٢٠ - طه
20 - Ta-Ha (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
87
Tafseer
المحلي و السيوطي
تفسير : {قَالُواْ مَآ أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا } مثلث الميم أي بقدرتنا أو أمرنا {وَلَٰكِنَّا حُمِّلْنَآ } بفتح الحاء مخففاً، وبضمها وكسر الميم مشدّداً {أَوْزَاراً } أثقالاً {مِّن زِينَةِ ٱلْقَوْمِ } أي حلي قوم فرعون استعارها منهم بنو إسرائيل بعلَّة عرس فبقيت عندهم {فَقَذَفْنَٰهَا } طرحناها في النار بأمر السامريّ {فَكَذَٰلِكَ } كما ألقينا {أَلْقَى ٱلسَّامِرِىُّ } ما معه من حليهم ومن التراب الذي أخذه من أثر حافر فرس جبريل على الوجه الآتي.
ابن عبد السلام
تفسير : {بِمَلْكِنَا} بطاقتنا، أو بملك أنفسنا عند البلية التي وقعت بنا، أو لم يملك المؤمنون منع السفهاء من ذلك، وعدهم أربعين ليلة فعدوا عشرين يوماً وظنوا أنهم أكملوا الميعاد بالليالي وأوهمهم السامري ذلك. {أَوْزَاراً} أثقالاً من زينة {الْقَوْمِ} قوم فرعون لأن موسى أمرهم أن يستعيروا حليهم.
الخازن
تفسير : {قالوا ما أخلفنا موعدك بملكنا} أي بملك أمرنا، وقيل باختيارنا وذلك أن المرء إذا وقع في الفتنة لم يملك نفسه {ولكنا حملنا أوزاراً من زينة القوم} أي حملنا مع أنفسنا ما كان قد استعرناه من قوم فرعون، والأوزار الأثقال سميت أوزاراً لكثرتها وثقلها وقيل الأوزار الآثام، أي حملنا آثاماً وذلك أن بني إسرائيل استعاروا حلياً من القبط ولم يردوها وبقيت معهم إلى حين خروجهم من مصر وقيل إن الله لما أغرق فرعون نبذ البحر حليهم فأخذها بنو إسرائيل فكانت غنيمة ولم تكن الغنائم تحل لهم {فقذفناها} أي ألقيناها قيل إن السامري قال لهم احفروا حفيرة وألقوها فيها حتى يرجع موسى فيرى رأيه فيها. وقيل إن هارون أمرهم بذلك ففعلوا {فكذلك ألقى السامري} أي ما كان معه من الحلي فيها، قال ابن عباس: أوقد هارون ناراً وقال اقذفوا ما معكم فيها، وقيل إن هارون مر على السامري وهو يصوغ العجل فقال له ما هذا قال أصنع ما ينفع ولا يضر فادع لي. فقال هارون اللهم اعطه ما سألك على ما في نفسه. فألقى السامري ما كان معه من تربة حافر فرس جبريل في فم العجل وقال كن عجلاً يخور فكان كذلك. بدعوة من هارون فذلك قوله تعالى {فأخرج لهم عجلاً جسداً له خوار} اختلفوا هل كان الجسد حياً أم لا على قولين أحدهما لا لأنه لا يجوز إظهار خرق العادة على يد ضال بل السامري صور صورة على شكل العجل وجعل فيه منافذ ومخاريق بحيث إذا دخل فيها الريح صوت كصوت العجل. الثاني: أنه صار حياً وخار كما يخور العجل {فقالوا هذا إلهكم وإله موسى} يعني قال ذلك السامري ومن تابعه من افتتن به. وقيل عكفوا عليه وأحبوه حباً لم يحبوا شيئاً قط مثله {فنسي} قيل هو إخبار عن قول السامري أي إن موسى نسي إلهه وتركه ها هنا وذهب يطلبه. وقيل معناه أن موسى إنما طلب هذا ولكنه نسيه وخالفه في طريق آخر فأخطأ الطريق وضل. وقيل هو من كلام الله تعالى وكأنه أخبر عن السامري أنه نسي الاستدلال على حدوث الأجسام وأن الإله لا يحل في شيء. ولا يحل فيه شيء ثم بين سبحانه وتعالى المعنى الذي يجب الاستدلال به فقال {أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولاً} أي إن العجل لا يرد لهم جواباً إذ دعوه ولا يكلمهم {ولا يملك لهم ضراً ولا نفعاً} هذا توبيخ لهم إذ عبدوا ما لا يملك ضر من ترك عبادته ولا ينفع من عبده وكان العجل فتنة من الله تعالى ابتلى به بني إسرائيل. قوله عز وجل {ولقد قال لهم هارون من قبل} أي من قبل رجوع موسى {يا قوم إنما فتنتم به} أي ابتليتم بالعجل {وإن ربكم الرحمن فاتبعوني} على ديني في عبادة الله {وأطيعوا أمري} يعني في ترك عبادة العجل. اعلم أن هارون عليه السلام سلك في هذا الوعظ أحسن الوجوه لأنه زجرهم أولاً عن الباطل بقوله {إنما فتنتم به} ثم دعا إلى معرفة الله تعالى بقوله {إن ربكم الرحمن} ثم دعاهم إلى معرفة النبوة بقوله {فاتبعوني} ثم دعاهم إلى الشرائع بقوله {وأطيعوا أمري} فهذا هو الترتيب الجيد لأنه لا بد من إماطة الأذى عن الطريق وهي إزالة الشبهات ثم معرفة الله فإنها هي الأصل ثم النبوة ثم الشريعة. وإنما قال وإن ربكم الرحمن فخص هذا الموضع بهذا الاسم لأنه ينبههم على أنهم متى تابوا قبل الله توبتهم لأنه هو التواب الرحيم فقابلوا هذا القول بالإصرار والجحود {قالوا لن نبرح} يعني لن نزال {عليه} يعني على عبادة العجل {عاكفين} يعني مقيمين {حتى يرجع إلينا موسى} كأنهم قالوا لن نقبل حجتك ولا نقبل إلا قول موسى فاعتزلهم هارون ومعه اثنا عشر ألفاً الذين لم يعبدوا العجل. فلما رجع موسى سمع الصياح والجلبة وكانوا يرقصون حول العجل فقال للسبعين الذين معه هذا صوت الفتنة، فلما رأى هارون أخذ شعر رأسه بيمينه ولحيته بشماله و{قال} له {يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا} أي أشركوا {ألا تتبعن} أي تتبع أمري ووصيتي وهلا قاتلتهم وقد علمت أني ولو كنت فيهم لقاتلتهم على كفرهم، وقيل معناه ما منعك من اللحوق بي وإخباري بضلالتهم فتكون مفارقتك إياهم زجراً لهم عما أتوه {أفعصيت أمري} يعني خالفت أمري {قال يا بن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي} يعني بشعر رأسي وكان قد أخذ بذؤابتيه {إني خشيت أن تقول} يعني لو أنكرت عليهم لصاروا حزبين يقتل بعضهم بعضاً فتقول {فرقت بين بني إسرائيل} يعني خشيت إن فارقتهم واتبعتك أن يصيروا أحزاباً فيتقاتلون، فتقول فرقت بني إسرائيل {ولم ترقب قولي} يعني لم تحفظ وصيتي حين قلت لك اخلفني في قومي أصلح وأرفق بهم ثم أقبل موسى على السامري {قال فما خطبك} يعني فما أمرك وشأنك وما الذي حملك على ما صنعت {يا سامري قال} يعني السامري {بصرت بما لم يبصروا به فقبضت قبضة من أثر الرسول} يعني من تراب حافر فرس جبريل {فنبذتها} يعني فقذفتها في فم العجل فخار. فإن قلت كيف عرف السامري جبريل ورآه من بين سائر النار. قلت ذكروا فيه وجهين. أحدهما: أن أمه ولدته في السنة التي كان يقتل فيها البنون فوضعته في كهف حذراً عليه من القتل فبعث الله إليه جبريل ليربيه لما قضى الله على يديه من الفتنة. الوجه الثاني: أنه لما نزل جبريل إلى موسى ليذهب به إلى الطور رآه السامري من بين سائر الناس، فلما رآه قال إن لهذا لشأناً فقبض القبضة من أصل تربة أثر موطئه، فلما سأله موسى قال قبضت قبضة من أثر الرسول إليك يوم جاء للميعاد. وقيل رآه يوم فلق البحر فأخذ القبضة وجعلها في عمامته لما يريد الله أن يظهره من الفتنة على يديه وهو قوله {وكذلك سولت} يعني زينت {لي نفسي} وقيل إنه من السؤال والمعنى أنه لم يدعني إلى فعلة غيري واتبعت فيه هواي.
البقاعي
تفسير : ولما تشوف السامع إلى جوابهم، استأنف ذكره فقال: {قالوا}: لم يكن شيء من ذلك. ولما كان المقصود من هذا السياق كله إظهار عظيم القدرة، عبر عن ذلك بقوله، حكاية عنهم للاعتراف بما قررهم موسى عليه السلام به من العناد معتذرين عنه بالقدرة، والاعتذار به لا يدفع العقوبة المرتبة على الذنب: {ما أخلفنا موعدك بملكنا} أي لقد صدقت فيما قلت، ولكنا لم نفعل ذلك ونحن بملك أمرنا - هذا على قراءة الجماعة بالكسر، وعلى قراءة نافع وعاصم بالفتح المعنى: ولنا ملكة نتصرف بها في أنفسنا، وعلى قراءة حمزة والكسائي بالضم كأنهم قالوا: ولنا سلطان قاهر لأمورنا - على أنهم قد ذكروا أن القراءات الثلاث لغات لمعنى واحد، قال في القاموس: ملكه يملكه ملكاً مثلثة: احتواه قادراً على الاستبداد به، والمعنى أن السامري زين لهم ذلك، ووسوس به الشيطان فما دورا إلا وقد تبعوه حتى كانوا كأنهم يقادون إليه بالسلاسل، وقيل هذا كلام من لم يعبده، اعتذروا بأنهم كانوا قليلاً، لا قدرة لهم على مقاومة من عبده، وهذا كله إشارة إلى أنه تعالى هو المتصرف في القلوب، فهو قادر على أن يرد كفار قريش والعرب من بعد عنادهم، ولددهم وفسادهم {ولكنا} كنا {حملنا أوزاراً} أي أثقالاً من النقدين هي أسباب الآثام، كما تقدم في الأعراف أن الله أمرهم في التوراة أن يستعيروها من القبط فخربوهم بها، وكأن هذا ما كان خيانة في ذلك الشرع، أو أن الله تعالى أباح لهم ذلك في القبط خاصة {من زينة القوم} الذين لم نكن نعرف قوماً غيرهم، وغيرهم ليس حقيقاً بإطلاق هذا اللفظ عليه وهم القبط، فقضى لنا أن نقذفها في النار، وتوفرت الدواعي على ذلك واشتدت بحيث لم نتمالك {فقذفناها فكذلك} أي فتعقب هذا أنه مثل ذلك الإلقاء {ألقى السامري*} وهو لصيق انضم إليهم من قبط مصر، ألقى ما كان معه، أما من المال وإما من أثر الرسول، كما مضى ويأتي، وكأن إلقاءه كان آخراً. ولما كان خروج التمثال عقب إلقاءه، حعل كأنه المتسبب في ذلك، فقيل مع العدول عن أسلوب التكلم استهجاناً لنسبة أمر العجل إلى المتكلم: {فأخرج لهم} أي لمن شربه وعبده، وجعل الضمير للغيبة يؤيد قول من جعل هذا كلام من لم يعبد العجل، والمعنى عند من جعله من كلام العابدين أنهم دلوا بذلك على البراءة منه والاستقذار له. ولما كان شديد الشبه للعجول، قيل: {عجلاً} وقدم قوله: {جسداً} لنعرف أن عجليته صورة لا معنى - على قوله: {له خوار} لئلا يسبق إلى وهم أنه حي، فتمر عليه لمحة على اعتقاد الباطل {فقالوا} أي فتسبب عن ذلك أن السامري قال فتابعه عليه من أسرع في الفتنة أول ما رآه: {هذا} مشرين إلى العجل الذي هو على صورة ما هو مثل في الغباوة {إلهكم وإله موسى فَنَسِيَ} أي فتسبب عن أنه إلهكم أن موسى نسي - بعدوله عن هذا المكان - موضعه فذهب يطلبه في مكان غيره، أو نسي أن يذكره لكم. ولما كان هذا سبباً للإنكار على من قال هذا، قال: {أفلا يرون} أي أقالوا ذلك؟ فتسبب قولهم عن عماهم عن رؤية {أن} أي أنه {لا يرجع إليهم قولاً*} والإله لا يكون أبكم {ولا يملك لهم ضراً} فيخافوه كما كانوا يخافون فرعون فيقولوا ذلك خوفاً من ضره {ولا نفعاً*} فيقولوا ذلك رجاء له. ولما كان الذنب مع العلم أبشع، والضلال بعد البيان أشنع، قال عاطفاً على قوله {قال يا قوم ألم يعدكم} أو على قوله "قالوا ما أخلفنا": {ولقد قال لهم هارون} أي مع أن من لم يعبده لم يملكوا رد من عبده. ولما كان قولهم في بعض ذلك الزمان، قال: {من قبل} أي من قبل رجوع موسى، مستعطفاً لهم: {يا قوم} ثم حصر أمرهم ليجتمع فكرهم ونظرهم فقال: {إنما فتنتم} أي وقع اختباركم فاختبرتم في صحة إيمانكم وصدقكم فيه وثباتكم عليه {به} أي بهذا التمثال في إخراجه لكم على هذه الهيئة الخارقة للعادة. وأكد لأجل إنكارهم فقال: {وإن ربكم} أي الذي أخرجكم من العدم ورباكم بالإحسان {الرحمن} وحده الذي فضله عام ونعمه شاملة، فليس على البر ولا فاجر نعمة إلا وهي منه قبل أن يوجد العجل، وهو كذلك بعده. ومن رحمته قبول التوبة، فخافوا نزع نعمه بمعصيته، وارجوا إسباغها بطاعته {فاتبعوني} بغاية جهدكم في الرجوع إليه {وأطيعوا أمري*} في دوام الشرف بالخضوع لديه، ودوام الإقبال عليه، بدفع عنكم ضيره، ويفض عليكم خيره. ولما كان هذا موضع أن يسأل من جوابهم لهذا الأمر الواضح الذي لا غبار عليه، قيل: {قالوا} بفظاظة وجمود: {لن نبرح عليه} أي على هذا العجل {عاكفين} أي مقيمين مستديرين مجتمعين وإن حاربنا في ذلك {حتى يرجع إلينا موسى*} فدافعهم، فهمّوا به، وكان معظمهم قد ضل، فلم يكن معه من يقوى بهم، فخاف أن يجاهد بهم الكافرين فلا يفيد ذلك شيئاً، ويقتل بعضهم فيحمى له آخرون من ذوي رحمة الأقربين، فيصير بين بني إسرائيل فرقة يبعد ضم شتاتها وتلافي دهمائها، وكانوا قد غيوا الرجوع برجوع موسى عليه السلام مع أنه لم يأمره بجهاد من ضل، إنما قال له {أية : وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين تفسير : [الأعراف: 142] فرأى من الإصلاح اعتزلهم إلى أن يأتي، فلما ذكر ما قال هارون عليه السلام، التفتت النفس إلى علم ما قال له موسى عليه السلام لأنه خليفته عليهم، مع كونه راساً في نفسه، فدفع هذا العناء بقوله، مسقطاً أخذه برأس أخيه لما تقدم من ذكره ويأتي هنا من الدلالة عليه، ولم تدع إليه ضرورة في هذه السورة التي من أعظم مقاصدها الدلالة على تليين القلوب: {قال} أي موسى: {يا هارون} أنت نبي الله وأخي ووزيري وخليفتي فأنت أولى الناس بأن ألومه، وأحقهم بأن أعاتبه {ما منعك إذ} أي حين {رأيتهم ضلوا*} عن طريق الهدى، واتبعوا سبيل الردى، من اتباعي في سيرتي فيهم من الأخذ على يد الظالم طوعاً أو كرهاً، اتباعاً لا تزيغ فيه عما نهجته لك بوجه من الوجوه شيئاً من زيغ، وعبر عن هذا التأكيد بزيادة "لا" في قوله: {ألاَّ تتبعن} كما تقدم غير مرة أن النافي إذا زيد في الكلام كان نافياً لضد مضمونه فيفيد إثباتاً للمضون ونفياً لضده، فيكون ذلك في غاية التأكيد {أفعصيت} أي أتكبرت عن اتباعي فتسبب عن ذلك أنك عصيت {أمري*} وأخذ بلحيته وبرأسه يجره إليه غضباً لله تعالى، فكأنه قيل: ما قال له؟ فقيل: {قال} مجيباً له مستعطفاً بذكر أول وطن ضمهما بعد نفخ الروح مع ما له من الرقة والشفقة: {يبنؤم} فذكره بها خاصة وإن كان شقيقه لأنه يسوءها ما يسوءه، وهي أرق من الأب {لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي} أي بشعره؛ ثم علل ذلك بقوله: {إني خشيت أن تقول} إن اشتددت عليهم حتى يصل الأمر إلى القتال {فرقت بين بني إسرائيل} بفعلك هذا الذي لم يُجْدِ شيئاً لقلة من كان معك وضعفكم عن ردهم {ولم ترقب قولي*} {اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين} ولم تقل وارددهم ولو أدى الأمر إلى السيف، وهذا كما كان النبي صلى الله عليه وسلم مأموراً بالصفح والحلم والمدافعة باللين عند ضعف الناصر وقلة المعين.
ابو السعود
تفسير : {قَالُواْ مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ} أي وعدَنا إياك الثباتَ على ما أمرتَنا به، وإيثارُه على أن يقال: موعدَنا على إضافة المصدرِ إلى فاعله لما مر آنفاً {بِمَلْكِنَا} أي بأن ملَكنا أمورَنا يعنون أنا لو خُلّينا وأمورَنا ولم يسوّل لنا السامريُّ ما سوله مع مساعدة بعضِ الأحوالِ لما أخلفناه، وقرىء بمِلْكنا بكسر الميم وضمِّها والكلُّ لغاتٌ في مصدر ملَكتُ الشيءَ {وَلَـٰكِنَّا حُمّلْنَا أَوْزَاراً مّن زِينَةِ ٱلْقَوْمِ} استدراكٌ عما سبق واعتذارٌ عما فعلوا ببـيان منشأ الخطأ، وقرىء حَمَلنا بالتخفيف أي حمَلْنا أحمالاً من حُليِّ القِبْط التي استعرناها منهم حين هممنا بالخروج من مصرَ باسم العُرس، وقيل: كانوا استعاروها لعيد كان لهم ثم لم يردّوها إليهم عند الخروجِ مخافةَ أن يقفوا على أمرهم، وقيل: هي ما ألقاه البحرُ على الساحل بعد إغراقهم فأخذوها، ولعل تسميتهم لها أوزاراً لأنها تبعاتٌ وآثامٌ حيث لم تكن الغنائمُ تحِلّ حينئذ {فَقَذَفْنَاهَا} أي في النار رجاءً للخلاص عن ذنبها {فَكَذَلِكَ} أي فمثلَ ذلك القذف {أَلْقَى ٱلسَّامِرِىُّ} أي ما كان معه منها وقد كان أراهم أنه أيضاً يُلقي ما كان معه من الحُليّ فقالوا ما قالوا على زعمهم، وإنما كان الذي ألقاه التربةَ التي أخدها من أثر الرسولِ كما سيأتي، روي أنه قال لهم: إنما تأخر موسى عنكم لما معكم من الأوزار فالرأي أن نحفِرَ حفيرةً ونسجّر فيها ناراً ونقذفَ فيها كلَّ ما معنا ففعلوا.
القشيري
تفسير : قالوا لم نكن في ابتداءِ حالِنا قاصدين إلى ما حَصَلَ مِنَّا، ولا عالمين بما آلَتْ إليه عاقبةُ حالِنَا، وإن الذي حملنا من حُلِيِّ القبط صاغَ السامريُّ منه العجلَ.. وكذلك الحرامُ من حطام الدنيا لا يخلو من شؤمِ أثره. فلقد كانت الغنيمة وأموال المشركين حراماً عليهم، فاستعاروا الحليَّ من القبط، وآل إليهم ما كان في أيديهم من الملْكِ، فكان سبب عبادتهم العِجْل.. كذلك مَنْ انهمك في طلب الدنيا من غير وجهِ حلالٍ يكون على خَطَرٍ من رِقَّةِ دِينهِ، قال تعالى: {أية : أَفَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ}تفسير : [الجاثية: 23].
اسماعيل حقي
تفسير : {قالوا ما اخلفنا موعدك} اى وعدنا اياك الثبات على ما امرتنا به {بملكنا} اى بقدرتنا واختيارنا لكن غلبنا من كيد السامرى وتسويله وذلك ان المرء اذا وقع فى البلية والفتنة لم يملك نفسه ويكون مغلوبا والملك القدرة {ولكنا حملنا اوزارا من زينة القوم} جمع وزر بالكسر بمعنى الحمل الثقيل اى احمالا من حلى القبط الى استعرناها منهم حين هممنا بالخروج من مصر باسم العرس {فقذفناها} اى طرحنا الحلى فى النار رجاء للخلاص من ذنبها {فكذلك} اى مثل ذلك القذف {القى السامرى} اى ما معه من الحلى وقد كان اراهم انه ايضا يلقى ما كان معه من الحلى فقالوا ما قالوا على زعمهم وانما كان الذى القاه التربة التى اخذها من اثر فرس الحياة وكان لا يخالط شيئا الا غيره وهو من الكرامة التى خصها الله بروح القدس.
الجنابذي
تفسير : {قَالُواْ مَآ أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا} قرئ بفتح الميم وضمّها وكسرها والثّلاثة مصادر ملك يعنى لو خُلّينا ومالكيّتنا واختيارنا لما اخلفنا لكنّ السّامرىّ بتسويله اخذ منّا تملّكنا واختيارنا {وَلَـٰكِنَّا حُمِّلْنَآ} قرئ بضمّ الحاء وتشديد الميم وفتحها وتخفيف الميم {أَوْزَاراً مِّن زِينَةِ ٱلْقَوْمِ} يعنى حمّلنا اثقالاً هى بعض من حلّى القبط الّتى استعرناها للعرس او للعيد ثمّ خرجنا من دون ردّها او اخذناها ممّا القاه البحر على السّاحل بعد غرقهم، او حمّلنا اثقالاً وآثاماً لاجل حلىّ القوم الّتى اعرناها وخُنّا فى عدم ردّها فخدعنا بسبب الخيانة عن ادياننا فسألنا السّامرىّ ان نقذفها فى النّار ليصنع لنا الهاً {فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ} اى مثل القائنا الحلىّ فى النّار {أَلْقَى ٱلسَّامِرِيُّ} ما معه لنظنّ انّه منّا، او كذلك القى السّامرىّ قبلنا لنتّبعه فاتّبعناه، والقينا، وقيل: انّه كلام من الله معطوف على كلامهم ويؤيّده قوله تعالى {فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَداً}.
اطفيش
تفسير : {قال ما أخْلفنا مَوْعدكَ بمَلْكِنَا} باختيارنا الذى ملكناه، بل بوسوسة السامرى، وقرأ عمر بملكنا بفتح الميم واللام، قال أبو حيان: سلطاننا، واستظهر هو أن الملك بضم الميم وفتحها وكسرها، وأسكان اللام فيهن بمعنى، وقال أبو على: معنى المضموم أنه لم يكن لنا ملك فنخلف موعدك بسلطانه، وهو قراءة حمزة والكسائي والحسن، والأعمش وطلحة، وابن أبى ليلى وقعنب، المفتوح مصدر ملك، والمعنى ما فعلنا ذلك بأن ملكنا للصواب، ووفقنا له وكثر استعمال المكسورة فيما تملك اليد، وتحوزه، لكن يستعمل في الأمور التي يبرمها الإنسان، والمعنى عليه كالمفتوح، والمصدر في هذين مضاف الى الفاعل، ويقدر المفعول أى بملكنا الصواب، وبينوا منشأ خطئهم بقوله: {ولكنَّا حُمِّلنا أوزْراً من زينة القَوْم} القبط، والأوزار الأحمال، وهى ما استعاروه منهم لزينة العيد او العرس، أو ما ألقاه البحر على الساحل، وهو بعيد لكن الله قادر على إلقائه، وسميت أوزاراً لأنها تلبس فخراً وخيلاء، وترفعاً على الفقراء، أو لأنها سبب عباد العجل، إذ صور به، أو لأنه في حكم الغنيمة، فتجمع فينزل عليها ناراً، وشبهها فتفنيه، وهذا من إضلال السامرى، ويبحث فى ذلك قوله تعالى: " أية : وأورثناها بنى إسرائيل" تفسير : [الشعراء: 59] وأما قوله تعالى: "أية : من حليهم" تفسير : [الأعراف: 148] فلا نص فيه على أنها حلت لهم لجواز أن تضاف إليهم، لأنها في أيديهم، وقد أمرهم موسى باستعارة الحلى والدواب من القبط، ولعل موسى أبقى الحلى في أيديهم، لينظر ما يؤمر به فيه، فيصيغ به عجل أو حل لهم تملكه، لأنه لا يوجد مالكه، ولا وارثه، وإن وجد فى النساء والضعفاء والصبيان، ففى رده بعد، إذ يبعد الوصول إليهم كل واحد بماله، وأن ذلك ليس بحكم الغنيمة. {فقذفناها} طرحناها في النار لتذوب وتصاغ عجلاً، وذلك في حفرة على قالب عجل، وقيل: القنياها عن أنفسنا وأولادنا وهو ضعيف {فَكَذلك} أى مثل إلقائنا في النار ما معنا من ذلك {ألقى السَّامرى} ما معه من ذلك فيها وفى داخلها قالب عجل يريهم أنه ليس يخص نفسه عنهم، وزاد ما معه من أثر الرسول قيل: أو أرادوا ألقى التربة من أثر الرسول، ولذلك غيروا الأسلوب، ولم يقولوا فقذفناها، وقذف السامرى ما معه منها، وأما تغيير الأسلوب بأن قالوا ألقى، ولم يقولوا قذف من حيث إن القذف يناسب الجرم المجتمع لا التراب، فقد قيل به، إلى أنه ضعيف أيضاً، ويقال: قال لهم تأخر موسى للحلى الحرام الذى معكم، فاحفروا في الأرض حفرة، واسجروها ناراً، وألقوه فيه، ففعلوا، وقد ألقى فيها قالب عجل، ويقال ألقى هارون أيضاً، وما يدرى ما أراد السامرى. وروى أنه وجده هارون يعمل فقال: ما تعمل فقال عمل ما ينفع، ولا يضر فادع الله أن يتمه، فدعا هارون، ولم يدر ما هو، وروى أن هارون قال اجمعوا هذه الحلى حتى يجيء موسى فجمع وأذيب، فالتقى السامرى عليه القبضة وقال: كن عجلا بإذن الله.
الالوسي
تفسير : {قَالُواْ مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ } أي وعدنا إياك الثبات على دينك، وإيثاره على أن يقال موعدنا على إضافة المصدر إلى فاعله لما مر آنفاً. {بِمَلْكِنَا } بأن ملكنا أمرنا يعنون أنا ولو خلينا وأنفسنا ولم يسول لنا السامري ما سوله مع مساعدة بعض الأحوال لما أخلفناه. وقرأ بعض السبعة {بملكنا } بكسر الميم. وقرأ الأخوان والحسن والأعمش وطلحة وابن أبـي ليلى وقعنب بضمها. وقرأ عمر رضي الله عنه {بملكنا } بفتح الميم واللام قال في «البحر»: أي بسلطاننا، واستظهر أن الملك بالضم والفتح والكسر بمعنى. وفرق أبو علي فقال: معنى المضمون أنه لم يكن لما ملك فنخلف موعدك بسلطانه وإنما أخلفناه بنظر أدى إليه ما فعل السامري، والكلام على حد قوله تعالى: {أية : لاَ يَسألونَ النَّاسَ إلْحَافاً } تفسير : [البقرة: 273] وقول ذي الرمة: شعر : لا تشتكي سقطة منها وقد رقصت بها المفاوز حتى ظهرها حدب تفسير : ومفتوح الميم مصدر ملك، والمعنى ما فعلنا ذلك بأن ملكنا الصواب ووفقنا له بل غلبتنا أنفسنا ومكسور / الميم كثر استعماله فيما تحوزه اليد ولكنه يستعمل في الأمور التي يبرمها الإنسان، والمعنى عليه كالمعنى على المفتوح الميم، والمصدر في هذين الوجهين مضاف إلى الفاعل والمفعول مقدر أي بملكنا الصواب. {وَلَـٰكِنَّا حُمّلْنَا أَوْزَاراً مّن زِينَةِ ٱلْقَوْمِ } استدراك عما سبق واعتذار عما فعلوا ببيان منشأ الخطأ، والمراد بالقوم القبط والأوزار الأحمال وتسمى بها الآثام، وعنوا بذلك ما استعاروه من القبط من الحلي برسم التزين في عيد لهم قبيل الخروج من مصر كما أسلفنا. وقيل: استعاروه باسم العرس. وقيل: هو ما ألقاه البحر على الساحل مما كان على الذين غرقوا، ولعلهم أطلقوا على ذلك الأوزار مراداً بها الآثام من حيث إن الحلي سبب لها غالباً لما أنه يلبس في الأكثر للفخر والخيلاء والترفع على الفقراء، وقيل: من حيث إنهم أثموا بسببه وعبدوا العجل المصوغ منه، وقيل من حيث إن ذلك الحلي صار بعد هلاك أصحابه في حكم الغنيمة ولم يكن مثل هذه الغنيمة حلالاً لهم بل ظاهر الأحاديث الصحيحة أن الغنائم سواء كانت من المنقولات أم لا لم تحل لأحد قبل نبينا صلى الله عليه وسلم، والرواية السابقة في كيفية الإضلال توافق هذا التوجيه إلا أنه يشكل على ذلك ما روي من أن موسى عليه السلام هو الذي أمرهم بالاستعارة حتى قيل: إن فاعل التحميل في قولهم {حُمّلْنَا } هو موسى عليه السلام حيث ألزمهم ذلك بأمرهم بالاستعارة وقد أبقاه في أيديهم بعد هلاك أصحابه وأقرهم على استعماله فإذا لم يكن حلالاً فكيف يقرهم، وكذا يقال على القول بأن المراد به ما ألقاه البحر على الساحل، واحتمال أن موسى عليه السلام نهى عن ذلك وظن الامتثال ولم يطلع على عدمه لإخفاء الحال عنه عليه السلام مما لا يكاد يلتفت إلى مثله أصلاً لا سيما على رواية أنهم أمروا باستعارة دواب من القوم أيضاً فاستعاروها وخرجوا بها. وقد يقال: إن أموال القبط مطلقاً بعد هلاكهم كانت حلالاً عليهم كما يقتضيه ظاهر قوله تعالى: {أية : فَأَخْرَجْنَـٰهُمْ مّن جَنَّـٰتٍ وَعُيُونٍ * وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَـٰهَا بَنِى إِسْرٰءيلَ } تفسير : [الشعراء: 57ـ59] وقد أضاف سبحانه الحلى إليهم في قوله تعالى: {أية : وَٱتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَىٰ مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيّهِمْ عِجْلاً جَسَداً } تفسير : [الأعراف: 148] وذلك يقتضي بظاهره أن الحلي ملك لهم ويدعي اختصاص الحل فيما كان الرد فيه متعذراً لهلاك صاحبه ومن يقوم مقامه، ولا ينافي ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبليتفسير : لجواز أن يكون المراد به أحلت لي الغنائم على أي وجه كانت ولم تحل كذلك لأحد قبلي ويكون تسميتهم ذلك أوزاراً إما لما تقدم من الوجه الأول والثاني وإما لظنهم الحرمة لجهلهم في أنفسهم أو لإلقاء السامري الشبهة عليهم، وقيل: إن موسى عليه السلام أمره الله تعالى أن يأمرهم بالاستعارة فأمرهم وأبقى ما استعاروه بأيديهم بعد هلاك أصحابه بحكم ذلك الأمر منتظراً ما يأمر الله تعالى به بعد. وقد جاء في بعض الأخبار ما يدل على أن الله سبحانه بين حكمه على لسان هٰرون عليه السلام بعد ذهاب موسى عليه السلام للميقات كما سنذكره قريباً إن شاء الله تعالى فتأمل ذاك والله تعالى يتولى هداك. والجار والمجرور يحتمل أن يكون متعلقاً بحملنا وأن يكون متعلقاً بمحذوف وقع صفة لأوزاراً، ولا يتعين ذلك بناء على قولهم: إن الجمل والظروف بعد النكرات صفات وبعد المعارف أحوال لأن ذلك ليس على إطلاقه. وقرأ الأخوان وأبو عمرو وابن محيصن {حملنا } بفتح الحاء والميم وأبو رجاء {حملنا } بضم الحاء وكسر الميم من غير تشديد. {فَقَذَفْنَاهَا } أي طرحناها في النار كما تدل عليه الأخبار، وقيل: أي ألقيناها / على أنفسنا وأولادنا وليس بشيء أصلاً {فَكَذَٰلِكَ } أي فمثل ذلك {أَلْقَى ٱلسَّامِرِىُّ } أي ما كان معه منها قيل كأنه أراهم أنه أيضاً يلقي ما كان معه من الحلي فقالوا ما قالوا على زعمهم وإنما كان الذي ألقاه التربة التي أخذها من أثر الرسول كما سيأتي إن شاء الله تعالى. وقيل: إنه ألقى ما معه من الحلي وألقي مع ذلك ما أخذه من أثر الرسول كأنهم لم يريدوا إلا أنه ألقى ما معه من الحلي، وقيل: أرادوا القى التربة، وأيده بعضهم بتغيير الأسلوب إذ لم يعبر بالقذف المتبادر منه أن ما رماه جرم مجتمع وفيه نظر، وقد يقال: المعنى فمثل ذلك الذي ذكرناه لك ألقى السامري إلينا وقرره علينا وفيه بعد وإن ذكر أنه قال لهم: إنما تأخر موسى عليه السلام عنكم لما معكم من حلي القوم وهو حرام عليكم فالرأي أن نحفر حفيرة ونسجر فيها ناراً ونقذف فيها ما معنا منه ففعلوا وكان صنع في الحفيرة قالب عجل، وقد أخرج ابن اسحٰق وابن جرير وابن أبـي حاتم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه لما فصل موسى عليه السلام إلى ربه سبحانه قال لهم هٰرون عليه السلام: إنكم قد حملتم أوزاراً من زينة القوم إلى فرعون وأمتعة وحلياً فتطهروا منها فإنها رجس وأوقد لهم ناراً فقال لهم: اقذفوا ما معكم من ذلك فيها فجعلوا يأتون بما معهم فيقذفونه فيها فجاء السامري ومعه تراب من أثر حافر فرس جبريل عليه السلام وأقبل إلى النار فقال لهٰرون عليه السلام: يا نبـي الله أألقي ما في يدي؟ فقال: نعم ولا يظن هٰرون عليه السلام إلا أنه كبعض ما جاء به غيره من ذلك الحلي والأمتعة فقذفه فيها فقال: كن عجلاً جسداً له خوار فكان للبلاء والفتنة. وأخرج عبد بن حميد وابن أبـي حاتم عنه أيضاً أن بني إسرائيل استعاروا حلياً من القبط فخرجوا به معهم فقال لهم هٰرون بعد أن ذهب موسى عليهما السلام: اجمعوا هذا الحلي حتى يجيء موسى فيقضي فيه ما يقضي فجمع ثم أذيب فألقى السامري عليه القبضة.
ابن عاشور
تفسير : {قَالُواْ مَآ أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَـٰكِنَّا حُمِّلْنَآ أَوْزَاراً مِّن زِينَةِ ٱلْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا} وقعت جملة {قَالُوا} غير معطوفة لأنها جرت في المحاورة جواباً عن كلام موسى ــــ عليه السلام ــــ. وضمير {قَالُوا} عائد إلى {القوم} وإنما القائل بعضهم، تصدّوا مجيبين عن القوم كلّهم وهم كبراء القوم وأهل الصلاح منهم. وقوله {بمَلْكنا} قرأه نافع، وعاصم، وأبو جعفر بفتح الميم. وقرأه ابن كثير، وابن عامر، وأبو عمرو، ويعقوب بكسر الميم. وقرأه حمزة، والكسائي، وخلف بضم الميم. وهي وجوه ثلاثة في هذه الكلمة، ومعناها: بإرادتنا واختيارنا، أي لإخلاف موعدك، أي ما تجرّأنا ولكن غرّهم السامريّ وغلبهم دهماء القوم. وهذا إقرار من المجيبين بما فعله دهماؤهم. والاستداك راجع إلى ما أفاده نفيُ أن يكون إخلافهم العهدَ عن قصد للضلال. والجملة الواقعة بعده وقعت بإيجاز عن حُصول المقصود من التنصّل من تبعة نكث العهد. ومحل الاستدراك هو قوله {فقالوا هذا إلهكم وإله موسى} وما قبله تمهيد له، فعطفت الجمل قبله بحرف الفاء واعتذروا بأنهم غُلبوا على رأيهم بتضليل السامريّ. فأُدمجت في هذا الاعتذار الإشارة إلى قضية صوغ العجل الذي عبدوه واغتروا بما مُوّه لهم من أنه إلههم المنشود من كثرة ما سمعوا من رسولهم أن الله معهم أو أمامهم، ومما جاش في خواطرهم من الطمع في رؤيته تعالى. وقرأ نافع، وابن كثير، وابن عامر، وحفص عن عاصم، ورويس عن يعقوب {حُمّلنا} بضمّ الحاء وتشديد الميم مكسورة، أي حَمّلنَا منْ حَمّلَنا، أو حَمّلْنا أنفسنا. وقرأ أبو بكر عن عاصم، وحمزة، وأبو عمرو، والكسائي، ورَوحٌ عن يعقوب بفتح الحاء وفتح الميم مخففة . والأوزار: الأثقال. والزينة: الحلي والمصوغ. وقد كان بنو إسرائيل حين أزمعوا الخروج قد احتالوا على القبط فاستعار كلّ واحد من جاره القبطي حَلياً فضةً وذهباً وأثاثاً، كما في الإصحاح 12 من سفر الخروج. والمعنى: أنهم خشُوا تلاشي تلك الزينة فارتأوا أن يصوغوها قطعة واحدة أو قطعتين ليتأتى لهم حفظها في موضع مأمون. والقذف: الإلقاء. وأُريد به هنا الإلقاء في نار السامريّ للصوغ، كما يومىء إليه الإصحاح 32 من سفر الخروج. فهذا حكاية جوابهم لموسى - عليه السلام - مجملاً مختصراً شأنَ المعتذر بعذر وَاهٍ أن يكون خجلان من عذره فيختصر الكلام. ظاهر حال الفاء التفريعية أن يكون ما بعدها صادراً من قائل الكلام المفرّع عليه. والمعنى: فمثلَ قذفنا زينةَ القوم، أي في النّار، ألقى السامريّ شيئاً من زينة القوم فأخرج لهم عجلاً. والمقصود من هذا التشبيه التخلّصُ إلى قصة صوغ العجل الذي عبدوه. وضميرا {فَأَخْرَجَ لَهُمْ} وقوله: {فَقَالُوا} عائدان إلى غير المتكلمين. علّق المتكلمون الإخرَاجَ والقولَ بالغائبين للدلالة على أن المتكلمين مع موسى لم يكونوا ممن اعتقد إلهية العجل ولكنهم صانعَوا دهماء القوم، فيكون هذا من حكاية قول القوم لموسى. وعلى هذا درج جمهور المفسرين، فيكون من تمام المعذرة التي اعتذر بها المجيبون لموسى، ويكون ضمير {فأخرج لهم} التفاتاً قصد القائلون به التبرّي من أن يكون إخراج العجل لأجلهم، أي أخرجَه لمن رغِبوا في ذلك. وجعل بعض المفسرين هذا الكلام كلّه من جانب الله، وهو اختيار أبي مسلم، فيكون اعتراضاً وإخباراً للرسول - صلى الله عليه وسلم - وللأمّة. وموقع الفاء يناكد هذا لأنّ الفاء لا تَرِد للاستئناف على التحقيق، فتكون الفاء للتفريع تفريعَ أخبار على أخبار. والمعنى: فمثل ذلك القذف الذي قذفنا ما بأيدينا من زينة القوم ألقى السامريّ ما بيده من النّار ليَذوب ويصوغها فأخرج لهم من ذلك عجلاً جسداً. فإنّ فعل (ألقى) يحكي حالة مشبهة بحالة قَذفهم مصوغَ القبط. والقذف والإلقاء مترادفان، شبه أحدهما بالآخر. والجسد: الجسم ذو الأعضاء سواء كان حياً أم لا؛ لقوله تعالى: {أية : وألْقينا على كرسيه جسداً}تفسير : [ص: 34]. قيل: هو شِق طفل ولدتْه إحدى نسائه كما ورد في الحديث. قال الزجاج: الجسد هو الذي لا يَعقل ولا يميّز إنما هو الجثّة، أي أخرج لهم صورة عجل مجسّدة بشكله وقوائمه وجوانبه، وليس مجرد صورة منقوشة على طبق من فضة أو ذهب. وفي سفر الخروج أنّه كان من ذهب. والإخْراج: إظهار ما كان محجوباً. والتعبير بالإخراج إشارة إلى أنّه صنعه بحيلة مستورة عنهم حتى أتمّه. والخُوار: صوت البقر. وكان الذي صنع لهم العجل عارفاً بصناعة الحِيل التي كانوا يصنعون بها الأصنام ويجعلون في أجوافها وأعناقها منافذ كالزمارات تخرج منها أصوات إذا أطلقت عندها رياح بالكير ونحوه. وصنع لهم السامريّ صنماً على صورة عجل لأنهم كانوا قد اعتادوا في مصر عبادة العجل «ايبيس»، فلما رأوا ما صاغه السامريّ في صورة معبود عرَفوه من قبل ورأوه يزيد عليه بأن له خواراً، رسخ في أوهامهم الآفنة أن ذلك هو الإله الحقيقي الذي عبّروا عنه بقولهم {هذا إلهكم وإله موسى}، لأنهم رأوه من ذهب أو فضة، فتوهموا أنّه أفضل من العجل (إيبيس). وإذ قد كانوا يثبتون إلهاً محجوباً عن الأبصار وكانوا يتطلبون رؤيته، فقالوا لموسى: {أية : أرنا الله جهرة}تفسير : [النساء: 153]، حينئذ توهموا أن هذه ضالتهم المنشودة. وقصة اتخاذهم العجل في كتاب التّوراة غير ملائمة للنظر السليم. وتفريع {فَنَسِى} يحتمل أن يكون تفريعاً على {فقالوا هذا إلهكم} تفريعَ علة على معلول، فالضمير عائد إلى السامريّ، أي قال السامري ذلك لأنه نسي ما كان تلقّاه من هدي؛ أو تفريعَ معلول على علّة، أي قال ذلك، فكان قوله سبباً في نسيانه ما كان عليه من هَدي إذ طبع الله على قلبه بقوله ذلك فحرمه التوفيق من بعدُ. والنسيان: مستعمل في الإضاعة، كقوله تعالى: {أية : قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها}تفسير : [طه: 126] وقوله: {أية : الذين هم عن صلاتهم ساهون}تفسير : [الماعون: 5]. وعلى هذا يكون قوله {فَنَسِيَ} من الحكاية لا من المحكي، والضمير عائد إلى السامريّ فينبغي على هذا أن يتصل بقوله {أية : أفلا يرون}تفسير : [طه: 89] ويكون اعتراضاً. وجعله جمع من المفسرين عائداً إلى موسى، أي فنسي موسى إلهكم وإلهه، أي غفل عنه، وذهب إلى الطور يفتّش عليه وهو بين أيديكم، وموقع فاء التفريع يبعد هذا التفسير. والنسيان: يكون مستعملاً مجازاً في الغفلة.
د. أسعد حومد
تفسير : {فَقَذَفْنَاهَا} (87) - فَرَدَّ بَنو إِسرائيلِ عَلَى قَوْلِ مُوسَى هذا: إِنَّهُمْ لَمْ يُخْلِفُوا مَوْعِدَهُ بِطَوْعِهِمْ وَاخْتِيَارِهِمْ (بِمَلْكِنَا)، وَلكِنَّهُمْ كَانُوا يَحْمِلُونَ حُلِيّاً اسْتَعَارُوهَا مِنَ القِبْطِ قَبْلَ خُرُوجِهِمْ مِنْ مِصْرَ، وَخَرَجُوا بِهَا وَهُمْ هَارِبُونَ، وَهُمْ يَتَوَرَّعُونَ عَنِ الاحْتِفَاظِ بِهَا، وَعَنِ الاسْتِفَادَةِ مِنْهَا، فَأَلْقُوهَا فِي حُفْرَةٍ (فَقَذَفْنَاهَا) وَأَضْرَمُوا النَّارَ فِيهَا، وَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ مَا مَعَهُ مِنْ حُلِيٍّ، وَصَنَعَ لَهُمْ مِنْ هذِهِ الحُلِيِّ، بَعْدَ إِذَابَتِهَا فِي النَّارِ، تِمْثَالاً عَلَى هَيْئَةِ عِجْلٍ. مَلْكِنا - مَقْدِرَتِنَا وَطَاقَتِنَا. أَوْزَاراً - أَثْقَالاً وَآثَاماً. مِنْ زِينَةِ القَوْمِ - مِنْ حُلِيِّ القِبْطِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : مادة "ملك" لها صور ثلاثة، لكل منها معنى، وليست بمعنى واحد كما يدَّعِي البعض، فتأتي مَلْك بفتح الميم، ومِلْك بكسرها، ومُلْك بضم الميم، وجميعها تفيد الحيازة والتملُّك، إلا أن مَلْك تعني تملك الإنسان لنفسه وذاته وإرادته، دون أنْ يملكَ شيئاً آخر مِمَّا حوله. ومِلْك: لتملك ما هو خارج عن ذاتك. ومُلْك: أنْ تملك شيئاً، وتملك مَنْ ملكه. إذن: هذه الثلاثة ليستْ مترادفات بمعنى واحد. فقوله تعالى: {قَالُواْ مَآ أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا ..} [طه: 87] أي: بإرادتنا، بل أمور أخرى خارجة عن إرادتنا حملتنا على إخلاف الوعد، فما هذه الأمور الخارجة عن إرادتكم؟ قالوا: {وَلَـٰكِنَّا حُمِّلْنَآ أَوْزَاراً مِّن زِينَةِ ٱلْقَوْمِ ..} [طه: 87] (أَوْزَاراً) جمع وِزْر، وهو الشيء الثقيل على النفس، ويطلق الوِزْر على الإثم؛ لأنه ثقيل على النفس ثِقَلاً يتعدىَ إلى الآخرة أيضاً، حيث لا ينتهي ألم الحمْل فيها؛ لذلك يقول تعالى: {أية : وَسَآءَ لَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ حِمْلاً}تفسير : [طه: 101]. وكانت هذه الأوزار من زينة القوم: أي: قوم فرعون. وقالوا إنهم كانوا في أعيادهم يستعيرون الحُليّ من جيرانهم ومعارفهم من قوم فرعون يتزيَّنون بها. فلماذا لم يردُّوا الأمانات هذه إلى أصحابها قبل أنْ يخرجُوا إلى الميقات الذي واعدهم عليه؟ قالوا: لأنهم أرادوا أنْ يُسِرُّوا ساعة خروجهم حتى لا يستعد لهم أعداؤهم، ويصدُّوهم عن الخروج فأعجلوا عن رَدِّها. وقال قوم: إن هذه الزينات والحليّ كانت مما قذف به البحر بعد أنْ غرق فرعون وقومه، لكن هذا القول مردود؛ لأنهم إنْ أخذوها بعد أنْ ألْقَى بها البحر فسوف تكون أسلاباً لا أوزاراً. ثم يقول تعالى: {فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى ٱلسَّامِرِيُّ} [طه: 87]. إذا أُطلِقَتْ الزينة تنصرف عادةً إلى الذهب، والقَذْف هو الرَّمْي بشدة، وكأن الرامي يتأفَف أنْ يحمل المرميّ، وفي ذلك دلالة على أن بني إسرائيل ما يزال عندهم خميرة إيمان، فتألموا وحزنوا لأنهم لم يردُّوا الأمانات إلى أهلها. لذلك دخل عليهم السامري من هذه الناحية، فأفهمهم: إنكم لن تبرأوا من هذه المعصية إلا أنْ ترمُوا بهذه الزينة في النار، وهو يقصد شيئاً آخر، هو أنْ ينصهر الذهب، ويُخرِج ما فيه من الشوائب {فَكَذَلِكَ أَلْقَى ٱلسَّامِرِيُّ} [طه: 87] أي: ألقى ما معه من الحُليّ، لكن فَرْق بين القَذْف والإلقاء، الإلقاء فيه لُطْف وتمهُّل، فهو كبيرهم ومُعلِّمهم. ثم يقول الحق سبحانه: {فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَداً لَّهُ خُوَارٌ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {مَآ أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا} يعني بِطَاقتَنا {وَلَـٰكِنَّا حُمِّلْنَآ أَوْزَاراً مِّن زِينَةِ ٱلْقَوْمِ} معناه حُمِّلنَا آثاماً مِن حُلى القِبطِ؛ فَقَذَفنَاها في الحُفرةِ.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: قالوا له: ما فعلنا الذي فعلنا عن تعمد منا، وملك منا لأنفسنا، ولكن السبب الداعي لذلك، أننا تأثمنا من زينة القوم التي عندنا، وكانوا فيما يذكرون استعاروا حليا كثيرا من القبط، فخرجوا وهو معهم وألقوه، وجمعوه حين ذهب موسى ليراجعوه فيه إذا رجع. وكان السامري قد بصر يوم الغرق بأثر الرسول، فسولت له نفسه أن يأخذ قبضة من أثره، وأنه إذا ألقاها على شيء حيي، فتنة وامتحانا، فألقاها على ذلك العجل الذي صاغه بصورة عجل، فتحرك العجل، وصار له خوار وصوت، وقالوا: إن موسى ذهب يطلب ربه، وهو هاهنا فنسيه، وهذا من بلادتهم، وسخافة عقولهم، حيث رأوا هذا الغريب الذي صار له خوار، بعد أن كان جمادا، فظنوه إله الأرض والسماوات. { أَفَلا يَرَوْنَ } أن العجل { لا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلا } أي: لا يتكلم ويراجعهم ويراجعونه، ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا، فالعادم للكمال والكلام والفعال لا يستحق أن يعبد وهو أنقص من عابديه، فإنهم يتكلمون ويقدرون على بعض الأشياء، من النفع والدفع، بإقدار الله لهم.
همام الصنعاني
تفسير : 1821- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة، في قوله: {مَآ أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا} [الآية: 87]، قال بطاقتنا.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):