Verse. 2428 (AR)

٢٠ - طه

20 - Ta-Ha (AR)

يٰبَنِيْۗ اِسْرَاۗءِيْلَ قَدْ اَنْجَيْنٰكُمْ مِّنْ عَدُوِّكُمْ وَوٰعَدْنٰكُمْ جَانِبَ الطُّوْرِ الْاَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوٰى۝۸۰
Ya banee israeela qad anjaynakum min AAaduwwikum wawaAAadnakum janiba alttoori alaymana wanazzalna AAalaykumu almanna waalssalwa

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«يا بني إسرائيل قد أنجيناكم من عدوكم» فرعون بإغراقه «ووعدناكم جانب الطور الأيمن» فنؤتي موسى التوراة للعمل بها «ونزلنا عليكم المن والسلوى» الترنجبين والطير السمانى بتخفيف الميم والقصر، والمنادى من وُجد من اليهود زمن النبي صلى الله عليه وسلم وخُوطبوا لما أنعم الله به على أجدادهم زمن النبي موسى توطئة لقوله تعالى لهم:

80

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما أنعم على قوم موسى عليه السلام بأنواع النعم ذكرهم إياها ولا شك أن إزالة المضرة يجب أن تكون متقدمة على إيصال المنفعة ولا شك أن إيصال المنفعة الدينية أعظم في كونه نعمة من إيصال المنفعة الدنيوية، فلهذا بدأ الله تعالى بقوله: {أَنجَيْنَـٰكُمْ مّنْ عَدُوِّكُمْ } وهو إشارة إلى إزالة الضرر فإن فرعون كان ينزل بهم من أنواع الظلم كثيراً من القتل والإذلال والإخراج والإتعاب في الأعمال، ثم ثنى بذكر المنفعة الدينية وهي قوله: {وَوَاعَدْنَـٰكُمْ جَانِبَ ٱلطُّورِ ٱلأَيْمَنَ } ووجه المنفعة فيه أنه أنزل في ذلك الوقت عليهم كتاباً فيه بيان دينهم وشرح شريعتهم ثم ثلث بذكر المنفعة الدنيوية وهي قوله: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْمَنَّ وَٱلسَّلْوَىٰ * كُلُواْ مِن طَيِّبَـٰتِ مَا رَزَقْنَـٰكُمْ } ثم زجرهم عن العصيان بقوله: {وَلاَ تَطْغَوْاْ فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي } ثم بين أن من عصى ثم تاب كان مقبولاً عند الله بقوله: {وَإِنّي لَغَفَّارٌ لّمَن تَابَ } وهذا بيان المقصود من الآية ثم ههنا مسائل: المسألة الأولى: قرأ حمزة والكسائي قد أنجيتكم ووعدتكم إلى قوله: {مِن طَيّبَاتِ مَا رَزَقْنَـٰكُمْ } كلها بالتاء إلا قوله: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْمَنَّ وَٱلسَّلْوَىٰ } فإنها بالنون وقرأ الباقون كلها بالنون وقرأ نافع وعاصم وواعدناكم وقرأ حمزة والكسائي وواعدتكم. المسألة الثانية: قال الكلبي: لما جاوز موسى عليه السلام ببني إسرائيل البحر قالوا له: أليس وعدتنا أن تأتينا من ربنا بكتاب فيه الفرائض والأحكام. قال بلى، ثم تعجل موسى إلى ربه ليأتيهم بالكتاب ووعدهم أن يأتيهم إلى أربعين ليلة من يوم انطلق، وإنما قال: {وَوَاعَدْنَـٰكُمْ } لأنه إنما واعد موسى أن يؤتيه التوراة لأجلهم وقال مقاتل: إنما قال: واعدناكم لأن الخطاب له وللسبعين المختارة، والله أعلم. المسألة الثالثة: قال المفسرون: ليس للجبل يمين ولا يسار بل المراد أن طور سيناء عن يمين من انطلق من مصر إلى الشام وقرىء الأيمن بالجر على الجوار نحو حجر ضب خرب وانتفاع القوم بذلك إما لأن الله تعالى أنزل التوراة عليهم وفيها شرح دينهم، وإما لأن الله تعالى لما كلم موسى على الطور حصل للقوم بسبب ذلك شرف عظيم. المسألة الرابعة: قوله: {كُلُواْ } ليس أمر إيجاب بل أمر إباحة كقوله: { أية : وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَٱصْطَـٰدُواْ } تفسير : [المائدة: 2]. المسألة الخامسة:في الطيبات قولان: أحدهما: اللذائذ لأن المن والسلوى من لذائذ الأطعمة. والثاني: وهو قول الكلبي ومقاتل الحلال لأنه شيء أنزله الله تعالى إليهم ولم تمسه يد الآدميين ويجوز الجمع بين الوجهين لأن بين المعنيين معنى مشتركاً. وتمام القول في هذه القصة تقدم في سورة البقرة. المسألة السادسة: في قوله تعالى: {وَلاَ تَطْغَوْاْ } فيه وجوه. أحدها: قال ابن عباس رضي الله عنهما: لا تطغوا، أي لا يظلم بعضكم بعضاً فيأخذه من صاحبه. وثانيها: قال مقاتل والضحاك: لا تظلموا فيه أنفسكم بأن تتجاوزوا حد الإباحة. وثالثها: قال الكلبي: لا تكفروا النعمة أي لا تستعينوا بنعمتي على مخالفتي ولا تعرضوا عن الشكر ولا تعدلوا عن الحلال إلى الحرام. المسألة السابعة: قرأ الأعمش والكسائي فيحل ومن يحلل كلاهما بالضم وروى الأعمش عن أصحاب عبد الله فيحل بالكسر ومن يحلل بالرفع وقراءة العامة بالكسر في الكلمتين أما من كسر فمعناه الوجوب من حل الدين يحل إذا وجب أداؤه ومنه قوله تعالى: { أية : حَتَّىٰ يَبْلُغَ ٱلْهَدْىُ مَحِلَّهُ } تفسير : [البقرة: 196] والمضموم في معنى النزول وقوله: {فَقَدْ هَوَىٰ } أي شقي وقيل فقد وقع في الهاوية، يقال: هوى يهوي هوياً إذا سقط من علو إلى أسفل. المسألة الثامنة: اعلم أن الله تعالى وصف نفسه بكونه غافراً وغفوراً وغفاراً، وبأن له غفراناً ومغفرة وعبر عنه بلفظ الماضي والمستقبل والأمر. أما إنه وصف نفسه بكونه غافراً فقوله: { أية : غَافِرِ ٱلذَّنبِ } تفسير : [غافر: 3] وأما كونه غفوراً فقوله: { أية : وَرَبُّكَ ٱلْغَفُورُ ذُو ٱلرَّحْمَةِ } تفسير : [الكهف: 58] وأما كونه غفاراً فقوله: {وَإِنّي لَغَفَّارٌ لّمَن تَابَ } وأما الغفران فقوله: { أية : غُفْرَانَكَ رَبَّنَا } تفسير : [البقرة: 285] وأما المغفرة فقوله: { أية : وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لّلنَّاسِ } تفسير : [الرعد: 6] وأما صيغة الماضي فقوله: في حق داود عليه السلام { أية : فَغَفَرْنَا لَهُ ذٰلِكَ } تفسير : [ص: 25] وأما صيغة المستقبل فقوله: { أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء } تفسير : [النساء: 48] وقوله: { أية : إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعاً } تفسير : [الزمر: 53] وقوله في حق محمد صلى الله عليه وسلم: { أية : لّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ } تفسير : [الفتح: 2] وأما لفظ الاستغفار فقوله: { أية : وَٱسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ } تفسير : [محمد: 19] وفي حق نوح عليه السلام: { أية : فَقُلْتُ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً } تفسير : [نوح: 10] وفي الملائكة: { أية : وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِى ٱلأَرْضِ } تفسير : [الشورى: 5] واعلم أن الأنبياء عليهم السلام كلهم طلبوا المغفرة أما آدم عليه السلام فقال: { أية : وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ } تفسير : [الأعراف: 23]، وأما نوح عليه السلام فقال: { أية : وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِى وَتَرْحَمْنِى } تفسير : [هود: 47]، وأما إبراهيم عليه السلام فقال: { أية : وَٱلَّذِى أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِى خَطِيئَتِى يَوْمَ ٱلدِينِ } تفسير : [الشعراء: 82] وطلبها لأبيه: { أية : سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِي } تفسير : [مريم: 47] وأما يوسف عليه السلام فقال في إخوته: { أية : لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ يَغْفِرُ ٱللَّهُ لَكُمْ } تفسير : [يوسف: 92] وأما موسى عليه السلام ففي قصة القبطي: { أية : رَبّ ٱغْفِرْ لِي وَلأَخِي } تفسير : [الأعراف: 151] وأما داود عليه السلام: { أية : فَٱسْتَغْفَرَ رَبَّهُ } تفسير : [ص: 24] أما سليمان عليه السلام: { أية : رَبّ ٱغْفِرْ لِى وَهَبْ لِى مُلْكاً } تفسير : [ص: 35] وأما عيسى عليه السلام: { أية : وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ } تفسير : [المائدة: 118] وأما محمد صلى الله عليه وسلم فقول: { أية : وَٱسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ } تفسير : [محمد: 19] وأما الأمة فقوله: { أية : وَٱلَّذِينَ جَاؤوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوٰنِنَا } تفسير : [الحشر: 10] واعلم أن بسط الكلام ههنا أن نبين أولاً حقيقة المغفرة ثم نتكلم في كونه تعالى غافراً وغفوراً وغفاراً ثم نتكلم في أن مغفرته عامة ثم نبين أن مغفرته في حق الأنبياء عليهم السلام كيف تعقل مع أنه لا ذنب لهم، ويتفرع على هذه الجملة استدلال أصحابنا في إثبات العفو وتقريره أن الذنب إما أن يكون صغيراً أو كبيراً بعد التوبة أو قبل التوبة والقسمان الأولان يقبح من الله عذابهما ويجب عليه التجاوز عنهما وترك القبيح لا يسمى غفراناً فتعين أن لا يتحقق الغفران إلا في القسم الثالث وهو المطلوب، فإن قيل: هذا يناقض صريح الآية لأنه أثبت الغفران في حق من استجمع أموراً أربعة: التوبة والإيمان والعمل الصالح والاهتداء، قلنا: إن من تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى ثم أذنب بعد ذلك كان تائباً ومؤمناً وآتياً بالعمل الصالح، ومهتدياً ومع ذلك يكون مذنباً فحينئذ يستقيم كلامنا، وههنا نكتة، وهي أن العبد له أسماء ثلاثة: الظالم والظلوم والظلام. فالظالم: { أية : فَمِنْهُمْ ظَـٰلِمٌ لّنَفْسِهِ } تفسير : [فاطر: 32] والظلوم: { أية : إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً } تفسير : [الأحزاب: 72] والظلام إذا كثر ذلك منه، ولله في مقابلة كل واحد من هذه الأسماء اسم فكأنه تعالى يقول: إن كنت ظالماً فأنا غافر وإن كنت ظلوماً فأنا غفور، وإن كنت ظلاماً فأنا غفار:{وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لّمَن تَابَ وَآمَنَ} [طه: 82]. المسألة التاسعة: كثير اختلاف المفسرين في قوله تعالى: {ثُمَّ ٱهْتَدَىٰ } وسبب ذلك أن من تاب وآمن وعمل صالحاً فلا بد وأن يكون مهتدياً، فما معنى قوله ثم اهتدى بعد ذكر هذه الأشياء؟ والوجوه الملخصة فيه ثلاثة. أحدها: المراد منه الاستمرار على تلك الطريقة إذ المهتدي في الحال لا يكفيه ذلك في الفوز بالنجاة حتى يستمر عليه في المستقبل ويموت عليه ويؤكده قوله تعالى: { أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَـٰمُواْ } تفسير : [فصلت: 30] وكلمة ثم للتراخي في هذه الآية وليست لتباين المرتبتين بل لتباين الوقتين فكأنه تعالى قال: الإتيان بالتوبة والإيمان والعمل الصالح مما قد يتفق لكل أحد ولا صعوبة في ذلك إنما الصعوبة في المداومة على ذلك والاستمرار عليه. وثانيها: المراد من قوله: {ثُمَّ ٱهْتَدَىٰ } أي علم أن ذلك بهداية الله وتوفيقه وبقي مستعيناً بالله في إدامة ذلك من غير تقصير، عن ابن عباس. وثالثها: المراد من الإيمان الاعتقاد المبني على الدليل والعمل الصالح إشارة إلى أعمال الجوارح بقي بعد ذلك ما يتعلق بتطهير القلب من الأخلاق الذميمة وهو المسمى بالطريقة في لسان الصوفية، ثم انكشاف حقائق الأشياء له وهو المسمى بالحقيقة في لسان الصوفية فهاتان المرتبتان هما المرادتان بقوله: {ثُمَّ ٱهْتَدَىٰ }. المسألة العاشرة: منهم من قال: تجب التوبة عن الكفر أولاً ثم الإتيان بالإيمان ثانياً واحتج عليه بهذه الآية فإنه تعالى قدم التوبة على الإيمان، واحتج أصحابنا بهذه الآية على أن العمل الصالح غير داخل في الإيمان لأنه تعالى عطف العمل الصالح على الإيمان والمعطوف مغاير للمعطوف عليه.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {يٰبَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنجَيْنَاكُمْ مِّنْ عَدُوِّكُمْ} لما أنجاهم من فرعون قال لهم هذا ليشكروه. {وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ ٱلطُّورِ ٱلأَيْمَنَ} «جانب» نصب على المفعول الثاني «لواعدنا» ولا يحسن أن ينتصب على الظرف؛ لأنه ظرف مكان محض غير مبهم. وإنما تتعدى الأفعال والمصادر إلى ظروف المكان بغير حرف جر إذا كانت مبهمة. قال مكيّ: هذا أصل لا خلاف فيه؛ وتقدير الآية: وواعدناكم إتيان جانب الطُّور؛ ثم حذف المضاف. قال النحاس: أي أمرنا موسى أن يأمركم بالخروج معه ليكلمه بحضرتكم فتسمعوا الكلام. وقيل: وعد موسى بعد إغراق فرعون أن يأتي جانب الطور الأيمن فيؤتيه التوراة، فالوعد كان لموسى ولكن خوطبوا به لأن الوعد كان لأجلهم. وقرأ أبو عمرو «وَوَعَدْنَاكُمْ» بغير ألف واختاره أبو عبيد؛ لأن الوعد إنما هو من الله تعالى لموسى خاصة، والمواعدة لا تكون إلا من اثنين؛ وقد مضى في «البقرة» هذا المعنى. و«الأَيْمَنَ» نصب؛ لأنه نعت للجانب وليس للجبل يمين ولا شمال، فإذا قيل: خذ عن يمين الجبل فمعناه خذ على يمينك من الجبل. وكان الجبل على يمين موسى إذ أتاه. {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْمَنَّ وَٱلسَّلْوَىٰ} أي في التِّيه وقد تقدّم القول فيه. {كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} أي من لذيذ الرزق. وقيل: من حلاله إذ لا صنع فيه لآدمي فتدخله شبهة. {وَلاَ تَطْغَوْاْ فِيهِ} أي لا تحملنكم السعة والعافية أن تعصوا؛ لأن الطغيان التجاوز إلى ما لا يجوز. وقيل: المعنى؛ أي لا تكفروا النعمة ولا تنسوا شكر النعم ولا شكر المنعم بها عليكم. وقيل: أي ولا تستبدلوا بها شيئاً آخر كما قال: {أية : أَتَسْتَبْدِلُونَ ٱلَّذِي هُوَ أَدْنَىٰ بِٱلَّذِي هُوَ خَيْرٌ} تفسير : [البقرة: 61]. وقيل: لا تدّخروا منه لأكثر من يوم وليلة؛ قال ابن عباس: فيتدوّد عليهم ما ادخروه؛ ولولا ذلك ما تدوّد طعام أبداً. {فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي} أي يجب وينزل، وهو منصوب بالفاء في جواب النهي من قوله: {وَلاَ تَطْغَوْاْ}. {فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَىٰ} قرأ الأعمش ويحيـى بن وثاب والكسائي «فَيَحُلَّ» بضم الحاء «وَمَنْ يَحْلُلْ» بضم اللام الأولى. والباقون بالكسر وهما لغتان. وحكى أبو عبيدة وغيره: أنه يقال: حَلّ يحِلّ إذا وجب وحَلّ يَحُلّ إذا نزل. وكذا قال الفراء: الضم من الحلول بمعنى الوقوع والكسر من الوجوب. والمعنيان متقاربان إلا أن الكسر أولى؛ لأنهم قد أجمعوا على قوله: {أية : وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ} تفسير : [هود: 39]. وغضب الله عقابه ونقمته وعذابه. {فَقَدْ هَوَىٰ} قال الزجاج: فقد هلك؛ أي صار إلى الهاوية وهي قعر النار، من هوى يهوي هوياً أي سقط من علو إلى سفل، وهوى فلان أي مات. وذكر ابن المبارك: أخبرنا إسماعيل بن عياش قال: حدثنا ثعلبة بن مسلم عن أيوب بن بشير عن شُفَيّ الأصبحيّ قال: إن في جهنم جبلاً يدعى صَعُوداً يطلع فيه الكافر أربعين خريفاً قبل أن يرقاه؛ قال الله تعالى: {أية : سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً} تفسير : [المدثر: 17] وإن في جهنم قصراً يقال له هَوَى يُرمى الكافر من أعلاه فيهوي أربعين خريفاً قبل أن يبلغ أصله قال الله تعالى: {وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَىٰ} وذكر الحديث؛ وقد ذكرناه في كتاب «التذكرة». قوله تعالى: {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ} أي من الشرك. {وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحَاً ثُمَّ ٱهْتَدَىٰ} أي أقام على إيمانه حتى مات عليه؛ قاله سفيان الثوري وقتادة وغيرهما. وقال ابن عباس: أي لم يشكّ في إيمانه؛ ذكره الماوردي والمهدوي. وقال سهل بن عبد الله التُّستَريّ وابن عباس أيضاً: أقام على السنّة والجماعة؛ ذكره الثعلبي. وقال أنس: أخذ بسنّة النبي صلى الله عليه وسلم؛ ذكر المهدوي، وحكاه الماوردي عن الربيع بن أنس. وقول خامس: أصاب العمل؛ قاله ابن زيد؛ وعنه أيضاً تعلم العلم ليهتدي كيف يفعل؛ ذكر الأوّل المهدوي، والثاني الثعلبيّ. وقال الشعبيّ ومقاتل والكلبيّ: علم أن لذلك ثواباً وعليه عقاباً؛ وقاله الفراء. وقول ثامن: «ثم اهتدى» في ولاية أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم؛ قاله ثابت البُنَانِي. والقول الأول أحسن هذه الأقوال ـ إن شاء الله ـ وإليه يرجع سائرها. قال وكيع عن سفيان: كنا نسمع في قوله عز وجل: {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ} أي من الشِّرك {وَآمَنَ} أي بعد الشِّرك {وَعَمِلَ صَالِحَاً} صلّى وصام {ثُمَّ ٱهْتَدَىٰ} مات على ذلك.

البيضاوي

تفسير : {يَا بَنِى إِسْرٰءِيلَ} خطاب لهم بعد إنجائهم من البحر وإهلاك فرعون على إضمار قلنا، أو للذين منهم في عهد النبي عليه الصلاة والسلام بما فعل بآبائهم. {قَدْ أَنجَيْنَـٰكُمْ مِّنْ عَدُوِّكُمْ} فرعون وقومه. {وَوَاعَدْنَـٰكُمْ جَانِبَ ٱلطُّورِ ٱلأَيْمَنَ} بمناجاة موسى وإنزال التوراة، وإنما عد المواعدة إليهم وهي لموسى أو له وللسبعين المختارين للملابسة. {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْمَنَّ وَٱلسَّلْوَىٰ } يعني في التيه. {كُلُواْ مِن طَيِّبَـٰتِ مَا رَزَقْنَـٰكُمْ } لذائذه أو حلالاته، وقرأ حمزة والكسائي «أنجيتكم» «وواعدتكم» و «ما رزقتكم» على التاء. وقرىء «ووعدتكم» «ووعدناكم»، والأيمن بالجر على الجوار مثل: حجر ضب خرب. {وَلاَ تَطْغَوْاْ فِيهِ } فيما رزقناكم بالإِخلال بشكره والتعدي لما حد الله لكم فيه كالسرف والبطر والمنع عن المستحق. {فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِى} فيلزمكم عذابي ويجب لكم من حل الدين إذا وجب أداؤه. {وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِى فَقَدْ هَوَىٰ } فقد تردى وهلك. وقيل وقع في الهاوية، وقرأ الكسائي «يحل» و {يُحْلِلْ} بالضم من حل يحل إذا نزل. {وَإِنِّى لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ } عن الشرك. {وَآمَنَ } بما يجب الإِيمان به. {وَعَمِلَ صَـٰلِحَاً ثُمَّ ٱهْتَدَىٰ } ثم استقام على الهدى المذكور. {وَمَا أَعْجَلَكَ عَن قَومِكَ يٰمُوسَىٰ} سؤال عن سبب العجلة يتضمن إنكارها من حيث إنها نقيصة في نفسها انضم إليها إغفال القوم وإيهام التعظم عليهم فلذلك أجاب موسى عن الأمرين وقدم جواب الإِنكار لأنه أهم. {قَالَ} موسى. {هُمْ أُوْلآءِ عَلَىٰ أَثَرِى} أي ما تقدمتهم إلا بخطاً يسيرة لا يعتد بها عادة وليس بيني وبينهم إلا مسافة قريبة يتقدم بها الرفقة بعضهم بعضاً. {وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَىٰ} فإن المسارعة إلى امتثال أمرك والوفاء بعهدك توجب مرضاتك. {قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ } ابتليناهم بعبادة العجل بعد خروجك من بينهم وهم الذين خلفهم مع هارون وكانوا ستمائة ألف ما نجا من عبادة العجل منهم إلا اثنا عشر ألفاً. {وَأَضَلَّهُمُ ٱلسَّامِرِىُّ } باتخاذ العجل والدعاء إلى عبادته، وقرىء {وَأَضَلَّهُمْ} أي أشدهم ضلالاً لأنه كان ضالاً مضلاً، وإن صح أنهم أقاموا على الدين بعد ذهابه عشرين ليلة وحسبوها بأيامها أربعين وقالوا قد أكملنا العدة ثم كان أمر العجل، وإن هذا الخطاب كان له عند مقدمه إذ ليس في الآية ما يدل عليه كان ذلك إخباراً من الله له عن المترقب بلفظ الواقع على عادته، فإن أصل وقوع الشيء أن يكون في علمه ومقتضى مشيئته، و {ٱلسَّامِرِيُّ} منسوب إلى قبيلة من بني إسرائيل يقال لها السامرة. وقيل كان علجا من كرمان. وقيل من أهل باجرما واسمه موسى بن ظفر وكان منافقاً. {فَرَجَعَ مُوسَىٰ إِلَىٰ قَوْمِهِ } بعد ما استوفى الأربعين وأخذ التوراة {غَضْبَـٰنَ } عليهم. {أَسِفاً} حزيناً بما فعلوا. {قَالَ يَـا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً} بأن يعطيكم التوراة فيها هدى ونور. {أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ ٱلْعَهْدُ} أي الزمان يعني زمان مفارقته لهم. {أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ عَلَيْكُمْ} يجب عليكم. {غَضَبٌ مِّنْ رَّبِّكُمْ} بعبادة ما هو مثل في الغباوة. {فَأَخْلَفْتُمْ مَّوْعِدِي} وعدكم إياي بالثبات على الإِيمان بالله والقيام على ما أمرتكم به، وقيل هو من أخلفت وعده إذا وجدت الخلف فيه، أي فوجدتم الخلف في وعدي لكم بالعود بعد الأربعين، وهو لا يناسب الترتيب على الترديد ولا على الشق الذي يليه ولا جوابهم له. {قَالُواْ مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا} بأن ملكنا أمرنا إذ لو خلينا وأمرنا ولم يسول لنا السامري لما أخلفناه، وقرأ نافع وعاصم {بِمَلْكَنَا} بالفتح وحمزة والكسائي بالضم وثلاثتها في الأصل لغات في مصدر ملكت الشيء. {وَلَـٰكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَاراً مِّن زِينَةِ ٱلْقَوْمِ} حملنا أحمالاً من حلى القبط التي استعرناها منهم حين هممنا بالخروج من مصر باسم العرس. وقيل استعاروا لعيد كان لهم ثم لم يردوا عند الخروج مخافة أن يعلموا به. وقيل: هي ما ألقاه البحر على الساحل بعد إغراقهم فأخذوه ولعلهم سموها أوزاراً لأنها آثام، فإن الغنائم لم تكن تحل بعد أو لأنهم كانوا مستأمنين وليس للمستأمن أن يأخذ مال الحربي. {فَقَذَفْنَاهَا } أي في النار. {فَكَذَلِكَ أَلْقَى ٱلسَّامِرِيُّ} أي ما كان معه منها. روي أنهم لما حسبوا أن العدة قد كملت قال لهم السامري: إنما أخلف موسى ميعادكم لما معكم من حلى القوم وهو حرام عليكم، فالرأي أن نحفر حفيرة ونسجر فيها ناراً ونقذف كل ما معنا فيها ففعلوا. وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي وأبو بكر وروح {حملنا} بالفتح والتخفيف. {فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَداً} من تلك الحلي المذابة. {لَّهُ خُوَارٌ} صوت العجل. {فَقَالُواْ} يعني السامري ومن افتتن به أول ما رآه. {هَـٰذَا إِلَـٰهُكُمْ وَإِلَـٰهُ مُوسَىٰ فَنَسِيَ} أي فنسيه موسى وذهب يطلبه عند الطور، أو فنسي السامري أن ترك ما كان عليه من إظهار الإِيمان. {أَفَلاَ يَرَوْنَ } أفلا يعلمون. {أَلاَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً } أنه لا يرجع إليهم كلاماً ولا يرد عليهم جواباً. وقرىء {يرجع} بالنصب وفيه ضعف لأن أن الناصبة لا تقع بعد أفعال اليقين. {وَلاَ يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً} ولا يقدر على إنفاعهم وإضرارهم. {وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَـٰرُونُ مِن قَبْلُ } من قبل رجوع موسى عليه الصلاة والسلام، أو قول السامري كأنه أول ما وقع عليه بصره حين طلع من الحفرة توهم ذلك وبادرَ تحذيرهم. {يٰقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُمْ بِهِ} بالعجل. {وَإِنَّ رَبَّكُمُ ٱلرَّحْمَـٰنُ } لا غير. {فَٱتَّبِعُونِى وَأَطِيعُواْ أَمْرِي } في الثبات على الدين. {قَالُواْ لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ } على العجل وعبادته. {عَـٰكِفِينَ } مقيمين. {حَتَّىٰ يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَىٰ } وهذا الجواب يؤيد الوجه الأول. {قَالَ يَـاهَـٰرُونُ} أي قال له موسى حين رجع. {مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّواْ} بعبادة العجل. {أَلاَّ تَتَّبِعَنِ} أن تتبعني في الغضب لله والمقاتلة مع من كفر به، أو أن تأتي عقبي وتلحقني و «لا» مزيدة كما في قوله {أية : مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ} تفسير : [الأعراف: 12]. {أَفَعَصَيْتَ أَمْرِى} بالصلابة في الدين والمحاماة عليه. {قَالَ يَـاٱبْنَ أُمَّ } خص الأم استعطافاً وترقيقاً، وقيل لأنه كان أخاه من الأم والجمهور على أنهما كانا من أب وأم. {لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِى وَلاَ بِرَأْسِى} أي بشعر رأسي قبض عليهما يجره إليه من شدة غيظه وفرط غضبه لله، وكان عليه الصلاة والسلام حديداً خشناً متصلباً في كل شيء فلم يتمالك حين رآهم يعبدون العجل. {إِنّى خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِى إِسْرءِيلَ} لو قاتلت أو فارقت بعضهم ببعض. {وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِى} حين قلت {ٱخْلُفْنِى فِى قَوْمِى وَأَصْلِحْ} فإن الإِصلاح كان في حفظ الدهماء والمداراة لهم أن ترجع إليهم فتتدارك الأمر برأيك. {قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يٰسَـٰمِرِيُّ} أي ثم أقبل عليه وقال له منكراً ما خطبك أي ما طلبك له وما الذي حملك عليه، وهو مصدر خطب الشيء إذا طلبه. {يٰسَـٰمِرِيُّ قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُواْ بِهِ } وقرأ حمزة والكسائي بالتاء على الخطاب أي علمت بما لم تعلموه وفطنت لما لم تفطنوا له، وهو أن الرسول الذي جاءك روحاني محض لا يمس أثره شيئاً إلا أحياه، أو رأيت ما لم تروه وهو أن جبريل عليه الصلاة والسلام جاءك على فرس الحياة. وقيل إنما عرفه لأن أمه ألقته حين ولدته خوفاً من فرعون وكان جبريل يغذوه حتى استقل. {فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ ٱلرَّسُولِ } من تربة موطئه والقبضة المرة من القبض فأطلق على المقبوض كضرب الأمير، وقرىء بالصاد والأول للأخذ بجميع الكف والثاني للأخذ بأطراف الأصابع ونحوهما الخضم والقضم، والرسول جبريل عليه الصلاة والسلام ولعله لم يسمه لأنه لم يعرف أنه جبريل أو أراد أن ينبه على الوقت وهو حين أرسل إليه ليذهب به إلى الطور. {فَنَبَذْتُهَا } في الحلي المذاب أو في جوف العجل حتى حيـي. {وَكَذٰلِكَ سَوَّلَتْ لِى نَفْسِى } زينته وحسنته لي. {قَالَ فَٱذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِى ٱلْحَيَوٰةِ } عقوبة على ما فعلت. {أَن تَقُولَ لاَ مِسَاسَ } خوفاً من أن يمسك أحد فتأخذك الحمى ومن مسك فتتحامى الناس ويتحاموك وتكون طريداً وحيداً كالوحش النافر، وقرىء {لاَ مِسَاسَ } كفجار وهو علم للمسة. {وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً } في الآخرة. {لَّن تُخْلَفَهُ } لن يخلفكه الله وينجزه لك في الآخرة بعد ما عاقبك في الدنيا، وقرأ ابن كثير والبصريان بكسر اللام أي لن تخلف الواعد إياه وسيأتيك لا محالة، فحذف المفعول الأول لأن المقصود هو الموعد ويجوز أن يكون من أخلفت الموعد إذا وجدته خلفاً، وقرىء بالنون على حكاية قول الله. {وَٱنظُرْ إِلَىٰ إِلَـٰهِكَ ٱلَّذِى ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفاً } ظللت على عبادته مقيماً فحذف اللام الأولى تخفيفاً، وقرىء بكسر الظاء على نقل حركة اللام إليها. {لَّنُحَرّقَنَّهُ } أي بالنار ويؤيده قراءة {لَّنُحَرّقَنَّهُ }، أو بالمبرد على أنه مبالغة في حرق إذ برد بالمبرد ويعضده قراءة {لَّنُحَرّقَنَّهُ }. {ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ } ثم لنذرينه رماداً أو مبروداً وقرىء بضم السين. {فِى ٱلْيَمّ نَسْفاً } فلا يصادف منه شيء والمقصود من ذلك زيادة عقوبته وإظهار غباوة المفتتنين به لمن له أدنى نظر.

ابن كثير

تفسير : يذكر تعالى نعمه على بني إسرائيل العظام ومننه الجسام، حيث أنجاهم من عدوهم فرعون، وأقر أعينهم منه، وهم ينظرون إليه وإلى جنده قد غرقوا في صبيحة واحدة، لم ينج منهم أحد، كما قال: {أية : وَأَغْرَقْنَا ءَالَ فِرْعَوْنَ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ} تفسير : [البقرة: 50] وقال البخاري: حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا روح بن عبادة، حدثنا شعبة، حدثنا أبو بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، وجد اليهود تصوم عاشوراء، فسألهم فقالوا: هذا اليوم الذي أظفر الله فيه موسى على فرعون، فقال: «حديث : نحن أولى بموسى، فصوموه» تفسير : رواه مسلم أيضاً في "صحيحه". ثم إنه تعالى واعد موسى وبني إسرائيل بعد هلاك فرعون إلى جانب الطور الأيمن، وهو الذي كلمه الله تعالى عليه، وسأل فيه الرؤية، وأعطاه التوراة هنالك، وفي غضون ذلك عبد بنو إسرائيل العجل كما يقصه الله تعالى قريباً، وأما المن والسلوى، فقد تقدم الكلام على ذلك في سورة البقرة وغيرها، فالمن حلوى كانت تنزل عليهم من السماء، والسلوى طائر يسقط عليهم فيأخذون من كل قدر الحاجة إلى الغد، لطفاً من الله ورحمة بهم وإحساناً إليهم، ولهذا قال تعالى: {كُلُواْ مِن طَيِّبَـٰتِ مَا رَزَقْنَـٰكُمْ وَلاَ تَطْغَوْاْ فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِى} أي: كلوا من هذا الرزق الذي رزقتكم، ولا تطغوا في رزقي فتأخذوه من غير حاجة، وتخالفوا ما أمرتكم به {فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِى} أي: أغضب عليكم {وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِى فَقَدْ هَوَىٰ} قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما: أي: فقد شقي. وقال شفي بن مانع: إن في جهنم قصراً يرمى الكافر من أعلاه، فيهوي في جهنم أربعين خريفاً قبل أن يبلغ الصلصال، وذلك قوله: {وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِى فَقَدْ هَوَىٰ} رواه ابن أبي حاتم. وقوله: {وَإِنِّى لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَـٰلِحَاً} أي كل من تاب إلي، تبت عليه من أي ذنب كان، حتى إنه تاب تعالى على من عبد العجل من بني إسرائيل. وقوله تعالى: {تَابَ} أي: رجع عما كان فيه من كفر أو شرك أو معصية أو نفاق. وقوله: {وَآمَنَ} أي: بقلبه. {وَعَمِلَ صَـٰلِحاً} أي: بجوارحه. وقوله: {ثُمَّ ٱهْتَدَىٰ} قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: أي: ثم لم يشكك. وقال سعيد بن جبير: {ثُمَّ ٱهْتَدَىٰ} أي: استقام على السنة والجماعة، وروي نحوه عن مجاهد والضحاك وغير واحد من السلف. وقال قتادة: {ثُمَّ ٱهْتَدَىٰ} أي: لزم الإسلام حتى يموت. وقال سفيان الثوري: {ثُمَّ ٱهْتَدَىٰ} أي: علم أن لهذا ثواباً، (وثم) ههنا لترتيب الخبر على الخبر، كقوله: {أية : ثُمَّ كَانَ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَتَوَاصَوْاْ بِٱلصَّبْرِ وَتَوَاصَوْاْ بِٱلْمَرْحَمَةِ} تفسير : [البلد: 17].

المحلي و السيوطي

تفسير : {يٰبَنِى إِسْرٰءِيلَ قَدْ أَنجَيْنَٰكُمْ مِّنْ عَدُوِّكُمْ } فرعون بإغراقه {وَوٰعَدْنَٰكُمْ جَانِبَ ٱلطُّورِ ٱلأَيْمَنَ } فنؤتي موسى التوراة للعمل بها {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْمَنَّ وَٱلسَّلْوَىٰ } هما (التُرْنَجَبين) و(الطير السُّماني) بتخفيف الميم والقصر، والمنادى من وُجِدَ من اليهود زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وخوطبوا بما أنعم الله به على أجدادهم زمن النبي موسى توطئة لقوله تعالى لهم:

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {وَلاَ تَطْغَوْاْ فِيهِ} وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: لا تكفروا به. الثاني: لا تدّخرواْ منه لأكثر من يوم وليلة، قال ابن عباس: فدُوّد عليهم ما ادخروه، ولولا ذلك ما دَوّد طعام أبداً. الثالث: لا تستعينوا برزقي على معصيتي. {فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي} قرىء بضم الحاء وبكسرها ومعناه بالضم ينزل، وبالكسر يجب. {فَقَدْ هَوَى} فيه وجهان: أحدهما: فقد هوى في النار. الثاني: فقد هلك في الدنيا. قوله عز وجل: {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً} أي غفار لمن تاب من الشرك {وآمن} يعني بالله ورسوله و {عمل صالحاً} يريد العمل بأوامره والوقوف عند نواهيه. {ثُمَّ اهْتَدَى} فيه ستة تأويلات: أحدها: ثم لم يشك في إيمانه، قاله ابن عباس. الثاني: لزم الإِيمان حتى يموت، قاله قتادة. الثالث: ثم أخذ بسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، قاله الربيع بن أنس. الرابع: ثم أصاب العمل، قاله ابن زيد. الخامس: ثم عرف جزاء عمله من خير بثواب، أو شر بعقاب، قاله الكلبي. السادس: ثم اهتدى في ولاية أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، قاله ثابت.

ابن عطية

تفسير : ظاهر هذه الآية أن هذا القول قيل لبني إسرائيل حينئذ عند حلول هذه النعم التي عدد الله تعالى عليهم، وبين خروجهم من البحر وبين هذه المقالة مدة وحوادث ولكن يخص الله تعالى بالذكر ما يشاء من ذلك. ويحتمل أن تكون هذه المقالة خوطب بها معاصرو رسول الله صلى الله عليه وسلم، المعنى هذا فعلنا بأسلافكم ويكون قوله تعالى: {كلوا} بتقدير قيل لهم كلوا، وتكون الآية على هذا اعتراضاً في أثناء قصة موسى المقصد به توبيخ هؤلاء الحضور إذ لم يصبر سلفهم على أداء شكر نعم الله تعالى، والمعنى الأول أظهر وأبين. وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر "نجينا وواعدنا ونزلنا ورزقناكم" إلا أن أبا عمرو قرأ "وعدناكم" بغير ألف في كل القرآن، وقرأ حمزة والكسائي "أنجيت وواعدت ونزلنا ورزقتكم". وقوله {وواعدناكم} قيل هي لغة في وعد لا تقتضي فعل اثنين ع وإن حملت على المعهود فلأن التلقي والعزم على ذلك كالمواعدة، وقصص هذه الآية أن الله تعالى لما أنجى بني إسرائيل وغرق فرعون وعد بني إسرائيل وموسى أن يصيروا إلى جانب طور سيناء ليكلم فيه موسى ويناجيه بما فيه صلاحهم بأوامرهم ونواهيم، فلما أخذوا في السير تعجل موسى عليه السلام للقاء ربه حسبما يأتي ذكره، وقالت فرقة هذا {الطور} هو الذي كلم فيه موسى اولاً حيث رأى النار وكان في طريقه من الشام إلى مصر، وقالت فرقة ليس به و {الطور} الجبل الذي لا شعرا فيه وقوله {الأيمن} إما أن يريد اليمن وإما ان يريد اليمين بالإضافة إلى ذي يمين إنسان أو غيره. و {المن والسلوى} طعامهم، وقد مضى في البقرة استيعاب تفسيرهما، وقوله تعالى: {من طيبات} يريد الحلال الملذ لأن المعنى في هذا الموضع قد جمعهما واختلف الناس ما القصد الأول بلفظة الطيب في القرآن، فقال مالك رحمه الله الحلال، وقال الشافعي ما يطيب للنفوس، وساق إلى هذا الخلاف تفقههم في الخشاش والمستقذر من الحيوان. و {تطغوا} معناه تتعدون الحد وتتعسفون كالذي فعلوا ع. وقرأ جمهور الناس "فيحِل" بكسر الحاء "ومن يحلِل" بكسر اللام، وقرأ الكسائي وحده "فيحُل" بضم الحاء "ومن يحلُل" بضم اللام فمعنى الأول فيجب ومعنى الثاني فيقع وينزل، و {هوى} معناه سقط من علو إلى أسفل ومنه قول خنافر: شعر : فهوى هوي العقاب تفسير : قال القاضي أبو محمد: وإن لم يكن سقوطاً فهو شبيه بالساقط والسقوط حقيقة قول الآخر: [الوافر] شعر : هويّ الدلْو أسلمه الرشاء تفسير : ويشبه الذي وقع في طامة أو ورطة بعد أن كان بنجوة منها بالساقط فالآية من هذا أي "هوي" في جهنم وفي سخط الله، وقيل أخذ الفعل من لفظ الهاوية وهو قعر جهنم، ولما حذر لله تعالى غضبه والطغيان في نعمه فتح باب الرجاء للتائبين، والتوبة فرض على جميع الناس بقوله تعالى في سورة النور: {أية : وتوبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون} تفسير : [النور: 31]. والناس فيه على مراتب إما مواقع الذنب وقدرته على ذلك باقية فتوبته الندم على ما مضى والإقلاع التام عن مثله في المستقبل، وإما الذي واقع الذنب ثم زالت قدرته عن مواقعته لشيخ أو آفة فتوبته الندم واعتقاد الترك أن لو كانت قدوة، وأما لم يواقع ذنباً فتوبته العزم على ترك كل ذنب والتوبة من ذنب تصح مع الإقامة على غيره وهي توبة مقيدة، وإذا تاب المرء ثم عاود الذنب بعد مدة فيحتمل عند حذاق أهل السنة أن لا يعيد الله تعالى عليه الذنب الأول لأن التوبة قد كانت مجبة، ويحتمل أن يعيده لأنها توبة لم يواف بها، واضطرب الناس في قوله {ثم اهتدى} من حيث وجدوا الهدى ضمن الإيمان والعمل، فقالت فرقة معناه لم يشك في إيمانه، وقالت فرقة معناه ثم استقام، وقالت فرقة معناه ثم لزم الإسلام حتى يموت عليه، وقالت فرقة ثم اخذ بسنة نبيه، وقالت فرقة معناه أمر بسنته، وقالت فرقة معناه والى أهل البيت ع وهذه كلها تخصيص واحد منها دون ما هو من نوعه بعيد ليس بالقوي، والذي يقوى في معنى {ثم اهتدى} أن يكون ثم حفظ معتقداته من أن يخالف الحق في شيء من الأشياء فإن الاهتداء على هذا الوجه غير الإيمان وغير العمل، ورب مؤمن عمل صالحاً قد أوبقه عدم الاهتداء كالقدرية والمرجئة وسائر أهل البدع والخوارج فمعنى {ثم اهتدى} ثم مشى في عقائد الشرع على طريق قويم جعلنا الله منهم بمنه ع وفي حفظ المعتقدات ينحصر عظم أمر الشرع.

الثعالبي

تفسير : وقوله عزوجل: {يٰبَنِي إِسْرٰءِيلَ قَدْ أَنجَيْنَـٰكُمْ...} الآية، ظاهر هذه الآية: أنّ هذا القول قِيل لبني إسرائيل حينئذٍ عند حُلولِ النِّعم التي عددها اللّهُ عليهم، ويحتمل أن تكون هذه المقالة خُوطِب بها مُعَاصِرُو النبي صلى الله عليه وسلم، والمعنى: هذا فِعْلُنا بأسلافكم؛ وتكون الآيةُ على هذا اعتراضاً في أثناء قصة موسى، والقصدُ به توبيخُ هؤلاء الحضور إذ لم يصبر سلفُهم على أداء شكر نعم اللّه تعالى، والمعنى الأول أظهر وأبْين. وقوله سبحانه: {وَوَاعَدْنَـٰكُمْ جَانِبَ ٱلطُّورِ ٱلأَيْمَنَ...} الآية، وقصص هذه الآية: أن اللّه تعالى لما أنجى بني إسرائيل، وغرّق فرعون، وعد بني إسرائيل أن يسيروا إلى جانب طور سينا؛ ليكلم فيه موسى، ويناجيه بما فيه صلاحهم، فلما أخذوا في السير، تعجل موسى عليه السلام؛ ٱبتغاءَ مَرضَاةِ ربِّه، حَسْبما يأتِي بعدُ. وقرأ جمهورُ الناس: «فيَحِلّ» بكسر الحاء، «ويَحْلِلْ» بكسر اللام. وقرأ الكِسَائِيُّ وَحْدَه بضمهما، ومعنى الأول: فيجب، ويحقُّ، ومعنى الثاني: فيقع وينزل، و {هَوَىٰ} معناه: سقط أيْ: هَوَىٰ في جَهَنَّم، وفي سخط اللّه - عافانا اللّه من ذلك -، ثم رجَّىٰ سبحانه عباده بقوله: {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ...} الآية, والتوبة من ذنب تصح مع الإقامة على غيره وهي توبة مفيدة وإذا تاب العبد، ثم عَاوَدَ الذنب بعينه بعد مُدّة؛ فيحتمل عند حُذَّاق أهل السنة: أَلاَّ يعيدَ اللّهُ تعالى عليه الذنبَ الأول؛ لأن التوبةَ قد كانت محْتهُ، ويُحتمل: أن يعيده؛ لأنها توبةٌ لم يوف بها، وٱضْطرب الناس في قوله سبحانه: {ثُمَّ ٱهْتَدَىٰ} من حيث وَجَدُوا الهُدَىٰ ضمن الإيمان والعمل؛ فقالت فرقة: ثم لزم الإسلام حتى يموت عليه. وقيلَ: غير هذا، والذي يقوى في معنى: {ثُمَّ ٱهْتَدَىٰ} أن يكون: ثم حفظ معتقداتِه من أن تخالف الحق في شَيْء من الأَشياء؛ فإن الاهتداءَ على هذا الوجه غيرُ الإيمان، وغيرُ العَمَلِ؛ وَرُبَّ مُؤْمِنٍ عمل صالحاً قد أوبقه عدم الاهْتداء؛ كالقدرية والمُرْجِئة، وسائر أهل البدع، فمعنى: {ثُمَّ ٱهْتَدَىٰ}: ثم مشى في عقائد الشَّرْعِ على طريقٍ قَوِيم - جعلنا اللّه منهم بمنه - وفي حِفْظ المعتقَدَاتِ ينحصر معظم أمر الشرع.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {يٰبَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنجَيْنَاكُمْ مِّنْ عَدُوِّكُمْ} الآية. قرأ الأخوان "قَدْ أَنْجَيْتُكُمْ" و "وَاعَدتُكُمْ" و "رَزَقْتُكُمْ" بتاء المتكلم. والباقون: "أنْجَيْنَاكُمْ" و "وَاعَدْنَاكُمْ" و "رَزَقْنَاكُمْ" بنون العظمة واتفقوا على "ونَزَّلْنَا" وتقدم خلاف أبي عمرو في "وَعَدْنَا" في البقرة. وقرأ حميد "نَجَّيْنَاكُم" بالتشديد. وقرىء "الأَيْمَنِ" بالجر. قال الزمخشري: خفض على الجوار كقولهم: جُحْرُ ضَبٍّ خَرِبٍ. وجعله أبو حيان: شاذاً ضعيفاً، وخرَّجه على أنَّه نعت "الطُّورِ". قال: وصف به لما فيه من اليُمْنِ، أو لكونه على يَمينِ من يستقبل الجبل و "جَانِبَ" مفعول ثان على حذف مضاف، أي إتيان جانب. ولا يجوز أن يكون المفعول الثاني محذوفاًً، "وجَانِبَ" ظرف للوعد، والتقدير: وواعدناكم التوراة في هذا المكان، لأنه ظرف مكان مختص لا يصل إليه الفعل بنفسه، وكما لو قيل: إنه تُوُسِّع في هذا الظرف فجعل مفعولاً به: أي جعل نفس الموعود نحو: سير عليه فرسخَان وبريدان. قوله: "فَيَحِلَّ" قرأ العامة فَيَحِل بكسر الحاء واللام من "يَحْلِلْ". والكسائي بضمهما. وابن عيينة وافق العامة في الحاء، والكسائي في اللام. فالعامة من حَلَّ عليه كذا، أي: وَجَبَ، من حَلَّ الدَّيْنُ يَحِلُّ، أي: وجب قضاؤه، ومنه قوله: {حَتَّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّه} [البقرة:196]، ومنه أيضاً: {وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ} [هود:39]. [الزمر:40]. وقراءة الكسائي من حَلَّ يَحُلُّ، أي نزل، ومنه {أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِّن دَارِهِمْ} [الرعد:31] والمشهور أن فاعل "يَحِلُّ" في القراءتين هو "غَضَبِي" وقال صاحب اللوامح: إنه مفعول به وأن الفاعل ترك لشهرته والتقدير: فيحل عليكم طُغْيَانِكُمْ غَضَبِي، ودل على ذلك "وَلاَ تَطْغَوْا" ولا يجوز أن يسند إلى "غَضَبِي" فيصير في موضع رفع بفعله. ثم قال: وقد يحذف المفعول للدليل عليه وهو العذاب ونحوه قال شهاب الدين: فعندَه أنَّ حَلَّ متعد بنفسه، لأنه من الإحلال كما صرح هو به، وإذا كان من الإحلال تعدَّى لواحدٍ، وذلك المتعدي إليه إما "غَضَبِي" (على أن الفاعل) ضمير عائد على الطغيان كما قدَّره، وإما محذوفٌ والفاعل "غَضَبِي"، وفي عبارته قلق. وقرأ طلحة "لاَ يَحِلَّنَّ عَلَيْكُمْ" بلا الناهية للطغيان فيحق عليكم غضبي، وهو من باب لا أَرَينَّكَ هاهنا. وقرأ زيد بن علي "وَلاَ تَطْغُوْا" بضم الغين من طغى يطغو كغَزَا يَغْزو. وقوله: "فَيَحِلَّ" يجوز أن يكون مجزوماً عطفاً على "لاَ تَطْغَوْا" كذا قال أبو البقاء. وفيه نظر، إذ المعنى ليس على نهي الغضب أن يَحِلَّ بهم. والثاني: أنه منصوب بإضمار (أَنْ) في جواب النهي، وهو واضح. فصل اعلم أن الله تعالى لمَّا أنعم على قوم موسى - عليه السلام - بأنواع النعم ذكرهم، ولا شك أنَّ إزالة الضرر يجب تقديمه على إيصال المنفعة، وإيصال المنفعة الدينية أعظم من إيصال المنفعة الدنيوية، فلهذا بدأ تعالى بإزالة الضرر بقوله: {أَنجَيْنَاكُمْ مِّنْ عَدُوِّكُمْ}، فإن فرعون كان يُنزِل بهم أنواع الظلم، والإذلال، والأعمال الشاقة. ثم ذكر المنفعة الدينية وهي قوله: {وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ ٱلطُّورِ ٱلأَيْمَنَ} وذلك أنه أنزل عليهم في ذلك الوقت كتاباً فيه بيان دينهم وشريعتهم، أو لأنهم حصل لهم شرف بسبب ذلك. قال المفسرون: وليس للجبل يمينٌ ولا يسار بل المراد أنَّ طور سيناء عن يمين السالك من مصر إلى الشام. ثم ثلَّث بذكر المنفعة الدنيوية فقال: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ المَنَّ وَالسَّلْوَى} {كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} أمر إباحة. ثم زجرهم عن العصيان فقال: {وَلاَ تَطْغَوْا فِيهِ} قال ابن عباس: لا يظلم بعضُكُم بعضاً فيأخذه مِنْ صَاحِبه. وقال مقاتل والضحاك: لا تظلموا فيه أنفسَكُم بأن تُجَاوِزُوا حدّ الإباحَة وقال الكلبي: لا تكفروا النعمة أي لا تستعينوا بنعمتي على مخالفتي ولا تُعْرِضوا عن الشكر، ولا تعدِلوا عن الحلال إلى الحرام والمراد بالطَّيِّبات هاهنا اللذائذ، لأن المن والسَّلوى من لذائذ الأطعمة. وقال الكَلْبي ومقاتل: الطَّيِّبات الحلالُ، وذلك لأن الله تعالى أنزله إليهم، ولم يمسه يدي الآدميين. روي أنهم كانوا يُصبِحون فيجدونه بين بيوتهم فيأخذون منه قدر حاجتهم في ذلك اليوم إلى الغد، ومن ادخر لأكثر من ذلك فسد، ومن أخذ منه قليلاً كفاه، أو كثيراً لم يفضل عنه، فيصنعون منه مثل الخبز وهو في غاية البياض والحلاوة، فإن كان آخر النهار غشيهم طيْرُ السَّلوى فيقنصون منها بلا كلفة ما يكفيهم لعشائهم، وإذا كان الصيف ظلَّل عليهم الغمام يقيهم حر الشمس. ثم قال: {فَيَحِلَّ عَلَيْكُم غَضَبِي} أي يجب عليكم غضبي {وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَىٰ} أي هَلك وقيل: شَقِي. وقيل: وقع في الهاوية: هوى يهوي هوياً إذا سقط من علو إلى سُفْلٍ. ثم قال: {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَءَامَنَ}. واعلم أنه تعالى وصف نفسه بكونه غافراً وغفوراً وغفَّاراً، وبأن له غفراناً ومغفرةَ، وعبر عنه بلفظ الماضي والمستقبل والأمر. أما كون وصفه غافراً فقوله: {أية : غَافِرَ الذَّنبِ} تفسير : [غافر:3] وأما كونه غَفُوراً فقوله: {أية : وَرَبُّكَ ٱلْغَفُورُ} تفسير : [الكهف: 58] (وأما كونه غفَّاراً فقوله: {أية : وَإِنِّي لَغَفَّارٌ) لِّمَن تَابَ وَءَامَنَ} تفسير : [طه: 82] وأما الغفران فقوله: {أية : غُفْرَانَكَ رَبَّنَا} تفسير : [البقرة: 285]. وأما المغفرة فقوله: {أية : وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ} تفسير : [الرعد: 6]. وأما صيغة الماضي فقوله في حق داود: {أية : فَغَفَرْنَا لَهُ} تفسير : [ص: 25]. وأما صيغة المستقبل فقوله: {أية : وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ} تفسير : النساء: [48، 116] وقوله: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعاً} تفسير : [الزمر: 13] وقوله: {أية : لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ} تفسير : [الفتح: 2] وأما لفظ الاستغفار فقوله: {أية : ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ} تفسير : [هود: 3، 52، 90] و [نوح: 10] {أية : وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ} تفسير : [غافر:7] وهاهنا نكتة وهي أنَّ العبد له أسماء ثلاثة: الظالم، والظَّلوم، والظَّلاَّم إذا كثر منه الظلم، ولله في مقابلة كل واحد من هذه الأسماء اسماً فكأنه تعالى قال: إن كنتَ ظالماً فأنا غافرٌ، وإن كنت ظلوماً فأنا غفُورٌ، وإن كنت ظلاَّماً فأنَا غَفَّارٌ. قال ابن عباس: "مَنْ تَابَ" عن الشرك "وَآمَنَ" وَحَّدَ الله وصدّقه "وَعَمِلَ صَالِحاً" أدَّى الفرائض "ثُمَّ اهْتَدَى" علم أنَّ ذلك توفيق من الله عز وجل. وقال قتادة وسفيان الثوري: لزم الإسلام حتى مات عليه. وقال الشعبي ومقاتل والكلبي: علم أنَّ لذلك ثواباً. وقال زيد بن أسلم: تعلَّم العلم لتهتدي كيف يعمل. وقال سعيد بن جبير: أقام على السنة والجماعة. فصل قال بعضهم: تجبُ التوبةُ عن الكفر أولاً ثم الإتيان ثانياً، لهذه الآية، فإنه قدم التوبة على الإيمان. ودلَّت هذه الآية أيضاً على أن العمل الصالح غيرُ داخلٍ في الإيمان، لأنه تعالى عطف العمل الصالح على الإيمان، والمعطوف يغاير المعطوف عليه.

القشيري

تفسير : يُذَكِّرُهم آلاءَه، ويعدُّ عليهم نعماءَه، ويأمرهم بالتزام الطاعة والقيام بالشكر لِمَا أسبغ عليهم من فنون النِّعم، ثم يذكرهم ما مَنَّ به على أسلافهم من إنزال المنَّ والسلوى، وضروب المِحَنِ وفنون البلوى.

اسماعيل حقي

تفسير : {يا بنى اسرائيل} اى قلنا لهم بعد اغراق فرعون وقومه وانجائهم منهم {قد انجيناكم من عدوكم} فرعون وقومه حيث كانوا يذبحون ابناءكم ويستحيون نساءكم ويستخدمونكم فى الاعمال الشاقة والعدو يجيئ فى معنى الوحدة والجماعة {وواعدناكم جانب الطور الايمن} بالنصب على انه صفة للمضاف اى واعدناكم بوساطة نبيكم اتيان جانبه الايمن نظرا الى السالك من مصر الى الشام والا فليس للجبل يمين ولا يسار اى اتيان موسى للمناجاة وانزال التوراة عليه ونسبة المواعدة اليهم مع كونها لموسى نظرا الى ملابستها اياهم وسراية منفعتها اليهم {ونزلنا عليكم المن} هو شئ كالطل فيه حلاوة يسقط على الشجر يقال له الترنجيين معرب "كرنكبين" {والسلوى} طائر يقال له السمانى كان ينزل عليهم المن وهم فى التيه مثل الثلج من الفجر الى الطلوع لكل انسان صاع ويبعث عليهم الجنوب السمانى فيذبح الرجل ما يكفيه والتيه المفازة التى يتاه فيها وذلك حين امروا بان يدخلوا مدينة الجبارين فابوا ذلك فعاقبهم الله بان يتيهوا فى الارض اربعين سنة كما مر فى سورة المائدة ومثل ذلك كمثل الوالد المشفق يضرب ولده العاصى ليتأدب وهو لا يقطع عنه احسانه فقد ابتلوا بالتيه ورزقوا بما لا تعب فيه. شعر : اى كريمى كه از خزانه غيب كبر وترسا وظيفه خوردارى دوستانرا كجا كنى محروم توكه بادشمنان نظر دارى

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: لبني إسرائيل، بعد ما أنجاهم من الغرق، وأفاض عليهم من فنون النعم الدينية والدنيوية: {يا بني إِسرائيل قد أنجيناكم من عدوكم}؛ فرعون وقومه، حيث كانوا {أية : يَسُومُونَكُمْ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ}تفسير : [البَقَرَة: 49]، {ووعدناكم جانبَ الطُّورِ الأيمنِ} أي: واعدناكم بواسطة نبيكم، إتيان جانب الطور، الجانب الأيمن منه للمناجاة وإنزال التوراة. وهل هو الطور الذي أبصر فيه النار ووقعت فيه الرسالة، أو غيره؟ خلاف. ونسبة المواعدة إليهم مع كونه لموسى عليه السلام خاصة، أو له وللسبعين المختارين، نظرٌ إلى ملابستها إياهم، وسراية منفعتها إليهم، وإعطاء لمقام الامتنان حقه. كما في قوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ} تفسير : [الأعرَاف: 11]؛ حيث نسب الخلق والتصوير للمخاطبين، مع أن المخلوق كذلك هو آدم عليه السلام. ثم قال تعالى: {ونزَّلنا عليكم} حين تُهتم، {المنَّ والسَّلْوى} أي: الترنجبين والطير السُّماني، حيث كان ينزل عليهم المنَّ وهم في التيه، مثل الثلج، من الفجر إلى الطلوع، لكل إنسان صالح، ويبعث الجنوب عليهم السُّماني، فيذبح الرجل منه ما يكفيه. وقلنا لهم: {كُلوا من طيباتِ ما رزقناكم} أي: من لذائده، أو حلاله. وفي البدء بنعمة الإنجاء ثم بالنعمة الدينية ثم بالنعمة الدنيوية من حسن الترتيب ما لا يخفى. {ولا تطغَوا فيه} أي: فيما رزقناكم بالإخلال بشكره، والتَعدي لما حَدَّ لكم فيه، كالترفه والبطر والمنع من المستحق. وقال القشيري: مجاوزة الحلال إلى الحرام، أو بالزيادة على الكفاف وما لا بُدَّ منه، فأزاد على سدِّ الرمق، أو بالأكل على الغفلة والنسيان. هـ. وقيل: لا تدخروا، فادَّخروا فتعودوا، وقيل: لا تنفقوه في المعصية، {فيَحِلَّ عليكم غضبي} بفعل شيء من ذلك، أي: ينزل ويجب، من حَلَّ الدين؛ إذا وجب. {ومَن يَحْلِلْ عليه غضبي فقد هَوَى} أي: تردَّى وهلك، أو وقع في المهاوي. {وإِني لغفارٌ} أي: كثير الغفران {لمن تابَ} عن الشرك والمعاصي، التي من جملتها الطغيان فيما ذكر، {وآمن} بما يجب الإيمان به، {وعَمِلَ صالحًا} أي: عملاً صالحًا مستقيمًا عند الشرع، وفيه ترغيب وحث لمن وقع في زلَّة أو طغيان على التوبة والإيمان، {ثم اهتدى} أي: استقام على الهدى ودام عليها حتى مات. وفيه إشارة إلى أن من لم يستمر عليها بمعزل عن الغفران. قال الكواشي: {ثم اهتدى} أي: علم أن ذلك بتوفيق من الله تعالى. هـ. الإشارة: إذا ذهبت عن العبد أيام المحن، وجاءت له أيام المنن، فينبغي له أن يتذكر ما سلف له من المحن، وينظر ما هو فيه الآن من المنن، ليزداد شكرًا وتواضعًا، فتزداد نعمه، وتتواتر عليه الخيرات. وأما إن نسي أيام المحن، ولم يشكر ما هو فيه من المنن، فحقيق أن تزول عنه، ويرجع إلى ما كان عليه. وتَذَكَّرْ حديث الأبرص والأقرع والأعمى، حسبما في الصحيح. فإن الأبرص والأقرع، حين شفاهما الله وأغناهما، أنكرا ما كانا عليه، فرجعا إلى ما كانا عليه، والأعمى حين أقر بما كان عليه، وشكر الحال الذي حال إليه، دامت نعمته وكثر خيره. فالشكر قيد الموجود وصيد المفقود. فيقال لأهل النعم، إن قاموا بشكرها: كُلوا من طيبات ما رزقناكم، ولا تطغوا فيه، بأن تصرفوه في غير محله، أو تمنعوه عن مستحقه، {فيحلَّ عليكم غضبي...} الآية. وقوله تعالى: {وإِني لغفار لمن تاب...} الخ، قال القشيري: {وإني لغفار لمن تاب} من الزَّلَّة {وآمن} فلم يَرَ أعماله من نَفْسه، بل جميع الحوادث من الحقِّ، {وعمل صالحًا} فلم يُخِلّ بالفرائض، {ثم اهتدى} للسُّنَّةِ والجماعة، وقال أيضًا: ثم اهتدى بنا إلينا. هـ. قال الورتجبي: التائب: المنقطعُ إلى الله، والمؤمن: العارف بالله، والعمل الصالح: تركه ما دون الله، فإذا كان كذلك، فاهتدى بالله إلى الله، ويكون مغمورًا برحمة الله، ومعصومًا بعصمة الله. هـ. ثمَّ ذكر فتنة بني إسرائيل بالعجل

الجنابذي

تفسير : {يٰبَنِي إِسْرَائِيلَ} مربوطٌ بسابقه جواب لسؤالٍ مقدّرٍ بتقدير القول وحكاية لما قاله تعالى لهم بعد انجائهم كأنّه قيل: فما فعل بهم بعد غرق فرعون وقومه؟ وما قال الله تعالى لهم؟- فقال: قال لهم: يا بنى اسرائيل، او منقطع عن سابقه واستيناف وخطاب منه تعالى للحاضرين منهم فى زمان الرّسول (ص) {قَدْ أَنجَيْنَاكُمْ مِّنْ عَدُوِّكُمْ} باغراق فرعون {وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ ٱلطُّورِ ٱلأَيْمَنَ} لمناجاة موسى (ع) وانزال التّوراة فانّه تعالى اخبر موسى (ع) ووعده التّوراة فى بيان شرائعهم واحكامهم ووعد موسى (ع) قومه فعدّ تعالى وعد موسى (ع) وعدهم، او المقصود واعدنا جانب الطّور الّذى هو الصّدر المنشرح بالاسلام جانبه الايمن الّذى يلى القلب بشرط وفائكم بشروط عهدكم وميثاق بيعتكم {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْمَنَّ وَٱلسَّلْوَىٰ} فى التّيه وقد مضى هذه بالتّفصيل فى اوّل البقرة، وقرئ الافعال الثّلاثة بالمتكلّم وحده قائلين.

اطفيش

تفسير : {يَا بَنِى إسْرَائِيلَ} خطاب لهم بعد أنجائهم من البحر، وإغراق فرعون ومَن معه على إضمار قلنا أو خطاب للذين منهم، فى عهد النبى صلى الله عليه وسلم بما فعل بآبائهم، فلا يقدَّر القول. والأول أولى، وإضمار القول كثير. {قَدْ أنْجَيْنَاكُمْ} وقرأ حمزة والكسائى قد أنجيتكم {مِنْ عَدُوِّكُمْ} فرعون وقومه. {وَوَاعَدْنَاكُمْ} وقرئ وواعدتكم {جَانِبَ} وقرأ بعض ووعدناكم، وبعض ووعدتكم {الطُّور} الجبل {الأَيْمَنَ} نعت جانب، لنؤتى موسى التوراة فيه، للعمل بها، وللمناجاة. وإنما عدَّ المواعدة على بنى إسرائيل أبو عمرو وأبو جعفر ويعقوب، مع أنها لموسى أو له وللسبعين المختارين لكون موسى والسبعين منهم وفهم ولعود ذلك إليهم وذلك الطور هو طور سيناء. وقرئ بجر الأيمن، مع أنه نعت للجانب، لجواره المخفوض، وهو الطور ومعنى كونه مجرورا أنه على صورة المجرور، وإلا فكسرته ليست إعرابا، كما أنها لم تكن ياء، ولكنها للمناسبة ونصبه مقدر. ويجوز على هذه القراءة أن يكون نعتا للطور لما فيه من اليُمن، أو لأنه على يمين مَن يمشى فى الجادَّة. {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ} الترنجبين ينزل عليهم مثل العسل فى محلتهم فى التيه من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس {وَالسَّلْوَى} الطير المسمَّى السُّمانى بالقصر.

اطفيش

تفسير : {يا بنى إسرائيل} خطاب لهم بعد مضى مدة من إغراق فرعون، أسبغ عليهم فيها نعمه الدينية والدنيوية، والجملة محكية بقول محذوف مستأنف، أى قلنا: يا بنى إسرائيل، أو بقول محذوف معطوف على أوحينا، أى وقلنا يا بنى إسرائيل، ولا يجوز أن يكون خطاباً للذين في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم وامتناناً عليهم، بما منَّ على آبائهم، وعليهم أيضاً تبعاً، لأنه يمنع من ذلك قوله عز وجل: "أية : وما أعجلك" تفسير : [طه: 83] إلا أن قيل بانتهاء خطابهم في قوله: "أية : ثم اهتدى" تفسير : [طه: 82] {قَدْ أنجيناكم من عدوِّكُمْ} فرعون وقومه إذ استعبدوهم ذكروراً وإناثاً، وذبحوا أبناءهم {وَوَعدْناكم جَانبَ الطُّور الأيْمن} واعدنا نبيكم الجانب الأيمن من الطور، أو لما كانت مواعدة نبيهم منفعة لهم وراجعة إليهم، جعلت مواعدة لهم، وجانب مفعول به جعل موعوداً به توسعاً، أو يقدر إتيان جانب الطور الأيمن، ولا يصح نصبه على الظرفية، والتعلق بواعدنا لأن المواعدة لم تقع فيه، بل إليه، بل واعدناكم إتيان جانب الطور، بأن يأتيه موسى عليه السلام للمناجاة وإنزال التوارة. {وأنْزلنا عَليكُم المَنَّ} الترجبين طعاماً حلواً مثل الثلج، صاعا لكل أحد {والسّلوى} طيراً مخصوصة تجىء بها ريح الجنوب، فيأخذ كل أحد ما يجب، ينزلان عليهم في التية، من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس.

الالوسي

تفسير : {يٰبَنِي إِسْرٰءيلَ } حكاية لما خاطبهم تعالى به بعد إغراق عدوهم وإنجائهم منه لكن لا عقيب ذلك بل بعدما أفاض عليهم من فنون النعم الدينية والدنيوية ما أفاض. وقيل: إنشاء خطاب للذين كانوا منهم في عهد النبـي صلى الله عليه وسلم على معنى أنه تعالى قد منَّ عليهم بما فعل بآبائهم أصالة وبهم تبعاً، وتعقب بأنه يرده قوله تعالى: {أية : وَمَا أَعْجَلَكَ } تفسير : [طه: 83] الخ ضرورة استحالة حمله على الإنشاء وكذا السباق فالوجه هو الحكاية بتقدير قلنا عطفاً على {أية : أَوْحَيْنَا }تفسير : [طه: 77] أي وقلنا يا بني إسرائيل {قَدْ أَنجَيْنَـٰكُمْ مّنْ عَدُوّكُمْ } فرعون وقومه حيث كانوا يسومونكم سوء العذاب يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم. / وقرأ حميد {نجينـٰكم} بتشديد الجيم من غير همزة قبلها وبنون العظمة. وقرأ حمزة والكسائي والأعمش وطلحة {أنجيتكم} بتاء الضمير. {وَوَاعَدْنَـٰكُمْ جَانِبَ ٱلطُّورِ ٱلأَيْمَنَ } بالنصب على أنه صفة المضاف. وقرىء بالجر وخرجه الزمخشري على الجوار نحو -هذا جحر ضب خرب-. وتعقبه أبوحيان بأن الجر المذكور من الشذوذ والقلة بحيث ينبغي أن لا تخرج القراءة عليه وقال: الصحيح أنه نعت للطور لما فيه من اليمن، وإما لكونه عن يمين من يستقبل الجبل اهـ. والحق أن القلة لم تصل إلى حد منع تخريج القراءة لا سيما إذا كانت شاذة على ذلك وتوافق القراءتين يقتضيه، قوله: وإما لكونه الخ غير صحيح على تقدير أن يكون الطور هو الجبل ولو قال: وإما لكونه عن يمين من انطلق من مصر إلى الشام لكان صحيحاً، ونصب {جَانِبَ } على الظرفية بناء على ما نقل الخفاجي عن الراغب وابن مالك في «شرح التسهيل» من أنه سمع نصب جنب وما بمعناه على الظرفية. ومنع بعضهم ذلك لأنه محدود وجعله منصوباً على أنه مفعول ـ واعدنا ـ على الاتساع أو بتقدير مضاف أي إتيان جانب الخ. وإلى هذا ذهب أبو البقاء. وإذا كان ظرفاً فالمفعول مقدراً أي وواعدناكم بواسطة نبيكم في ذلك الجانب إتيان موسى عليه السلام للمناجاة وإنزال التوراة عليه، ونسبت المواعدة إليهم مع كونها لموسى عليه السلام نظراً إلى ملابستها إياهم وسراية منفعتها إليهم فكأنهم كلهم مواعدون فالمجاز في النسبة وفي ذلك إيفاء مقام الامتنان حقه ما فيه. وقرأ حمزة والمذكورون معه آنفاً {وواعدتكم} بتاء الضمير أيضاً. وقرىء {ووعدناكم} من الوعد. {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْمَنَّ وَٱلسَّلْوَىٰ } الترنجبين والسماني حيث كان ينزل عليهم المن وهم في التيه مثل الثلج من الفجر إلى الطلوع لكل إنسان صاع ويبعث الجنوب عليهم السماني فيأخذ الواحد منهم ما يكفيه.

ابن عاشور

تفسير : هذه الجمل معترضة في أثناء القصة مثل ما تقدم آنفاً في قوله تعالى: {إنه من يأت ربه مجرماً} الآية. وهذا خطاب لليهود الذين في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - تذكيراً لهم بنعم أخرى. وقُدّمت عليها النعمة العظيمة، وهي خلاصهم من استعباد الكفرة. وقرأ الجمهور «قد أنجيناكم - وواعدناكم» بنون العظمة. وقرأهما حمزة، والكسائي، وخلف «قد أنجيتكم ووعدتكم» بتاء المتكلّم. وذكّرهم بنعمة نزول الشريعة وهو ما أشار إليه قوله {ووٰعَدْنٰكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الأيْمَنَ}. والمواعدة: اتّعاد من جانبين، أي أمرنا موسى بالحضور للمناجاة فذلك وعد من جانب الله بالمناجاة، وامتثالُ موسى لذلك وعدٌ من جانبه، فتم معنى المواعدة، كما قال تعالى في سورة البقرة (52): {أية : وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة}.تفسير : ويظهر أنّ الآية تشير إلى ما جاء في الإصحاح 19 من سفر الخروج: في الشهر الثالث بعد خروج بني إسرائيل من أرض مصر جاءوا إلى برّية سيناء هنالك نزل إسرائيل مقابل الجبل. وأما موسى فصعد إلى الله فناداه الربّ من الجبل قائلاً: هكذا نقول لبيت يعقوب أنتم رأيتم ما صنعت بالمصريين وأنا حملتكم على أجنحة النّسور، إن سمعتم لصوتي وحفظتم عهدي تكونون لي خاصة... إلخ. وذكر الطور تقدم في سورة البقرة. وجانب الطور: سفحه. ووصفه بالأيمن باعتبار جهة الشخص المستقبل مشرقَ الشمس، وإلاّ فليس للجبل يمين وشمال معيّنان، وإنما تعرَّف بمعرفة أصل الجهات وهو مطلع الشمس، فهو الجانب القبلي باصطلاحنا. وجُعل محلّ المواعدة الجانب القبلي وليس هو من الجانب الغربي الذي في سورة القصص (30): {أية : فلما أتاها نودي من شاطىء الواد الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة} تفسير : وقال فيها {أية : وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر}تفسير : [القصص: 44] فهو جانب غربي، أي من جهة مغرب الشمس من الجبل، وهو الذي آنس موسى منه ناراً. وانتصب {جَانِبَ الطُّورِ} على الظرفية المكانية لأنّه لاتساعه بمنزلة المكان المبهم. ومفعول المواعدة محذوف، تقديره: المناجاة. وتعدية {واعدناكم} إلى ضمير جماعة بني إسرائيل وإن كانت مواعدة لموسى ومن معه الّذين اختارهم من قومه باعتبار أنّ المقصد من المواعدة وحي أصول الشريعة التي تصير صلاحاً للأمّة فكانت المواعدة مع أولئك كالمواعدة مع جميع الأمّة. وقرأ الجميع {ونزَّلنا عليكم} الخ؛ فباعتبار قراءة حمزة، والكسائي، وخلف قد أنجيتكم وواعدتكم بتاء المفرد تكون قراءة {ونزلنا} - بنون العظمة - قريباً من الالتفات وليس عينه، لأن نون العظمة تساوي تاء المتكلّم. والسلوَى تقدم في سورة البقرة. وكان ذلك في نصف الشهر الثاني من خروجهم من مصر كما في الإصحاح 16 من سفر الخروج. وجملة {كُلُوا} مقولٌ محذوف. تقديره: وقلنا أو قائلين. وتقدم نظيره في سورة البقرة. وقرأ الجمهور {ما رزقناكم} بنون العظمة. وقرأه حمزة، والكسائي، وخلف {ما رزقتكم} بتاء المفرد. والطغيان: أشدّ الكِبر. ومعنى النهي عن الطغيان في الرزق: النهي عن ترك الشكر عليه وقلّة الاكتراث بعبادة المُنعِم. وحرف (في) الظرفيّة استعارةٌ تبعية؛ شبه ملابسة الطغيان للنّعمة بحلول الطغيان فيها تشبيهاً للنعمة الكثيرة بالوعاء المحيط بالمنعَم عليه على طريقة المكنية، وحرف الظرفية قرينتها. والحلول: النزول والإقامة بالمكان؛ شبهت إصابة آثار الغضب إياهم بحلول الجيش ونحوه بديار قوم. وقرأ الجمهور {فيحِلّ عليكم} بكسر الحاء وقرأوا {ومن يحلِل عليه غضبي} بكسر اللاّم الأولى على أنهما فعلا حَلّ الدّيْن يقال: حلّ الديْن إذا آن أجل أدائه. وقرأه الكسائي بالضمّ في الفعلين على أنّه من حلّ بالمكان يحُلّ إذا نزل به. كذا في الكشاف ولم يتعقبوه. وهذا مما أهمله ابن مالك في «لامية الأفعال»، ولم يستدركه شارحها بَحْرَق اليمني في «الشرح الكبير». ووقع في «المصباح» ما يخالفه ولا يعوّل عليه. وظاهر «القاموس» أن حلّ بمعنى نزل يستعمل قاصراً ومتعدياً، ولم أقف لهم على شاهد في ذلك. وهوَى: سقط من علوّ، وقد استعير هنا للهلاك الذي لا نهوض بعده، كما قالوا: هوت أمّه، دعاء عليه، وكما يقال: ويل أمّه، ومنه: {أية : فأمه هاوية}تفسير : [القارعة: 9]، فأريد هويّ مخصوص، وهو الهوي من جبل أو سطح بقرينة التهديد. وجملة {وإنّي لغَفَّارٌ} إلى آخرها استطراد بعد التحذير من الطغيان في النعمة بالإرشاد إلى ما يتدارك به الطغيان إن وقع بالتوبة والعمل الصالح. ومعنى {تَابَ}: ندم على كفره وآمن وعمل صالحاً. وقوله {ثُمَّ اهْتَدَىٰ} (ثم) فيه للتراخي في الرتبة؛ استعيرت للدلالة على التباين بين الشيئين في المنزلة كما كانت للتباين بين الوقتين في الحدوث. ومعنى {اهتدى}: استمرّ على الهدى وثبت عليه، فهو كقوله تعالى: {أية : إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون} تفسير : [الأحقاف: 13]. والآيات تشير إلى ما جاء في الإصحاح من سفر الخروج «الرب إله رحيم ورؤوف، بطيء الغضب وكثير الإحسان غافر الإثم والخطيئة ولكنّه لن يبرىء إبراء».

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {يٰبَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنجَيْنَاكُمْ مِّنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ ٱلطُّورِ ٱلأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْمَنَّ وَٱلسَّلْوَىٰ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ}. وذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: امتنانه على بني إسرائيل بإنجائه إياهم من عدوهم فرعون، وأنه واعدهم جانب الطور الأيمن، وأنه نزل عليهم المن والسلوى، وقال لهم: كلوا من طيبات ما رزقناكم. ولا تطغوا فيغضب عليكم ربكم. وما ذكره هنا أوضحه في غير هذا الموضع. كقوله في امتنانه عليهم بإنجائهم من عدوهم فرعون في "سورة البقرة": {أية : وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلاۤءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ}تفسير : [البقرة: 49]، وقوله في "الأعراف": {أية : وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِّنْ آلِ فِرْعَونَ يَسُومُونَكُمْ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ وَفِي ذٰلِكُمْ بَلاۤءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ} تفسير : [الأعراف: 141]، وقوله في "الدخان": {أية : وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ مِنَ ٱلْعَذَابِ ٱلْمُهِينِ مِن فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِياً مِّنَ ٱلْمُسْرِفِينَ} تفسير : [الدخان: 30-31]، وقوله في سورة "إبراهيم": {أية : وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنجَاكُمْ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ وَفِي ذٰلِكُمْ بَلاۤءٌ مِّن رَّبَّكُمْ عَظِيمٌ} تفسير : [إبراهيم: 6]، وقوله في "الشعراء" {أية : كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ} تفسير : [الشعراء: 59] الآية، وقوله في "الدخان" {أية : كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماً آخَرِينَ} تفسير : [الدخان: 28]، وقوله في "الأعراف": {أية : وَأَوْرَثْنَا ٱلْقَوْمَ ٱلَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ ٱلأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا} تفسير : [الأعراف: 137] الآية، وقوله في "القصص": {أية : وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً}تفسير : [القصص: 5] إلى قوله {أية : يَحْذَرونَ}تفسير : [القصص: 6] إلى غير ذلك من الآيات. وقوله هنا: {وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ ٱلطُّورِ ٱلأَيْمَنَ} الأظهر أن ذلك الوعد هو المذكور في قوله: {أية : وَوَاعَدْنَا مُوسَىٰ ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ} تفسير : [الأعراف: 142] الآية، وقوله: {أية : وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَىٰ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً}تفسير : [البقرة: 51] الآية، وقوله: {أية : أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً} تفسير : [طه: 86] وهو الوعد بإنزال التوراة. وقيل فيه غير ذلك. وقوله هنا: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْمَنَّ وَٱلسَّلْوَىٰ} قد أوضح امتنانه عليهم بذلك في غير هذا الموضع. كقوله في "البقرة": {أية : وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْمَنَّ وَٱلسَّلْوَىٰ} تفسير : [البقرة: 57] وقوله في "الأعراف" {أية : وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلْمَنَّ وَٱلسَّلْوَىٰ} تفسير : [الأعراف: 160] وأكثر العلماء على أن المن: الترنجبين، وهو شيء ينزل من السماء كنزول الندى ثم يتجمد، وهو يشبه العسل الأبيض. والسلوى: طائر يشبه السمانى. وقيل هو السمانى. وهذا قول الجمهور في المن والسلوى. وقيل: السلوى العسل. وأنكر بعضهم إطلاق السلوى على العسل. والتحقيق: أن "السلوى" يطلق على العسل لغة. ومنه قول خالد بن زهير الهذلي: شعر : وقاسمها بالله جهداً لأنتم ألذ من السلوى إذا ما نشورها تفسير : يعني ألذ من العسل إذا ما نستخرجها. لأن النشور: استخراج العسل. قال مؤرج بن عمر السدوسي: إطلاق السلوى على العسل لغة كنانة. سمي به لأنه يسلي. قاله القرطبي. إلا أن أكثر العلماء على أن ذلك ليس هو المراد في الآية. واختلفوا في السلوى. هل هو جمع أو مفرد؟ فقال بعضهم: هو جمع، واحده سلواة، وأنشد الخليل لذلك قول الشاعر: شعر : وإني لتعروني لذكراك هزة كما انتفض السلواة من بلل القطر تفسير : ويروى هذا البيت: شعر : كما انتفض العصفور بلله القطر تفسير : وعليه فلا شاهد في البيت. وقال الكسائي: السلوى مفرد وجمعه سلاوى. وقال الأخفش: هو جمع لا واحد له من لفظه. مثل الخير والشر، وهو يشبه أن يكون واحده سلوى مثل جماعته. كما قالوا: دفلى وسمانى وشكاعى في الواحد والجمع. والدفلى كذكرى: شجر أخضر مر حسن المنظر، يكون في الأودية. والشكاعى كحبارى وقد تفتح: نوع من دقيق النبات صغيراً أخضر، دقيق العيدان يتداوى به. والسمانى: طائر معروف. قال مقيده عفا الله عنه: والأظهر عندي في المن: أنه اسم جامع لما يمن الله به على عبده من غير كد ولا تعب، فيدخل فيه الترنجبين الذي من الله به على بني إسرائيل في التيه. ويشمل غير ذلك مما يماثله. ويدل على هذا قوله صلى الله عليه وسلم الثابت في الصحيحين: "حديث : الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين ". تفسير : والأظهر عندي في السلوى: أنه طائر، سواء قلنا إنه السمانى، أو طائر يشبهه، لإطباق جمهور العلماء من السلف والخلف على ذلك. مع أن السلوى، يطلق لغة على العسل، كما بينا. وقوله في آية "طه" هذه: {كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} أي من المن والسلوى، والأمر فيه للإباحة والامتنان. وقد ذكر ذلك أيضاً في غير هذا الموضع، كقوله في "البقرة" {أية : وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْمَنَّ وَٱلسَّلْوَىٰ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} تفسير : [البقرة: 57]، وقوله في "الأعراف": {أية : وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلْمَنَّ وَٱلسَّلْوَىٰ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} تفسير : [الأعراف: 160]، وقوله: {كُلُواْ} في هذه الآيات مقول قول محذوف، أي وقلنا لهم كلوا، والضمير المجرور في قوله: {وَلاَ تَطْغَوْاْ فِيهِ} راجع إلى الموصول الذي هو "ما" أي كلوا من طيبات الذي رزقناكم {وَلاَ تَطْغَوْاْ فِيهِ} أي فيما رزقناكم. ونهاهم عن الطغيان فيما رزقهم، وهو أن يتعدوا حدود الله فيه بأن يكفروا نعمته به، ويشغلهم اللهو والنعيم عن القيام بشكر نعمه، وأن ينفقوا رزقه الذي أنعم عليهم به في المعاصي، أو يستعينوا به على المعصية، أو يمنعوا الحقوق الواجبة عليهم فيه، ونحو ذلك. وبين أن ذلك يسبب لهم أن يحل عليهم غضبه جل وعلا، لأن الفاء في قوله {فَيَحِلَّ} سببية، والفعل منصوب بأن مضمرة بعدها، لأنه بعد النهي وهو طلب محض، كما أشار إلى ذلك في الخلاصة بقوله: شعر : وبعد فا جواب نفي أو طلب محضين أن وسترها حتم نصب تفسير : وقرأ هذا الحرف الكسائي {فَيَحُلَّ} بضم الحاء {وَمَن يَحْلِلْ} بضم اللام. والباقون قرؤوا {يَحِلَّ} بكسر الحاء و {يَحْلِلْ} بكسر اللام. وعلى قراءة الكسائي {فَيَحُلَّ} بالضم أي ينزل بكم غضبي. وعلى قراءة الجمهور فهو من حل يحل بالكسر: إذا وجب، ومنه حل دينه إذا وجب أداؤه. ومنه {أية : ثُمَّ مَحِلُّهَآ إِلَىٰ ٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ} تفسير : [الحج: 33]. وقوله: {فَقَدْ هَوَىٰ} أي هلك وصار إلى الهاوية، وأصله أن يسقط من جبل أو نحوه فيهوي إلى الأرض فيهلك، ومنه قول الشاعر: شعر : هوى من رأس مرقبة ففتت تحتها كبده تفسير : ويقولون: هوت أمه، أي سقط سقوطاً لا نهوض بعده. ومنه قول كعب بن سعد الغنوي: شعر : هوت أمه ما يبعث الصبح غادياً وماذا يرد الليل حين يؤوب تفسير : ونحو هذا هو أحد التفسيرات في قوله تعالى: {أية : فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ} تفسير : [القارعة: 9] وعن شفى بن مانع الأصبحي قال: إن في جهنم جبلاً يدعى صعوداً يطلع فيه الكافر أربعين خريفاً قبل أن يرقاه. قال الله تعالى: {أية : سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً} تفسير : [المدثر: 17] وإن في جهنم قصراً يقال له هوى، يرمى الكافر من أعلاه فيهوي أربعين خريفاً قبل أن يبلغ أصله، قال الله تعالى: {وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَىٰ} قال القرطبي وابن كثير، والله تعالى أعلم. واعلم أن الغضب صفة وصف الله بها نفسه إذا انتهكت حرماته، تظهر آثارها في المغضوب عليهم. نعوذ بالله من غضبه جل وعلا. ونحن معاشر المسلمين نمرها كما جاءت فنصدق ربنا في كل ما وصف به نفسه، ولا نكذب بشيء من ذلك. مع تنزيهنا التام له جل وعلا عن مشابهة المخلوقين سبحانه وتعالى عن ذلك علواً كبيراً. كما أوضحنا ذلك غاية الإيضاح في سورة "الأعراف" وقرأ حمزة والكسائي في هذه الآية {قَدْ أَنجَيْنَاكُمْ مِّنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْتكم} بتاء المتكلم فيهما. وقرأه الباقون {وَوَاعَدْنَاكُمْ وَأَنجَيْنَاكُم} بالنون الدالة على العظمة، فصيغة الجمع في قراءة الجمهور للتعظيم. وقرأ أبو عمرو {وَوَعَدْنَاكُمْ} بلا ألف بعد الواو الثانية بصيغة الفعل المجرد، من الوعد لا من المواعدة مع نون التعظيم.

د. أسعد حومد

تفسير : {يٰبَنِي إِسْرَائِيلَ} {أَنجَيْنَاكُمْ} {وَوَاعَدْنَاكُمْ} (80) - يُذَكِّرُ اللهُ تَعَالَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِمْ إِذْ أَنْجَاهُمْ مِنْ عَدُوِّهِمْ فِرْعَوْنَ، وَأَقَرَّ عُيُونَهُمْ بِإِهْلاَكِهِ، وَإِهْلاَكِ جُنُودِهِ، وَهُمْ يَنْظُرُونَ، وَوَاعَدَ مُوسَى لِيَأْتِيَ إِلَى جَانِبِ الطُّورِ الأَيْمَنِ بَعْدَ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً صَامَهَا، لِيَتَهَيَّأَ لِلِقَاءِ رَبِّهِ، لِيَسْمَعَ مَا سَيُوحِيهِ رَبُّهُ إِلَيْهِ فِي الأَلْوَاحِ مِنْ أُمُورِ العَقِيدَةِ وَالشَّرِيعَةِ، وَأَرْسَلَ المَنَّ وَالسَّلْوَى إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، لِيَأْكُلُوا مِنْهُمَا فِي صَحْرَاءِ سِينَاءَ. المَنَّ - مَادَّةً صَمْغِيَّةً حُلْوَةً كَالعَسَلِ. السَّلْوَى - طَيْرُ السُّمَانَى - أَوْ طَيْرٌ يُشْبِهُ طَائِرَ السُّمَانَى.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : لله عز وجل على بني إسرائيل منَنٌ كثيرة ونِعَم لا تُعَدُّ، كان مقتضى العبادية التي وصفهم بها {أية : أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي ..}تفسير : [طه: 77] أَن يُنَفِّذوا منهج ربهم، ويذكروا نعمه ذِكْراً لا يغيب عن بالهم أبداً، بحيث كلما تحركتْ نفوسهم إلى مخالفة ذكروا نعمةً من نِعَم الله عليهم، تذكّروا أنهم غير متطوعين بالإيمان، إنما يردُّون لله ما عليهم من نِعَم وآلاء. والحق - تبارك وتعالى - هنا يذكِّرهم ببعض نِعَمه، ويناديهم بأحبِّ نداء {يٰبَنِي إِسْرَائِيلَ ..} [طه: 80] وإسرائيل يعني عبد الله، عبده المخلص، كما تقول لصاحبك: يا ابن الرجل الطيب.. الورع، فالحق يُذكِّرهم بأصلهم الطيب، وينسبهم إلى نبي من أنبيائه. كأنه يلفت أنظارهم أنه لا يليق بكم المخالفة، ولا الخروج عن المنهج. وأنتم سلالة هذا الرجل الصالح. وقوله تعالى: {قَدْ أَنجَيْنَاكُمْ مِّنْ عَدُوِّكُمْ ..} [طه: 80] أي: من فرعون الذي استذلكم، وذبح أبناءكم، واستحى نساءكم ويُسخِّرهم في الأعمال دون أجر، وفعل بكم الأفاعيل، ثم {وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ ٱلطُّورِ ٱلأَيْمَنَ ..} [طه: 80] لتأخذوا المنهج السليم لحركة الحياة. إذن: خلَّصْناكم من أذى، وواعدناكم لنعمة. {وَوَاعَدْنَاكُمْ ..} [طه: 80] واعد: مفاعلة لا تكون إلا من طرفيْن مثل: شارك وخاصم، فهل كان الوَعْد من جانبهما معاً: الله عز وجل وبني إسرائيل؟ الوَعْد كان من الله تعالى، لكن لم يقُلْ القرآن: وعدناكم. بل أشرك بني إسرائيل في الوعد، وهذا يُنبِّهنا إلى أنه إذا وعدك إنسان بشيء ووافقتَ، فكأنك دخلتَ في الوعد. وجانب الطور الأيمن: مكان تلقِّي منهج السماء، وهو مكان بعيد في الصحراء، لا زرعَ فيه ولا ماء؛ لذلك يضمن لهم ربُّهم عز وجل ما يُقِيتهم {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْمَنَّ وَٱلسَّلْوَىٰ} [طه: 80]. المنّ: سائل أبيض يشبه العسل، يتساقط مثل قطرات بلورية تشبه الندى على ورق الأشجار، وفي الصباح يجمعونه كطعام حلو. وهذه النعمة ما زالت موجودة في العراق مثلاً، وتقوم عليها صناعة كبيرة هي صناعة المنّ. والسَّلْوى: طائر يشبه طائر السَّمان. وهكذا وفَّر لهم الحق - تبارك وتعالى - مُقوِّمات الحياة بهذه المادة السُّكَّرية لذيذة الطعم تجمع بين القشدة مع عسل النحل، وطائر شهي دون تعب منهم، ودون مجهود، بل يروْنَه بين أيديهم مُعَدّاً جاهزاً، وكان المنتظر منهم أن يشكروا نعمة الله عليهم، لكنهم اعترضوا عليها فقالوا: {أية : لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ ٱلأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ ٱلَّذِي هُوَ أَدْنَىٰ بِٱلَّذِي هُوَ خَيْرٌ ..}تفسير : [البقرة: 61]. وفي سورة البقرة ذكر مع هذه النعمة التي صاحبتهم في جَدْب الصحراء نعمة أخرى، فقال تعالى: {أية : وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْمَنَّ وَٱلسَّلْوَىٰ ..}تفسير : [البقرة: 57] أي: حَمْيانكم من وهج الشمس وحرارتها حين تسيرون في هذه الصحراء. ونلحظ اختلاف السياق هنا {نَزَّلْنَا}، وفي البقرة قال: {أنْزَلْنَا}؛ ذلك لأن الحق - تبارك وتعالى - يعالج الموضوع في لقطات مختلفة من جميع زواياه، فقوله {أنْزَلْنَا} تدل على التعدِّي الأول للفعل، وقد يأتي لمرة واحدة، إنما {نَزَّلنَا} فتدلُّ على التوالي في الإنزال. وأهل الريف في بلادنا يُطلِقون المنَّ على مادة تميل إلى الحمرة الداكنة، ثم تتحول إلى السواد، تسقط على النبات، لكنها ليست نعمةً، بل تُعَدُّ آفة من الآفات الضارة بالنبات. ثم يقول الحق سبحانه: {كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ...}.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يذكر تعالى بني إسرائيل منته العظيمة عليهم بإهلاك عدوهم، ومواعدته لموسى عليه السلام بجانب الطور الأيمن، لينزل عليه الكتاب، الذي فيه الأحكام الجليلة، والأخبار الجميلة، فتتم عليهم النعمة الدينية، بعد النعمة الدنيوية، ويذكر منته أيضا عليهم في التيه، بإنزال المن والسلوى، والرزق الرغد الهني الذي يحصل لهم بلا مشقة، وأنه قال لهم: { كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ } أي: واشكروه على ما أسدى إليكم من النعم { وَلا تَطْغَوْا فِيهِ } أي: في رزقه، فتستعملونه في معاصيه، وتبطرون النعمة، فإنكم إن فعلتم ذلك، حل عليكم غضبي أي: غضبت عليكم، ثم عذبتكم، { وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى } أي: ردى وهلك، وخاب وخسر، لأنه عدم الرضا والإحسان، وحل عليه الغضب والخسران. ومع هذا، فالتوبة معروضة، ولو عمل العبد ما عمل من المعاصي، فلهذا قال: { وَإِنِّي لَغَفَّارٌ } أي: كثير المغفرة والرحمة، لمن تاب من الكفر والبدعة والفسوق، وآمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وعمل صالحا من أعمال القلب والبدن، وأقوال اللسان. { ثُمَّ اهْتَدَى } أي: سلك الصراط المستقيم، وتابع الرسول الكريم، واقتدى بالدين القويم، فهذا يغفر الله أوزاره، ويعفو عما تقدم من ذنبه وإصراره، لأنه أتى بالسبب الأكبر، للمغفرة والرحمة، بل الأسباب كلها منحصرة في هذه الأشياء فإن التوبة تجب ما قبلها، والإيمان والإسلام يهدم ما قبله، والعمل الصالح الذي هو الحسنات، يذهب السيئات، وسلوك طرق الهداية بجميع أنواعها، من تعلم علم، وتدبر آية أو حديث، حتى يتبين له معنى من المعاني يهتدي به، ودعوة إلى دين الحق، ورد بدعة أو كفر أو ضلالة، وجهاد، وهجرة، وغير ذلك من جزئيات الهداية، كلها مكفرات للذنوب محصلات لغاية المطلوب.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 610 : 17 : 21 - سفين في قوله {يٰبَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنجَيْنَاكُمْ مِّنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ ٱلطُّورِ ٱلأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْمَنَّ وَٱلسَّلْوَىٰ * كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ}. [الآية 80].

النسائي

تفسير : قوله تعالى: {ٱلْمَنَّ وَٱلسَّلْوَىٰ} [80] 348 - أنا عمرو بن منصورٍ، نا الحسنُ بن الربيعِ، نا أبُو الأحوصِ، عن الأعمشِ، عن المِنهالِ بن عمروٍ، عن عبد الرحمنِ بن أبي ليلى، عن أبي سعيد الخُدري قال: حديث : خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي يده كمواتٍ فقال: "هذا من المنِّ، وماؤُهُ شِفاءٌ للعينِ ".