٢٠ - طه
20 - Ta-Ha (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
85
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما قال لموسى: { أية : وَمَا أَعْجَلَكَ عَن قَومِكَ } تفسير : [طه: 83] وقال موسى في جوابه: { أية : وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبّ لِتَرْضَىٰ } تفسير : [طه: 84] عرفه الله تعالى ما حدث من القوم بعد أن فارقهم مما كان يبعد أن يحدث لو كان معهم فقال: {فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ ٱلسَّامِرِىُّ } وههنا مسائل: المسألة الأولى: قالت المعتزلة: لا يجوز أن يكون المراد أن الله تعالى خلق فيهم الكفر لوجهين، الوجه الأول: الدلائل العقلية الدالة على أنه لا يجوز من الله أن يفعل ذلك. الثاني: أنه قال: {وَأَضَلَّهُمُ ٱلسَّامِرِىُّ } ولو كان الله خلق الضلال فيهم لم يكن لفعل السامري فيه أثر وكان يبطل قوله: {وَأَضَلَّهُمُ ٱلسَّامِرِىُّ } وأيضاً فلأن موسى عليه السلام لما طالبهم بذكر سبب تلك الفتنة قال: {أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ ٱلْعَهْدُ أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مّن رَّبّكُمْ } فلو حصل ذلك بخلق الله تعالى لكان لهم أن يقولوا السبب فيه أن الله خلقه فينا لا ما ذكرت فكان يبطل تقسيم موسى عليه السلام وأيضاً فقال: {أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مّن رَّبّكُمْ } ولو كان ذلك بخلقه لاستحال أن يغضب عليهم فيما هو الخالق له ولما بطل ذلك وجب أن يكون لقوله: {فَتَنَّا } معنى آخر وذلك لأن الفتنة قد تكون بمعنى الامتحان. يقال: فتنت الذهب بالنار إذا امتحنته بالنار لكي يتميز الجيد من الرديء فههنا شدد الله التكليف عليهم وذلك لأن السامري لما أخرج لهم ذلك العجل صاروا مكلفين بأن يستدلوا بحدوث جملة العالم والأجسام على أن لها إلهاً ليس بجسم وحينئذ يعرفون أن العجل لا يصلح للإلهية فكان هذا التعبد تشديداً في التكليف فكان فتنة والتشديد في التكليف موجود قال تعالى: { أية : أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُواْ أَن يَقُولُواْ ءامَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ } تفسير : [العنكبوت: 2] هذا تمام كلام المعتزلة قال الأصحاب: ليس في ظهور صوت عن عجل متخذ من الذهب شبهة أعظم مما في الشمس والقمر والدليل الذي ينفي كون الشمس والقمر إلهاً أولى بأن ينفي كون ذلك العجل إلهاً فحينئذ لا يكون حدوث ذلك العجل تشديداً في التكليف فلا يصح حمل الآية عليه فوجب حمله على خلق الضلال فيهم، قولهم: أضاف الإضلال إلى السامري قلنا: أليس أن جميع المسببات العادية تضاف إلى أسبابها في الظاهر وإن كان الموجد لها هو الله تعالى فكذا ههنا وأيضاً قرىء وأضلهم السامري أي وأشدهم ضلالاً السامري وعلى هذا لا يبقى للمعتزلة الاستدلال، ثم الذي يحسم مادة الشغب التمسك بفصل الداعي على ما سبق تقريره في هذا الكتاب مراراً كثيرة. المسألة الثانية: المراد بالقوم ههنا هم الذين خلفهم مع هـٰرون عليه السلام على ساحل البحر وكانوا ستمائة ألف افتتنوا بالعجل غير أثني عشر ألفاً. المسألة الثالثة: قال ابن عباس رضي الله عنهما في رواية سعيد بن جبير: كان السامري علجاً من أهل كرمان وقع إلى مصر وكان من قوم يعبدون البقر والذي عليه الأكثرون أنه كان من عظماء بني إسرائيل من قبيلة يقال لها السامرة، قال الزجاج وقال عطاء عن ابن عباس: بل كان رجلاً من القبط جاراً لموسى عليه السلام وقد آمن به. المسألة الرابعة: روى في القصة أنهم أقاموا بعد مفارقته عشرين ليلة وحسبوها أربعين مع أيامها وقالوا: قد أكملنا العدة ثم كان أمر العجل بعد ذلك والتوفيق بين هذا وبين قوله لموسى عند مقدمه: {فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ } من وجهين. الأول: أنه تعالى أخبر عن الفتنة المترقبة بلفظ الموجودة الكائنة على عادته. الثاني: أن السامري شرع في تدبير الأمر لما غاب موسى عليه السلام وعزم على إضلالهم حال مفارقة موسى عليه السلام وكأنه قدر الفتنة موجودة. المسألة الخامسة: إنما رجع موسى عليه السلام بعد ما استوفى الأربعين ذا القعدة وعشر ذي الحجة. المسألة السادسة: ذكروا في الأسف وجوهاً. أحدها: أنه شدة الغضب وعلى هذا التقدير لا يلزم التكرار لأن قوله: غضبان يفيد أصل الغضب وقوله: أسفاً يفيد كماله. وثانيها: قال الأكثرون حزناً وجزعاً يقال أسف يأسف أسفاً إذا حزن فهو آسف. وثالثها: قال قوم: الآسف المغتاظ وفرقوا بين الاغتياظ والغضب بأن الله تعالى لا يوصف بالغيظ ويوصف بالغضب من حيث كان الغضب إرادة الإضرار بالمغضوب عليه والغيظ تغير يلحق المغتاظ وذلك لا يصح إلا على الأجسام كالضحك والبكاء ثم إن الله تعالى حكى عن موسى عليه السلام أنه عاتبهم بعد رجوعه إليهم قالت المعتزلة: وهذا يدل على أنه ليس المراد من قوله: {فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ } أنه تعالى خلق الكفر فيهم وإلا لما عاتبهم بل يجب أن يعاتب الله تعالى قال الأصحاب: وقد فعل ذلك بقوله: { أية : إِنْ هِىَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ } تفسير : [الأعراف: 155] ومجموع تلك المعاتبات أمور. أحدها: قوله: {يٰقَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً } وفيه سؤالان: السؤال الأول: قوله: {أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ } هذا الكلام إنما يتوجه عليهم لو كانوا معترفين بإله آخر سوى العجل أما لما اعتقدوا أنه لا إله سواه على ما أخبر الله تعالى عنهم أنهم قالوا هذا إلهكم وإله موسى كيف يتوجه عليهم هذا الكلام. الجواب: أنهم كانوا معترفين بالإله لكنهم عبدوا العجل على التأويل الذي يذكره عبدة الأصنام. السؤال الثاني: ما المراد بذلك الوعد الحسن. الجواب: ذكروا وجوهاً. أحدها: أن المراد ما وعدهم من إنزال التوراة عليهم ليقفوا على الشرائع والأحكام ويحصل لهم بسبب ذلك مزية فيما بين الناس وهو الذي ذكره الله تعالى فيما تقدم من قوله: { أية : وَوَاعَدْنَـٰكُمْ جَانِبَ ٱلطُّورِ ٱلأَيْمَنَ } تفسير : [طه: 80]. وثانيها: أن الوعد الحسن هو الوعد الصدق بالثواب على الطاعات. وثالثها: الوعد هو العهد وهو قول مجاهد وذلك العهد هو قوله تعالى: { أية : وَلاَ تَطْغَوْاْ فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِى } تفسير : [طه:81] إلى قوله: { أية : ثُمَّ ٱهْتَدَىٰ } تفسير : [طه:82] والدليل عليه قوله بعد ذلك: {أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ ٱلْعَهْدُ أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مّن رَّبّكُمْ } فكأنه قال: أفنسيتم ذلك الذي قال الله لكم ولا تطغوا فيه. ورابعها: الوعد الحسن ههنا يحتمل أن يكون وعداً حسناً في منافع الدين وأن يكون في منافع الدنيا، أما منافع الدين فهو الوعد بإنزال الكتاب الشريف الهادي إلى الشرائع والأحكام والوعد بحصول الثواب العظيم في الآخرة. وأما منافع الدنيا فهو أنه تعالى قبل إهلاك فرعون كان قد وعدهم أرضهم وديارهم، وقد فعل ذلك ثم قال: {أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ ٱلْعَهْدُ أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مّن رَّبّكُمْ } فالمراد أفنسيتم ذلك العهد أم تعمدتم المعصية، واعلم أن طول العهد يحتمل أموراً: أحدها: أفطال عليكم العهد بنعم الله تعالى من إنجائه إياكم من فرعون وغير ذلك من النعم المعدودة المذكورة في أوائل سورة البقرة وهذا كقوله: { أية : فَطَالَ عَلَيْهِمُ ٱلأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ } تفسير : [الحديد: 16]. وثانيها: يروى أنهم عرفوا أن الأجل أربعون ليلة فجعلوا كل يوم بأزاء ليلة وردوه إلى عشرين. قال القاضي: هذا ركيك لأن ذلك لا يكاد يشتبه على أحد. وثالثها: أن موسى عليه السلام وعدهم ثلاثين ليلة فلما زاد الله تعالى فيها عشرة أخرى كان ذلك طول العهد، وأما قوله: {أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مّن رَّبّكُمْ } فهذا لا يمكن إجراؤه على الظاهر لأن أحداً لا يريد ذلك ولكن المعصية لما كانت توجب ذلك، ومريد السبب مريد للمسبب بالعرض صح هذا الكلام واحتج العلماء بذلك على أن الغضب من صفات الأفعال لا من صفات الذات لأن صفة ذات الله تعالى لا تنزل في شيء من الأجسام. أما قوله: {فَأَخْلَفْتُمْ مَّوْعِدِى } فهذا يدل على موعد كان منه عليه السلام مع القوم وفيه وجهان: أحدهما: أن المراد ما وعدوه من اللحاق به والمجيء على أثره. والثاني: ما وعدوه من الإقامة على دينه إلى أن يرجع إليهم من الطور، فعند هذا قالوا: {مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا } وفي أن قائل هذا الجواب من هو وجهان: الأول: أنهم الذين لم يعبدوا العجل فكأنهم قالوا: إنا ما أخلفنا موعدك بملكنا أي بأمر كنا نملكه وقد يضيف الرجل فعل قريبه إلى نفسه كقوله تعالى: { أية : وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ ٱلْبَحْرَ } تفسير : [البقرة: 50]، { أية : وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا } تفسير : [البقرة: 72] وإن كان الفاعل لذلك آباءهم لا هم فكأنهم قالوا: الشبهة قويت على عبدة العجل فلم نقدر على منعهم عنه ولم نقدر أيضاً على مفارقتهم لأنا خفنا أن يصير ذلك سبباً لوقوع التفرقة وزيادة الفتنة. الوجه الثاني: أن هذا قول عبدة العجل والمراد أن غيرنا أوقع الشبهة في قلوبنا وفاعل السبب فاعل المسبب ومخلف الوعد هو الذي أوقع الشبهة فإنه كان كالمالك لنا. فإن قيل: كيف يعقل رجوع قريب من ستمائة ألف إنسان من العقلاء المكلفين عن الدين الحق دفعة واحدة إلى عبادة العجل الذي يعرف فسادها بالضرورة، ثم إن مثل هذا الجمع لما فارقوا الدين وأظهروا الكفر فكيف يعقل رجوعهم دفعة واحدة عن ذلك الدين بسبب رجوع موسى عليه السلام وحده إليهم، قلنا: هذا غير ممتنع في حق البله من الناس، واعلم أن في بملكنا ثلاث قراءات، قرأ حمزة والكسائي بضم الميم ونافع وعاصم بفتح الميم وأبو عمرو وابن عامر وابن كثير بالكسر، أما الكسر والفتح فهما واحد وهما لغتان مثل رطل ورطل. وأما الضم فهو السلطان، ثم إن القوم فسروا ذلك العذر المجمل فقالوا: {وَلَـٰكِنَّا حُمّلْنَا أَوْزَاراً مّن زِينَةِ ٱلْقَوْمِ } قرأ حمزة والكسائي وأبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر حملنا مخففة من الحمل وقرأ ابن كثير ونافع وحفص وابن عامر: حملنا مشددة، فمن قرأ بالتخفيف فمعناه حملنا مع أنفسنا ما كنا استعرناه من القوم ومن قرأ بالتشديد ففيه وجوه: أحدها: أن موسى عليه السلام حملهم على ذلك أي أمرهم باستعارة الحلي والخروج بها فكأنه ألزمهم ذلك. وثانيها: جعلنا كالضامن لها إلى أن نؤديها إلى حيث يأمرنا الله. وثالثها: أن الله تعالى حملهم ذلك على معنى أنه ألزمهم فيه حكم المغنم، أما الأوزار فهي الأثقال ومن ذلك سمي الذنب وزراً لأنه ثقل ثم فيه احتمالات. أحدها: أنه لكثرتها كانت أثقالاً. وثانيها: أن المغانم كانت محرمة عليهم فكان يجب عليهم حفظها من غير فائدة فكانت أثقالاً. وثالثها: المراد بالأوزار الآثام والمعنى حملنا آثاماً، روي في الخبر أن هـٰرون عليه السلام قال: إنها نجسة فتطهروا منها، وقال السامري: إن موسى عليه السلام إنما احتبس عقوبة بالحلي فيجوز أن يكونوا أرادوا هذا القول. وقد يقول الإنسان للشيء الذي يلزمه رده هذا كله إثم وذنب. ورابعها: أن ذلك الحلي كان القبط يتزينون به في مجامع لهم يجري فيها الكفر لا جرم أنها وصفت بكونها أوزاراً كما يقال مثله في آلات المعاصي. أما قوله: {فَقَذَفْنَاهَا } فذكروا فيه وجوهاً في أنهم أين قذفوها؟ الوجه الأول: قذفوها في حفرة كان هـٰرون عليه السلام أمرهم بجمع الحلي فيها انتظاراً لعود موسى عليه السلام. والوجه الثاني: قذفوها في موضع أمرهم السامري بذلك. الوجه الثالث: في موضع جمع فيه النار ثم قالوا: فكذلك ألقى السامري أي فعل السامري مثل ما فعلنا، أما قوله: {فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَداً لَّهُ خُوَارٌ } فاختلفوا في أنه هل كان ذلك الجسد حياً أم لا؟ فالقول الأول: لا لأنه لا يجوز إظهار خرق العادة على يد الضال بل السامري صور صورة على شكل العجل وجعل فيها منافذ ومخارق بحيث تدخل فيها الرياح فيخرج صوت يشبه صوت العجل. والقول الثاني: أنه صار حياً وخار كما يخور العجل واحتجوا عليه بوجوه: أحدها: قوله: { أية : فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ ٱلرَّسُولِ } تفسير : [طه: 96] ولو لم يصر حياً لما بقي لهذا الكلام فائدة. وثانيها: أنه تعالى سماه عجلاً والعجل حقيقة في الحيوان وسماه جسداً وهو إنما يتناول الحي. وثالثها: أثبت له الخوار وأجابوا عن حجة الأولين بأن ظهور خوارق العادة على يد مدعي الإلهية جائز لأنه لا يحصل الإلتباس وههنا كذلك فوجب أن لا يمتنع، وروى عكرمة عن ابن عباس أن هـٰرون عليه السلام مر بالسامري وهو يصنع العجل فقال: ما تصنع؟ فقال: أصنع ما ينفع ولا يضر فادع لي فقال: اللهم أعطه ما سأل فلما مضى هـٰرون قال السامري: اللهم إني أسألك أن يخور فخار وعلى هذا التقدير يكون ذلك معجزاً للنبي، أما قوله: {فَقَالُواْ هَـٰذَا إِلَـٰهُكُمْ وَإِلَـٰهُ مُوسَىٰ } ففيه إشكال وهو أن القوم إن كانوا في الجهالة بحيث اعتقدوا أن ذلك العجل المعمول في تلك الساعة هو الخالق للسموات والأرض فهم مجانين وليسوا بمكلفين ولأن مثل هذا الجنون على مثل ذلك الجمع العظيم محال وإن لم يعتقدوا ذلك فكيف قالوا: هذا إلهكم وإله موسى، وجوابه: لعلهم كانوا من الحلولية فجوزوا حلول الإله أو حلول صفة من صفاته في ذلك الجسم، وإن كان ذلك أيضاً في غاية البعد لأن ظهور الخوار لا يناسب الإلهية، ولكن لعل القوم كانوا في نهاية البلادة والجلافة، وأما قوله: فنسي ففيه وجوه. الأول: أنه كلام الله تعالى كأنه أخبر عن السامري أنه نسي الاستدلال على حدوث الأجسام وأن الإله لايحل في شيء ولا يحل فيه شيء ثم إنه سبحانه بين المعنى الذي يجب الاستدلال به وهو قوله: {أَفَلاَ يَرَوْنَ ألا يَرجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً وَلاَ يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرّاً ولا نفعاً} أي لم يخطر ببالهم أن من لا يتكلم ولا يضر ولا ينفع لا يكون إلهاً ولا يكون للإله تعلق به في الحالية والمحلية. الوجه الثاني: أن هذا قول السامري وصف به موسى عليه السلام والمعنى أن هذا إلهكم وإله موسى فنسي موسى أن هذا هو الإله فذهب يطلبه في موضع آخر وهو قول الأكثرين. الوجه الثالث: فنسي وقت الموعد في الرجوع أما قوله: { أَلاَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً وَلاَ يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً } فهذا استدلال على عدم إلهيتها بأنها لا تتكلم ولا تنفع ولا تضر وهذا يدل على أن الإله لا بد وأن يكون موصوفاً بهذه الصفات وهو كقوله تعالى في قصة إبراهيم عليه السلام: { أية : لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يَبْصِرُ وَلاَ يُغْنِى عَنكَ شَيْئاً } تفسير : [مريم: 42] وإن موسى عليه السلام في أكثر الأمر لا يعول إلا على دلائل إبراهيم عليه السلام بقي ههنا بحثان. البحث الأول: قال الزجاج: الاختيار أن لا يرجع بالرفع بمعنى أنه لا يرجع وهذا كقوله: { أية : وَحَسِبُواْ أَلاَّ تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُواْ وَصَمُّواْ } تفسير : [المائدة: 71] بمعنى أنه لا تكون وقرىء بالنصب أيضاً على أن أن هذه هي الناصبة للأفعال. البحث الثاني: هذه الآية تدل على وجوب النظر في معرفة الله تعالى وقال في آية أخرى: { أية : أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّهُ لاَ يُكَلّمُهُمْ وَلاَ يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً } تفسير : [الأعراف: 148] وهو قريب في المعنى من قوله في ذم عبدة الأصنام: { أية : أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا } تفسير : [الأعراف: 195] وليس المقصود من هذا أن العجل لو كان يكلمهم لكان إلهاً لأن الشيء يجوز أن يكون مشروطاً بشروط كثيرة ففوات واحد منها يقتضي فوات المشروط، ولكن حصول الواحد فيها لا يقتضي حصول المشروط. الثالث: قال بعض اليهود لعلي عليه السلام: ما دفنتم نبيكم حتى اختلفتم؟ فقال: إنما اختلفنا عنه وما اختلفنا فيه، وأنتم ما جفت أقدامكم من ماء البحر حتى قلتم لنبيكم اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة؟
المحلي و السيوطي
تفسير : وتخلف المظنون لما {قَالَ } تعالى {فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ } أي بعد فراقك لهم {وَأَضَلَّهُمُ ٱلسَّامِرِىُّ } فعبدوا العجل.
النسفي
تفسير : {قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ } ألقيناهم في فتنة {مِن بَعْدِكَ } من بعد خروجك من بينهم والمراد بالقوم الذين خلفهم مع هارون {وَأَضَلَّهُمُ ٱلسَّامِرِىُّ } بدعائه إياهم إلى عبادة العجل وإجابتهم له وهو منسوب إلى قبيلة من بني إسرائيل يقال لها السامرة. وقيل: كان علجاً من كرمان فاتخذ عجلاً واسمه موسى بن ظفر وكان منافقاً {فَرَجَعَ مُوسَىٰ } من مناجات ربه {إِلَىٰ قَوْمِهِ غَضْبَـٰنَ أَسِفًا } شديد الغضب أو حزيناً {قَالَ يَـا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً} وعدهم الله أن يعطيهم التوراة التي فيها هدى ونور وكانت ألف سورة كل سوره ألف آية يحمل أسفارها سبعون جملاً ولا وعد أحسن من ذلك {أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ ٱلْعَهْدُ } أي مدة مفارقتي إياكم، والعهد الزمان، يقال: طال عهدي بك أي طال زماني بسبب مفارقتك {أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مّن رَّبّكُمْ } أي أردتم أن تفعلوا فعلاً يجب به عليكم الغضب من ربكم {فَأَخْلَفْتُمْ مَّوْعِدِى } وعدوه أن يقيموا على أمره وما تركهم عليه من الآيات فأخلفوا موعده باتخاذ العجل. {قَالُواْ مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا } بفتح الميم: مدني وعاصم، وبضمها: حمزة وعلي، وبكسرها: غيرهم، أي ما أخلفنا موعدك بأن ملكنا أمرنا أي لو ملكنا أمرنا وخلينا ورأينا لما أخلفنا موعدك ولكنا غلبنا من جهة السامري وكيده {وَلَـٰكِنَّا حُمّلْنَا } بالضم والتشديد: حجازي وشامي وحفص، وبفتح الحاء والميم مع التخفيف: غيرهم {أَوْزَاراً مّن زِينَةِ ٱلْقَوْمِ } أثقالاً من حلي القبط، أو أرادوا بالأوزار أنها آثام وتبعات لأنهم قد استعاروها ليلة الخروج من مصر بعلة أن لنا غداً عيداً، فقال السامري: إنما حبس موسى لشؤم حرمتها لأنهم كانوا معهم في حكم المستأمنين في دار الحرب وليس للمستأمن أن يأخذ مال الحربي على أن الغنائم لم تكن تحل حينئذ فأحرقوها فخبأ في حفرة النار قالب عجل فانصاغت عجلاً مجوفاً فخار بدخول الريح في مجار منه أشباه العروق. وقيل: نفخ فيه تراباً من موضع قوائم فرس جبريل عليه السلام يوم الغرق وهو فرس حياة فحيي فخار ومالت طباهم إلى الذهب فعبدوه {فَقَذَفْنَاهَا } في نار السامري التي أوقدها في الحفرة وأمرنا أن نطرح فيها الحلي {فَكَذَلِكَ أَلْقَى ٱلسَّامِرِىُّ } ما معه من الحلي في النار أو ما معه من التراب الذي أخذه من أثر حافر فرس جبريل عليه السلام. {فَأَخْرَجَ لَهُمْ } السامري من الحفرة {عِجْلاً } خلقه الله تعالى من الحلي التي سبكتها النار ابتلاء {جَسَداً } مجسداً {لَّهُ خُوَارٌ } صوت وكان يخور كما تخور العجاجيل {فَقَالُواْ } أي السامري وأتباعه {هَـٰذَا إِلَـٰهُكُمْ وَإِلَـٰهُ مُوسَىٰ } فأجاب عامتهم إلا اثني عشر ألفاً {فَنَسِىَ } أي فنسي موسى ربه هنا وذهب يطلبه عند الطور، أو هو ابتداء كلام من الله تعالى أي نسي السامري ربه وترك ما كان عليه من الإيمان الظاهر، أو نسي السامري الاستدلال على أن العجل لا يكون إلهاً بدليل قوله {أَفَلاَ يَرَوْنَ أَلاَّ يَرْجِعُ } أي أنه لا يرجع ف {أن} مخففة من الثقيلة {إِلَيْهِمْ قَوْلاً } أي لا يجيبهم {وَلاَ يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً } أي هو عاجز عن الخطاب والضر والنفع فكيف تتخذونه إلهاً وقيل: إنه ما خار إلا مرة {وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ } لمن عبدوا العجل {هَـٰرُونُ مِن قَبْلُ } من قبل رجوع موسى إليهم {يٰقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُمْ بِهِ } ابتليتم بالعجل فلا تعبدوه {وَإِنَّ رَبَّكُمُ ٱلرَّحْمَـٰنُ } لا العجل {فَٱتَّبِعُونِى } كونوا على ديني الذي هو الحق {وَأَطِيعُواْ أَمْرِى } في ترك عبادة العجل {قَالُواْ لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَـٰكِفِينَ } أي لن نزال مقيمين على العجل وعبادته {حَتَّىٰ يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَىٰ } فننظره هل يعبده كما عبدناه وهل صدق السامري أم لا. فلما رجع موسى {قَالَ يَـا هَـٰرُونَ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّواْ } بعبادة العجل. {أَلاَّ تَتَّبِعَنِ } بالياء في الوصل والوقف: مكي، وافقه أبو عمرو ونافع في الوصل، وغيرهم بلا ياء أي ما دعاك إلى ألا تتبعني لوجود التعلق بين الصارف عن فعل الشي وبين الداعي إلى تركه. وقيل: «لا» مزيدة والمعنى أي شيء منعك أن تتبعني حين لم يقبلوا قولك وتلحق بي وتخبرني؟ أو ما منعك أن تتبعني في الغضب لله، وهلا قاتلت من كفر بمن آمن ومالك لم تباشر الأمر كما كنت أباشره أنا لو كنت شاهداً؟ {أَفَعَصَيْتَ أَمْرِى } أي الذي أمرتك به من القيام بمصالحهم. ثم أخذ بشعر رأسه بيمينه ولحيته بشماله غضباً وإنكاراً عليه لأن الغيرة في الله ملكته {قَالَ يَبْنَؤُمَّ } وبخفض الميم: شامي وكوفي غير حفص، وكان لأبيه وأمه عند الجمهور ولكنه ذكر الأم استعطافاً وترفيقاً {لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِى وَلاَ بِرَأْسِى } ثم ذكر عذره فقال {إِنّى خَشِيتُ أَن تَقُولَ } إن قاتلت بعضهم ببعض {فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِى إِسْرءيلَ } أو خفت أن تقول إن فارقتهم واتبعتك ولحق بي فريق وتبع السامري فريق: {فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِى إِسْرءيلَ } {وَلَمْ تَرْقُبْ } ولم تحفظ {قَوْلِي } اخلفني في قومي وأصلح. وفيه دليل على جواز الاجتهاد. ثم أقبل موسى على السامري منكراً عليه حيث {قَالَ فَمَا خَطْبُكَ } ما أمرك الذي تخاطب عليه؟ {يٰسَـٰمِرِيُّ قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُواْ بِهِ } وبالتاء: حمزة وعلي، وقال الزجاج: بصر علم وأبصر نظر أي علمت ما لم يعلمه بنو اسرائيل. قال موسى: وما ذاك؟ قال: رأيت جبريل على فرس الحياة فألقي في نفسي أن أقبض من أثره فما ألقيته على شيء إلا صار له روح ولحم ودم {فَقَبَضْتُ قَبْضَةً } القبضة المرة من القبض وإطلاقها على المقبوض من تسمية المفعول بالمصدر لـــــ «ضرب» الأمير. وقريء {فقبصت قبضة} فالضاد بجميع الكف والصاد بأطراف الأصابع { مِّنْ أَثَرِ ٱلرَّسُولِ } أي من أثر فرس الرسول وقريء بها {فَنَبَذْتُهَا } فطرحتها في جوف العجل {وَكَذٰلِكَ سَوَّلَتْ } زينت {لِى نَفْسِى } أن أفعله ففعلته اتباعاً لهواي وهو اعتراف بالخطأ واعتذار.
ابو السعود
تفسير : {قَالَ} استئنافٌ مبني على سؤال نشأ من حكاية اعتذارِه عليه الصلاة والسلام وهو السرُّ في وروده على صيغة الغائبِ، لا أنه التفاتٌ من التكلم إلى الغَيبة لما أن المقدرَ فيما سبق من الموضعين على صيغة التكلم، كأنه قيل من جهة السامعين: فماذا قال له ربه حينئذ؟ فقيل: قال: {فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ} أي ابتليناهم بعبادة العِجل من بعد ذهابك من بـينهم وهم الذين خلّفهم مع هارونَ عليه الصلاة والسلام، وكانوا ستَّمائة ألفٍ ما نجا منهم من عبادة العجل إلا اثنا عشرَ ألفاً، والفاءُ لترتيب الإخبار بما ذكر من الابتلاء على إخبار موسى عليه الصلاة والسلام بعجَلته لكن لا لأن الإخبارَ بها سببٌ موجبٌ للإخبار به، بل لما بـينهما من المناسبة المصحِّحة للانتقال من أحدهما إلى الآخر من حيث إن مدارَ الابتلاءِ المذكور عجَلةُ القوم، فإنه روي أنهم أقاموا على ما وصّى به موسى عليه الصلاة والسلام عشرين ليلةً بعد ذهابه فحسَبوها مع أيامها أربعين، وقالوا: قد أكملنا العدةَ وليس من موسى عليه الصلاة والسلام عينٌ ولا أثر {وَأَضَلَّهُمُ ٱلسَّامِرِىُّ} حيث كان هو المدبرَ في الفتنة فقال لهم: إنما أخلفَ موسى عليه الصلاة والسلام ميعادَكم لما معكم من حُلِيّ القوم وهو حرامٌ عليكم فكان من أمر العجل ما كان، فإخبارُه تعالى بوقوع هذه الفتنةِ عند قدومِه عليه الصلاة والسلام إما باعتبار تحققِها في علمه تعالى ومشيئتِه، وإما بطريق التعبـيرِ عن المتوقَّع بالواقع كما في قوله تعالى: { أية : وَنَادَى أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ} تفسير : [الأعراف: 44] ونظائرِه، أو لأن السامريَّ كان قد عزم على إيقاع الفتنةِ عند ذهاب موسى عليه الصلاة والسلام وتصدّى لترتيب مبانيها وتمهيدِ مباديها فكانت الفتنةُ واقعةً عند الإخبار بها، وقرىء وأضلُّهم السامريُّ على صيغة التفضيلِ أي أشدُّهم ضلالاً لأنه ضالٌّ ومُضلٌّ، والسامريُّ منسوبٌ إلى قبـيلة من بني إسرائيلَ يقال لها السامرة، وقيل: كان عِلْجاً من كَرْمان، وقيل: من أهل باجرما واسمُه موسى بنُ ظفر وكان منافقاً قد أظهر الإسلام وكان من قوم يعبدون البقر. {فَرَجَعَ مُوسَىٰ إِلَىٰ قَوْمِهِ} عند رجوعِه المعهود أي بعدما استوفى الأربعين وأخذ التوراة لا عَقيبَ الإخبار بالفتنة، فسببـيةُ ما قبل الفاء لما بعدها إنما هي باعتبار قيد الرجوعِ المستفاد من قوله تعالى: {غَضْبَـٰنَ أَسِفًا} لا باعتبار نفسه وإن كانت داخلةً عليه حقيقةً فإن كونَ الرجوعِ بعد تمام الأربعين أمرٌ مقرّرٌ مشهورٌ لا يذهب الوهمُ إلى كونه عند الإخبار بالفتنة، كما إذا قلتَ: شايعتُ الحُجاجَ ودعوتُ لهم بالسلامة فرجعوا سالمين، فإن أحداً لا يرتاب في أن المراد رجوعُهم المعتادُ لا رجوعُهم إثرَ الدعاء وأن سببـيةَ الدعاءِ باعتبار وصفِ السلامة لا باعتبار نفس الرجوعِ، والأسِفُ: الشديدُ الغضب، وقيل: الحزين {قَالَ} استئنافٌ مبني على سؤال ناشىء من حكاية رجوعِه كذلك، كأنه قيل: فماذا فَعل بهم؟ فقيل: قال: {قَالَ يٰقَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً} بأن يُعطيَكم التوارةَ فيها ما فيها من النور والهدى، والهمزةُ لإنكار عدم الوعدِ ونفيِه وتقريرِ وجودِه على أبلغ وجه وآكَدِه، أي وعَدكم بحيث لا سبـيلَ لكم إلى إنكاره، والفاء في قوله تعالى: {أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ ٱلْعَهْدُ} أي الزمان للعطف على مقدر والهمزةُ لإنكار المعطوفِ ونفيه فقط، أي أوعدكم ذلك فطال زمانُ الإنجاز فأخطأتم بسببه {أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ} أي يجبَ {عَلَيْكُمْ غَضَبٌ} شديدٌ لا يقادرَ قدرُه كائنٌ {مّن رَّبّكُمْ} أي من مالك أمرِكم على الإطلاق {فَأَخْلَفْتُمْ مَّوْعِدِى} أي وعْدَكم إياي بالثبات على ما أمرتُكم به إلى أن أرجِع من الميقات على إضافة المصدرِ إلى مفعوله للقصد إلى زيادة تقبـيحِ حالِهم، فإن إخلافَهم الوعدَ الجاريَ فيما بـينهم وبـينه عليه السلام ـ من حيث إضافتُه إليه عليه السلام ـ أشنعُ منه من حيث إضافتُه إليهم، والفاءُ لترتيب ما بعدها على كل واحد من شِقَّي الترديد على سبـيل البدلِ، كأنه قيل: أنسيتم الوعدَ بطول العهد فأخلفتموه خطأً أم أردتم حلولَ الغضب عليكم فأخلفتموه عمْداً؟ وأما جعلُ الموعدِ مضافاً إلى فاعله وحملُ إخلافه على معنى وجدانِ الخلُف فيه، أي فوجدتم الخُلفَ في موعدي لكم بالعَود بعد الأربعين فما لا يساعده السباقُ ولا السياق أصلاً.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ} [الآية: 85]. سمعت منصور بن عبد الله يقول: سمعت أبا القاسم البزار يقول. قال ابن عطاء فى قوله: {فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ} قال: قال الله: تدرى من أين أتيت؟ قال: لا يا رب قال حين قلت لهارون أخلفنى فى قومى أين كنت أنا حين اعتمدت على هارون؟.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ}. فَتَّنا قومَك فَضَلُّوا وعبدوا العِجْلَ؛ فأخبر الحقُّ - سبحانه - أنَّ ذلك منه تقدير، وفي هذا تكذيبٌ لمَنْ جَحَدَ القولَ بالقَدَرِ. ويقال طَلَبَ موسى - عليه السلام - رِضَاءَ الحق، وقدَّر الحقُّ - سبحانه - فتنةَ قَوْمِه فقال: {فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ}، ثم الحُكْمُ لله، ولم يكن بُدٌّ لموسى عليه السلام من الرضاء بقضاء الله - فلا اعتراضَ على الله - ومِنَ العلم بِحقِّ اللَّهِ في أنْ يفعلَ ما يشاء، وأنشدوا: شعر : أُريد وَصَالَه ويريد هجري فأتركُ ما أُؤيد لما يُريد تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَأَضَلَّهُمُ ٱلسَّامِرِيُّ}. بدعائه إياهم إلى عبادة العجل، وهو نوع من التعزير، وحصل ما حصل، وظهر ما ظهر من (...).
البقلي
تفسير : قوله تعالى {قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ} ان الله سبحانه احب كليمه حبا بالغا واحب انبساطه وصولته وغضبه عليه ففتن قومه بحب العجل لهيجه بذلك الى غضبه ويشغله عن صحبة الاضداد بصحبته ومناجاته قال ابن عطا قال الله لموسى تدرى من اين اتيت قال لا يا رب قال حين قلت الهارون اخلفنى فى قومى اين كنت انا حينئذ حين اعتمدت على هارون.
اسماعيل حقي
تفسير : {قال} الله تعالى وهو استئناف بيانى {فانا قد فتنا قومك من بعدك} القيناهم فى فتنة من بعد خروجك من بينهم وابتليناهم فى ايمانهم بخلق العجل وهم الذين خلفهم مع هارون على ساحل البحر وكانوا ستمائة الف ما نجا منهم من عبادة العجل الا اثنا عشر الفا قال الله تعالى لموسى أتدرى من اين اتيت قال لا يا رب قال حين قلت لهارون اخلفنى فى قومى اين كنت انا حين اعتمدت على هارون. وفيه اشارة الى ان طريق الانبياء ومتبعيهم محفوف بالفتنة والبلاء كما قال عليه السلام "حديث : ان البلاء موكل بالانبياء الامثل فالامثل"تفسير : وقد قيل ان البلاء للولاء كاللهب للذهب والى ان فتنة الامة والمريد مقرونة بمفارقة الصحبة من النبى والشيخ كما قال تعالى {فانا قد فتنا قومك من بعدك} اى بعد مفارقتك اياهم فان المسافر اذا انقطع عن صحبة الرفقة افتتن بقطاع الطريق والغيلان: قال الحافظ شعر : قطع اين مرحله بى همرهئ خضر مكن ظلماتست بترس از خطر كمراهى تفسير : روى – انهم اقاموا على ما وصى به موسى عشرين ليلة بعد ذهابه فحسبوها مع ايامها اربعين وقالوا قد اكملنا العدة وليس من موسى عين ولا اثر {واضلهم السامرى} حيث كان هو المدبر فى الفتنة والداعى الى عبادة العجل. قال فى الاسئلة المقحمة اضاف الاضلال الى السامرى لانه كان حصل بتقريره ودعوته واضاف الفتنة الى نفسه لحصولها بفعله وقدرته وارادته وخلقه وعلى هذا ابدا اضافة الاشياء الى اسبابها ومسبباتها انتهى. واخباره تعالى بوقوع هذه الفتنة عند قدومه عليه السلام اما باعتبار تحققها فى علمه ومشيئته تعالى واما بطريق التعبير عن المتوقع بالواقع اولان السامرى قد عزم على ايقاع الفتنة على ذهاب موسى وتصدى لترتيب مباديها فكانت الفتنة واقعة عند الاخبار. والسامرى رجل من عظماء بنى اسرائيل منسوب الى قبيلة السامرة منهم او علج من اهل كرمان من قوم يعبدون البقر وحين دخل ديار بنى اسرائيل اسلم معهم وفى قلبه حب عبادة البقر فابتلى الله بنى اسرائيل فكشف له عن بصره فرأى اثر فرس الحياة لجبريل ويقال له حيزوم واخذ من ترابه والقاه بوحى الشيطان فى الحلى المذابة كما يجيئ. قال الكاشفى [ اصح آنست كه او ازاسرئيليا نست ودر وقتى كه فرعون ابناى ايشانرا مى كشت او متولد شده ومادر بعد ازتولد اورا بكنارنيل درجزيره بيفكند وحق سبحانه جبرائيل امر فرمود تا اورا برورش دهد ومأكول ومشروب وى مهيا كرداند محافظت نموده ازين وقت كه موسى بطور رفت سامرى نزدهارون آمده كفت قد رى بيرايه كه از قبطيان عاريت كرفته ايم باماست ومارا در آن تصرف كردن روانيست ومى بينم كه بنى اسرائيل آنرا مى خرند ومى فروشند حكم فرماى تاهمه جمع كنند وبسوزند هارون امرفرمودكه تمام بيرايه ها آوردند ودر حفره ريختند ودرآن آتش زنند وسامرى زركرى جالاك بود همين كه ان زر بكداخت وى قالبى ساخته بود وآن زركداخته دران ريخته وشكل كوساله بيرون آورد وقدرى ازخاك زيرسم جبريل كه فرس الحياة مى كفتند در درون وى ريخت فى الحال زنده كشت وكوشت وبوست بروبيداشت وبآواز درآمد وكويند زنده نشد ليك بآن وضع ريخته بود بانكى كردكه جهاردانك قوم بنى اسرائيل ويراسجده كردند حق تعالى موسى را خبرداد كه قوم توبعد از خروج توكوساله برست شدند]
اطفيش
تفسير : {قَالَ} الله عز قائلا: إن ظننت ما ظننت. {فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا} ابتلينا {قَوْمَكَ} فى دينهم بعبادة العجل. {مِنْ بَعْدِكَ} من بعد خروجك عنهم، وتخلف ما ظننت من بقائهم على الخير، ومن أن العجلة مرضاة. وهؤلاء القوم هم الذين خلفهم مع هارون وهم ستمائة ألف، نجا منهم من عبادة العجل اثنا عشر ألفا. {وَأَضَلَّهُمُ} باتخاذهم العجل، والدعاء لهم إلى عبادته {السَّامِرِىُّ} موسى ابن ظفر منسوب إلى سامرة قبيلة من بنى إسرائيل، وكان منافقاً. وقيل: كان ابن عم لموسى. وقيل: كان ملجا من كِرمان. وقيل: من أهل جرما: قرية بالموصل وأن اسمه حٌنما وكان من قوم يعبدون البقر. وقيل: قبيلة من بنى إسرائيل تسمى سامرة تخالفهم فى بعض دينهم. وكان جارا لموسى، وكان عظيما فى قومه وصائغا. وقرئ بضم اللام على الابتداء: أى أشدهم صلالة السامرى؛ لأنه ضال مضل. روى أنهم أقاموا على الدين عشرين ليلة، وحسبوها بأيامها أربعين وقالوا: كملت المدة، ثم كان أمر العجل وأن هذا الخطاب كان له عند قدومه. وليس فى الآية ما يدل على أن الخطاب موجود عند مقدمه. فإن صح ذلك فالتوجيه بين ذلك وقوله: {قد فتنا} أن الله عز وجل أخبر عن الفتنة المترقبة بلفظ الماضى لوقوعها لا محالة، أو المراد بفتنته إياهم، سبق علمه بأن سيفتنهم. والعلم بالشئ ومشيئته هما أصل وقوعه، أو اعترض السامرى غيبته، فعزم على إصلالهم عند انطلاقه، وأخذ فى تدبير ذلك، فكان بدء الفتنة موجودا. وقال الله لنبيه: استخلف هارون على قومه. ولما انتهى إلى الجبل مناجيا ربه. زاده فى الأجل عشرا.
اطفيش
تفسير : {قال} الله عز وجل {فإنَّا قَدْ فتنَّا قَومْك} الفاء سببية أى أنت فعلت ذلك، وفتنا بسبب فعلك قومك، أوقعناهم في فتنة، وهى ميلهم الى الشهوات ووقوع الاختلاف، أو اختبرناهم بفعل السامرى، وليست للتعقيب، فان بين الفتن وذلك عشرين يوماً، وقيل ستة وثلاثين، فالماضى لتحقق الوقوع، أو للقرب، أو لعزم السامرى عقب ذهاب موسى وشروعه في الأسباب، أو للترتيب الذكرى {مِنْ بعْدكَ} بعد تقدمك عليهم مفارقاً لهم {وأضَّلَهُمْ السَّامرى} الى عبادة غير الله عز وجلّ، إذا دعاهم الى عبادة العجل، قيل: غاب موسى عليه السلام عنهم عشرين ليلة، فقال لهم: قد تمت الأربعون عد الليالى أياماً، ولم نر موسى، وليس إخلافه عنكم إلا لما معكم من حلى القبط، وهو حرام عليكم، فجمعوه فجعله عجلا، فالمراد بالقوم من خلفهم مع هارون، وهم قيل ستمائة ألف، نجا من عبادة العجل منهم اثنا عشر ألفاً، فالمراد بقومك هنا غير المراد بهم في قوله: "أية : وما أعجلك عن قومك" تفسير : [طه: 83] ولذا لم يقل فإنا قد فتناهم من بعدك، وقيل المراد، وأو على الأصل في تكرير المعرفة أنها عين الأولى، ولا يبعد أن المتخلفين قريباً من الطور، إلا أن النقباء أقرب منهم إليه، بل ذلك متبادر، ولا شك أن النقباء لم يعبدوا العجل، ولجعل لمعرفة عين الأولى وجه آخر، هو المراد بالقوم في الموضعين الجنس، إلا أنه أريد بالأول النقباء، وبالثانى المتخلفون، ومثل ذلك فى القرآن وارد. والسَّامرى من عظماء نبى إسرائيل منسوب الى قبيلة عظيمة تسمى سامرة بالشام الى الآن، إذا أراد أحدهم المصافحة لوى الثوب على يده، لئلا تصيبه الحمى، يسمون السامريين، قيل: هو ابن عم موسى، وقيل: ابن خالته، وقيل علج من كرمان نقل الى مصر، وقيل: كان من أهل باجرما قرية بمصر، أو بالموصل، وقيل: كان من اقبط جاراً لموسى، يظهر له الإيمان، وقيل: من عباد البقر، أظهر الإيمان لبنى إسرائيل، واسمه على المشهور موسى بن ظفر، وقيل منجى أدخلته أمه في غار مخافة الذبح، وأطبقت عليه، فكان جبريل يغذوه بلبن في أصبع، وعسل فى أخرى وسمن فى أخرى قال بعض: شعر : إذا المرء لم يخلق سعيداً تحيرت قلوب مربيه وخاب المؤمل فموسى الذى رباه جبريل كافر وموسى الذى رباه فرعون مرسل تفسير : {فرَجَع موسى الى قومّه} وصلهم وقابلهم بعد تمام الأربعين ذى القعدة، وعشر من ذى الحجة، وأخذ التوراة لا عقب الإخبار بأنا قد فتنا قومك، الفاء للسببية أو للترتيب الذكرى أو العرفى، وهو أنه فى كل شىء يحسبه، كما قال ابن هشام مثل تزوج فولد له وشايعت الحجاج ودعوت لهم بالسلامة، فرجعوا سالمين، ولا يتوهم لمن الولادة متصلة بالتزوج، ولا الرجوع متصل بالدعاء {غَضْبان} الغضب فى البشر ثوران دم القلب، لإرادة الانتقام، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : اتقوا الغضب فإنه جمرة توقد فى قلب ابن آدم ألم تر الى انتفاخ أوداجه وحمرة عينية" تفسير : {أسفاً} حازناً أو نادماً على ما فرط منه، من مفارقتهم حتى وقعت فيهم عبادة العجل أو متلهفاً على ما فاته، متحيراً فى أمر قومه، يخشى أن لا يمكنه تداركه، وفى هذا زيادة من خارج على لفظ أسفاً. {قال} لهم بعد هذا الرجوع، والمفسر بالوصول وإن فسرنا الرجوع بالذهاب إليهم، فالمراد قال بعد رجوعه ووصوله ألم: {يا قَوم ألم يعدُكُم ربُّكم وعْداً حَسَناً} أنكر انتفاء الوعد بحيث لا سبيل لهم الى نفيه وعدهم إنزال التوراة هدًى ونوراً، أو لوصول الى جانب الطور الأيمن، والفتح فى الأرض، والمغفرة للتائب ونحو ذلك أو الجنة، كما قال الحسن أو أن يسمعوا كلام الله أو كل ذلك، والأنسب المتبادر الأول. ووعداً بمعنى موعود مفعول به، أو باق معنى المصدرية مفعول مطلق، ويقدر المفعول على هذا: أى وعدكم وعداً حسناً أن ينزل عليكم التوراة. {أفطال عَليْكُم العَهْد} الفاء عاطفة على ألّم يعدكم، لأنه بمعنى قد وعدكم، والهمزة مما بعد الفاء لتمام صدارتها، والأولى دخولها على محذوف عطف عليه بالفاء، مثل أوعدكم بفتح الواو، أو أعهد لكم، فطال عليكم زمان الإنجاز، أو زمان المفارقة للاتيان بالموعود، وأطلق العهد على الزمان أو يقدر مضاف أى زمن المعهود، أى زمان ما عهد لكم، ويقدر بعد لفظ فنسيتم، أو يقدر فظننتم بطلان العهد، وآل للعهد في أذهانهم. {أم أردْتُم أن يحلَّ علَيْكُم غَضبْ من ربِّكُم} نعت لغضب، أو متعلق بيحل، ويجوز أن تكون أم بمعنى بل، وتنكير غضب للتعظيم، لا يشك شاك أنهم لا يحبون الغضب، فمعنى الإرادة فعل ما يكون مقتضياً للغضب، ومسبباً له وملزوماً له {فأخْلفْتُم موْعِدى} وعدكم إياى بالثبات على الإسلام الى أن أرجع من الميقات، وقيل: أو باللحاق الى الطور، وهو مصدر مضاف للمفعول، ويبعد أن يكون مضافاً للفاعل أن معنى أخلفتم موعدى وجدتم الخلف فى وعدى لكم بعد الأربعين، كقولك: أحمدت زيداً بمعنى وجدت فيه الحمد، أو تركتم وعدى لكم، وفعلتم ما لا تستحقون الإتيان بالموعود به، كمن وعد بخير على فعل، فلم يفعله، وهذان الوجهان لا يناسبان ما قبل ولا ما بعد.
الالوسي
تفسير : {قَالَ } استئناف مبني على سؤال نشأ من حكاية اعتذاره عليه السلام وهو السر في وروده على صيغة الغائب لا أنه التفات من التكلم إلى الغيبة لما أن المقدر فيما سبق على صيغة التكلم كأنه قيل من جهة السامعين: فماذا قال له ربه تعالى حينئذ؟ فقيل: قال سبحانه {فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ } أي اختبرناهم بما فعل السامري أو أوقعناهم في فتنة أي ميل مع الشهوات ووقوع في اختلاف {مِن بَعْدِكَ } من بعد فراقك لهم وذهابك من بينهم {وَأَضَلَّهُمُ ٱلسَّامِرِىُّ } حيث أخرج لهم عجلاً جسداً له خوار ودعاهم إلى عبادته. وقيل: قال لهم بعد أن غاب موسى عليه السلام عنهم عشرين ليلة: إنه قد كملت الأربعون فجعل العشرين مع أيامها أربعين ليلة. وليس من موسى عين ولا أثر وليس إخلافه ميعادكم إلا لما معكم من حلي القوم وهو حرام عليكم فجمعوه وكان من أمر العجل ما كان. والمراد بقومك هنا الذين خلفهم مع هٰرون عليه السلام، وكانوا على ما قيل ستمائة ألف ما نجا منهم من عبادة العجل إلا اثنا عشر ألفاً فالمراد بهم غير المراد بقومك فيما تقدم، ولذا لم يؤت بضميرهم، وقيل: المراد بالقوم في الموضعين المتخلفين لتعين إرادتهم هنا، والمعرفة المعادة عين الأولى. ومعنى {أية : هُمْ أُوْلاء عَلَىٰ أَثَرِى} تفسير : [طه: 84] هم بالقرب مني ينتظرونني. وتعقبه في «الكشف» بأنه غير ملائم للفظ الأثر ولا هو مطابق لتمهيد عذر العجلة ومن أين لصاحب هذا التأويل النقل بأنهم كانوا على القرب من الطور وحديث المعرفة المعادة إنما هو إذا لم يقم دليل التغاير وقد قام، على أن لنا أن تقول: هي عين الأولى لأن المراد بالقوم الجنس في الموضعين لكن المقصود منه أولاً النقباء وثانياً المتخلفون ومثله كثير في القرآن انتهى. وما ذكره من نفي النقل الدال على القرب فيه مقال، وسيأتي إن شاء الله تعالى قريباً من الأخبار ما يدل بظاهره على القرب إلا أنا لم نقف على تصحيحه أو تضعيفه. وما ذكر من تفسير {أية : هُمْ أُوْلاء عَلَىٰ أَثَرِى } تفسير : [طه: 84] على إرادة المتخلفين في الأول أيضاً نقله الطبرسي عن الحسن، ونقل عنه أيضاً تفسيره بأنهم على ديني ومنهاجي والأمر عليه أهون. والفاء لتعليل ما يفهمه الكلام السابق كأنه قيل: لا ينبغي عجلتك عن قومك وتقدمك عليهم وإهمال أمرهم لوجه من الوجوه فإنهم لحداثة عهدهم باتباعك ومزيد بلاهتهم وحماقتهم بمكان يحيق فيه مكر الشيطان ويتمكن من إضلالهم فإن القوم الذين خلفتهم مع أخيك قد فتنوا وأضلهم السامري بخروجك من بينهم فكيف تأمن على هؤلاء الذين أغفلتهم وأهملت أمرهم. وفي «إرشاد العقل السليم» ((إنها لترتيب الإخبار بما ذكر من الابتلاء على إخبار موسى عليه السلام بعجلته لكن لا لأن الإخبار بها سبب موجب للإخبار به بل لما بينهما من المناسبة المصححة للانتقال من أحدهما إلى الآخر من حيث أن مدار الابتلاء المذكور عجلة القوم)) وليس بذاك. وأما قول الخفاجي: إنها للتعقيب من غير تعليل أي أقول لك عقب ما ذكر إنا قد فتنا إلى آخره ففيه سهو ظاهر لأن هذا المعنى إنما يتسنى لو كانت الفاء داخلة على القول لكنها داخلة على ما بعده وظاهر الآية يدل على أن الفتن وإضلال السامري إياهم قد تحققا ووقعا قبل الإخبار بهما إذ صيغة الماضي ظاهرة في ذلك، والظاهر أيضاً على ما قررنا أن الإخبار كان عند مجيئه عليه / السلام للطور لم يتقدمه إلا العتاب والاعتذار. وفي الآثار ما يدل على أن وقوع ما ذكر كان بعد عشرين ليلة من ذهابه عليه السلام لجناب الطور، وقيل: بعد ست وثلاثين يوماً وحينئذ يكون التعبير عن ذلك بصيغة الماضي لاعتبار تحققه في علم الله تعالى ومشيئته أو لأنه قريب الوقوع مترقبه أو لأن السامري كان قد عزم على إيقاع الفتنة عند ذهاب موسى عليه السلام وتصدى لترتيب مباديها وتمهيد مبانيها فنزل مباشرة الأسباب منزلة الوقوع. والسامري عند الأكثر كما قال الزجاج: كان عظيماً من عظماء بني إسرائيل من قبيلة تعرف بالسامرة وهم إلى هذه الغاية في الشام يعرفون بالسامريين، وقيل: هو ابن خالة موسى عليه السلام، وقيل: ابن عمه، وقيل: كان علجاً من كرمان، وقيل: كان من أهل باجرما قرية قريبة من مصر أو قرية من قرى موصل، وقيل: كان من القبط وخرج مع موسى عليه السلام مظهراً الإيمان وكان جاره. وقيل: كان من عباد البقر وقع في مصر فدخل في بني إسرائيل بظاهره وفي قلبه عبادة البقر. واسمه قيل موسى بن ظفر، وقيل: منجا، والأول أشهر، وأخرج ابن جرير عن ابن عباس أن أمه حين خافت أن يذبح خلفته في غار وأطبقت عليه فكان جبريل عليه السلام يأتيه فيغذوه بأصابعه في واحدة لبناً وفي الأخرى عسلاً، وفي الأخرى سمناً ولم يزل يغذوه حتى نشأ وعلى ذلك قول من قال:شعر : إذا المرء لم يخلق سعيداً تحيرت عقول مربيه وخاب المؤمل فموسى الذي رباه جبريل كافر وموسى الذي رباه فرعون مرسل تفسير : وبالجملة كان عند الجمهور منافقاً يظهر الإيمان ويبطن الكفر وقرأ معاذ {أضلهم} على أنه أفعل تفضيل أي أشدهم ضلالاً لأنه ضال ومضل.
الشنقيطي
تفسير : الظاهر أن الفتنة المذكورة هي عبادتهم العجل. فهي فتنة إضلال. كقوله: {أية : إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَآءُ وَتَهْدِي مَن تَشَآءُ} تفسير : [الأعراف: 155]. وهذه الفتنة بعبادة العجل جاءت مبينة في آيات متعددة. كقوله: {أية : وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَىٰ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ ٱتَّخَذْتُمُ ٱلْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ} تفسير : [البقرة: 51] ونحو ذلك من الآيات. قوله هنا: {وَأَضَلَّهُمُ ٱلسَّامِرِيُّ} أوضح كيفية إضلاله لهم في غير هذا الموضع. كقوله: {أية : وَٱتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَىٰ مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَداً لَّهُ خُوَارٌ}تفسير : ـ إلى قوله ـ {أية : ٱتَّخَذُوهُ وَكَانُواْ ظَالِمِينَ} تفسير : [الأعراف: 148] أي اتخذوه إلهاً وقد صنعه السامري لهم من حلي القبط فأضلهم بعبادته. وقوله هنا {أية : فَكَذَلِكَ أَلْقَى ٱلسَّامِرِيُّ فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَداً لَّهُ خُوَارٌ فَقَالُواْ هَـٰذَآ إِلَـٰهُكُمْ وَإِلَـٰهُ مُوسَىٰ فَنَسِيَ} تفسير : [طه: 87-88] والسامري: قيل اسمه هارون، وقيل اسمه موسى بن ظفر، وعن ابن عباس: أنه من قوم كانوا يعبدون البقر. وقيل: كان رجلاً من القبط. وكان جاراً لموسى آمن به وخرج معه. وقيل: كان عظيماً من عظماء بني إسرائيل من قبيلة تعرف بالسامرة وهم معروفون بالشام. قال سعيد بن جبير: كان من أهل كرمان. والفتنة أصلها في اللغة: وضع الذهب في النار ليتبين أهو خالص أم زائف. وقد أطلقت في القرآن إطلاقات متعددة: (منها) الوضع في النار، كقوله {أية : يَوْمَ هُمْ عَلَى ٱلنَّارِ يُفْتَنُونَ} تفسير : [الذاريات: 13] أي يحرقون بها، وقوله {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُواْ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ} تفسير : [البروج: 10] الآية. أي أحرقوهم بنار الأخدود. (ومنها) الاختبار وهو الأغلب في استعمال الفتنة. كقوله {أية : أَنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ} تفسير : [الأنفال: 28] الآية، وقوله {أية : وَأَلَّوِ ٱسْتَقَامُواْ عَلَى ٱلطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُم مَّآءً غَدَقاً لِّنَفْتِنَهُمْ فِيهِ} تفسير : [الجن: 16-17]. (ومنها) نتيجة الاختبار إذا كانت سيئة. ومن هنا أطلقت الفتنة على الشرك، كقوله {أية : وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ} تفسير : [البقرة: 193]، وقوله هنا {فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ} الآية. (ومنها) الحجة، كقوله {أية : ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ}تفسير : [الأنعام: 23] أي لم تكن حجتهم. وقوله تعالى في هذه الآية: {وَأَضَلَّهُمُ ٱلسَّامِرِيُّ} أسند إضلالهم إليه، لأنه هو الذي تسبب فيه بصياغته لهم العجل من حلي القبط ورميه عليه التراب الذي مسه حافر الفرس التي جاء عليها جبريل، فجعله الله بسبب ذلك عجلاً جسداً له خوار، كما قال تعالى في هذه السورة الكريمة: {أية : فَكَذَلِكَ أَلْقَى ٱلسَّامِرِيُّ فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَداً لَّهُ خُوَارٌ} تفسير : [طه: 87-88]، وقال في "الأعراف" {أية : وَٱتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَىٰ مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَداً لَّهُ خُوَارٌ} تفسير : [الأعراف: 148] الآية. والخوار: صوت البقر. قال بعض العلماء: جعل الله بقدرته ذلك الحلي المصوغ جسداً من لحم ودم، وهذا هو ظاهر قوله {عِجْلاً جَسَداً}. وقال بعض العلماء: لم تكن تلك الصورة لحماً ولا دماً، ولكن إذا دخلت فيها لاريح صوتت كخوار العجل. والأول أقرب لظاهر الآية، والله تعالى قادر على أن يجعل الجماد لحماً ودماً، كما جعل آدم لحماً ودماً وكان طيناً.
د. أسعد حومد
تفسير : (85) - فَأَخْبَرَ اللهُ تَعَالَى مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلاَمُ، بِأَنَّهُ اخْتَبَرَ بَنِي إِسْرَائِيلَ، بَعْدَ أَنْ تَرَكَهُمْ مُوسَى، وَهُوَ مُتَوَّجِهٌ إِلَى مِيقَاتِ رَبِّهِ. فَقَدْ دَعَاهُمْ رَجُلٌ سَامِرِيٌّ، خَرَجَ مَعَهُمْ مِنْ مِصْرَ، (وَكَانَ مِنْ قَوْمٍ يَعْبُدُونَ البَقَرَ)، إِلَى عِبَادَةِ العِجْلِ، فَاسْتَجَابُوا لَهُ، وَصَنَعَ لَهُمْ عِجْلاً مِنَ الحُلِيِّ التِي أَخْرَجُوهَا مَعَهُمْ مِنْ مِصْرَ، فَكَانَ إِذا دَخَلَتْ الرِّيحُ فِي جَوْفِ العِجْلِ حَدَثَ صَوْتٌ يُشْبِهُ الخُوَارَ، فَافْتَتَنَ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ، وَصَارُوا يَسْجُدُونَ لَهُ وَيَقُولُونَ هذا إِلَهُكُمْ وَإِلهُ مُوسَى. فَتَنَّا قَوْمَكَ - ابْتَلَيْنَاهُمْ أَوْ أَوْقَعْنَاهُمْ فِي الفِتْنَةِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : الفتنة: ليست مذمومة في ذاتها؛ لأن الفتنة تعني الاختبار، ونتيجته هي التي تُحمَد أو تُذمّ، كما لو دخل التلميذ الامتحان فإنْ وُفِّق فهذا خير له، وإنْ أخفق فهذا خير للناس، كيف؟ قالوا: لأن هناك أشياءَ إنْ تحققتْ مصلحة الفرد فيها انهدمتْ مصلحة الجماعة. فلو تمكَّن التلميذ المهمل الكَسُول من النجاح دون مذاكرة ودون مجهود، فقد نال انتفاعاً شخصياً، وإنْ كان انتفاعاً أحمق، إلا أنه سيعطي الآخرين إشارة، ويُوحِي لهم بعدم المسئولية، ويفرز في المجتمع الإحباط والخمول، وكفى بهذا خسارة للمجتمع. وقد جاءتْ الفتنة بهذا المعنى في قول الحق تبارك وتعالى: {أية : أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُوۤاْ أَن يَقُولُوۤاْ آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ}تفسير : [العنكبوت: 2]. إذن: لا بد من الاختبار لكي يعطي كل إنسان حسب نتيجته، فإن سأل سائل: وهل يختبر الله عباده ليعلَم حالهم؟ نقول: بل ليعلم الناس حالهم، وتتكشف حقائقهم فيعاملونهم على أساسها: هذا منافق، وهذا مخلص، وهذا كذاب، فيمكنك أنْ تحتاط في معاملتهم. إذن: الاختبار لا ليعلم الله، ولكن ليعلم خَلْق الله. أو: لأن الاختبار من الله لِقطْع الحجة على المختبر، كأن يقول: لو أعطاني الله مالاً فسأفعل به كذا وكذا من وجوه الخير، فإذا ما وُضِع في الاختبار الحقيقي وأُعطِى المال أمسك وبَخِل، ولو تركه الله دون مال لَقال: لو عندي كنتُ فَعلت كذا وكذا. فهناك عِلْم واقع من الله، أو علم من خَلْق الله لكل مَنْ يفتن، فإنْ كان مُحْسِناً يقتدون به، ويقبلون عليه، ويحبونه ويستمعون إليه، وإلاَّ انصرفوا عنه. فالاختبار - إذن - قَصْده المجتمع وسلامته. وقد سَمَّى الحق سبحانه ما حدث من بني إسرائيل في غياب موسى من عبادة العجل سماه فتنة، ثم نسبها إلى نفسه {فَتَنَّا ..} [طه: 85] أي: اختبرنا. ثم يقول تعالى: {وَأَضَلَّهُمُ ٱلسَّامِرِيُّ} [طه: 85] أضلهم: سلك بهم غير طريق الحق، وسلوك غير طريق الحق قد يكون للذاتية المحضة، فيحمل الإنسان فيها وِزْر نفسه فقط، وقد تتعدَّى إلى الآخرين فيسلك بهم طريق الضلال، فيحمل وزْره ووِزْر غيره مِمَّنْ أضلّهم. وفي هذه المسألة يقول تعالى: {أية : لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ ٱلَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ ..}تفسير : [النحل: 25]. مع أن الله تعالى قال في آية أخرى: {أية : وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ..}تفسير : [فاطر: 18]. وهذه من المسائل التي توقَّف عندها بعض المستشرقين، محاولين اتهام القرآن وأسلوبه بالتناقض، وما ذلك منهم إلا لعدم فَهْمهم للغة القرآن واتخاذها صناعة لا مَلَكة، ولو فَهِموا القرآن لَعَلِموا الفرق بين أن يضل الإنسان في ذاته، وبين أن يتسبب في إضلال غيره. والسامري: اسمه موسى السامري، ويُرْوَى أن أمه وضعته في صحراء لا حياة فيها، ثم ماتت في نفاسها، فظل الولد بدون أم ترعاه، فكان جبريل عليه السلام يتعهده ويربِّيه إلى أن شبَّ. وقد عبَّر الشاعر عن هذه اللقطة وما فيها من مفارقات بين موسى عليه السلام وموسى السامري، فقال: شعر : إِذَا لَمْ تُصَادِفْ فِي بَنِيكَ عِنَايةً فَقَدْ كذَبَ الرَّاجِي وَخَابَ المؤمِّل فَمُوسَى الذِي رَبَّاهُ جِبْريلُ كَافِر وَمُوسَى الذِي رَبَّاه فِرْعَوْنُ مُرْسَلُ تفسير : ثم يقول الحق سبحانه: {فَرَجَعَ مُوسَىٰ إِلَىٰ قَوْمِهِ غَضْبَانَ ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):