الغرق.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى مخبراً أنه أمر موسى عليه السلام حين أبى فرعون أن يرسل معه بني إسرائيل أن يسري بهم في الليل، ويذهب بهم من قبضة فرعون، وقد بسط الله هذا المقام في غير هذه السورة الكريمة، وذلك أن موسى لما خرج ببني إسرائيل، أصبحوا وليس منهم بمصر لا داع ولا مجيب، فغضب فرعون غضباً شديداً، وأرسل في المدائن حاشرين، أي: من يجمعون له الجند من بلدانه ورساتيقه، يقول: {أية : إِنَّ هَـٰؤُلاۤءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَآئِظُونَ } تفسير : [الشعراء: 54 - 55]، ثم لما جمع جنده، واستوسق له جيشه، ساق في طلبهم، فأتبعوهم مشرقين، أي: عند طلوع الشمس {أية : فَلَمَّا تَرَآءَا ٱلْجَمْعَانِ} تفسير : [الشعراء: 61] أي: نظر كل من الفريقين إلى الآخر {أية : قَالَ أَصْحَـٰبُ مُوسَىٰ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِىَ رَبِّى سَيَهْدِينِ } تفسير : [الشعراء: 61 - 62] ووقف موسى ببني إسرائيل، البحر أمامهم، وفرعون وراءهم، فعند ذلك أوحى الله إليه {فَٱضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِى ٱلْبَحْرِ يَبَساً} فضرب البحر بعصاه، وقال: انفلق علي بإذن الله، فانفلق، فكان كل فرق كالطود العظيم، أي: الجبل العظيم، فأرسل الله الريح على أرض البحر، فلفحته حتى صار يبساً كوجه الأرض، فلهذا قال: {فَٱضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِى ٱلْبَحْرِ يَبَساً لاَّ تَخَافُ دَرَكاً} أي: من فرعون {وَلاَ تَخْشَىٰ} يعني: من البحر أن يغرق قومك، ثم قال تعالى: {فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِّنَ ٱلْيَمِّ} أي: البحر {مَا غَشِيَهُمْ} أي: الذي هو معروف ومشهور، وهذا يقال عند الأمر المعروف المشهور، كما قال تعالى: {أية : وَٱلْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَىٰ فَغَشَّـٰهَا مَا غَشَّىٰ } تفسير : [النجم: 53 - 54] وقال الشاعر:شعر : أنَا أبُو النَّجْمِ وشِعْري شِعْري تفسير : أي: الذي يعرف، وهو مشهور. وكما تقدم فرعون فسلك بهم في اليم فأضلهم وما هداهم إلى سبيل الرشاد، كذلك يقدم قومه يوم القيامة، فأوردهم النار، وبئس الورد المورود.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَلَقَدْ أَوْحَيْنآ إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِى } بهمزة قطع من «أسرى» وبهمزة وصل وكسر النون من «سرى» لغتان أي سر بهم ليلاً من أرض مصر {فَٱضْرِبْ } اجعل {لَهُمْ} بالضرب بعصاك {طَرِيقاً فِى ٱلْبَحْرِ يَبَساً } أي يابساً فامتثل ما أمر به وأيبس الله الأرض فمرّوا فيها {لاَّ تَخَـٰفُ دَرَكاً } أي أن يدركك فرعون {وَلاَ تَخْشَىٰ } غرقاً.
الشوكاني
تفسير : هذا شروع في إنجاء بني إسرائيل وإهلاك عدوّهم، وقد تقدّم في البقرة، وفي الأعراف، وفي يونس واللام في: {لقد} هي الموطئة للقسم، وفي ذلك من التأكيد ما لا يخفى، و"أن" في: {أن أسر بعبادي} إما المفسرة لأن في الوحي معنى القول، أو مصدرية، أي بأن أسر، أي أسر بهم من مصر. وقد تقدّم هذا مستوفى. {فَٱضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي ٱلْبَحْرِ يَبَساً } أي اجعل لهم طريقاً، ومعنى {يبساً}: يابساً، وصف به الفاعل مبالغة، وذلك أن الله تعالى أيبس لهم تلك الطريق حتى لم يكن فيها ماء ولا طين. وقرىء: "يبسا" بسكون الباء. على أنه مخفف من يبسا المحرك، أو جمع يابس كصحب في صاحب. وجملة {لاَّ تَخَافُ دَرَكاً } في محل نصب على الحال، أي آمنا من أن يدرككم العدوّ، أو صفة أخرى لطريق، والدرك اللحاق بهم من فرعون وجنوده. وقرأ حمزة: "لا تخف" على أنه جواب الأمر، والتقدير: إن تضرب لا تخف، و{لا تخشى} على هذه القراءة مستأنف، أي ولا أنت تخشى من فرعون أو من البحر. وقرأ الجمهور: {لا تخاف} وهي أرجح لعدم الجزم في: {تخشى} ويجوز أن تكون هذه الجملة على قراءة الجمهور صفة أخرى لطريق، أي لا تخاف منه ولا تخشى منه. {فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ } أتبع هنا مطاوع تبع، يقال: أتبعتهم: إذا تبعتهم، وذلك إذا سبقوك فلحقتهم، فالمعنى: تبعهم فرعون ومعه جنوده. وقيل: الباء زائدة والأصل أتبعهم جنوده، أي أمرهم أن يتبعوا موسى وقومه، وقرىء "فاتبعهم" بالتشديد أي لحقهم بجنوده وهو معهم كما يقال: ركب الأمير بسيفه، أي معه سيفه، ومحل بجنوده النصب على الحال، أي: سائقاً جنوده معه {فَغَشِيَهُمْ مّنَ ٱلْيَمّ مَا غَشِيَهُمْ } أي علاهم وأصابهم ما علاهم وأصابهم، والتكرير للتعظيم والتهويل كما في قوله: {أية : ٱلْحَاقَّةُ * مَا ٱلْحَاقَّةُ } تفسير : [الحاقة: 1 ــ 2]. وقيل: غشيهم ما سمعت قصته. وقال ابن الأنباري: غشيهم البعض الذي غشيهم؛ لأنه لم يغشهم كل ماء البحر، بل الذي غشيهم بعضه. فهذه العبارة للدلالة على أن الذي غرقهم بعض الماء، والأوّل أولى لما يدل عليه من التهويل والتعظيم. وقرىء: "فغشاهم من اليمّ ما غشاهم" أي: غطاهم ما غطاهم. {وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَىٰ } أي أضلهم عن الرشد، وما هداهم إلى طريق النجاة، لأنه قدّر أن موسى ومن معه لا يفوتونه لكونهم بين يديه يمشون في طريق يابسة، وبين أيديهم البحر، وفي قوله: {وَمَا هَدَىٰ } تأكيد لإضلاله؛ لأن المضل قد يرشد من يضله في بعض الأمور. {هَدَىٰ يٰبَنِى إِسْرٰءيلَ قَدْ أَنجَيْنَـٰكُمْ مّنْ عَدُوّكُمْ } ذكر سبحانه ما أنعم به على بني إسرائيل بعد إنجائهم، والتقدير قلنا لهم بعد إنجائهم: {يا بني إسرائيل} ويجوز أن يكون خطاباً لليهود المعاصرين لنبينا صلى الله عليه وسلم؛ لأن النعمة على الآباء معدودة من النعم على الأبناء. والمراد بعدوّهم هنا: فرعون وجنوده، وذلك بإغراقه وإغراق قومه في البحر بمرأى من بني إسرائيل. {وَوَاعَدْنَـٰكُمْ جَانِبَ ٱلطُّورِ ٱلأيْمَنَ } انتصاب {جانب} على أنه مفعول به، لا على الظرفية؛ لأنه مكان معين غير مبهم، وإنما تنتصب الأمكنة على الظرفية إذا كانت مبهمة. قال مكي: وهذا أصل لا خلاف فيه. قال النحاس: والمعنى أمرنا موسى أن يأمركم بالخروج معه لنكلمه بحضرتكم فتسمعوا الكلام. وقيل: وعد موسى بعد إغراق فرعون أن يأتي جانب الطور، فالوعد كان لموسى، وإنما خوطبوا به؛ لأن الوعد كان لأجلهم. وقرأ أبو عمرو وأبو جعفر ويعقوب: "ووعدناكم" بغير ألف، واختاره أبو عبيدة؛ لأن الوعد إنما هو من الله لموسى خاصة والمواعدة لا تكون إلا من اثنين، وقد قدّمنا في البقرة هذا المعنى. و{الأيمن} منصوب على أنه صفة للجانب، والمراد: يمين الشخص؛ لأن الجبل ليس له يمين ولا شمال، فإذا قيل: خذ عن يمين الجبل فمعناه: عن يمينك من الجبل. وقرىء بجرّ الأيمن على أنه صفة للمضاف إليه {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْمَنَّ وَٱلسَّلْوَىٰ } قد تقدّم تفسير المنّ بالترنجبين والسلوى بالسماني وأوضحنا ذلك بما لا مزيد عليه، وإنزال ذلك عليهم كان في التيه. {كُلُواْ مِن طَيِّبَـٰتِ مَا رَزَقْنَـٰكُمْ } أي وقلنا لهم: كلوا والمراد بالطيبات: المستلذات. وقيل: الحلال، على الخلاف المشهور في ذلك. وقرأ حمزة والكسائي والأعمش: "قد أنجيتكم من عدوّكم ووعدتكم جانب الطور كلوا من طيبات ما رزقتكم" بتاء المتكلم في الثلاثة. وقرأ الباقون بنون العظمة فيها. {وَلاَ تَطْغَوْاْ فِيهِ } الطغيان: التجاوز، أي لا تتجاوزوا ما هو جائز إلى ما لا يجوز. وقيل: المعنى: لا تجحدوا نعمة الله فتكونوا طاغين. وقيل: لا تكفروا النعمة ولا تنسوا شكرها، وقيل: لا تعصوا المنعم، أي لا تحملنكم السعة والعافية على المعصية، ولا مانع من حمل الطغيان على جميع هذه المعاني، فإن كل واحد منها يصدق عليه أنه طغيان {فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي} هذا جواب النهي، أي يلزمكم غضبي وينزل بكم، وهو مأخوذ من حلول الدّين، أي حضور وقت أدائه {وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَىٰ } قرأ الأعمش ويحيـى بن وثاب والكسائي: "فيحل" بضم الحاء، وكذلك قرؤوا "يحلل" بضم اللام الأولى، وقرأ الباقون بالكسر فيهما وهما لغتان. قال الفراء: والكسر أحبّ إليّ من الضم؛ لأن الضم من الحلول بمعنى الوقوع. ويحل بالكسر: يجب، وجاء التفسير بالوجوب لا بالوقوع، وذكر نحو هذا أبو عبيدة وغيره. ومعنى {فَقَدْ هَوَىٰ }: فقد هلك. قال الزجاج: {فَقَدْ هَوَىٰ } أي صار إلى الهاوية، وهي قعر النار من هوى يهوي هوياً، أي سقط من علو إلى سفل، وهوى فلان، أي مات. {وَإِنّي لَغَفَّارٌ لّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَـٰلِحَاً } أي لمن تاب من الذنوب التي أعظمها الشرك بالله، وآمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وعمل عملاً صالحاً مما ندب إليه الشرع وحسنه {ثُمَّ ٱهْتَدَىٰ } أي استقام على ذلك حتى يموت كذا قال الزجاج وغيره. وقيل: لم يشكّ في إيمانه. وقيل: أقام على السنّة والجماعة، وقيل: تعلم العلم ليهتدي به. وقيل: علم أن لذلك ثواباً وعلى تركه عقاباً، والأوّل أرجح مما بعده. {وَمَا أَعْجَلَكَ عَن قَومِكَ يٰمُوسَىٰ} هذا حكاية لما جرى بين الله سبحانه وبين موسى عند موافاته الميقات. قال المفسرون: وكانت المواعدة أن يوافي موسى وجماعة من وجوه قومه. فسار موسى بهم، ثم عجل من بينهم شوقاً إلى ربه، فقال الله له: ما أعجلك؟ أي ما الذي حملك على العجلة، حتى تركت قومك وخرجت من بينهم، فأجاب موسى عن ذلك: {قَالَ هُمْ أُوْلاء عَلَىٰ أَثَرِي} أي هم بالقرب مني، تابعون لأثرى واصلون بعدي. وقيل: لم يرد أنهم يسيرون خلفه، بل أراد أنهم بالقرب منه ينتظرون عوده إليهم. ثم قال مصرحاً بسبب ما سأله الله عنه فقال: {وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبّ لِتَرْضَىٰ } أي لترضى عني بمسارعتي إلى امتثال أمرك أو لتزداد رضا عني بذلك. قال أبو حاتم: قال عيسى بن عمر: بنو تميم يقولون: "أولى" مقصورة، وأهل الحجاز يقولون: "أولاء" ممدودة. وقرأ ابن أبي إسحاق ونصر، ورويس عن يعقوب: "على إثري" بكسر الهمزة وإسكان الثاء، وقرأ الباقون بفتحها وهما لغتان. ومعنى {عجلت إليك}: عجلت إلى الموضع الذي أمرتني بالمصير إليه لترضى عني. يقال: رجل عجل وعجول وعجلان: بين العجلة. والعجلة خلاف البطء. وجملة: {قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ } مستأنفة جواب سؤال مقدّر، كأنه قيل فماذا قال الله له؟ فقيل: قال: إنا قد فتنا قومك من بعدك، أي ابتليناهم واختبرناهم وألقيناهم في فتنة ومحنة. قال ابن الأنباري: صيرناهم مفتونين أشقياء بعبادة العجل من بعد انطلاقك من بينهم، وهم الذين خلفهم مع هارون {وَأَضَلَّهُمُ ٱلسَّامِرِيُّ} أي دعاهم إلى الضلالة، وكان من قوم يعبدون البقر، فدخل في دين بني إسرائيل في الظاهر وفي قلبه ما فيه من عبادة البقر، وكان من قبيلة تعرف بالسامرة، وقال لمن معه من بني إسرائيل: إنما تخلف موسى عن الميعاد الذي بينكم وبينه لما صار معكم من الحليّ، وهي حرام عليكم وأمرهم بإلقائها في النار، فكان من أمر العجل ما كان. {فَرَجَعَ مُوسَىٰ إِلَىٰ قَوْمِهِ غَضْبَـٰنَ أَسِفاً } قيل: وكان الرجوع إلى قومه بعد ما استوفى أربعين يوماً: ذا القعدة، وعشر ذي الحجة، والأسف: الشديد الغضب. وقيل: الحزين، وقد مضى في الأعراف بيان هذا مستوفى. {قَالَ يَـا قَوْم أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً } الاستفهام للإنكار التوبيخي، والوعد الحسن: وعدهم بالجنة إذا أقاموا على طاعته، ووعدهم أن يسمعهم كلامه في التوراة على لسان موسى ليعملوا بما فيها، فيستحقوا ثواب عملهم، وقيل: وعدهم النصر والظفر. وقيل هو قوله: {وَإِنّى لَغَفَّارٌ لّمَن تَابَ } الآية. {أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ ٱلْعَهْدُ } الفاء للعطف على مقدّر، أي أوعدكم ذلك، فطال عليكم الزمان فنسيتم {أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مّن رَّبّكُمْ } أي يلزمكم وينزل بكم، والغضب: العقوبة والنقمة. والمعنى: أم أردتم أن تفعلوا فعلاً يكون سبب حلول غضب الله عليكم {فَأَخْلَفْتُمْ مَّوْعِدِى } أي: موعدكم إياي، فالمصدر مضاف إلى المفعول؛ لأنهم وعدوه أن يقيموا على طاعة الله عزّ وجلّ إلى أن يرجع إليهم من الطور. وقيل: وعدوه أن يأتوا على أثره إلى الميقات، فتوقفوا فأجابوه، و {قَالُواْ مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ } الذي وعدناك {بِمَلْكِنَا } بفتح الميم، وهي قراءة نافع وأبي جعفر وعاصم وعيسى بن عمر، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر بكسر الميم، واختار هذه القراءة أبو عبيد وأبو حاتم؛ لأنها على اللغة العالية الفصيحة، وهو مصدر ملكت الشيء أملكه ملكاً، والمصدر مضاف إلى الفاعل والمفعول محذوف، أي بملكنا أمورنا، أو بملكنا الصواب، بل أخطأنا ولم نملك أنفسنا وكنا مضطرين إلى الخطأ، وقرأ حمزة والكسائي: "بملكنا" بضمّ الميم، والمعنى بسلطاننا، أي لم يكن لنا ملك فنخلف موعدك. وقيل: إنّ الفتح والكسر والضم في: "بملكنا" كلها لغات في مصدر ملكت الشيء. {وَلَـٰكِنَّا حُمّلْنَا أَوْزَاراً مّن زِينَةِ ٱلْقَوْمِ } قرأ نافع وابن كثير وابن عامر وحفص وأبو جعفر ورويسك: "حملنا" بضم الحاء وتشديد الميم، وقرأ الباقون بفتح الحاء والميم مخففة، واختار هذه القراءة أبو عبيد وأبو حاتم؛ لأنهم حملوا حلية القوم معهم باختيارهم، وما حملوها كرهاً، فإنهم كانوا استعاروها منهم حين أرادوا الخروج مع موسى، وأوهموهم أنهم يجتمعون في عيد لهم أو وليمة. وقيل: هو ما أخذوه من آل فرعون لما قذفهم البحر إلى الساحل، وسميت أوزاراً، أي آثاماً؛ لأنه لا يحلّ لهم أخذها، ولا تحل لهم الغنائم في شريعتهم والأوزار في الأصل: الأثقال، كما صرح به أهل اللغة، والمراد بالزينة هنا: الحليّ {فَقَذَفْنَاهَا } أي: طرحناها في النار طلباً للخلاص من إثمها. وقيل: المعنى طرحناها إلى السامريّ لتبقى لديه حتى يرجع موسى فيرى فيها رأيه {فَكَذَلِكَ أَلْقَى ٱلسَّامِرِيُّ} أي فمثل ذلك القذف ألقاها السامريّ. قيل: إن السامريّ قال لهم حين استبطأ القوم رجوع موسى: إنما احتبس عنكم لأجل ما عندكم من الحليّ، فجمعوه ودفعوه إليه، فرمى به في النار وصاغ لهم منه عجلاً، ثم ألقى عليه قبضة من أثر الرسول وهو جبريل، فصار {عِجْلاً جَسَداً لَّهُ خُوَارٌ } أي يخور كما يخور الحيّ من العجول، والخوار: صوت البقر. وقيل: خواره كان بالريح؛ لأنه كان عمل فيه خروقاً. فإذا دخلت الريح في جوفه خار ولم يكن فيه حياة {فَقَالُواْ هَـٰذَا إِلَـٰهُكُمْ وَإِلَـٰهُ مُوسَىٰ } أي قال السامريّ ومن وافقه هذه المقالة {فَنَسِيَ} أي فضلّ موسى ولم يعلم مكان إلٰهه هذا، وذهب يطلبه في الطور. وقيل: المعنى: فنسي موسى أن يذكر لكم أن هذا إلٰهه وإلٰهكم. وقيل: الناسي هو السامريّ، أي ترك السامريّ ما أمر به موسى من الإيمان وضلّ، كذا قال ابن الأعرابي. {أَفَلاَ يَرَوْنَ أَلاَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً } أي أفلا يعتبرون ويتفكرون في أن هذا العجل لا يرجع إليهم قولاً، أي لا يردّ عليهم جواباً، ولا يكلمهم إذا كلموه، فكيف يتوهمون أنه إلٰه وهو عاجز عن المكالمة، فأن في: "ألا يرجع" هي المخففة من الثقيلة، وفيها ضمير مقدّر يرجع إلى العجل، ولهذا ارتفع الفعل بعدها، ومنه قول الشاعر:شعر : في فتية من سيوف الهند قد علموا أن هالك كل من يَحْفَى ويَنْتَعِلُ تفسير : أي أنه هالك. وقرىء بنصب الفعل على أنها الناصبة، وجملة: {وَلاَ يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً } معطوفة على جملة: {لا يرجع} أي أفلا يرون أنه لا يقدر على أن يدفع عنهم ضرّاً ولا يجلب إليهم نفعاً. {وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَـٰرُونُ مِن قَبْلُ } اللام هي الموطئة للقسم، والجملة مؤكدة لما تضمنته الجملة التي قبلها من الإنكار عليهم والتوبيخ، لهم أي ولقد قال لهم هارون من قبل أن يأتي موسى ويرجع إليهم {يٰقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُمْ بِهِ } أي وقعتم في الفتنة بسبب العجل، وابتليتم به وضللتم عن طريق الحق لأجله. قيل: ومعنى القصر المستفاد من إنما هو: أن العجل صار سبباً لفتنتهم لا لرشادهم وليس معناه: أنهم فتنوا بالعجل لا بغيره {وَإِنَّ رَبَّكُمُ ٱلرَّحْمَـٰنُ فَٱتَّبِعُونِي وَأَطِيعُواْ أَمْرِي} أي ربكم الرحمٰن لا العجل، فاتبعوني في أمري لكم بعبادة الله، ولا تتبعوا السامريّ في أمره لكم بعبادة العجل، وأطيعوا أمري لا أمره. {قَالُواْ لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَـٰكِفِينَ حَتَّىٰ يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَىٰ } أجابوا هارون عن قوله المتقدّم بهذا الجواب المتضمن لعصيانه، وعدم قبول ما دعاهم إليه من الخير وحذرهم عنه من الشرّ، أي لن نزال مقيمين على عبادة هذا العجل، حتى يرجع إلينا موسى، فينظر: هل يقرّرنا على عبادته أو ينهانا عنها؟ فعند ذلك اعتزلهم هارون في اثني عشر ألفاً من المنكرين لما فعله السامريّ. وقد أخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم عن محمد بن كعب في قوله: {يَبَساً } قال: يابساً ليس فيه ماء ولا طين. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد نحوه. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس {لاَ تخاف دَرَكاً } من آل فرعون {وَلاَ تَخْشَىٰ } من البحر غرقاً. وأخرجا عنه أيضاً في قوله: {فَقَدْ هَوَىٰ } شقي. وأخرجا عنه أيضاً: {وَإِنّي لَغَفَّارٌ لّمَن تَابَ } قال: من الشرك {وَآمَنَ } قال: وحد الله {وَعَمِلَ صَـٰلِحَاً } قال: أدّى الفرائض {ثُمَّ ٱهْتَدَىٰ } قال: لم يشك. وأخرج سعيد بن منصور والفريابي عنه أيضاً: {وَإِنّي لَغَفَّارٌ لّمَن تَابَ } قال: من تاب من الذنب، وآمن من الشرك، وعمل صالحاً فيما بينه وبين ربه {ثُمَّ ٱهْتَدَىٰ } علم أن لعمله ثواباً يجزى عليه. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير: {ثُمَّ ٱهْتَدَىٰ } قال: ثم استقام، لزم السنّة والجماعة. وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة، والبيهقي في الشعب من طريق عمرو بن ميمون عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: تعجل موسى إلى ربه، فقال الله: {وَمَا أَعْجَلَكَ عَن قَومِكَ يٰمُوسَىٰ} الآية، قال: فرأى في ظلّ العرش رجلاً فعجب له، فقال: من هذا يا ربّ؟ قال: لا أحدثك من هو، لكن سأخبرك بثلاث فيه: كان لا يحسد الناس على ما آتاهم الله من فضله، ولا يعقّ والديه، ولا يمشي بالنميمة. وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه عن عليّ قال: لما تعجل موسى إلى ربه عمد السامريّ فجمع ما قدر عليه من حليّ بني إسرائيل فضربه عجلاً، ثم ألقى القبضة في جوفه فإذا هو عجل جسد له خوار، فقال لهم السامريّ: {هذا إلٰهكم وإلٰه موسى}، فقال لهم هارون: {يا قوم ألم يعدكم ربكم وعداً حسناً} فلما أن رجع موسى أخذ برأس أخيه، فقال له هارون ما قال، فقال موسى للسامريّ: ما خطبك؟ قال: {فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ ٱلرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذٰلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي} فعمد موسى إلى العجل، فوضع موسى عليه المبارد فبرده بها وهو على شط نهر فما شرب أحد من ذلك الماء ممن كان يعبد ذلك العجل إلا اصفرّ وجهه مثل الذهب، فقالوا لموسى: ما توبتنا؟ قال: يقتل بعضكم بعضاً، فأخذوا السكاكين فجعل الرجل يقتل أخاه وأباه وابنه ولا يبالي بمن قتل حتى قتل منهم سبعون ألفاً، فأوحى الله إلى موسى مرهم فليرفعوا أيديهم، فقد غفرت لمن قتل وتبت على من بقي. والحكايات لهذه القصة كثيرة جدّاً. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {بِمَلْكِنَا } قال: بأمرنا. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة: {بِمَلْكِنَا } قال: بطاقتنا. وأخرج ابن أبي حاتم عن السديّ مثله. وأخرج أيضاً عن الحسن قال: بسلطاننا. وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {هَـٰذَا إِلَـٰهُكُمْ وَإِلَـٰهُ مُوسَىٰ فَنَسِيَ} قال: فنسي موسى أن يذكر لكم أن هذا إلٰهه.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {لاَ تَخَافُ دَرَكاً وَلاَ تَخْشَى} قال ابن جريج: قال أصحاب. موسى له: هذا فرعون قد أدركنا، وهذا البحر وقد غشينا، فأنزل الله هذه الآية. أي لا تخاف دركاً من فرعون ولا تخشى من البحر غرقاً إن غشيك.
ابن عطية
تفسير : هذا استئناف إخبار عن موسى من أمر موسى وبينه وبين مقال السحرة المتقدم مدة من الزمان حدثت فيها لموسى وفرعون حوادث، وذلك أن فرعون لما انقضى أمر السحرة وغلب موسى وقوي أمره وعده فرعون أن يرسل معه بني إسرائيل فأقام موسى على وعده حتى غدره فرعون ونكث وأعلمه أنه لا يرسلهم معه، فبعث الله حينئذ الآيات المذكورة في غير هذه الآيات الجراد والقمل إلى آخرها كلما جاءت آية وعد فرعون أن يرسل بني إسرائيل عند انكشاف القول فإذا انكشف نكث حتى تأتي أخرى، فلما كانت الآيات أوحى الله تعالى إلى موسى أن يخرج بني إسرائيل من مصر في الليل هارباً، و"السرى" سير الليل، و {أن} في قوله {أن أسر} يجوز أن تكون مفسرة لا موضع لها من الإعراب كقوله عز وجل: {أية : وانطلق الملأ منهم أن امشوا} تفسير : [ص: 10] ويجوز أن تكون الناصبة للأفعال وتكون في موضع نصب بـ {أوحينا} وقوله تعالى {بعبادي} إضافة تشريف لبني إسرائيل، وكل الخلق عباد الله، ولكن هذا كقوله تعالى: {أية : ونفخت فيه من روحي} تفسير : [الحجر: 29]، وروي من قصص هذه الآية أن بني إسرائيل لما أشعرهم موسى عليه السلام بليلة الخروج استعاروا من معارفهم من القبط حلياً وثياباً وكل أحد ما اتفق له. ويروى أن موسى أذن لهم في ذلك وقال لهم: "إن الله سينفلكموها"، ويروى أنهم فعلوا ذلك دون إذنه عليه السلام وهو الأشبه به وسيأتي في جمع الحلي ما يؤيد ذلك، ويروى أن بني إسرائيل عجنوا زادهم ليلة سراهم ووضعوه ليختمر فأعجلهم موسى عليه السلام في الخروج فطبخوه فطيراً في سنتهم في ذلك العام إلى هلم، ويروى أن موسى عليه السلام نهض ببني إسرائيل وهم ستمائة ألف إنسان فسار بهم من مصر يريد بحر القلزم واتصل الخبر بفرعون فجمع جنوده وحشرهم ونهض وراءه فأوحي إلى موسى أن يقصد {البحر} فخرج بنو إسرائيل فرأوا أن العذاب من ورائهم والبحر من أمامهم وموسى يثق بصنع الله تعالى فلما رآهم فرعون قد هبطوا نحو البحر طمع فيهم، وكان مقصدهم إلى موضع منقطع فيه الفحوص والطرق الواسعة، واختلف الناس في عدد جند فرعون فقيل كان في خيله سبعون ألف أدهم ونسبة ذلك من سائر الألوان، وقيل أكثر من هذا مما اختصرته لقلة صحته، فلما وصل موسى البحر وقارب فرعون لحاقه وقوي فزع بني إسرائيل أوحى الله تعالى إلى موسى {أية : أن اضرب بعصاك البحر} تفسير : [الشعراء: 63]، ويروى أن الوحي إليه بذلك كان متقدماً وهو ظاهر الآية، ويروى أنه إنما أوحي إليه ذلك في موطن وقوعه واتصل الكلام في هذه الآية على جهة وصف الحال وضم بعض الأمور إلى بعض فضرب موسى عليه السلام البحر فانفلق اثنتي عشرة فرقة، طرقاً واسعة بينها حيطان ماء واقف فدخل موسى عليه السلام بعد أن بعث الله تعالى ريح الصبا، فجففت تلك الطرق حتى يبست، ودخل بنو إسرائيل ووصل فرعون إلى المدخل وبنو إسرائيل كلهم في البحر فرأى الماء على تلك الحال فجزع قومه واستعظموا الأمر، فقال لهم إنما انفلق لي من هيبتي، وهاهنا كمل إضلاله لهم وحمله الله تعالى على الدخول وجاء جبريل عليه السلام راكباً على فرس أنثى فدخل، فأتبعها فرس فرعون وتتابع الناس حتى تكاملوا في البحر فانطبق عليهم، فسمع بنو إسرائيل انطباق البحر وهم قد خرجوا بأجمعهم من البحر فعجبوا وأخبرهم موسى أن فرعون وقومه قد هلكوا فيه، فطلبوا مصداق ذلك، فلفظ البحر الناس وألقى الله تعالى فرعون على فجوة من الأرض بدرعه المعروفة له. قال القاضي أبو محمد: فهذا اختصار قصص هذه الآية بحسب ألفاظها وقد مضى أمر غرق فرعون بأوعب من هذا في موضع اقتضاه. وقوله تعالى: {يبساً} مصدر وصف به، وقرأ بعض الناس "يابساً" وأشار إلى ذكره الزجاج، وقرأ حمزة وحده "لا تخف دركاً" وذلك إما على جواب الأمر وإما على نهي مستأنف، وقرأ الجمهور "لا تخاف" وذلك على أن يكون "لا تخاف" حالاً من {موسى} عليه السلام، ويحتمل أن يكون صفة الطريق بتقدير لا يخاف فيه أي يكون بهذه الصفة ومعنى هذا القول "لا تخاف دركاً" من فرعون وجنوده {ولا تخشى} غرقاً من البحر، وقرأ أبو عمرو فيما روي عنه "فاتّبعهم" بتشديد التاء وتبع، واتبع إنما يتعدى إلى مفعول واحد كقوله شويت واشتويت وحفرت واحتفرت وفديت وافتديت فقوله {بجنوده} إما أن تكون الباء مع ما جرته في موضع الحال كما تقول خرج زيد بسلاحه وإما أن تكون لتعدي الفعل إلى مفعول ثان إذ لا يتعدى دون حرف جر إلا إلى واحد. وقرأ الجمهور "فأتْبعهم" بسكون التاء وهذا يتعدى إلى مفعولين، فالباء على هذا إما زائدة والتقدير "فأتبعهم فرعون جنده" وإما أن تكون بالحال ويكون المفعول الثاني مقدراً كأنك قلت رؤساءه أو عزمه ويجوز هذا، والأول أظهر، وقرأت فرقة "فغشيهم"، وقرأت فرقة "فغشاهم الله"، وقوله {ما غشيهم} إبهام أهول من النص على قدر "ما"، وهذا كقوله {أية : إذا يغشى السدرة ما يغشى} تفسير : [النجم: 16] {وأضل فرعون قومه} يعني من أول أمره إلى هذه النهاية، ثم أكد تعالى بقوله {أية : وما هدى} تفسير : [طه: 79] مقابلة لقول فرعون {وما أهديكم إلا سبيل الرشاد}.
ابن عبد السلام
تفسير : {لا تَخَافُ دَرَكاً} من فرعون {وَلا تَخْشَى} غرقاً من البحر.
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات: {لا تخف دركاً} بالجزم: حمزة الباقون {لا تخاف} بالرفع {أنجيتكم} و {واعدتكم} و {رزقكم} على التوحيد: حمزة وعلي وخلف {ووعدناكم} من الوعد. أبو عمرو وسهل ويعقوب {فيحل} {ومن يحلل} بالضم فيهما: عليّ. الآخرون بالكسر {يملكنا} بفتح الميم: أبو جعفر ونافع، وعاصم غير المفضل بضمها حمزة، وعلي وخلف بكسرها الباقون والمفضل {حملنا} بفتح الحاء والميم مخففة: أبو عمرو وسهل ويعقوب وحمزة وعلي وخلف سوى حفص. الآخرون بضم الحاء وكسر الميم مشددة {تتبعني} بالياء الساكنة في الحالين: ابن كثير وسهل ويعقوب وافق أبو عمرو ونافع غير إسماعيل في الوصل، وقرأ يزيد وإسماعيل بفتح الياء. الباقون بحذفها. {يا ابن أم} بكسر الميم: ابن عامر وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير حفص. {لم تبصروا} بتاء الخطاب: حمزة وعلي وخلف الباقون على الغيبة {فنبذتها} مدغماً: أبو عمرو وحمزة وعلي وخلف ويزيد وهشام وسهل {لن تخلفه} بكسر اللام: ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب. الآخرون بفتحها {لنحرقنه} بفتح النون وضم الراء: يزيد. الآخرون من التحريق. {فلا يخف} بالجزم على النهي: ابن كثير {أن نقضي} النون مبنياً للفاعل {وحيه} بالنصب: يعقوب الباقون بالياء مضمومة وبفتح الضاد {وحيه} بالرفع. الوقوف: {يبسا} ج لأن قوله {لا تخاف} يصلح صفة للطريق مع حذف الضمير العائد أي لا تخاف فيه، ويصلح مستأنفاً. ومن قرأ {لا تخف} فوقفه أجوز لعدم العاطف ووقوع الحائل مع تعقب النهي الأمر إلا أن يكون جواباً للأمر فلا يوقف {ولا تخشى} ه {ما غشيهم} ط لأن التقدير وقد أضل من قبل على الحال الماضية دون العطف لأنه عندما عشيه لم يتفرغ للإضلال. {وما هدى} ه {والسلوى} ه {غضبي} ج {هوى} ه {اهتدى} ه {يا موسى} ه {لترضى} ه {السامري} ه {أسفاً} ج لانتساق الماضي على الماضي بلا ناسق {حسناً} ط {موعدي} ه {السامري} ه لا {فنسي} ه ط {قولاً} لا للعطف {ولا نفعاً} ه ط {فتنتم به} ج للابتداء بأن مع اتصال العطف {أمري} ج {موسى} ه {أن لا تتبعن} ط {أمري} ه {برأسي} ج للابتداء (بأن) مع اتصال المعنى واتحاد القائل {قولي} ه {يا سامري} ه {نفسي} ه {لا مساس} ص {لن تخلفه} ج لاختلاف الجملتين {عاكفاً} ط للقسم المحذوف {نسفاً} ه {إلا هو} ط {علماً} ه {سبق} ج للإستئناف والحال {ذكرا} ج ه لأن الشرطية تصلح صفة للذكر وتصلح مبتدأ بها {وزراً} ه لا لأن قوله {خالدين} حال من الضمير في {يحمل} وهو عائد إلى "من" ومن للجمع معنى {فيه} ط {حملاً} ه لا لأن {يوم ينفخ} بدل من يوم القيامة. {زرقاً} ه ج لأن ما بعده يصلح للصفة وللاستئناف {عشراً} ه {يوماً} ه {نسفاً} ه لا {صفصفاً} ه لا {أمتا} ه {لا عوج له} ج لاختلاف الجملتين {همساً} ه {قولاً} ه {علماً} ه {القيوم} ط {ظلماً} ه {هضماً} ه {ذكراً} ه {الحق} ج {وحيه} ز لعطف الجملتين المتفقتين مع اعتراض الظرف وما أضيف إليه {علماً} ه. التفسير: هذا شروع في قصة إنجاء بني إسرائيل وإهلاك عدوّهم وقد تقدم في "البقرة" وفي "الأعراف" وفي "يونس" ومعنى {فاضرب لهم طريقاً} إجعل لهم من قولهم "ضرب له في ماله سهماً وضرب اللبن عمله" أو أراد بين لهم طريقاً {في البحر} بالضرب بالعصا حتى ينفلق فعدي الضرب إلى الطريق، ثم بين أن جميع أسباب الأمن حاصلة في ذلك الطريق. واليبس مصدر وصف به ومثله اليبس ونحوهما العدم والعدم ويوصف به المؤنث لذلك فيقال: ناقتنا يبس إذا جف لبنها. والدرك. والدرك اسمان من الإدراك أي لا يدركك فرعون وجنوده ولا يلحقونك. وفي {لا تخشى} إذا قرىء {لا تخف} أوجه الاستئناف أي وأنت لا تخشى، وجوز في الكشاف أن يكون الألف للإطلاق من أجل الفاصلة كقوله {أية : وتظنون بالله الظنونا} تفسير : [الأحزاب: 10] وأن يكون كقول الشاعر: شعر : كأن لم ترى قبلي أسيراً يمانياً تفسير : أراد لم تر لأن ما قبله: شعر : وتضحك مني شيخة عبشمية تفسير : قلت: لعل هذا إنما يجوز في الضرورة ولا ضرورة في الآية {فأتبعهم فرعون} الحق بهم جنوده أو تبعهم ومعه جنوده كما مر في "يونس" {فغشيهم} أي علاهم ورهقهم {من اليم ما غشيهم} وهذا من جملة ما علم في باب الإيجاز لدلالته على أنه غشيهم ما لا يعلم كنهه إلا الله، وقد سلف منه في السور المذكورة ما حكي في الأخبار وروي في الآثار. ونسبة الإضلال إلى فرعون لا تنافي انتهاء الكل إلى إرادة الله ومشيئته. وقوله {وما هدى} تأكيد للإضلال وفيه تهكم به في قوله {أية : وما أهديكم إلا سبيل الرشاد}تفسير : [غافر: 38] ثم عدد ما أنعم به على بني إسرائيل، ويجوز أن يكون خطاباً لليهود المعاصرين لأن النعمة على الآباء نعمة في حق الأبناء ومثله قوله {وواعدناكم جانب الطور الأيمن} أي الواقع على يمين من انطلق من مصر إلى الشام لأن منفعة المواعدة عادت إليهم وإن كانت المواعدة لنبيهم فبكتب التوراة في ألواح قام شرعهم واستقام أمر معاشهم ومعادهم. {كلوا} من تتمة القول. وطغيانهم في الرزق هو شغلهم باللهو والتنعم عن القيام بشكرها وتعدي حدود الله فيها بالإسراف والتقتير والغصب. ومن قرأ {فيحل} بالكسر فبمعنى الوجوب من قولهم "حل الدين يحل" إذا وجب أداؤه، ومن قرأ بضم فبمعنى النزول ونزول الغضب نزول نتائجة من العقوبات والمثلات. ومعنى {هوى} هلك وأصله السقوط من مكان عالٍ كالجبل. وقيل: هوى أي وقع في الهاوية. سؤال: كيف أثبت المغفرة في حق من استجمع التوبة والإيمان والعمل الصالح، والمغفرة إنما تتصور في حق من أذنب؟ وأيضاً ما معنى قوله {ثم اهتدى} بعد الأمور المذكور والاهتداء إنما يكون قبلها لا أقل من أن يكون معها؟ الجواب أراد وإني لغفار لمن تاب من الكفر وآمن وعمل صالحاً. وفيه دليل لمن ذهب إلى وجوب تقديم التوبة من الكفر على الإيمان. والحاصل أن الغفران يعود إلى الذنوب السابقة على هذه الأمور، ويجوز أن يراد أنه إذا تاب من الكفر وأقبل على الإيمان والعمل الصالح فإن الله يغفر الصغائر التي تصدر عنه في خلال ذلك كقوله {أية : إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم} تفسير : [النساء: 31] وأما الاهتداء فالمراد به الاستقامة والثبات على الأمور المذكورة كقوله {أية : إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا} تفسير : [فصلت: 20] ومعنى "ثم" الدلالة على تباين المرتبتين، فإن المداومة على الخدمة أصعب من الشروع فيها كما قيل: شعر : لكل إلى شأو العلى حركات ولكن عزيز في الرجال ثبات تفسير : ونظير هذا العطف قوله {أية : أهلكناها فجاءها بأسنا} تفسير : [الأعراف: 4] وقد مر البحث فيه. ويروى أن موسى قد مضى مع النقباء السبعين إلى الطور على الموعد المضروب، ثم تقدمهم شوقاً إلى كلام ربه وتنجز ما وعد به بناء على اجتهاده وظنه أن ذلك أقرب إلى رضا الله فأنكر الله تعالى تقدمه قائلاً {وما أعجلك عن قومك} أيّ شيء عجل بك عنهم؟ فالمراد بالقوم النقباء لا جميع قومه على ما توهم بعضهم يؤكده قوله {هم أولاء على أثري} ولم يكن جميع قومه على أثره. قال جار الله: قد تضمن ما واجهه به رب العزة شيئين: أحدهما إنكار العجلة في نفسها، والثاني السؤال عن سبب التقدم فكان أهم الأمرين إلى موسى تمهيد العذر من العجلة نفسها فاعتل بأنه لم يوجد مني إلا تقدم يسير وليس بيني وبينهم إلا مسافة يتقدم بمثلها الوفد رأسهم ومقدمهم، ثم عقبه بجواب السؤال عن السبب فقال {وعجلت إليك رب لترضى} أي طلبت دوم رضاك عني أو مزيد رضاك بناء على اجتهادي أن التعجيل إلى مقام المكالمة والحرص على ذلك يوجب مزيد الثواب والكرامة. وقيل: لما أنكر عليه الاستعجال دهش خوفاً من العقاب فتحير في الجواب {قال فإنا قد فتنا قومك} يعني جميع قومه الذين خلفهم مع هارون وكانوا ستمائة ألف ما نجا من عبادة العجل إلا اثنا عشر ألفاً. يروى أنهم أقاموا بعد مفارقته عشرين ليلة وحسبوها أربعين مع أيامها وقالوا: قد أكملنا العدة. ثم كان أمر العجل بعد ذلك فسئل أنه تعالى كيف قال لموسى عنه مقدمه {إنا قد فتنا قومك}؟ وأجيب بأنه على عادة الله تعالى في إخباره عن الأمور المترقبة بلفظ الماضي تحقيقاً للوقوع، أو أراد بدء الفتنة لأن السامري افترض غيبة موسى فعزم على إضلال قومه غب انطلاقه. ولقائل أن يمنع كون هذه الأخبار عند مقدم موسى عليه السلام بل لعله عند رجوعه بدليل فاء التعقيب في قوله {فرجع موسى} قال جار الله إنه رجع بعدما استوفى الأربعين ذا القعدة وعشر ذي الحجة وأوتي التوراة. وسامري منسوب إلى قبيلة من بني إسرائيل يقال لها السامرة. وقيل: السامرة قوم من اليهود يخالفونهم في بعض دينهم. وقيل: كان علجاً من كرمان واسمه موسى بن ظفر وكان منافقاً وكان من قوم يعبدون البقر. قالت المعتزلة: الفتنة بمعنى الإضلال لا يجوز أن تنسب إلى الله تعالى لأنه يناقض قوله {وأضلهم السامري} وإنما الفتنة بمعنى الامتحان بتشديد التكليف ومنه "فتنت الذهب بالنار" وبيان ذلك أن السامريّ لما أخرج لهم العجل صاروا مكلفين بأن يستدلوا بحدوث جملة الأجسام على أن العجل لا يصلح للإلهية. وقالت الأشاعرة: الشبهة في كون الشمس والقمر إلهاً أعظم من العجل الذي له خوار وهو جسد من الذهب وحينئذ لا يكون حدوث ذلك العجل تشديداً في التكليف، فلا يكون فتنة من هذا الوجه فوجب حمله على خلق الضلال فيهم. وأجابوا عن إضافة الضلال إلى السامري بن جميع المسببات العادية تضاف إلى أسبابها في الظاهر وإن كان الموجد لها في الحقيقة هو الله تعالى. قال بعضهم: الأسف المغتاظ، وفرق بين الاغتياظ والغضب لأن الغيظ تغير يلحق المغتاظ فلا يصح إلا على الأجسام، والغضب قد يراد به الإضرار بالمغضوب عليه فلهذا صح إطلاقه على الله سبحانه. ثم عاتب موسى عليه السلام قومه بأمور منها: قوله {ألم يعدكم ربكم وعداً حسناً} كأنهم كانوا معترفين بالرب الأكبر لكنهم عبدوا العجل على التأويل الذي تذكر عبدة الأصنام أو على تأويل الحلول. والوعد الحسن هو إنزال التوراة التي فيها هدى ونور. وقيل: هو الثواب على الطاعات ومثله ما روي عن مجاهد أن العهد المذكور من قوله {ولا تطغوا فيه} إلى قوله {ثم اهتدى} وقيل: وعدهم إهلاك فرعون ووعدهم أرضهم وديارهم وقد فعل. ومنها قوله {أفطال عليكم العهد} أي الزمان يريد مدة مفارقته لهم وعدوه أن يقيموا على أمره وما تركهم عليه من الإيمان فاخلفوا موعده بعبادتهم العجل. وقيل: أراد عهدهم بنعم الله تعالى من الإنجاء وغيره. والأكثرون على الأول لما روي أنه وعدهم ثلاثين كما أمر الله تعالى {أية : وواعدنا موسى ثلاثين ليلة} تفسير : [الأعراف: 142] فجاء بعد الأربعين لقوله تعالى {وأتممناها بعشر} ولما روي أنهم حسبوا العشرين أربعين ومنها قوله {أم أردتم أن يحل عليكم غضب ربكم} قالوا: هذا لا يمكن إجراؤه على الظاهر لأن أحداً لا يريد هلاك نفسه ولكن المعصية - وهو خلاف الموعد - لما كانت توجب ذلك صح هذا الكلام لأن مريد السبب مريد للمسبب بالعرض. احتج العلماء بالآية وبما مر من قوله {فيحل عليكم غضبي} أن الغضب من صفات الأفعال لا من صفات الذات لأن صفة ذات الله تعالى لا تنزل في شيء من الأجسام. وموعد موسى هو ما ذكرنا من أنهم وعدوه الإقامة على دينه إلى أن يرجع إليهم من الطور. وقيل: وعدوه اللحاق به والمجيء على أثره {قالوا ما أخلفنا موعدك بملكنا} بالحركات الثلاث أي بأن ملكنا أمرنا أي لو ملكنا أمرنا وخلينا ورأينا لما أخلفناه ولكن غلبنا من جهة السامري وكيده. والظاهر أن القائلين هم عبدة العجل. وقيل: إنهم الذين لم يعبدوا العجل وقد يضيف الرجل فعل قرينه إلى نفسه فكأنهم قالوا: الشبهة قويت على عبدة العجل فلم يقدر على منعهم ولم يقدروا أيضاً على مخالفتهم حذراً من التفرقة وزيادة الفتنة. ثم إن القوم بينوا ذلك العذر المجمل فقالوا {ولكنا حملنا أوزاراً من زينة القوم} أي أثقالاً من حلي القبط كما مر في "الأعراف". وقيل: الأوزار الآثام وإنها في الحقيقة أثقال مخصوصة معنوية سموا بذلك لأن المغانم لم تحل حينئذ أو لأنهم كانوا مستأمنين في دار الحرب وليس للمستأمن أن يأخذ مال الحربي. وقيل: إن تلك الحلي كان القبط يتزينون بها في مجامع الكفر ومجالس المعاصي فلذلك. وصفت بأنها أوزار كما يقال في آلات المعاصي {فقذفناها} أي في الحفرة، كان هارون أمرهم بجمع الحلي انتظاراً لعود موسى، أو في موضع أمرهم السامري بذلك بعد أن أوقد النار {فكذلك ألقى السامري} مثل فعلنا أراهم أنه يلقي حلياً في يده مثل ما ألقوه. وإنما ألقى التربة التي أخذها من موطىء حافر فرس جبريل كما يجيء في قوله {فقبضت قبضة من أثر الرسول فنبذتها} {فأخرج لهم عجلاً جسداً له خوار} قد مر في "الأعراف" {فقالوا} أي السامري ومن تبعه {هذا إلهكم وإله موسى فنسي} موسى أن يطلبه ههنا فذهب يطلبه عند الطور، أو فنسي السامري وترك ما كان عليه من الإيمان الظاهر، أو نسي الاستدلال على أن العجل لا يجوز أن يكون إلهاً بقوله {أفلا يرون أن لا يرجع}"أن" مخففة من الثقيلة ولهذا لم تعمل. وقرىء بالنصب على أنها الناصبة. قال العلماء: ظهور الخوارق على يد مدعي الإلهية جائز لأنه لا يحصل الالتباس، وههنا كذلك فوجب أن لا يمتنع خلق الحياة في صورة العجل. وروى عكرمة عن ابن عباس أن هارون مر بالسامري وهو يصنع العجل فقال: ما تصنع؟ فقال: أصنع ما ينفع ولا يضر فادع لي. فقال: اللهم أعطه ما سألك. فلما مضى هارون قال السامري: اللهم إني أسألك أن يخور فخار. وعلى هذا التقدير يكون معجزاً للنبي لا السامري. ثم إنه سبحانه أخبر أن هارون لم يأل نصحاً وإشفاقاً في شأن نفسه وفي شأن القوم قبل أن يقول لهم السامري ما قال. أما شفقته على نفسه فهي أنه أدخلها في زمرة الآمرين بالمعروف الناهين عن المنكر، أما الامتثال فإنه امتثل في نفسه وفي شأن القوم أمر أخيه حين قال لهم {يا قوم إنما فتنتم به} قال جار الله: كأنهم أول ما وقعت عليه أبصارهم حين طلع من الحفرة فتنوا به واستحسنوه فقبل أن ينطق السامري بادرهم هارون فزجرهم عن الباطل أولاً بأن هذا من جملة الفتن. ثم دعاهم إلى الحق بقوله {وإن ربكم الرحمن} ومن فوائد تخصيص هذا الاسم بالمقام أنهم إن تابوا عما عزموا عليه لإن الله يرحمهم ويقبل توبتهم. ثم بين أن الوسيلة إلى معرفة كيفية عبادة الله هو اتباع النبي وطاعته فقال {فاتبعوني وأطيعوا أمري} وهذا ترتيب في غاية الحسن. واعلم أن الشفقة على خلق الله أصل عظيم في الدين وقاعدة متينة. روى النعمان بن بشير عن النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم مثل الجسد إذا اشتكى عضو منه تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى"تفسير : ويروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بينا هو جالس إذا نظر إلى شاب على باب المسجد فقال: من أراد أن ينظر إلى رجل من أهل النار فلينظر إليه. فسمع الشاب ذلك فولى وقال: إلهي وسيدي هذا رسولك يشهد عليّ بأني من أهل النار وأنا أعلم أنه صادق، فإذا كان الأمر كذلك فأسألك أن تجعلني فداء أمة محمد صلى الله عليه وسلم وتشعل النار بي حتى يبر يمينه ولا تسفع النار أحداً. فهبط جبريل وقال: يا محمد بشر الشاب بأني قد أنقدته من النار بتصديقه لك وفداء أمتك بنفسه وشفقته على الخلق. قال أهل السنة ههنا: إن الشيعة تمسكوا بقوله صلى الله عليه وسلم "حديث : أنت مني بمنزلة هارون من موسى"تفسير : ثم إن هارون ما منعته التقية في مثل ذلك الجمع بل صعد المنبر وصرح بالحق ودعا الناس إلى متابعته، فلو كانت أمة محمد صلى الله عليه وسلم على الخطأ لكان يجب على عليّ كرم الله وجهه أن يفعل ما فعل هارون من غير تقية وخوف. وللشيعة أن يقولوا: إن هارون صرح بالحق وخاف فسكت ولهذا عاتبه موسى بما عاتب فاعتذر بــ {أية : إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني} تفسير : [الأعراف: 15] وهكذا علي رضي الله عنه امتنع أولاً من البيعة فلما آل الأمر إلى ما آل أعطاهم ما سألوا. وإنما قلت هذا على سبيل البحث لا لأجل التعصب. ثم إن القوم قابلوا حسن موعظة هارون بالتقليد والجحود قائلين {لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى} ولا يخفى ما في هذا الكلام من أنواع التوكيد من جهة النفي بـ"لن"، ومن لفظ البراح والعكوف، ومن صيغة اسم الفاعل، ومن تقديم الخبر. ثم حكى ما جرى بين موسى وهارون بعد الرجوع وقوله {ما منعك إذ رأيتهم ضلوا ألا تتبعن} كقوله {أية : ما منعك ألا تسجد} تفسير : [الأعراف: 12] في أن "لا" هذه مزيدة أم لا؟. وقد مر في "الأعراف". وفي هذا الإتباع قولان: فعن ابن عباس ما منعك من إتباعي بمن أطاعك واللحوق بي وترك المقام بين أظهرهم. وقال مقاتل: أراد الإتباع في وصيته كأنه قال: هلا قتلت من كفر بمن آمن ومالك لا تباشر الأمر كما كنت أباشره. قال الأصوليون: في قوله {أفعصيت أمري} دلالة على أن تارك المأمور به عاصٍ والعاصي يستحق العقاب لقوله {أية : ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم} تفسير : [الجن: 22] فيعلم منه أن الأمر للوجوب. واحتج الطاعنون في عصمة الأنبياء بأن موسى عليه السلام هل أمر هارون باتباعه أم لا؟ وعلى التقدير فهارون أتبعه أم لا؟ فإن لم يأمره أو أمره ولكن اتبعه فملامته لهارون من غير جرم تكون ذنباً، وإن أمره ولم يتبعه كان هارون عاصياً. وأيضاً قوله {أفعصيت} بمعنى الإنكار. فإما أن يكون موسى كاذباً في نسبة العصيان إلى هارون، وإما أن يكون هارون عاصياً. وأيضاً أخذه بلحية هارون وبرأسه إن كان بعد البحث والتفتيش فهارون عاصٍ وإلا فموسى. وأجيب بأن كل ذلك أمور اجتهادية جائزة الخطأ أو هي من باب الأولى وقد مر في أوائل "البقرة" في آدم ما يتعلق بهذه المسألة. قوله: {ولم ترقب قولي} أي وصيتي لك بحفظ الدهماء واجتماع الشمل يؤيده قوله: {إني خشيت أن تقول فرقت} قال الإمام أبو القاسم الأنصاري: الهداية أنفع من الدلالة فإن السحرة ما رأوا إلا آية واحدة فآمنوا وتحملوا في الدين ما تحملوا، وأما قوم موسى فقد رأوا ذلك مع زيادة سائر الآيات التسع ومع ذلك اغتروا بصوت العجل وعكفوا على عبادته، فعرفنا أن الغرض لا يحصل إلا بهداية الله تعالى. ولما فرغ موسى من عتاب هارون أقبل على السامري، ويمكن أن يكون بعيداً ثم حضر أو ذهب إليه موسى ليخاطبه قال جار الله: الخطب مصدر خطب الأمر إذا طلبه. فإذا قيل: لمن يفعل شيئاً ما خطبك؟ فمعناه ما طلبك له والغرض منه الإنكار عليه وتعظيم صنيعه {قال} أي السامري} بصرت بما لم يبصروا به} قال ابن عباس ورواه أبو عبيدة: علمت بما لم يعلموا به من البصارة. يعني العلم. وقال الآخرون: رأيت بما لم تروه فالباء للتعدية، رجح العلماء قراءة الغيبة على الخطاب احترازاً من نسبة عدم البصارة إلى النبي صلى الله عليه وسلم. والقبضة بالفتح مصدر بمعنى المفعول وهو المقبوض بجميع الكف. عامة المفسرين على أن المراد بالرسول جبريل عليه السالم وأثره التراب الذي أخذه من موقع حافر دابته واسمها حيزوم فرس الحياة. ومتى رآه؟ الأكثرون على أنه رآه يوم فلق البحر كان جبريل على الرمكة وفرعون على حصان وكان لا يدخل البحر، فتقدم جبريل فتبعه فرس فرعون. وعن علي رضي الله عنه أن جبريل لما نزل ليذهب بموسى إلى الطور أبصره السامري من بين الناس وكان راكب حيزوم فقال: إن لهذا شأناً فقبض من تربة موطئه. فمعنى الآية فقبضت من أثر فرس المرسل إليك يوم حلول الميعاد. ثم من المفسرين من جوز أن السامري لم يعرف أنه جبريل ومنهم من قال: إنه عرفه. عن ابن عباس: إنما عرفه لأنه رباه في صغره وحفظه من القتل حين أمر فرعون بقتل أولاد بني إسرائيل. فكانت المرأة تلد وتطرح ولدها حيث لا يشعر به آل فرعون فتأخذ الملائكة الولدان فيربونهم حتى يترعرعوا ويختلطوا بالناس. فكان السامري أخذه جبريل وجعل كف نفسه في فيه وارتضع منه العسل واللبن فلم يزل يختلف إليه حتى عرفه. وقال أبو مسلم: إطلاق الرسول على جبريل في المقام من غير قرينة تكليف بعلم الغيب. وأيضاً تخصيص السامري من بين الناس برؤية جبريل وبمعرفة خاصية تراب حافر دابته لا يخلو عن تعسف، ولو جاز اطلاع بعض الكفرة على تراب هذا شأنه فلقائل أن يقول: لعل موسى اطلع على شيء آخر لأجله قدره على الخوارق. فالأولى أن يراد بالرسول موسى فقد يواجه الحاضر بلفظ الغائب كما يقال: ما قول الأمير في كذا؟ ويكون إطلاق الرسول منه على موسى نوعاً من التهكم لأنه كان كافراً به مكذباً. وأراد بأثره سنته ورسمه من قولهم "فلان يقفو أثر فلان" أي عرفت أن الذي عليه ليس بحق وقد كنت قبضت شيئاً من سنتك فطرحتها. فعلى قول العامة يكون قوله: {وكذلك سوّلت لي نفسي} إشارة إلى ما أوحي إليه وليه الشيطان أن تلك التربة إذا نبذت على الجماد صار حيواناً. وعلى قول أبي مسلم يشير إلى أن اتباع أثرك كان من تسويلات النفس الأمارة فلذلك تركته. ثم بين موسى أن له عقوبة في الدنيا وعقوبة في الآخرة. يروى أنه أراد أن يقتله فمنعه الله من ذلك وقال: لا تقتله فإنه سخيّ. وفي قوله: {لامساس} وجوه: الأوّل إنه حرم عليه مماسة الناس لأنه إذا اتفق أن هناك مماسة فأحدهم الماس والثاني الممسوس فلذلك إذا رأى أحداً صاح لا مساس. ويقال: إن قومه باقٍ فيهم ذلك إلى الآن الثاني: أن المراد منع الناس من مخالطته. قال مقاتل: إن موسى أخرجه من محلة بني إسرائيل وقال له: اخرج أنت وأهلك طريداً إلى البراري. اعترض الواحدي عليه بأن الرجل إذا صار مهجوراً فلا يقول: هو لامساس. وإنما يقال له ذلك. وأجيب بأن هذا على الحكاية أي أجعلك يا سامري بحيث إذا أخبرت عن حالك لم تقل إلا لا مساس. والثالث: قول أبي مسلم إن المراد انقطاع نسله وأن يخبر بأنه لا يمكن له مماسة المرأة أي مجامعتها. وأما حاله في الآخرة فلذلك قوله: {وإن لك موعداً لن تخلفه} قال جار الله: من قرأ بكسر اللام فهو من أخلفت الموعد إذا وجدته خلفاً. ثم بين مآل حال إلهه فقال: {وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفاً} أي ظللت فحذف إحدى اللامين تخفيفاً {لنحرقنه} من الإحراق ففيه دليل على أنه صار لحماً ودماً لأن الذهب لا يمكن إحراقه بالنار ونسفه في الميم. قال السدي: أمر موسى بذبحه فسال منه الدم ثم أحرق ثم نسف. والنسف النقض ومن جعله من الحرق أي لنبردنه بالمبرد ففيه دلالة على أنه لم ينقلب حيواناً إلا إذا أريد برد عظامه. ومن جعله من التحريق فإنه يحتمل الوجهين والمراد إهدار السامري وإبطال كيده ومحق صنيعه والله خير الماكرين. ثم ختم الكلام ببيان الدين الحق فقال: {إنما إلهكم} أي المستحق للعباد والتعظيم {الله الذي لا إله إلاَّ هو وسع كل شيء علماً} قد مر مثله في "الأنعام" قال مقاتل: أي يعلم من يعبده. وحين فرغ من قصة موسى شرع في تثبيت رسولنا صلى الله عليه وسلم فقال: {كذلك} أي نحو اقتصصنا عليك قصة موسى وفرعون والسامري {نقص عليك من} سائر أخبار الرسل مع أممهم تكثيراً لمعجزاتك. ثم عظم شأن القرآن بقوله: {وقد آتيناك من لدنا ذكراً} أي ما ذكر فيه كل ما يحتاج إليه المكلف في دينه وفي دنياه والوزر العقوبة الثقيلة التي تنقض ظهر صاحبها، أو المراد جزاء الوزر وهو الإثم {خالدين فيه} أي في ذلك الوزر أو في احتماله {وساء} فيه ضمير مبهم يفسره {حملاً} والمخصوص محذوف للقرينة أي ساء حملاً وزرهم. واللام في {لهم} للبيان كما في {أية : هيت لك} تفسير : [يوسف: 23] ويجوز أن يكون "ساء" بمعنى "قبح" ويكون فيه ضمير الوزر. وانتصب {حملاً} على التمييز و{لهم} حال من {حملاً} ولا أدري لم أنكره صاحب الكشاف، اللَّهم إلا أن يمنع وقوع الحال من التمييز وفيه نظر. قال ابن السكيت: الحمل بالفتح ما كان في بطن أو على رأس شجرة، وبالكسر ما كان على ظهر أو رأس: وفي الصور قولان: أشهرهما أنه القرن يؤيده قوله: {أية : فإذا نقر في الناقور} تفسير : [المدثر: 8] وإنه تعالى يعرّف أمور الآخرة بأمثال ما شوهد في الدنيا ومن عادة الناس النفخ في البوقات عند الأسفار وفي العساكر فجعل الله تعالى النفخ في تلك الآلة علامة لخراب الدنيا ولإعادة الأموات. وأقربهما من المعقول أن الصور جمع صورة يؤكده قراءة من قرأ بفتح الواو. يقال: صورة وصور كدرة ودرر. والنفخ نفخ الروح فيها ولكنه يرد عليه أن النفخ يتكرر لقوله تعالى: {أية : ثم نفخ فيه أخرى} تفسير : [الزمر: 68] والإحياء لا يتكرر بعد الموت إلا ما ثبت من سؤال القبر وليس هو بمراد من النفخة الأولى بالاتفاق {ونحشر المجرمين} عن ابن عباس: هم الذين اتخذوا مع الله إلهاً آخر. وقال المعتزلة: هم الكفار والعصاة. وفي الزرق وجوه: قال الضحاك ومقاتل: إن الزرقة أبغض شيء من ألوان العيون إلى العرب، لأن الروم أعداؤهم وإنهم زرق العيون، ومن كلامهم في صفة العدوّ "أسود الكبد أصهب السبال أزرق العين". وقال الكلبي: {رزقاً} أي عمياً. قال الزجاج: يخرجون بصراء في أول أمرهم لقوله: {أية : ليوم تشخص فيه الأبصار} تفسير : [إبراهيم: 42] ولقوله: {أية : اقرأ كتابك} تفسير : [الإسراء: 14] ثم يؤل حالهم إلى العمى وإن حدقة من يذهب نور بصرة تزرق. وقيل {زرقاً} أي عطاشا لقوله: {أية : ونسوق المجرمين إلى جهنم ورداً} تفسير : [مريم: 86] فكأنهم من شدة العطش يتغير سواد عيونهم حكاه ثعلب عن ابن الأعرابي {يتخافتون} يتسارون {بينهم} من شدة خوفهم أو لأن صدورهم امتلأت رعباً، وهؤلاء يستقصرون مدة لبثهم في الدنيا إما لأنها أيام سرورهم وهن قصار، وإما لأنها قد انقضت والذاهب قليل وإن طال ولا سيما بالنسبة إلى الأبد السرمدي كأن ظنينهم يقول: قدر لبثنا في الدنيا بالقياس إلى لبثنا في الآخرة كعشرة أيام. فقال أعقلهم: بل كاليوم الواحد. وإنما قال: {عشراً} لأن المراد عشر ليال. وقال مقاتل: أراد عشر ساعات أي بعض يوم. وعلى هذا فأفضلهم رد عليهم استقصارهم وتقالهم. وقيل: المراد لبثهم في القبور. قال أهل النظم: كأن سائلاً سأل: كيف يصح التخافت بين المجرمين والجبال حائلة مانعة؟ فلذلك قال: {ويسألونك عن الجبال} وقال الضحاك: إن مشركي مكة قالوا على سبيل الاستهزاء: يا محمد كيف يكون حال الجبال يوم القيامة؟ فنزلت. ويحتمل أن يكون هذا جواب شبهة تمسك بها منكرو البعث - منهم جالينوس - زعم أن الأفلاك لا تفنى لأنها لو فنيت لابتدأت بالنقصان حتى تنتهي إلى البطلان، وكذا الجبال وغيرها من الأجرام الكلية، فأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يبين لهم هذه المسألة الأصولية من غير تأخير ولهذا أدخل فاء التعقيب في الجواب. والنسف القلع. وقال الخليل: التطيير والإذهاب كأنه يجعلها كالرمل ثم يرسل عليها الرياح فتفرقها. وحاصل الجواب أن كل بطلاً لا يلزم أن يكون ذبولياً بل قد يكون رفعياً. والضمير في {فيذرها} للمضاف المحذوف أي فيدع مقارها ومراكزها وهو للأرض للعلم بها كقوله: {أية : ما ترك على ظهرها} تفسير : [فاطر: 45] والقاع المستوي من الأرض. وقيل: المكان المطمئن. وقيل: مستنقع الماء. والصفصف الأرض الملساء المستوية. وقيل: التي لا نبات فيها. والأمت النتوّ اليسير. وقيل: التلال الصغار. قالوا: العوج بالكسر في المعاني وكأنه سبحانه نفى العوج الذي يدق عن الإحساس ولا يدرك إلا بالقياس الهندسي. وإذا كان هذا النوع من العوج الاعتباري منتفياً فكيف بالعوج الحسي! وقد يستدل بالآية على أن الأرض يومئذ تكون كرة حقيقة إذ لو كانت مضلعة وقعت بين الأضلاع فصول مشتركة فيعوج الامتداد القائم عليها هناك. ثم إنه تعالى وصف ذلك اليوم بأن الخلائق فيه {يتبعون الداعي} قيل: هو النفخ في الصور وقوله: {لا عوج له} أي لا يعدل عن أحد بدعائه بل يحشر الكل. وقيل: إن إسرافيل أو ملكاً آخر يقوم على صخرة بيت المقدس ينادي: أيها العظام النخرة والأوصال المتفرقة واللحوم المتمزقة، قومي إلى ربك للحساب والجزاء فلا يعوج له مدعوّ بل يتبعون صوته من غير انحراف. {وخضعت الأصوات للرحمن} خفضت من شدة الفزع {فلا تسمع} أيها السامع {إلا همساً} وهو الصوت الخفي. وذلك أن الجن والإنس علموا أن لا مالك لهم سواه، وحق لمن كان الله محاسبه أن يخشع طرفه ويضعف صوته ويختلط قوله ويطول غمه. وعن ابن عباس والحسن وعكرمة وابن زيد الهمس وطء الأقدام إلى المحشر. قوله: {إلا من أذن له الرحمن} يصلح أن يكون "من" منتصباً على المفعولية وأن يكون مرفوعاً على البدلية بتقدير حذف المضاف أي لا تنفع الشفاعة إلا شفاعة من أذن له الرحمن {ورضي له} أي لأجله {قولاً}. قال الإمام فخر الدين الرازي: الاحتمال الأول أولى لعدم التزام الإضمار، ولأن درجة الشافع درجة عظيمة فلا تصلح ولا تحصل إلا لمن أذن له فيها وكان عند الله مرضياً. فلو حملنا الآية على ذلك كان من إيضاح الواضحات بخلاف ما لو حملت على المشفوع. وأقول: الاحتمالان متقاربان متلازمان لأن المشفوع لا تقبل الشفاعة في حقه إلا إذا أذن الرحمن لأجله فيعود إلى الثاني. قالت المعتزلة: الفاسق غير مرضي عند الله تعالى فوجب أن لا ينتفع بشفاعة الرسول. وأجيب بأنه قد رضي لأجله قولاً واحداً من أقواله وهو كلمة الشهادة. قالوا: هب أن الفاسق قد رضي الله قولاً لأجله، فلم قلتم إن الإذن حاصل للشافع في حقه؟ والجواب أنا أيضاً نمنع من أن الإذن غير حاصل في حقه على أنه قال في موضع آخر {أية : ولا يشفعون إلا لمن ارتضى} تفسير : [الأنبياء: 28] فلم يعتبر إلا أحد القيدين. ثم أخبر عن نهاية علمه بقوله: {يعلم ما بين أيديهم}. الضمير للذين يتبعون الداعي أي يعلم ما يقدمهم من الأحوال وما يستقبلونه {ولا يحيطون} بمعلومه {علماً}. وقال الكلبي ومقاتل: الضمير للشافعين من الملائكة والأنبياء كما مر في آية الكرسي. وفيه تقريع لمن يعبد الملائكة ليشفعوا له أي يعلم ما كان قبل خلقهم وما كان منهم بعد خلقهم من أمر الآخرة والثواب العقاب وإنهم لا يعلمون شيئاً من ذلك فكيف يصلحون للمعبودية. ثم ذكر غاية قدرته فقال: {وعنت الوجوه} أي زلت رقاب الممكنات منقادين لأمره كالأسارى. عنا يعنو عنوّاً إذا صار أسيراً. وقيل: أراد وجوه العصاة في القيامة كقوله: {أية : سيئت وجوه الذي كفروا} تفسير : [الملك: 27] ولعله خص الوجوه بالذكر لأن أثر الذل والانكسار فيها أبين وأظهر، قال جار الله: {وقد خاب} وما بعده اعتراض أي كل من ظلم فهو خائب خاسر. ولأهل السنة أن يخصوا الظلم ههنا بالشرك أو يعارضوا هذا العموم بعمومات الوعد. من قرأ {فلا يخاف} بالرفع فعلى الاستئناف أي فهو لا يخاف كقوله: {أية : فينتقم الله منه} تفسير : [المائدة: 95] ومن قرأ {فلا يخف} فمعناه فليأمن له لأن النهي عن الخوف أمر بالأمن. من فسر الظلم بأنه الأخذ فوق حقه بالنقص من حقه كصفة المطففين فيقدر مضافاً محذوفاً أي فلا يخاف جزاء ظلم ولا هضم لأنه لم يظلم ولم يهضم، ومن فسر الظلم بأنه العقاب لا على جريمة والهضم بأنه النقص من الثواب فلا يحتاج إلى تقدير المضاف. قال أبو مسلم: الظلم أن ينقص من الثواب والهضم أن لا يوفى حقه من التعظيم لأن الثواب مع كونه من اللذات لا يكون ثواباً إلا إذا قارنه التعظيم. قال جار الله: {وكذلك} عطف على قوله: {كذلك نقص} أي ومثل ذلك الإنزال وعلى نهجه، وكما أنزلنا عليك هؤلاء الآيات المضمنة للوعيد أنزلنا القرآن كله عربياً لأن العرب أصل وغيرهم تبع لأن النبي عربي. {وصرفنا فيه من الوعيد} كررناه وفصلناه ويدخل في ضمنه الفرائض والمحارم لأن الوعيد يتعلق بترك أحدهما وبفعل الآخر {لعلهم يتقون أن يحدث لهم ذكراً} حمل جار الله الأول على إرادة ترك المعاصي والثاني على فعل الخبر والطاعة، لأن الذكر قد يطلق على الطاعة والعبادة. قلت: لا ريب أن القرآن ينفر عن السيئات ويبعث على الطاعات من حيث إن فهم معانيه يؤدّي إلى ذلك، وإنما قدم الأول على الثاني لأن التخلية مقدمة على التحلية. ويحتمل أن تكون التقوى عبارة عن فعل الخيرات وترك المنكرات جميعاً. والذكر يكون محمولاً على ضد النسيان أي إن نسوا شيئاً من التروك والأفعال أحدث لهم ذكراً إذا تأملوا معانية. وكلمة "أو" على الأول للتخيير والإباحة لا للتنافي، وعلى الثاني يجوز أن تكون للتنافي. وقيل: أراد أنزلنا القرآن ليتقوا فإن لم يحصل ذلك فلا أقل من أن يوجب القرآن لهم ذكراً أي شرفاً ومنصباً كقوله: {أية : وإنه لذكر لك ولقومك} تفسير : [الزخرف: 44] وعلى التقديرين يكون في إنزال القرآن نفع. ثم عظم شأن القرآن من وجه آخر وهو عظمة شأن منزلة قائلاً {فتعالى الله الملك الحق} ارتفع صفاته عن صفات المخلوقين أنزل القرآن ليحترزوا عما لا ينبغي وأنه منزه عن الانتفاء والتضرر بطاعاتهم ومعاصيهم. ومعنى الحق قد مر في البسملة. قال جار الله: فيه استعظام له ولما يصرّف عليه عباده من أوامره ونواهيه ووعده ووعيده والإدارة بين ثوابه وعقابه وغير ذلك كما يجري عليه أمر ملكوته. قال أبو مسلم: إن قوله: {ويسئلونك عن الجبال} إلى ههنا كلام تام. وقوله: {ولا تعجل} خطاب مستأنف. وقال آخرون: إنه صلى الله عليه وسلم كان يخاف أن يفوته شيء فيقرأ مع الملك، فإنه تعالى حين شرح كيفية نفع القرآن للمكلفين وبين أنه سبحانه متعال عن الانتفاع والتضرر بالطاعات والمعاصي. وأنه موصوف بالملك الدائم والعز بالباقي، وكل من كان كذلك وجب أن يصون رسوله عن السهو والنسيان في أمر الوحي وما يتعلق بصلاح العباد في المعاش والمعاد. قال: {ولا تعجل بالقرآن} لأنه حصل لك الأمان من السهو والنسيان {من قبل أن يقضي إليك وحيه} أي من قبل أن تتم قراءة جبريل ونحوه قوله {أية : لا تحرّك به لسانك لتعجل به} تفسير : [القيامة: 16] قاله مقاتل والسدي وابن عباس في رواية عطاء. وقال مجاهد وقتادة: أراد ولا تعجل بالقرآن فتقرأ على أصحابك من قبل أن يوحى إليك بيان معانية أي لا تبلغ ما كان مجملاً حتى يأتيك البيان. وقال الضحاك: إن أهل مكة وأسقف نجران قالوا: يا محمد، أخبرنا عن كذا وكذا وقد ضربنا لك أجلاً ثلاثة أيام فأبطأ الوحي عليه وفشت المقالة أن اليهود قد غلبوا فنزلت هذه الآية. أي لا تعجل بنزول القرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه من اللوح المحفوظ إلى إسرافيل ومن جبرائيل ومنه إليك. وعن الحسن: أن امرأة أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: زوجي لطم وجهي فقال: بينكما القصاص فنزلت الآية فأمسك رسول الله صلى الله عليه وسلم عن القصاص. وإنما نشأت هذه الأقوال لأن قوله: {ولا تعجل بالقرآن} يحتمل التعجيل بقراءته في نفسه، أو في تأديته إلى غيره، أو في اعتقاده ظاهره، أو في تعريف الغير ما يقتضيه الظاهر. وقوله: {من قبل أن يقضى إليك وحيه} احتمل أن يراد من قبل أن يقضى إليك تمامه، أو من قبل أن يقضى إليك بيانه فقد يجوز أن يحصل عقيبه استثناء أو شرط أو غيرهما من المخصصات والمبينات ويؤكد هذه المعاني قوله: {وقل رب زدني علماً} لأن معرفة البيان علم زائد على معرفة الإجمال. والظاهر أن هذا الاستعجال كان أمراً اجتهادياً وكان الأولى تركه فلذلك نهى عنه. قال جار الله: هذا الأمر متضمن للتواضع لله والشكر له عندما علم من ترتيب التعلم أي علمتني يا رب لطيفة في باب التعلم وأدباً جميلاً ما كان عندي فزدنى علماً إلى علم. ومن فضائل العلم أن النبي صلى الله عليه وسلم ما أمر بطلب الزيادة في شيء إلا في العلم. وفيه إشارة إلى أن أسرار القرآن غير متناهية، اللَّهم إن هذا العبد الضعيف معترف بقصوره ونقصانه فأسألك مما سألك به نبيك أن ترزقني بتبعيته علماً ينفعني في الدارين. التأويل: {ولقد أوحينا إلى موسى} القلب {أن أسر بعبادي} وهم صفات القلب من الأخلاق الحميدة سر بهم من مصر البشرية إلى بحر الروحانية. {فاضرب لهم} بعصا الذكر {طريقاً يبساً} من ماء الهوى وطين الصفات الحيوانية وباقي التأويل كما مر في "يونس" {ونزلنا عليكم} منّ صفاتنا وسلوى أخلاقنا فاتصفوا بطيبات أخلاقنا {ولا تطغوا فيه} بإفشاء أسرار الربوبية إلى غيرنا كمن قال: أنا الحق وسبحاني. فإن الحالات لا تصلح للمقاولات. {وإني لغفار لمن} رجع عن الطغيان {وآمن} بالربوبية {وعمل صالحاً} في مقام العبودية {ثم اهتدى} فتحقق أن حضرة الربوبية منزهة عن دنس الوهم والخيال ومقام الوصال مباين للقيل والقال. {وعجلت إليك} فيه أن الشوق إذا غلب انقطع العلائق وأن مطلوب السائل لا ينبغي أن يكون إلا رضا الله. {قد فتنّا قومك من بعدك} فيه أن فتنة الأمة والمريد مقرونة بالنبي والشيخ. {بملكنا} أي بإرادتنا ومشيئتنا ولكن بإرادة الله ومشيئته. {فكذلك ألقى السامري} من غير اختيار منه ولكن باضطرار من القدر {با ابن أم} قيل خاطبه بذلك ليذكره قول الملائكة: يا ابن النساء الحيض ما للتراب ورب الأرباب. {فقبضت قبضة من أثر الرسول فنبذتها} فيه أن الكرامة لأهل الكرامة كرامة ولأهل الغرامة استدراج وفتنة فيصرفونها في الباطل والطبيعة لا في الحق والحقيقة. قوله: {لامساس} فيه معارضة بنقيض مقصود من أراد الجمعية والغلبة واتباع الناس إياه، فعدت بالتفرد والتوحش والنفار عن الخلق {زرقا} إن الوجه أشرف أعضاء الإنسان والعين أشرف أعضاء الوجه، وزرق العين دلالة على خروجها عن الاعتدال، وإذا كان أشرف الأعضاء خارجاً عن الاعتدال فما ظنك بغيرها؟ وكذا بالأخلاق التابعة للأمزجة. {وعنت الوجوه} أي كل جهة بها يستند الممكن إلى الواجب. {يتبعون الداعي} لأن كل ناس تدعى بإمامهم فيتبعونه ألبتة وأهل الله لا يفرون إلا إلى الله في قوله: {أية : والله يدعوا إلى دار السلام} تفسير : [يونس: 25] وعلى الله السمتعان.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي} الآية. وفي هذه الآية دلالة على أنَّ موسى - عليه السلام - في تلك (الحال كثرة مستجيبوه) فأراد الله تعالى تمييزهم من طائفة فرعون، فأوحى إليه أن يسري بهم ليلاً، والسُّرَى سَيْرُ الليل، والإسراء مثله والحكمة في السُّرَى بهم: لئلا يشاهدهم العدو فيمنعهم عن مرادِهم، أو ليكون ذلك عائقاً لفرعون عن طلبه ومتبعيه أو ليكون إذا تقارب العسكران لا يرى عسكرُ موسى عسكرَ فرعون فلا يهابونهم. قوله: {فَٱضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً} في نصب "طريقاً" وجهان: أحدهما: أنَّه مفعولٌ به، وذلك في سبيل المجاز، وهو أنَّ الطريقَ متسبَّبٌ عن ضرب البحر، إذ المعنى: اضرب البحرَ لينفلق لهم فيصير طريقاً فبهذا يصح نسبة الضرب إلى الطريق. وقيل: ضرب هنا بمعنى جعل، أي: اجعَلْ لهم طريقاً وأشرعه فيه. والثاني: أنه منصوب على الظرف، قال أبو البقاء: التقدير موضع طريق فهو مفعول به على الظاهر، ونظيره قوله: أن اضْرِب بِعَصَاكَ البَحْرَ وهو مثل ضَربْتُ زيداً. وقيل: ضرب هنا بمعنى جَعَل وشَرَع مثل قولهم: ضَرَبْتُ له بسهم. انتهى. فقوله على الظَّاهر، يعني أنه لولا التأويل لكان ظرفاً. قوله: "يَبَساً" صفة لـ "طريقاً" وصف به لِما يؤول إليه، لأنه لم يكن يَبَساً بعد إنَّما مرَّت عليه الصبا فجففته كما روي في التفسير. وقيل: في الأصل مصدر وصف به مبالغة، (أو على حذف مضاف أو جمع يابس كخادم وخَدَم، وصف به الواحد مبالغة) كقوله: شعر : 3679-...................................... ................وَمِعًى جِيَاعَا تفسير : أي: كجماعة جِياع، وصف به لفرط جوعه. وقرأ الحسن: "يَبْساً" بالسكون، وهو مصدر أيضاً. وقيل: المفتوح اسم، (والساكن مصدر). وقرأ أبو حَيْوة: "يَابِساً" اسم فاعل جعله بمعنى الطريق. ومن قرأ "يَبَساً" بتحريك الباء، فالمعنى: طريقاً ذا يبس. ومن قرأ بتسكين الباء فهو مخفف عن اليبس فالمعنى ما كان فيه وحل ولا نداوة فضلاً عن الماء، وذلك أن الله - تعالى - أيْبَسَ لهم الطريق في البحر. قوله: "لاَ تَخَافُ" العامة على "لاَ تَخَافُ" مرفوعاً، وفيه أوجه: أحدها: أنه مستأنف فلا محل له من الإعراب. الثاني: أنه في محل نصب على الحال من فاعل "اضْرِب"، أي اضْرِب غير خائف. والثالث: أنه صفة لـ "طريقاً"، والعائد محذوف، أي: لاَ تَخافُ فيه وحمزة وحده من السبعة: "لاَ تَخَفْ" بالجزم، وفيه أوجه: أحدها: أن يكون نهياً مستأنفاً. الثاني: أنَّه نهيٌ أيضاً في محل نصب على الحال من فاعل "اضْرِب"، أو صفة لـ "طَريقاً" كما تقدم في قراءة العامة إلا أن ذلك يحتاج إلى إضمار قول، أي مقولاً لك، أو طريقاً مقولاً فيها: لاَ تَخَفْ كقوله: شعر : 3680- جَاءُوا بِمَذْق هَلْ رَأيْتَ الذِّئْبَ قَطّ تفسير : الثالث: مجزوم على جواب الأمر، أي: إن تَضْرِبْ طريقاً يبساً لاَ تَخَفْ. قوله: "دَرَكاً" قرأ أبو حَيْوة "دَرْكاً" بسكون الراء. والدَّركُ والدَّرْكُ اسمان من الإدراك، أي: لا يُدْركك فرعونُ وجنودُه وتقدم الكلام عليهما في سورة النساء، وأن الكوفيين قرءوه بالسُّكون كأبي حيوة هنا. قوله: "وَلاَ تَخْشَى" لم يقرأ بإثبات الألف، وكان من حق من قرأ "لاَ تَخَفْ" جزماً أن يقرأ "لاَ تَخْشَ" بحذفها كذا قال بعضهم وليس بشيء، لأن القراءة سنة، وفيها أوجه: أحدها: أن تكون حالاً، وفيه إشكال، وهو أنَّ المضارع المنفي بلا كالمثبت في عدم مباشرة الواو له، وتأويله على حذف مبتدأ، أي وأنت لا تخشى، كقوله: شعر : 3681- نَجَوْتُ وَأَرْهَنُهُمْ مَالِكَا تفسير : والثاني: أنه مستأنف أخبره تعالى أنه لا يحصل له خوف. والثالث: أنه مجزوم بحذف الحركة تقديراً، كقوله: شعر : 3682- إذَا العَجُوزُ غَضِبَتْ فَطَلِّقِ وَلاَ تَرضَّاهَا وَلاَ تَمَلَّقِ تفسير : وقوله: شعر : 3683- كَأَنْ لَمْ تَرَى قَبْلِي أسِيراً يَمَانِيَا تفسير : ومنه "فَلاَ تَنْسَى" في أحد القولين إجراءً لحرف العلة مجرى الحرف الصحيح، وقد تقدم ذلك في سورة يوسف عند قوله تعالى "مَنْ يَتَّقِي". الرابع: أنه مجزوم أيضاً بحذف حرف العلة، وهذه الألف ليست تلك، أعني لام الكلمة، إنما هي ألف إشباع أُتِيَ بها موافقة للفواصل ورؤوس الآي، فهي كالألف في قوله: "الرَّسُولا" و "السَّبِيلاَ"، و "الظُّنُونَا". وهذه الأوجه إنما يحتاج إليها في قراءة جزم "لاَ تَخَفْ"، وأما من قرأه مرفوعاً فهذا معطوف عليه، أي لا تَخَافُ إدْرَاكَ فرعون ولا تخشى الغرقَ. قوله: {فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ} قال أبُو مسلم: يزعم رواة اللغة أنَّ "أَتْبَعَهُمْ وتَبعَهُمْ" واحد، وذلك جائز ويحتمل أن تكون الباء زائدة، أي أتبَعَهُم فرعونُ جنوده كقوله: "لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي" (أَسْرَى بِعَبْدِهِ). وقال غيره: في بَاء "بجنوده" أوجه: أحدهما: أن تكون الباء للحال، وذلك على أن "أَتْبَعَ" متعد لاثنين حذف ثانيهما، والتقدير: فَأَتْبَعَهُمْ فرعونُ عقابَه، وقدَّره أبو حيَّان: رُؤَسَاءَه وحشَمَهُ. قال شهاب الدين: والأول أحسن. والثاني: أن الباءَ زائدة في المفعول الثاني. والتقدير: فَأَتْبَعَهُمْ فِرعون جنوده، كقوله تعالى: {أية : وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ} تفسير : [البقرة: 195]. شعر : 3684- (..................................... ........... لاَ يَقْرَأْنَ بالسُّوَرِ) تفسير : وأتبع قد جاء متعدياً لاثنين مصرح بهما قال تعالى: وَأتْبَعْنَاهُمْ ذُرّيَّاتِهِمْ. والثالث: أنها معدية على أن "أتْبَعَ"، قد يتعدى لواحد بمعنى تَبع ويجوز على هذا الوجه أن تكون الباء للحال أيضاً، بل هو الأظهر. وقرأ أبو عمرو في رواية والحسن "فاتَّبَعَهُمْ" بالتشديد، وكذلك قراءة الحسن في جميع القرآن إلا في قوله: {فَأتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ} قوله: "مَا غَشِيَهُمْ" فاعل "غَشيَهُمْ" وهذا من باب الاختصار وجوامع الكلم أي: ما يقل لفظها ويكثر معناها، أي فَغَشِيَهُمْ مَا لا يعلم كنهه إلا الله تعالى وقراءة الأعمش "فَغَشَّاهُمْ" مضعَّفاً، وفي الفاعل حينئذ ثلاثة أوجه: أحدها: أنه "مَا غَشَّاهُمْ" كالقراءة قبله، أي غطَّاهم من اليَمِّ ما غطَّاهُم. والثاني: هو ضمير الباري تعالى. أي: فَغَشَّاهُم الله. والثالث: هو ضمير فرعون، لأنه السبب في إهلاكهم. وعلى هذين الوجهين: فـ "مَا غَشَّاهُمْ" في محل نصب مفعولاً ثانياً. فصل قيل: أمرَ فرعونُ جنوده أن يَتْبَعُوا موسى وقومه، وكان هو فيهم "فَغَشِيهُم" أصابهم {مِنَ ٱلْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ}، وهو الغرق. وقيل: "غَشِيَهُم"، علاهم وسترهم {مِنَ ٱلْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ} يريد بعض ماء اليم لا كلّه. وقيل: غَشِيَهُم من اليَمِّ ما غشي قوم موسى فغرقوا هم ونَجَا موسى وقومه. قوله: {وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَىٰ} أي بما أرشدهم، وهذا تكذيب لفرعون، وتهكم به في قوله: {أية : وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ} تفسير : [غافر: 29] احتج القاضي بقوله: {وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ} وقال: لو كان الضلال من خلق الله لما جاز أن يقال: "وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ" بل وجب أن يقال: "اللهُ أَضَلَّهُمْ"، لأن الله ذمَّه بذلك، فكيف يكون خالقاً للكفر، لأنَّ مَنْ ذمَّ غيره بشيء لا بد وأنْ يكون المذموم هو الذي فعله وإلا استحق الذم. فصل قال ابن عبَّاس: لمَّا أمر تعالى موسى أن يقطعَ بقومه البحر، وكان بنو إسرائيل استعاروا من قوم فرعون الحُلِيّ والدواب لعيد يخرجون إليه، فخرج بهم ليلاً. وكان يوسف عليه السلام عهد إليهم عند موته أن يخرجوا بعظامه معهم من مصر، فلم يعرفوا مكانها حتى دلتهم عجوز على موضع العظم فأخذوه، وقال موسى عليه السلام للعجوز: احتكمي. فقالت: أكون معك في الجنة. فلما خرجوا تَبِعَهُم فرعون، فلما انتهى موسى إلى البحر، (قال: هنا أُمِرْتُ، فَأوْحَى الله إليه أن اضْرِبْ بِعَصَاكَ البَحْرَ)، فضربه فانفلق، فقال لهم موسى: ادخلوا فيه قالوا: كيف وهي رطبة؟ فدعا ربّه فهبت عليهم الصبا فجفت. فقالوا: نخاف الغرق في بعضنا، فجعل بينَهُم كوًى حتى يرى بعضُهم بعضاً، ثم دخلوا حتى جازوا، وأقبل فرعون إلى تلك الطرق، فقال له قومه: إنَّ موسى قد سَحَر البَحْرَ كما ترى، وكان على فرس حصان فأقبل جبريل عليه السلام (على فرس أنْثَى في ثَلاَثةٍ وثلاثين من الملائكة، فصار جبريل عليه السلام بين يدي فرعون). فأبصر الحصانُ الفرسَ فاقتحم بفرعون على أثرها، وصاحت الملائكة في الناس الحقُوا حتى إذا دخل آخرهم، وكاد أولهم أن يخرج التقى البحر عليهم، فغرقوا، فرجع بنو إسرائيل حتى ينظروا إليهم، وقالوا: يا موسى ادْعُ اللهَ أنْ يخرجهم لنا (حتى ننظر إليهم)، فلفظهم البحر إلى الساحل وأصابوا من سِلاحِهم. قال ابن عبَّاس: إنَّ جبريل عليه السلام قال: يا محمد لو رأيتني وأنا أدسّ فرعون في الماء والطين مخافة أن يتوب. فهذا معنى {فَغَشِيَهُمْ مِنَ ٱلْيَمِّ مَا غَشِيَهُم} قال ابن الخطيب: وفي القصة أبحاث: الأول: قال بعض المفسرين: إن موسى لما ضربَ البحرَ انفرق اثنا عشر طريقاً يابساً، وبقي الماء قائماً بين الطريقين كالطود العظيم وهو الجبل، فأخذ كلُّ سبط من بني إسرائيل في طريق، وهو معنى قوله تعالى: {أية : فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَٱلطَّوْدِ ٱلْعَظِيمِ} تفسير : [الشعراء: 63] ومنهم من قال: إنَّما حصل طريق واحد لقوله: {فَٱضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي ٱلْبَحْرِ يَبَساً} ويمكن حمله على الجنس. الثاني: أن قول بني إسرائيل بعد أن أظهر لهم الطرق وبينها تعنتوا وقالوا نريدُ أنْ يرى بعضُنا بعضاً فهذا كالبعيد، لأن القومَ لما أبْصَروا مجيء فرعون صاروا في نهاية الخوف، والخائف إذا وجد طريق الفِرار والخلاص كيف يتفرغ للتعنت البارد. الثالث: أنَّ فرعونَ كان عاقِلاً بل كان في نهاية الدهاء فكيف اختار إلقاء نفسه في التهلكة، فإنه كان يعلم من نفسه أن انفلاق البَحْر ليس بأمره، وذكروا عند هذا وجهين: أحدهما: أنَّ جبريل - عليه السلام - كان على الرَّمَكَة فتبعه فرس فرعون. ولقائلٍ أن يقول: هذا بعيد، لأنه يبعد أن يكون خوضُ الملك في أمثال هذه المواضع مقدماً على خوض جميع العسكر. وأيضاً فلو كان الأمر على ما قالوا لكان فرعون في ذلك الدخول كالمجبور، وذلك مما يزيده خوفاً، ويحمله عن الإمساك على الدخول. وأيضاً: فأيُّ حاجةٍ لجبريل عليه السلام إلى هذه الحيلة، وقد كان يمكنه أن يأخذه مع فرسه ويرميه في الماء ابتداء؟ بل الأولى أن يقال: إنه أمر مقدمة العسكر بالدخول فدخلوا وما غرقوا فغلب على ظنه السلامة، فلما دخل أغرقهم الله. الرابع: أن قولهم عن جبريل إنه كان يدسه في الماء والطين خوفاً من أن يؤمن فبعيد، لأن المنع من الإيمان لا يليق بالملائكة والأنبياء. الخامس: روي أن موسى عليه السلام كَلَّم البحرَ فقال انفلق لي لأعبر، فقال البحر: لا يَمُرُّ عليَّ رجل عاص. وهذا غير ممتنع على أصول أهل السنة، لأن عندهم البنية ليست شرطاً للحياة، وعند المعتزلة أن ذلك على لسان الحال لا على المقال.
البقاعي
تفسير : ولما بين سبحانه استكبار فرعون المدعى في قوله {فكذب وأبى} وختمه سبحانه بأنه يهلك العاصي كائناً من كان، وينجي الطائع، أتبع ذلك شاهداً محسوساً عليه كفيلاً ببيان أنه لم يغن عن فرعون شيء من قوته ولا استكباره، فقال عاطفاً على "ولقد أريناه آياتنا": {ولقد أوحينا} أي بعظمتنا لتسهيل ما يأتي من الأمور الكبار {إلى موسى} غير مكترثين لشيء من أقوال فرعون ولا أفعاله، وهذا الإيحاء بعد ما تقدم من أمر السحرة بمدة مديدة جرت فيها خطوب طوال كانت بسببها الآيات الكبار، وكأنها حذفت لما تدل عليه من قساوة القلوب، والمراد هنا الانتهاء لما تقدم من مقصود السورة {أن أسر} أي ليلاً، لأن السري سير الليل؛ وشرفهم بالإضافة إليه فقال: {بعبادي} أي بني إسرائيل الذين لفت قلب فرعون حتى أذن في مسيرهم بعد أن كان قد أبى أن يطلقهم أو يكف عنهم العذاب، فاقصد بهم ناحية بحر القلزم {فاضرب لهم} أي اعمل بضرب البحر بعصاك، ولذلك سماه ضرباً. ولما كان ضرب البحر بالعصا سبباً لوجود الطريق الموصوفة، أوقع الفعل عليها فقال: {طريقاً في البحر} ووصفها بالمصدر مبالغة فقال: {يبساً} حال كونها أو كونك {لا تخاف} والمراد بها الجنس، فإنه كان لكل سبط طريقاً {دركاً} أي أن يدركك شيء من طغيان البحر أو بأس العدو أو غير ذلك. ولما كان الدرك مشتركاً بين اللحاق والتبعة، أتبعه بقوله: {ولا تخشى*} أي شيئاً غير ذلك أصلاً إنفاذاً لأمري وإنقاذاً لمن أرسلتك لاستنقاذهم، وسوقه على هذا الوجه من إظهار القدرة والاستهانة بالمعاند مع كبريائه ومكنته استدلالاً شهودياً على ما قرر أول السورة من شمول القدرة وإحاطة العلم للبشارة بإظهار هذا الدين بكثرة الأتباع وإبارة الخصوم والإسعاد برد الأضداد وجعل بغضهم وداً، وإن كانوا قوماً لداً؛ ثم أتبع ذلك قوله عطفاً على ما تقديره: فبادر امتثال الأمر في الإسراء وغيره: {فأتبعهم} أي أوجد التبع والمسير وراء بني إسرائيل على ذلهم وضعفهم {فرعون بجنوده} على كثرتهم وقوتهم وعلوهم وعزتهم، فكانوا كالتابع الذي لا معنى له بدون متبوعه {فغشيهم} أي فرعون وقومه {من اليم} أي البحر الذي من شأنه أن يؤم؛ وأوجز فهول فقال: {ما غشيهم *} أي أمر لا تحتمل العقول وصفه حق وصفه، فأهلك أولهم وآخرهم؛ وقطع دابرهم، لم يبق منهم أحداً، وما شاكت أحداً من عبادنا المستضعفين شوكة {وأضل فرعون} على تحذلقه {قومه} مع ما لهم من قوة الأجساد ومعانيها. ولما كان إثبات الفعل لا يفيد العموم، نفى ضده ليفيده مع كونه أوكد وأوقع في النفس وأروع لها فقال: {وما هدى*} أي ما وقع منه شيء من الهداية، لا لنفسه ولا لأحد من قومه، فتم الدليل الشهودي على تمام القدرة على إنجاء الطائع وإهلاك العاصي. ولما كان هذا موجباً للتشوف إلى ما وقع لبني إسرائيل بعده، قال تعالى شافياً لهذا الغليل، أقبلنا على بني إسرائيل ممتنين بما مضى وما يأتي قائلين: {يا بني إسرائيل} معترفين لهم أنا نظرنا إلى السوابق فأكرمناهم لأجل أبيهم. ولما كان درء المفاسد وإزالة الموانع قبل جلب المصالح واستدرار المنافع قال: {قد أنجيناكم} بقدرتنا الباهرة {من عدوكم} الذي كنتم أحقر شيء عنده. ولما تفرغوا لإنفاذ ما يراد منهم من الطاعة قال: {وواعدناكم} أي كلكم - كما مضى في البقرة عن نص التوراة - للمثول بحضرتنا والاعتزاز بمواطن رحمتنا {جانب الطور الأيمن} أي الذي على أيمانكم في توجهكم هذا الذي وجوهكم فيه إلى بيت أبيكم إبراهيم عليه السلام، وهو جانبه الذي يلي البحر وناحية مكة واليمن. ولما بدأ بالمنفعة الدينية، ثنى بالمنفعة الدنيوية فقال: {ونزلنا عليكم} بعد إنزال هذا الكتاب في هذه المواعدة لإنعاش أرواحكم {المن والسلوى*} لإبقاء أشباحكم، فبدأ بالإنجاء الممكن من العبادة، ثم أتبعه بنعمة الكتاب الدال عليها، ثم بالرزق المقوي، ودل على نعمة الإذن فيه بقوله: {كلوا} ودل على سعته بقوله: {من طيبات ما} ودل على عظمته بقوله: {رزقناكم} من ذلك ومن غيره. ولما كان الغنى والراحة سبب السماحة، قال: {ولا تطغوا فيه} بالادخار إلى غد في غير يوم الجمعة ولا بغير ذلك من البطر وإغفال الشكر بصرفه في غير الطاعة {فيحل} أي ينزل ويجب في حينه الذي هو أولى الأوقات به - على قراءة الجماعة بالكسر، ونزولاً عظيماً وبروكاً شديداً - على قراءة الكسائي بالضم {عليكم غضبي} فتهلكوا لذلك {و} كل {من يحلل عليه غضبي} منكم ومن غيركم {فقد هوى*} أي كان حاله حال من سقط من علو.
السيوطي
تفسير : أخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن محمد بن كعب في قوله: {فاضرب لهم طريقاً في البحر يبساً} قال: يابساً ليس فيه ماء ولا طين. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: {طريقاً في البحر يبساً} قال: يابساً. وأخرج ابن المنذر، عن ابن جريج قال: قال أصحاب موسى: هذا فرعون قد أدركنا، وهذا البحر قد عمنا. فأنزل الله {لا تخاف دركاً ولا تخشى} من البحر غرقاً ولا وحلاً. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {لا تخاف دركاً} قال: من آل فرعون {ولا تخشى} من البحر غرقاً. وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي في قوله: {فغشيهم من اليم} قال البحر. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {ولا تطغوا فيه} قال: الطغيان فيه أن يأخذه بغير حله. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن أبي حاتم في قوله: {فيحل عليكم غضبي} قال: فينزل عليكم غضبي. وأخرج ابن أبي حاتم، عن الأعمش أنه قرأ {من يحلل عليه غضبي} بكسر اللام على تفسير من يجب عليه غضبي. وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي مجلز في قوله: {ومن يحلل عليه غضبي} قال: إن غضبه خلق من خلقه يدعوه فيكلمه. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {فقد هوى} قال: شقي. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سقي بن ماتع: أن في جهنم قصراً يرمى الكافر من أعلاه، فيهوي في جهنم أربعين، قبل أن يبلغ الصلصال، فذلك قوله: {ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى}. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس {وإني لغفار لمن تاب} قال: من الشرك {وآمن}. قال: وحد الله {وعمل صالحاً} قال: أدى الفرائض {ثم اهتدى} قال: لم يشك. وأخرج سعيد بن منصور والفريابي، عن ابن عباس في قوله: {وإني لغفار} الآية. قال: تاب من الذنب، وآمن من الشرك. وعمل صالحاً فيما بينه وبين ربه {ثم اهتدى} علم أن لعمله ثواباً يجزى عليه. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير في قوله: {ثم اهتدى} قال: ثم استقام لفرقة السنة والجماعة. وأخرج ابن أبي شيبة وسعيد بن منصور والبيهقي في الشعب من طريق عمرو بن ميمون، عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: فعجل موسى إلى ربه فقال الله: {وما أعجلك عن قومك يا موسى قال هم أولاء على أثري وعجلت إليك رب لترضى} قال: فرأى في ظل العرش رجلاً فعجب له. فقال: من هذا يا رب؟ قال: لا أحدثك حديثه لكن سأحدثك بثلاث فيه: كان لا يحسد الناس على ما آتاهم الله من فضله، ولا يعق والديه، ولا يمشي بالنميمة. وأخرج ابن مردويه، عن وهب بن مالك رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن الله لما وعد موسى أن يكلمه، خرج للوقت الذي وعده، فبينما هو يناجي ربه، إذ سمع خلفه صوتاً، فقال إلهي إني أسمع خلفي صوتاً، قال: لعل قومك ضلوا، قال: إلهي، من أضلهم؟ قال: السامري. قال: كيف أضلهم؟ قال: صاغ لهم {عجلاً جسداً له خوار} قال: إلهي هذا السامري صاغ لهم العجل: فمن نفخ فيه الروح حتى صار له خوار؟ قال: أنا يا موسى، قال: فبعزتك، ما أَضَلَّ قومي أحد غيرك. قال: صدقت. قال: يا حكيم الحكماء، لا ينبغي حكيم أن يكون أحكم منك ". تفسير : وأخرج ابن جرير في تهذيبه، عن راشد بن سعد قال: إن موسى لما قدم على ربه - واعد قومه أربعين ليلة - قال: يا موسى، إن قومك قد افتتنوا من بعدك. قال: يا رب كيف يفتنون؟ وقد نجيتهم من فرعون، ونجيتهم من البحر، وأنعمت عليهم، وفعلت بهم؟! قال: يا موسى إنهم اتخذوا من بعدك عجلاً له خوار قال: يا رب، فمن جعل فيه الروح؟ قال: أنا. قال: فأنت يا رب أضللتهم. قال: يا موسى، يا رأس النبيين، ويا أبا الحكام، إني رأيت ذلك في قلوبهم، فيسرته لهم. وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، عن علي رضي الله عنه قال: لما تعجل موسى إلى ربه، عمد السامري فجمع ما قدر عليه من حلي بني إسرائيل فضربه عجلاً، ثم ألقى القبضة في جوفه، فإذا هو عجل جسد له خوار فقال لهم السامري: {هذا إلهكم وإله موسى} فقال لهم هارون: {يا قوم ألم يعدكم ربكم وعداً حسناً} فلما أن رجع موسى أخذ رأس أخيه، فقال له هارون ما قال، فقال موسى للسامري: {ما خطبك} فقال: {قبضت قبضة من أثر الرسول فنبذتها وكذلك سولت لي نفسي} فعمد موسى إلى العجل، فوضع عليه المبارد فبرده وهو على شطر نهر، فما شرب أحد من ذلك الماء - ممن كان يعبد ذلك العجل - إلا اصفر وجهه مثل الذهب! فقالوا: يا موسى، ما توبتنا؟ قال: يقتل بعضكم بعضاً، فأخذوا السكاكين، فجعل الرجل يقتل أباه وأخاه وابنه، لا يبالي من قتل، حتى قتل منهم سبعون ألفاً! فأوحى الله إلى موسى: مرهم فليرفعوا أيديهم، فقد غفرت لمن قتل، وتبت على من بقي. وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: لما هجم فرعون على البحر وأصحابه - وكان فرعون على فرس أدهم حصان، هاب الحصان أن يقتحم البحر، فمثل له جبريل على فرس أنثى، فلما رآها الحصان هجم خلفها، وعرف السامري جبريل - لأن أمه حين خافت أن يذبح خلفته في غار وأطبقت عليه - فكان جبريل يأتيه فيغذوه بأصابعه، في واحدة لبناً، وفي الأخرى عسلاً، وفي الأخرى سمناً، فلم يزل يغذوه حتى نشأ، فلما عاينه في البحر عرفه، فقبض قبضة من أثر فرسه. قال أخذ من تحت الحافر قبضة، وألقى في روع السامري: إنك لا تلقيها على شيء فتقول كن كذا إلا كان، فلم تزل القبضة معه في يده حتى جاوز البحر، فلما جاوز موسى وبنو إسرائيل البحر، أغرق الله آل فرعون. قال موسى لأخيه هارون {اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين} ومضى موسى لموعد ربه، وكان مع بني إسرائيل حلي من حلي آل فرعون، فكأنهم تأثموا منه، فأخرجوه لتنزل النار فتأكله، فلما جمعوه قال السامري: بالقبضة هكذا، فقذفها فيه، وقال: كن عجلاً جسداً له خوار فصار {عجلاً جسداً له خوار} فكان يدخل الريح من دبره، ويخرج من فيه يسمع له صوت! فقال {هذا إلهكم وإله موسى فعكفوا} على العجل يعبدونه. فقال هارون: {يا قوم إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن فاتبعوني وأطيعوا أمري} {قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى}. وأخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: كان السامري رجلاً من أهل ماجرما، وكان من قوم يعبدون البقر، فكان يحب عبادة البقر في نفسه، وكان قد أظهر الإسلام في بني إسرائيل، فلما فصل موسى إلى ربه قال لهم هارون: إنكم قد حملتم {أوزاراً من زينة القوم} آل فرعون ومتاعاً وحلياً فتطهروا منها، فإنها رجس، وأوقد لهم ناراً، فقال: اقذفوا ما معكم من ذلك فيها، فجعلوا يأتون بما معهم فيقذفون فيها، ورأى السامري أثر فرس جبريل، فأخذ تراباً من أثر حافره، ثم أقبل إلى النار، فقال لهارون يا نبي الله، ألقي ما في يدي؟ قال: نعم. ولا يظن هارون إلا أنه كبعض ما جاء به غيره من ذلك الحلي والأمتعة فقذفه فيها فقال: كن {عجلاً جسداً له خوار}، فكان للبلاء والفتنة. فقال: {هذا إلهكم وإله موسى} {فعكفوا عليه} وأحبوه حباً لم يحبوا مثله شيئاً قط: يقول الله: {فنسي} أي ترك ما كان عليه من الإسلام، يعني السامري {أفلا يرون أَلاَّ يرجع إليهم قولاً ولا يملك لهم ضراً ولا نفعاً} وكان اسم السامري: موسى بن ظفر وقع في أرض مصر، فدخل في بني إسرائيل، فلما رأى هارون ما وقعوا فيه قال: {يا قوم، إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن فاتبعوني وأطيعوا أمري قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى} فأقام هارون فيمن معه من المسلمين مخافة أن يقول له موسى: {فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي} وكان له سامعاً مطيعاً. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إن هارون مر بالسامري وهو يتنحت العجل فقال له: ما تصنع؟ قال: اصنع ما لا يضر ولا ينفع! فقال هارون: اللهم أعطه ما سأل على نفسه، ومضى هارون فقال السامري: اللهم إني أسألك أن يخور، فخار. فكان إذا خار سجدوا له، وإذا خار رفعوا رؤوسهم. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إن بني إسرائيل استعاروا حليا من القبط، فخرجوا به معهم، فقال لهم هارون: قد ذهب موسى إلى السماء اجمعوا هذا الحلي حتى يجيء موسى، فيقضي فيه ما قضى، فجمع ثم أذيب، فلما ألقى السامري القبضة تحول {عجلاً جسداً له خوار} فقال: {هذا إلهكم وإله موسى فنسي} قال: إن موسى ذهب يطلب ربه، فضل فلم يعلم مكانه وهو هذا. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن علي رضي الله عنه قال: إن جبريل لما نزل فصعد بموسى إلى السماء، بصر به السامري من بين الناس، فقبض قبضة من أثر الفرس، وحمل جبريل موسى خلفه حتى إذا دنا من باب السماء صعد، وكتب الله الألواح، وهو يسمع صرير الأقلام في الألواح، فلما أخبره أن قومه قد فتنوا من بعده، نزل موسى فأخذ العجل فأحرقه. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان السامري من أهل كرمان. وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي رضي الله عنه قال انطلق موسى إلى ربه فكلمه قال له: {ما أعجلك عن قومك يا موسى} {قال هم أولاء على أثري وعجلت إليك رب لترضى} قال: {فإنا قد فتنا قومك من بعدك وأضلهم السامري} فلما خبره خبرهم قال: يا رب، هذا السامري أمرهم أن يتخذوا العجل. أرأيت الروح من نفخها فيه؟ قال الرب: أنا. قال: يا رب. فأنت إذاً أضللتهم. ثم رجع {موسى إلى قومه غضبان أسفاً} قال: حزيناً {قال يا قوم ألم يَعِدَكُم ربكم وعداً حسناً} إلى قوله: {ما أخلفنا موعدك بملكنا} يقول: بطاقتنا {ولكنا حملنا أوزاراً من زينة القوم} يقول: من حلي القبط: {فقذفناها فكذلك ألقى السامري فأخرج لهم عجلاً جسداً خوار} {فعكفوا عليه يعبدونه} وكان يخور ويمشي. فقال لهم هارون: {يا قوم إنما فتنتم به} يقول ابتليتم بالعجل. قال: {فما خطبك يا سامري} ما بالك. إلى قوله: {وانظر إلى إلٰهك الذي ظلت عليه عاكفاً لنحرقنه} قال: فأخذه فذبحه ثم خرقه بالمبرد. يعني سحكه، ثم ذراه في اليم. فلم يبق نهر يجري يومئذ إلا وقع فيه منه شيء، ثم قال لهم موسى: اشربوا منه، فشربوا. فمن كان يحبه خرج على شاربيه الذهب، فذلك حين يقول: {وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم} قال: فلما سقط في أيدي بني إسرائيل حين جاء موسى {ورأوا أنهم قد ضلوا، قالوا لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا لنكونن من الخاسرين} فأبى الله أن يقبل توبة بني إسرائيل؛ إلا بالحال التي كرهوا أنهم كرهوا أن يقاتلوهم، حين عبدوا العجل {فقال موسى يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم، فاقتلوا أنفسكم} فاجتلد الذين عبدوه والذين لم يعبدوه بالسيوف، فكان من قتل من الفريقين شهيداً، حتى كثر القتل، حتى كادوا أن يهلكوا، حتى قتل منهم سبعون ألفاً، وحتى دعا موسى وهارون: ربنا هلكت بنو إسرائيل، ربنا البقية... البقية، فأمرهم أن يضعوا السلاح، وتاب عليهم، فكان من قتل منهم.... كان شهيداً، ومن بقي كان مكفراً عنه، فذلك قوله تعالى: {فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم} ثم إن الله تعالى أمر موسى: أن يأتيه في ناس من بني إسرائيل يعتذرون إليه من عبادة العجل، فوعدهم موعداً {فاختار موسى سبعين رجلاً} ثم ذهب ليعتذروا من عبادة العجل، فلما أتوا ذلك، قالوا: {لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة} فإنك قد كلمته فأرناه {فأخذتهم الصاعقة} فماتوا فقام موسى يبكي ويدعو الله ويقول: رب. ماذا أقول لبني إسرائيل إذا أتيتهم وقد أهلكت خيارهم؟ {رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا} فأوحى الله إلى موسى أن هؤلاء السبعين ممن اتخذوا العجل. فذلك حين يقول موسى: {إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء} الآية. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: {أفطال عليكم العهد} يقول: الوعد وفي قوله: {فأخلفتم موعدي} يقول: عهدي وفي قوله: {ما أخلفنا موعدك بملكنا} بأمر ملكنا {ولكنا حملنا أوزاراً} قال: أثقالاً من زينة القوم، وهي الحلي الذي استعاروه من آل فرعون {فقذفناها} قال: فألقيناها {فكذلك ألقى السامري} قال: كذلك صنع {فأخرج لهم عجلاً جسداً له خوار} قال: حفيف الريح فيه. فهو خواره، والعجل ولد البقرة. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {بملكنا} قال: بأمرنا. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: {ما أخلفنا موعدك بملكنا} قال: بطاقتنا. وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي مثله. وأخرج ابن أبي حاتم، عن الحسن رضي الله عنه في قوله: {بملكنا} قال: بسلطاننا. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر، عن يحيى أنه قرأ {بملكنا} وملكنا. واحد. وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم في قوله: {هذا إلهكم وإله موسى فنسي} قال: نسي موسى أن يذكر لكم: إن هذا إلهه! وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه {فنسي} قال هم يقولونه، قومه: أخطأ الرب العجل {أفلا يرون أَلاَّ يرجع إليهم قولاً} قال: العجل {ولا يملك لهم ضراً} قال: ضلالة. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن زيد في قوله: {قال يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا أن لا تتبعن} قال: تدعهم. وأخرج ابن المنذر، عن ابن جريج في الآية قال: أمره موسى أن يصلح، ولا يتبع سبيل المفسدين، فكان من إصلاحه أن ينكر العجل. فذلك قوله: {أن لا تتبعن أفعصيت أمري} كذلك أيضاً. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله: {إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل} قال: خشيت أن يتبعني بعضهم ويتخلف بعضهم. وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: {إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل} قال: قد كره الصالحون الفرقة قبلكم. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: {ولم ترقب قولي} قال: لم تنتظر قولي وما أنا صانع وقائل. قال: وقال ابن عباس رضي الله عنهما {لم ترقب قولي} لم تحفظ قولي. وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: {قال فما خطبك يا سامري} قال: لم يكن اسمه، ولكنه كان من قرية اسمها سامرة {قال بصرت بما لم يبصروا به} يعني فرس جبريل. وأخرج عبد بن حميد عن عاصم، أنه قرأ {بما لم يبصروا به} بالياء ورفع الصاد. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: {فقبضت قبضة من أثر الرسول} قال: من تحت حافر فرس جبريل {فنبذتها} قال: نبذ السامري على حلية بني إسرائيل فانقلبت عجلاً. وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: {فقبضت قبضة من أثر الرسول} قال: قبض السامري قبضة من أثر الفرس فصره في ثوبه. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم، عن الحسن أنه كان يقرؤها "فقبصت" بالصاد. قال: والقبص بأطراف الأصابع. وأخرج عبد بن حميد عن أبي الأشهب قال: كان الحسن يقرؤها "فقبصت قبصة" بالصاد، يعني بأطراف أصابعه، وكان أبو رجاء يقرؤها "فقبصت قبصة" بالصاد، هكذا بجميع كفيه. وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد قال: القبضة ملء الكف، والقبصة بأطراف الأصابع. وأخرج عبد بن حميد عن عاصم، أنه قرأ {فقبضت قبضة} بالضاد على معنى القبض. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: {فإن لك في الحياة أن تقول لا مساس} قال: عقوبة له {وإن لك موعداً لن تخلفه} قال: لن تغيب عنه. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفاً} قال: أقمت {لنحرقنه} قال: بالنار {ثم لننسفنه في اليم نسفاً} قال: لنذرينه في البحر. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس، أنه كان يقرأ {لنحرقنه} خفيفة. يقول: إن الذهب والفضة لا يحرقان بالنار، يسحل بالمبرد ثم يلقى على النار فيصير رماداً. وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة قال: في بعض القراءة "لنذبحنه ثم لنحرقنه" خفيفة. قال قتادة: وكان له لحم ودم. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي نهيك الأزدي، أنه قرأ {لنحرقنه} بنصب النون وخفض الراء وخففها. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: اليم، البحر. وأخرج ابن أبي حاتم عن علي قال: اليم، النهر.
القشيري
تفسير : لما عَبَرَ موسى ببني إسرائيل البحر، وقرب منه فرعون، ورأى البحرَ منفلقاً والطريقَ فيه يَبَساً عَيَّرَ قَوْمَه بتلبيسه فقال: "إنه بحشمتي انفلق، فأنا ربُّكم الأعلى!" وحصل - كما في القصة - من دخوله بعَسْكَرِه البحرَ حتى دخل آخرهم، وهمَّ أن يخرج أَوَّلُهم، فأمر اللَّهُ البحرَ حتى التطمت أمواجه فغرقوا بجملتهم، وآمن فرعون لما ظهر له اليأسُ، ولم ينفعه إقراره، وكان ينفعه لو لم يكن إصرارُه، وقد أدركته الشقاوةُ التي سَبَقَتْ له من التقدير.
اسماعيل حقي
تفسير : {ولقد اوحينا الى موسى} وبالله لقد اوحينا اليه بعد اجراء الآيات التسع فى نحو من عشرين سنة كما فى الارشاد. يقول الفقير يخالفها ما فى بعض الروايات المشهورة من ان موسى عليه السلام دعا ربه فى حق فرعون وقومه فاستجيب له ولكن اثره بعد اربعين سنة على ما قالوا عند قوله تعالى {أية : قال قد اجيبت دعوتكما}تفسير : {ان} مفسرة بمعنى اى او مصدرية اى بان {اسر بعبادى} السرى والاسرآء سير الليل اى قال سر ببنى اسرائيل من مصر ليلا: وبالفارسية [بشب ببربندكان مرا] امر بذلك لئلا يعوقهم اعوان فرعون {فاضرب لهم} فاجعل من قولهم ضرب له فى ماله سهما او فاتخذوا عمل من قولهم ضرب اللبن اذا عمله. وفى الجلالين فاضرب لهم بعصاك {طريقا} الطريق كل ما يطرقه طارق معتادا كان او غير معتاد. قال الراغب الطريق السبيل الذى يطرق بالارجل ويضرب {فى البحر} البحر كل مكان واسع جامع للماء الكثير والمراد هنا بحر القلزم. قال فى القاموس هو بلد بين مصر ومكة قرب جبل الطور واليه يضاف بحر القلزم لانه على طرفه او لانه يبتلع من ركبه لان القلزمة الابتلاع {يبسا} صفة لطريقا واليبس المكان الذى كان فيه ماء فذهب. قال فى الارشاد اى يابسا على انه مصدر وصف به الفاعل مبالغة: وبالفارسية [خشك كه دروآب ولاى نبود]{لا تخاف دركا} حال مقدرة من المأمور اى موسى والدرك محركة اسم من الادراك كالدرك بالسكون. والمعنى حال كونك آمنا من ان يدرككم العدو {ولا تخشى} الغرق.
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {ولقد أوحينا إِلى موسى أنْ أسرِ بعبادي} بعد ما لبث يدعو فرعون إلى الله تعالى ويُريه الآيات المفصلات، بعد غلبة السحرة، نحوًا من عشرين سنة، كما فصّل ذلك في الأعراف، فلما أيس من إيمانهم أوحى الله بالخروج عنهم، أي: والله لقد أوحينا إلى موسى أن أسر، أو بأن أسر بعبادي الذين أرسلتك لإنقاذهم من يد فرعون، أي: سر بهم من مصر ليلاً إلى بحر القلزم. والتصدير بالقسم؛ لإبراز كمال العناية بمضمونها، والتعبير عنهم بعبادي؛ لإظهار الرحمة والاعتناء بهم، والتنبيه على غاية قبح صنيع فرعون، حيث استعبدهم، وهم عباده عزّ وجلّ، وفعل بهم من فنون العذاب ما فعل. {فاضربْ لهم} أي: اجعل لهم، أو اتخذ لهم {طريقًا في البحر يبسًا} أي: يابسًا لا ماء فيه، {لا تخاف دَرَكًا} أي: حال كونك آمنًا من أن يُدرككم العدو، {ولا تخشى} الغرق، وقرأ حمزة: "لا تخف" بالجزم، جوابًا للأمر، فيكون {ولا تخشى}: إما استئناف، أي: وأنت لا تخشى، أو عطف عليه، والألف للإطلاق، أو يقدر الجزم، كقوله: شعر : ألَمْ يأتِكَ والأنْباءُ تَنْمِي تفسير : ...الخ. وتقديم نفي خوف الدرك، للمسارعة إلى إزاحة ما كانوا عليه من الخوف، حيث قالوا: {أية : إِنَّا لَمُدْرَكُونَ} تفسير : [الشُّعَرَاء: 61]. {فَأَتْبَعَهُمْ فرعونُ بجنوده} أي: تبعهم ومعه جنوده حتى لحقهم، يقال: اتبعتهم، أي: تبعتهم، إذا كانوا سبقوك ولحقتهم، ويؤيده قراءة: {فاتَّبَعَهُمْ} بالشد. وقيل: الباء زائدة، والمعنى: فأتبعهم فرعون جنودَه، أي: ساقهم خلفهم، وأيًا ما كان، فالفاء فصيحة مُعْربة عَن مضمر قد طوى ذكره، ثقة بظهوره، وإيذانًا بكمال مسارعة موسى إلى الامتثال، أي: فَفَعل ما أُمر به من الإسراء بهم، وضرب الطريق في البحر وسلكوه، فأتبعهم بجنوده برّا وبحرًا. رُوِيَ أن موسى عليه السلام خرج بهم أول الليل، وكانوا ستمائة وسبعين ألفًا، فأخبر فرعون بذلك، فأتبعهم بعساكره، وكانت مقدمته سبعمائة ألف، فقص أثرهم فلحقهم، بحيث تراءى الجمعان، فلما أبصروا رهجَ الخيل، قالوا: {أية : إِنَّا لَمُدْرَكُونَ قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ} تفسير : [الشُّعَرَاء: 61، 62]. فلما قربوا، قالوا: يا موسى أين نمضي، البحر أمامنا، وخيل فرعون خلفنا، فعند ذلك ضرب موسى عصاه البحر فانفلق على ثنتي عشرة فرقة، {أية : كُلُّ فِرْقٍ كَٱلطَّوْدِ ٱلْعَظِيمِ} تفسير : [الشُّعَرَاء: 63] أي: كالجبل العظيم من الماء، وكانوا يمرون به، وكلهم بنو أعمام، لا يرى بعضُهم بعضًا، فقالوا: قد غرق إخواننا، فأوحى الله إلى أطواد الماء: أن اشتبكي، وصارت شبابك، يرى بعضهم بعضًا، ويسمع بعضهم كلامَ بعض، فلما أتى فرعونُ الساحلَ، وجد البحر منفلقًا، فقال: سحر موسى البحر، فقالوا: إن كنت ربًا فادخل كما دخل، فجاء جبريلُ على رَمَكةٍ ودَيِقٍ، أي: تحب الفحل، وكان فرعون على حصان، فاقتحم جبريل بالرمكة الماء، فلم يتمالك حصان فرعون، فاقتحم البحر على إثره، ودخل القبط كلهم، فلما لَجَّجُوا، أوحى الله تعالى إلى البحر أن أغرقهم، فعلاهم البحر وأغرقهم. فَعبَر موسى عليه السلام بمن معه من الأسباط سالمين، وأما فرعون وجنوده {فغَشِيَهم من اليمِّ ما غشيهم} أي: علاهم منه وغمرهم من الأمر الهائل، الذي لا يُقادر قدره ولا يبلغ كنهه. قال القشيري: فغرقوا بجملتهم، وآمن فرعونُ لما ظهر له البأس، فلم ينفعه إقراره، وكان ينفعه لو لم يكن إصرارُه، وقد أدركته الشقاوةُ التي سَبَقَتْ له من التقدير. هـ. وقال الكواشي: {وغشيهم} من الغضب والغرق، وغير ذلك، ما لا يعلم حقيقته إلا الله تعالى. هـ. فإبهام الصلة؛ للتهويل والتفخيم، وقيل: {غشيهم من اليم} ما سمعتَ قصته في غير هذه السورة، وليس بشيء؛ فإن مدار الإبهام على التهويل والتفخيم، بحيث يخرج عن حدود الفهم والوصف، لا سماع قصته فقط. {وأضلّ فرعونُ قومَه} أي: أتلفهم وسلك بهم مسلكًا أدى بهم إلى الخيبة والخسران، حيث ماتوا على الكفر، وأوصلهم إلى العذاب الهائل الدنيوي، المتصل بالعذاب الدائم الأخري، {وما هدَى} أي: ما أرشدهم قط إلى طريق توصلهم إلى مطلب من المطالب الدينية والدنيوية. وهو تقرير لإضلاله وتأكيد له، وفيه نوع تهكم به في قوله: {أية : وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ} تفسير : [غَافر: 29]، فإن نفي الهداية عن شخص مشعر بكونه ممن يتصور منه الهداية في الجملة، وذلك إنما يتصور في حقه بطريق التهكم. والله تعالى أعلم. الإشارة: انظر عاقبة من شدّ يده على دينه، وصبر على شدائد زمانه، كيف خرقت له العوائد، وجاءه العز والنصر فأنساه تلك الشدائد، وأهلك الله من كان يؤذيه من الأعداء، وسلك به سبيل النجاة والهدى، وهذه عادة الله مع أوليائه، يُشدد عليهم أولاً بضروب البلايا والمحن، ثم يعقبهم العز والنصر وضروب المنن. ولذلك ذكر الله بني إسرائيل بما أنعم عليهم بعد البحر
الجنابذي
تفسير : {وَلَقَدْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ} يعنى بعدما مكث فيهم اربعين سنة او اكثر يدعوهم الى الله ويظهر لهم الآيات ويزيد فى طغيانهم اوحينا اليه {أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي} بنى اسرائيل من مصر على طرف البحر {فَٱضْرِبْ لَهُمْ} اى فاطلب من ضرب المجد كسبه وطلبه، او فاضرب بعصاك البحر يظهر لهم {طَرِيقاً} اى طرقاً بارادة الجنس من الطّريق دون الوحدة، فانّ الطّرق الظّاهرة كانت اثنى عشرةً او طريقاً منشعباً باثنتى عشرة شعبته {فِي ٱلْبَحْرِ يَبَساً} وهذا التّقدير اوفق بقوله تعالى فى الشّعراء {أية : فَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنِ ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْبَحْرَ فَٱنفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَٱلطَّوْدِ ٱلْعَظِيمِ} تفسير : [الشعراء: 63] {لاَّ تَخَافُ} حال او مستأنف او صفة ثانية لطريقاً اى طريقاً لا تخاف فيه {دَرَكاً} ولحوقاً من العدوّ او من الغرق {وَلاَ تَخْشَىٰ} تأكيد لا تخاف، او المراد لا تخشى من العدوّ او الغرق غير ما اريد من لا تخاف حتّى يكون تأسيساً، اوالمعنى لا تخاف ممّا يصدمكم ولا تخشى على اصحابك فانّ الخشية تكون متعلّقة بمن يشفق عليه ويهتمّ بأمره كما انّ الخوف يكون ممّن يهرب عنه، وقرئ لا تخف بالجزم ولا تخشى بالالف، وحينئذٍ يكون لا تخف مجزوماً جواب الامر، او حالاً من فاعل اوحينا، او عن فاعل اضرب بتقدير القول، ولا تخشى يكون مجزوماً معطوفاً عليه ويكون الالف للاطلاق مثل قوله تعالى: {أية : وَتَظُنُّونَ بِٱللَّهِ ٱلظُّنُونَاْ} تفسير : [الأحزاب: 10]، او يكون مستأنفاً او حالاً بتقدير مبتدءٍ.
اطفيش
تفسير : {وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى} هذا باتفاق من كلام الله سبحانه لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم {أَنْ} تفسيرية لأن فى الوحى معنى القول دون حروفه. مَن أجاز دخول المصدرية على الطالب أجاز مصدريتها أى أوحينا إليه الأمر بالإسراء أو بالأمر به. {أَسْرِ بِعِبَادِى} بنى إسرائيل من مصر. والإسراء: المشى ليلا. وهو هنا بمعنى السُّرَى وهو أولى من أن تجعل همزة ماضية للتعدية لأدائه إلى كون الباء زائدة. وقرئ أن أسْرِ بكسر النون ووصل الهمزة من سرى. {فَاضْرِبْ لَهُمْ} بالعصى {طَرِيقًا فِى الْبَحْرِ} أى فاجعل لهم كقولك: ضرب له فى ماله سهماً أو فاتخذ لهم، كقولك: ضرب اللبِن أى اتخذها بأن عملها {يَبَسًا} مصدر كاليبس بضم بإسكان كالعَدم والعُدم والسَّقم والسُّقم وصف به مبالغة، أو لتأويل بيابس أو بذى يبس وللمصدرية وصف به المؤنث والتثنية والجمع بلفظ واحد نحو شاة يبس، أى جف لبنها. وقرئ يابساً إما على أنه وصف كشز المكان فهو شاز، أى خشن، أو ارتفع أو غير ذلك، أو على أنه مخفف من اليبس بكسر الباء كيقظ فهو يقظ، ويقظ، بكسر القاف وإسكانها، أو على أنه جمع يابس كراكب ورَكْب وصف به المفرد مبالغة، كقولك مِعًى جياع فمعنى واحد الأمعاء، وجياع جمع جائع، وصف به مبالغة فى الجوع، أو وصف به المفرد لتعذره معنى؛ فإنه جَعَل لكل سبط طريقاً. قال الشيخ هود: قال الحسن: أتاه جبريل على فرس، فأمره فضرب بعصاه البحر، فصار فى البحر اثنا عشر طريقًا، لكل سبط طريق يبس. وأجاز القاضى كون يبسًا بفتح فإسكان مخففاً من يبس بفتحتين. قلت: الذى حفظناه أن تخفيف فعل بفتح الفاء والعين بالإسكان نادراً وضرورة، وإنما يخفف فعل بضم العين أو كسرها. ولى فى يبسا فى الآية بحث فى شرح اللامية. {لاَ تَخَافُ دَرَكًا} اسم مصدر بمعنى الإدراك، أى لا تخاف أن يدركك فرعون وجنوده من ورائك. وقرأ أبو حيوة بسكون الراء، وهو كالدرك بالفتح والجملة صفة من طريقاً ثانية والرابط محذوف أى فيه وإن جعلنا فى البحر صفة، فتلك ثلاث صفات ولك أن تجعل الجملة حالا من ضمير يبساً ويبسا حالا من ضمير مستتر فى قوله: {فى البحر} إن جعل صفة لا إن علق باضرب، لأنه لا ضمير فيه حينئذ. وقرأ حمزة لا تخف بالجزم فى جواب الأمر أو بالنهى. {وَلاَ تَخْشَى} عطف على لا تخاف: وأما على قراءة جزم تخاف. فجملة لا تخشى مستأنفة أى ومن شأنك أنك آمن لا خاش، أو معطوفة على لا تخف وثبت الألف الفاصلة، أو وجاء على لغة ذكرها بعض النحاة أن بعض العرب يثبت حروف العلة فى الجزم. وعلامة الجزم على هذه اللغة حذف الضمة المقدرة على الحرف. قال القاضى: أو حال بالواو، أى على حذف المبتدأ، أى وأنت لا تخشى؛ لأن الحال الذى هو جملة المضارع المنفى بلا ومرفوعه لا يقرن بالواو، قاله ابن هشام خلافا لابن محمد بن مالك والمراد لا تخشى غرقا من البحر أمامك.
اطفيش
تفسير : {ولَقَد أوحْيَنا} في مصر {إلى موسى} بعد نحو عشرين سنة فى معالجة موسى لفرعون، كلما أتاه بآية وعده أن يرسل له بنى إسرائيل، فينكث، لما كملت الآيات، أوحى الله إليه بالإسراء بهم {أن أسْر} أن تفسيرية لا مصدرية، مع باء مقدرة لأن أسر أمر، ولا خارج للأمر يؤخذ منه المصدر، وكذا سائر الإنشاءات {بِعبادِى} بني إسرائيل، وعبر عنهم بالعبودة مضافة له، رحمة لهم، ورداً على فرعون إذا استعبدهم، وهم عبيد الله لا له، وتقبيحا لصنيعه إذا أهانهم وهم عبيد الله، ولم يراقبه فيهم. {فاضْربْ لَهُمْ طريقاً فى البَحْر} بعصاك، والبحر اسم لأرضه لا لمائه، أى أوضح أو اجعل أو اتخذ لهم طريقاً فيها بضرب البحر واستعمال الضرب بمعنى الإيضاح مجاز لغوى، أو الجعل أو الاتخاذ، وعلى أنه الماء، فذلك مجاز عقلى فأنه يقع فى الفضلة، كما في العمدة، والأصل اضرب لهم البحر يصير طرقا، وفى البحر نعت طريقاً، أو متعلق باضرب {يَبَساً} نعظ طريقا، وهو مصدر وصف به مبالغة، كأنه نفس اليبوسة، أو يقدر مضاف، أى ذا يبس، أو يأول بالوصف، أى يابساً، كما قرأ به أبو حيوة، ويبوسته خلقه من الله، ويقال أرسل عليه ريح الصبا، فخففته، ولما كان مصدراً صلح للكثير، وهو اثنا عشر طريقاً، لكل بسط طريق لا كما قيل طريق واحد، بل تبع لفظ طريقاً المستعمل في الكثير، أو لما كان للمعنى الواحد، وهو السلوك سمى طريقاً واحداً، وذكر بعض أن اليُبسْ ما ابتل ثم يبس. {لا تخاف} لاخ مستأنف على طريق تعديد النعم، أو حال من ضمير اضرب، قيل أو نعت ثان لطريقاً، أو حال أى لا تخالف فيه {دركاً} اسم مصدر، أى إدراكا لا تخاف أن يدركك، وقومك فرعون وقومه، وزعم بعض أن الدرك ما يلزم الإنسان من تباعة {ولا تَخْشى} أن يغرقكم البحر من خلفكم، أو قدامكم، أو جوانبكم، أو من فوقكم، لأن أرضه ولو قابلت السماء، ولا ماء حائل بينهما، لكن قد يخشى الانسان أن يميع إليه لماء العالى كالجبال من جوانب، والخشية أعظم من الخوف، وأخرها للفاصلة، واختيرت لأن درك فرعون قد يقالبل بالقتال وبالسبق بالفرار، وترجى النجاة بخلاف ماء البحر.
الالوسي
تفسير : {وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ } حكاية إجمالية لما انتهى إليه فرعون وقومه وقد طوى في البين ذكر ما جرى عليهم بعد أن غلبت السحرة من الآيات المفصلة الظاهرة على يد موسى عليه السلام في نحو من عشرين سنة حسبما فصل في سورة الأعراف، وكان فرعون كلما جاءت آية وعد أن يرسل بني إسرائيل عند انكشاف العذاب حتى إذا انكشف نكث فلما كملت الآيات أوحى الله تعالى إلى موسى عليه السلام {أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِى } وتصدير الجملة بالقسم لإبراز كمال العناية بمضمونها. وأن إما مفسرة لما في الوحي من معنى القول، وإما مصدرية حذف عنها الجار، والتعبير عن بني إسرائيل / بعنوان العبودية لله تعالى لإظهار الرحمة والاعتناء بأمرهم والتنبيه على غاية قبح صنيع فرعون بهم حيث استعبدهم وهم عباده عز وجل وفعل بهم من فنون الظلم ما فعل ولم يراقب فيهم مولاهم الحقيقي جل جلاله، والظاهر أن الإيحاء بما ذكر وكذا ما بعده كان بمصر أي وبالله تعالى لقد أوحينا إليه عليه السلام أن سر بعبادي الذي أرسلتك لإنقاذهم من ملكة فرعون من مصر ليلاً. {فَٱضْرِبْ لَهُمْ } بعصاك {طَرِيقاً فِى ٱلْبَحْرِ } مفعول به لاضرب على الاتساع وهو مجاز عقلي والأصل اضرب البحر ليصير لهم طريقاً {يَبَساً } أي يابساً وبذلك قرأ أبو حيوة على أنه مصدر جعل وصفاً لطريقاً مبالغة وهو يستوي فيه الواحد المذكر وغيره. وقرأ الحسن {يبساً } بسكون الباء وهو إما مخفف منه بحذف الحركة فيكون مصدراً أيضاً أو صفة مشبهة كصعب أو جمع يابس كصحب وصاحب. ووصف الواحد به للمبالغة وذلك أنه جعل الطريق لفرط يبسها كأشياء يابسة كما قيل في قول القطامي:شعر : كأن قتود رحلى حين ضمت حوالب غرزاً ومعى جياعا تفسير : أنه جعل المعى لفرط جوعه كجماعة جياع أو قدر كل جزء من أجزاء الطريق طريقاً يابساً كما قيل في {أية : نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ } تفسير : [الإنسان: 2] وثوب أخلاق أو حيث أريد بالطريق الجنس وكان متعدداً حسب تعدد الأسباط لا طريق واحدة على الصحيح جاء وصفه جمعاً، وقيل: يحتمل أن يكون اسم جمع، والظاهر أنه لا فرق هنا بين اليبس بالتحريك واليبس بالتسكين معنى لأن الأصل توافق القراءتين، وإن كانت إحداهما شاذة، وفي «القاموس» اليبس بالإسكان ما كان أصله رطباً فجف وما أصله اليبوسة ولم يعهد رطباً يبس بالتحريك، وأما طريق موسى عليه السلام في البحر فإنه لم يعهد [قط] طريقاً لا رطباً ولا يابساً إنما أظهره الله تعالى لهم حينئذ مخلوقاً على ذلك اهـ. وهذا مخالف لما ذكره الراغب من أن اليبس بالتحريك ما كان فيه رطوبة فذهبت، والمكان إذا كان فيه ماء فذهب، وروي أن موسى عليه السلام لما ضرب البحر وانفلق حتى صارت فيه طرق بعث الله تعالى ريح الصبا فجففت تلك الطرق حتى يبست. وذهب غير واحد أن الضرب بمعنى الجعل من قولهم: ضرب له في ماله سهماً وضرب عليهم الخراج أو بمعنى الاتخاذ فينصب مفعولين أولهما {طَرِيقاً } وثانيهما {لَهُمْ }. واختار أبو حيان بقاءه على المعنى المشهور وهو أوفق بقوله تعالى: {أية : أَنِ ٱضْرِب بّعَصَاكَ ٱلْبَحْرَ } تفسير : [الشعراء: 63]، وزعم أبو البقاء أن {طَرِيقاً } على هذا الوجه مفعول فيه، وقال: التقدير {فَٱضْرِبْ لَهُمْ } موضع طريق. {لاَّ تَخَافُ دَرَكاً } في موضع الحال من ضمير {فَٱضْرِب } أو الصفة الأخرى لطريقاً والعائد محذوف أي فيها أو هو استئناف كما قال أبو البقاء وقدمه على سائر الاحتمالات. وقرأ الأعمش وحمزة وابن أبـي ليلى {لا تخف } بالجزم على جواب الأمر أعني {أسر }، ويحتمل أنه نهي مستأنف كما ذكره الزجاج. وقرأ أبو حيوة وطلحة والأعمش {دَرَكاً } بسكون الراء وهو اسم من الإدراك أي اللحوق كالدرك بالتحريك، وقال الراغب: الدرك بالتحريك في الآية ما يلحق الإنسان من تبعة أي لا تخاف تبعة، والجمهور على الأول أي لا تخاف أن يدرككم فرعون وجنوده من خلفكم {وَلاَ تَخْشَىٰ } أن يغرقكم البحر من قدامكم وهو عطف على {لاَّ تَخَافُ }، وذلك ظاهر على الاحتمالات الثلاثة في قراءة الرفع؛ وأما على قراءة الجزم فقيل هو استئناف أي وأنت لا تخشى، وقيل: / عطف على المجزوم والألف جيء بها للإطلاق مراعاة لأواخر الآي كما في قوله تعالى: {أية : فَأَضَلُّونَا ٱلسَّبِيلاْ }تفسير : [الأحزاب: 67]. {أية : وتَظُنُّونَ باللهِ الظُّنونَا} تفسير : [الأحزاب: 10] أو هو مجزوم بحذف الحركة المقدرة كما في قوله:شعر : إذا العجوز غضبت فطلق ولا ترضاها ولا تملق تفسير : وهذا لغة قليلة عند قوم وضرورة عند آخرين فلا يجوز تخريج التنزيل الجليل الشأن عليه أو لا يليق مع وجود مثل الاحتمالين السابقين أو الأول منهما. والخشية أعظم الخوف وكأنه إنما اختيرت هنا لأن الغرق أعظم من إدراك فرعون وجنوده لما أن ذاك مظنة السلامة، ولا ينافي ذلك أنهم إنما ذكروا أولاً ما يدل على خوفهم منه حيث قالوا: {أية : إِنَّا لَمُدْرَكُونَ } تفسير : [الشعراء: 61] ولذا سورع في إزاحته بتقديم نفيه كما يظهر بالتأمل.
الشنقيطي
تفسير : ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة. أنه أوحى إلى نبيه موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام: أن يسري بعباده، وهم بنو إسرائيل فيخرجهم من قبضة فرعون ليلاً، وأن يضرب لهم طريقاً في البحر يبساً، أي يابساً لا ماء فيه ولا بلل، وأنه لا يخاف دركاً من فرعون وراءه أن يناله بسوء. ولا يخشى من البحر أمامه أن يغرق قومه. وقد أوضح هذه القصة في غير هذا الموضع، كقوله في سورة "الشعراء": {أية : وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِيۤ إِنَّكُم مّتَّبِعُونَ فَأَرْسَلَ فِرْعَونُ فِي ٱلْمَدَآئِنِ حَاشِرِينَ إِنَّ هَـٰؤُلاۤءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَآئِظُونَ وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِّن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ فَأَتْبَعُوهُم مُّشْرِقِينَ فَلَمَّا تَرَاءَى ٱلْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَىٰ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ فَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنِ ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْبَحْرَ فَٱنفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَٱلطَّوْدِ ٱلْعَظِيمِ} تفسير : [الشعراء: 52-63]. فقوله في "الشعراء": {أَنِ ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْبَحْرَ فَٱنفَلَقَ} أي فضربه فانفلق ـ يوضح معنى قوله: {فَٱضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي ٱلْبَحْرِ يَبَساً}، وقوله: {أية : قَالَ أَصْحَابُ مُوسَىٰ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ} تفسير : [الشعراء: 61-62] الآية ـ يوضح معنى قوله: {لاَّ تَخَافُ دَرَكاً وَلاَ تَخْشَىٰ} وقد أشار تعالى إلى ذلك في قوله في "الدخان": {أية : فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَـٰؤُلاَءِ قَوْمٌ مُّجْرِمُونَ فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلاً إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ وَٱتْرُكِ ٱلْبَحْرَ رَهْواً إِنَّهُمْ جُندٌ مُّغْرَقُونَ} تفسير : [الدخان: 22-24] إلى غير ذلك من الآيات. وقد قدمنا طرفاً من ذلك في سورة "البقرة" والقصة معروفة واضحة من القرآن العظيم. وقرأ نافع وابن كثير {أَنْ أَسْرِ} بهمزة وصل وكسر نون {أَنْ} لالتقاء الساكنين والباقون قرؤوا {أَن آسْرِ} بهمزة قطع مفتوحة مع إسكان نون "أَنْ" وقد قدمنا في سورة "هود" أن أسرى وسرى لغتان وبينا شواهد ذلك من العربية. وقرأ حمزة {لاَ تَخَفْ} بسكون الفاء بدون ألف بين الخاء والفاء، وهو مجزوم بشرط محذوف تدل عليه صيغة الطلب، أي أن تضرب لهم طريقاً في البحر يبساً لا تخف. وعلى قراءة الجمهور "لا تخاف" بالرفع، فلا إشكال في قوله {وَلاَ تَخْشَىٰ} إشكال معروف، وهو أنه معطوف على مضارع مجزوم، وذلك يقتضي جزمه، ولو جزم لحذفت الألف من {تَخْشَى} على حد قوله في الخلاصة: شعر : واحذف جازما ثلاثهن تقض حكماً لازما تفسير : والألف لم تحذف فوقع الإشكال بسبب ذلك. وأجيب عنه من ثلاثة أوجه: الأول ـ أن {وَلاَ تَخْشَىٰ} مستأنف خبر مبتدأ محذوف، تقديره: وأنت لا تخشى، أي ومن شأنك أنك آمن لا تخشى. والثاني ـ أن الفعل مجزوم، والألف ليست هي الألف التي في موضع لام الكلمة، ولكنها زيدت للإطلاق من أجل الفاصلة، كقوله: {أية : فَأَضَلُّونَا ٱلسَّبِيلاْ} تفسير : [الأحزاب: 67]، وقوله: {أية : وَتَظُنُّونَ بِٱللَّهِ ٱلظُّنُونَاْ} تفسير : [الأحزاب: 10]. والثالث ـ أن إشباع الحركة بحرف مد يناسبها أسلوب معروف من أساليب اللغة العربية، كقول عبد يغوث بن وقاص الحارثي: شعر : وتضحك مني شيخة عبشمية كأن لم تر قبلي أسيرا يمانيا تفسير : وقول الراجز: شعر : إِذا العجوز غضبت فطلق ولا ترضاها ولا تملق تفسير : وقول الآخر: شعر : وقلت وقد خرت على الكلكال يا ناقتي ما جلت من مجال تفسير : وقول عنترة في معلقته: شعر : ينباع من ذفرى غضوب جسرة زيافة مثل الفنيق المكدم تفسير : فالأصل في البيت الأول: كأن لم تر، ولكن الفتحة أشبعت. والأصل في الثاني ولا ترضها، ولكن الفتحة أشبعت. والأصل في الثالث على الكلكال يعني الصدر، ولكن الفتحة أشبعت. والأصل في الرابع ينبع يعني أن العرق ينبع من عظم الذفرى من ناقته على التحقيق، ولكن الفتحة أشبعت، وإشباع الفتحة بألف في هذه الأبيات وأمثالها مما لم نذكره ليس لضرورة للشعر لتصريح علماء العربية بأنه أسلوب عربي معروف. ويؤيد ذلك أنه مسموع في النثر، كقولهم في النثر: كلكال، وخاتام، وداناق، يعنون كلكلاً، وخاتماً، ودانقاً. وقد أوضحنا هذه المسألة، وأكثرنا من شواهدها العربية في كتابنا (دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب) في سورة "البلد" في الكلام على قوله: {أية : لاَ أُقْسِمُ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ} تفسير : [البلد: 1] مع قوله: {أية : وَهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ ٱلأَمِينِ}تفسير : [التين: 3] وقال الزمخشري في تفسير هذه الآية {فَٱضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً}: فاجعل لهم طريقاً، من قولهم: ضرب له في ماله سهماً، وضرب اللبن عمله ا هـ. والتحقيق أن {يَبَساً} صفة مشبهة جاءت على فعل بفتحتين كبطل وحسن. وقال الزمخشري: اليبس مصدر وصف به. يقال: يبس يبساً ويبساً، ونحوهما العدم والعدم، ومن ثم وصف به المؤنث فقيل: شاتنا يبس، وناقتنا يبس. إذا جف لبنها. وقوله: {لاَّ تَخَافُ دَرَكاً} الدرك: اسم مصدر بمعنى الإدراك، أي لا يدركك فرعون وجنوده، ولا يلحقونك من ورائك، ولا تخشى من البحر أمامك. وعلى قراءة الجمهور {لاَّ تَخَافُ} فالجملة حال من الضمير في قوله {فَٱضْرِبْ} أي فاضرب لهم طريقاً في حال كونك غير خائف دركاً ولا خاش. وقد تقرر في علم النحو أن الفعل المضارع المنفي بلا إذا كانت جملته حالية وجب الربط فيها بالضمير وامتنع بالواو. كقوله هنا: {فَٱضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً} أي في حال كونك لا تخاف دركاً، وقوله {أية : مَالِيَ لاَ أَرَى ٱلْهُدْهُدَ}تفسير : [النمل: 20] وقوله: {أية : وَمَا لَنَا لاَ نُؤْمِنُ بِٱللَّهِ} تفسير : [المائدة: 84] ونظير ذلك من كلام العرب قول الشاعر: شعر : ولو أن قوماً لارتفاع قبيله دخلوا السماء دخلتها لا أحجب تفسير : يعني دخلتها في حال كوني غير محجوب، وبذلك تعلم أن قوله في الخلاصة: شعر : وذات بدء بمضارع ثبت حوت ضميراً ومن الواو خلت تفسير : في مفهومه تفصيل كما هو معلوم في علم النحو.
الواحدي
تفسير : {ولقد أوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي} سِرْ بهم ليلاً من أرض مصر {فاضرب لهم} بعصاك {طريقاً في البحر يبساً} يابساً {لا تخاف دركاً} من فرعون خلفك {ولا تخشى} غرقاً في البحر. {فأتبعهم} فلحقهم {فرعون بجنوده فغشيهم من اليم} فعلاهم من البحر {ما غشيهم} ما غرَّقَهم. {وأضل فرعون قومه وما هدى} ردَّ عليه حيث قال: {أية : وما أهديكم إلاَّ سبيل الرشاد}، تفسير : ثمَّ ذكر مِننه على بني إسرائيل فقال: {قد أنجيناكم من عدوكم} فرعون {وواعدناكم} لإِيتاء الكتاب {جانب الطور الأيمن} وذلك أنَّ الله سبحانه وعد موسى أن يأتي هذا المكان، فيؤتيه كتاباً فيه الحلال والحرام والأحكام، ووعدهم موسى أن يأتي هذا المكان عند ذهابه عنهم {ونزلنا عليكم المنَّ والسلوى} يعني: في التِّيه. {كلوا} أيْ: وقلنا لهم: كلوا {من طيبات} حلالات {ما رزقناكم ولا تطغوا} ولا تكفروا النِّعمة {فيه فيحلَّ} فيجب {عليكم غضبي ومن يحلل} [يجب] {عليه غضبي فقد هوى} هلك وصار إلى الهاوية. {وإني لغفار لمن تاب} من الشِّرك {وآمن} وصدَّق بالله {وعمل صالحاً} بطاعة الله {ثمَّ اهتدى} أقام على ذلك حتى مات عليه.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: أن أسر بعبادي: أي سر ليلاً من أرض مصر. طريقاً في البحر يبساً: طريقاً في وسط البحر يابساً لا ماء فيه. لا تخاف دركاً: أي لا تخش أن يدركك فرعون، ولا تخشى غرقاً. فغشيهم من اليم: أي فغطاهم من ماء البحر ما غطاهم حتى غرقوا فيه. وأضل فرعون قومه: أي بدعائهم إلى الإِيمان به والكفر بالله رب العالمين. وما هدى: أي لم يهدهم كما وعدهم بقوله: {أية : وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ}تفسير : [غافر: 29]. جانب الطور الأيمن: أي لأجل إعطاء موسى التوراة التي فيها نظام حياتهم دينا ودنيا. المن والسلوى: المن: شيء أبيض كالثلج، والسلوى طائر يقال له السماني. ولا تطغوا فيه: أي بالإِسراف فيه، وعدم شكر الله تعالى عليه. ثم اهتدى: أي بالاستقامة على الإِيمان والتوحيد والعمل الصالح حتى الموت. معنى الآيات: إنه بعد الجدال الطويل والخصومة الشديدة التي دامت زمناً غير قصير وأبى فيها فرعون وقومه قبول الحق والإِذعان له أوحى تعالى إلى موسى عليه السلام بما أخبر به في قوله عز وجل: {وَلَقَدْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ} وبأي شيء أوحى إليه. بالسرى ببني إسرائيل وهو قوله تعالى {وَلَقَدْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي} قوله {فَٱضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي ٱلْبَحْرِ يَبَساً} أي اجعل لهم طريقاً في وسط البحر، وذلك حاصل بعد ضربه البحر بالعصي فانفلق البحر فرقتين والطريق وسطه يابساً لا ماء فيه حتى اجتاز بنو إسرائيل البحر، ولما تابعهم فرعون ودخل البحر بجنود أطبق الله تعالى عليهم البحر فأغرقهم أجمعين، بعد أن نجى موسى وبني إسرائيل، وهو معنى قوله تعالى: {فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِّنَ ٱلْيَمِّ} أي من ماء البحر {مَا غَشِيَهُمْ} أي الشيء العظيم من مياه البحر. وقوله لموسى {لاَّ تَخَافُ دَرَكاً وَلاَ تَخْشَىٰ} أي لا تخاف أن يدركك فرعون من ورائك ولا تخشى غرقاً في البحر. وقوله تعالى: {وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَىٰ} إخبار منه تعالى أن فرعون أضل أتباعه حيث حرمهم من الإِيمان بالحق واتباع طريقه، ودعاهم إلى الكفر بالحق وتجنب طريقه فاتبعوه على ذلك فضلوا وما اهتدوا، وكان يزعم أنه ما يهديهم إلا سبيل الرشاد وكذب. وقوله تعالى: {يٰبَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنجَيْنَاكُمْ مِّنْ عَدُوِّكُمْ} أي فرعون، {وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ ٱلطُّورِ ٱلأَيْمَنَ} أي مع نبينا موسى لانزال التوراة لهدايتكم وحكمهم بشرائعها، وأنزلنا عليكم المن والسلوى غذاء لكم في التيه، {كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} أي قلنا لكم: كلوا من طيبات ما رزقناكم من حلال الطعام والشراب، {وَلاَ تَطْغَوْاْ فِيهِ} بترك الحلال إلى الحرام وبالأسراف في تناوله وبعدم شكر الله تعالى، وقوله تعالى: {فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي} أي أن أنتم طغيتم فيه. {وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي} أي ومن يجب عليه غضبي {فَقَدْ هَوَىٰ} أي في قعر جهنم وهلك. وقوله تعالى: {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحَاً ثُمَّ ٱهْتَدَىٰ} يعدهم تعالى بأن يغفر لمن تاب منهم ومن غيرهم وعمل صالحاً أي أدى الفرائض واجتنب المناهي ثم استمر على ذلك ملازماً له حتى مات. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- تقرير النبوة المحمدية إذ مثل هذا القصص لا يقصه إلا بوحي إليه إذ لا سبيل إلى معرفته إلا من طريق الوحي الإِلهي. 2- آية انفلاق البحر ووجود طريق يابس فيه لبني إسرائيل حتى اجتازوه دالة على جود الله تعالى وقدرته وعلمه ورحمته وحكمته. 3- تذكير اليهود المعاصرين للدعوة الإِسلامية بإنعام الله تعالى على سلفهم لعلهم يشكرون فيتوبون فيسلمون. 4- تحريم الإِسراف والظلم، وكفر النعم. 5- الغضب صفة لله تعالى كما يليق ذلك بجلاله وكماله لا صفات المحدثين.
القطان
تفسير : أسرِ بعبادي: سر بهم ليلا. اضرب لهم طريقا في البحر يَبَسا: افتح لهم طريقا يابسا لا ماء فيه. لا تخاف دَرْكا: لا تخاف ان يلحقك احد. دركا: لَحاقا. فغشيهم من اليم ما غشيهم: فغمرهم من البحر ما علاهم. واضلّ فرعونُ قومه: صرفهم عن طريق الرشد والهداية. ولا تطغوا فيه: لا تأخذوه من غير حاجة اليه. هوى: سقط. {وَلَقَدْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي...} الآية. لم يذكر في هذه السورة ما الذي حصل بعد مواجهة موسى لفرعون وقومه حيث آمن السحرة وبنو اسرائيل (ولقد فصّل ذلك في سورة اخرى) وانما انتقل الكلام هنا الى الهجرة والنصر الكبير الذي حصل عند عبور البحر وغرقِ فرعون وجنوده. ثم أتبع ذلك بتعدادِ نعمه على بني اسرائيل، وذكّرهم بأن يكونوا معتدلين فلا يأتوا أعمالا توجب غضبه، وانه غفار لمن تاب وآمن. وأوحى الله الى موسى ان يخرج ببني إسرائيل ليلا، وان يشقّ لهم طريقا في البحر، وطمأَنه ان لا يخاف من فرعون فإنه لن يدركهم. وضرب موسى بعصاه البحر، فانشق شقَّين، كل جانب كأنه طودٌ عظيم كما جاء في سورة الشعراء {فَٱنفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَٱلطَّوْدِ ٱلْعَظِيمِ}، واجتازه موسى ومن معه. وتبعهم فرعونُ وجنوده، ودخلوا الطريق نفسها فانطبق عليهم الماء، وغشيَهم من اليمّ ما غشيَهم، وغرقوا جميعا. هكذا اضل فرعون قومه عن الحق، وغرّر بهم فهلكوا. ثم عدد الله نعمه عليهم فقال: {يٰبَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنجَيْنَاكُمْ مِّنْ عَدُوِّكُمْ... }. لقد أنجيناكم من عدوّكم فرعونَ وجنودِهِ حين كانوا يسومونكم سوءَ العذاب، وقد أقرّ الله أعينكم بغرقِهم وأنتم تنظرون، كما قال تعالى: {أية : وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ}تفسير : [البقرة:50]. {وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ ٱلطُّورِ ٱلأَيْمَنَ}. وواعدناكم جانب الطور الأيمن بمناجاةِ موسى لربه وإنزال التوراة عليه، ونَزَّلنا عليكم المنَّ والسلوى رزقاً طيباً من الحلو ولحم الطير الشهي. وقلْنا لكم: كلوا من تلك اللذائذ التي أنعمنا بها عليكم، ولا تطغوا فيه: لا تظلموا وتبطَروا فتركبوا المعاصي ولا تُسرفوا بل عيشوا في هذه النعم، حتى لا ينزل عليكم غضبي، ومن ينزل عليه فقد هلك. وإني لذو مغفرة عظيمة لمن يتوب عن شِركه، ويقلع عن ذنبه، ويخلص في العمل، ويؤدي فرائضي. فهذه أربعة شروط كاملة تتحقق بها التوبة الحقيقية. قراءات: قرأ الجمهور: قد انجيناكم، وواعدناكم بنون الجمع. وقرأ حمزة والكسائي وخلف: قد أنجيتكم من وواعدتكم. وقرأ الجمهور: "ما رزقناكم" بنون الجمع، وقرأ حمزة والكسائي وخلف: "ما رزقتكم" بتاء المفرد. قرأ حمزة: لا تخف دركا. والباقون: لا تخاف دركا. وقرأ الكسائي: فيحلّ عليكم غضبي: بضم الحاء، ومن يحلل عليه غضبي: بضم اللام. والباقون: بالكسر فيحِل، ومن يحلِل عليه.
د. أسعد حومد
تفسير : {لاَّ تَخَافُ} (77) - وَأَوْحَى اللهُ تَعَالَى إِلَى مُوسَى، حِينَ أَبَى فِرْعَوْنُ أَنْ يَنْقَادَ إِلَى الحَقِّ، وَيُرْسِلَ مَعَهُ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَأَمَرَهُ بِأَنْ يُسْرِيَ بِبَنِي إِسْرَائِيلَ، وَيَخْرُجَ بِهِمْ لَيْلاً مِنْ مِصْرَ، بِاتِّجَاهِ الأَرْضِ المُقَدَّسَةِ، وَلَمَّا أَصْبَحَ الصَّبَاحُ لَمْ يَكُنْ فِي مِصْرَ أَحَدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَغَضِبَ فِرْعَوْنُ غَضَباً شَدِيداً، وَأَرْسَلَ يَجْمَعُ الجُنُودَ، ثُمَّ سَارَ بِجَيْشِهِ يُلاَحِقُ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَأَدْرَكَهُمْ عِنْدَ سَاحِلِ البَحْرِ، وَقْتَ شُرُوقِ الشَّمْسِ، فَلَمَّا تَرَاءَى الجَمْعَانِ، وَنَظَرَ كُلُّ فَرِيقٍ إِلى الآخَرِ، قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى: إِنَّ فِرْعَوْنَ وَجُنُودَهُ سَيُدْرِكُونَهُمْ؛ فَقَالَ لَهُمْ مُوسَى لاَ. وَحِينَئِذٍ أَوْحَى اللهُ تَعَالَى إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بَعَصَاكَ البَحْرَ فَضَرَبَهُ، فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ العَظِيمِ، فَأَرْسَلَ اللهُ رِيحاً عَلَى أَرْضِ البَحْرِ فَلَفَحَتْهَا فَأَصْبَحَتْ يَابِسَةً، كَوَجْهِ الأَرْضِ وَلِهذا قَالَ تَعَالَى (طَرِيقاً فِي البَحْرِ يَبَساً). ثُمَّ أَوْحَى اللهُ إِلَى مُوسَى أَنِ اجْتَزِ البَحْرَ بِمَنْ مَعَكَ مِنْ قَوْمِكَ، وَلاَ تَخْشَوْا أَنْ يُدْرِكَكُمْ فِرْعَوْنُ، وَلاَ تَخْشَوْا أَنْ يُطْبِقَ عَلَيْكُمُ البَحْرُ فَيُغْرِقَكُمْ (لاَ تَخَافُ دَرَكاً وَلاَ تَخْشَى). أَسْرِ بِعِبَادِي - سِرْ بِهِمْ لَيْلاً مِنْ مِصْرَ. يَبَساً - يَابساً لا مَاءَ فِيهِ وَلاَ طِينَ. لاَ تَخَافُ دَرَكاً - لاَ تَخْشَى إِدْرَاكاً ًوَلِحَاقاً. لاَ تَخْشَى - الغَرَقَ مِنَ الأَمَامِ.
الثعلبي
تفسير : {وَلَقَدْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي} أي سر بهم أول الليل من أرض مصر. { فَٱضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي ٱلْبَحْرِ يَبَساً} يابساً ليس فيه ماء ولا طين {لاَّ تَخَافُ دَرَكاً} من فرعون خلفك { وَلاَ تَخْشَىٰ} غرقاً من البحر أمامك، وقرأ حمزة: لا تخف بالجزم على النهي، الباقون: بالألف على النفي، واختاره أبو عبيد لقوله: ولا تخشى رفعاً ودليل قراءة حمزة قوله: «يولوكم الأدبار ثمَّ لا تنصرون» فاستأنف، قال الفرّاء: ولو نوى حمزه بقوله: ولا تخشى الجزم، لكان صواباً. وقال الشاعر: شعر : هجوت زماناً ثم ملت معتذراً من سب زمان لم يهجُو ولم يذع تفسير : وقال آخر: شعر : ألم يأتيك والأنباء تنمي بما لاقت لبوت بني زياد تفسير : {فَأَتْبَعَهُمْ} فلحقهم {فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ} أصابهم {مِّنَ ٱلْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ * وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَىٰ} أي وما هداهم إلى مراشدهم، وهذا جواب قول فرعون: ما أُريكم إلاّ ما أرى وما أهديكم ألاّ سبيل الرشاد، فكذّبه الله تعالى فقال: بل أضلهم وما هداهم. قال وهب: استعار بنو إسرائيل حلياً كثيراً من القبط ثم خرج بهم موسى من أول الليل، وكانوا سبعين ألفاً فأخبر فرعون بذلك فركب في ستمائة ألف من القبط يقص أثر موسى، فلمّا رأى قوم موسى رهج الخيل قالوا {أية : إِنَّا لَمُدْرَكُونَ} تفسير : [الشعراء: 61] فقال موسى: {أية : كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ} تفسير : [الشعراء: 62] فلمّا قربوا قالوا: يا موسى أين نمضي؟ البحر أمامنا وفرعون خلفنا، فضرب موسى بعصاه البحر فانفلق فصار فيه اثنتا عشرة طريقاً يابسة، لكل سبط طريق، وصار بين كل طريقين كالطود العظيم من الماء، وكانوا يمرّون فيه وكلّهم بنو أعمام فلا يرى هذا السبط ذاك ولا ذاك هذا، فاستوحشوا وخافوا فأوحى الله سبحانه إلى أطواد الماء أن تشبّكي، فصارت شبكات يرى بعضهم بعضاً ويسمع بعضهم كلام بعض. فلمّا اتى فرعون الساحل وجد موسى وبني إسرائيل قد عبروا فقال للقبط: قد سحر البحر فمرّ، فقالوا له: إن كنت ربّاً فادخل البحر كما دخل، فجاء جبرئيل على رمكة وديق، وكان فرعون على حصان، وهو الذكر من الأفراس، فأقحم جبرئيل الرمكة في الماء، فلم يتمالك حصان فرعون واقتحم البحر على أثرها ودخل القبط عن آخرهم، فلمّا تلجّجوا أوحى الله سبحانه إلى البحر أن غرّقهم، فعلاهم الماء وغرّقهم. قال كعب: فعرف السامري فرس جبرئيل، فحمل من أثره تراباً وألقاه في العجل حين اتّخذه. {يٰبَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنجَيْنَاكُمْ مِّنْ عَدُوِّكُمْ} فرعون {وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ ٱلطُّورِ ٱلأَيْمَنَ} وقد مرَّ ذكره {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْمَنَّ وَٱلسَّلْوَىٰ * كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} هذه قراءة العامة بالنون والألف على التعظيم، وقرأ يحيى بن وثاب والأعمش وحمزة والكسائي: أنجيتكم ووعدتكم ورزقتكم من غير ألف على التوحيد والتفريد {كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ} حلال {مَا رَزَقْنَاكُمْ}. {وَلاَ تَطْغَوْاْ فِيهِ} قال ابن عباس: ولا تظلموا، وقال مقاتل: ولا تعصوا، وقال الكلبي: ولا تكفروا النعمة، وقيل: ولا تحرّموا الحلال، وقيل: ولا تنفقوا في معصيتي، وقيل: ولا تدّخروا، وقيل: ولا تتقووا بنعمي على معاصيّ. {فَيَحِلَّ} يجب {عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَن يَحْلِلْ} يجب {عَلَيْهِ غَضَبِي} وقرأ يحيى بن وثاب والأعمش والكسائي: فيُحل ومن يُحلل بضم الحاء واللام أي ينزل. {فَقَدْ هَوَىٰ} هلك وتردّى في النار {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ} من دينه {وَآمَنَ} بربّه {وَعَمِلَ صَالِحَاً} فيما بينه وبين الله {ثُمَّ ٱهْتَدَىٰ}. قال قتادة وسفيان الثوري: يعني لزم الإسلام حتى مات عليه. وقال زيد بن أسلم: تعلّم العلم ليهتدي كيف يعمل. وقال الشعبي ومقاتل والكلبي: علم أنّ لذلك ثواباً. وقال فضيل الناجي وسهل التستري: أقام على السنّة والجماعة. وقال الضحاك: يعني استقام. {وَمَآ أَعْجَلَكَ} يعني وما حملك على العجلة {عَن قَومِكَ} يعني عن السبعين الذين اختارهم موسى حين ذهبوا معه إلى الطور ليأخذ التوراة من ربّه فلمّا سار عجل موسى شوقاً إلى ربه وخلّف السبعين وأمرهم أن يتبعوه إلى الجبل، فقال الله سبحانه له: وما أعجلك عن قومك {يٰمُوسَىٰ} فقال مجيباً لربّه {هُمْ أُوْلاۤءِ} يعني {عَلَىٰ أَثَرِي} هؤلاء يجيئون {وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَىٰ} لتزداد رضاً {قَالَ} الله سبحانه {فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا} ابتلينا {قَوْمَكَ} الذين خلفتهم مع هارون وكانوا ستمائة ألف فافتتنوا بالعجل غير اثني عشر ألفا {مِن بَعْدِكَ} من بعد انطلاقك إلى الجبل {وَأَضَلَّهُمُ ٱلسَّامِرِيُّ} يعني دعاهم وصرفهم إلى عبادة العجل وحملهم عليها. {فَرَجَعَ مُوسَىٰ إِلَىٰ قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً} حزيناً جزعاً {قَالَ يٰقَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً} صدقاً أنه يعطيكم التوراة {أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ ٱلْعَهْدُ} مدّة مفارقتي إياكم {أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ} يجب {عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَّوْعِدِي} وذلك أنَّ الله سبحانه كان قد وقّت لموسى ثلاثين ليلة ثمَّ أتّمها بعشر، فلمّا مضت الثلاثون قال عدو الله السامري... قال سعيد بن جبير: كان السامري من أهل كرمان فقال لهم: إنما اصابكم هذا عقوبة لكم بالحلي التي معكم، وكانت حلياً استعاروها من القبط، فهلمّوا بها واجمعوها حتى يجيء موسى فيقضي فيه، فجمعت ودفعت إليه فصاغ منها عجلاً في ثلاثة أيام ثمَّ قذف فيه القبضة التي أخذها من أثر فرس جبرئيل، فقال قوم موسى له: {قَالُواْ مَآ أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا} قرأ أهل المدينة وعاصم: بمَلكنا بفتح الميم، وقرأ حمزة والكسائي وخلف بضم الميم، الباقون: بكسرها، ومعناها بسلطاننا وطاقتنا وقدرتنا. قال مقاتل: يعني ونحن نملك أمرنا، وقيل: باختيارنا. {وَلَـٰكِنَّا حُمِّلْنَآ} قرأ أهل الحجاز والشام وحفص: حُمّلنا بضم الحاء وتشديد الميم، الباقون: حملنا بفتح الحاء والميم مخفّفة {أَوْزَاراً} أثقالاً وأحمالاً {مِّن زِينَةِ ٱلْقَوْمِ} من حلي قوم فرعون {فَقَذَفْنَاهَا} فجمعناها ودفعناها إلى السامري، فألقاها في النار لترجع أنت فترى فيه رأيك {فَكَذَلِكَ أَلْقَى ٱلسَّامِرِيُّ} ما معه من الحليّ مَعَنا كما ألقينا {فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَداً} لا روح فيه، صاغ لهم عجلاً من ذهب مرصّع بالجواهر {لَّهُ خُوَارٌ} صوت، وذلك أنه خار خورة واحدة ثمَّ لم يعد. قال ابن عباس: أتى هارون على السامري وهو يصنع العجل فقال: ما تصنع؟ قال: أصنع ما ينفع ولا يضر، فقال: اللهمَّ أعطه ما سألك على ما في يقينه فلمّا قال: اللهم إنّي أسألك أن يخور؛ فخار فسجد، وإنّما خار لدعوة هارون {فَقَالُواْ هَـٰذَآ إِلَـٰهُكُمْ وَإِلَـٰهُ مُوسَىٰ فَنَسِيَ} أي ضلّ وأخطأ الطريق، وقيل: معناه فتركه ها هنا وخرج يطلبه. قال الله سبحانه {أَفَلاَ يَرَوْنَ أَلاَّ يَرْجِعُ} يعني أنّه لا يرجع {إِلَيْهِمْ قَوْلاً} أي لا يكلّمهم العجل ولا يجيبهم، وقيل: يعني لا يعود إلى الخوار والصوت {وَلاَ يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً * وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِن قَبْلُ} يعني من قبل رجوع موسى {يٰقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُمْ بِهِ} ابتليتم بالعجل {وَإِنَّ رَبَّكُمُ ٱلرَّحْمَـٰنُ فَٱتَّبِعُونِي} على ديني {وَأَطِيعُوۤاْ أَمْرِي} فلا تعبدوه {قَالُواْ لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ} لن نزال على عبادته مقيمين {حَتَّىٰ يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَىٰ} فاعتزلهم هارون في اثني عشر ألفا الذين لم يعبدوا العجل، فلمّا رجع موسى وسمع الصياح والجلبة، وكانوا يرقصون حول العجل، قال السبعون الذين معه: هذا صوت الفتنة، فلمّا رأى هارون أخذ شعره بيمينه ولحيته بشماله وقال له {يٰهَرُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوۤاْ} أخطأوا وأشركوا {أَلاَّ تَتَّبِعَنِ} يعني أن تتّبع أمري ووصيتي ولا صلة، وقيل: معناه: ما منعك من اللحوق بي وإخباري بضلالتهم فتكون مفارقتك إيّاهم تقريعاً وزجراً لهم عمّا أتوه؟ وقيل: معناه: هلاّ قاتلتهم إذ علمت أنّي لو كنت فيما بينهم لقاتلتهم على كفرهم. {َفَعَصَيْتَ أَمْرِي} فقال هارون {يَبْنَؤُمَّ} قال الكلبي وغيره: كان أخاه لأبيه وأُمّه ولكنّه أراد بقوله: يا بن أُمّ أن يرقّقه ويستعطفه عليه فيتركه، وقيل: كان أخاه لأُمّه دون أبيه، وقيل: لأن كون الولد من الأُمّ على التحقيق والأب من جهة الحكم {لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي} يعني ذؤابتي وشعر رأسي إذ هما عضوان مصونان يقصدان بالإكرام والإعظام من بين سائر الأعضاء {إِنِّي خَشِيتُ} لو أنكرت عليهم لصاروا حزبين يقتل بعضهم بعضاً فتقول {فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِيۤ إِسْرَآئِيلَ} وأوقعت الفرقة فيما بينهم {وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي} ولم تحفظ وصيّتي حين قلت لك اخلفني في قومي وأصلح. قال قتادة في هذه الآية: فذكر الصالحون الفرقة قبلكم، ثمّ أقبل موسى على السامرىّ فقال له {فَمَا خَطْبُكَ} أمرك وشأنك، وما الذي حملك على ما صنعت {يٰسَامِرِيُّ}. قال قتادة: كان السامري عظيماً من عظماء بني إسرائيل من قبيلة يقال لها سامرة، ولكنّ عدوّ الله نافق بعدما قطع البحر مع بني إسرائيل، فلمّا مرّت بنو إسرائيل بالعمالقة وهم يعكفون على أصنام لهم فقالوا: يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة فاغتنمها السامرىّ، فاتّخذ العجل فقال السامري مجيباً لموسى: {بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُواْ بِهِ} رأيت ما لم يروا وعرفت ما لم يعرفوا وفطنت ما لم يفطنوا، وقرأ يحيى بن وثاب والأعمش وحمزة والكسائي تبصروا بالتاء على الخطاب، الباقون بالياء على الخبر {فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ ٱلرَّسُولِ} يعني فأخذت تراباً من أثر فرس جبرئيل، وقرأ الحسن فقبصت قبصة بالصاد فيهما، والفرق بينهما أن القبض بجمع الكف والقبص بأطراف الأصابع {فَنَبَذْتُهَا} فطرحتها في العجل {وَكَذٰلِكَ سَوَّلَتْ} زيّنت {لِي نَفْسِي * قَالَ} له موسى {فَٱذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي ٱلْحَيَاةِ} ما دمت حياً {أَن تَقُولَ لاَ مِسَاسَ} لا تخالط أحداً ولا يخالطك أحد، وأمر موسى بني إسرائيل أن لا يخالطوه ولا يقربوه. قال قتادة: إن بقاياهم اليوم يقولون ذلك: لا مساس، ويقال بأنَّ موسى همَّ بقتل السامري فقال الله: لا تقتله فإنه سخىّ، وفي بعض الكتب: إنّه إنْ يمسّ واحد من غيرهم أحداً منهم حُمّ كلاهما في الوقت. {وَإِنَّ لَكَ} يا سامري {مَوْعِداً} لعذابك {لَّن تُخْلَفَهُ} قرأ الحسن وقتادة وأبو نهيك وأبو عمرو بكسر اللام بمعنى لن تغيب عنه بل توافيه، وقرأ الباقون بفتح اللام بمعنى لن يخلفكه الله. {وَٱنظُرْ إِلَىٰ إِلَـٰهِكَ} بزعمك وإلى معبودك {ٱلَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ} دمت عليه {عَاكِفاً} مقيماً تعبده. يقول العرب: ظلتُ أفعل كذا بمعنى ظللت، ومسْت بمعنى مسست، وأحسْت بمعنى أحسست. قال الشاعر: شعر : خلا أنّ العتاق من المطايا أحَسْنَ به فهنّ إليه شوس تفسير : أي أحسسن. {لَّنُحَرِّقَنَّهُ} قرأه العامة بضم النون وتشديد الراء بمعنى لنحرقنه بالنار. وقرأ الحسن بضم النون وتخفيف الراء من إلاحراق بالنّار، وتصديقه قول ابن عباس: فحرّقه بالنار ثمَّ ذرّاه في اليمّ. وقرأ أبو جعفر وابن محيص وأشهب العقيلي لنحرقنه بفتح النون وضم الراء خفيفة بمعنى لنبردنّه بالمبارد، يقال: حرقه يحرقه ويحرقه إذا برّده، ومنه قيل للمبرد المحرق، ودليل هذه القراءة قول السدّي: أخذ موسى العجل فذبحه ثمَّ حرقه بالمبرد ثمَّ ذرّاه في اليّم، وفي حرف ابن مسعود: لنذبحنه ثمَّ لنحرّقنه {ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ} لنذرّينه {فِي ٱلْيَمِّ نَسْفاً} يقال نسف الطعام بالمنسف إذا ذرّاه فطيّر عنه قشوره وترابه.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : كان هذا الوحي لموسى - عليه السلام - بعد أنِ انتهت المعركة، وانتصر فيها معسكر الإيمان، أما فرعون فقد خسر سلاحاً من أهمِّ أسلحته وجانباً كبيراً من سَطْوته وجبروته. وهنا جمع موسى بني إسرائيل، وهم بقايا ذرية آل يعقوب ليذهب بهم إلى أرض الميعاد، وسرعان ما أعدَّ فرعون جيشه وجمع جموعه، وسار خلفهم يتبعهم إلى ساحل البحر، فإذا بموسى وقومه مُحَاصرين: البحر من أمامهم، وفرعون بجيشه من خلفهم، وليس لهم مَخْرج من هذا المأزق. هذا حُكْم القضايا البشرية المنعزلة عن ربِّ البشر، أما في نظر المؤمن فلها حَلٌّ؛ لأن قضاياه ليست بمعزل عن ربه وخالقه؛ لأنه مؤمن حين تصيبه مصيبة، أو يمسه مكروه ينظر فإذا ربُّه يرعاه، فيلجأ إليه، ويرتاح في كَنَفِه. لذلك يقولون: لا كَرْبَ وأنت ربٌّ، وما دام لي رب ألجأ إليه فليست هناك معضلة، المعضلة فيمن ليس له رَبٌّ يلجأ إليه. وقد ضربنا لذلك مثلاً - ولله المثل الأعلى - لو أن إنساناً معه في جيبه جنيه، فسقط منه في الطريق، فإذا لم يكُنْ عنده غيره يحزن أمّا إنْ كان لديه مال آخر فسوف يجد فيه عِوَضاً عَمَّا ضاع منه، هذا الرصيد الذي تحتفظ به هو إيمانك بالله. وهنا جاء الأمر من الله تعالى لموسى - عليه السلام - ليُخرجه وقومه من هذا المأزق: {أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَٱضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي ٱلْبَحْرِ يَبَساً ..} [طه: 77]. أَسْرِ: من الإسراء ليلاً. أي: السير؛ لأنه أستر للسائر. وقوله: {بِعِبَادِي ..} [طه: 77] كملة "عبد" تُجمع على "عبيد" و"عباد" والفَرْق بينهما أن كل مَنْ في الكون عبيد لله تعالى؛ لأنهم وإنْ كانوا مختارين في أشياء، فهم مقهورون في أشياء أخرى، فالذي تعوَّد باختياره على مخالفة منهج الله، وله دُرْبة على ذلك، فله قَهْريات مثل المرض أو الموت. أما العباد فهم الصَّفْوة التي اختارت مراد الله على مرادها، واختياره على اختيارها، فإنْ خيَّرهم: {أية : فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ ..}تفسير : [الكهف: 29] خرجوا عن اختيارهم لاختيار ربهم. لذلك نسبهم الله إليه فقال: {أية : إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ ..}تفسير : [الحجر: 42] وقال عنهم: {أية : عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ}تفسير : [الأنبياء: 26] وقال: {أية : وَعِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَىٰ ٱلأَرْضِ هَوْناً ..}تفسير : [الفرقان: 63]. ويقول الحق سبحانه: {فَٱضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي ٱلْبَحْرِ يَبَساً ..} [طه: 77] أي: يابساً جافاً وسط الماء. والضرب: إيقاع شيء من ضارب بآلة على مضروب، ومنه ضَرب العملة أي: سكَّها وختمها، فبعد أنْ كان قطعةَ معدن أصبح عملة متداولة. وضرب موسى البحر بعصاه فانفلق البحر وانحسر الماء عن طريق جافّ صالح للمشي بالأقدام، وهذه مسألة لا يتصورها قانون البشر؛ لذلك يُطمئنه ربه {لاَّ تَخَافُ دَرَكاً ..} [طه: 77] أي: من فرعون أنْ يُدرِككَ {وَلاَ تَخْشَىٰ ..} [طه: 77] أي: غرقاً من البحر؛ لأن الطريق مضروب أي: مُعَد ومُمهَّد وصالح لهذه المهمة. وهذه معجزة أخرى لعصا موسى التي ألقاها، فصارت حية تسعى، وضرب بها البحر فانفلق فصار ما تحت العصا طريقاً يابساً، وما حولها جبالاً {أية : كُلُّ فِرْقٍ كَٱلطَّوْدِ ٱلْعَظِيمِ}تفسير : [الشعراء: 63] وهي التي ضرب بها الحجر فانبجس منه الماء. والسياق هنا لم يذكر شيئاً عن الحوار الذي دار بين موسى وقومه حينما وقعوا في هذه الضائقة، لكن جاء في لقطة أخرى من القصة حيث قال تعالى: {أية : فَلَمَّا تَرَاءَى ٱلْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَىٰ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ}تفسير : [الشعراء: 61-62]. وبتعدد اللقطات في القرآن تكتمل الصورة العامة للقصة، وليس في ذلك تكرار كما يتوهّم البعض. فقبل أنْ يُوحِي إليه: {فَٱضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي ٱلْبَحْرِ يَبَساً ..} [طه: 77] قال القوم: {أية : إِنَّا لَمُدْرَكُونَ}تفسير : [الشعراء: 61] فقال: (كَلاّ). لكن كيف يقولها قَوْلة الواثق وما يخافون منه محتمل أنْ يقع بعد لحظة؟ نقول: لأنه لم يقل (كَلاَّ) من عنده، لم يَقُلها بقانون البشر، إنما بقانون خالق البشر {أية : كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ}تفسير : [الشعراء: 62] فأنا لا أغالطكم، ولسْتُ بمعزل عن السماء وتوجيه ربي. ثم يقول الحق سبحانه: {فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ ...}.
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد: {فَٱضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي ٱلْبَحْرِ يَبَساً}: [الآية: 77]. قال: يعني يابساً. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {غَضْبَانَ أَسِفاً} [الآية: 86]. يعني: جزعاً، والأَسف: الجزع. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {مَآ أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ} [الآية: 87]. أَي عهدك. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {فَقَذَفْنَاهَا} [الآية: 87]. فأَلقيناها. أَخبرنا / 44ظ / عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {بِمَلْكِنَا} [الآية: 87]. أَي: بأَمر نملكه. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {حُمِّلْنَآ أَوْزَاراً} [الآية: 87]. يعني أَثقالاً. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {مِّن زِينَةِ ٱلْقَوْمِ} [الآية: 87]: وهو الحلي استعاروها من آل فرعون، وهي الأَثقال أَو الأَنفال. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {فَكَذَلِكَ أَلْقَى ٱلسَّامِرِيُّ} [الآية: 87]. أَي: كذلك صنع السامري. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا حمادد ابن سلمة عن سماك بن حرب، عن سعيد بن جبير عن ابنن عباس في قوله: {فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَداً لَّهُ خُوَارٌ} [الآية: 88]. قال: مر هارون، عليه السلام، بالسامري وهو يصنع العجل، فقال له: ما تصنع؟ قال: أَصنع ما يضر ولا ينفع. قال هارون: اللهم اعطه ما سأَلك على ما في نفسه. فلما قفَّي هارون، قال السامري: اللهم إِني أَسأَلك أَن يخور. فخار، فكان إِذا خار سجدوا، وإِذا خار رفعوا رؤوسهم، وإِنما خار لدعوة هارون. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {فَنَسِيَ} [الآية: 88]. يعني: موسى، عليه السلام، نسي قومه يقولون: أَخطأَ الرب. أَي: العجل نسيه عندكم قال: والعجل ولد البقرة.
الصابوني
تفسير : المنَاسَبَة: لا تزال الآيات الكريمة تتحدث عن قصة موسى وفرعون، وتشير الآيات هنا إِلى عناية الله تعالى بموسى وقومه، وإِنجائهم وإِهلاك عدوهم، وتذكّرهم بنعم الله العظمى ومننه الكبرى على بني إِسرائيل، وما وصّاهم به من المحافظة على شكرها وتحذيرهم من التعرض لغضب الله بكفرها، ثم تذكر الآيات انتكاس بني إِسرائيل بعبادتهم العجل، وقد طوى هنا ما فصَّل في آيات أخر. اللغَة: {دَرَكاً} لَحاقاً مصدر أدركه إِذا لحقه {تَطْغَوْاْ} الطغيان: مجاوزة الحدِّ إِلى ما لا ينبغي {هَوَىٰ} صار إِلى الهاوية وهي قعر النار من هوى يهوي إِذا سقط من علوٍ إِلى سفل {بِمَلْكِنَا} الملك: بفتح الميم وسكون اللام: الطاقةُ والقدرة ومعناه بأمرٍ كنا نملكه من جهتنا {أَوْزَاراً} أثقالاً ومنه سمي الذنب وزراً لأنه يثقل الإِنسان {خُوَارٌ} الخُوار: صوت البقر {يَبْنَؤُمَّ} أي يا ابن أمي واللفظة تدل على الاستعطاف {سَوَّلَتْ} حسَّنت وزيَّنت. التفسِير: {وَلَقَدْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي} أي أوحينا إِلى موسى بعد أن تمادى فرعون في الطغيان أنْ سرْ ببني إِسرائيل ليلاً من أرض مصر {فَٱضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي ٱلْبَحْرِ يَبَساً} أي اضرب البحر بعصاك ليصبح لهم طريقاً يابساً يمرون عليه {لاَّ تَخَافُ دَرَكاً وَلاَ تَخْشَىٰ} أي لا تخاف لحاقاً من فرعون وجنوده، ولا تخشى الغرق في البحر {فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِّنَ ٱلْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ} أي فلحقهم فرعون مع جنوده ليقتلهم فأصابهم من البحر ما أصابهم، وغشيهم من الأهوال ما لا يعلم كُنهه إِلا الله، والتعبير يفيد التهويل لما دهاهم عند الغَرق {وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَىٰ} أي أضلهم عن الرشد وما هداهم إِلى خيرٍ ولا نجاة، وفيه تهكم بفرعون في قوله {أية : وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ } تفسير : [غافر: 29] {يٰبَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنجَيْنَاكُمْ مِّنْ عَدُوِّكُمْ} خطابٌ لبني إِسرائيل بعد خروجهم من البحر وإِغراق فرعون وجنوده والمعنى اذكروا يا بني إِسرائيل نعمتي العظيمة عليكم حين نجيتكم من فرعون وقومه الذين كانوا يسومونكم سوء العذاب {وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ ٱلطُّورِ ٱلأَيْمَنَ} أي وعدنا موسى للمناجاة وإِنزال التوراة عليه جانب طور سيناء الأيمن، وإِنما نسبت المواعدة إِليهم لكون منفعتها راجعة إِليهم إِذْ في نزول التوراة صلاحُ دينهم ودنياهم {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْمَنَّ وَٱلسَّلْوَىٰ} أي رزقناكم وأنتم في أرض التيه بالمنِّ وهو يشبه العسل، والسلوى وهو من أجود الطيور لحماً تفضلاً منا عليكم.. وفي هذا الترتيب غايةُ الحسن حيث بدأ بتذكيرهم بنعمة الإِنجاء، ثم بالنعمة الدينية، ثم بالنعمة الدنيوية {كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} أي وقلنا لكم كلوا من الحلال اللذيذ الذي أنعمتُ به عليكم {وَلاَ تَطْغَوْاْ فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي} أي لا تحملنكم السعة والعافية على العصيان لأمري فينزل بكم عذابي {وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَىٰ} أي ومن ينزل عليه غضبي وعقابي فقد هلك وشقي {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحَاً ثُمَّ ٱهْتَدَىٰ} أي وإِني لعظيم المغفرة لمن تاب من الشرك وحسُن إِيمانه وعمله، ثم استقام على الهدى والإِيمان، وفي الآية ترغيب لمن وقع في وهدة العصيان ببيان المخرج كيلا ييأس {وَمَآ أَعْجَلَكَ عَن قَومِكَ يٰمُوسَىٰ} أيْ أيُّ شيءٍ عجَّل بك عن قومك يا موسى؟ قال الزمخشري: كان موسى قد مضى مع النقباء الذين اختارهم من قومه إِلى الطور على الموعد المضروب ثم تقدمهم شوقاً إِلى كلام ربه {قَالَ هُمْ أُوْلاۤءِ عَلَىٰ أَثَرِي} أي قومي قريبون مني لم أتقدمهم إِلا بشيء يسير وهم يأتون بعدي {وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَىٰ} أي وعجلتُ إلى الموضع الذي أمرتني بالمجيء إِليه لتزداد رضىً عني.. أعتذر موسى أولاً ثم بينَّ السبب في إِسراعه قبل قومه وهو الشوق إِلى مناجاة الله ابتغاءً لرضى الله {قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ} أي ابتليناهم بعبادة العجل من بعد ذهابك من بينهم {وَأَضَلَّهُمُ ٱلسَّامِرِيُّ} أي وأوقعهم السامريُّ في الضلالة بسبب تزيينه لهم عبادة العجل، وكان السامري ساحراً منافقاً من قومٍ يعبدون البقر قال المفسرون: كان موسى حين جاء لمناجاة ربه قد استخلف على بني إِسرائيل أخاه هارون، وأمره أن يتعهدهم بالإِقامة على طاعة الله، وفي أثناء غيبة موسى جمع السامريُّ الحليَّ ثم صنع منها عجلاً ودعاهم إِلى عبادته فعكفوا عليه وكانت تلك الفتنة وقعت لهم بعد خروج موسى من عندهم بعشرين يوماً {فَرَجَعَ مُوسَىٰ إِلَىٰ قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً} أي رجع موسى من الطور بعدما استوفى الأربعين وأخذ التوراة غضبان شديد الحزن على ما صنع قومه من عبادة العجل {قَالَ يٰقَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً} أي ألم يعدْكم بإِنزال التوراة فيها الهدى والنور؟ والاستفهام للتوبيخ {أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ ٱلْعَهْدُ أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَّوْعِدِي} أي هل طال عليكم الزمن حتى نسيتم العهد أم أردتم بصنيعكم هذا أن ينزل عليكم سخط الله وغضبه فأخلفتم وعدي؟ قال أبو حيان: وكانوا وعدوه بأن يتمسكوا بدين الله وسنّة موسى عليه السلام، ولا يخالفوا أمر الله أبداً، فأخلفوا موعده بعبادتهم العجل {قَالُواْ مَآ أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا} أي ما أخلفنا العهد بطاقتنا وإِرادتنا واختيارنا بل كنا مكرهين {وَلَـٰكِنَّا حُمِّلْنَآ أَوْزَاراً مِّن زِينَةِ ٱلْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا} أي حملنا أثقالاً وأحمالاً من حُليِّ آل فرعون فطرحناها في النار بأمر السامري قال مجاهد: أوزاراً: أثقالاً وهي الحلي التي استعاروها من آل فرعون {فَكَذَلِكَ أَلْقَى ٱلسَّامِرِيُّ} أي كذلك فعل السامري ألقى ما كان معه من حلي القوم في النار قال المفسرون: كان بنو إِسرائيل قد استعاروا من القبط الحُليّ قبل خروجهم من مصر، فلما أبطأ موسى في العودة إِليهم قال لهم السامري: إِنما احتُبس عليكم لأجل ما عندكم من الحلي فجمعوه ودفعوه إِلى السامري، فرمى به في النار وصاغ لهم منه عجلاً، ثم ألفى عليه قبضةً من أثر فرس جبريل عليه السلام فجعل يخور فذلك قوله تعالى {فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَداً لَّهُ خُوَارٌ} أي صاغ لهم السامري من تلك الحليّ المذابة عجلاً جسداً بلا روح له خوارٌ وهو صوت البقر {فَقَالُواْ هَـٰذَآ إِلَـٰهُكُمْ وَإِلَـٰهُ مُوسَىٰ فَنَسِيَ} أي هذا العجل إِلهكم وإِله موسى فنسي موسى إِلهه هنا وذهب يطلبه في الطور، قال قتادة: نسي موسى ربه عندكم، فعكفوا عليه يعبدونه، قال تعالى رداً عليهم وبياناً لسخافة عقولهم في عبادة العجل {أَفَلاَ يَرَوْنَ أَلاَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً وَلاَ يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً} أي أفلا يعلمون أن العجل الذي زعموا أنه إِلههم لا يردُّ لهم جواباً، ولا يقدر أن يدفع عنهم ضراً أو يجلب لهم نفعاً فكيف يكون إِلهاً؟ والاستفهام للتوبيخ والتقريع {وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِن قَبْلُ يٰقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُمْ بِهِ} أي قال لهم هارون ناصحاً ومذكراً من قبل رجوع موسى إِليهم: إِنما ابْتُليتُم وأُضللتم بهذا العجل {وَإِنَّ رَبَّكُمُ ٱلرَّحْمَـٰنُ فَٱتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوۤاْ أَمْرِي} أي وإِنَّ ربكم المستحقَّ للعبادة هو الرحمن لا العجل، فاقتدوا بي فيما أدعوكم إِليه من عبادة الله، وأطيعوا أمري بترك عبادة العجل {قَالُواْ لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّىٰ يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَىٰ} أي قالوا لن نزال مقيمين على عبادة العجل حتى يعود إِلينا موسى فننظر في الأمر {قَالَ يٰهَرُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوۤاْ * أَلاَّ تَتَّبِعَنِ}؟ في الكلام حذفٌ أي فلما رجع موسى ووجدهم عاكفين على عبادة العجل امتلأ غضباً لله وأخذ برأس أخيه هارون يجره إِليه وقال له: أيُّ شيء منعك حين رأيتهم كفروا بالله أن لا تتبعني في الغضب لله والإِنكار عليهم والزجر لهم عن ذلك الضلال؟ {أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي} أي أخالفتني وتركت أمري ووصيتي؟ قال المفسرون: وأمرهُ هو ما كان أوصاه به فيما حكاه تعالى عنه {أية : وَقَالَ مُوسَىٰ لأَخِيهِ هَارُونَ ٱخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ ٱلْمُفْسِدِينَ} تفسير : [الأعراف: 142] {قَالَ يَبْنَؤُمَّ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي} أي قال له هارون استعطافاً وترقيقاً: يا ابن أمي - أي يا أخي - لا تأخذ بلحيتي ولا بشعر رأسي قال ابن عباس: أخذ شعر رأسه بيمينه ولحيته بشماله من شدة غيظه وفرط غضبه لأن الغيْرة في الله ملكتْه {إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِيۤ إِسْرَآئِيلَ} أي إِني خفت إِن زجرتُهم بالقوة أن يقع قتالٌ بينهم فتلومني على ذلك وتقول لي: لقد أشعلتَ الفتنة بينهم {وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي} أي لم تنتظرْ أمري فيهم، فمن أجل ذلك رأيتُ ألاّ أفعل شيئاً حتى ترجع إِليهم لتتدارك الأمر بنفسك قال ابن عباس: وكان هارون هائباً مطيعاً له {قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يٰسَامِرِيُّ} أي ما شأنك فيما صنعت؟ وما الذي حملك عليه يا سامري؟ {قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُواْ بِهِ} أي قال السامريُّ: رأيتُ ما لم يروه وهو أن جبريل جاءك على فرس الحياة فأُلقي في نفسي أن أقبض من أثره قبضة فما ألقيتُه على شيءٍ إِلا دبَّت فيه الحياة {فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ ٱلرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا} أي قبضت شيئاً من أثر فرس جبريل فطرحتها على العجل فكان له خوار {وَكَذٰلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي} أي وكذلك حسَّنتْ وزيَّنَتْ لي نفسي {قَالَ فَٱذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي ٱلْحَيَاةِ أَن تَقُولَ لاَ مِسَاسَ} أي قال موسى للسامريّ: عقوبتك في الدنيا ألاّ تمسَّ أحداً ولا يمسَّك أحد قال الحسن: جعل الله عقوبة السامري ألا يماسَّ الناسَ ولا يمسّوه عقوبة له في الدنيا وكأنَّ الله عز وجل شدَّد عليه المحنة {وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً لَّن تُخْلَفَهُ} أي وإِنَّ لك موعداً للعذاب في الآخرة لن يتخلَّف {وَٱنظُرْ إِلَىٰ إِلَـٰهِكَ ٱلَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفاً} أي انظر إِلى هذا العجل الذي أقمت ملازماً على عبادته {لَّنُحَرِّقَنَّهُ * ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي ٱلْيَمِّ نَسْفاً} أي لنحرقنَّه بالنار ثم لنطيرنَّه رماداً في البحر لا يبقى منه عين ولا أثر {إِنَّمَآ إِلَـٰهُكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} أي يقول موسى لبني إِسرائيل: إِنما معبودكم المستحق للعبادة هو الله الذي لا ربَّ سواه {وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً} أي وسع علمه كلَّ شيء فلا يخفى عله شيء في الأرض ولا في السماء. البَلاَغَة: تضمنت الآيات الكريمة من وجوه البيان والبديع ما يلي: 1- التهويل {فَغَشِيَهُمْ مِّنَ ٱلْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ}. 2- الطباق بين {وَأَضَلَّ.. وَمَا هَدَىٰ}. 3- الاستعارة {فَقَدْ هَوَىٰ} استعار لفظ الهوي وهو السقوط من عُلوٍ إِلى سُفل للهلاك والدمار. 4- صيغة المبالغة {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ} أي كثير المغفرة للذنوب. 5- الطباق {ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً}. 6- الايجاز بالحذف في مواطن عديدة بيناها في التفسير. 7- السجع الحسن غير المتكلف مثل {أَمْرِي}، {قَوْلِي}، {نَفْسِي} و {نَفْعاً}، {عِلْماً}، {نَسْفاً} الخ. تنبيه: إِنما عبد بنو إِسرائيل العجل بسبب فتنة السامريّ وقد كانت بذور الوثنية راسخة في قلوبهم ولذلك لما نجَّاهم الله من طغيان فرعون طلبوا من موسى أن يصنع لهم تمثالاً ليعبدوه كما قال تعالى {أية : وَجَاوَزْنَا بِبَنِيۤ إِسْرَآئِيلَ ٱلْبَحْرَ فَأَتَوْاْ عَلَىٰ قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَىٰ أَصْنَامٍ لَّهُمْ قَالُواْ يٰمُوسَىٰ ٱجْعَلْ لَّنَآ إِلَـٰهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ} تفسير : [الأعراف: 138] فلا عجب إِذاً أن يعكفوا على عبادة عجل من ذهب له خوار!!
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {فَٱضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي ٱلْبَحْرِ يَبَساً} يعني يابساً.
الجيلاني
تفسير : وكيف لا يكون للتزكية هذه الآثار! {وَلَقَدْ أَوْحَيْنَآ} من عندنا {إِلَىٰ مُوسَىٰ} المختار بعدما هذَّبنا ظاهره عن ذمائم الأخلاق ورذائل الأطوار، وحلَّينا باطنه بأنواع المكاشفات والأسرار، إنجاءً له ولقومه من يد الكفار حين عزم عليه فرعون الغدَّار {أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي} أي: سِر ليلاً معهم على صورة الفِرَار، فمتى أُخبروا بذلك، اتبعوا أثرك بمقتضى الاغترار، ومتى أردفك العدو وقربوا أن يدركوا، ومنعك البحر من العبور، قلنا لك: {فَٱضْرِبْ لَهُمْ} بعصاك المعين في الأمور البحرَ؛ ليكون لك معجزةً وظهر لهم {طَرِيقاً فِي ٱلْبَحْرِ يَبَساً} جافاً لا وحلَ فيها؛ لئلا يخافوا من الغرق ومن ورائك العدو، وأنت أيضاً {لاَّ تَخَافُ دَرَكاً} أي: أن يدركك فرعون {وَلاَ تَخْشَىٰ} [طه: 77] أن يغرقك البحر، فضربَ البحرَ بأمر به بعدما سار بإذنه، فسلك فيه مسلك قومه خلفه، فعبروا، فصول فرعون وملؤه الأرض، فرأوا عبورهم من الطريق اليابس. {فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ} بلا تراخٍ فدخلوا اغتراراً بيبسه {فَغَشِيَهُمْ} أي: غطَّاهم وسترهم {مِّنَ ٱلْيَمِّ} أي: البحر {مَا غَشِيَهُمْ} [طه: 78] أي: غشاوةً عظيمة بحيث يكون البحر كما كان، فهدى موسى قومه فأنجيناهم امتناناً عليه وعليهم {وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ} باتباعهم بني إسرائيل على الفور {وَمَا هَدَىٰ} [طه: 79] وأرشد لهم طريق المخلص، فأغرقناهم متبوعاً وتابعاً زاجراً عليه وعليهم. ثم بعد إنجائنا بني إسرائيل من عدوهم وإهلاك عدوهم بالمرة، وإيراثهم أرضهم وديارهم وأموالهم، نبهنا عليهم التوجه والرجوع إلينا بتعديد نعمنا التي أنعمناهم؛ ليواظبوا على شكرها أداءً لحقٍّ شيء منها، حتى يكونوا من الشاكرين المزيدين لنعمنا إياهم. لذلك ناديناهم ليقبلوا إلينا، ويعلموا أن الكل من عندنا: {يٰبَنِي إِسْرَائِيلَ} المنظورين بنظر الرحمة والشفقة {قَدْ أَنجَيْنَاكُمْ} أولاً بقدرتنا {مِّنْ عَدُوِّكُمْ} الغالب القاهر عليكم {وَ} أنجيناكم ثانياً عن جرائم تقصيراتكم بامتثال الأوامر الوجوبية حال {وَاعَدْنَاكُمْ} نزول التوراة بصعودكم {جَانِبَ ٱلطُّورِ} لا جميع جوانبه بل جانبه {ٱلأَيْمَنَ} ذا اليُمن والكرامة؛ ليشير إلى العفو عن التقصير {وَ} أنجيناكم ثالثاً عن شدائد التيه من جوعه وعطشه وحره وبرده بأن {نَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْمَنَّ} الزنجبين {وَٱلسَّلْوَىٰ} [طه: 80] السماني. وأمرناكم بالأكل منهما مباحاً بأن قلنا: {كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} بعد تحملكم شدائد الابتلاء واشكروا لنعمنا لنزيدهم {وَلاَ تَطْغَوْاْ فِيهِ} أي: لا تضلوا بإسناد النعم إياكم إليكم لا إلينا، مثل فرعون وقومه، وإن كنتم مثلهم في كفرانها {فَيَحِلَّ} أي: فينزل {عَلَيْكُمْ غَضَبِي} ألبتة مثل حلولهم {وَ} اعلموا أن {مَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَىٰ} [طه: 81] سقط عن درجة الاعتبار والتقرب. {وَ} إن ابتليتم بحلول الغضب لا تيأسوا عن نزول الرحمة بعد التوبة؛ إذ {إِنِّي} بعد رجوعكم إليّ بالإخلاص {لَغَفَّارٌ} ستارُ {لِّمَن تَابَ} عما جرى عليه {وَآمَنَ} بعد التوبة تأكيداً للإيمان السابق {وَعَمِلَ صَالِحَاً} بعد ذلك نادماً على ما مضى من العصيان {ثُمَّ ٱهْتَدَىٰ} [طه: 82] بالأخلاص والعمل الصالح إلى درجات القرب واليقين. ولما كان موسى حريصاً على أهداء قومه لشفقته عليهم، تسارع إلى تصفيتهم، واختار منهم سبعين رجلاً من خيارهم حتى يذهبوا معه إلى الطور ليأخذوا التوراة، فساروا معه، فسارع موسى في الصعود شوقاً إلى لقاء ربه، وأمرهم أن يتبعوه في الارتقاء إلى الجبل، فوصل موسى الموعد قبل وصولهم. فقال له سبحانه تنبيهاً على استعجاله واضطرابه في أمره: {وَمَآ أَعْجَلَكَ} أي: أي شيء أسبقك {عَن قَومِكَ} المستكملين برفاقتك {يٰمُوسَىٰ} [طه: 83] المرسَل لتكميلهم، بل من حقك أن تجيء معهم مجتمعين. {قَالَ} موسى: {هُمْ} من غاية قربهم {أُوْلاۤءِ} المشار إليهم التابعين {عَلَىٰ أَثَرِي وَعَجِلْتُ} من غاية اشتياقي {إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَىٰ} [طه: 84] عني ويزداد تقربي إليك. {قَالَ} تبارك وتعالى: إذ فارقتهم وتركتهم، صرتَ سبباً لوقوعهم في البلاء العظيم {فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا} ابتلينا {قَوْمَكَ} الذي أبقيتهم مع أخيك {مِن بَعْدِكَ} أي: بعد خروجك من بينهم بعبادة غيرنا فأشركوا بنا {وَ} ما {أَضَلَّهُمُ} إلا {ٱلسَّامِرِيُّ} [طه: 85] المفرط بصوغه صورة العجل من حلي القبط، ورميه عليها التراب الذي أخذه من حافر فرس جبريل وخوار العجل بعد رمي التراب وقوله: {أية : هَـٰذَآ إِلَـٰهُكُمْ وَإِلَـٰهُ مُوسَىٰ}تفسير : [طه: 88]. فإذا سمع موسى من ربه ما سمع {فَرَجَعَ مُوسَىٰ} من ساحة عز الحضور في مقام السرور {إِلَىٰ قَوْمِهِ} المتخلفين عن أمره، المشركين بربه، قد استولى عليه الغضب حمية لهم و غيرة على ربه، فصار {غَضْبَٰنَ} من فعلهم {أَسِفاً} متأسفاً متحزناً متفكراً، هل يمكن تداركه أم لا؟ فلما وصل إليهم {قَالَ يٰقَوْمِ} المضيعين سعيي في تكميلكم، أما تستحيون من ربكم ألذي رباكم بأنواع النعم وأنجاكم من أصناف البلاء سبما عند وعد الزيادة لكم {أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً } يحسن أحوالكم ويوصلكم إلى مقام القرب بإنزال التوراة عليكم؛ لتكملوا بها أخلاقكم {أَ} تنكرون من إنجاز وعده {فَطَالَ عَلَيْكُمُ ٱلْعَهْدُ} ا لمدة بأن صار أربعين بعدما كان ثلاثين {أَمْ أَرَدتُّمْ} بزيادة الإنكار والإصرار {أَن يَحِلَّ} وينزل {عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ} بسبب ذلك {مَّوْعِدِي} [طه: 86] الذي وعدتكم من متابعتي لأخذ التوراة. {قَالُواْ} يا موسى {مَآ أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا} بقدرتنا واختيارنا من غير ظهور دليل يشغلنا عن موعدك، بل {وَلَـٰكِنَّا} كنا على ما وعدتنا، ولا يصدر عنا مخالفتك غير أن {حُمِّلْنَآ أَوْزَاراً} وآثاماً مستعاراً {مِّن زِينَةِ ٱلْقَوْمِ} أي: من حلي القبط ولم يمكنا الرد إليهم لاستئصالهم، ولا يمكننا أيضاً حملها وحفظها دائماً؛ لذلك اضطررنا فحفرنا حفرة {فَقَذَفْنَاهَا} أي: قذف كل منَّا منا في يده من الحلي فيها {فَكَذَلِكَ أَلْقَى ٱلسَّامِرِيُّ} [طه: 87] ما في يده من الحلي فيه بعد قذفنا بلا صنع زائدٍ منا.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر عن خلاص أهل الإخلاص بقوله تعالى: {وَلَقَدْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي} [طه: 77] يشير إلى أن موسى القلب والأخلاق الحميدة إذ أيدناه بالتأييد الإلهي بالأدب الرباني أن أسر بعبادي السر هو روح القلب والأخلاق الحميدة وهي صفات القلب؛ أي: سرت بهم من بر البشرية إلى بحر الروحانية {فَٱضْرِبْ لَهُمْ} [طه: 77] بعصا الذكر لا إله إلا الله {طَرِيقاً فِي ٱلْبَحْرِ} [طه: 77] بحر الروحانية {يَبَساً} [طه: 77] من ماء الهوى وطين صفات الحيوانية {لاَّ تَخَافُ دَرَكاً وَلاَ تَخْشَىٰ} [طه: 77]. وبقوله تعالى: {فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ} [طه: 78] يشير إلى أن موسى القلب كلما توجه إلى بحر الروحانية يتبعه فرعون النفس مع جنود صفاته الذميمة النفسانية، كما أن النفس كلما توجهن بالخذلان إلى مراتع الحيوانية السفلية يتبعها القلب مع جنوده، وهي الصفات الحميدة الروحانية، فلمَّا دخل موسى القلب وجنوده في بحر الروحانية، وبلغوا ساحل البحر وهو سرادقات العزة وحظائر القدس، ودخل فرعون النفس وجنوده في بحر الروحانية {فَغَشِيَهُمْ مِّنَ ٱلْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ} [طه: 78] من سطوات الروحانية وتموج بحرها بهبوب رياح العناية. {وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ} [طه: 79] النفس {قَوْمَهُ} [طه: 79] أي: صفاته في بحر بهبوب رياح العناية. {وَمَا هَدَىٰ} [طه: 79] وما وفق غريق للخروج عن هذا البحر، وهذا تحقيق قوله تعالى: {أية : يٰأَيَّتُهَا ٱلنَّفْسُ ٱلْمُطْمَئِنَّةُ * ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً * فَٱدْخُلِي فِي عِبَادِي * وَٱدْخُلِي جَنَّتِي} تفسير : [الفجر: 27-30] وهي مراتب الروحانية، والإشارة بأن النفس هي مركب سلطان، فإذا بلغ السلطان بجنبات العناية إلى سرادقات العزة وأنزل حضرة الدين {أية : فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ} تفسير : [القمر: 55] يربط مركب وهو النفس في مراتب الجنان، فإن فيها ما تشتهيه الأنفس فلا عبور لها عنها والمسخرة للوصول والوصال إنما هو سلطان القلب لا مركب النفس، فافهم جيداً. ثم أخبر عن صفات أهل النجاة بقوله تعالى: {يٰبَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنجَيْنَاكُمْ مِّنْ عَدُوِّكُمْ} [طه: 80] يشبه إلى بني إسرائيل صفات القلب والروح {قَدْ أَنجَيْنَاكُمْ مِّنْ عَدُوِّكُمْ} [طه: 80] وهو فرعون النفس {وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ ٱلطُّورِ ٱلأَيْمَنَ} [طه: 80] وواعدناكم جوار طور قرب الحضرة {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْمَنَّ} [طه: 80] من صفاتنا، {وَٱلسَّلْوَىٰ} [طه: 80] أخلاقنا. {كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} [طه: 81] أي: اتصفوا بطيبات صفاتنا، وتخلقوا بكرائم أخلاقنا التي شرفناكم بها؛ أي: لو لم تكن العناية الربانية لمَّا نجَّا الروح والقلب وصفاتهما منش ر فرعون النفس وصفاتها، ولولا تأييد الإلهية لمَّا اتصفوا بصفات الله تعالى ولا تخلقوا بأخلاقه. ثم قال الله تعالى: {وَلاَ تَطْغَوْاْ فِيهِ} [طه: 81] أي: إذا استغنيتم بصفاتي وأخلاقي عن صفاتكم وأخلاقكم فلا تطغوا بأن تدَّعوا العبودية، وتدَّعوا الربانية، وتسمُّوا باسمي إن اتصفتم بصفتي كما قال بعضهم: أنا الحق، وقال بعضهم: سبحاني ما أعظم شأني، وما أشبه هذه الأحوال مما يتولد من طبيعة الإنسانية {أية : إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ} تفسير : [العلق: 6-7]، وإن طغيان هذه الطائفة بمشاهدة المقامات، وإن كانت من أحوالهما إلا أن الحالات لا تصلح للمقامات وهي موجبة للغضب كما قال تعالى: {فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَىٰ} [طه: 81] أي: بجعل كل معاملاته في العبودية هباءً منثوراً، ولهذا الوعيد أمر الله تعالى عباده في الاستهداء بقوله تعالى: {أية : ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} تفسير : [الفاتحة: 6-7] أي: اهدنا هداية من أنعمت عليه بتعريفه الطاعة والعبودية، ثم ابتليه بطغيان يحل عليه غضبك، ثم وعد بعد الطغيان بالمغفرة بقوله تعالى: {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ} [طه: 82] ورجع من الطغيان بعبادة الرحمن {وَعَمِلَ صَالِحَاً} [طه: 82] بالعبودية لربوبيته {ثُمَّ ٱهْتَدَىٰ} [طه: 82] أي: تحقق له أن تلك الحضرة منزهة من وسن الحس والخيال، وأن الربوبية قائمة والعبودية دائمة.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : لما ظهر موسى بالبراهين على فرعون وقومه، مكث في مصر يدعوهم إلى الإسلام، ويسعى في تخليص بني إسرائيل من فرعون وعذابه، وفرعون في عتو ونفور، وأمره شديد على بني إسرائيل ويريه الله من الآيات والعبر، ما قصه الله علينا في القرآن، وبنو إسرائيل لا يقدرون أن يظهروا إيمانهم ويعلنوه، قد اتخذوا بيوتهم مساجد، وصبروا على فرعون وأذاه، فأراد الله تعالى أن ينجيهم من عدوهم، ويمكن لهم في الأرض ليعبدوه جهرا، ويقيموا أمره، فأوحى إلى نبيه موسى أن سر أو سيروا أول الليل، ليتمادوا في الأرض، وأخبره أن فرعون وقومه سيتبعونه، فخرجوا أول الليل، جميع بني إسرائيل هم ونساؤهم وذريتهم، فلما أصبح أهل مصر إذا ليس فيها منهم داع ولا مجيب، فحنق عليهم عدوهم فرعون، وأرسل في المدائن، من يجمع له الناس ويحضهم على الخروج في أثر بني إسرائيل ليوقع بهم وينفذ غيظه، والله غالب على أمره، فتكاملت جنود فرعون فسار بهم يتبع بني إسرائيل، فأتبعوهم مشرقين، {أية : فلما تراءى الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون } تفسير : وقلقوا وخافوا، البحر أمامهم، وفرعون من ورائهم، قد امتلأ عليهم غيظا وحنقا، وموسى مطمئن القلب، ساكن البال، قد وثق بوعد ربه، فقال: {أية : كَلا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ } تفسير : فأوحى الله إليه أن يضرب البحر بعصاه، فضربه، فانفرق اثني عشر طريقا، وصار الماء كالجبال العالية، عن يمين الطرق ويسارها، وأيبس الله طرقهم التي انفرق عنها الماء، وأمرهم الله أن لا يخافوا من إدراك فرعون، ولا يخشوا من الغرق في البحر، فسلكوا في تلك الطرق. فجاء فرعون وجنوده، فسلكوا وراءهم، حتى إذا تكامل قوم موسى خارجين وقوم فرعون داخلين، أمر الله البحر فالتطم عليهم، وغشيهم من اليم ما غشيهم، وغرقوا كلهم، ولم ينجح منهم أحد، وبنو إسرائيل ينظرون إلى عدوهم، قد أقر الله أعينهم بهلاكه. وهذا عاقبة الكفر والضلال، وعدم الاهتداء بهدي الله، ولهذا قال تعالى: { وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ } بما زين لهم من الكفر، وتهجين ما أتى به موسى، واستخفافه إياهم، وما هداهم في وقت من الأوقات، فأوردهم موارد الغي والضلال، ثم أوردهم مورد العذاب والنكال.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):