٢٠ - طه
20 - Ta-Ha (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
81
Tafseer
المحلي و السيوطي
تفسير : {كُلُواْ مِن طَيِّبَٰتِ مَا رَزَقْنَٰكُمْ } أي المنعم به عليكم {وَلاَ تَطْغَوْاْ فِيهِ } بأن تكفروا النعمة به {فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِى } بكسر الحاء: أي يجب، وبضمها: أي ينزل {وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِى } بكسر اللام وضمها {فَقَدْ هَوَىٰ } سقط في النار.
ابن عبد السلام
تفسير : {وَلا تَطْغَوْا فِيهِ} لا تكفروا به، ولا تستعينوا برزقي على معصيتي أو لا تدخروا منه لأكثر من يوم وليلة فادخروه فدوَّد ولولا ذلك لما دوَّد طعام أبداً "ع" {فَيَحِلَّ} بالضم ينزل وبالكسر يجب. {هَوَى} في النار، أو هلك في الدنيا.
ابو السعود
تفسير : {كُلُواْ} جملةٌ مستأنفة مَسوقة لبـيان إباحة ما ذكر لهم وإتماماً للنعمة عليهم {مِن طَيّبَاتِ مَا رَزَقْنَـٰكُمْ} أي من لذائذه أو من حلالاته، وقرىء رزقكم، وفي البدء بنعمة الإنجاءِ ثم بالنعمة الدينية ثم بالنعمة الدنيوية من حسن النظمِ ولطفِ الترتيب ما لا يخفى {وَلاَ تَطْغَوْاْ فِيهِ} أي فيما رزقناكم بالإخلال بشكره والتعدّي لما حُدّ لكم فيه كالسرَف والبطَر والمنع من المستحِق {فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِى} جواب للنهي أي فتلزمَكم عقوبتي وتجبَ لكم، من حلّ الدَّينُ إذا وجب أداؤه {وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِى فَقَدْ هَوَىٰ} أي تردّى وهلك، وقيل: وقع في الهاوية، وقرىء فيحُلَّ بضم الحاء من حل يحُل إذا نزل. {وَإِنّى لَغَفَّارٌ لّمَن تَابَ} من الشرك والمعاصي التي من جملتها الطغيانُ فيما ذكر {وَءَامَنَ} بما يجب الإيمان به {وَعَمِلَ صَـٰلِحَاً} أي عملاً صالحاً مستقيماً عند الشرع والعقلِ، وفيه ترغيبٌ لمن وقع منه الطغيانُ فيما ذكر وحثٌّ على التوبة والإيمان وقوله تعالى: {ثُمَّ ٱهْتَدَىٰ} أي استقام على الهدى إشارةٌ إلى أن من لم يستمرَّ عليه بمعزل من الغفران وثم للتراخي الرتبـي. {وَمَا أَعْجَلَكَ عَن قَومِكَ يٰمُوسَىٰ} حكايةٌ لما جرى بـينه تعالى وبـين موسى عليه الصلاة والسلام من الكلام عند ابتداءِ موافاته الميقاتَ بموجب المواعدةِ المذكورة، أي قلنا له: أيُّ شيءٍ أعجلك منفرداً عن قومك؟ وهذا كما ترى سؤالٌ عن سبب تقدمه على النقباء مَسوقٌ لإنكار انفرادِه عنهم لما في ذلك بحسب الظاهر من مخايل إغفالهم وعدمِ الاعتداد بهم مع كونه مأموراً باستصحابهم وإحضارِهم معه، لا لإنكاره نفسَ العجلة الصادرةِ عنه عليه الصلاة والسلام لكونها نقيصةً منافية للحزم اللائقِ بأولي العزم، ولذلك أجاب عليه الصلاة والسلام بنفي الانفرادِ المنافي للاستصحاب والمعية حيث {قَالَ هُمْ أُوْلاء عَلَىٰ أَثَرِى} يعني إنهم معي وإنما سبقتهم بخُطاً يسيرة ظننتُ أنها لا تُخِل بالمعية ولا تقدح في الاستصحاب، فإن ذلك مما لا يعتد به فيما بـين الرفقةِ أصلاً، وبعد ما ذكرَ عليه الصلاة والسلام أن تقدّمَه ذلك ليس لأمر منكر ذكَر أنه لأمر مَرضيّ حيث قال: {وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبّ لِتَرْضَىٰ} عنّي بمسارعتي إلى الامتثال بأمرك واعتنائي بالوفاء بعهدك، وزيادةُ ربِّ لمزيد الضراعةِ والابتهال رغبةً في قَبول العذر.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} [الآية: 81]. قال سهل: كلوا من طيبات مما رزقناكم، كلوا منها القوام وإمساك الرمق فإنه الطيب من الرزق، ولا تطغوا فيه أى لا تشيعوا فتسكروا عن الذكر.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلاَ تَطْغَوْاْ فِيهِ} الطيبُ ما كان حلالاً. ويقال الطيب من الرزق ما لا يَعْصِي اللَّهَ مُكْتَسِبهُ. ويقال الطيب من الرزق ما يكون على مشاهدة الرزاق. ويقال الطيب من الرزق ما حَصَل منه الشكرُ. ويقال الطيب من الرزق ما يأخذه العبدُ من اللَّهِ، فما لأهل الجنةِ مُؤَجَّلٌ في عقباهم جهراً، معجّلٌ لأصفيائه في دنياهم سِرّاً، قال تعالى: {أية : آخِذِينَ مَآ آتَاهُمْ رَبُّهُمْ}تفسير : [الذاريات: 16]. والأرزاقُ مختلفةٌ؛ فلأقوام حظوظُ النفوس ولآخرين حقوقُ القلوب، ولأقوامٍ شهودُ الأسرار؛ فرزق النفوس التوفيق، ورزق القلوب التصديق، ورزق الأرواح التحقيق. قوله: {وَلاَ تَطْغَوْاْ فِيهِ}: بمجاوزة الحلالِ إلى الحرام. ويقال: {وَلاَ تَطْغَوْاْ فِيهِ}: بالزيادة على الكفاف وما لا بُدَّ منه مما زاد على سدِّ الرمق. ويقال: {وَلاَ تَطْغَوْاْ فِيهِ}: بالأكل على الغفلة والنسيان. قوله جلّ ذكره: {فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَىٰ}. فيحل عليكم غضبي بالخذلانِ لمتابعة الزَّلَّة بعد الزَّلَّة. ويقال فيحل عليكم غضبي لِفَقْدِكم التأسُّفَ على ما فاتكم. ويقال بالرضا بما أنتم فيه من نقصان الحال.
اسماعيل حقي
تفسير : {كلوا} اى وقلنالكم كلوا { من طيبات ما رزقناكم} اى من لذائذه او حلالاته. قال الراغب اصل الطيب ما تستلذه الحواس والنفس والطعام الطيب فى الشرع ما كان متناولا من حيث ما يجوز وبقدر ما يجوز ومن المكان الذى يجوز فانه متى كان كذلك كان طيبا عاجلا وآجلا لا يستوخم والا فانه وان كان طيبا عاجلا لم يطب آجلا {ولا تطغوا فيه} الطغيان تجاوز الحد فى العصيان اى ولا تتجاوزا الحد فيما رزقناكم بالاخلال بشكره وبالسرف والبطر والمنع من المستحق والادخار منه لاكثر من يوم وليلة {فيحل عليكم غضبى} جواب للنهى اى فيلزمكم عقوبتى وتجب لكم من حل الدين يحل بالكسر اذا وجب اداؤه واما يحل بالضم فهو بمعنى الحلول اى النزول والغضب ثوران دم القلب عند ارادة الانتقام واذا وصف الله تعالى به فالمراد الانتقام دون غيره: وفى المثنوى شعر : شكر منعم واجب امد درخرد ورنه بكشايد درخشم ابدا تفسير : ومن يحلل عليه غضبى فقد هوى} اى تردى وهلك واصله ان يسقط من جبل فيهلك ومن بلاغات الزمخشرى من ارسل نفسه مع الهوى فقد هوى فى ابعد الهوى. وفى التأويلات النجمية ونزلنا عليهم المن من صفاتنا والسلوى سلوى اخلاقنا كلوا من طيبات ما رزقناكم اى اتصفوا بطيبات صفاتنا وتخلقوا بكرائم اخلاقنا التى شرفناكم بها اى لو لم تكن العناية الربانية لما نجا الروح والقلب وصفاتهما من شر فرعون النفس وصفاتها ولولا التأييد الالهى لما اتصفوا بصفات الله ولا تخلقوا باخلاقه ثم قال ولا تطغوا فيه اى اذا استغنيتم بصفاتى واخلاقى عن صفاتكم واخلاقكم فلا تطغوا بان تدعوا العبودية وتدعوا الربوبية وتسموا باسمى بان اتصفتم بصفاتى كما قال بعضهم انا الحق وبعضهم سبحانى وما اشبه هذه الاحوال مما يتولد من طبيعة الانسانية فان الانسان ليطغى ان رآه استغنى وان طغيان هذه الطائفة بمثل هذه المقالات وان كانت هى من احوالهم لان الحالات لا تصلح للمقامات وهى موجبة للغضب كما قال تعالى{أية : فيحل عليكم غضبى ومن يحلل عليه غضبى فقد هوى}تفسير : اى نجعل كل معاملاته فى العبودية هباء منثورا ولهذا الوعيد امر الله عباده فى الاستهداء بقوله {أية : اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين انعمت عليهم غير المغضوب عليهم}تفسير : اى اهدنا هداية غير من انعمت عليه بتوفيق الطاعة والعبودية ثم ابتليته بطغيان يحل عليه غضبك.
الطوسي
تفسير : قرأ الكسائي وحده {فيحل عليكم} بضم الحاء، وكذلك {من يحلل} بضم اللام. الباقون - بكسرها - ولم يختلفوا فى الكسر من قوله {أية : أن يحل عليكم غضب من ربكم} تفسير : يقال حل بالمكان يحل إذا نزل به، وحل يحل - بالكسر - بمعنى وجب. قوله {كلوا من طيبات ما رزقناكم} صورته صورة الأمر والمراد به الاباحة، لان الله تعالى لا يريد المباحات من الأكل والشرب فى دار التكليف. والطيبات معناه الحلال. وقيل معناه المستلذات. وقوله {ولا تطغوا فيه} معناه لا تتعدوا فيه فتأكلوه على وجه حرمه الله عليكم، فتتعدون فيه بمعصية الله، ويمكن ترك الأكل على وجه حرمه الله الى وجه أباحه الله على الوجه الذي أذن فيه، وعلى وجه الطاعة أيضاً، للاستعانة به على غيره من طاعة الله. وقوله {فيحل عليكم غضبي} معناه متى طغيتم فيه واكلتموه على وجه الحرام، نزل عليكم غضبي، على قراءة من ضم الحاء، ومن كسره: معناه يجب عليكم غضبي الذي هو عقاب الله. ثم اخبر تعالى أن من حل غضب الله عليه {فقد هوى} يعني هلك، لأن من هوى من علو الى سفل، فقد هلك. وقيل: هو بمعنى تردى وقيل: معناه هوى الى النار. ثم أخبر تعالى عن نفسه أنه "غفار" أي ستار "لمن تاب من المعاصي" فاسقط عقابه وستر معاصيه إذا أضاف الى إيمانه الأعمال الصالحات "ثم أهتدى" قال قتادة: معناه ثم لزم الايمان إلى أن يموت، كأنه قال: ثم استمر على الاستقامة. وانما قال ذلك، لئلا يتكل الانسان على انه قد كان أخلص الطاعة. وفى تفسير أهل البيت (ع) ان معناه "ثم أهتدى" الى ولاية أوليائه الذين أوجب الله طاعتهم والانقياد لامرهم. وقال ثابت البنائي: ثم أهتدى الى ولاية أهل بيت النبي (صلى الله عليه وسلم). ثم خاطب موسى (ع)، فقال {وما أعجلك عن قومك يا موسى} قال ابن اسحاق: كانت المواعدة أن يوافي هو وقومه، فسبق موسى الى ميقات ربه، فقرره الله على ذلك لم فعله؟ وقال موسى فى جوابه {هم أولاء على أثري وعجلت إليك رب لترضى} فقال الله {فإنا قد فتنا قومك من بعدك} أي عاملناهم معاملة المختبر بان شددنا عليهم في التعبد بأن ألزمناهم عند اخراج العجل أن يستدلوا على أنه لا يجوز أن يكون إلهاً، ولا أن يحل الاله فيه، فحقيقة الفتنة تشديد العبادة. وقوله {وأضلهم السامري} معناه أنه دعاهم الى عبادة العجل، فضلوا عند ذلك، فنسب الله الاضلال اليه لما ضلوا بدعائه.
الجنابذي
تفسير : {كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلاَ تَطْغَوْاْ فِيهِ} طغى يطغى من باب علم، وطغى يطغو من نصر، وطغى يطغى من منع جاوز القدر، وارتفع وعلا فى الكفر، واسرف فى المعاصى والظّلم، وكلّ المعانى راجعة الى الخروج من انقياد العقل الخارجىّ او الدّاخلىّ ومعنى لا تطغوا فيه لا تتجاوزوا فى ما رزقناكم عمّا حدّه الله من مقدار الاكل وجهة تحصيل المأكول وآداب الاكل وغاياته والتسمية عليه والشّكر عليه من ملاحظة المنعم فى النّعمة، او لا تسرفوا بكثرة الوان المأكول او كثرة الأكل او اطعام غير الاهل منه، او بغير ذكر الله، او لا تطغوا فى الاكل بان يكون الضّمير راجعاً الى الاكل الّذى فى ضمن كلوا، او لا تطغوا بسبب الاكل، او بسبب ما رزقناكم، او لا تطغوا حال كونكم ثابتين فى بين ما رزقناكم، او فى الاكل {فَيَحِلَّ} قرئ بضمّ الحاء وكسرها كما قرئ يحلل بضمّ الّلام الاولى وبكسرها {عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَىٰ} تردّى وهلك، اوسقط من سماء الانسانيّة الى الارض السّابعة الّتى هى دار الجنّة والاشقياء. اعلم، انّ الله تبارك وتعالى لا ينتقل من حالٍ الى حالٍ ولا يتغيّر فى وصفٍ ولا حالٍ بل هو تعالى صرف الرّحمة وبرحمته اوجد كلّ الموجودات وأبقاها وليس شيءٌ الاّ وهو متقوّم ومتحقّق برحمته الرّحمانيّة وهذه الرّحمة فى اكثر الموجودات تظهر بحيث تكون موافقةً لفطرة نوعها سوى الانسان والجانّ فانّ الانسان لكونه مجمع العوالم وفيه انموذج جميع الموجودات بنصّ {أية : عَلَّمَ آدَمَ ٱلأَسْمَآءَ كُلَّهَا} تفسير : [البقرة:31] قد تصير تلك الرّحمة فى وجوه مخالفة الانسانيّة وصورة نوعه لانّ قوى جميع الموجودات مودعة فى الانسان بحيث اذا خرجت قوّة منها الى الفعل كانت مسخّرة لانسانيّة الانسان فاذا صارت فعليّة من تلك الفعليّات مقابلة للانسانيّة او مسخّرة لها كانت مخالفة لها ومخالفة لخلقتها، واذا صارت مسخّرة للانسانيّة كانت موافقة لها وموافقة لخلقتها، وتلك المخالفة والموافقة كلتاهما ظهور الرّحمة الرّحمانيّة وصورتاها؛ فالغضب والرّضا المعبّر عنه بالرّحمة الرّحيميّة من طوارى فعله لا من صفات ذاته وطروّهما لفعله من جهة القابل لا من جهة الفاعل من دون مدخليّة القابل.
فرات الكوفي
تفسير : {ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى* وإني لغفارٌ لمن تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى 81و82} [قال: حدثنا. ب] فرات بن إِبراهيم الكوفي [قال: حدّثنا جعفر بن موسى. ر، أ] معنعناً: عن أبي جعفر عليه السلام في قول الله [تعالى. ر]: {وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى} قال: إلى ولايتنا. فرات قال: حدّثني الحسين بن سعيد معنعناً: عن سعد بن طريف قال: كنت جالساً عند أبي جعفر عليه السلام فجاء [ه. ر] عمرو بن عبيد فقال [له. ر، ب]: أخبرني عن قول الله [تعالى. ر]: {ولا تطغوا فيه فيحل عليكم غضبي ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى} قال له أبو جعفر [عليه السلام. أ، ب]: [قد أخبرك. ر، ب] أن التوبة والإيمان والعمل الصالح لا يقبل [ب: لا يقبله. ر: لا يقبلها] إلا بالاهتداء [و. أ، ب] أما التوبة فمن الشرك بالله وأما الإيمان فهو التوحيد لله وأما العمل الصالح فهو أداء الفرائض، وأما الاهتداء فبولاة الأمر ونحن هم. وأما قوله: {ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى} فإنما على الناس أن يقرؤا القرآن كما أنزل فإذا احتاجوا إلى تفسيره فالاهتداء بنا وإلينا يا عمرو. فرات قال: حدثنا عبيد بن كثير معنعناً: عن أبي جعفر محمد بن علي عليهما السلام قال: قال الله [تعالى. ر] في كتابه: {وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى} قال: والله لو أنه تاب وآمن وعمل صالحاً ولم يهتد إلى ولايتنا ومودتنا ويعرف فضلنا ما أغنى عنه ذلك شيئاً. فرات قال: حدثنا محمد بن القاسم بن عبيد [قال: حدثنا الحسن بن جعفر بن إسماعيل الأفطس قال: حدثنا الحسين بن محمد بن سواء قال: حدثنا محمد بن عبد الله الحنظلي: حدثنا عبد الرزاق: حدثنا الحسن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن جدّه]: عن ابي ذر الغفاري رضي الله عنه [ر: رحمة الله عليه] في قول الله [تعالى. ش، ر]: {وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى} قال [قال. ب]: آمن بما جاء به محمد صلى الله عليه وآله وسلم {وعمل صالحاً} قال: أداء الفرائض {ثم اهتدى} [قال: اهتدى. ش] إلى حب آل محمد. وسمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: حديث : والذي بعثني بالحق نبياً لا ينفع أحدكم الثلاثة حتى يأتي بالرابعة فمن شاء حققها ومن شاء كفر بها، فأنا منازل الهدى وأئمة التقى وبنا يستجاب الدعاء ويدفع البلاء، وبنا ينزل الغيث من السماء ودون علمنا تكل ألسن العلماء ونحن باب حطة وسفينة نوح ونحن جنب الله الذي ينادي من فرط فينا يوم القيامة بالحسرة والندامة، ونحن حبل الله المتين الذي من اعتصم به هدي إلى صراطٍ مستقيم، ولا يزال محبنا منفياً مودياً! منفرداً مضروباً مطروداً مكذوباً محزوناً باكي العين حزين القلب حتى يموت [في ذلك. ب] وذلك في الله قليل .
اطفيش
تفسير : {كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} وقرأ حمزة والكسائى ما رزقتكم. والطيبات: الحلال، أو اللذائذ. والإضافة للبيان أو للتبعيض، فإن من الرزق ما هو حلال وما هو حرام. هذا مذهبنا معشر الأباضية. {وَلاَ تَطْغَوْا فِيهِ} أى فيما رزقناكم، أى لا تجاوزوا والحد فيه بالإسراف، ومنعه عن مستحقه، والتكبر، وعدم الشكر، واستعماله فى المعاصى، والتقوِّى به عليها. وقيل: لا تدخروا وقيل: كانوا لا يأخذون لغد لأنه يفسد، ولا يوم الجمعة ويوم السبت، لتفرغهم للعبادة. قيل: لولا بنو إسرائيل ما اختير الطعام، ولولا حواء ما خانت أنثى زوجها. {فَيَحِلَّ} أى يجب {عَلَيْكُمْ غَضَبِى} من حَلَّ الدَّينُ: إذا وجب أداؤه وقرأ الكسائى بضم الحاء، بمعنى ينزل. {وَمَنْ يَحْلِلْ} يجب وقرأ الكسائى بضم اللام، أى ينزل. {عَلَيْهِ غَضَبِى فَقَدْ هَوَى} هلك وقيل: وقع فى الهاوية.
اطفيش
تفسير : { كُلُوا} قائلين كلوا وقيل: مستأنف {مِنْ طيِّبات} حلو وحلال {ما رزقناكمْ} قدم الإنجاء من العدو لأنه من دفع المضار، وهو أهم من جلب المنافع، والتخلى قبل التحلى، وعنى بالنعمة الدينية، لأنها من المناجع كالألف في الوجه، ما وجه بلا أنف، وأخر النعمة الدنيوية لأنها دونها، نجانا الله من كيد الأعداء، وجعله في نحورهم، ولا جعل لعدوِّنا سبيلا إلينا. {ولاَ تطغَوْا فيه} فى ما رزقناكم بالإسراف والبطر، والاستعانة به على معاصى الله، ومنع الحقوق الواجبة، ومنعه عن مستحقه، وإعطاءه من ليس له أهلا، والفخر به، وسرقة وغصب ونحو ذلك من أنواع كفر النعمة، وذلك فى سائر أحوالهم، لا فى خصوص المنِّ والسلوى، وقيل: الكلام فيهما، والمعنى لا تدخروا {فيحلَّ} ينزل {عَليْكم غَضبَى} أو يلزمكم من حل الدَّين يحل إذا وجب أداؤه، لحضور أجله {ومَنْ يحلل عليْه غَضَبى} أظهر فى مقام الإضمار تغليظاً بذكر الغضب باسمه مضافاً لاسّمه تعالى، ولأن الثانى أعم، والمراد بالغضب العقاب، فهو فعل له عز وجل هنا لا وصف، وإن جعلناه وصفاً قدر مضاف، أى مقتضى غضبى، وهو العقاب {فَقدْ هَوَى} هلك، فإن الهلاك مسبب ولازم للسقوط من عال، أو هوى وقع في الهاوية، ويقال في جهنم قصر يرمى الكافر من أعلاه، فيهوى اربعين خريفاً.
الالوسي
تفسير : {كُلُواْ مِن طَيِّبَـٰتِ مَا رَزَقْنَـٰكُمْ } أي من لذائذه أو حلالاته على أن المراد بالطيب ما يستطيبه الطبع أو الشرع. وجوز أن يراد بالطيبات ما جمعت وصفي اللذة والحل، والجملة مستأنفة مسوقة لبيان إباحة ما ذكرهم وإتماماً للنعمة عليهم، وقرأ من ذكر آنفاً {رزقتكم} وقدم سبحانه نعمة الإنجاء من العدو لأنها من باب درء المضار وهو أهم من جلب المنافع ومن ذاق مرارة كيد الأعداء خذلهم الله تعالى ثم أنجاه الله تعالى وجعل كيدهم في نحورهم علم قدر هذه النعمة، نسأل الله تعالى أن يتم نعمه علينا وأن لا يجعل لعدو سبيلاً إلينا، وثنى جلا وعلا بالنعمة الدينية لأنها الأنف في وجه المنافع، وأخر عز وجل النعمة الدنيوية لكونها دون ذلك فتباً لمن يبيع الدين بالدنيا. {وَلاَ تَطْغَوْاْ فِيهِ } أي فيما رزقناكم بالإخلال بشكره وتعدي حدود الله تعالى فيه بالسرف والبطر والاستعانة به على معاصي الله تعالى ومنع الحقوق الواجبة فيه، وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أي لا يظلم بعضكم بعضاً فيأخذه من صاحبه بغير حق، وقيل: أي لا تدخروا. وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما {وَلاَ تطغوا } بضم الغين {فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِى } جواب للنهي أي فيلزمكم غضبـي ويجب لكم من حل الدين يحل بكسر الحاء إذا وجب أداؤه وأصله من الحلول وهو في الأجسام ثم استعير لغيرها وشاع حتى صارت حقيقة فيه {وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِى فَقَدْ هَوَىٰ } أي هلك / وأصله الوقوع من علو كالجبل ثم استعمل في الهلاك للزومه له، وقيل: أي وقع في الهاوية وإليه ذهب الزجاج. وفي بعض الآثار أن في جهنم قصراً يرمي الكافر من أعلاه فيهوى في جهنم أربعين خريفاً قبل أن يبلغ الصلصال فذلك قوله تعالى: {فَقَدْ هَوَىٰ } فيكون بمعناه الأصلي إذا أريد به فرد مخصوص منه لا بخصوصه. وقرأ الكسائي {فيحل } بضم الحاء {ومن يحلل } بضم اللام الأولى وهي قراءة قتادة وأبـي حيوة والأعمش وطلحة ووافق ابن عتبة في {يحلل } فضم، وفي «الإقناع» لأبـي علي الأهوازي قرأ ابن غزوان عن طلحة {لا يحلن عليكم} بنون مشددة وفتح اللام وكسر الحاء وهو من باب لا أرينك هنا، وفي كتاب «اللوامح» قرأ قتادة وعبد الله بن مسلم بن يسار وابن وثاب والأعمش {فيحل } بضم الياء وكسر الحاء من الإحلال ففاعله ضمير الطغيان و {غَضَبِي } مفعوله، وجوز أن يكون هو الفاعل والمفعول محذوف أي العذاب أو نحوه، ومعنى يحل مضموم الحاء ينزل من حل بالبلد إذا نزل كما في «الكشاف». وفي «المصباح» حل العذاب يحل ويحل هذه وحدها بالكسر والضم والباقي بالكسر فقط، والغضب في البشر ثوران دم القلب عند إرادة الانتقام، وفي الحديث "حديث : اتقوا الغضب فإنه جمرة توقد في قلب ابن آدم ألم تروا إلى انتفاخ أوداجه وحمرة عينيه"تفسير : وإذا وصف الله تعالى به لم يرد هذا المعنى قطعاً وأريد معنى لائق بشأنه عز شأنه، وقد يراد به الانتقام والعقوبة أو إرادتهما نعوذ بالله تعالى من ذلك، ووصف ذلك بالحلول حقيقة على بعض الاحتمالات ومجاز على بعض آخر، وفي «الانتصاف» ((أن وصفه بالحلول لا يتأتى على تقدير أن يراد به إرادة العقوبة ويكون ذلك بمنزلة قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ينزل ربنا إلى السماء الدنيا» تفسير : على التأويل المعروف أو عبر عن حلول أثر الإرادة بحلولها تعبيراً عن الأثر بالمؤثر كما يقول الناظر إلى عجيب من مخلوقات الله تعالى: انظر إلى قدرة الله تعالى يعني أثر القدرة لا نفسها)). {وَإِنّى لَغَفَّارٌ } كثير المغفرة {لّمَن تَابَ } من الشرك على ما روي عن ابن عباس، وقيل: منه ومن المعاصي التي من جملتها الطغيان فيما رزق {وَآمَنَ } بما يجب الإيمان به. واقتصر ابن عباس رضي الله تعالى عنهما فيما يروى عنه على ذكر الإيمان بالله تعالى ولعله من باب الاقتصار على الأشرف وإلا فالأفيد إرادة العموم مع ذكر التوبة من الشرك {وَعَمِلَ صَـٰلِحَاً } أي عملاً مستقيماً عند الشرع وهو بحسب الظاهر شامل للفرض والسنة، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما تفسير ذلك بأداء الفرائض {ثُمَّ ٱهْتَدَىٰ } أي لزم الهدى واستقام عليه إلى الموافاة وهو مروي عن الحبر. والهدى يحتمل أن يراد به الإيمان، وقد صرح سبحانه بمدح المستقيمين على ذلك في قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَـٰمُواْ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ ٱلْمَلَٰئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ } تفسير : [فصلت: 30]. وقال الزمخشري: الاهتداء هو الاستقامة والثبات على الهدى المذكور وهو التوبة والايمان والعمل الصالح وأياً ما كان فكلمة ثم إما للتراخي باعتبار الانتهاء لبعده عن أول الانتهاء أو للدلالة على بعد ما بين المرتبتين فإن المداومة أعلى وأعظم من الشروع كما قيل:شعر : لكل إلى شاو العلى وثبات ولكن قليل في الرجال ثبات تفسير : / وقيل: المراد ثم عمل بالسنة، وأخرج سعيد بن منصور عن الحبر أن المراد من اهتدى علم أن لعمله ثواباً يجزي عليه، وروي عنه غير ذلك، وقيل: المراد طهر قلبه من الأخلاق الذميمة كالعجب والحسد والكبر وغيرها، وقال ابن عطية: الذي يقوى في معنى {ثُمَّ ٱهْتَدَىٰ } أن يكون ثم حفظ معتقداته من أن تخالف الحق في شيء من الأشياء فإن الاهتداء على هذا الوجه غير الإيمان وغير العمل انتهى، ولا يخفى عليك أن هذا يرجع إلى قولنا ثم استقام على الإيمان بما يجب الإيمان به على الوجه الصحيح. وروى الإمامية من عدة طرق عن أبـي جعفر الباقر رضي الله تعالى عنه أنه قال: ثم اهتدى إلى ولايتنا أهل البيت فوالله لو أن رجلاً عبد الله تعالى عمره بين الركن والمقام ثم مات ولا يجىء بولايتنا لأكبه الله تعالى في النار على وجهه. وأنت تعلم أن ولايتهم وحبهم رضي الله عنهم مما لا كلام عندنا في وجوبه لكن حمل الاهتداء في الآية على ذلك مع كونها حكاية لما خاطب الله تعالى به بني إسرائيل في زمان موسى عليه السلام مما يستدعي القول بأنه عز وجل أعلم بني إسرائيل بأهل البيت وأوجب عليهم ولايتهم إذ ذاك ولم يثبت ذلك في صحيح الأخبار. نعم روى الإمامية من خبر جارود بن المنذر العبدي أن النبـي صلى الله عليه وسلم قال له «يا جارود ليلة أسري بـي إلى السماء أوحى الله عز وجل إليَّ أن سل من أرسلنا قبلك من رسلنا علام بعثوا قلت: علام بعثوا؟ قال: على نبوتك وولاية علي بن أبـي طالب والأئمة منكما ثم عرفني الله تعالى بهم بأسمائهم ثم ذكر صلى الله عليه وسلم أسماءهم واحداً بعد واحد إلى المهدي وهو خبر طويل يتفجر الكذب منه. ولهم أخبار في هذا المطلب كلها من هذا القبيل فلا فائدة في ذكرها إلا التطويل. والآية تدل على تحقق المغفرة لمن اتصف بمجموع الصفات المذكورة. وقصارى ما يفهم منها عند القائلين بالمفهوم عدم تحققها لمن لم يتصف بالمجموع وعدم التحقق أعم من تحقق العدم فالآية بمعزل عن أن تكون دليلاً للمعتزلي على تحقق عدم المغفرة لمرتكب الكبيرة إذا مات من غير توبة فافهم واحتج بها من قال تجب التوبة عن الكفر أولاً ثم الإتيان بالإيمان ثانياً لأنه قدم فيها التوبة على الإيمان، واحتج بها أيضاً من قال بعدم دخول العمل الصالح في الإيمان للعطف المقتضي للمغايرة.
د. أسعد حومد
تفسير : {طَيِّبَاتِ} {رَزَقْنَاكُمْ} (81) - كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ هذا الرِّزْقِ الذِي رَزَقْنَاكُمْ، وَلاَ تَطْغَوا فِي رِزْقِي، فَتُخِلُّوا بِشُكْرِهِ، أَوْ تَأْخُذُوهُ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إِلَيْهِ، أَوْ تُخَالِفُوا مَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ، وَإِذَا فَعَلْتُمْ ذلِكَ حَلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي، وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ شَقِيَ وَهَلَكَ. َلاَ تَطْغَوْاْ فِيهِ - لاَ تَكْفُرُوا نِعَمَهُ وَلاَ تَظْلِمُوا. فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ - فَيَجِبُ عَلَيْكُمْ وَيَلْزَمُكُمْ. هَوَى - هَلَكَ أَوْ وَقَعَ فِي الهَاوِيَةِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : الطعام والشراب والهواء مُقوِّمات الحياة التي ضمنها الله عز وجل لنا، والأمر بالأكل هنا للإباحة، وليست فَرْضاً عليك أنْ تأكل إلا إذا أردتَ الإضراب عن الطعام إضراباً يضرُّ بحياتك فعندها تُجبر عليه. وقوله: {مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ..} [طه: 81] خصَّ الطيبات؛ لأن الرزق: منه الطيب، ومنه غير الطيّب، فالرزق: كُلّ ما انتفعتَ به ولو كان حراماً. بمعنى أن ما نِلْتَه من الحرام هو أيضاً من رزقك إلا أنك تعجَّلته بالحرام، ولو صبرْتَ عليه وعففْتَ نفسك عنه لَنِلْتَ أضعافه من الحلال. ثم يقول تعالى: {وَلاَ تَطْغَوْاْ فِيهِ ..} [طه: 81] وفي آية البقرة {أية : وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}تفسير : [النحل: 118] فكأن ظلمَ النفس عِلَّته أنهم طَغَوْا في الأكل من الرزق. والطغيان: من طغى الشيء إذا زاد عن حَدِّه المألوف الذي ينتفع به، ومنه طغيان الماء إذا زاد عن الحدِّ الذي يزيل الشَّرق والعطش إلى حَدِّ أنه يُغرق، كما قال تعالى: {أية : إِنَّا لَمَّا طَغَا ٱلْمَآءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي ٱلْجَارِيَةِ}تفسير : [الحاقة: 11] أي: تجاوز الحد الذي ينتفع به إلى العَطَب والهلاك. وهكذا في أي حَدٍّ، لكن كيف تتأتى مجاوزة الحد في الطعام والأقوات؟ الحق - تبارك وتعالى - لما خلق الأرض قدَّر فيها أقواتها إلى يوم القيامة، فقال تعالى: {أية : وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا ..}تفسير : [فصلت: 10]. فاطمئنوا إلى هذه المسألة، وإذا رأيتم الأرض لا تعطي فلا تتهموها، إنما اتهموا أنفسكم بالتقصير والتكاسل عن عمارة الأرض وزراعتها، كما أمركم الله: {أية : هُوَ أَنشَأَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ وَٱسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا ..}تفسير : [هود: 61]. وقد غفلنا زمناً عن هذه المسألة، حتى فاجأتنا الأحداث بكثرة العدد وقِلَّة المدد، فكان الخروج إلى الصحراء وتعميرها. وما دام أن الخالق - عز وجل - خلق لنا أرزاقنا ومُقوِّمات حياتنا، وجعلها مناسبة لهذا الإنسان الذي كرّمه وجعله خليفة له في الأرض، وجعل لهذا الرزق ولهذه المقوّمات حدوداً حدّها وبيَّنها هي (الحلال)، فلا ينبغي لك بعد ذلك أن تتعدى هذه الحدود، وتطغى في تناول طعامك وشرابك. ونحن نرى حتى الآلات التي صنعها البشر، لكل منها وقودها الخاص، وإذا أعطيتها غيره لا تؤدي مهمتها، فمثلاً لو وضعت للطائرة سولاراً لا تتحرك، فليس هو الوقود المناسب لطبيعتها. إذن: حدودك في مُقوِّمات حياتك الحلال، ولو استقرأنا ما أحلَّ الله وما حرَّم لوجدنا الأصل في الأشياء أنها حلال، والكثير هو المحلل لك، أما المحرم عليك فهو القليل المحصور الذي يمكن تحديده. لذلك يقول عز وجل: {أية : قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ..}تفسير : [الأنعام: 151] ولم يقُلْ مثلاً في آية أخرى: تعالوا أَتْلُ ما أحل الله لكم؛ لأنها مسألة تطول ولا تحصى. إذن: ساعةَ أعطاك ربك قال لك: هذا رِزْقُك الحلال الخالص، ومنه وقودك ومُقوِّمات حياتك، وبه بقاؤك ونشاط حركتك. فلا تتعدَّ الحلال على كثرته إلى الحرام على قِلَّته وانحصاره في عِدَّة أنواع، بيَّنها لك وحذَّرك منها. وبالغذاء تتم في الجسم عملية (الأَيْض) يعني: الهدم والبناء، وهي عملية مستمرة في كل لحظة من لحظاتك، فإياك أنْ تبني ذَرَّة من ذراتك من الحرام؛ لأن ذرة الحرام هذه تظل تُشاغبك وتُلِح عليك كي تُوقِعك في أصلها. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أيها الناس، إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ ٱلطَّيِّبَاتِ وَٱعْمَلُواْ صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} وقال: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} ثم ذكر الرجل يطيل السفر، أشعث أغبر، ثم يمد يديه إلى السماء: يا رب يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغُذِّي بالحرام، فأنَّى يُستجاب لذلك ". تفسير : ذلك لأن ذرات بنائه غير منسجمة، لأنها نَمتْ على وقودٍ ما أحله الله له. لذلك تسمع من بعض المتمحكين: ما دام أن الله خلق الخنزير فلماذا حرَّمه؟ نقول: لقد فهمتَ أن كل مخلوق خُلِق ليؤكل، وهذا غير صحيح، فالله خلق البترول الذي تعمل به الآلات، أتستطيع أن تشربه كالسيارة؟ إذن: فَرْق بين شيء مخلوق لشيء، وأنت توجهه لشيء آخر، هذه تسمى إحالة أي: تحويل الشيء إلى غير ما جُعِل له، وهذا هو الطغيان في القُوت؛ لأنك نقلتَ الحرام إلى الحلال. وقد يأتي الطغيان في صورة أخرى، كأن تأكل ما أحلَّ الله من الطيبات، لكنك تحصل عليها بطريق غير مشروع، وتُعوِّد نفسك الكسل عن الكسْب الحلال، فتأخذ مجهود غيرك وتعيش عالةً عليه، فإلى جانب أنك تتغذَّى على الحرام فأنت أيضاً تُزهّد غيرك في الحركة والإنتاج والمِلك، وما فائدة أن يتعب الإنسان ويأخذ غيره ثمرة تعبه؟ وقد أخذ الطغيان بهذا المعنى صُوراً متعددة في مجتمعاتنا، فيمكن أن ندرج تحته: الغصب، والخطف، والسرقة، والاختلاس، والرشوة، وخيانة الأمانة، وخداع مَن استأجرك إلى غير ذلك من أخْذ أموال الناس بالباطل ودون وَجْه حق، وكل عمل من هذه التعديات له صورته. فالخطف: أنْ تخطف مال غيرك دون أنْ يكون في متناول يد المخطوف منه ثم تَفِر منه، فإنْ كان في متناول يده وأنت غالبته عليه، وأخذته عُنْوةً فهو غَصْب مأخوذ من: غَصْب الجلد عن الشاة أي: سلخه عنها. فإنْ كان أخذ المال خُفْية وهو في حِرْزه فهي سرقة. وإن كنت مُؤتمناً على مال بين يديك فأخذتَ منه خفية فهو اختلاس.. الخ. إذن: أحل الله لك أشياءً، وحرَّم عليك أخرى، فإنْ كان الشيء في ذاته حلالاً فلا تأخذه إلا بحقِّه حتى يحترم كل مِنّا عمل الآخر وحركته في الحياة وملكيته للأشياء، وبذلك تستقيم بِنَا حركة الحياة، ويسعد الجميع ونعين المنفق، ونأخذ على يد المتسيِّب البلطجي. وللإسلام منهج قويم في القضاء على مسألة البطالة، تأخذ به بعض النظم الحديثة الآن، وهو أن الشرع يأمر للقضاء على البطالة أن تحفر بئراً وتطُمَّها: أي احفرها وأرْدِمها ثم اعْطِ الأجير فيها أجره. كيف هذا؟ تحفر البئر ولا تستفيد منها وتردمها فما الفائدة؟ ولماذا لم نعط الأجير أجره دون حفر ودون ردم؟ قالوا: حتى لا يتعوَّد على الخمول والكسل، وحتى لا يأكل إلاّ من عرقه وكَدَّه، وإلا فسد المجتمع. وللطغيان في القوت صورة أخرى، هي أن تستخدم القوت الذي جعله الله طاقة لك في حركة الحياة النافعة، فإذا بك تصرف هذه الطاقة التي أنعم الله بها عليك في معصيته. وهكذا، كان الطغيان هو علّة {أية : وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ ..}تفسير : [النحل: 118] أي: بالعقوبة {أية : وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}تفسير : [النحل: 118] أي: بالطغيان. ثم يقول تعالى: {فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي ..} [طه: 81] الفعل: حَلَّ، يحلّ يأتي بمعنى: صار حلالاً، كما تقول للسارق: حلال فيه السجن. وتأتي حلَّ يحل بمعنى: نزل في المكان، تقول: حَلَّ بالمكان أي: نزل به. فيكون المعنى: {فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي ..} [طه: 81] أي: صار حلالاً، ووجب لكم، أو بمعنى: ينزل بكم. وقد يكون المعنى أعمَّ من هذا كله. والغضب انفعال نفسيٌّ يُحدِث تغييراً في كيماوية الجسم، فترى الغاضب قد انتفختْ أوداجه واحمرَّ وجهه، وتغيّرت ملامحه، فهذه أغيار تصاحب هذا الانفعال. فهل غضب الله عز وجل من هذا النوع؟ بالطبع لا؛ لأنه تعالى ليس عنده أغيار، وإذا كان الغضب يتناسب وقدرة الغاضب على العذاب، فما بالك إنْ كان الغضب من الله؟ ثم يقول تعالى: {وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَىٰ} [طه: 81] مادة: هَوَى لها استعمالان، الأول: هَوَى يهْوِي: يعني سقط من أَعْلى سقوطاً لا إرادةَ له في منعه، كأن يسقطَ فجأة من على السطح مثلاً، ومن ذلك قوله: شعر : هُوِىّ الدلو أَسْلَمَها الرِّشَاء تفسير : إذا انقطع الحبل الذي يُخرِج الدَّلُو. والآخر: هَوِىَ يَهْوَى: أي أحبَّ. فيكون المعنى {فَقَدْ هَوَىٰ} [طه: 81] سقط إلى القاع سقوطاً لا يبقى له قيمة في الحياة، أو هَوَى في الدنيا، ويَهوي في الآخرة، كما جاء في قوله تعالى: {أية : فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ}تفسير : [القارعة: 9] فأمه ومصدر الحنان له هاوية، فكيف به إذا هوى في الهاوية؟ هذه كلها عِظَات ومواعظ للمؤمن، يُبيِّنها الحق - سبحانه وتعالى - له - كي يبني حركة حياته على ضَوْئها وهُدَاها. ولما كان الإنسان عُرْضة للأغيار لا يثبتُ على حال يتقلَّب بين عافية ومرض، بين غِنىً وفقرٍ، فكُلُّ ما فيه موهوب له لا ذاتيّ فيه، لذلك إياك أن تحزن حين يفوتك شيء من النعمة؛ لأنها لن تبقى ولن تدوم، وهَبْ أنك بلغتَ قمة النعيم، فماذا تنتظر إلا أنْ تزول، كما قال الشاعر: شعر : إذَا تَمَّ شَيْءٌ بَدَا نَقْصُه تَرقَّبْ زَوَالاً إِذَا قِيلَ تَمّ تفسير : فإذا تَمَّ لك الشيء، وأنت ابْنُ أغيار، ولا يدوم لك حال فلا بُدَّ لك أن تنحدر إلى الناحية الأخرى. فكأن نقْصَ الإنسان في آماله في الحياة هي تميمة حراسة النِّعَم، وما فيه من نَقْص أو عيب يدفع عنه حَسَد الحاسد، كما قال الشاعر في المدح: شعر : شَخَصَ الأنَامُ إلى كَمَالِكَ فَاسْتِعذْ مِنْ شَرِّ أعينهِمْ بِعيْبٍ وَاحِدٍ تفسير : أي: أن الأعين متطلعة إليك، فاصرفها عنك، ولو بعيب واحد يذكره الناس وينشغلون به. وفي الريف يعيش بعض الفلاحين على الفطرة، فإنْ رُزِق أحدهم بولد جميل وسيم يُلفِت نظر الناس إليه. وتراهم يتعمدون إهمال شكله ونظافته، أو يضعونَ له (فاسوخة) دَفْعاً للحسد وللعين. لذلك، فالمرأة التي دخلت على الخليفة، فقالت له: أتمَّ الله عليك نعمته، وأقرَّ عينك، ففهم الحضور أنها تدعو له، فلما خرجتْ قال الخليفة: أعرفتم ما قالت المرأة؟ قالوا: تدعو لك، قال: بل تدعو عليَّ، فقد أرادت بقولها: أتمَّ الله عليك نعمته تريد أزالها؛ لأن النعمة إذا تمت لم يَبْقَ لها إلا الزوال، وقولها: أقَرَّ الله عينكَ تريد: أسكنها عن الحركة. إذن: لا تغضَب إنْ قالوا عنك: ناقص في كذا، فهذا النقص هو تميمة الكمال، ويريدها الله لك لمصلحتك أنت. وما دام الإنسان ابن أغيار، فلا بُدَّ أنْ يغفل عن منهج الله، فتكون له سَقَطات وهَفَوات تحتاج إلى غفران؛ لذلك يقول تعالى: {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ ...}.
همام الصنعاني
تفسير : 1823- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي} [الآية: 81]، قال: ينزل عليكم غضبي.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):