Verse. 2431 (AR)

٢٠ - طه

20 - Ta-Ha (AR)

وَمَاۗ اَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يٰمُــوْسٰى۝۸۳
Wama aAAjalaka AAan qawmika ya moosa

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وما أعجلك عن قومك» لمجيء ميعاد أخذ التوراة «يا موسى».

83

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن في قوله: {وَمَا أَعْجَلَكَ عَن قَومِكَ يٰمُوسَىٰ } دلالة على أنه قد تقدم قومه في المسير إلى المكان ويجب أن يكون المراد ما نبه عليه في قوله تعالى: { أية : وَوَاعَدْنَـٰكُمْ جَانِبَ ٱلطُّورِ ٱلأَيْمَنَ } تفسير : [طه: 80] في هذه السورة، وفي سائر السور كقوله: { أية : وَوٰعَدْنَا مُوسَىٰ ثَلَـٰثِينَ لَيْلَةً } تفسير : [الأعراف: 142] يريد الميقات عند الطور وعلى الآية سؤالات: السؤال الأول: قوله: {وَمَا أَعْجَلَكَ } استفهام وهو على الله محال. الجواب أنه إنكار في صيغة الاستفهام ولا امتناع فيه. السؤال الثاني: أن موسى عليه السلام لا يخلو إما أن يقال إنه كان ممنوعاً عن ذلك التقدم أو لم يكن ممنوعاً عنه، فإن كان ممنوعاً كان ذلك التقدم معصية فيلزم وقوع المعصية من الأنبياء، وإن قلنا إنه ما كان ممنوعاً كان ذلك الإنكار غير جائز من الله تعالى. والجواب: لعله عليه السلام ما وجد نصاً في ذلك إلا أنه باجتهاده تقدم فأخطأ في ذلك الاجتهاد فاستوجب العتاب. السؤال الثالث: قال: {وَعَجِلْتُ } والعجلة مذمومة. والجواب: إنها ممدوحة في الدين. قال تعالى: { أية : وَسَارِعُواْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مّن رَّبّكُمْ وَجَنَّةٍ } تفسير : [آل عمران: 133]. السؤال الرابع: قوله: {لِتَرْضَىٰ } يدل على أنه عليه السلام إنما فعل ذلك لتحصيل الرضا لله تعالى وذلك باطل من وجهين. أحدهما: أنه يلزم تجدد صفة الله تعالى، والآخر أنه تعالى قبل حصول ذلك الرضا وجب أن يقال: إنه تعالى ما كان راضياً عن موسى لأن تحصيل الحاصل محال، ولما لم يكن راضياً عنه وجب أن يكون ساخطاً عليه، وذلك لا يليق بحال الأنبياء عليهم السلام. الجواب: المراد تحصيل دوام الرضا كما أن قوله: {ثُمَّ ٱهْتَدَىٰ } المراد دوام الاهتداء. السؤال الخامس: قوله: {وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ } يدل على أنه ذهب إلى الميعاد قبل الوقت الذي عينه الله تعالى له، وإلا لم يكن ذلك تعجيلاً ثم ظن أن مخالفة أمر الله تعالى سبب لتحصيل رضاه وذلك لا يليق بأجهل الناس فضلاً عن كليم الله تعالى. والجواب: ما ذكرنا أن ذلك كان بالاجتهاد وأخطأ فيه. السؤال السادس: قوله: {إِلَيْكَ } يقتضي كون الله في الجهة لأن إلى لانتهاء الغاية. الجواب: توافقنا على أن الله تعالى لم يكن في الجبل فالمراد إلى مكان وعدك. السؤال السابع: {مَا أَعْجَلَكَ } سؤال عن سبب العجلة فكان جوابه اللائق به أن يقول: طلبت زيادة رضاك والشوق إلى كلامك، وأما قوله: {هُمْ أُوْلاءِ عَلَىٰ أَثَرِى } فغير منطبق عليه كما ترى والجواب من وجهين: الأول: أن سؤال الله تعالى يتضمن شيئين: أحدهما: إنكار نفس العجلة. والثاني: السؤال عن سبب التقدم فكان أهم الأمرين عند موسى عليه السلام بالجواب هذا الثاني فقال: لم يوجد مني إلا تقدم يسير لا يحتفل به في العادة وليس بيني وبين من سبقته إلا تقدم يسير يتقدم بمثله الوفد عن قومهم ثم عقبه بجواب السؤال عن العجلة فقال: {وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَىٰ }. الثاني: أنه عليه السلام لما ورد عليه من هيبة عتاب الله تعالى ما ورد ذهل عن الجواب المنطبق المترتب على حدود الكلام، واعلم أن في قوله: {وَمَا أَعْجَلَكَ عَن قَومِكَ يٰمُوسَىٰ } دلالة على أنه تعالى أمره بحضور الميقات مع قوم مخصوصين، واختلفوا في المراد بالقوم فقال بعضهم: هم النقباء السبعون الذين قد اختارهم الله تعالى ليخرجوا معه إلى الطور فتقدمهم موسى عليه السلام شوقاً إلى ربه. وقال آخرون: القوم جملة بني إسرائيل وهم الذين خلفهم موسى مع هـٰرون وأمره أن يقيم فيهم خليفة له إلى أن يرجع هو مع السبعين فقال: {هُمْ أُوْلاءِ عَلَىٰ أَثَرِى } يعني بالقرب مني ينتظرونني، وعن أبي عمرو ويعقوب إثري بالكسر وعن عيسى بن عمر أثري بالضم، وعنه أيضاً أولى بالقصر، والأثر أفصح من الإثر. وأما الأثر فمسموع في فرند السيف وهو بمعنى الأثر غريب.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَمَآ أَعْجَلَكَ عَن قَومِكَ يٰمُوسَىٰ } أي ما حملك على أن تسبقهم. قيل: عنى بالقوم جميع بني إسرائيل؛ فعلى هذا قيل: استخلف هارون على بني إسرائيل، وخرج معه بسبعين رجلاً للميقات. فقوله: {هُمْ أُوْلاۤءِ عَلَىٰ أَثَرِي} ليس يريد أنهم يسيرون خلفه متوجهين إليه، بل أراد أنهم بالقرب مني ينتظرون عودي إليهم. وقيل: لا بل كان أمر هارون بأن يتبع في بني إسرائيل أثره ويلتحقوا به. وقال قوم: أراد بالقوم السبعين الذين اختارهم، وكان موسى لما قرب من الطور سبقهم شوقاً إلى سماع كلام الله (عز وجل). وقيل: لما وفد إلى طورسينا بالوعد اشتاق إلى ربه، وطالت عليه المسافة من شدّة الشوق إلى الله تعالى، فضاق به الأمر حتى شقّ قميصه، ثم لم يصبر حتى خلّفهم ومضى وحده؛ فلما وقف في مقامه قال الله تبارك وتعالى: {وَمَآ أَعْجَلَكَ عَن قَومِكَ يٰمُوسَىٰ } فبقي صلى الله عليه وسلم متحيراً عن الجواب لهذه الكلمة لمّا استقبله من صدق الشوق فأعرض عن الجواب وكنى عنه بقوله: {هُمْ أُوْلاۤءِ عَلَىٰ أَثَرِي} وإنما سأله عن السبب الذي أعجله بقوله: «ما» فأخبر عن مجيئهم بالأثر. ثم قال: {وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَىٰ} فكنى عن ذكر الشوق وصدقه إلى ابتغاء الرضا. ذكر عبد الرزاق عن مَعْمَر عن قتادة في قوله: {وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَىٰ} قال: شوقاً. وكانت عائشة رضي الله عنها إذا أوت إلى فراشها تقول: هاتوا المجيد. فتؤتى بالمصحف فتأخذه في صدرها وتنام معه تتسلى بذلك؛ رواه سفيان عن مِسْعَر عن عائشة رضي الله عنها. «حديث : وكان عليه الصلاة والسلام إذا أمطرت السماء خلع ثيابه وتجرد حتى يصيبه المطر ويقول: «إنه حديث عهد بربّي»» تفسير : فهذا من الرسول صلى الله عليه وسلم وممن بعده من قبيل الشوق؛ ولذلك قال الله تبارك اسمه فيما يروى عنه: «حديث : طال شوق الأبرار إلى لقائي وأنا إلى لقائهم أشوق»تفسير : . وقال ابن عباس: كان الله عالماً ولكن قال {وَمَآ أَعْجَلَكَ عَن قَومِكَ} رحمة لموسى، وإكراماً له بهذا القول، وتسكيناً لقلبه، ورقة عليه؛ فقال مجيباً لربه: {هُمْ أُوْلاۤءِ عَلَىٰ أَثَرِي}. قال أبو حاتم قال عيسى: بنو تميم يقولون: «هُمْ أولَى» مقصورة مرسلة، وأهل الحجاز يقولون «أولاءِ» ممدودة. وحكى الفراء «هُمْ أَولاَيَ عَلَى أَثَرِي» وزعم أبو إسحاق الزجاج: أن هذا لا وجه له. قال النحاس: وهو كما قال؛ لأن هذا ليس مما يضاف فيكون مثل هُدَايَ. ولا يخلو من إحدى جهتين: إما أن يكون اسماً مبهماً فإضافته محال؛ وإما أن يكون بمعنى الذين فلا يضاف أيضاً؛ لأن ما بعده من تمامه وهو معرفة. وقرأ ابن أبي إسحاق ونصر ورويس عن يعقوب «على إِثْرِي» بكسر الهمزة وإسكان الثاء وهو بمعنى أثر؛ لغتان. {وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَىٰ} أي عجلت إلى الموضع الذي أمرتني بالمصير إليه لترضى عنّي. يقال: رَجُلٌ عجِلٌ وعَجُلٌ وعَجُولٌ وعَجْلاَنُ بين العَجَلة؛ والعَجَلة خلاف البطء. قوله تعالى: {فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ} أي اختبرناهم وامتحنّاهم بأن يستدلوا على الله عز وجل. {وَأَضَلَّهُمُ ٱلسَّامِرِيُّ} أي دعاهم إلى الضلالة أو هو سببها. وقيل: فتناهم ألقيناهم في الفتنة: أي زيّنا لهم عبادة العجل؛ ولهذا قال موسى: {أية : إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ} تفسير : [الأعراف: 155]. قال ابن عباس رضي الله عنهما: كان السامريّ من قوم يعبدون البقر، فوقع بأرض مصر فدخل في دين بني إسرائيل بظاهره، وفي قلبه ما فيه من عبادة البقر. وقيل: كان رجلاً من القبط، وكان جاراً لموسى آمن به وخرج معه. وقيل: كان عظيماً من عظماء بني إسرائيل، من قبيلة تعرف بالسامرة وهم معروفون بالشام. قال سعيد بن جبير: كان من أهل كرمان. قوله تعالى: {فَرَجَعَ مُوسَىٰ إِلَىٰ قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً} حال وقد مضى في «الأعراف» بيانه مستوفى. {قَالَ يٰقَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً} وعدهم عز وجل الجنة إذا أقاموا على طاعته، ووعدهم أنه يسمعهم كلامه في التوراة على لسان موسى؛ ليعملوا بما فيها فيستحقوا ثواب عملهم. وقيل: وعدهم النصر والظفر. وقيل: وعده قوله: {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ} الآية. {أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ ٱلْعَهْدُ} أي أفنسيتم؛ كما قيل؛ والشيء قد ينسى لطول العهد. {أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّكُمْ} «يحلّ» أي يجب وينزل. والغضب العقوبة والنقمة. والمعنى: أم أردتم أن تفعلوا فعلاً يكون سبب حلول غضب الله بكم؛ لأن أحداً لا يطلب غضب الله، بل قد يرتكب ما يكون سبباً للغضب. {فَأَخْلَفْتُمْ مَّوْعِدِي} لأنهم وعدوه أن يقيموا على طاعة الله عز وجل إلى أن يرجع إليهم من الطّور. وقيل: وعدهم على أثره للمقيات فتوقفوا. {قَالُواْ مَآ أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا} بفتح الميم، وهي قراءة نافع وعاصم وعيسى بن عمر. قال مجاهد والسدي: ومعناه بطاقتنا. ابن زيد: لم نملك أنفسنا أي كنا مضطرين. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر «بِمِلْكِنَا» بكسر الميم. واختاره أبو عبيد وأبو حاتم؛ لأنها اللغة العالية. وهو مصدر ملكت الشيء أملكه ملْكا. والمصدر مضاف إلى الفاعل والمفعول محذوف؛ كأنه قال: بمِلْكنا الصواب بل أخطأنا فهو اعتراف منهم بالخطأ. وقرأ حمزة والكسائي «بِمُلْكنا» بضم الميم والمعنى بسلطاننا. أي لم يكن لنا مُلك فنخلف موعدك. ثم قيل قوله: «قَالُوا» عام يراد به الخاص؛ أي قال الذين ثبتوا على طاعة الله إلى أن يرجع إليهم من الطور: {مَآ أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا} وكانوا اثني عشر ألفا، وكان جميع بني إسرائيل ستمائة ألف. {وَلَـٰكِنَّا حُمِّلْنَآ} بضم الحاء وتشديد الميم مكسورة؛ قرأه نافع وابن كثير وابن عامر وحفص ورويس. الباقون بفتح الحرفين خفيفة. واختاره أبو عبيد وأبو حاتم؛ لأنهم حملوا حُلي القوم معهم وما حملوه كرهاً. {أَوْزَاراً} أي أثقالاً {مِّن زِينَةِ ٱلْقَوْمِ} أي من حليّهم؛ وكانوا استعاروه حين أرادوا الخروج مع موسى عليه السلام، وأوهموهم أنهم يجتمعون في عيد لهم أو وليمة. وقيل: هو ما أخذوه من آل فرعون، لما قذفهم البحر إلى الساحل. وسميت أوزاراً بسبب أنها كانت آثاماً. أي لم يحلّ لهم أخذها ولم تحل لهم الغنائم، وأيضاً فالأوزار هي الأثقال في اللغة. {فَقَذَفْنَاهَا} أي ثقل علينا حمل ما كان معنا من الحليّ فقذفناه في النار ليذوب، أي طرحناه فيها. وقيل: طرحناه إلى السامريّ لترجع فترى فيها رأيك. قال قتادة: إن السامري قال لهم حين استبطأ القومُ موسى: إنما احتبس عليكم من أجل ما عندكم من الحليّ؛ فجمعوه ودفعوه إلى السامريّ فرمى به في النار، وصاغ لهم منه عجلاً، ثم ألقى عليه قبضة من أثر فرس الرسول وهو جبريل عليه السلام. وقال معمر: الفرس الذي كان عليه جبريل هو الحياة، فلما ألقى عليه القبضة صار عجلاً جسداً له خُوار. والخُوار صوت البقر. وقال ابن عباس: لما انسكبت الحليّ في النار، جاء السامريّ وقال لهارون: يا نبيّ الله أؤلقي ما في يدي ـ وهو يظن أنه كبعض ما جاء به غيره من الحليّ ـ فقذف التراب فيه، وقال: كن عجلاً جسداً له خُوار، فكان كما قال؛ للبلاء والفتنة؛ فخار خَورة واحدة لم يُتبعها مثلها. وقيل: خُواره وصوته كان بالريح؛ لأنه كان عمل فيه خروقاً فإذا دخلت الريح في جوفه خار ولم تكن فيه حياة. وهذا قول مجاهد. وعلى القول الأوّل كان عجلاً من لحم ودم، وهو قول الحسن وقتادة والسديّ. وروى حماد عن سِماك عن سعيد بن جُبير عن ابن عباس قال: مرّ هارون بالسامريّ وهو يصنع العجل، فقال: ما هذا؟ فقال: ينفع ولا يضر؛ فقال: اللهم أعطه ما سألك على ما في نفسه؛ فقال: اللهم إني أسألك أن يخور. وكان إذا خار سجدوا، وكان الخوار من أجل دعوة هارون. قال ابن عباس: خار كما يخور الحيّ من العجول. وروي أن موسى قال: يا رب هذا السامريّ أخرج لهم عجلاً جسداً له خُوار من حليّهم، فمن جعل الجسد والخوار؟ قال الله تبارك وتعالى: أنا. قال موسى صلى الله عليه وسلم: وعزتك وجلالك وارتفاعك وعلوك وسلطانك ما أضلّهم غيرُك. قال: صدقت يا حكيم الحكماء. وقد تقدّم هذا كله في سورة «الأعراف». {فَقَالُواْ هَـٰذَآ إِلَـٰهُكُمْ وَإِلَـٰهُ مُوسَىٰ} أي قال السامريّ ومن تبعه وكانوا ميالين إلى التّشبيه؛ إذ قالوا: {أية : ٱجْعَلْ لَّنَآ إِلَـٰهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ} تفسير : [الأعراف: 138]. {فَنَسِيَ} أي فضلّ موسى (وذهب) يطلبه فلم يعلم مكانه، وأخطأ الطريق إلى ربه. وقيل: معناه: فتركه موسى هنا وخرج يطلبه. أي ترك موسى إلهه هنا. وروى إسرائيل عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس قال: أي فنسي موسى أن يذكر لكم أنه إلهه. وقيل: الخطاب خبر عن السامريّ. أي ترك السامريّ ما أمره به موسى من الإيمان فضل؛ قاله ابن الأعرابيّ. فقال الله تعالى محتجاً عليهم: {أَفَلاَ يَرَوْنَ} أي يعتبرون ويتفكرون في {أنـ}ـه {لاَ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً} أي لا يكلمهم. وقيل: لا يعود إلى الخوار والصوت. {وَلاَ يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً} فكيف يكون إلٰهاً؟! والذي يعبده موسى صلى الله عليه وسلم يضر وينفع ويثيب ويعطي ويمنع. «أَنْ لاَ يَرْجِعُ» تقديره أنه لا يرجع فلذلك ارتفع الفعل فخففت «أن» وحذف الضمير. وهو الاختيار في الرؤية والعلم والظن. قال:شعر : في فتيةٍ من سيوف الهند قد علموا أَنْ هالكٌ كلُّ من يَحْفَى ويَنْتَعِلُ تفسير : وقد يحذف مع التشديد؛ قال:شعر : فلو كنتَ ضَبِّيًّا عرفتَ قَرَابتي ولكنَّ زنجيٌّ عظيمُ المشافِرِ تفسير : أي ولكنك.

ابن كثير

تفسير : لما سار موسى عليه السلام ببني إسرائيل بعد هلاك فرعون {أية : فَأَتَوْاْ عَلَىٰ قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَىٰ أَصْنَامٍ لَّهُمْ قَالُواْ يَٰمُوسَى ٱجْعَلْ لَّنَآ إِلَـٰهًا كَمَا لَهُمْ ءَالِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ إِنَّ هَـٰؤُلاۤءِ مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ وَبَـٰطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} تفسير : [الأعراف: 138 -139] وواعده ربه ثلاثين ليلة، ثم أتبعها له عشراً، فتمت أربعين ليلة، أي: يصومها ليلاً ونهاراً، وقد تقدم في حديث الفتون بيان ذلك، فسارع موسى عليه السلام مبادراً إلى الطور، واستخلف على بني إسرائيل أخاه هارون، ولهذا قال تعالى: {وَمَآ أَعْجَلَكَ عَن قَومِكَ يٰمُوسَىٰ قَالَ هُمْ أُوْلاۤءِ عَلَىٰ أَثَرِي} أي: قادمون ينزلون قريباً من الطور، {وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَىٰ} أي: لتزداد عني رضا {قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ ٱلسَّامِرِىُّ} أخبر تعالى نبيه موسى بما كان بعده من الحدث في بني إسرائيل وعبادتهم العجل الذي عمله لهم ذلك السامري. وفي الكتب الإسرائيلية أنه كان اسمه هارون أيضاً، وكتب الله تعالى له في هذه المدة الألواح المتضمنة للتوراة؛ كما قال تعالى: {أية : وَكَتَبْنَا لَهُ فِى ٱلأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَىْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَىْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا سَأُوْرِيكُمْ دَارَ ٱلْفَـٰسِقِينَ} تفسير : [الأعراف: 145] أي: عاقبة الخارجين عن طاعتي، المخالفين لأمري. وقوله: {فَرَجَعَ مُوسَىٰ إِلَىٰ قَوْمِهِ غَضْبَـٰنَ أَسِفاً} أي: بعدما أخبره تعالى بذلك في غاية الغضب والحنق عليهم، هو فيما هو فيه من الاعتناء بأمرهم، وتسلم التوراة التي فيها شريعتهم، وفيها شرف لهم، وهم قوم قد عبدوا غير الله، ما يعلم كل عاقل له لب وحزم بطلان ما هم فيه، وسخافة عقولهم وأذهانهم، ولهذا قال: رجع إليهم غضبان أسفاً، والأسف شدة الغضب. وقال مجاهد: غضبان أسفاً، أي: جزعاً، وقال قتادة والسدي: أسفاً: حزيناً على ما صنع قومه من بعده {قَالَ يَٰقَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً} أي: أما وعدكم على لساني كل خير في الدنيا والآخرة وحسن العاقبة، كما شاهدتم من نصرته إياكم على عدوكم، وإظهاركم عليه، وغير ذلك من أيادي الله {أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ ٱلْعَهْدُ} أي: في انتظار ما وعدكم الله، ونسيان ما سلف من نعمه، وما بالعهد من قدم، {أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّكُمْ} (أم) ههنا بمعنى بل، وهي للإضراب عن الكلام الأول، وعدول إلى الثاني، كأنه يقول: بل أردتم بصنيعكم هذا أن يحل عليكم غضب من ربكم، فأخلفتم موعدي، قالوا، أي: بنو إسرائيل في جواب ما أنبهم موسى وقرعهم {مَآ أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا} أي: عن قدرتنا واختيارنا، ثم شرعوا يعتذرون بالعذر البارد، يخبرونه عن تورعهم عما كان بأيديهم من حلي القبط الذي كانوا قد استعاروه منهم حين خرجوا من مصر، فقذفناها، أي: ألقيناها عنا. وقد تقدم في حديث الفتون أن هارون عليه السلام هو الذي كان أمرهم بإلقاء الحلي في حفرة فيها نار، وهي في رواية السدي عن أبي مالك عن ابن عباس، إنما أراد هارون أن يجتمع الحلي كله في تلك الحفيرة، ويجعل حجراً واحداً، حتى إذا رجع موسى عليه السلام، رأى فيه ما يشاء، ثم جاء ذلك السامري فألقى عليها تلك القبضة التي أخذها من أثر الرسول، وسأل من هارون أن يدعو الله أن يستجيب له في دعوته، فدعا له هارون، وهو لا يعلم ما يريد، فأجيب له، فقال السامري عند ذلك: أسأل الله أن يكون عجلاً، فكان عجلاً له خوار، أي: صوت، استدراجاً، وإمهالاً ومحنة واختباراً، ولهذا قال: { فَكَذَلِكَ أَلْقَى ٱلسَّامِرِىُّ فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَداً لَّهُ خُوَارٌ}. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عبادة بن البختري: حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا حماد عن سماك عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: أن هارون مر بالسامري وهو ينحت العجل، فقال له: ما تصنع؟ فقال: أصنع ما يضر ولا ينفع، فقال هارون: اللهم أعطه ما سأل على ما في نفسه، ومضى هارون. وقال السامري: اللهم إني أسألك أن يخور، فخار، فكان إذا خار سجدوا له، وإذا خار رفعوا رؤوسهم. ثم رواه من وجه آخر عن حماد وقال: أعمل ما ينفع ولا يضر. وقال السدي كان يخور ويمشي، فقالوا، أي: الضّلاَّل منهم الذين افتتنوا بالعجل وعبدوه: {هَـٰذَآ إِلَـٰهُكُمْ وَإِلَـٰهُ مُوسَىٰ فَنَسِىَ} أي: نسيه ههنا، وذهب يتطلبه، كذا تقدم في حديث الفتون عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، وقال سماك عن عكرمة عن ابن عباس: {فَنَسِىَ}، أي: نسي أن يذكركم أن هذا إلهكم، وقال محمد بن إسحاق عن حكيم بن جبير عن سعيد بن جبير عن ابن عباس فقالوا: {هَـٰذَآ إِلَـٰهُكُمْ وَإِلَـٰهُ مُوسَىٰ} قال: فعكفوا عليه، وأحبوه حباً لم يحبوا شيئاً قط، يعني: مثله، يقول الله: {فَنَسِىَ} أي: ترك ما كان عليه من الإسلام، يعني: السامري. قال الله تعالى رداً عليهم وتقريعاً لهم وبياناً لفضيحتهم وسخافة عقولهم فيما ذهبوا إليه: {أَفَلاَ يَرَوْنَ أَلاَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً وَلاَ يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً} أي: العجل، أفلا يرون أنه لا يجيبهم إذا سألوه ولا إذا خاطبوه، {وَلاَ يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً}، أي: في دنياهم، ولا في أخراهم. قال ابن عباس رضي الله عنهما: لا والله ما كان خواره إلا أن يدخل الريح في دبره، فيخرج من فمه، فيسمع له صوت، وقد تقدم في حديث الفتون عن الحسن البصري أن هذا العجل اسمه بهموت، وحاصل ما اعتذر به هؤلاء الجهلة أنهم تورعوا عن زينة القبط، فألقوها عنهم، وعبدوا العجل، فتورعوا عن الحقير، وفعلوا الأمر الكبير؛ كما جاء في الحديث الصحيح عن عبد الله بن عمر أنه سأله رجل من أهل العراق عن دم البعوض إذا أصاب الثوب، يعني: هل يصلي فيه أم لا؟ فقال ابن عمر رضي الله عنهما: انظروا إلى أهل العراق، قتلوا ابن بنت رسول الله يعني الحسين، وهم يسألون عن دم البعوض.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَمَآ أَعْجَلَكَ عَن قَومِكَ } لمجيء ميعاد أخذ التوراة {يَـٰمُوسَىٰ }؟.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {غَضْبَانَ أَسِفاً} فيه خمسة أوجه: أحدها: أن الأسف أشد الغضب. الثاني: الحزين، قاله ابن عباس، وقتادة، والسدي. الثالث: أنه الجزع، قاله مجاهد. الرابع: أنه المتندم. الخامس: أنه المتحسِّر. قوله تعالى: {أَلَمْ يَعِدُكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حسناً} فيه أربعة أقاويل: أحدها: أنه وعدكم النصر والظفر. الثاني: أنه قوله: {وِإِنِّي لَغَفَّارٌ} الآية. الثالث: التوراة فيها هدى ونور ليعملواْ بما فيها فيستحقواْ ثواب عملهم. الرابع: أنه ما وعدهم به في الآخرة على التمسك بدينه في الدنيا، قاله الحسن. وفي قوله تعالى: {فَأَخَلَفْتُم مَّوْعِدِي} وجهان: أحدهما: أنه وعدهم على أثره للميقات فتوقفوا. {قَالُواْ مَآ أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: بطاقتنا، قاله قتادة والسدي. الثاني: لم نملك أنفسنا عند ذلك للبلية التي وقعت بنا، قاله ابن زيد. الثالث: لم يملك المؤمنون منع السفهاء من ذلك والموعد الذي أخلفوه أن وعدهم أربعين فعدّوا الأربعين عشرين يوماً ليلة وظنوا أنهم قد استكملوا الميعاد، وأسعدهم السامري أنهم قد استكملوه. {وَلْكِنَّا حُمِّلْنآ أَوْزَاراً مِّن زِينَةِ الْقَوْمِ} أي حملنا من حلي آل فرعون، لأن موسى أمرهم أن يستعيروا من حليهم، قاله ابن عباس، ومجاهد، والسدي. وقيل: جعِلت حملاً. والأوزار: الأثقال، فاحتمل ذلك على وجهين: أحدهما: أن يراد بها أثقال الذنوب لأنهم قد كان عندهم غلول. الثاني: أن يراد أثقال الحمل لأنه أثقلهم وأثقل أرجلهم. قوله تعالى: {فَكَذلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ} الآية. قال قتادة. أن السامري قال لهم حين استبطأ القومُ موسى: إنما احتبس عليكم من أجل ما عندكم من الحلي، فجمعوه ورفعوه للسامري، فصاغ منه عجلاً، ثم ألقى عليه قبضة قبضها من أثر الرسول وهو جبريل، وقال معمر: الفرس الذي كان عليه جبريل هو الحياة فلما ألقى القبضة عيه صار عجلاً جَسَداً له خوار. والخوار صوت الثور، وفيه قولان: أحدهما: أنه صوت حياة خلقه، لأن العجل المُصَاغُ انقلب بالقبضة التي من أثر الرسول فصار حيواناً حياً، قاله الحسن، وقتادة، والسدي، وقال ابن عباس: خار العجل خورة واحدة لم يتبعها مثلها. الثاني: أن خواره وصوته كان بالريح، لأنه عمل فيه خروقاً فإذا دخلت الريح فيه خار ولم يكن فيه حياة، قاله مجاهد. {فقالوا هذا إلهكم وإله موسى} يعني أن السامري قال لقوم موسى بعد فراغه من العجل: هذا إلهكم وإله موسى، يعني ليسرعوا إلى عبادته. {فَنَسِيَ} فيه أربعة أقاويل: أحدها: فنسي السامري إسلامه وإيمانه، قاله ابن عباس. الثاني: فنسي السامري قال لهم: قد نسي موسى إلهه عندكم، قاله قتادة، والضحاك. الثالث: فنسي أن قومه لا يصدقونه في عبادة عجل لا يضر ولا ينفع، قاله ابن بحر. الرابع: أن موسى نسي أن قومه قد عبدوه العجل بعده، قاله مجاهد. {أَفَلاَ يَرَوْنَ أَلاَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً} يعني أفلا يرى بنو إسرائيل أن العجل الذي عبدوه لا يرد عليهم جواباً. {وَلاَ يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً}؟ فكيف يكون إِلهاً. قال مقاتل: لما مضى من موعد موسى خمسة وثلاثون يوماً أمر السامري بني إسرائيل أن يجمعواْ ما استعاروه من حلي آل فرعون، وصاغه عجلاً في السادس والثلاثين والسابع والثامن ودعاهم إلى عبادة العجل في التاسع فأجابوه، وجاءهم موسى بعد استكمال الأربعين.

ابن عطية

تفسير : {وَمَآ أَعْجَلَكَ عَن قَومِكَ يامُوسَى قَالَ هُمْ أُوْلآءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً} قصص هذه الآية أن موسى عليه السلام لما شرع في النهوض ببني إسرائيل إلى جانب الطور الأيمن حيث كان الموعد أن يكلم الله موسى بما فيه شرف العاجل والآجل رأى على جهة الاجتهاد أن يتقدم وحده مبادراً إلى أمر الله تعالى، وحرصاً على القرب منه وشوقاً إلى مناجاته، واستخلف هارون على بني إسرائيل وقال لهم موسى تسيرون إلى جانب الطور، فلما انتهى موسى عليه السلام وناجى ربه زاده في الأجل عشراً، وحينئذ وقفه على معنى استعجاله دون القوم ليخبره موسى أنهم على الأثر فيقع الإعلام له بما صنعوا وقرأت فرقة "أولايَ" بياء مفتوحة. وقوله {على أثري} يحتمل أن يكون في موضع رفع خبراً بعد خبر، ويحتمل أن يكون في موضع نصب في موضع الحال، وقرأت فرقة "على أَثَري" بفتح الهمزة والثاء، وقرأت فرقة "إثْري" بكسر الهمزة وسكون الثاء، وأعمله موسى عليه السلام أنه إنما استعجل طلب الرضى فأعمله الله تعالى أنه قد فتن بني اسرائيل، أي اختبرهم بما صنعه السامري. ويحتمل أن يريد ألقيناهم في فتنة، أي في ميل مع الشهوات ووقوع في اختلاف كلمة، و {من بعدك} أي من بعد فراقك لهم، وقرأت فرقة "وأضلَّهم السامري" على إسناد الفعل إلى {السامري} وقرأت فرقة "وأضلُّهم السامري" بضم اللام على الابتداء والإخبار عن {السامري} بأنه "أضلُّ" القوم، والقراءة الأولى أكثر وأشد في تذنيب السامري و {السامري} رجل من بني إسرائيل يقال إنه كان ابن خال موسى، وقالت فرقة لم يكن من بني إسرائيل بل كان أصله من العجم من أهل كرمان والأول أصح، وكان قصص السامري أنه كان منافقاً عنده حيل وقبض القبضة من أثر جبريل عليه السلام وعلم ما أقدره الله عليه لفتنة القوم أنه يتهيأ له بتلك القبضة ما يريد مما يجوز على الله تعالى لأنه لو ادعى النبوءة مع ذلك العجل لما صح ولا جاز أن يخور ولا أن تتم الحيلة فيه ولكنه لما ادعى له الربوبية وعلامات كذبه قائمة لائحة صحت الفتنة به وجاز ذلك على الله تعالى كقصة الدجال الذي تخرق له العادات لانه مدعي الربوبية ولو كان مدعي نبوءة لما صح شيء من ذلك. فلما رأى السامري موسى مدعا ورأى سفه بني إسرائيل في طلبهم من موسى آلهة حين مروا على قوم يعبدون أصناماً على صفة البقر، وقيل كانت بقراً حقيقة علم أنه سيفتنهم من هذه الطريق، فيروى أنه قال لهم إن الحلي الذي عندكم من مال القبط قبيح بكم حبسه ولكن اجمعوه عندي حيت يحكم الله لكم فيه، وقيل إن هارون عليه السلام أمرهم بجمعه ووضعه في حفرة حتى يجيء موسى ويستأذن فيه ربه، وقيل بل كان المال الذي جمعوه للسامري مما لفظ البحر من أموال القبط الغارقين مع فرعون، فروي مع هذا الاختلاف أن الحلي اجتمع عند العجل وأنه صاغ العجل وألقى القبضة فيه فخار، وروي وهو الأصح الأكثر أنه ألقى الناس الحلي في حفرة أو نحوها وألقى هو عليه القبضة فتجسد العجل وهذا وجه فتنة الله تعالى لهم، وعلى هذا تقول انخرقت السامري عادة وأما على أن يصوغه فلم تتخرق له عادة وإنما فتنوا حينئذ بخواره فقط وذلك الصوت قد تولد في الأجرام بالصنعة فلما أخبره الله تعالى رجع موسى {إلى قومه غضبان أسفاً} عليهم من حيث له قدرة على تغيير منكرهم {أسفاً} أي حزيناً من حيث علم أنه موضع عقوبة مأموله فدفعها ولا بد منها، والأسف في كلام العرب متى كان من ذي قدرة على من دونه فهو غضب، ومتى كان من الأقل على الأقوى فهو حزن، وتأمل ذلك فهو مطرد إن شاء الله عز وجل. {قَالَ ياقَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُم مَّوْعِدِي قَالُواْ مَآ أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَـكِنَّا حُمِّلْنَآ أَوْزَاراً مِّن زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَداً لَّهُ خُوَارٌ} وبخ موسى عليه السلام قومه بهذه المقالة و"الوعد الحسن" هو ما وعدهم من الوصول إلى جانب الطور الأيمن وما بعد ذلك من الفتوح في الأرض والمغفرة لمن تاب وآمن وغير ذلك مما وعد الله تعالى به أهل طاعته، وقوله {وعداً} إما أن يكون نصباً على المصدر والمفعول الثاني مقدراً، وإما أن يكون بمعنى الموعود ويكون هو المفعول الثاني بعينه، ثم وقفهم على أعذار لم تكن ولا تصح لهم وهي طول {العهد} حتى يتبين لهم خلف في الموعد أو إرادة غضب الله تعالى. وذلك كله لم يكن ولكنهم عملوا عمل من لم يتدين وسمي العذاب "غضباً" من حيث هو عن الغضب، والغضب إن جعل بمعنى الإرادة فهو صفة ذات وإن جعل ظهور النقمة والعقاب فهو صفة فعل فهو من المتردد بين الحالين، وقرأ نافع وعاصم "بمَلكنا" بفتح الميم، وقرأ حمزة والكسائي "بمُلكنا" بضمة، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر "بمِلكنا" بكسرة، قال أبو علي هذه لغات ع ظاهر هذا الكلام أنها بمعنى واحد ولكن إن أبا علي وغيره قد فرق بين معانيها فأما ضم الميم فمعناه على قول أبي علي لم يكن لنا ملك فنخلف موعدك بقوته وسلطانه وإنما أخلفناه بنظر أدى إليه ما فعل السامري وليس المعنى أن لهم ملكاً وإنما هذا كقول ذي الرمة: [البسيط] شعر : لا يشتكي سقط منها وقد رقصت بها المفاوز حتى ظهرها حدب تفسير : إذ لا تكون منها سقطة فتشتكي، قال وهذا كقوله تعالى: {أية : لا يسألون الناس إلحافاً} تفسير : [البقرة: 273] أي ليس منهم سؤال فيكون منهم إلحاف ع وهذا كله في هذه الأمثلة غير متيقن من قول أبي علي وإنما مشى في ذلك على أثر الزجاج دون تعقب وقد شرحت هذا المعنى في سورة البقرة في تفسير {أية : لا يسألون الناس إلحافاً} تفسير : [البقرة: 273] وبين أن هذه ليست كهذه الأمثلة لأنهم لم يرفعوا الإخلاف فيها والأمثلة فيها رفع الوجهين، وأما فتح الميم فهو مصدر من ملك والمعنى ما فعلنا ذلك بأنا ملكنا الصواب ولا وفقنا له بل غلبتنا أنفسنا، وأما كسر الميم فقط كثر استعماله فيما تحوزه اليد ولكنه يستعمل في الأمور التي يبرمها الإنسان ومعناها كمعنى التي قبلها والمصدر مضاف في الوجهين إلى الفاعل والمفعول مقدر أي "بملكنا الصواب"، وهذا كما قد يضاف أحياناً إلى المفعول والفاعل مقدر كقوله تعالى: {أية : بسؤال نعجتك} تفسير : [ص: 24] ومن دعاء الخير، وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وحفص عن عاصم "حُمّلنا" بضم الحاء وشد الميم، وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي "حَمَلنا" بفتح الحاء والميم. و"الأوزار" الأثقال، وتحتمل هذه التسمية أن تكون من حيث هي ثقيلة الأجرام، ويحتمل أن يكون من حيث آمنوا في قذفها وظهر لهم أن ذلك هو الحق فكانت آثاماً لمن حملها. وقوله {فكذلك ألقى} أي فكما قذفنا نحن {فكذلك} أيضاً {ألقى السامري} ما كان بيده ع وهذه الألفاظ تقتضي أن العجل لم يصغه السامري، ثم أخبر الله تعالى عن فعل السامري بقوله تعالى: {فأخرج لهم عجلاً جسداً}، ومعنى قوله {جسداً} أي شخصاً لا روح فيه، وقيل معنى {جسداً} لا يتغذى. و"الخوار" صوت البقر، وقالت فرقة كان هذا العجل يخور ويمشي ع وهكذا تكون الفتنة من قبل الله تعالى قاله ابن عباس، وقالت فرقة إنما خار مرة واحدة. ثم لم يعد وقالت فرقة إنما كان خواره بالريح كانت تدخل من دبره وتخرج من فيه فيصوت لذلك. {فَقَالُواْ هَـذَآ إِلَـهُكُمْ وَإِلَـهُ مُوسَى فَنَسِيَ أَفَلاَ يَرَوْنَ أَلاَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً وَلاَ يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِن قَبْلُ يَاقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَـنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُواْ أَمْرِي قَالُواْ لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى} الضمير في قوله {فقالوا} لبني إسرائيل، أي قالوا حين قال كبارهم لصغارهم وهذا إشارة إلى العجل. قوله تعالى {فنسي} يحتمل أن يكون من كلام بني إسرائيل أي فنسي موسى ربه وإلهه فذهب يطلبه في غير موضعه، ويحتمل أن يكون قوله {فنسي} إخباراً من الله تعالى عن السامري، أي نسي دينه وطريق الحق ع فالنسيان في التأويل الأول بمعنى الذهول، وفي الثاني بمعنى الترك، ثم قرن تعالى مواضع خطاهم بقوله تعالى: {أفلا يرون} المعنى أفلم يتبين هؤلاء الذين ضلوا أن هذا العجل إنما هو جماد لا يتكلم ولا يرجع قولاً ولا يضر ولا ينفع، وهذه خلال لا يخفى معها الحدوث والعجز لا أن هذه الخلال لو حصلت له أوجبت كونه إلهاً وقرأت فرقة "أن لا يرجعُ" برفع العين، "وأن" على هذه القراءة المخففة من الثقيلة والتقدير أنه لا يرجع، وقرأت فرقة "أن لا يرجع" "وأن" على هذه القراءة هي الناصبة، وأخبر عز وجل أن {هارون} قد كان قال لهم في أول حال العجل {يا قوم} إنما هي فتنة وبلاء وتمويه من السامري وإنما {ربكم الرحمن} الذي له القدرة والعلم والخلق والاختراع {فاتبعوني} إلى الطور الذي واعدكم الله تعالى إليه {وأطيعوا أمري} في ما ذكرته لكم وقرأت فرقة "إنما وإن ربكم الرحمن" بكسر الهمزتين، وقرأت فرقة "إنما" بالكسر "وأن" بالفتح، والقراءة الوسطى ضعيفة فقال بنو إسرائيل حين وعظهم هارون وندبهم إلى الحق {لن نبرح} عابدين لهذا الإله، {عاكفين} عليه أي لازمين له والعكوف الانحناء على الشيء من شدة ملازمته ومنه قول الراجز: [الرجز] شعر : عكف النبيط يلعبون الفنزجا

الثعالبي

تفسير : وقولهُ سبحانه: {وَمَا أَعْجَلَكَ عَن قَومِكَ يٰمُوسَىٰ} الآيةَ، وقصص هذه الآية: أَن موسى عليه السلام لمَّا شرع في النهوض ببني إسرائيل إلى جانب الطور؛ حيث كان الموعدُ أن يكلم اللّهُ موسىٰ بما لهم فيه شرفُ العاجل والآجل ـــ رأَىٰ موسى عليه السلام على جهة الاجْتِهَاد أن يتقدم وحدَهُ مُبادراً لأمر اللّه سبحانه؛ طلباً لرضائه، وحرصاً على القرب منه، وشوقاً إلى مُناجاته، وٱستخلف عليهم هارونَ، وقال لهم موسى: تسيرون إلى جانب الطور، فلما ٱنتهى موسى صلى الله عليه وسلم وناجى ربَّه، زاده اللّهُ في الأجل عشراً، وحينئذٍ وقفه على معنى ٱستعجاله دون القوم؛ ليخبره موسى أنهم على الأثر، فيقَعَ الإعلامُ له بما صنعوا، وأعلمه موسى أنه إنما ٱستعجل طلب الرضى، فأعلمه اللّهُ سبحانه: أنه قد فتن بني إسرائيل، أي: ٱختبرهم بما صنع السَّامِرِيّ، ويحتمل أن يريد: ألقيناهم في فتنة، فلما أخبر اللّه تعالى مُوسَى بما وقع، رجع موسىٰ إلى قومه غَضْبَانَ أَسِفَا، وباقي الآية بيّن، وقد تقدّم قصصُها مستوفًى؛ وسمّى العذاب غضباً من حيْثُ هو عن الغضب. وقرأ نافعٌ، وعَاصِمٌ: «بِمَلْكِنَا» بفتح الميم، وقرأ حمزةُ الكِسَائِيُّ: «بِمُلْكنا» بضمة، وقرأ ٱبْنُ كَثِير، وأَبُو عَمْرٍ، وَٱبْنُ عَامرٍ: «بِمِلْكِنَا» بكسرة؛ فأما فتحُ الميم، فهو مصدرٌ من ملك، والمعنى: ما فعلنا ذلك بأنا ملكنا الصواب، ولا وُفِّقْنا له، بل غلبتنا أنفُسُنا. وأَما كسرُ المِيم، فقد كثر ٱستعماله فيما تحوزه اليدُ، ولكنه يستعمل في الأمور الَّتي يُبْرمها الإِنسان، ومعناها كمعنى التي قبلها، والمصدرُ مضافٌ في الوجهين إلى الفاعل. وقولهم: {وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَاراً...} الآية؛ سموها أوزاراً من حيث هي ثَقِيلة الأجرام، أو من حيثُ تأَثَّموا في قذفها، وقرأ أبو عمرو، وحمزةُ، والكسائيُّ: «حَمَلْنَا» بفتح الحاء، والميم. وقولهم: {فَكَذَلِكَ} أيْ: فكما قذفنا نحن، فكذلك أيضاً ألقى السامري. قال * ع *: وهذه الألفاظُ تقتضى أنَّ العِجْل لم يَصُغْهُ، ثم أخبر تعالى عن فِعْل السامري بقوله: {فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً} ومعنى قوله {جَسَداً} أَي شخصاً لا رُوحَ فيه، وقيل معناه، جسداً لا يتغذى، «والخُوَارُ»: صوت البقر. قالت فرقةٌ منهم ٱبن عباس: كان هذا العجلُ يخُورُ ويمشي، وقيل غير هذا. وقوله سبحانه: {فَقَالُوا} يعني: بني إسرائيل: {هَذَا إلَٰهُكُمْ وَإلٰهُ مُوسَىٰ فَنَسِيَ} موسى إلٰهه، وذهب يطلبه في غَيْرِ موضعِه، ويحتمل أن يكون قوله {فَنَسِيَ} إخباراً من اللّه تعالى عن السَّامِرِيُّ؛ أي: فنسي السامري دينه، وطريق الحق، فالنِّسْيَانُ في التأوِيل الأول بمعنى الذهُول، وفي الثَّانِي بمعنى الترك. * ت *: وعلى التّأويل الأول عوَّلَ البخاريُّ: وهو الظَّاهر. ولقولهم أيضاً قبل ذلك: {أية : ٱجْعَلْ لَّنَا إِلَـٰهاً} تفسير : [الأعراف:138]. وقول هَارُون: {فَٱتَّبِعُونِي} أي: إلى الطور الَّذي واعدكم اللّهُ تعالى إليه {وَأَطِيعُوا أَمْرِي} فيما ذكرتُه لكم؛ فقال بنو إسرائيل حين وَعَظهم هارونُ، وندبَهُم إلى الحق: {لَنْ نَبْرَحَ} عابدين لهذا الإلَه عَاكِفِين عليه، أي: مُلاَزِمين له. ويحتمل قولُه: {أَلاَّ تَتَّبِعَنِ} أَيْ: ببني إسرائيل نحو جبل الطور، ويحتمل قولُهُ: {أَلاَّ تَتَّبِعنِ} أيْ: أَلاّ تسير بسيري، وعلى طريقتي في الإصلاح والتَّسْدِيد. وقوله: {يبنؤم} قالت فرقة: إنَّ هَارُونَ لم يكن أَخا موسى إلا مِنْ أُمه. قال * ع *: وهذا ضَعِيفٌ. وقالتْ فرقةٌ: كان شَقِيقَه؛ وإنما دعاه بالأَم ٱستعطافاً برحم الأم، وقول موسى: {فَمَا خَطْبُكَ يَٰسَـٰمِرِيُّ} هو كما تقول: ما شأْنُكَ، وما أمرك، لكن لفظةُ الخطب تقتضى ٱنتهاراً؛ لأن الخطب مستعمل في المكاره، و {بَصُرْتُ} بضم الصاد: من البصيرة، وقرأتْ فرقةٌ بكسرها، فيحتمل أن يراد من البصيرة، ويحتمل من البصر. وقرأ حمزةُ، والكسائي أي: «بما لم تُبْصروا» بالتاء مِنْ فوقُ، يريد مُوسى مع بني إسرائيل، والرسول هنا: هو جِبْرِيلُ عليه السلام والأَثَرُ: هو ترابٌ تحت حافر فرسه. وقوله: {فَنَبَذْتُهَا} أَيْ: على الحلي، فكان منها ما ترى، {وكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي} أي: وكما وقع وحدث قربت لي نفسي، وجعلت لي سُؤْلاً وإرباً حتى فعلته، وكان موسى عليه السلام لا يقتل بني إسرائيل إلاَّ في حدٍّ أو بوحْيٍ، فعاقبه بٱجتهاد نفسه؛ بأن أبعده ونحَّاه عن الناس، وأمر بني إسرَائيل بٱجتنابه، وٱجتناب قبيلته وأَلاَّ يُؤَاكلُوا ولا يُنَاكحوا، ونحو هذا، وجعل له أنْ يقول مدة حياته: لاَ مِسَاسَ، أي: لا مُمَاسَّة، ولا إذاية. وقرأ الجمهور: «لَنْ تُخْلفَهُ» بفتح اللام، أي: لن يقع فيه خلف، وقرأ ٱبنُ كَثِير، وأبُو عَمْرِو: «تخلِفه» بكسر اللام، على معنى لن تستطيع الرَّوغَانَ، والحيْدَةَ عن موعد العذاب، ثم وبَّخه عليه السلام بقوله: {وَٱنظُرْ إِلَىٰ إِلَـٰهِكَ...} الآية، و {ظَلْتَ} وظل معناه: أقام يفعل الشيء نهاراً، ولكنها قد تُستعمل في الدائب ليلاً ونهاراً، بمثابة طَفِقَ. وقرأ ٱبنُ عباس وغيرُه: «لَنَحْرُقَنَّهُ» بضم الراء وفتح النون؛ بمعنى لنبردنه بالمبرد، وقرأ نافعٌ وغيره: «لَنُحَرِّقَنَّهُ» وهي قراءةٌ تحتمل الحرق بالنار، وتحتمل بالمبرد. وفي مصحف ٱبنِ مَسْعُود: «لنذبحنه ثم لنحرقنه ثم لننسفنه» وهذه القراءةُ هي مع رواية من روى أن العِجْلَ صار لحماً ودماً، وعلى هذه الرواية يتركب أن يكون هناك حرقٌ بنارٍ، وإلاَّ فإذا كان جماداً مِنْ ذهب ونحوه، فإنما هو حرق بمبرد، اللَّهم إلاَّ أَن تكون إذابة، ويكون النسف مُسْتعاراً، لتفريقه في اليمِّ مذاباً. وقرأت فِرْقَةٌ: «لَنَنْسِفَنَّهُ» بكسر السين، وقرأت فرقةٌ بضمها، والنَّسْفُ: تفريقُ الريح الغبار، وكل ما هو مثله؛ كتفريق الغربال ونحوه، فهو نَسْفٌ، و {ٱلْيَمِّ}: غمرُ الماءِ من بحرٍ أو نَهْرٍ، وكل ما غمر الإنسان من الماء فهو يَمٌّ، واللام في قوله {لَنُحَرِّقََنَّهُ} لام قسم، وقال مكي (رحمه اللّه تعالى): وأسند أن موسى عليه السلام كان مع السبعين في المُنَاجَات، وحينئذٍ وقع أمر العجل، وأن اللّه تعالى أعلم موسى بذلك، فكتمه موسى عنهم، وجاء بهم حتى سمعوا لَغَطَ بني إسرائيل حول العجل، فحينَئذٍ أعلمهم. قال * ع *: وهذه رواية ضعيفةٌ، والجمهورُ على خلافها، وإنما تعجل موسى عليه السلام وحدَهُ فوقع أمر العجل، ثم جاء موسى، وصنع ما صنع بالعجل، ثم خرج بعد ذلك بالسَّبْعِين على معنى الشفاعة في ذَنْب بني إسرائيل، وأن يطلعهم أيضاً على أمر المناجات، فكان لموسى عليه السلام نهضتان، واللّه أعلم.

ابن عادل

تفسير : قوله: "وَمَا أَعْجَلَكَ" مبتدأ وخبر. و "مَا" استفهامية عن سبب التقدم على قومه. قال الزمخشري: فإن قلتَ: "مَا أَعْجَلَكَ" سؤال عن سبب العجلة، فكان الذي ينطبق عليه من الجواب أن يقال: طلبُ زيادة رضَاكَ، أو الشوق إلى كلامك وتنجز موعدك. وقوله: {هُمْ أُوْلاَءِ عَلَىٰ أَثَرِي} كَمَا تَرَى غير منطبق عليه. قلت: قد تضمَّن ما واجهه به رب العزة شيئين: أحدهما: إنكار العجلة في نفسها. والثاني: السؤال عن سبب التقدم والحامل عليه، فكان أهم الأمرين إلى موسى بسط العذر، وتمهيد العلة في نفس ما أنكر عليه فاعتلَّ بأنَّه لم يوجد منِّي إلا تقدمٌ يسير مثله لا يعتد به في العادة، ولا يحتفل به، وليس بيني وبين من سبقته إلا مسافة قريبة يتقدم بمثلها الوفد رأسهم ومقدمتهم، ثم عقبه بجواب السؤال عن السبب فقال: {وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَىٰ}. وأجاب غيره عن هذا السؤال بأنه - عليه السلام - ورد عليه من هيبة عتاب الله ما أذهله عن الجواب المنطبق المرتب على حدود الكلام. فصل في الآية سؤالات: الأول: قوله: "وَمَا أَعْجَلَكَ" استفهام، وهو على الله تعالى محال. والجواب: أنه إنكار في صيغة الاستفهام ولا امتناع فيه. الثاني: أنَّ موسى - عليه السلام - إما أن يقال: إنَّه كان ممنوعاً عن ذلك التقدم، أو لم يكن ممنوعاً عنه، فإن كان ممنوعاً كان ذلك التقدم معصية فيلزم وقوع المعصية من الأنبياء، وإن لم يَكُنْ ممنوعاً كان ذلك الإنكار غير جائز. والجواب: لعله - عليه السلام - ما وجد نصًّا في ذلك إلا أنَّه باجتهاده تقدم فأخطأ في ذلك الاجتهاد فاستوجب العتاب. الثالث: قوله: "وَعَجِلْتُ" والعجلة مذمومة. والجواب: أنها ممدوحة في الدين قال الله تعالى: {أية : وَسَارِعُوۤاْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ} تفسير : [آل عمران: 133]. الرابع: قوله: "لِتَرْضَى" يدل على أنَّه - عليه السلام - إنَّما فعل ذلك ليحصل الرِّضا لله تعالى، وذلك باطل من وجهين: أحدهما: يلزم تجدد صفة الله. والآخر: أنه - تعالى - قبل حصول ذلك الرضا يجب أن يقال: (إنَّه ما) كان راضياً عن موسى، لأنَّ تحصيل الحاصل محال، ولما لَمْ يكن راضياً عنه وجب أن يكون ساخطاً عليه، وذلك لا يليق بحال الأنبياء. والجواب المراد تحصيل دوام الرضا كقوله: "ثُمَّ اهْتَدَى" المراد دوام الاهتداء. الخامس: قوله {وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَىٰ} يدل على أنه ذهب إلى الميعاد قبل الوقت الذي عيَّنه الله له وإلا لم يكن تعجيلاً، ثم ظن أنَّ مخالفة أمر الله سبب لتحصيل رضاه، وذلك لا يليق بأجهل الناس فضلاً عن كليم الله. والجواب: أن ذلك كان باجتهادٍ وأخطأ فيه. السادس: قوله: "إلَيْكَ" يقتضي كون الله في الجهة، لأن "إلى" لانتهاء الغاية. والجواب: اتفقنا على أنَّ الله - تعالى - لم يكن في الجبل، فالمراد إلى مكان وعدك. فصل دلت الآية على أنَّه تعالى أمره بحضور الميقات مع قوم مخصوصين فقال المفسرون: هم السَّبعُون الذين اختارهم الله من جملة بني إسرائيل، يذهبون معه إلى الطور ليأخذوا التوراة، فسار بهم موسى، ثم عجَّل موسى من بينهم شوقاً إلى ربه، وخلف السبعين وأمرهم أن يتبعوه إلى الجبل، فقال الله له: {وَمَآ أَعْجَلَكَ عَن قَومِكَ يَا مُوسَىٰ} قال مجيباً لربه {هُمْ أُوْلاۤءِ عَلَىٰ أَثَرِي} أي: بالقرب منِّي يأتون من بعدي {وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَىٰ} لتزداد رِضًى. قوله: {هُمْ أُوْلاَءِ عَلَى أَثَرِي} كقوله: {أية : ثُمَّ أَنْتُمْ هَـٰؤُلاۤءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ} تفسير : [البقرة: 85] و {عَلَى أَثَرِي} يجوز أن يكون خبراً ثانياً، وأن يكون حالاً وقرأ الجمهور: "أولاَءِ" بهمزة مكسورة. والحسن وابنُ معاذ بياء مكسورة، وإبدال الهمزة ياءً (تخفيفاً). وابن وثاب "أُولى" بالقصر دون همزة. وقرأت طائفة "أُولاَيَ" بياء مفتوحة، وهي قريبة من الغلط والجمهور "عَلَى أَثَرِي" بفتح الهمزة والثاء. وأبو عمرو في رواية عبد الوارث، وزيد بن علي "إثْرِي" بكسر الهمزة وسكون الثاء وعيسى بضمها وسكون الثاء، وحكاها الكسائي (لغة). قوله: {فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ} أي: ابتلينا الذين خَلَّفتَهُم مع هارون، وكانوا ستمائة ألف، فَأُفْتِنُوا بالعجل غير اثني عشر ألفاً من بعدك انطلاقك إلى الجبل. فصل قالت المعتزلة: لا يجوز أن يكون المرادُ أنَّ الله - تعالى - خلقَ فيهم الكفر لوجهين: الأول: الدلائل العقلية (الدالة على) أنه لا يجوز من الله - تعالى - أن يفعل ذلك. والثاني: أنَّه قال: "وَأَضَلَّهُمُ السَّامِريّ". وأيضاً: فلأن موسى لمَّا طالبَهُم بذكر سبب الفتنة، فقال: {أية : أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ ٱلْعَهْدُ أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّكُمْ} تفسير : [طه: 86] فلو حصل ذلك بخلق الله لكان لهم أن يقولوا السبب فيه أن الله خلقه فِينَا لا ما ذكرت، فكان يبطل كلام موسى - عليه السلام -. وأيضاً فقوله: {أية : أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّكُمْ} تفسير : [طه: 86] ولو كان ذلك بخلقه لاستحال أن يغضبَ عليهم فيما هو الخالق له، ولما بطل ذلك وجب أن يكون لقوله: "فَتَنَّا" معنًى آخر، وذلك لأن الفتنة قد تكون بمعنى الامتحان، يقال: فَتَنْتُ الذَّهَبَ بالنار إذا امتحنته بالنار فتميز الجيد من الرديء، فهاهنا شدَّد الله التكليف عليهم، لأن السَّامِرِيَّ، لما أخرج لهم العجل صاروا مكلفين بأن يستدلوا بحدوث جملة العالم والأجسام على أنَّ له إلهاً بجسم وحينئذ يعرفون أن العجل لا يصلح للإلهية فكان هذا التعبد تشديداً في التكليف، (والتشديد في التكليف) موجود. قال تعالى: {أية : أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُوۤاْ أَن يَقُولُوۤاْ ءَامَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ} تفسير : [العنكبوت: 2]. والجواب: ليس في ظهور صوت من عجلٍ متخذٍ من الذهب شبهة أعظم مما في الشمس والقمر، والدليل الذي ينفي كون الشمس والقمر إلهاً أولى بأن ينفي كون العجل إلهاً، فحينئذ لا يكون حدوث العجل تشديداً في التكليف ولا يصح حمل الآية عليه، فوجب حمله على خلق الضلال فيهم. وقوله: أضاف الإضلال إلى السَّامري. قلنا: أليس أن جميع المسببات العادية تضاف إلى أسباب من الظاهر وإن كان الموجد هو الله - تعالى - فكذا هاهنا. وأيضاً قرىء "وَأَضَلُّهُم السَّامِرِيّ" أي: وأشد ضلاّلهم السامري، وعلى هذا لا يبقى للمعتزلة استدلال، ثم الذي يحسم مادة الشغب مسألة الداعي. قوله: "وَأَضَلَّهُم السَّامِرِي" العامة على أنه فعلٌ ماض مسند إلى السامري. وقرأ أبو معاذ "وَأَضَلُّهُم" مرفوعاً بالابتداء، وهو أفعل تفضيل، و "السَّامِرِيُّ" خبره. ومعنى "أَضَلَّهُمْ" أي: دَعَاهم وصَرفَهُم إلى عبادة العِجْل، وأضاف الإضلال إلى السَّامِرِيّ، لأنهم ضلوا بسببه. قال ابن عباس في رواية سعيد بن جبير: كان السامري عِلْجاً من أهل كِرْمان وقع إلى مصر، وكان من قوم يعبدون البقر، والأكثرون على أنه كان من عظماء بني إسرائيل من قبيلة يقال لها: السَّامرة. قاله الزجاج. وقال عطاء عن ابن عباس كان الرجلُ من القبطِ جاراً لموسى وقد آمن رُوِيَ أنهم أقاموا بعد مفارقة موسى عشرين ليلة وحسبوها أربعين مع أيَّامِها، وقالوا قد أكملنا العدة، ثم كان أمر العجل بعد ذلك. فإن قيل: كيف التوفيق بين هذا وبين قوله لموسى عند مقدمه {فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ}. فالجواب من وجهين: الأول: أنه تعالى أخبر عن الفتنة المترقبة بلفظ الموجودة الكائنة على عادته كقوله: {أية : ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ} تفسير : [القمر: 1] {أية : وَنَادَىۤ أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ} تفسير : [الأعراف: 44] إلى غير ذلك. الثاني: أنَّ السامري شرع في تدبير الأمر لما غاب موسى - عليه السلام - ثم رجع موسى إلى قومه بعد ما استوفى الأربعين ذا القعدة وعشر ذي الحجة.

القشيري

تفسير : أخَرْجَهُمْ مع نَفْسِه لمَّا استصحبهم، ثم تقدَّمَهم بخطواطِ فتأخروا عنه، فقيل له في ذلك مراعاةً لحقِّ صحبتهم. ويقال قومٌ يُعاتَبون لتأخرهم وآخرون لتقدمهم.. فشتان ما هما!

اسماعيل حقي

تفسير : {وما اعجلك عن قومك يا موسى} مبتدأ وخبر اى وقلنا لموسى عند ابتداء موافاته الميقات بموجب المواعدة المذكورة أى شئ حملك على العجلة واوجب سبقتك منفردا عن قومك وهم النقباء السبعون المختارون للخروج معه الى الطور وذلك انه سبقهم شوقا الى ميعاد الله وامرهم ان يتبعوه كما فى الجلالين. قال فى العرائس ضاق صدر موسى من معاشر الخلق وتذكر ايام وصال الحق فعلة العجلة الشوق الى لقاء الله تعالى. قال الكاشفى [آورده اندكه بنى اسرائيل بعد ازهلاك فرعون از موسى عليه السلام استدعا نمودندكه از براى ما قواعد شريعتى واحكام آن مبين ساز موسى درآن باب باحضرت رب الارباب مناجات كرد خطاب رسيدكه باجمعى از اشراف بنى اسرائيل بكوه طور آى تا كتابى كه جامع احكام شرع باشد بتودهم موسى هارون را بجاى خود بكذاشت وباوجوه قوم كه هفتادتن بودند متوجه طور شدند قوم را وعده كردكه جهل روز ديكرمى آيم وكتاب مى آورم وجون بنزديك طور رسيدند قوم را بكذاشت واز غايت اشتياق كه بكلام وبيام الهى داشت زود تربالاى كوه برآمد خطاب ربانى رسيدكه {وما اعجلك} الخ وجه جيز شتابان ساخت تراتا تعجيل كردى وبيش آمدى ازكروه خود اى موسى]. يقول الفقير هذا سؤال انبساط كقوله تعالى {أية : وما تلك بيمينك}تفسير : لا سؤال انكار كما ظن اكثر المفسرين من الاجلاء وغيرهم.

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله لموسى عليه السلام، لما ذهب إلى الطور، لموافاة الميقات، للعهد الذي عهد إليه، واختار سبعين من بني إسرائيل، يحضرون معه؛ لأخذ التوراة بأمره تعالى، فلما دنا من الجبل حمله الشوق، فاستعجل إلى الجبل، وترك قومه أسفله، فقال له الحق جلّ جلاله: {وما أعجَلَكَ عن قومك يا موسى} أي: ما حملك على العَجَلَة، وأيُّ شيء أعجلك منفردًا عن قومك، وقد أمرتك باستصحابهم، ولعل في إفرادك عنهم عدم اعتناء بهم؟ فأجاب عليه السلام بقول: {هُمْ أُولاءِ على أَثَري} أي: هم هؤلاء قريبًا مني، فهُم معي، وإنما سبقتهم بخطا يسيرة، ظننت أنها لا تُخلُّ بالمعية، ولا تقدح في الاستصحاب، فإن ذلك مما لا يُعتد به فيما بين الرفقة. قال الكواشي: ولما كان سُؤال الرب تعالى لموسى يقتضي شيئين: أحدهما: إنكار العَجَلة، والثاني: السؤال عن السبب والحامل عليها، كان أهم الأمرين إلى موسى بسَطَ العذر وتمهيد العلة في نفس ما أنكر عليه، فاعتل أن قال: إن ما وُجدَ مني تقدم يسير، لا يُعتد بمثله في العادة لقربه، كما يتقدم الوفدَ رئيسُهم ومُتقدمُهم، ثم عقبه بجواب السؤال فقال: {عَجِلْتُ إِليك رَبِّ لِترضَى}؛ لتزداد عني رضا؛ لمسارعتي إلى الامتثال لأمرك، واعتنائي بالوفاء بعهدك؛ لأنه ظن أن إسراعه إليه أبلغ في رضاه. وفي هذا دليل على جواز الاجتهاد للأنبياء - عليهم السلام - والمعنى: لتعلم أني أُحبك ولا قرار لي مع غيرك. هـ. وقال القشيري: {هم أولاء على أثري}؛ ما خلَّفْتُهم لتضييعي إياهم، ولكن عَجِلْتُ إليك ربِّ لترضى. قال: يا موسى، رضائي في أن تكون مَعهم، ولا تتقدمهم ولا تَسْبِقَهم، وكونُكَ مع الضعفاءِ، الذين استصحبتهم في حصول رضاي، أبلغُ مِن تَقَدُّمِكَ عليهم. هـ. {قال} له تعالى: {فإِنا فتنَّا قومَك من بعدِك} أي: ابتليناهم بعبادة العجل من بعد ذهابك من بينهم. رُوِيَ أنهم أقاموا على ما وصاهم به موسى عليه السلام عشرين ليلة، بعد ذهابه، فحسبوها مع أيامها أربعين، وقالوا: قد أكملنا العدة، وليس من موسى عين ولا أثر، وكان وعدهم أن يغيب عنهم أربعين يومًا، واستخلف هارون على من بقي منهم، وكانوا ستمائة ألف، فافتتنوا بعبادة العجل كلهم، ما نجا منهم إلا اثنا عشر ألفًا. وهذا معنى قوله تعالى: {وأضلَّهُمُ السامريُّ}، حيث كان هو السبب في فتنتهم، فقال لهم: إنما أخلف موسى عليه السلام ميعادكم؛ لِمَا معكم من حُليّ القوم، فهو حرام عليكم، فكان من أمر العِجل ما يأتي تفسيره إن شاء الله. فإخباره تعالى بهذه الفتنة عند قدومه عليه السلام، قبل وقوعها، إما باعتبار تحققها في علمه تعالى، وإما باعتبار التعبير عن المتوقع بالواقع، كما في قوله تعالى: {أية : وَنَادَىۤ أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ} تفسير : [الأعرَاف: 44]، أو لأن السامري كان قد عزم على إيقاع الفتنة عند ذهاب موسى عليه السلام، وتصدى لها بترتيب مبادئها، فكانت الفتنة واقعة عند الإخبار بها. والسامري منسوب إلى قبيلة من بني إسرائيل، يقال لها: سامرة، وقيل: كان رجلاً من كرمان. وقال ابنُ عباس: كان من قرية يعبدون البقر، فدخل في بني إسرائيل وأظهر الإسلام، وفي قلبه ما فيه من حب عبادة البقرة، فابتلى اللهُ به بني إسرائيل، واسمه: موسى بن ظفر. {فرجع موسى إلى قومه} بعدما استوفى الأربعين وأخذ التوراة، لا عقب الإخبار بالفتنة، كما يتوهم من قوله تعالى: {غضبانَ أسِفًا}، فإن كون الرجوع بعد الأربعين أمر مقرر مشهور، يرفع كون الرجوع عقب الفتنة. والأسف: أشد الغضب، وقيل: أسفًا: حزينًا جزعًا على ضلال قومه. {قال يا قوم ألم يَعِدْكُم ربُّكم وعدًا حسنًا}؛ بأن يعطيكم التوراة فيها ما فيها من النور والهدى، {أَفَطَالَ عليكم العهدُ} أي: مدة مفارقتي إياكم. والهمزة للإنكار، والمعطوف محذوف، أي: أوَعَدَكم ذلك فطال زمان الإنجاز، فأخطأتم بسببه، {أم أردتم أن يَحِلَّ عليكم غضبٌ} شديد كائن {من ربكم} أي: من مالك أمركم، {فأخلفتم موعدي} أي: وعدي إياكم بالثبات على ما أمرتكم به إلى أن أرجع من الميقات، أو وعْدَكم إياي بأن تثبتُوا على ما أمرتكم به، على إضافة المصدر إلى فاعله أو مفعوله، والفاء، لترتيب ما بعدها، كأنه قيل: أنسيتم الوعد بطول العهد فأخلفتموني خطأ {أم أردتم} حلول الغضب عليكم فأخلفتموه؛ عمدًا. {قالوا ما أخلفنا موعدك} أي: وعدنا إياك بالثبات على ما أمرتنا به، {بمَلْكنا} أي: بسلطاننا وقدرتنا، ونحن نملك أمرنا. وفيه لغتان: فتح الميم وكسرها. يعنون: لو خلينا وأُمورَنا، ولم يسوِّل لنا السامريُّ ما سوله، ما أخلفنا، ولكن غلبنا على أمرنا، واستغوانا السامري مع مساعدة الأحوال. وقال القشيري: أي: لم نكن في ابتداء حالنا قاصدين إلى ما حَصَلَ مِنَّا، ولا عالمين بما آلَتْ إليه عاقبة أمرِنَا، وإنَّ الذي حملنا عليه حُلِيّ القبط، صاغَ السامريُّ منه العجلَ، فآل الأمر إلى ما بلغ من الشر، وكذلك الحرامُ لا يخلو شؤمُه من الفتنة والشر. هـ. وقوله تعالى: {ولكِنَّا حُمِّلْنَا أوزارًا من زينةِ القوم}، استدراك عما سبق، واعتذار ببيان منشأ الخطأ، أي: حملنا أحمالاً من حُليّ القبط، التي استعرناها منهم، حين هممنا بالخروج من مصر باسم العرس. وقيل: كانوا استعاروها لعيد كان لهم، ثم لم يردوها إليهم، مخافة أن يقفوا على أمرهم. وقيل: لما رمى البحر أجساد القبط، وكان غالب ثيابهم الذهب والفضة، التقطها بنو إسرائيل، فهي زينة القوم التي صيغ منها العجل، ولعل تسميتها أوزارًا؛ لأنها تبعات وآثام، حيث لم تحل الغنائم لهم. {فقذفناها} أي: في النار رجاء الخلاص من عقوبتها، أو قذفناها إلى السامري وألقاها في النار، {فكذلك ألقى السامريُّ} ما كان معه منها كما ألقيناه، أو ألقى ما كان معه من تراب حافر فَرس جبريل، كان قد صرَّه في عمامته، وكان ألقى إليه الشيطان: أنه ما خالط شيئًا إلا حيى، فألقاه في فمه فصار يخور. رُوِيَ: أنه قال لهم: إنما تأخر موسى عنكم، لما معكم من الأوزار، فالرأي أن نحفر حفرة ويُسجر فيها نار، ونقذف فيها كل ما معنا، ففعلوا، {فأخرج لهم} من ذلك الحليّ المذاب {عِجْلاً} أي: صورة عجل {جَسدًا} أي: جثة ذات لحم ودم، أو جسدًا من ذهب لا روح فيه، {له خُوار} أي: صوت عِجْل، {فقالوا} أي: السامري ومن افتتن به: {هذا إِلهكم وإِله موسى فَنَسِيَ} أي: غفل عنه وذهب يطلبه في الطور. فقوله تعالى: {فَأخْرجَ لهم...} الخ... هو من كلام الله تعالى، حكاية لنتيجة فتنة السامري، قولاً وفعلاً، قصدًا إلى زيادة تقريرها، وتمهيدًا للإنكار عليهم، وليس من كلام المعتذرين، وإلا لقال: فَأَخْرجَ لنا... والله تعالى أعلم. الإشارة: ينبغي لرئيس القوم، إذا كان في سفر، أن يكون وسَطهم، أو سائقًا لهم، ولا يتقدمهم أو يستعجل لأمر عنهم، فإن التأني كله من الله، والعَجَلة كلها من الشيطان، والخير كله في الاجتماع مع الضعفاء والمساكين، حتى يكون كأحدهم، فإن فارقهم، لأمر مهم، فليستخلف عليهم من يثق به في دينه، وليكن اعتماده في ذلك على ربه، ونظره كله إلى رعايته وحفظه. قال الكواشي: عن ابن عطاء: أوحى الله تعالى إلى موسى عليه السلام: أتدري من أين أُتيت؟ - يعني في فتنة قومه - قال: لا يا رب، قال: حين قلت لهارون: اخلفني في قومي، أين كنتُ أنا حين اعتمدتَ على هارون؟. هـ. فكل فتنة أو ضلال يُصيب الفقراء، فإنما ذلك من عدم الاجتماع مع أهل الفن، أو قلة الاستماع لهم، فإن أصابتهم فتنة الأسباب، والركون إلى شيء من الدنيا في غيبة الشيخ، فليرجع إليهم غضبان أسفًا، وليقل لهم: ألم يعدكم ربكم وعدًا حسنًا، وهو الفتح الكبير لو صبرتم على السير والتجريد، أفطال عليكم العهد، فقد كانت الرجال تمكث في خدمة الأشياخ العشرين والثلاثين سنة، أم أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم، بالإبعاد وإسْدَال الحجاب، حيث خالفتم عهود أشياخكم، فإن اعتذروا فليقبل عذرهم، وإن ركنوا إلى عبادة شيء من عجل الدنيا فليخرجه من أيديهم، وليقل: وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفًا، لنحرقنه ثم لننسفنه في اليم نسفًا. وبالله التوفيق. ثمَّ ذكر الانكار على عبدة العجل

الجنابذي

تفسير : {وَمَآ أَعْجَلَكَ} عطف على قوله تعالى: يا بنى اسرائيل فانّه على كونه حكاية قوله تعالى الماضى كان بتقدير القول كأنّه قال: قلنا يا بنى اسرائيل، وقلنا ما اعجلك، او عطف على كلوا سواء كان النداء الاوّل للماضين او للحاضرين كأنّه قال: انجيناكم من عدوّكم قائلين كلوا وقائلين ما اعجلك {عَن قَومِكَ يٰمُوسَىٰ} قيل: كانت المواعدة ان يوافى الميعاد هو وقومه، وقيل: مع جماعةٍ من وجوه قومه فتعجّل هو وسبقهم الى الميقات وهم كانوا على اثره جائين الى الميقات، وهذا موافق لظاهر قوله {قَالَ هُمْ أُوْلاۤءِ عَلَىٰ أَثَرِي}.

الأعقم

تفسير : {وما أعجلك عن قومك يا موسى} يعني ما حملك على العجلة عنهم، قيل: كان أمر الله موسى أن يختار من قومه جماعة، وقيل: سبعون رجلاً من خيارهم ليذهبوا معه للميقات ويأخذوا التوراة، فقدموا جميعاً إلى الطور على الموعد، ثم تقدمهم موسى شوقاً إلى كلام ربه وظن أن ذلك أقرب إلى رضى ربه، وقيل: تقدمهم موسى وأمرهم أن يتبعوه إلى الجبل فقال سبحانه: {ما أعجلك عن قومك يا موسى} {قال هم أولاء على أثري وعجلت إليك رب لترضى}، ومتى قيل: إذا كان مأموراً بإحضارهم فلم تقدمهم؟ قالوا: أمر أن يحضر ويحضرهم ولم ينه عن التقدم، ومتى قيل: فلم قال فما أعجلك؟ قالوا قيل: لم يؤذن له في التقديم {قال فإنا قد فتنا قومك} يعني امتحنَّاهم بما حدث في بني إسرائيل من أمر العجل وألزمنا عند ذلك النظر لتعلموا أنه ليس بإله، وأن الله سبحانه وتعالى ليس بصفة الأجسام {وأضلَّهم السامريّ} يعني دعاهم إلى الضلال وهو أشدّهم ضلالاً، وهو منسوب إلى قبيلة من بني إسرائيل يقال لها السامرة، وقيل: كان عِلجاً من قرمان واسمه موسى ابن ظفر، وكان منافقاً، وكان من قوم يعبدون البقر {فرجع موسى} بعد ما استوفى أربعين ليلة ذو القعدة وعشر من ذي الحجة وعدهم الله سبحانه أن يعطيهم التوراة الذي فيها هدى ونور، حكى لنا أنها كانت ألف سورة، كل سورة ألف آية، يحمل أسفارها سبعون جملاً، وقوله: {غضبان أسفاً}، قيل: حزيناً، فقال: {يا قوم ألم يعدكم ربكم وعداً حسناً} ولا وعد أحسن من ذلك؟ {أفطال عليكم العهد} الزمان؟ يريد مدة مفارقته لهم، قيل: كان الموعد أربعين جعلوا الليل مفرداً والنهار مفرداً فلم تَمّ عشرون قال السامري: إن موسى حلّ حيث لم يرجع، وقيل: أقاموا ثلاثين يوماً فلما لم يرجع تمكن منهم السامري {أم أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم} يعني ينزل عليكم عقوبة {فأخلفتم موعدي} وذلك أن موسى أمرهم أن يقيموا على أمرهم ودينهم حتى يرجع فخالفوا، وقيل: أمرهم أن يتمسكوا بطريقة هارون وطريقته {قالوا ما أخلفنا موعدك بملكنا}، قيل: لم نعتمد ذلك، وقيل: بملكنا وطاقتنا، وقيل: بأن ملكنا أمرنا، وقيل: لم نملك الصواب ولكن أخطأنا {ولكنَّا حُمِّلنا أوزاراً من زينة القوم} من حلي آل فرعون، وذلك أن موسى أمرهم أن يستعيروا من حليهم، وقيل: كانت غنائم آل فرعون ولم يكن لهم حلالاً فجمعوها ودفعوها إلى السامري {فقذفناها}، قيل: في نار السامري التي أوقدها في الحفرة وأمر بأن يطرح فيها الحلي {فكذلك ألقى السامريّ} أراهم أنه يلقى حلياً في يده مثل ما ألقوا، وإنما ألقى التربة الذي أخذها من موطئ حيزوم فرس جبريل، قال جار الله: {فأخرج لهم} السامري من الحفرة {عجلاً} خلقه الله من الحلي التي سبكتها يخور كما يخور العجاجيل، وروي أنه صاغ عجلاً جعل فيه خردقاً إذا دخلته الرياح فأوهم أنه يصوت، وقيل: خار مرَّة ولم يعد، وقيل: كان خواره بالريح إذا دخل جوفه، وقيل: صاغ عجلاً من ذهب مرصَّع لا روح فيه روي ذلك في الحاكم، قال جار الله: فإن قلت: كيف أثّرت تلك التربة في إحياء الأموات؟ قلتُ: ما يصح أن يؤثر الله سبحانه روح الفرس بهذه الكرامة الخاصة كما أثرت بغيرها من الكرامات، وهي يباشر فرسه بحافره تربة، إذا لاقت تلك التربة جماد أنشأه الله عند مباشرته حيواناً، ألا ترى كيف أنشأ المسيح من غير أب عند نفخة في الدرع، فإن قلت لم خلق العجل من الحلي حتى خار فتنة لبني إسرائيل وضلالاً؟ قلت: ليس بأول محنة محن الله بها عباده {أية : يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين} تفسير : [إبراهيم: 27] ومن عجب من خلق العجل فليكن من خلق ابليس أعجب، فقال - يعني السامري -: {هذا إلهكم وإله موسى} {فنسي} موسى أن يطلبه ها هنا وذهب يطلبه في الطور، أو فنسي السامري ما كان عليه من الإِيمان الظاهر {أفلا يرون ألاَّ يرجع إليهم قولاً} يجيبهم {ولا يملك لهم ضرّاً ولا نفعاً ولقد قال لهم هارون من قبل} قال جار الله: من قبل أن يقول لهم السامري ما قال كأنهم عندما دفعت إليه أبصارهم طلع من الحفرة واستحسنوه، وقيل: أن نطق السامري بادرهم هارون (عليه السلام) بأن قال: {إنما فتنتم به وإنَّ ربكم الرحمان فاتَّبعوني وأطيعوا أمري} {قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى} فاعتزلهم هارون في اثني عشر ألفاً، فلما رجع موسى وهو ممتلئ غيظاً من عبادة العجل، وسمع الصياح وكانوا يضربون الدفوف والمزامير حول العجل، فقال: هذه أصوات الفتنة واستقبله هارون (عليه السلام) فألقى الألواح وأخذ يعاقب هارون.

اطفيش

تفسير : {وَمَا أَعْجَلَكَ} ما مبتدأ استفهامية توبيخية، وفاعل أعجل مستتر جوازا، يعنى أى شئ حملك على العجلة؟ أو ما مبتدأ تعجبية. والمراد: تعجيب من يمكن منه التعجب، ففاعل أعجل مستتر وجوبا. {عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى} عاتبه على العجلة وأنكرها عليه، لأنها نقيصة من حيث تركه للقوم مع أنهم معه وسبقهم، ومن حيث إغفالُه للقوم، وإبهام التعظيم عليهم. والقوم: النقباء: السبعون المختارون، تقدم معهم إلى الطور ليأخذوا معه التوراة على الموعد المضروب، وتقدمهم شوقا إلى كلام ربه وتنجز وعده، ظنا أن ذلك أقرب إلى الله سبحانه وتعالى، وأمرهم أن يتبعوه إلى الجبل. وغاب عنه أن الله جل وعلا ما وقَّت أفعاله إلا لحكم ومصالح.

اطفيش

تفسير : {وما أعْجلَك عَنْ قومِكَ يا موسَى} قلنا لموسى عند الإتيان للمناجاة فى جانب الطور الأيمن، أى شىء عجل بك عن قومك، الذين جئت بهم، وهم النقباء السبعون، والاستفهام إنكار للياقة العجلة، ويجوز أن تكون ما تعجبية بمعنى إن عجلتك مما يتعجب بها الناظر فيها، وعلى كل حال كانت عجلته عن القوم الذين أمر بصحبتهم، مما لا يحسن، لأن فيها إهمالهم، وعدم الاعتداد بهم، مع إنه لم يقصد ذلك، وهو لمن أهل العزم، حتى إن مفارقته أدت الى تصوير العجل، وعبادته، ودعاه الى تلك العجلة الزيادة في الرغبة كما قال اعتذاراً: {قال هُمْ أولاءِ على أثَرى وعَجلتُ إليكَ ربِّ لترْضَى} لم يبعدوا عنى، وما تقدمت عليهم إلا بقليل، وظننت أن مثل ذلك لا تنكره علىَّ، ولا يعدونه إهانة. مع أنى أريد استدامة رضاك، أو حصول زيادة خير، والله عز وجل نبهه بهذا، على أن اللائق بك، أن تكون فى وسطهم، أو متأخراً عنهم، لتكون رقيبا عليهم، وكذلك رئيس قوم. ولا سيما فى السَّفر. ولو أن مأموما أسرع ليدرك فضل الركعة مع الإمام، لكان خطأ لنقص خشوعه بالسرعة، وكذا مع الإمام المتقدم على القوم، بل موسى في قصته هذه أيضاً. كمأموم، لأنه أسرع الى المناجاة مع الله، كإسراع المأموم الى الإمام للصلاة، وهم مبتدأ أو أولاء خبره، وعلى أثرى خبر ثان أو حال أو أولاء بدل، وعلى أثرى خبرن والكوفيون يجيزون فى أسماء الإشارة كلها أن تكون موصولة، فأولاء خبر، وعلى أثرى صلة أولاء، أى هم الذين على أثرى، والله عالم بذلك كله، ألأنه عليه السلام اعتذر بقربهم على أثره، وقيل على أثرى على دينى.

الالوسي

تفسير : حكاية لما جرى بينه تعالى وبين موسى عليه السلام من الكلام عند ابتداء موافاته الميقات بموجب المواعدة المذكورة سابقاً أي وقلنا له أي شيء عجل بك عن قومك فتقدمت عليهم. والمراد بهم هنا عند كثير ومنهم الزمخشري النقباء السبعون. والمراد بالتعجيل تقدمه عليهم لا الإتيان قبل تمام الميعاد المضروب خلافاً لبعضهم والاستفهام للإنكار ويتضمن كما في «الكشف» إنكار السبب الحامل لوجود مانع في البين وهو إيهام إغفال القوم وعدم الاعتداد بهم مع كونه عليه السلام مأموراً باستصحابهم وإحضارهم معه وإنكار أصل الفعل لأن العجلة نقيصة في نفسها فكيف من أولي العزم اللائق بهم مزيد الحزم، وقوله تعالى: {قَالَ هُمْ أُوْلاء عَلَىٰ أَثَرِى وَعَجِلْتُ ...}.

ابن عاشور

تفسير : عطفٌ على جملة {أية : اسْرِ بعبادي}تفسير : [طه: 77] الواقعة تفسيراً لفعل {أية : أوحينا إلى موسى}تفسير : [طه: 77]، فقوله {ومَا أعْجَلَكَ عَن قومِكَ} هو مما أوحى الله به إلى موسى. والتقدير: وأنْ: ما أعجلك الخ. وهو إشارة إلى ما وقع لهم أيام مناجاة موسى في الطور في الشهر الثالث لخروجهم من مصر. وهذا الجزء من القصة لم يذكر في سورة الأعراف. والإعجال: جعْل الشيء عاجلاً. والاستفهام مستعمل في اللّوْم. والذي يؤخذ من كلام المفسرين وتشير إليه الآية: أنّ موسى تعجّل مفارقة قَومه ليحضر إلى المناجاة قبل الإبّان الذي عيّنه الله له، اجتهاداً منه ورغبة في تلقي الشريعة حسبما وعده الله قبل أن يحيط بنو إسرائيل بجبل الطور، ولم يراع في ذلك إلا السبق إلى ما فيه خير لنفسه ولقومه، فلامه الله على أن غفل عن مراعاة ما يحفّ بذلك من ابتعاده عن قومه قبل أن يوصيهم الله بالمحافظة على العهد ويحذّرهم مكر من يتوسّم فيه مكراً، فكان في ذلك بمنزلة حديث : أبي بكر حين دخل المسجد فوجد النبي - صلى الله عليه وسلم - راكعاً فركع ودَبّ إلى الصف فقال له - النبي صلى الله عليه وسلم -«زادك الله حرصاً ولا تَعُدْ»تفسير : . وقريبٌ من تصرّف موسى ــــ عليه السّلام ــــ أخذُ المجتهد بالدليل الذي له معارض دون علم بمعارضة، وكان ذلك سبب افتتان قومه بصنع صنم يعبدونه. وليس في كتاب التّوراة ما يشير إلى أكثر من صنع بني إسرائيل العجل من ذهب اتخذوه إلهاً في مدّة مغيب موسى، وأن سبب ذلك استبطاؤهم رجوع موسى {أية : قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى}تفسير : [طه: 91]. وقوله هنا {هُمْ أُوْلاءِ عَلىٰ أَثَرِي} يدل على أنّهم كانوا سائرين خلفه وأنه سبقهم إلى المناجاة. واعتذر عن تعجّله بأنه عجّل إلى استجابة أمر الله مبالغة في إرضائه، فقوله تعالى: {فَإنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ} فيه ضرب من المَلام على التعجل بأنّه تسبب عليه حدوث فتنة في قومه ليعلمه أن لا يتجاوز ما وُقت له ولو كان لرغبة في ازدياد من الخير. والأثَر ــــ بفتحتين ــــ: ما يتركه الماشي على الأرض من علامات قدَم أو حافر أو خفّ. ويقال: إثْر ــــ بكسر الهمزة وسكون الثاء ــــ وهما لغتان فصيحتان كما ذكر ثعلب. فمعنى قولهم: جاء على إثره، جاء موالياً له بقرب مجيئه، شبه الجائي الموالي بالذي يمشي على علامات أقدام مَن مشى قبله قبل أن يتغيّر ذلك الأثرُ بأقدام أخرى، ووجه الشبه هو موالاته وأنه لم يسبقه غيره. والمعنى: هم أولاء سائرون على مواقع أقدامي، أي موالون لي في الوصول. ومنه قول - النبي صلى الله عليه وسلم - «حديث : وأنا الحاشر الذي يُحشر الناس على قدَمِي»تفسير : ، تقديره: يحشرون سائرين على آثار قدمي. وقرأ الجمهور {عَلَىٰ أَثرِي} بفتحتين. وقرأه رويس عن يعقوب ــــ بكسر الهمزة وسكون الثاء ــــ. واستعمل تركيب {هُمْ أُوَلاءِ} مجرّداً عن حرف التنبيه في أول اسم الإشارة خلافاً لقوله في سورة النساء (109): {أية : ها أنتم هؤلاء جادلتم}تفسير : ، وتجريد اسم الإشارة من هاء التنبيه استعمال جائز وأقل منه استعماله بحرف التنبيه مع الضمير دون اسم الإشارة، نحو قول عبد بني الحسحاس:شعر : هَا أنا دُون الحبيببِ يا وَجع تفسير : وتقدّم عند قوله تعالى: {أية : ها أنتم أولاء تحبونهم}تفسير : في سورة آل عمران (119). وإسناد الفتن إلى الله باعتبار أنه مُقدّره وخالقُ أسبابه البعيدة. وأمّا إسناده الحقيقي فهو الذي في قوله {وأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ} لأنه السبب المباشر لضلالهم المسبب لفتنتهم. و {السَّامِرِيُّ} يظهر أن ياءه ياء نسبة، وأن تعريفه باللاّم للعهد. فأما النسبة فأصلها في الكلام العربي أن تكون إلى القبائل والعشائر؛ فالسامريّ نسب إلى اسم أبي قبيلة من بني إسرائيل أو غيرهم يقارب اسمه لفظ سَامِر، وقد كان من الأسماء القديمة (شُومر) و (شامر) وهما يقاربان اسم سامر لا سيما مع التعريب. وفي «أنوار التنزيل»: «السامريّ نسبة إلى قبيلة من بني إسرائيل يقال لها: السامرة» اهــــ. أخذنا من كلام البيضاوي أن السامريّ منسوب إلى قبيلة وأما قوله «من بني إسرائيل» فليس بصحيح. لأنّ السامرة أمّة من سكان فلسطين في جهة نَابلس في عهد الدولة الروميّة (البيزنطية) وكانوا في فلسطين قبل مصير فلسطين بيد بني إسرائيل ثمّ امتزجوا بالإسرائيليين واتبعوا شريعة موسى ــــ عليه السلام ــــ مع تخالف في طريقتهم عن طريقة اليهود. فليس هو منسوباً إلى مدينة السامرة القريبة من نابلس لأنّ مدينة السامرة بناها الملك (عَمْري) ملك مملكة إسرائيل سنة 925 قبل المسيح. وجعلها قصبة مملكته، وسماها (شوميرون) لأنّه بناها على جبل اشتراه من رجل اسمه (شَامر) بوَزْنتَين من الفضة، فعُرّبت في العربية إلى سامرة، وكان اليهود يَعُدونها مدينة كفر وجور، لأنّ (عمري) بانيها وابنه (آخاب) قد أفسدا ديانة التّوراة وعبدا الأصنام الكنعانية. وأمر الله النبي إلياس بتوبيخهما والتثوير عليهما، فلا جرم لم تكن موجودة زمن موسى ولا كانت ناحيتها من أرض بني إسرائيل زمن موسى ــــ عليه السلام ــــ. ويحتمل أن يكون السامريّ نسباً إلى قرية اسمها السامرة من قرى مصر، كما قال بعض أهل التفسير، فيكون فتى قبطياً اندس في بني إسرائيل لتعلّقه بهم في مصر أو لصناعة يصنعها لهم. وعن سعيد بن جبير: كان السامريّ من أهل (كرمان)، وهذا يقرّب أن يكون السامريّ تعريبَ كرماني بتبديل بعض الحروف وذلك كثير في التعريب. ويجوز أن تكون الياء من السامريّ غير ياء نسب بل حرفاً من اسم مثل: ياء عليّ وكرسيّ، فيكون اسماً أصلياً أو منقولاً في العبرانية، وتكون اللاّم في أوّله زائدة. وذكر الزمخشري والقرطبي خليطاً من القصة: أن السامريّ اسمه موسى بن ظَفَر ــــ بفتح الظاء المعجمة وفتح الفاء ــــ وأنه ابن خالة موسى ــــ عليه السلام ــــ أو ابن خَاله، وأنه كفَر بدين موسى بعد أن كان مؤمناً به، وزاد بعضهم على بعض تفاصيل تشمئزّ النفس منها. واعلم أن السامريين لقب لطائفة من اليهود يقال لهم أيضاً السامرة، لهم مذهب خاص مخالف لمذهب جماعة اليهوديّة في أصول الدّين، فهم لا يعظمون بيت المقدس وينكرون نبوءة أنبياء بني إسرائيل عدا موسى وهارون ويوشع، وما كانت هذه الشذوذات فيهم إلاّ من بقايا تعاليم الإلحاد التي كانوا يتلقونها في مدينة السامرة المبنيّة على التساهل والاستخفاف بأصول الدين والترخّص في تعظيم آلهة جيرتهم الكنعانيين أصْهار ملوكهم، ودام ذلك الشذوذ فيهم إلى زمن عيسى ــــ عليه السلام ــــ ففي إنجيل متى إصحاح 10 وفي إنجيل لوقا إصحاح 9 ما يقتضي أن بلدة السامريين كانت منحرفة على اتباع المسيح، وأنه نهى الحواريين عن الدخول إلى مدينتهم. ووقعت في كتاب الخروج من التوراة في الإصحاح الثاني والثلاثين زلّة كبرى، إذ زعموا أنّ هارون صنع العجل لهم لمّا قالوا له: «اصنع لنا آلهة تسير أمامنا لأنا لا نعلم ماذا أصاب موسى في الجبل فصنَع لهم عجلاً من ذهب». وأحسب أنّ هذا من آثار تلاشي التّوراة الأصلية بعد الأسر البابلي، وأن الذي أعاد كتبها لم يحسن تحرير هذه القصة. ومما نقطع به أنّ هارون معصوم من ذلك لأنه رسول.

الشنقيطي

تفسير : أشار جل وعلا في هذه الآية الكريمة إلى قصة مواعدته في موسى أربعين ليلة وذهابه إلى الميقات، واستعجاله إليه قبل قومه. وذلك أنه لما واعده ربه {وَمَآ أَعْجَلَكَ عَن قَومِكَ} الآية. وهذه القصة التي أجملها هنا أشار لها في غير هذا الموضع. كقوله في "الأعراف": {أية : وَوَاعَدْنَا مُوسَىٰ ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَىٰ لأَخِيهِ هَارُونَ ٱخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ ٱلْمُفْسِدِينَ وَلَمَّا جَآءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِيۤ أَنظُرْ إِلَيْكَ} تفسير : [الأعراف: 142-143] الآية. وفي هذه الآية سؤال معروف: وهو أن جواب موسى ليس مطابقاً للسؤال الذي سأله ربه، لأن السؤال عن السبب الذي أعجله عن قومه، والجواب لم يأت مطابقاً لذلك. لأنه أجاب بقوله: {هُمْ أُوْلاۤءِ عَلَىٰ أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ} الآية. وأجيب عن ذلك بأجوبة: (منها) أن قوله: {هُمْ أُوْلاۤءِ عَلَىٰ أَثَرِي} يعني هم قريب وما تقدمتهم إلا بيسير يغتفر مثله، فكأني لم أتقدمهم ولم أعجل عنهم لقرب ما بيني وبينهم. (ومنها) أن الله جل وعلا لما خاطبه بقوله {وَمَآ أَعْجَلَكَ عَن قَومِكَ} داخله من الهيبة والإجلال والتعظيم لله جل وعلا ما أذهله عن الجواب المطابق. والله أعلم. وقوله: {هُمْ أُوْلاۤءِ} المد فيه لغة الحجازيين. ورجحها ابن مالك في الخلاصة بقوله: والمد أولى. ولغة التميميين "أولا" بالقصر، ويجوز دخول اللام على لغة التميميين في البعد، ومنه قول الشاعر: شعر : أولا لك قومي لم يكونوا أشابة وهل يعظ الضليل إلا أولالكا تفسير : وأما على لغة الحجازيين بالمد فلا يجوز دخول اللام عليها.

الواحدي

تفسير : {وما أعجلك عن قومك} يعني: السَّبعين الذين اختارهم، وذلك أنَّه سبقهم شوقاً إلى ميعاد الله، وأمرهم أن يتَّبعوه، فذلك قوله: {قال: هم أولاء على أثري} يجيئون بعدي {وعجلت إليك} بسبقي إيَّاهم {لترضى} لتزداد عني رضىً. {قال فإنا فد فتنا قومك} أَيْ: ألقيناهم في الفتنة واختبرناهم {من بعدك} من بعد خروجك من بينهم {وأضلهم السامريُّ} بدعائهم إلى عبادة العجل. {فرجع موسى إلى قومه غَضبَٰنَ أسفاً} شديد الحزن. {قال يا قوم ألم يعدكم ربكم وعداً حسناً} أنَّه يعطيكم التَّوراة [صدقاً] لذلك الموعد. {أفطال عليكم العهد} مدَّة مفارقتي إيَّاكم {أم أردتم أن يحل} أن يجب {عليكم غضب من ربكم فأخلفتم موعدي} باتِّخاذ العجل ولم تنظروا رجوعي إليكم. {قالوا ما أخلفنا موعدك بملكنا} [باختيارنا] ونحن نملك من أمرنا شيئاً، ولكنَّ السَّامريَّ استغوانا وهو معنى قوله: {ولٰكنا حُمِّلنا أوزاراً} أثقالاَ {من زينة القوم} من حُلي آل فرعون {فقذفناها} ألقيناها في النَّار بأمر السَّامِرِيَّ، وذلك أنَّه قال: اجمعوها وألقوها في النَّار ليرجع موسى، فيرى فيها رأيه {فكذلك ألقى السامري} ما معه من الحُلِّي في النَّار، وهو قوله: {فكذلك ألقى السامري} ثمَّ صاغ لهم عجلاً.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: وما أعجلك: أي شيء جعلك تترك قومك وتأتي قبلهم. هم على أثري: أي آتون بعدي وليسوا ببعيدين مني. وعجلت إليك ربي لترضى: أي استعجلت المجيء إليك طلباً لرضاك عني. قد فتنا قومك: أي ابتليناهم أي بعبادة العجل. وأضلهم السامري: أي عن الهدى الذي هو الإِسلام إلى الشرك وعبادة غير الرب تعالى. غضبان أسفاً: أي شديد الغضب والحزن. وعداً حسناً: أي بأن يعطيكم التوراة فيها نظام حياتكم وشريعة ربكم لتكملوا عليها وتسعدوا. أفطال عليكم العهد: أي مدة الموعد وهي ثلاثون يوماً قبل أن يكملها الله تعالى أربعين يوماً. بملكنا: أي بأمرنا وطاقنا، ولكن غلب علينا الهوى فلم نقدر على انجاز الوعد بالسير وراءك. أوزاراً: أي أحمالاً من حلي نساء الأقباط وثيابهن. فقذفناها: أي ألقيناها في الحفرة بأمر هارون عليه السلام. ألقى السامري: السامري هو موسى بن ظفر من قبيلة سامرة الإِسرائيلية، وما ألقاه هو التراب الذي أخذه من تحت حافر فرس جبريل ألقاه أي قذفه على الحلي. عجلاً جسداً: أي ذا جثة. له خوار: الخوار صوت البقر. فنسي: أي موسى ربه هنا وذهب يطلبه. ألا يرجع إليهم قولا: أنه لا يكلمهم إذا كلموه لعدم نطقه بغير الخوار. معنى الآيات: بعد أن نجى الله تعالى بني إسرائيل من فرعون وملائه حيث اجتاز بهم موسى البحر وأغرق الله فرعون وجنوده أخبرهم موسى أن ربه تعالى قد أمره أن يأتيه ببني إسرائيل وهم في طريقهم إلى أرض المعاد إلى جبل الطور ليؤتيهم التوراة فيها شريعتهم ونظام حياتهم دنيا ودينا وأنه واعدهم جانب الطور الأيمن، واستعجل موسى في المسير إلى الموعد فاستخلف أخاه هارون على بني إسرائيل ليسير بهم وراء موسى ببطء حتى يلحقوا به عند جبل الطور، وحدث أن بني إسرائيل فتنهم السامري بضع العجل ودعوتهم إلى عبادته وترك المسير وراء موسى عليه السلام فقوله تعالى: {وَمَآ أَعْجَلَكَ عَن قَومِكَ يٰمُوسَىٰ} هو سؤال من الله تعالى لموسى ليخبره بما جرى لقومه بعده وهو لا يدري فلما قال تعالى لموسى: {وَمَآ أَعْجَلَكَ} عن المجئ وحدك دون بني إسرائيل مع أن الأمر أنك تأتي معهم أجاب موسى بقوله {هُمْ أُوْلاۤءِ عَلَىٰ أَثَرِي} آتون بعدي، وعجلت المجيء إليك لترضى عني. هنا أخبره تعالى بما حدث لقومه فقال عز وجل: {فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ ٱلسَّامِرِيُّ} أي بصنع العجل لهم ودعوتهم إلى عبادته بحجة أنه الرب تعالى وأن موسى لم يهتد إليه. ولما انتهت المناجاة وأعطى الله تعالى موسى الألواح التي فيه التوراة {فَرَجَعَ مُوسَىٰ إِلَىٰ قَوْمِهِ غَضْبَٰنَ أَسِفاً} أي حزينا إلى قومه فقال لهم لما بما أخبر تعالى عنه بقوله: {قَالَ يٰقَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً} فذكرهم بوعد الله تعالى لهم بإنجائهم من آل فرعون وإكرامهم بالملك والسيادة موبخاً لهم على خطيئتهم بتخلفهم عن السير وراءه وانشغالهم بعبادة العجل والخلافات الشديدة بينهم، وقوله {أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ ٱلْعَهْدُ} أي لم يطل فالمدة هي ثلاثون يوماً فلم تكتمل حتى فتنتم وعبدتم غير الله تعالى، قوله {أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّكُمْ} أي بل أردتم بصنيعكم الفاسد أن يجب عليكم غضب من ربكم فحل بكم، {فَأَخْلَفْتُمْ مَّوْعِدِي} بعكوفكم على عبادة العجل وترككم السير على أثري لحضور موعد الرب تعالى الذي واعدكم. وقوله تعالى {قَالُواْ مَآ أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا} هذا ما قاله قوم موسى كالمعتذرين به إليه فزعموا أنهم ما قدروا على عدم إخلاف الموعد لغلبة الهوى عليهم فلم يطيقوا السير وراءه مع وجود العجل وما ضللهم به السامري من أنه هو إلههم وأن موسى أخطأ الطريق إليه. هذا معنى قولهم: {مَآ أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا} أي بأمرنا وقدرتنا إذ كنا مغلوبين على أمرنا. وقولهم: {وَلَـٰكِنَّا حُمِّلْنَآ أَوْزَاراً مِّن زِينَةِ ٱلْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا} هذا بيان لوجه الفتنة وسببها وهي أنهم لما كانوا خارجين من مصر استعار نساؤهم حلياً من نساء القبط بدعوى عيد لهم، وأصبحوا خارجين مع موسى في طريقهم إلى القدس، وتم إنجاؤهم وإغراق فرعون ولما نزلوا بالساحل استعجل موسى موعد ربه وتركهم تحت إمرة هارون أخيه على أن يواصلوا سيرهم وراء موسى إلى جبل الطور غير أن موسى الملقب بالسامري استغل الفرصة وقال لنساء بني إسرائيل هذا الحلي الذي عندكن لا يحل لَكُنَّ أخذه إذ هي ودائع كيف تستحلونها وحفر لهم حفرة وقال ألقوها فيها وأوقد فيها النار لتحترق ولا ينتفع بها بعد، هذا ما دل عليه قولهم {وَلَـٰكِنَّا حُمِّلْنَآ أَوْزَاراً مِّن زِينَةِ ٱلْقَوْمِ} أي قوم فرعون فقذفناها أي في الحفرة التي أمر بها السامري وقوله تعالى {فَكَذَلِكَ أَلْقَى ٱلسَّامِرِيُّ} هو من جملة قول بني إسرائيل لموسى فكما ألقينا الحلي في الحفرة ألقى السامري ما معه من التراب الذي أخذه من تحت حافر فرس جبريل، فصنع السامري العجل فأخرجه لهم عجلاً جسداً له خوار أي صوت فقال بعضهم لبعض هذا إلهكم وإله موسى الذي ذهب إلى موعده فنسي وضل الطريق إليه فاعبدوه حتى يأتي موسى. قال تعالى موبخاً إياهم {أَفَلاَ يَرَوْنَ أَلاَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً} إذا كلموه، {وَلاَ يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً} فكيف يعقلون أنه إله وهو لا يجيبهم إذا سألوه، ولا يُعطيهم إذا طلبوه، ولا ينصرهم إذا استنصروه ولكنه الجهل والضلال واتباع الهوى. والعياذ بالله تعالى. هداية الآيات 1- ذم العجلة وبيان آثارها الضَّارة فاستعجال موسى الموعد وتركه قومه وراءه كان سبباً في أمر عظيم وهو عبادة العجل وما تترتب عليها من آثار جسام. 2- مشروعية طلب رضا الله تعالى ولكن بما يحب أن يتقرب به إليه. 3- مشروعية الغضب لله تعالى والحزن على ترك عبادته بمخالفة أمره ونهيه. 4- مشروعية استعارة الحلي للنساء والزينة، وحرمة جحدها وأخذها بالباطل. 5- وجوب استعمال العقل واستخدام الفكر للتمييز بين الحق والباطل، والخير والشر.

القطان

تفسير : ما أعجلك عن قومك: لماذا تركت قومك، فلقد غيروا وبدلوا بعدك. على اثري: لاحقون بي. فتنّا قومك: اختبرناهم. وأضلّهم: اوقعهم في الضلال. السامريّ: دجال من شعب اسرائيل. أسِفا: حزينا. فاخلفتم موعدي: ما وعدتموني من الثبات على الايمان. بملكنا: بقدرتنا واختيارنا. اوزارا: اثقالا. من زينة القوم: من حليهم ومصاغهم. فقذفناها: طرحناها في النار. جسدا: جثة لا روح فيها. له خوار: له صوت. {وَمَآ أَعْجَلَكَ عَن قَومِكَ يٰمُوسَىٰ}. سأله ربه عن سبب تعجُّله بالمجيء إليه وتركِ قومه خلفه، والله اعلم بما سأل. فقال موسى مجيبا: {قَالَ هُمْ أُوْلاۤءِ عَلَىٰ أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَىٰ}. انهم لاحقون بي، وإنما عجِلتُ إليك وتقدمتُهم يا ربي رغبةً في رضاك. يقول بعض المفسرين: ان موسى ذهب الى الميعاد قبل الوقت المحدد وترك قومه وراءه ليلحقوا به، وهذا سببُ لومِ ربه له على الاستعجال بالمجيء. والقصة هنا مختصرة، وقد مرت مفصلة في سورة البقرة وسورة الأعراف، وذلك ان موسى لما نجا هو وقومه من فرعون، واستقر في سيناء، واعَدَه ربه، وضرب له ميقاتا كما جاء في سور الاعراف 142 {أية : وَوَاعَدْنَا مُوسَىٰ ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ.... }تفسير : الآية فذهب إلى ربه عند الطور، وكلّمه وتلقّى عنه. وكان استخلف أخاه هارون على بني اسرائيل. فجاءهم السامريّ وأضلهم بجعلِه لهم عِجلاً من الذهب له صوتٌ، فعكفوا عليه يعبدونه، ولم يستطع هارون ان يردّهم عن غيّهم وكفرهم. وقد اخبره ربه بأن قومه من بعده قد ضلّوا فقال: {قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ ٱلسَّامِرِيُّ}. لقد أوصلهم الى اتخاذ العجلِ إلهاً والدعاء الى عبادته، وظهر عندهم الاستعداد لذلك، لأنهم حديثو عهد بالوثنية في مصر. وفي سورة الاعراف سألوا موسى ان يجعل لهم إلها كما للقوم الذين مرّوا عليهم آلهة: {فَأَتَوْاْ عَلَىٰ قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَىٰ أَصْنَامٍ لَّهُمْ قَالُواْ يٰمُوسَىٰ ٱجْعَلْ لَّنَآ إِلَـٰهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ}. {فَرَجَعَ مُوسَىٰ إِلَىٰ قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً}. عاد موسى الى قومه بعد ان قضى الميعاد وهو في غضبٍ شديد وحزنٍ لِما أحدثوه بعده، وخاطب قومه منكِرا عليهم عملهم: {قَالَ يٰقَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً}. لقد وعدكم ربكم بالنجاة والهداية بإنزال التوراة، والنصر، فهل تناسيتُم وعدَ ربكم؟. {أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ ٱلْعَهْدُ}. لم يطل عليكم العهدُ حتى تنسوا وعد الله لكم، أم أردتم بسوء صنيعكم ان ينزل بكم غضبُ الله جزاء عبادتكم العجلَ، فأخلفتم عهدَكم لي!! فاعتذروا بعذرٍ عجيب إذ قالوا: {قَالُواْ مَآ أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا}. نحن لم نخلفْ موعدك باختيارنا، {وَلَـٰكِنَّا حُمِّلْنَآ أَوْزَاراً مِّن زِينَةِ ٱلْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا} وإنّما غَلَبَنا السامريّ وحملنا أثقالاً من حَلي المصريين الذي خرجنا به، فقذفناها في النار بإشارة السامريّ، فصاغ لنا عجْلاً جسدا له صوت. {فَقَالُواْ هَـٰذَآ إِلَـٰهُكُمْ وَإِلَـٰهُ مُوسَىٰ فَنَسِيَ}. قال السامري ومن تبعه: هذا معبودُكم ومعبود موسى، ونسيَ السامري ربَّه فعمل هذا العمل السّيء وأضلَّ به القوم. وقال عدد من المفسرين: نسي موسى الطريق الى ربه وضلّ عنه، وهذا غير واضح. وتكلم المفسرون في السامري كلاماً طويلا، عن أصله، واسمه وهل هو من بني اسرائيل او هو قبطي. وهذا كله كلام طويل لا طائل تحته. والسامري يهودي من بني اسرائيل دجّال. ثم ردّ عليهم الله سبحانه مقبّحاً افعالهم، مسفِّهاً أحلامهم بقوله: {أَفَلاَ يَرَوْنَ أَلاَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً وَلاَ يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً}. افلا يعتبرون ويتفكرون في ان هذا العِجل لا يتكلم ولا يردّ على اقوالهم، وانه لا يستطيع ان يدفع عنهم ضرراً، ولا ان يجلب لهم نفعا، فكيف يتخذونه إلهاً! وتقدير الكلام: أفلا يرون انه لا يرجعُ اليهم قولاً. وليس اتخاذ العجل من الذهب إلهاً بغريب على اليهود، فإنهم عبيد الذهب والمادة منذ خُلقوا. ومن يقرأ التلمود يجد العجائب في استحلال كل شيء في سبيل المال والحصولِ عليه، فهم يحلّلون كل وسيلة في أخذ المال من غير اليهود لأن كل ما في الارض لهم وحدهم. قراءات: قرأ الجمهور: على أثري بفتح الهمزة. وقرأ رويس عن يعقوب: على إثري بكسر الهمزة وسكون الثاء. قرأ نافع وعاصم: بملكنا بفتح الميم. وقرأ ابن كثير وابن عامر وابو عمرو ويعقوب: بملكنا بكسر الميم. وقرأ حمزة والكسائي وخلف: بملكنا بضم الميم وهي ثلاث لغات. وقرأ نافع وابن كثير وابن عامر وحفص عن عاصم، ورويس عن يعقوب: حملنا بضم الحاء وتشديد الميم المكسورة. وقرأ ابو بكر وحمزة وابو عمرو والكسائي: حملنا بفتح الحاء والميم مخففة بدون تشديد.

د. أسعد حومد

تفسير : {يٰمُوسَىٰ} (83) - اخْتَارَ مُوسَى مِنْ قَوْمِهِ سَبْعِينَ رَجُلاً صَحِبَهُمْ مَعَهُ فِي ذَهَابِهِ لِلْمِيقَاتِ الذِي حَدَّدَهُ لَهُ رَبُّهُ. وَلَما اقْتَرَبَ مُوسَى مِنَ المَكَانِ المُحَدَّدِ، تَقَدَّمَ مُوسَى مُسْرِعاً، وَخَلَّفَ قَوْمَهُ يَسِيرُونَ عَلَى مَهَلٍ، فَأَنْكَرَ اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ هذِهِ العَجَلَةَ، فَقَالَ لَهُ: وَمَا هُوَ السَّبَبُ الذِي حَمَلَكَ عَلَى التَّعَجُّلِ وَعَلَى تَقَدُّمِكَ عَلَى قَوْمِكَ؟ مَعَ أَنَّكَ مَأْمُورٌ بِأَنْ تَسْتَصْحِبَهُمْ مَعَكَ إِلَى مِيقَاتِ رَبِّكَ؟. مَا أَعْجَلَكَ - مَا حَمَلَكَ عَلَى العَجَلَةِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : نقول: ما أعجلك؟ يعني: ما أسرع بك؟ لماذا جئتَ قبل موعدك؟ وكان موسى عليه السلام على موعد مع ربه - عز وجل - ليتلقى عنه المنهج، والمفروض في هذا اللقاء أنْ يأتيَ معه مجموعة من صَفْوة قومه ورؤسائهم، فتعجل موسى موعد ربه، وذهب دون قومه، فقال له: {وَمَآ أَعْجَلَكَ عَن قَومِكَ يٰمُوسَىٰ} [طه: 83] أي: أسرعتَ وتعجَّلْتَ وجِئْتَ بدونهم. فقال موسى عليه السلام: {قَالَ هُمْ أُوْلاۤءِ عَلَىٰ أَثَرِي ...}.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن عجلة موسى في طلب الرضا بقوله تعالى: {وَمَآ أَعْجَلَكَ عَن قَومِكَ يٰمُوسَىٰ} [طه: 83] إلى قوله: {حَتَّىٰ يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَىٰ} [طه: 91] {وَمَآ أَعْجَلَكَ} إشارة إلى معان مختلفة: * منها: ليعلم أن السائر لا ينبغي أن يتوانى في السير إلى الله، ويرى أن أرض الله في استعجاله في السير. * ومنها: أن السائر لا يتعرف بعوائق في السير، وإن كان في الله ولله كما كان حال موسى عليه السلام في السير إلى الله، فما تعوق بقومه واستعجل مع أنه كان مأموراً برعاية حقوق القوم ومصالحهم، فلمَّا طلب الله قطع العلائق وحذف العوائق. * ومنها: أن قصد السائر لا يتعرف بعوائق في السير، وإن كان في الله ولله كما كان حال موسى عليه السلام في السير إلى الله، فما تعوق بقومه واستعجل مع أنه كان مأموراً برعاية حقوق القوم ومصالحهم، فلمَّا طلب الله قطع العلائق وحذف العوائق. * ومنها: أن قصد السائر إلى الله تعالى ونيته ينبغي أن يكون خالصاً لله وطلبه لا لغيره كما قال: {وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَىٰ} [طه: 84] كان قصد السائر إلى الله تعالى. * ومنها: أن يكون مطلوب السائر من الله رضاه لا رضاء نفسه كما قال: {لِتَرْضَىٰ} وفي قوله تعالى: {قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ ٱلسَّامِرِيُّ} [طه: 85] إشارة دقيقة منها: أنه تعالى جعل فتنة قوم موسى وما لقى موسى [مضاف لنفسه]، وذلك أنه تعالى أضاف فتنة القوم إلى نفسه، وأضاف إضلالهم إلى السامري فافتتن موسى عليه السلام برؤية الفعل عن الفاعل، فإنه قد رأى الفتنة من الله وقال: ألا هي إلا نفسك، ورأى الإضلال من السامري {أية : قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يٰسَامِرِيُّ} تفسير : [طه: 95] ومن أنت بهذا السبب {أية : وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ} تفسير : [الأعراف: 150] بلا جرم منه، وهذه الفتنة من جملة ما قال تعالى: {أية : وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً} تفسير : [طه: 40]. * ومنها: ليعلم أن طريق الأنبياء ومتبعيهم محفوف بالفتنة والبلاء كما قال صلى الله عليه وسلم: إن البلاء موكل بالأنبياء" الأمثل فالأمثل، وقد قيل: إن البلاء للولاء كاللهب للذهب. * ومنها: أن فتنة الأمة والمريد مقرونة بمفارقة الصحبة من النبي والشيخ؛ لقوله تعالى: {فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ} [طه: 85] أي: من بعد مفارقتك إياهم، وأن المسافر إذا انقطع عن صحبة الرفقة والحقير والذليل افتتن بفتنة قطاع الطريق والفيلات هذا في قوله: {فَرَجَعَ مُوسَىٰ إِلَىٰ قَوْمِهِ غَضْبَٰنَ أَسِفاً} [طه: 86] إلى قوله: افتتان موسى وقومه، أمَّا افتتان موسى: فبأنه برجع من تلك الحضرة مع ما نال من القربة، وكرامة المكالمة، والاصطفاء على الناس، وإيتاء التوراة رجع غضبان آسفاً، وكان حقه أن يرجع راضياً مرضياً مسروراً شاكراً لأنعمه، والدليل على ذلك: {أية : فَخُذْ مَآ آتَيْتُكَ وَكُنْ مِّنَ ٱلشَّاكِرِينَ} تفسير : [الأعراف: 144] وأمَّا افتتان قومه: فبأن أمرهم الله بقتل أنفسهم بقوله تعالى: {أية : فَٱقْتُلُوۤاْ أَنفُسَكُمْ} تفسير : [البقرة: 54]. وفي قوله تعالى: {يٰقَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ ٱلْعَهْدُ أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَّوْعِدِي} [طه: 86] إشارة إلى أن الله تعالى إذا وعد قوماً فلا بد له من الوفاء بالوعد، فيحتمل أن يكون ذلك الوفاء فتنة للقوم وبلاء لهم كما قال لقوله موسى عليه السلام: إذ وعدهم الله تعالى بإتيان التوراة ومكالمة موسى وقومه السبعين المختارين فلمَّا وفَّى به تولد به لهم الفتنة والبلاء من صفاته وهي الضلالة وعبادة العجل، ولكن الوعد لمَّا كان موصوفاً بالحسن وكان البلاء الحاصل من الحسن بلاءاً حسناً، وكان عاقبة أمرهم التوبة والنجاة ورفعة الدرجات. وفي قوله تعالى: {قَالُواْ مَآ أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ} [طه: 87] أي عهدنا: {بِمَلْكِنَا} أي بقوتنا وقدراتنا وإرادتنا، وإنما كانت القدرة والإرادة في ذلك لله تعالى، وإرادتنا كانت فرغ إرادته كما قال تعالى: {أية : وَمَا تَشَآءُونَ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ} تفسير : [الإنسان: 30] جواب عن قوله: {أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَّوْعِدِي} [طه: 86] وهو أنه ما أردنا ذلك ولكنه أراد إلا يحل علينا غضب منه، فحملنا على خلاف الوعد هو موجب لحلول الغضب يدل عليه قوله تعالى: {وَلَـٰكِنَّا حُمِّلْنَآ} [طه: 87] بضم الحاء {أَوْزَاراً مِّن زِينَةِ ٱلْقَوْمِ} [طه: 87] أي: حملنا على ما فعلناه بالإرادة القديمة والقضاء لا بحقيقة إرادتنا {فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى ٱلسَّامِرِيُّ} [طه: 87] بلا اختيار حقيقي منه بل عمل على ذلك. {فَأَخْرَجَ} [طه: 88] التقدير بقدرة المقدر لهم. {لَهُمْ عِجْلاً جَسَداً لَّهُ خُوَارٌ} [طه: 88] بإذن الله تعالى وقدرته. {فَقَالُواْ هَـٰذَآ إِلَـٰهُكُمْ وَإِلَـٰهُ مُوسَىٰ فَنَسِيَ} [طه: 88] قوله تعالى: إذا أراد أن يقضي قضاءه أذهب لذوي العقول عقولهم، وأعمى أبصارهم بعد أن رأوا الجذبات وشاهدوا المعجزات كأنهم لم يروا شيئاً منها فلهذا قال: {أَفَلاَ يَرَوْنَ} [طه: 89] يعني: العجل وعجزه {أَلاَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً} [طه: 89] شيئاً من العقول. {وَلاَ يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً * وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِن قَبْلُ يٰقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ ٱلرَّحْمَـٰنُ فَٱتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوۤاْ أَمْرِي} [طه: 89-90] على ترك عبادة العجل والإقبال على الله بالتوبة والعبودية، فلم يسمعوا قولاً؛ لأنهم كانوا عن السمع الحقيقي لمعزولون كما صاروا عن البصر الحقيقي معزولين، فلهذا {قَالُواْ لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّىٰ يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَىٰ} [طه: 91] فيه إشارة إلى أن المريد إذا استسعد بخدمة شيخ كامل واصل وصحبه بصدق الإرادة ممتثلاً لأوامره ونواهيه قابلاً لتصرفات الشيخ في إرشاده بصيراً بنور ولايته سميعاً بصيراً يسمع ويرى من الأسرار والمعاني بنور ولاية لو يحتجب بحجاب ما يبقى أصم وأعمى كما كان حتى يرجع إلى صحبة الشيخ قبل رضوانه إذ يزول عنه نور الولاية، أو أنه يزول وينور بنور ولايته.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : كان الله تعالى، قد واعد موسى أن يأتيه لينزل عليه التوراة ثلاثين ليلة، فأتمها بعشر، فلما تم الميقات، بادر موسى عليه السلام إلى الحضور للموعد شوقا لربه، وحرصا على موعوده، فقال الله له: { وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى } أي: ما الذي قدمك عليهم؟ ولم لم تصبر حتى تقدم أنت وهم؟ قال: { هُمْ أُولاءِ عَلَى أَثَرِي } أي: قريبا مني، وسيصلون في أثري والذي عجلني إليك يا رب طلبا لقربك ومسارعة في رضاك، وشوقا إليك، فقال الله له: { فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ } أي: بعبادتهم للعجل، ابتليناهم، واختبرناهم، فلم يصبروا، وحين وصلت إليهم المحنة، كفروا { وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ }. { فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلا جَسَدًا } وصاغه فصار { لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا } لهم { هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى } فنسيه موسى، فافتتن به بنو إسرائيل، فعبدوه، ونهاهم هارون فلم ينتهوا. فلما رجع موسى إلى قومه وهو غضبان أسف، أي: ممتلئ غيظا وحنقا وغما، قال لهم موبخا ومقبحا لفعلهم: { يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا } وذلك بإنزال التوراة، { أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ } أي: المدة، فتطاولتم غيبتي وهي مدة قصيرة؟ هذا قول كثير من المفسرين، ويحتمل أن معناه: أفطال عليكم عهد النبوة والرسالة، فلم يكن لكم بالنبوة علم ولا أثر، واندرست آثارها، فلم تقفوا منها على خبر، فانمحت آثارها لبعد العهد بها، فعبدتم غير الله، لغلبة الجهل، وعدم العلم بآثار الرسالة؟ أي: ليس الأمر كذلك، بل النبوة بين أظهركم، والعلم قائم، والعذر غير مقبول؟ أم أردتم بفعلكم، أن يحل عليكم غضب من ربكم؟ أي: فتعرضتم لأسبابه واقتحمتم موجب عذابه، وهذا هو الواقع، { فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي } حين أمرتكم بالاستقامة، ووصيت بكم هارون، فلم ترقبوا غائبا، ولم تحترموا حاضرا.