Verse. 2434 (AR)

٢٠ - طه

20 - Ta-Ha (AR)

فَرَجَعَ مُوْسٰۗى اِلٰى قَوْمِہٖ غَضْبَانَ اَسِفًا۝۰ۥۚ قَالَ يٰقَوْمِ اَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَـنًا۝۰ۥۭ اَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَہْدُ اَمْ اَرَدْتُّمْ اَنْ يَّحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِّنْ رَّبِّكُمْ فَاَخْلَفْتُمْ مَّوْعِدِيْ۝۸۶
FarajaAAa moosa ila qawmihi ghadbana asifan qala ya qawmi alam yaAAidkum rabbukum waAAdan hasanan afatala AAalaykumu alAAahdu am aradtum an yahilla AAalaykum ghadabun min rabbikum faakhlaftum mawAAidee

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«فرجع موسى إلى قومه غضبان» من جهتهم «أسفا» شديد الحزن «قال يا قوم ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا» أي صدقا أنه يعطيكم التوراة «أفطال عليكم العهد» مدة مفارقتي إياكم «أم أردتم أن يحل» يجب «عليكم غضب من ربكم» بعبادتكم العجل «فأخلفتم موعدي» وتركتم المجيء بعدي.

86

Tafseer

المحلي و السيوطي

تفسير : {فَرَجَعَ مُوسَىٰ إِلَىٰ قَوْمِهِ غَضْبَٰنَ } من جهتهم {أَسِفاً } شديد الحزن {قَالَ يَٰقَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً } أي صدقاً أنه يعطيكم التوراة؟ {أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ ٱلْعَهْدُ } مدّة مفارقتي إياكم {أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ } يجب {عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّكُمْ } بعبادتكم العجل {فَأَخْلَفْتُمْ مَّوْعِدِى } وتركتم المجيء بعدي؟.

ابن عبد السلام

تفسير : {أَسِفاً} شديد الغضب، أو الحزين، أو الجزع، أو المتندم، أو المتحسر {وَعْداً حَسَناً} النصر والظفر، أو قوله ـ تعالى ـ {وَإِنِّى لَغَفَّارٌ} الآية أو ثواب الآخرة، أو التوراة يعملون بما فيها فيستحقون ثوابه {مَّوْعِدِى} "وعدهم أن يقيموا على أمره فاختلفوا، أو بالميسر" على أثره للميقات فتوقفوا.

ابن عادل

تفسير : قوله: "غَضْبَانَ أَسِفاً" حالان، وقد تقدم في سورة الأعراف قيل: الأسف شدة الغضب، فلا يلزم التكرار، لأنَّ "غَضْبَانَ" يفيد أصل الغضب، و "أَسِفاً" يفيد كماله. وقال الأكثرون: حُزْناً وجَزَعاً، يقال: أسف يأسَف أسَفاً فهو أسِفٌ، إذا حزن. وقيل: الأسف: المغتاظ، وفرقٌ بين الاغتياظ والغضب، لأنَّ الله تعالى لا يوصف بالغيظ ويُوصَف من حيث أن الغضب إرادة الإضرار بالمغضوب عليه، والغيظ تغيُّرٌ يلحقُ المُغتاظ وذلك لا يصح إلى على الأجسام كالضحك والبكاء، ثم إن موسى - عليه السلام - عاتبهم بعد رجوعه فقال: {يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً} قيل: المراد بالوعد الحسن إنزال التوراة. وقيل: الثواب على الطاعات. وقال مجاهد: العهد. وهو قوله: {أية : وَلاَ تَطْغَوْاْ فِيهِ} تفسير : [طه: 81] إلى قوله: {أية : ثُمَّ ٱهْتَدَىٰ} تفسير : [طه: 82] (ويدل عليه قوله بعد ذلك) {أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ ٱلْعَهْدُ أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّكُمْ} فكأنه قال أفنسيتم ذلك الذي قال الله لكم: "وَلاَ تَطْغوا" وقيل: الوعد الحسن هاهنا يحتمل أن يكون وعداً حسناً في منافع الدين وأن يكون في منافع الدنيا. أما منافع الدين: فهو الوعد بإنزال الكتاب الهادي إلى الشرائع، والوعد بحصول الثواب العظيم في الآخرة. وأما منافع الدنيا فإن الله تعالى قد وعدهم قبل إهلاك فرعون أن يورثهم أرضَهُم (وديارَهُم). فإن قيل: قوله: {أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ} هذا الكلام إنما يتوجه عليهم لو كانوا معترفين بإلهٍ آخر سوى العجل، وأمَّا لمَّا اعتقدوا أنه لا إله سواه على ما أخبر الله عنهم أنهم قالوا: {أية : هَـٰذَآ إِلَـٰهُكُمْ وَإِلَـٰهُ مُوسَىٰ} تفسير : [طه: 88] كيف يتوجه عليهم هذا الكلام؟ فالجواب: أنهم كانوا معترفين بالإله لكنهم عبدوا العجل على التأويل الذي يذكره عبَّاد الأصنام. قوله: "وَعْداً حَسَناً" يجوز أن يكون مصدراً مؤكداً، والمفعول محذوف تقديره: وعدكم بالكتاب والهداية، أو يترك المفعول الثاني ليعم. ويجوز أن يكون الوعد بمعنى الموعود فيكون هو المفعول الثاني. قوله: {أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ ٱلْعَهْدُ} أيْ أقصيْتُم ذلك العهد. وقيل: أفَطَالَ عليكم مدة مفارقتي إياكم. وطول العهد يحتمل أموراً: أحدها: أفطال عليكم العهد بنعم الله من إنْجَائكُم من فرعون، وغير ذلك من النعم المذكورة في أول سورة البقرة كقوله تعالى: {أية : فَطَالَ عَلَيْهِمُ ٱلأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ} تفسير : [الحديد: 16]. وثانيها: روي أنَّهم عرفوا أنَّ الأجل أربعون ليلةً فجعلوا كلَّ يوم بإزاء ليلة وردُّوه إلى عشرين. قال القاضي: هذا ركيك لأن ذلك لا يكاد يشتبه على أحد. وثالثها: أنَّ موسى - عليه السلام - وعدهُم ثلاثين ليلةً فلما زاده الله فيها عشرة أخرى طال العهد. قوله: {أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّكُمْ} هذا لا يمكن إجراؤه على ظاهره لأنَّ أحداً لا يريد ذلك، ولكن المعضية (لما كانت) توجب ذلك، ومريد السبب مريد للمسبب، أي أرَدْتُّمْ أن تفعلوا فعلاً يوجب عليكم الغضب من ربكم. {فَأَخْلَفْتُمْ مَّوْعِدِي}، وهذا يدل على موعد كان فيه - عليه السلام - مع القوم، فقيل: المراد ما وعدوه من اللحاق والمجيء على أثره. وقيل: ما وعدوه من الإقامة على دينه إلى أن يرجع إليهم من الطور و "مَوْعدي" مصدر يجوز أن يكون مضافاً لفاعله بمعنى أوَجدْتُمُونِي أَخْلَفْتُكُم ما وعْدتُّكُمْْ. وأن يكون مضافاً لمفعوله بمعنى: أنهم وعدوه أن يتمسكوا بدينه وسنته. قوله: "بِمَلْكِنَا" قرأ الأخوان بضم الميم، ونافع وعاصم بفتحها والباقون بكسرها. فقيل: لغات بمعنى واحد كالنَّقْضِ والنُّقضِ والنِّقضِ، فهي مصادر، ومعناها القدرة والتسلط. وفرق الفارسي وغيره بينهما، فقال: المضموم معناه: لم يكن مُلْكٌ فتُخْلِفُ موعدك بسلطانه، وإنما فعلناه بنظر واجتهاد، فالمعنى على أن ليس له ملك كقول ذي الرُّمة: شعر : 3685- لاَ يُشْتَكَى سَقْطَةٌ مِنْهَا وَقَدْ رَقَصَتْ بِهَا المَفَاوِزُ حَتَّى ظَهْرُهَا حَدِبُ تفسير : أي لا يقع منها سَقْطَة فَتَشْتَكي. وفتح الميم مصدر من مَلَكَ أمره، والمعنى: ما فعلناه بأنَّا ملكنا الصواب، بل غلبتنا أنفسنا. وكسر الميم كَثُر فيما تحوزه اليد وتحويه، ولكنه يستعمل في الأمور التي يبرمها الإنسان، ومعناها كمعنى التي قبلها. والمصدر في هذين الوجهين مضاف لفاعله، والمفعول محذوف أي: بِمَلْكِنَا الصوابَ. قوله: "حُمِّلْنَا" قرأ نافع وابن كثير وحفص بضم الحاء وكسر الميم المشددة وأبو جعفر كذلك إلا أنه خفف الميم. (والباقون بفتحها خفيفة الميم). فالقراءة الأولى والثانية نسبوا فيهما الفعل إلى غيرهم. وفي الثالثة نسبوه إلى أنفسهم و "أَوْزَاراً" مفعول ثان غير القراءة الثالثة. و "مِنْ زِينَةِ" يجوز أن يكون متعلقاً بـ "حُمِّلْنَا"، وأن يكون متعلقاً بمحذوف على أنه صفة لـ "أَوْزَاراً". وقوله: "فَكَذَلِكَ" نعت لمصدر أو حال من ضميره عند سيبويه أي: إلقاء مثل إلقَائِنَا. فصل اختلفوا في القائل {مَآ أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا} على وجهين: فقيل: القائل هم الذين لم يعبدُوا العجلَ كأنهم قالوا: ما أخلَفْنَا موعدَك بأمرٍ كُنَّا نملكه، وقد يضيف الرجل فعلَ قرينه إلى نفسه، كقوله تعالى: {أية : وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ ٱلْبَحْرَ} تفسير : [البقرة: 50] {أية : وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً} تفسير : [البقرة: 72] وإن كان القائل بذلك آباءهم، فكأنهم قالوا: الشبهة قويت على عبدة العجل، فلم نقدر على منعهم عنه ولم نقدر أيضاً على مفارقتهم، لأنَّا خفنا أن يصير ذلك سبباً لوقوع الفرقة، وزيادة الفتنة. وقيل: هذا قول عبدة العِجل، والمعنى أن غيرنا أوقع الشبهة في قلوبنا، وفاعل السبب فاعل المسبب، فمخلف الوعد هو الذي أوقع الشبهة، فإنه كان كالمالك لنا. فإن قيل: كيف يُعْقَل رجوع قريب من ستمائة ألف إنسان من العقلاء المكلفين عن الدين الحق دفعة واحدة إلى عبادة عجلٍ يُعْرَف فسادُها بالضرورة، ثم إن مثل هذا الجمع لما فارقوا الدين وأظهروا الكفر فكيف يعقل رجوعهم دفعة واحدة عن ذلك الدين بسبب رجوع موسى - عليه السلام - وحده إليهم؟ فالجواب: هذا غير ممتنع في حق البُلْهِ من الناس. ثم إنَّ القوم فروا من العذر الحامل لهم على ذلك الفعل فقالوا {وَلَكِنَّا حُمِّلْنَآ أَوْزَاراً مِّن زِينَةِ ٱلْقَوْمِ} فمن قرأ بالتخفيف فالمعنى حملْنَا في أنفسنا ما كنا استعرضناه من القوم. ومن قرأ بالتشديد فقيل: إن موسى - عليه السلام - أمرهم باستعاره الحُلِيّ والخروج بها فكأنه ألزمهم ذلك. والمراد بالأوزار حُليّ قوم فرعون. وقيل: جعلنا كالضامن لها أن نؤديها إلى حيث يأمرنا الله. وقيل: إنَّ الله تعالى حَمَّلَهُم ذلك، أي: ألزمهم حكم المغنم. قيل: أخذوها على وجه العارية ولم يردوها حين خرجوا من مصر استعاروها لعيدهم. وقيل: إن الله تعالى لما أغرق فرعون نبذَ البحر حُليَّهم فأخذوها وكانت غنيمة، ولم تكن الغنيمة حلالاً لهم في ذلك الزمان، فسماها الله أوْزَاراً لذلك، لأنه يجب عليهم حفظها من غير فائدة فكانت أوزاراً. وقيل: سميت أوزاراً لكثرتها وثقلها، والأوزار: الأثقال. وقيل المراد بالأوزار الآثام، والمعنى حُمِّلْنَا آثاماً، روي أن هارون - عليه السلام - قال إنها نجسة فتطهروا منها، وقال السَّامِريّ إنَّ موسى إنما احتبس عقوبة بالحُلِيّ. فيجوز أن يكونوا أرادوا هذا القول، وقد يقول الإنسان للشيء الذي يلزمه رده هذ كله إثمٌ وذنبٌ. وقيل: إنَّ ذلك الحِليّ كان للقبط يتزينون به في مجامع لهم يجري فيها الكفر، فلذلك وصف بكونها أوزاراً كما يقال مثله في آلات المعاصي. وقوله: "فَقَذَفْنَاهَا" أي فَطَرَحْنَاهَا في الحفيرة، وذلك أن هارون قال لهم: إنَّ تلكَ غنيمةٌ لا تَحِلُّ فاحفروا، فحفروا حفيرة، ثم ألقوه فيها حتى يرجع موسى فيرى فيها رأيه، ففعلوا. وقيل: قَذَفُوها في موضعٍ أمرهم السامريُّ بذلك. وقيل: في موضعٍ جمع فيه النار، ثم قالوا: وكذلك ألقى السامري ما معه من الحُلِيّ فيها.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {فَرَجَعَ مُوسَىٰ إِلَىٰ قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً} [الآية: 86]. غضبان على ماذا، وأسفًا لماذا، قال: غضبان على نفسه إذ ترك قومه حتى ضلوا، وأسفًا على ما فاته من مناجاة ربه. وقال الشبلى: أسفًا على ما فاته من مخاطبة الحق من لا أوزان لهم فرده من شوقه إلى شاهده، ولم يظفر بمعيته ولا أسفًا من وجده، فغضبه كان من ذلك.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {فَرَجَعَ مُوسَىٰ إِلَىٰ قَوْمِهِ غَضْبَٰنَ أَسِفاً}. ورجع نبيُّنا - صلى الله عليه وسلم - من المعراج بنعت البسط، وجاء بالنجوى لأصحابه فيما أوجب الله عليهم من الصلاة، وأكرمهم به من القربة بالزلفة.. فشتان ما هما! ورجع موسى إلى قومه بوصف الغضب والأسف، وخاطبهم ببيان العتاب: {قَالَ يٰقَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ ٱلْعَهْدُ أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَّوْعِدِي}. ظنوا بنبيِّهم ظنَّ السَّوْءِ في خلقه الوعد، فَلَحِقَهُمْ شؤمُ ذلك حتى زاغوا عن العهد،وأشركوا في العقد.. وكذلك يكون الأمر إذا لم يفِ المرءُ بعقده، فإنه ينخرط في هذا السِّلْكِ.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {فَرَجَعَ مُوسَىٰ إِلَىٰ قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً} غضبه انبساطه وجراته فى حضرته ربه من يعلم بمكانه عند الله كان عربده فى اضلال قومه واسفه من فقدان وصاله واشتغاله بشريعته قيل غضبان على نفسه اذ ترك قومه حتى ضلوا واشفا على ما ذاته من مناجاة ربه قال الشبلى اسفا على ما فاته من مخاطبة الحق الى مخطابة من لا اوزان لهم فرده من شوقه الى مشاهدة ولم يظفر ببغيته وشفا من وجده فغضبه كان من ذلك.

اسماعيل حقي

تفسير : {فرجع موسى الى قومه} اى بعد ما استوفى الاربعين ذا القعدة وعشر ذى الحجة واخذ الالواح المكتوب فيها التوراة وكانت الف سورة كل سورة الف آية يحمل اسفارها سبعون جملا {غضبان}[خشمناك بريشان]{اسفا}[اندوهكين ازعمل ايشان] اى شديد الحزن على ما فعلوا او شديد الغضب ومنه قوله عليه السلام فى موت الفجأة "حديث : رحمة للمؤمنين واخذة اسيف للكافرين " تفسير : قال الامام الراغب الاسف الحزن والغضب معا وقد يقال لكل منهما على الانفراد. قال الكاشفى [جون بميان قوم رسيد بانك وخروش ايشان شنيدكه كرداكرد كوساله دف ميزدند ورقص ميكردند بعتاب آغاز كرد ازروى ملامت] {قال يا قوم} [اى كروه من]{ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا} بان يعطيكم التوراة فيها ما فيها من النور والهدى اى وعدكم وعدا صادقا بحيث لا سبيل لكم الى انكاره. قال فى بحر العلوم {وعدا حسنا} اى متناهيا فى الحسن فانه تعالى وعدهم ان يعطيهم التوراة التى فيها هدى ونور ولا وعد احسن من ذلك واجمل. وفيه اشارة الى ان الله تعالى اذا وعد قوما لا بدله من الوفاء بالوعد فيحتمل ان يكون ذلك الوفاء فتنة للقوم وبلاء لهم كما كان لقوم موسى اذ وعدهم الله بايتاء التوراة ومكالمته موسى وقومه السبعين المختارين فلما وفى به تولدت لهم الفتنة والبلاء من وفائه وهى الضلال وعبادة العجل ولكن الوعد لما كان موصوفا بالحسن كان البلاء الحاصل من الوعد الحسن بلاء حسنا وكان عاقبة امرهم التوبة والنجاة ورفعة الدرجات {أفطال عليكم العهد} الفاء للعطف على مقدر والهمزة لانكار المعطوف ونفيه فقط اى اوعدكم ذلك فطال زمان الانجاز فاخطأتم بسببه. وفى الجلالين مدة مفارقتى اياكم يقال طال عهدى بك اى طال زمانى بسبب مفارقتك {ام اردتم ان يحل} يجب كما سبق {عليكم غضب} عذاب عظيم وانتقام شديد كائن {من ربكم} من مالك امركم على الاطلاق بسبب عبادة ما هو مثل فى الغباوة والبلادة {فاخلفتم موعدى} اى وعدكم اياى بالثبات على ما امرتكم به الى ان ارجع من الميقات على اضافة المصدر الى مفعوله والفاء لترتيب ما بعدها على كل واحد من شقى الترديد على سبيل البدل كأنه قيل أنسيتم الوعد بطول العهد فاخلفتموه خطأ ام اردتم حلول الغضب عليكم فاخلفتموه عمدا.

الطوسي

تفسير : قرأ ابن كثير وابو عمرو وابن عامر {بملكنا} بكسر الميم - وقرأ نافع وعاصم - بفتح الميم - وقرأ حمزة والكسائي - بضم الميم - من ضم الميم فمعناه بسلطاننا وقيل إن في ذلك ثلاث لغات: فتح الميم وضمها وكسرها. وقرأ ابو عمرو، وحمزة وأبو بكر {حملنا} - بفتح الحاء والميم - مخففاً. الباقون - بضم الحاء وكسر الميم - مشدداً. اخبر الله تعالى أن موسى رجع من ميقات ربه {إلى قومه غضبان أسفاً} والغضب ضد الرضا، وهو ما يدعو الى فعل العقاب، والأسف أشد الغضب. وقال ابن عباس: معنى "أسفاً" اي حزيناً. وبه قال قتادة والسدي. والأسف أشد الغضب. وقال بعضهم: قد يكون بمعنى الغضب، ويكون بمعنى الحزن. قال الله تعالى {أية : فلما أسفونا انتقمنا منهم} تفسير : أي أغضبونا، فقال موسى لقومه {يا قوم ألم يعدكم ربكم وعداً حسناً} لأن الله تعالى كان وعد موسى بالنجاة من عدوهم، ومجيئهم الى جانب الطور الأيمن، ووعده بأنه تعالى {غفار لمن تاب وآمن وعمل صالحاً ثم أهتدى} ثم قال {أفطال عليكم العهد} أي عهدى ولقائي فنسيتموه {أم أردتم أن يحل عليكم} اي يجب عليكم {غضب} اي عقاب {من ربكم فأخلفتم موعدي} أي ما وعدتموني من المقام على الطاعات. وقال الحسن: معنى {ألم يعدكم ربكم وعداً حسناً} فى الآخرة على التمسك بدينه في الدنيا. وقيل الذي وعدهم الله به التوراة، وفيها النور والهدى ليعملوا بما فيها، ويستحقوا عليه الثواب. وكانوا وعدوه أن يقيموا على أمرهم، فأخلفوا، وقالوا جواباً لموسى {ما أخلفنا موعدك بملكنا} أي قال المؤمنون: لم نملك أن نرد عن ذلك السفهاء. قال قتادة والسدي: معنى "بملكنا" بطاقتنا. وقال ابن زيد: معناه لم نملك أنفسنا للبلية التي وقعت بنا. فمن فتح الميم: أراد المصدر. ومن كسرها أراد: ما يتملك. ومن ضم أراد: السلطان والقوة به. وقوله {ولكنا حملنا أوزاراً من زينة القوم} معناه إنا حملنا أثقالا من حلي آل فرعون، وذلك أن موسى أمرهم ان يستعيروا من حليهم - في قول ابن عباس ومجاهد والسدي وابن زيد - وقيل: جعلت حلالا لهم. ومن قرأ بالتشديد أراد ان غيرنا حملنا ذلك بأن أمرنا بحمله. وقوله {فقذفناها} أي طرحنا تلك الحلي، ومثل ذلك {ألقى السامري} ما كان معه من الحلي. وقيل {أوزاراً} أي اثقالا من حلي آل فرعون، لما قذفهم البحر أخذوها منهم. ثم اخبر تعالى فقال: إن السامري أخرج لقوم موسى عجلا جسداً له خوار، فقيل ان ذلك العجل كان في صورة ثور صاغها من الحلي التي كانت معهم، ثم ألقى عليها من أثر جبرائيل شيئاً، فانقلب حيواناً يخور - ذكره الحسن وقتادة والسدي - و {الخور} الصوت الشديد كصوت البقرة. وقال مجاهد: كان خواره بالريح إذا دخلت فى جوفه. وأجاز قوم الأول، وقالوا: إن ذلك معجزة تجوز فى زمن الأنبياء. وقول مجاهد أقوى، لأن إظهار المعجزات لا يجوز على أيدي المبطلين، وإن كان في زمن الأنبياء. وقال الجبائي: انما صوره على صورة العجل وجعل فيه خروقاً إذا دخله الريح أو هم انه يخور. وقيل: انه خار دفعة واحدة {فقالوا هذا إلهكم وإله موسى} يعني قال ذلك السامري ومن تابعه ان هذا العجل معبودكم ومعبود موسى، "فنسي" أي نسي موسى أنه إلهه، وهو قول السامري - في قول ابن عباس وقتادة ومجاهد والسدي وابن زيد والضحاك - وقال ابن عباس في رواية أخرى: معناه، فنسى السامري ما كان عليه من الايمان، لأنه نافق لما عبر البحر. ومعناه ترك ما كان عليه. وقال قوم: معناه "فنسي" موسى أنه أراد هذا العجل، فنسي وترك الطريق الذي يصل منه اليه، ويكون حكاية قول السامري. ثم قال تعالى تنبيهاً لهم على خطئهم {أفلا يرون} أي أفلا يعلمون أنه {لا يرجع إليهم قولاً} أي لا يجيبهم إذا خاطبوه، ولا يقدر لهم على ضر ولا نفع. ثم اخبر ان هارون قال لهم قبل ذلك {يا قوم إنما فتنتم به} أي ابتليتم واختبرتم به {وإن ربكم الرحمن} اي الذين يستحق العبادة عليكم هو الرحمن الذي أنعم عليكم بضروب النعم {فاتبعوني} فيما أقول لكم {وأطيعوا أمري} فيما آمركم به.

الجنابذي

تفسير : {فَرَجَعَ مُوسَىٰ إِلَىٰ قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً} وانّما غضب لله لانحرافهم عن الله وتحسّر عليهم لابطالهم بضاعتهم الّتى هى الايمان لانّ كلّ نبىٍّ اب شفيق لامّته والامّة اولاد اعزّاء عليه وايمانهم بمنزلة الصّحّة الكاملة لهم، ونقصان ايمانهم وبطلانه بمنزلة المرض والهلاكة وحال النّبى فى الصّحّة والمرض والهلاكة لامّته حال الاب الشّفيق بالنّسبة الى اولاده بل اشدّ منه بمراتب عديدة {قَالَ يٰقَوْمِ} اشفاقاً عليهم {أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً} بان اخبرتكم بوعده وانّه وعدنى اعطاء التّوراة الّتى فيها جميع ما تحتاجون اليه {أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ ٱلْعَهْدُ} المراد بالعهد الوعد المذكور اى افطال مدّة الوعد؟ او المراد به عهد الملاقاة اى افطال عليكم فراق العهد؟ فأسقط الفراق لوجود القرينة {أَمْ أَرَدتُّمْ} بل ليس الامر كذلك واردتم {أَن يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّكُمْ} استعمال الارادة فى ما لا يراد اصلاً اشعار بانّ اعمالكم آثار ارادة ما لا يريده عاقلٌ وكناية عن عدم العقل والشّعور {فَأَخْلَفْتُمْ مَّوْعِدِي} الاخلاف فى المستقبل كالكذب فى الماضى والمعنى اخلفتم عن الطّور الّذى كان موعدى وموعدكم، على ان يكون القوم اجمعهم او وجوههم وعدوه اللّحوق به فى الطّور كما مضى فى معنى هم اولاء على اثرى، او المعنى اخلفتم وعدكم لى باللّحوق بى، او بالثّبات على الدّين واتّباع هارون، او بحسن الخلافة لى بعدى حتّى ارجع اليكم.

اطفيش

تفسير : {فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ} عليهم جميعا؛ لأن منهم من عَبَد العجل، ومنهم من لم يقاتلهم على ذلك، ولم يغلظ عليهم إلا الذين ساروا معه. وإنما رجع حد استيفاء الأربعين ذى القعدة وعشرٍ من ذى الحجة ونزول التوراة. وقيل: قبل ذلك ثم رجع {أسِفًا} شديدَ حزنٍ بما فعلوا. وقيل: شديد غضب؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: موت الفجأة رحمة للمؤمن، وأخذة أسف للكفر. وعليه الحسن. {قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا} وعدهم أن يعطهم التوراة وهى صلاح لهم ولأعقابهم دنيا وأخرى، ولا وعد أحسن من ذلك. وقيل: حسنا معناه: صادق. وهذه نعمة يجب أن تشكروه عليها، فكيف عبدتم غيره؟! وقيل: المراد الوعد بالثواب فى الآخرة على التمسك بدين. كانت التوراة ألف سورة، كل سورة ألف آية يحمل أسفارها سبعون جملا. {أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ} الزمان، وهو زمان مفارقته عليه السلام لهم. وقال مجاهد: الموعد {أَمْ أَرَدْتُمْ أَن يَحِلَّ} يجب. وقال الشيخ هود: إن بعضا قرأه بضم الحاء أى ينزل، وقال أبو عمرو الدانى: الكسر فى هذا مجمع عليه. ووجه الجمع بينهما أن المجمعين على الكسر القراء السبعة أو العشرة؛ لأن كلامهم فى قراءتهم والقارئ يضمها غيرهم. {عَلَيْكُمْ غَضَبٌ} هو ضد الرضى أو المراد به العذاب. وذلك لأن الغضب سبب العذاب، وهو أولى بقراءة الضم من ضد الرضى والسكر جائز {مِنْ رَبِّكُمْ} لعبادة مّا هو فى غاية الغباوة حتى يضرب به المثل فى الغباوة، وعدم قتال العابدين والتغليظ عليهم، أى أم أردتم فعلا يوجب الغضب. والمراد التوبيخ، فإن الإنسان لا يريد غضب الله. ويحتمل أن يكون الخطاب فى ذلك كله لعابدى العجل فقط، وهو أنسب بما بعد، فهو أولى، لئلا يجعل الخطاب فيما ذكر عاما، وفيما بعد خاصا بعابديه ولو كانت القرينة موجودة. {فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِى} مصدر ميمى مضاف للمفعول، أى وعدى، أى وعدكم إياى بالثبات على الإيمان بالله سبحانه، والقيام بما أمرتكم به، أو وعدكم إياى بالمحى بعدى. ويصح أن يكون اسم زمان أو مكان أى تركتم الزمان الذى تواعدنا أن نحضر فيه أو المكان الذى تواعدنا الاجتماع به. وذلك زمان أخذ التوراة والمناجاة ومكانهما. وقيل: المعنى فوجدتم الخلف فى وعدى لكم العود، بعد الأربعين، من أخلفت وعده: وجدت الخلف فيه، وهو مضاف للفاعل، ولكن التفسير لا يناسب ترتيب قوله: {فأخلفتم موعدى} على ما قبله، ولا على الشق الذى يليه وهو {أم أردتم} الخ...، ولا يناسب الجواب بقوله: {قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا} أى ما أخلفناه بأَن ملكنا أمرنا؛ إذ لو خلينا وأمرنا، ولم يسوّل لنا السامرى لما أخلفناه. وقرأ حمزة والكسائى بضم الميم، وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر بكسرها ولكل مصادر ملكت الشئ. ويستعمل المضموم والمكسور بمعنى الشئ المملوك، بل قيل: هذا هو الأصل فى المضموم والمصدرى الكل مضاف للفاعل. وفسره بعض بالقدرة، وبعض بالأمر من الأمور، وبعض بالاختيار. {وَلكِنَّا حُمِّلْنَا} جعلنا حاملين {أَوزَارًا} أحمالا أو أثقالا أو آثاما. والثانى قول مجاهد. {مِنْ زِينَةِ} حلىّ {الْقَوْمِ} القبط، استعاروها منهم حين هموا بالخروج من مصر باسم العرس، ولا عرس حقيقة. وقيل: كان أباحها الله لهم. وقيل: لا بلى يردونها. وقيل: استعاروها لعبد ولم يردوها عند الخروج مخافة أن يعلموا بخروجهم. وقيل: هى ما قذفه البحر من زينتهم بعد إغراقهم ولم تحل لهم الغنائم ولأنهم كانوا مستأمنين تحت القبط وليس للمستأمن أخذ مال الحربى. والحاصل أنها سميت أوزاراً، إما من الوزر بمعنى الثقل، وهى حمول كثيرة، أو من الوزر بمعنى الذنب؛ لأنهم أخذوها على جهة العاريّة فتملكوها، أو لما ألقاها البحر أخذوها ملكاً ولم تحل لهم، أو لأنهم ألقوها فى النار فصيغت عجلا عُبِدَ من دون الله، ولكن هذا الإلقاء يكون ذنباً إن علموا أن السامرى يريد ذلك. نعم هو ذنب مطلقا من حيث إنه تصرف فى مال الغير بلا إذنه، أو سموها وزراً لأنها سبب الإثم، من أن العجل بنى بها. وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائى وروح قيل وأبو بكر بفتح الحاء والميم والتخفيف. {فَقَذَفْنَاهَا} طرحناها فى النار بأمر السامرى {فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِىُّ} ما معه منها وللفاء للاستئناف. وكذلك مفعول مطلق لألقى. وروى أنه قال لهم: إن موسى أخلف ميعادكم لما معكم من حلىّ القوم، وهو حرام عليكم. فالرأى أن نحفر حفرة ونقذفه فيها، ففعلوا وقال لهم: يجئ موسى فيأمرنا بما نفعل به بأمر ربه وبعد ذلك أوقد ناراً وصاغه، لعنه الله وقيل: قال لهم: نحفر حفرة ونوقد فيها ناراً ونلقيه فيها. وقيل: إن هارون عليه السلام أمرهم بإلقائه فى حفرة ودفنه فيها حتى يجئ موسى. وروى أنه مر على السامرى يصوغ فقال له: ما هذا؟ فقال: أصنع ما ينفع ولا يضر فادع لى فقال: اللهم أعطه ما سألك على ما فى نفسه فألقى تراب حافر فرس الرسول جبريل عليه السلام. واسم فرسه حيزوم فى فم ما صاغ على هيئة العجل، فكان عجلا يخور بدعوته. والصحيح أنه خار بسبب التراب. ولكن لا منافاة؛ فإنه تعالى لو شاء لما أثر التراب فأثره بدعاء هارون. وقيل: إن هارون لم يدع له أصلا، ولم يعلم بذلك إلا بعد صوغه وخواره. وقيل: إن السامرى لما قال لهم: ألقوا ما معكم فيها ألقوا، وجعل كأنه يلقى ما معه. ولم يلق ولكنه ألقى التراب فأوحى إليه وليه الشيطان: أنه إذا خالط مواتا كان حيوانا. وقد مر أن السامرى اسمه موسى، وولد فى وقت الذبح، فألقته أمه فى حبل بعد ما لفته، ورباه جبريل وغذاه لما أزيل به من الخزى. وذلك أن فرعون لما أمر بذبح الأولاد جعلت المرأة إذا ولدت غلاماً، انطلقت به سراً فى جوف الليل، إلى صحراء أو واد أو غار فى جبل، فتخفيه، فيقيض له ملكا يربيه ويطعمه ويسقيه حتى يختلط بالناس. وكذلك من ولد فى عام الذبح، بعد أن كان يذبح عاما ويترك آخر. وكان السامرى ولى أمره جبريل. وروى أن الله سبحانه خلق فى إحدى إبهاميه سمنا وفى الأخرى عسلا ومن ثم كان الصبى إذا جاع مص إبهامه فيروى وجعل الله له فيه رزقا. وروى أن الله وكل به وَعْلاً لبونا تسقيه اللبن بالغداة والعشى حتى كبر وخلط بالناس. وقيل: وكلها به جبريل. وفيه - لعنه الله - وفى موسى النبى - عليه السلام - قال بعضهم: شعر : إذا المرء لم يخلق سعيدا تخلفت ظنون مريعه وخاب المؤمل فموسى الذى رباه جبريل كافر وموسى الذى رباه فرعون مرسل

الالوسي

تفسير : {فَرَجَعَ مُوسَىٰ إِلَىٰ قَوْمِهِ } عند رجوعه المعهود أي بعد ما استوفى الأربعين ذا القعدة وعشر ذي الحجة وأخذ التوراة لا عقيب الإخبار المذكور فسببية ما قبل الفاء لما بعدها إنما هي باعتبار قيد الرجوع المستفاد من قوله تعالى: {غضبانَ أَسِفاً } لا باعتبار نفسه وإن كانت داخلة عليه حقيقة فإن كون الرجوع بعد تمام الأربعين أمر مقرر مشهور لا يذهب الوهم إلى كونه عند الإخبار المذكور كما إذا قلت: شايعت الحجاج ودعوت لهم بالسلامة فرجعوا سالمين فإن أحداً لا يرتاب في أن المراد رجوعهم المعتاد لا رجوعهم إثر الدعاء وأن سببية الدعاء باعتبار وصف السلامة لا باعتبار نفس الرجوع كذا في «ارشاد العقل السليم» وهو مما لا ينتطح فيه كبشان. والأسف الحزين كما روي عن ابن عباس وكأن حزنه عليه السلام من حيث إن ما وقع فيه قومه مما يترتب عليه العقوبة ولا يد له بدفعها. وقال غير واحد: هو شديد الغضب، وقال الجبائي متلهفاً على ما فاته متحيراً في أمر قومه يخشى أن لا يمكنه تداركه وهذا معنى للأسف غير مشهور. {قَالَ } استئناف بياني كأنه قيل: فماذا فعل بهم لما رجع إليهم؟ فقيل قال: {يٰقَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ } الهمزة لإنكار عدم الوعد ونفيه وتقرير وجوده على أبلغ وجه وآكده أي وعدكم {وَعْداً حَسَناً } لا سبيل لكم إلى إنكاره. والمراد بذلك إعطاء التوراة التي فيها هدى ونور، وقيل: هو ما وعدهم سبحانه من الوصول إلى جانب الطور الأيمن وما بعد ذلك من الفتوح في الأرض والمغفرة لمن تاب وآمن وغير ذلك مما وعد الله تعالى أهل طاعته. / وعن الحسن أن الوعد الحسن الجنة التي وعدها من تمسك بدينه، وقيل: هو أن يسمعهم جل وعلا كلامه عز شأنه ولعل الأول أولى، ونصب {وَعْداً } يحتمل أن يكون على أنه مفعول ثان وهو بمعنى الموعود ويحتمل أن يكون على المصدرية والمفعول الثاني محذوف. والفاء في قوله تعالى: {أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ} للعطف على مقدر والهمزة لإنكار المعطوف ونفيه فقط، وجوز أن تكون الهمزة مقدمة من تأخير لصدارتها والعطف على {لم يعدكم} لأنه بمعنى قد وعدكم، واختار جمع الأول وأل في العهد له، والمراد زمان الإنجاز، وقيل: زمان المفارقة أي أوعدكم سبحانه ذلك فطال زمان الإنجاز أو زمان المفارقة للإتيان به {أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ } أي يجب {عَلَيْكُمْ غَضَبٌ } شديد لا يقادر قدره كائن {مّن رَّبّكُمْ } أي من مالك أمركم على الإطلاق. والمراد من إرادة ذلك فعل ما يكون مقتضياً له. والفاء في قوله تعالى: {فَأَخْلَفْتُمْ مَّوْعِدِى } لترتيب ما بعدها على كل من الشقين، والموعد مصدر مضاف إلى مفعوله للقصد إلى زيادة تقبيح حالهم فإن إخلافهم للوعد الجاري فيما بينهم وبينه عليه السلام من حيث إضافته إليه عليه السلام أشنع منه من حيث إضافته إليهم، والمعنى أفطال عليكم الزمان فنسيتم بسبب ذلك فأخلفتم وعدكم إياي بالثبات على ديني إلى أن أرجع من الميقات نسياناً أو تعمدتم فعل ما يكون سبباً لحلول غضب ربكم عليكم فأخلفتم وعدكم إياي بذلك عمداً، وحاصله أنسيتم فأخلفتم أو تعمدتم فأخلفتهم، ومنه يعلم التقابل بين الشقين. وجوز المفضل أن يكون الموعد مصدراً مضافاً إلى الفاعل وإخلافه بمعنى وجدان الخلف فيه يقال: أخلف وعد زيد بمعنى وجد الخلف فيه، ونظيره أحمدت زيداً أي فوجدتم الخلف في موعدي إياكم بعد الأربعين، وفيه أنه لا يساعده السياق ولا السباق أصلاً، وقيل: المصدر مضاف إلى المفعول إلا أن المراد منه وعدهم إياه عليه السلام باللحاق به والمجيء للطور على أثره وفيه ما فيه، واستدلت المعتزلة بالآية على أن الله عز وجل ليس خالقاً للكفر وإلا لما قال سبحانه: {أية : وَأَضَلَّهُمُ ٱلسَّامِرِىُّ } تفسير : [طه: 85] ولما كان لغضب موسى عليه السلام وأسفه وجه ولا يخفى ما فيه.

ابن عاشور

تفسير : الغضب: انفعال للنفس وهيجان ينشأ عن إدراك ما يسوؤها ويسخطها دون خوف، والوصف منه غَضبان. والأسف: انفعال للنفس ينشأ من إدراك ما يحزنها وما تكرهه مع انكسار الخاطر. والوصف منه أسِف. وقد اجتمع الانفعالان في نفس موسى لأنه يسوؤه وقوع ذلك في أمته وهو لا يخافهم، فانفعاله المتعلّق بحالهم غضب، وهو أيضاً يحزنه وقوع ذلك وهو في مناجاة الله تعالى التي كان يأمل أن تكون سبب رضى الله عن قومه فإذا بهم أتوا بما لا يرضي الله فقد انكسر خاطره بين يديه ربّه. وهذا ابتداء وصف قيام موسى في جماعة قومه وفيهم هارون وفيهم السامريّ، وهو يقرع أسماعهم بزواجر وعظه، فابتدأ بخطاب قومه كلهم، وقد علم أن هارون لا يكون مشايعاً لهم، فلذلك ابتدأ بخطاب قومه ثمّ وجّه الخطاب إلى هارون بقوله {أية : قال يا هارون ما منعك}تفسير : [طه: 92]. وجملة {قَالَ يٰقَوْممِ أَلَم} مستأنفة بيانية. وافتتاح الخطاب بــــ{يٰقَوْمِ} تمهيدٌ لِلّوم لأن انجرار الأذى للرجل من قومه أحق في توجيه الملام عليهم، وذلك قوله {فَأَخْلَفْتُم مَوْعِدِي}. والاستفهام في {أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ} إنكاري؛ نزِّلوا منزلة من زعم أن الله لم يعدهم وعداً حسناً لأنّهم أجروا أعمالهم على حال من يزعم ذلك فأنكر عليهم زعمهم. ويجوز أن يكون تقريرياً، وشأنه أن يكون على فرض النّفي كما تقدم غير مرّة. والوعْدُ الحسن هو: وعده مُوسى بإنزال التّوراة، ومواعدته ثلاثين ليلةً للمناجاة، وقد أعلمهم بذلك، فهو وعد لقومه لأنّ ذلك لصلاحهم، ولأنّ الله وعدهم بأن يكون ناصراً لهم على عدوّهم وهادياً لهم في طريقهم، وهو المحكي في قوله {أية : وواعدناكم جانب الطور الأيمن}تفسير : [طه: 80]. والاستفهام في {أفَطَالَ عَلَيْكُم العَهدُ} مُفرّع على قوله {ألَمْ يَعِدكُم رَبُّكُمْ}، وهو استفهام إنكاري، أي ليس العهد بوعد الله إياكم بعيداً. والمراد بطول العهد طول المدّة، أي بُعدها، أي لم يبعد زمن وعد ربّكم إياكم حتى يكون لكم يأس من الوفاء فتكفروا وتكذّبوا مَن بلغكم الوعد وتعبدوا رباً غير الذي دعاكم إليه مَن بلغكم الوعد فتكون لكم شبهة عذر في الإعْراض عن عبادة الله ونسيان عهده. والعهد: معرفة الشيء وتذكّره، وهو مصدر يجوز أن يكون أطلق على المفعول كإطلاق الخلق على المخلوق، أي طال المعهود لكم وبعُد زمنه حتى نسيتموه وعملتم بخلافه. ويجوز أن يبقى على أصل المصدر وهو عهدهم الله على الامتثال والعمل بالشريعة. وتقدم في قوله تعالى: {أية : الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه} تفسير : [سورة البقرة: 27] وقوله {أية : وأوفوا بعهدي}تفسير : في [سورة البقرة: 40]. و {أَم} إضراب إبطالي. والاستفهام المقدّر بعد {أَمْ} في قوله {أية : أم أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم}تفسير : [طه: 86] إنكاري أيضاً، إذ التقدير: بل أردتم أن يحل عليكم غضب، فلا يكون كفركم إذن إلا إلقاءً بأنفسكم في غضب الله كحال من يحب أن يحِل عليه غضب من الله. ففي قوله {أَرَدْتُمْ أن يَحِلَّ عَلَيكُمْ غَضَبٌ مِن رَبِّكُمْ} استعارة تمثيلية، إذ شبه حالهم في ارتكابهم أسباب حلول غضب الله عليهم بدون داع إلى ذلك بحال من يحبّ حلول غضب الله عليه؛ إذ الحب لا سبب له. وقوله {فَأَخْلَفْتُم مَوْعِدِي} تفريع على الاستفهام الإنكاري الثاني. ومعنى {مَوْعِدِي} هو وعد الله على لسانه، فإضافته إلى ضميره لأنه الواسطة فيه.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {فَرَجَعَ مُوسَىٰ إِلَىٰ قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً}. ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن موسى رجع إلى قومه بعد مجيئه للميقات في حال كونه في ذلك الرجوع غضبان أسفاً على قومه من أجل عبادتهم العجل. وقوله: {أَسِفاً} أي شديد الغضب. فالأسف هنا: شدة الغضب. وعلى هذا فقوله: {غَضْبَانَ أَسِفاً} أي غضبان شديد الغضب. ومن إطلاق الأسف على الغضب في القرآن قوله تعالى في "الزخرف" {أية : فَلَمَّآ آسَفُونَا ٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ} تفسير : [الزخرف: 55] أي فلما أغضبونا بتماديهم في الكفر مع توالي الآيات عليهم انتقمنا منهم. وقال بعض العلماء: الأسف هنا الحزن والجزع. أي رجع موسى في حال كونه غضبان حزيناً جزعاً لكفر قومه بعبادتهم للعجل. وقيل: أسفاً أي مغتاظاً. وقائل هذا يقول: الفرق بين الغضب والغيظ: أن الله وصف نفسه بالغضب، ولم يجز وصفه بالغيظ. حكاه الفخر الرازي. ولا يخفى عدم اتجاهه في تفسير هذه الآية، لأنه راجع إلى القول الأول، ولا حاجة في ذلك إلى التفصيل المذكور. وقوله {غَضْبَانَ أَسِفاً} حالان. وقد قدمنا فيما مضى أن التحقيق جواز تعدد الحال من صاحب واحد مع كون العامل واحداً. كما أشار له في الخلاصة بقوله: شعر : والحال قد يجيء ذا تعدد لمفرد فاعلم وغير مفرد تفسير : وما ذكره جل وعلا في آية "طه" هذه من كون موسى رجع إلى قومه {غَضْبَانَ أَسِفاً} ذكره في غير هذا الموضع، وذكر أشياء من آثار غضبه المذكور، كقوله في "الأعراف": {أية : وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَىٰ إِلَىٰ قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِيۤ} تفسير : [الأعراف: 150] الآية. وقد بين تعالى أن من آثار غضب موسى إلقاءه الألواح التي فيها التوراة، وأخذه برأس أخيه يجره إليه، كما قال في "الأعراف": {أية : وَأَلْقَى ٱلأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ} تفسير : [الأعراف: 150]، وقال في "طه" مشيراً لأخذه برأس أخيه: {أية : قَالَ يٰٱبْنَأُمِّ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي} تفسير : [طه: 94]. وهذه الآيات فيها الدلالة على أن الخبر ليس كالعيان، لأن الله لما أخبر موسى بكفر قومه بعبادتهم العجل كما بينه في قوله: {أية : قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ ٱلسَّامِرِيُّ}تفسير : [طه: 85] وهذا خبر من الله يقين لا شك فيه لم يلق الألواح، ولكنه لما عاين قومه حول العجل يعبدونه أثرت فيه معاينة ذلك أثراً لم يؤثره فيه الخبر اليقين بذلك، فألقى الألواح حتى تكسرت، وأخذ برأس أخيه يجره إليه لما أصابه من شدة الغضب من انتهاك حرمات الله تعالى. وقال ابن كثير في تفسيره في سورة "الأعراف": وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح، حدثنا عفان، حدثنا أبو عوانة عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : يرحم الله موسى ليس المعاين كالمخبر، أخبره ربه عز وجل أن قومه فتنوا بعده فلم يلق الألواح، فلما رآهم وعاينهم ألقى الألواح ". تفسير : قوله تعالى: {قَالَ يٰقَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ ٱلْعَهْدُ أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَّوْعِدِي قَالُواْ مَآ أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا}. ذكر جل في هذه الآية الكريمة: أن موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام لما رجع إلى قومه، ووجدهم قد عبدوا العجل من بعده قال لهم: {يٰقَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً}. وأظهر الأقوال عندي في المراد بهذا الوعد الحسن: أنه وعدهم أن ينزل على نبيهم كتاباً فيه كل ما يحتاجون إليه من خير الدنيا والآخرة. وهذا الوعد الحسن المذكور هنا هو المذكور في قوله تعالى: {أية : وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ ٱلطُّورِ ٱلأَيْمَنَ} تفسير : [طه: 80] الآية، وفيه أقوال غير ذلك. وقوله: {أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ ٱلْعَهْدُ} الاستفهام فيه للإنكار، يعني لم يطل العهد. كما يقال في المثل: (وما بالعهد من قدم). لأن طول العهد مظنة النسيان، والعهد قريب لم يطل فكيف نسيتم؟ وقوله: {أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّكُمْ} قال بعض العلماء: "أم" هنا هي المنقطعة، والمعنى: بل أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم، ومعنى إرادتهم حلول الغضب: أنهم فعلوا ما يستوجب غضب ربهم بإرادتهم. فكأنهم أرادوا الغضب لما أرادوا سببه، وهو الكفر بعبادة العجل. وقوله: {فَأَخْلَفْتُمْ مَّوْعِدِي} كانوا وعدوه أن يتبعوه لما تقدمهم إلى الميقات، وأن يثبتوا على طاعة الله تعالى. فعبدوا العجل وعكفوا عليه ولم يتبعوا موسى. فأخلفوا موعده بالكفر وعدم الذهاب في أثره، {قَالُواْ مَآ أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا} قرأه نافع وعاصم "بِملْكِنا" بفتح الميم. وقرأه حمزة والكسائي "بِملْكنَا" بضم الميم، وقرأه ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو "بملكنا" بكسر الميم. والمعنى على جميع القراءات: ما أخلفنا موعدك بأن ملكنا أمرنا، فلو ملكنا أمرنا ما أخلفنا موعدك. وهو اعتذار منهم بأنهم ما أخلفوا الموعد باختيارهم، ولكنهم مغلوبون على أمرهم من جهة السامري وكيده. وهو اعتذار بارد ساقط كما ترى!! ولقد صدق من قال: شعر : إذا كان وجه العذر ليس ببين فإن اطراح العذر خير من العذر تفسير : وأما على قول من قال: إن الذين قالوا لموسى: {مَآ أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا} هم الذين لم يعبدوا العجل. لأنهم وعدوه أن يتبعوه، ولما وقع ما وقع من عبادة أكثرهم للعجل تأخروا عن اتباع موسى بسبب ذلك، ولم يتجرؤوا على مفارقتهم خوفاً من الفرقة ـ فالعذر له وجه في الجملة، كما يشير إليه قوله تعالى في القصة في هذه السورة الكريمة {أية : قَالَ يٰهَرُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوۤاْ أَلاَّ تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي قَالَ يٰٱبْنَأُمِّ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِيۤ إِسْرَآئِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي} تفسير : [طه: 92-94]. والمصدر في قوله {بِمِلْكِنا} مضاف إلى فاعله ومفعوله محذوف، أي بملكنا أمرنا. وقال القرطبي: كأنه قال بمكلنا الصواب بل أخطأنا. فهو اعتراف منهم بالخطأ. وقال الزمخشري: {أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ ٱلْعَهْدُ}: الزمان، يريد مدة مفارقته لهم. تنبيه كل فعل مضارع في القرآن مجزوم بـ "لم" إذا تقدمتها همزة استفهام. كقوله هنا: {أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً} فيه وجهان معروفان عند العلماء: الأول ـ أن مضارعته تنقلب ماضوية، ونفيه ينقلب إثباتاً. فيصير قوله: {أَلَمْ يَعِدْكُم} بمعنى وعدكم، وقوله: {أية : أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ} تفسير : [الشرح: 1] بمعنى شرحنا، وقوله: {أية : أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ} تفسير : [البلد: 6] جعلنا له عينين. وهكذا. ووجه انقلاب المضارعة ماضوية ظاهر، لأن "لم" حرف قلب تقلب المضارع من معنى الاستقبال إلى معنى المضي كما هو معروف. ووجه انقلاب النفي إثباتاً أن الهمزة إنكارية، فهي مضمنة معنى النفي، فيتسلط النفي الكامن فيها على النفي الصريح في "لم" فينفيه، ونفي النفي إثبات فيؤول إلى معنى الإثبات. الوجه الثاني ـ أن الاستفهام في ذلك التقرير، وهو حمل المخاطب على أن يقر فيقول "بلى" وعليه فالمراد من قوله {أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً} حملهم على أن يقروا بذلك فيقولوا بلى هكذا. ونظير هذا من كلام العرب قول جرير: شعر : ألستم خير من ركب المطايا وأندى العالمين بطون راح تفسير : فإذا عرفت أن قوله هنا {فَرَجَعَ مُوسَىٰ إِلَىٰ قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً} ـ إلى قوله ـ {بِمَلْكِنَا} قد بين الله فيه أن موسى لما رجع إليهم في شدة غضب مما فعلوا وعاتبهم قال لهم في ذلك العتاب {أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ ٱلْعَهْدُ} الآية ـ فاعلم أن بعض عتابه لهم لم يبينه هنا، وكذلك بعض فعله، ولكنه بينه في غير هذا الموضع. كقوله في "الأعراف" في القصة بعينها {أية : وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَىٰ إِلَىٰ قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِيۤ أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ} تفسير : [الأعراف: 150]، وبين بعض ما فعل بقوله في "الأعراف": {أية : وَأَلْقَى ٱلأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ} تفسير : [الأعراف: 150]، وقد أشار إلى هنا في "طه" في قوله: {أية : قَالَ يَبْنَؤُمَّ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي}تفسير : [طه: 94]. قوله تعالى: {وَلَـٰكِنَّا حُمِّلْنَآ أَوْزَاراً مِّن زِينَةِ ٱلْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى ٱلسَّامِرِيُّ فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَداً لَّهُ خُوَارٌ فَقَالُواْ هَـٰذَآ إِلَـٰهُكُمْ وَإِلَـٰهُ مُوسَىٰ فَنَسِيَ}. قرأ هذا الحرف أبو عمرو وشعبة عن عاصم، وحمزة والكسائي {حَمَلْنَا} بفتح الحاء والميم المخففة مبيناً للفاعل مجرداً. وقرأه نافع وابن كثير وابن عامر وحفص عن عصام "حملنا" بضم الحاء وكسر الميم المشددة مبيناً للمفعول. و "نا" على القراءة الأولى فاعل "حمل" وعلى الثانية نائب فاعل "حمل" بالتضعيف. والأوزار في قوله {أَوْزَاراً} قال بعض العلماء: معناها الأثقال. وقال بعض العلماء: معناها الآثام. ووجه القول الأول أنها أحمال من حلي القبط الذي استعاروه منهم. ووجه الثاني أنها آثام وتبعات. لأنهم كانوا معهم في حكم المستأمنين في دار الحرب، وليس للمستأمن أن يأخذ مال الحربي، ولأن الغنائم لم تكن تحل لهم. والتعليل الأخير أقوى. وقوله: {مِّن زِينَةِ ٱلْقَوْمِ} المراد بالزينة الحلي، كما يوضحه قوله تعالى: {أية : وَٱتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَىٰ مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَداً لَّهُ خُوَارٌ}تفسير : [الأعراف: 148] فقذفناها أي ألقيناها وطرحناها في النار التي أوقدها السامري في الحفرة، وأمرنا أن نطرح الحلي فيها. وأظهر الأقوال عندي في ذلك: هو أنهم جعلوا جميع الحلي في النار ليذوب فيصير قطعة واحدة. لأن ذلك أسهل لحفظه حتى يرى نبي الله موسى فيه رأيه. والسامري يريد تدبير خطة لم يطلعوا عليها. وذلك أنه لما جاء جبريل ليذهب بموسى إلى الميقات وكان على فرس، أخذ السامري تراباً مسه حافر تلك الفرس، ويزعمون في القصة أنه عاين موضع أثرها ينبت فيه النبات، فتفرس أن الله جعل فيها خاصية الحياة، فأخذ تلك القبضة من التراب واحتفظ بها، فلما أرادوا أن يطرحوا الحلي في النار ليجعلوه قطعة واحدة أو لغير ذلك من الأسباب وجعلوه فيها، ألقى السامري عليه تلك القبضة من التراب المذكورة، وقال له: كن عجلاً جسداً له خوار. فجعله الله عجلاً جسداً له خوار. فقال لهم: هذا العجل هو إلهكم وإله موسى، كما يشير إلى ذلك قوله تعالى عن موسى: {أية : قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يٰسَامِرِيُّ قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُواْ بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ ٱلرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذٰلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي} تفسير : [طه: 95-96]. وقوله في هذه الآية: {وَلَـٰكِنَّا حُمِّلْنَآ أَوْزَاراً مِّن زِينَةِ ٱلْقَوْمِ} هو من بقية اعتذارهم الفاسد البارد، وهو يدل على أن ذلك الاعتذار من الذين عبدوا العجل لا من غيرهم، ولا يبعد معه احتمال أنه من غيرهم. لأنه ليس فيه ما يعين كون الاعتذار منهم تعيناً غير محتمل. ومعلوم أن هذا العذر عذر لا وجه له على كل حال. وقوله في هذه الآية الكريمة: { فَنَسِيَ} أي نسي موسى إلهه هنا وذهب يطلبه في محل آخر. قاله ابن عباس في حديث الفتون. وهو قول مجاهد. وعن ابن عباس أيضاً من طريق عكرمة {فَنَسِيَ} أي نسي أن يذكركم به. وعن ابن عباس أيضاً {فَنَسِيَ} أي السامري ما كان عليه من الإسلام، وصار كافراً بادعاء ألوهية العجل وعبادته.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 86- فعاد موسى إلى قومه فى غضب شديد وحزن مؤلم، وخاطب قومه - منكراً عليهم - بقوله: لقد وعدكم ربكم النجاة والهداية بنزول التوراة، والنصر بدخول الأرض المقدسة، ولم يطل عليكم العهد حتى تنسوا وعد الله لكم، أردتم بسوء صنيعكم أن ينزل بكم غضب الله بطغيانكم الذى حذركم منه، فأخلفتم عهدكم لى بالسير على سنتى والمجئ على أثرى. 87- قال قوم موسى معتذرين: لم نتخلف عن موعدك باختيارنا، ولكننا حُمِّلنا حين خرجنا من مصر أثقالا من حِلْى القوم، ثم رأينا - لشؤمها علينا - أن نتخلص منها، فأشعل السامرى النار فى حفرة ورمينا فيها هذه الأثقال، فكذلك رمى السامرى ما معه من الحلى. 88- فصنع السامرى لهم عجلا مجسماً من الذهب، يمر الريح فى جوفه فيكون له صوت يسمع كخوار البقر، لتتم الخديعة به، ودعاهم إلى عبادته فاستجابوا، وقال هو وأتباعه: هذا معبودكم ومعبود موسى. فنسى أنه يسهل بالتأمل والاستدلال على أن العجل لا يكون إلهاً. 89- لقد عميت بصائرهم حين يعتبرون هذا العجل إلهاً! أفلا يرون أنه لا يرد على أقوالهم، ولا يستطيع أن يدفع عنهم ضراً، ولا أن يجلب لهم نفعاً!؟ 90- وكان هارون مقيماً فيهم - حين قيام هذه الفتنة - ولقد قال لهم قبل رجوع موسى - عليه السلام -: يا قوم، لقد وقعتم فى فتنة السامرى بهذا الباطل، وإن إلهكم الحق هو الله الرحمن دون سواه، فاتبعونى فيما أنصحكم به، وامتثلوا رأيى بالامتناع عن هذه الضلالة.

د. أسعد حومد

تفسير : {غَضْبَانَ} {يٰقَوْمِ} (86) - وَبَعْدَ أَنْ أَخَبَرَ اللهُ تَعَالَى مُوسَى، بِمَا أَحْدَثَهُ قَوْمُهُ بَعْدَ أَنْ تَرَكَهُمْ وَهُوَ مُتَوَّجِهٌ إِلَى مِيقَاتِ رَبِّهِ، غَضِبَ غَضَباً شَدِيداً وَعَادَ إِلَى قَوْمِهِ، وَهُوَ مَغِيظٌ مُحْنَقٌ، فَقَالَ لَهُمْ: يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدُكُمْ رَبُّكُمْ عَلَى لِسَانِي بِكُلِّ خَيْرٍ فِي الدُّنْيا، وَبِحُسْنِ العَاقِبَةِ فِي الآخِرَةِ، وَقَدْ شَاهَدْتُمْ نَصْرَهُ إِيَّاكُمْ عَلَى عَدُوِّكُمْ، وَإِظْهَارِكُمْ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَطُلِ العَهْدُ عَلَيْكُمْ حَتَّى تَنْسُوْا وَعَدْ اللهِ لَكُمْ، بَلْ أَرَدْتُمْ بِسُوءِ صَنِيعِكُمْ هذا أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ، فَأَخْلَفْتُمْ مَا عَاهَدْتُمُونِي عَلَيْهِ مِنَ الثَّبَاتِ عَلَى الإِيمَانِ. أَسِفاً - حَزِيناً أَوْ شَدِيدَ الغَضَبِ. مَوْعِدِي - وَعْدَكُمْ لِي بِالثَّبَاتِ عَلَى دِينِي.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : رَجَع: تُستعمل لازمة. مثل: رجع فلان إلى الحق. ومُتعدِّية مثل {أية : فَإِن رَّجَعَكَ ٱللَّهُ إِلَىٰ طَآئِفَةٍ مِّنْهُمْ فَٱسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ ..}تفسير : [التوبة: 83] والمعنى فيهما مختلف. هنا رجع موسى أي: حين سمع ما حدث لقومه من فتنة السامري {غَضْبَانَ أَسِفاً ..} [طه: 86] أي: شديد الحزن على ما حدث {قَالَ يٰقَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً ..} [طه: 86] الوعْد الحسن أن الله يعطيهم التوراة، وفيها أصول حركة الحياة، وبها تَحسُن حياتنا في الدنيا، ويحسُن ثوابنا في الآخرة. وقوله: {أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ ٱلْعَهْدُ ..} [طه: 86]. يعني: أطال عهدي بكم، وأصبح بعيداً لدرجة أنْ تنسَوْه ولم أَغبْ عنكم إلا مُدَّة يسيرة. قال الله عنها: {أية : وَوَاعَدْنَا مُوسَىٰ ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ ..}تفسير : [الأعراف: 142]. ثم يقول: {أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَّوْعِدِي} [طه: 86]. وما دام أن عهدي بكم قريب لا يحدث فيه النسيان، فلا بُدَّ أنكم تريدون العصيان، وتبغُون غضب الله، وإلاّ فالمسألة لا تستحق، فبمجرد أنْ أغيبَ عنكم تنتكسون هذه النكسة، وإن كان هذا حال القوم ورسولُهم ما زال بين أظهرهم، فما بالهم بعد موته؟ لذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : أذلك وأنا بين ظَهْرانيكم؟ ". تفسير : أي: ما هذا الذي يحدث منكم، وأنا ما زلت موجوداً بينكم؟ وقوله: {فَأَخْلَفْتُمْ مَّوْعِدِي} [طه: 86] وفي آية أخرى قال: {أية : بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِيۤ ..}تفسير : [الأعراف: 150] فكأنه كان له معهم وَعْد وكلام، فقد أوصاهم قبل أن يُفارقهم أنْ يسلكوا طريق هارون، وأن يطيعوا أوامره إلى أنْ يعود إليهم، فهارون هو الذي سيخلفه من بعده في قومه، وهو شريكه في الرسالة، وله مهابة الرسول وطاعته واجبة. هذا هو الوَعْد الذي أخلفوه مع نبيهم موسى - عليه السلام -.