Verse. 2442 (AR)

٢٠ - طه

20 - Ta-Ha (AR)

قَالَ يَبْنَـؤُمَّ لَا تَاْخُذْ بِلِحْيَتِيْ وَلَا بِرَاْسِيْ۝۰ۚ اِنِّىْ خَشِيْتُ اَنْ تَقُوْلَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِيْۗ اِسْرَاۗءِيْلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِيْ۝۹۴
Qala ya bna omma la takhuth bilihyatee wala birasee innee khasheetu an taqoola farraqta bayna banee israeela walam tarqub qawlee

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قال» هارون «يا ابن أم» بكسر الميم وفتحها أراد أمي وذكرها أَعْطَف لقلبه «لا تأخذ بلحيتي» وكان أخذها بشماله «ولا برأسي» وكان أخذ شعره بيمينه غضبا «إني خشيت» لو اتبعك ولا بد أن يتبعني جمع ممن لم يعبدوا العجل «أن تقول فرقت بين بني إسرائيل» وتغضب عليَّ «ولم ترقب» تنتظر «قولي» فيما رأيته في ذلك.

94

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {يَبْنَؤُمَّ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي} ابن عباس: أخذ شعره بيمينه ولحيته بيساره؛ لأن الغيرة في الله ملكته؛ أي لا تفعل هذا فيتوهموا أنه منك استخفاف أو عقوبة. وقد قيل: إن موسى عليه السلام إنما فعل هذا على غير استخفاف ولا عقوبة كما يأخذ الإنسان بلحية نفسه. وقد مضى هذا في «الأعراف» مستوفٍ. والله عز وجل أعلم بما أراد نبيه عليه السلام. {إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِيۤ إِسْرَآئِيلَ} أي خشيت أن أخرج وأتركهم وقد أمرتني أن أخرج معهم، فلو خرجت لاتبعني قوم ويتخلف مع العجل قوم؛ وربما أدّى الأمر إلى سفك الدماء؛ وخشيت إن زجرتهم أن يقع قتال فتلومني على ذلك. وهذا جواب هارون لموسى عليه السلام عن قوله: {أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي} وفي الأعراف {إِنَّ ٱلْقَوْمَ ٱسْتَضْعَفُونِي وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِي فَلاَ تُشْمِتْ بِيَ ٱلأَعْدَآءَ} [الأعراف: 150] لأنك أمرتني أن أكون معهم. وقد تقدم. ومعنى {وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي} لم تعمل بوصيتي في حفظهم لأنك أمرتني أن أكون معهم؛ قاله مقاتل. وقال أبو عبيدة: لم تنتظر عهدي وقدومي. فتركه موسى ثم أقبل على السامريّ فـ{قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يٰسَامِرِيُّ } أي، ما أمرك وشأنك، وما الذي حملك على ما صنعت؟ قال قتادة: كان السامريّ عظيماً في بني إسرائيل من قبيلة يقال لها سامرة، ولكن عدو الله نافق بعد ما قطع البحر مع موسى، فلما مرّت بنو إسرائيل بالعمالقة وهم يعكفون على أصنام لهم {أية : قَالُواْ يٰمُوسَىٰ ٱجْعَلْ لَّنَآ إِلَـٰهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ} تفسير : [الأعراف: 138] فاغتنمها السامريّ وعلم أنهم يميلون إلى عبادة العجل فاتخذ العجل. فـ{قَالَ} السامريّ مجيباً لموسى: {بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُواْ بِهِ} يعني: رأيت ما لم يروا؛ رأيت جبريل عليه السلام على فرس الحياة، فألقي في نفسي أن أقبض من أثره قبضة، فما ألقيته على شيء إلا صار له روح ولحم ودم؛ فلما سألوك أن تجعل لهم إلٰهاً زَيَّنَتْ لي نفسي ذلك. وقال عليّ رضي الله عنه: لما نزل جبريل ليصعد بموسى عليه السلام إلى السماء، أبصره السامريّ من بين الناس فقبض قبضة من أثر الفرس. وقيل قال السامري: رأيت جبريل على الفرس وهي تلقي خطوها مدّ البصر، فألقي في نفسي أن أقبض من أثرها فما ألقيته على شيء إلا صار له روح ودم. وقيل: رأى جبريل يوم نزل على رَمَكة وَدِيقٍ، فتقدم خيل فرعون في ورود البحر. ويقال: إن أم السامريّ جعلته حين وضعته في غارٍ خوفاً من أن يقتله فرعون؛ فجاءه جبريل عليه السلام، فجعل كفَّ السامريّ في فم السامريّ، فرضع العسل واللبن فاختلف إليه فعرفه من حينئذٍ. وقد تقدم هذا المعنى في «الأعراف». ويقال: إن السامريّ سمع كلام موسى عليه السلام، حيث عمل تمثالين من شمع أحدهما ثور والآخر فرس فألقاهما في النيل طلب قبر يوسف عليه السلام وكان في تابوت من حجر في النيل، فأتى به الثور على قرنه، فتكلم السامريّ بذلك الكلام الذي سمعه من موسى، وألقى القبضة في جوف العجل فخار. وقرأ حمزة والكسائي والأعمش وخلف «بِمَا لَمْ تَبْصُرُوا» بالتاء على الخطاب. الباقون بالياء على الخبر. وقرأ أبيّ بن كعب وابن مسعود والحسن وقتادة «فَقَبصْتُ قبصَةً» بصاد غير معجمة. وروي عن الحسن ضم القاف من «قبصة» والصاد غير معجمة. الباقون {فَقَبَضْتُ قَبْضَةً} بالضاد المعجمة. والفرق بينهما أن القبض بجميع الكفّ، والقبص بأطراف الأصابع، ونحوهما الخَضْم والقَضْم، والقُبْضة بضم القاف القدر المقبوض؛ ذكره المهدوي. ولم يذكر الجوهري «قُبْصة» بضم القاف والصاد غير معجمة، وإنما ذكر «القُبْضة» بضم القاف والضاد المعجمة وهو ما قبضت عليه من شيء؛ يقال: أعطاه قُبْضة من سَويق أو تمر أي كفاً منه، وربما جاء بالفتح. قال: والقِبضُ بكسر القاف والصاد غير المعجمة العدد الكثير من الناس؛ قال الكميت:شعر : لكم مسجدا اللَّهِ المُزوران والحَصَى لكم قبْصُهُ من بين أَثْرَي وأَقْتَرَى تفسير : {فَنَبَذْتُهَا} أي طرحتها في العجل. {وَكَذٰلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي} أي زينته؛ قاله الأخفش. وقال ابن زيد: حدثتني نفسي. والمعنى متقارب. قوله تعالى: {قَالَ فَٱذْهَبْ} أي قال له موسى فاذهب أي من بيننا {فَإِنَّ لَكَ فِي ٱلْحَيَاةِ أَن تَقُولَ لاَ مِسَاسَ} أي لا أُمسّ ولا أَمسّ طول الحياة. فنفاه موسى عن قومه وأمر بني إسرائيل ألاّ يخالطوه ولا يَقربوه ولا يكلّموه عقوبة له والله أعلم. قال الشاعر: شعر : تَميمٌ كرهط السّامريّ وقوله ألاَ لا يريدُ السامريّ مِساسَا تفسير : قال الحسن: جعل الله عقوبة السامريّ ألا يماسّ الناس ولا يماسّوه عقوبة له ولمن كان منه إلى يوم القيامة؛ وكأن الله عز وجل شدّد عليه المحنة، بأن جعله لا يماسّ أحداً ولا يمكّن من أن يمسّه أحد، وجعل ذلك عقوبة له في الدنيا. ويقال: ابتلي بالوسواس؛ وأصل الوسواس من ذلك الوقت. وقال قتادة: بقاياهم إلى اليوم يقولون ذلك ـ لا مساس ـ وإن مسّ واحد من غيرهم أحدا منهم حُمَّ كلاهما في الوقت. ويقال: إن موسى هَمَّ بقتل السامريّ، فقال الله تعالى له: لا تقتله فإنه سخيّ. ويقال لما قال له موسى: {فَٱذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي ٱلْحَيَاةِ أَن تَقُولَ لاَ مِسَاسَ} خاف فهرب فجعل يهيم في البرية مع السباع والوحش، لا يجد أحداً من الناس يمسه حتى صار كالقائل لا مساس؛ لبعده عن الناس وبعد الناس عنه؛ كما قال الشاعر: شعر : حَمَّالُ راياتٍ بها قَنَاعِسَا حتى تقولَ الأزدُ لا مسابسَا تفسير : مسألة: هذه الآية أصل في نفي أهل البدع والمعاصي وهجرانهم وألا يخالطوا، وقد فعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بكعب بن مالك والثلاثة الذين خُلّفوا. ومن التجأ إلى الحرم وعليه قَتلٌ لا يُقتَل عند بعض الفقهاء، ولكن لا يعامل ولا يبايع ولا يشارى، وهو إرهاق إلى الخروج. ومن هذا القبيل التغريب في حدّ الزنى، وقد تقدم جميع هذا كله في موضعه، فلا معنى لإعادته. والحمد لله وحده. وقال هارون القارىء: ولغة العرب لا مَساسِ بكسر السين وفتح الميم، وقد تكلم النحويون فيه؛ فقال سيبويه: هو مبني على الكسر كما يقال اضربِ الرجل. وقال أبو إسحاق: لا مساسِ نفي وكسرت السين لأن الكسرة من علامة التأنيث؛ تقول: فعلتِ يا امرأة. قال النحاس: وسمعت عليّ بن سليمان يقول سمعت محمد بن يزيد يقول: إذا اعتل الشيء من ثلاث جهات وجب أن يبنى، وإذا اعتل من جهتين وجب ألا ينصرف؛ لأنه ليس بعد ترك الصرف إلا البناء؛ فمساسِ ودراكِ اعتل من ثلاث جهات: منها أنه معدول، ومنها أنه مؤنث، وأنه معرفة؛ فلما وجب البناء فيه وكانت الألف قبل السين ساكنة كسرت السين لالتقاء الساكنين؛ كما تقول: اضرب الرّجلَ. ورأيت أبا إسحاق يذهب إلى أن هذا القول خطأ، وألزم أبا العباس إذا سمى آمرة بفرعون يبنيه، وهذا لا يقوله أحد. وقال الجوهري في الصحاح: وأما قول العرب لا مَساسِ مثال قَطامِ فإنما بني على الكسر لأنه معدول عن المصدر وهو المسّ. وقرأ أبو حيوة «لا مَسَاسِ». {وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً لَّن تُخْلَفَهُ} يعني يوم القيامة. والموعد مصدر؛ أي إن لك وعداً لعذابك. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو «تُخْلِفَهُ» بكسر اللام وله معنيان: أحدهما: ستأتيه ولن تجده مخلّفاً؛ كما تقول: أحمدته أي وجدته محموداً. والثاني: على التهديد أي لا بد لك من أن تصير إليه. الباقون بفتح اللام؛ بمعنى: إن الله لن يخلفك إياه. قوله تعالى: {وَٱنظُرْ إِلَىٰ إِلَـٰهِكَ ٱلَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ} أي دمت وأقمت عليه. {عَاكِفاً} أي ملازماً؛ وأصله ظللت؛ قال:شعر : خَلاَ أنّ العِتاقَ من المطايا أَحَسْنَ به فهنّ إليه شُوسُ تفسير : أي أَحْسَسْن. وكذلك قرأ الأعمش بلامين على الأصل. وفي قراءة ابن مسعود «ظِلْتَ» بكسر الظاء. يقال: ظَللت أفعل كذا إذا فعلته نهاراً وظَلْت وظِلْت؛ فمن قال: ظَلْت حذف اللام الأولى تخفيفاً؛ ومن قال: ظِلْت ألقى حركة اللام على الظاء. و{لَّنُحَرِّقَنَّهُ} قراءة العامة بضم النون وشد الراء من حَّرق يحرِّق. وقرأ الحسن وغيره بضم النون وسكون الحاء وتخفيف الراء، من أحرقه يُحرقه. وقرأ عليّ وابن عباس وأبو جعفر وابن محيصن وأشهب العقيلي «لَنَحْرُقَنَّهُ» بفتح النون وضم الراء خفيفة، من حرقت الشيء أحرقه حرقاً بَردَته وحككت بعضه ببعض، ومنه قولهم: حَرَق نابَه يَحرِقه ويَحرُقه أي سحقه حتى سُمع له صَرِيف؛ فمعنى هذه القراءة لنبردنّه بالمبارد، ويقال للمِبرد المِحْرَق. والقراءتان الأوليان معناهما الحرق بالنار. وقد يمكن جمع ذلك فيه؛ قال السدي: ذبح العجل فسال منه كما يسيل من العجل إذا ذبح، ثم بَرَد عظامه بالمِبرد وحَرَقه. وفي حرف ابن مسعود «لنذبحنه ثم لنحرقنه» واللحم والدم إذا أحرقا صارا رماداً فيمكن تذريته في اليمّ؛ فأما الذهب فلا يصير رماداً. وقيل: عرف موسى ما صير به الذهب رماداً، وكان ذلك من آياته. ومعنى {لَنَنسِفَنَّهُ} لنطيّرنه. وقرأ أبو رجاء «لَنَنْسُفَنَّهُ» بضم السين لغتان، والنّسف نفض الشيء ليذهب به الريح وهو التذرية، والمِنْسف ما يُنسف به الطعام؛ وهو شيء متصوِّب الصدر أعلاه مرتفع، والنُّسَافة ما يسقط منه؛ يقال: اعزل النُّسَافة وكُلْ الخالص. ويقال: أتانا فلان كأنّ لحيته مِنْسف؛ حكاه أبو نصر أحمد بن حاتم. والمِنْسفة آلةُ يقلع بها البناء. ونسفتُ البناء نسفاً قلعته، ونَسفَ البعيرُ الكَلأَ يَنْسِفه بالكسر إذا اقتلعه بأصله، وانتسفت الشيء اقتلعته؛ عن أبي زيد. قوله تعالى: {إِنَّمَآ إِلَـٰهُكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً} لا العِجْل؛ أي وسع كل شيء عِلْمه؛ يفعل الفعل عن العلم؛ ونصب على التفسير. وقرأ مجاهد وقتادة «وَسَّعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً».

المحلي و السيوطي

تفسير : {قَالَ } هٰرون {يَبْنَؤُمَّ } بكسر الميم وفتحها أراد أمي، وذكرها أعطف لقلبه {لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِى } وكان أخذها بشماله {وَلاَ بِرَأْسِى } وكان أخذ شعره بيمينه غضباً {إِنِّى خَشِيتُ } لو اتبعتك ولا بدّ أن يتبعني جمع ممن لم يعبدوا العجل {أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِى إِسْرٰءِيلَ } وتغضب عليَّ {وَلَمْ تَرْقُبْ } تنتظر {قَوْلِي } فيما رأيته في ذلك.

ابن عبد السلام

تفسير : {يَبْنَؤُمَّ} كان أخاه لأبويه، أو لأبيه دون أُمه، وقاله استرقاقاً واستعطافاً. {بِلِحْيَتِى} أخذ شعره بيمينه ولحيته بيساره "ع"، أو بلحيته وأذنه، فعبّر عن الأذن بالرأس، فعل ذلك لِيُسر إليه نزول الألواح عليه في تلك المناجاة إرادة إخفائها على بني إسرائيل قبل التوبة، أو وقع عنده أن هارون ما يلهم في أمر العجل، قلت: وهذا فجور من قائله لأن ذلك لا يجوز على الأنبياء، أو فعل ذلك لتركه الإنكار على بني إسرائيل ومقامه بينهم وهو الأشبه. {فَرَّقْتَ} بينهم بما وقع من اختلاف معتقدهم، أو بقتال من عبد العجل منهم، قيل: عبدوه كلهم إلا اثني عشر ألفاً بقوا مع هارون لم يعبدوه {وَلَمْ تَرْقُبْ} لم تعمل بوصيتي، أو لم تنتظر عهدي.

ابن عادل

تفسير : قوله: {يَا بْنَ أُمَّ} قيل: إنما خاطبه بذلك ليدفعه عنه، ويتركه. وقيل: كان أخاه لأمه. واعلم أنه ليس في القرآن دلالة على أنَّه فَعَلَ ذلك، فإن النهي عن الشيء لا يدل على كون المنهي فاعلاً للمنهي عنه لقوله تعالى: {أية : وَلاَ تُطِعِ ٱلْكَافِرِينَ وَٱلْمُنَافِقِينَ} تفسير : [الأحزاب: 1، 48] وإنما في القرآن أنه أخذ برأس أخيه يجره إليه.، وهذا القدر لا يدل على الاستحقاق بل قد يفعل لسائر الأغراض على ما بيناه. قوله: {لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي} الجمهور على كسر اللام من اللحية، وهي الفصحى. وفيها الفتح وبه قرأ عيسى بن سليمان الحجازي، والفتح لغة الحجاز ويجمع على لِحّى كقِرَب. ونقل فيها الضم كما قالوا: صِوَر بالكسر وحقها بالضم. والباء في "بِلِحْيَتِي" ليست زائدة إما لأنَّ المعنى لا يكن منك أخذ وإما لأن المفعول محذوف أي لا تأخُذْنِي. ومن زعم زيادتها كهي في {أية : وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ} تفسير : [البقرة: 195] فقد تعسف. فصل معنى قوله: "بِرَأْسِي" أي بِشَعْر رأسي، وكان قد أخذ بذؤابته "إنِّي خَشِيتُ" لو أنكرت عليهم لصاروا حريين بقتل بعضهم بعضاً، فتقول أنت {فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِيۤ إِسْرَآئِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي} ولم تحفظ وصيتي حين قلت لك: {أية : ٱخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ} تفسير : [الأعراف: 142] أي ارفق بهم. قوله: {وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلي} هذه الجملة محلها النصب نسقاً على {فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِيۤ إِسْرَآئِيلَ} أي أن تقول: فرقت بينهم وأن تقول: {وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي}. وقرأ أبو جعفر "تُرقب" بضم حرف المضارعة من أرقب. فإن قيل: إن قول موسى - عليه السلام - "وما منعك أن لا تتبعن أفعَصَيْتَ أمْرِي" يدل على أنه أمره بشيء، فكيف يحسن في جوابه أن يقال: إنما لم أمتثل قولك خوفاً من أن تقول "وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي"، وهل يجوز مثل هذا الكلام على العاقل؟ فالجواب: لعلَّ موسى - عليه السلام - إنما أمره بالذهاب إليه بشرط أن لا يؤدي ذلك إلى فساد القوم، فلما قال موسى "مَا مَنَعَكَ أَْنْ لاَ تَتَّبِعنِي" قال لأنك إنما أمرتني باتباعك إذا لم يحصل الفساد، فلو جئتك مع حصول الفساد ما كنت مراقباً لك.

ابو السعود

تفسير : {قَالَ يَـاٱبْنَ أُمَّ} خَصّ الأمَّ بالإضافة استعظاماً لحقها وترقيقاً لقلبه لا لما قيل من أنه كان أخاه لأم فإن الجمهورَ على أنهما كان شقيقين {لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِى وَلاَ بِرَأْسِى} أي ولا بشعر رأسي، روي أنه عليه السلام أخذ شعرَ رأسِه بـيمينه ولحيتَه بشماله من شدة غيظِه وفرْطِ غضبِه لله، وكان عليه السلام حديداً متصلّباً في كل شيء فلم يتمالكْ حين رآهم يعبدون العجلَ ففعل ما فعل وقوله تعالى: {إِنّى خَشِيتُ} الخ، استئنافٌ سيق لتعليل موجبِ النهي ببـيان الداعي إلى ترك المقاتلةِ وتحقيقِ أنه غيرُ عاصٍ لأمره بل ممتثلٌ به، أي إني خشيتُ لو قاتلت بعضَهم ببعض وتفانَوا وتفرقوا {أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِى إِسْرءيلَ} برأيك مع كونهم أبناءَ واحدٍ كما ينبىء عنه ذكرُهم بذلك العنوان دون القوم ونحوِه، وأراد عليه السلام بالتفريق ما يستتبعه القتالُ من التفريق الذي لا يرُجى بعده الاجتماعُ {وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِى} يريد به قولَه عليه السلام: اخلُفني في قومي وأصلح الخ، يعني إني رأيت أن الإصلاحَ في حفظ الدَّهْماءِ والمداراةِ معهم إلى أن ترجِع إليهم فلذلك استأنيتُك لتكون أنت المتدارِكَ للأمر حسبما رأيت لا سيما وقد كانوا في غاية القوةِ ونحن على القلة والضّعف كما يُعرب عنه قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلْقَوْمَ ٱسْتَضْعَفُونِى وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِى } تفسير : [الأعراف: 150]. {قَالَ} استئنافٌ وقع جواباً عما نشأ من حكاية ما سلف من اعتذار القوم بإسناد الفسادِ إلى السامري واعتذارِ هارونَ عليه السلام، كأنه قيل: فماذا صنع موسى عليه السلام بعد سماع ما حُكي من الاعتذارين واستقرارِ الفتنة على السامري؟ فقيل: قال موبخاً له: هذا شأنُهم {فَمَا خَطْبُكَ يٰسَـٰمِرِيُّ} أي ما شأنُك وما مطلوبُك مما فعلت، خاطبه عليه السلام بذلك ليُظهر للناس بُطلانَ كيدِه باعترافه ويفعلَ به وبما صنعه من العقاب ما يكون نكالاً للمفتونين به ولمن خلفهم من الأمم. {قَالَ} أي السامريُّ مجيباً له عليه السلام: {بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُواْ بِهِ} بضم الصاد فيهما، وقرىء بكسرها فى الأول وفتحِها في الثاني، وقرىء بالتاء على الوجهين على خطاب موسى عليه السلام وقومِه، أي علمتُ ما لم يعلمْه القوم وفطِنت لما لم يفطَنوا له أو رأيت ما لم يرَوه، وهو الأنسب بما سيأتي من قوله: {وَكَذٰلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي} لا سيما على القراءة بالخطاب فإن إدعاءَ علمِ ما لم يعلمه موسى عليه السلام جرأةٌ عظيمة لا تليق بشأنه ولا بمقامه بخلاف إدعاءِ رؤيةِ ما لم يرَه عليه السلام فإنها مما يقع بحسب ما يتفق، وقد كان رأى أن جبريلَ عليه السلام جاء راكبَ فرسٍ وكان كلما رفع الفرسُ يديه أو رجليه على الطريق اليَبَس يخرج من تحته النباتُ في الحال، فعرف أن له شأناً فأخذ من موطئه حفنةً وذلك قوله تعالى: {فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ ٱلرَّسُولِ} وقرىء من أثر فرسِ الرسولِ أي من تربة موطِيءِ فرسِ الملَك الذي أُرسل إليك ليذهبَ بك إلى الطور، ولعل ذكرَه بعنوان الرسالة للإشعار بوقوفه على ما لم يقِفْ عليه القومُ من الأسرار الإلٰهية تأكيداً لما صدّر به مقالتَه والتنبـيهِ على وقت أخْذِ ما أخذه، والقبضةُ المرّةُ من القبض أُطلقت على المقبوض مرةً، وقرىء بضم القاف وهو اسمُ المقبوض كالغُرفة والمُضغة، وقرىء فقبصْت قبصة بالصاد المهملة والأول للأخذ بجميع الكف والثاني بأطراف الأصابع، ونحوُهما الخضْمُ والقضم {فَنَبَذْتُهَا} أي في الحُليّ المُذابة فكان ما كان {وَكَذٰلِكَ سَوَّلَتْ لِى نَفْسِى} أي ما فعلتُه من القبض والنبذ فقوله تعالى: {ذٰلِكَ} إشارةٌ إلى مصدر الفعلِ المذكور بعده، ومحلُّ كذلك في الأصل النصبُ على أنه مصدرٌ تشبـيهيٌّ أي نعتٌ لمصدر محذوف والتقديرُ سولت لي نفسي تسويلاً كائناً مثلَ ذلك التسويلِ فقُدّم على الفعل لإفادة القصِر واعتُبرت الكافُ مقحمةً لإفادة تأكيدِ ما أفاده اسمُ الإشارةِ من الفخامة فصار نفسَ المصدرِ المؤكّدِ لا نعتاً له، أي ذلك التزيـينَ البديعَ زينت لي نفسي ما فعلتُه، لا تزيـيناً أدنى منه ولذلك فعلتُه وحاصلُ جوابه أن ما فعله إنما صدر عنه بمحضر اتباعِ هوى النفسِ الأمارة بالسوء وإغوائِها لا بشيء آخرَ من البرهان العقليّ أو الإلهامِ الإلٰهي. فعند ذلك {قَالَ} عليه السلام {فَٱذْهَبْ} أي من بـين الناس وقوله تعالى: {فَإِنَّ لَكَ فِي ٱلْحَيَاةِ} الخ، تعليلٌ لموجب الأمرِ و(في) متعلقةٌ بالاستقرار في لك أي ثابتٌ لك في الحياة أو بمحذوف وقع حالاً من الكاف والعاملُ معنى الاستقرار في الظرف المذكورِ لاعتماده على ما هو مبتدأٌ معنى لا بقوله تعالى: {أَن تَقُولَ لاَ مِسَاسَ} لِمَكان، أي إن قولك: لا مساس ثابت لك كائناً في الحياة أي مدةَ حياتك أن تفارقَهم مفارقةً كلية، لكن لا بحسب الاختيارِ بموجب التكليفِ بل بحسب الاضطرارِ المُلجِىءِ إليها، وذلك أنه تعالى رماه بداء عَقام لا يكاد يمَسّ أحداً أو يمَسّه أحدٌ كائناً من كان إلا حُمَّ من ساعته حُمّى شديدةً، فتحامى الناسَ وتحامَوْه وكان يصيح بأقصى طَوقه: لا مِساس وحُرّم عليهم ملاقاتُه ومواجهتُه ومكالمتُه ومبايعتُه وغيرُها مما يُعتاد جرَيانُه فيما بـين الناسِ من المعاملات، وصار بـين الناس أوحشَ من القاتل اللاجىء إلى الحَرم ومن الوحش النافِر في البرية، ويقال: إن قومَه باقٍ فيهم تلك الحالةُ إلى اليوم، وقرىء لا مَساسِ كفَجارِ وهو علمٌ للمسّة، ولعل السرَّ في مقابلة جنايتِه بتلك العقوبةِ خاصة ما بـينهما من مناسبة التضادّ فإنه لما أنشأ الفتنةَ بما كانت ملابستُه سبباً لحياة المَوات عوقب بما يُضادُّه حيث جُعلت ملابستُه سبباً للحمّى التي هي من أسبابُ موتِ الأحياء {وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً} أي في الآخرة {لَّن تُخْلَفَهُ} أي لن يُخلفَك الله ذلك الوعدَ بل ينجزه لك البتةَ بعد ما عاقبك في الدنيا، وقرىء بكسر اللام والأظهر أنه من أخلفتُ الموعدَ أي وجدتُه خلفاً، وقرىء بالنون على حكاية قوله عز وجل: {وَٱنظُرْ إِلَىٰ إِلَـٰهِكَ ٱلَّذِى ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفاً} أي ظلِلْتَ مقيماً على عبادته فحُذفت اللامُ الأولى تخفيفاً، وقرىء بكسر الظاءِ بنقل حركةِ اللام إليها {لَّنُحَرّقَنَّهُ} جوابُ قسمٍ محذوفٍ أي بالنار ويؤيده قراءةُ لنُحْرِقنه من الإحراق، وقيل: بالمِبْرد على أنه مبالغةٌ في حرق إذا بُرد بالمِبرَد ويعضده قراءة لنَحْرُقنه {ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ} أي لنُذْرِينّه، وقرىء بضم السين {فِي ٱلْيَمّ} رماداً أو مُبْرَداً كأنه هباءٌ {نسفاً} بحيث لا يبقى منه عينٌ ولا أثرٌ ولقد فعل عليه السلام ذلك كلَّه حينئذ كما يشهد به الأمرُ بالنظر، وإنما لم يصرح به تنبـيهاً على كمال ظهورِه واستحالةِ الخُلْف في وعده المؤكّدِ باليمين.

اسماعيل حقي

تفسير : {قال يا ابن ام} الام بازاء الاب وهى الوالدة القريبة التى ولدته والبعيدة التى ولدت من ولدته ويقال لكل ما كان اصلا لوجود شئ او تربيته او اصلاحه او مبدئه ام واصله يا ابن امى ابدل الباء الفاء فقيل يا ابن اما ثم حذف الالف واكتفى بالفتحة لكثرة الاستعمال وطول اللفظ وثقل التضعيف وقرئ يا ابن ام بالكسر بحذف الياء والاكتفاء بالكسرة وخص الام بالاضافة استعظاما لحقها وترقيقا لقلبه واعتداد لنسبها واشارة الى انهما من بطن واحد والا فالجمهور على انهما لاب وام. قال بعض الكبار كانت نبوة هارون من حضرة الرحمة كما قال تعالى {أية : ووهبنا له من رحمتنا اخاه هارون نبيا}تفسير : ولذا ناداه بامه اذ كانت الرحمة للام اوفر ولذا صيرت على مباشرة التربية. وفى التأويلات النجمية لما رأى هارون موسى رجع من تلك الحضرة سكران الشوق ملآن الذوق وفيه نخوة القربة والاصطفاء والمكالمة ما وسعه الا التواضع والخشوع فقال يا ابن ام {لا تأخذ بلحيتى ولا برأسى} اى بشعر رأسى وخاطبه بيابن ام لمعنين احدهما ليأخذه رأفة صلة الرحم فيسكن غضبه والثانى ليذكره بذكر امه الحالة التى وقعت له فى الميقات حين سأل ربه الرؤية فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا وجاء الملائكة فى حال تلك الصعقة يجرون برأسة ويقولون يا ابن النساء الحيض ما للتراب ورب الارباب: قال الحافظ شعر : برو اين دام برمرغ دكرنه كه عنقارا بلنداست آشيانه تفسير : وقال شعر : عنقا شكاركس نبود دام بازجين كآنجا هميشه بادبدسثست دام را تفسير : - روى - انه اخذ شعر رأسه بيمنيه ولحيته بشماله من شدة غيظه وغضبه لله وكان حديدا متصلبا فى كل شئ فلم يتمالك حين رآهم يعبدون العجل ففعل ما فعل بمرأى من قومه اى بمكان يراه قومه ويرون ما يفعل باخيه {انى خشيت} لو قاتلت بعضهم ببعض وتفرقوا {ان تقول فرقت بين بنى اسرائيل} برأيك واراد بالتفريق ما يستتبعه القتال من تفريق لا يرجى بعده الاجتماع. وفى الجلالين خشيت ان فارقتهم واتبعتك ان يصيروا حزبين يقتل بعضهم بعضا فتقول اوقعت الفرق فيما بينهم {ولم ترقب قولى} لم تحفظ وصيتى فى حسن الخلافة عليهم يريد به قوله {أية : اخلفنى فى قومى واصلح}تفسير : فان الاصلاح ضم النشر وحفظ جماعات الناس والمداراة بهم الى ان ترجع اليهم وترى فيهم ما ترى فتكون انت المتدارك للامر بنفسك المتلافى برأيك لا سيما وقد كانوا فى غاية القوة ونحن على القلة والضعف كما يعرف عنه قوله {أية : ان القوم استضعفونى وكادوا يقتلوننى } تفسير : وفى العيون اى لم تنظر فى امرى او لم تنتظر قدومى. وفى التأويلات النجمية يعنى منعنى ترقب قولك واطاعة امرك عن اتباعك لا عصيان امرك انتهى وهذا الكلام من هارون اعتذار والعذر تحرى الانسان ما يمحو به ذنوبه وذلك ثلاثة اضرب ان يقول لم افعل او يقول فعلت لاجل كذا فيذكر ما يخرجه عن كونه مذنبا او يقول فعلت ولا اعود ونحو ذلك وهذا الثالث هو التوبة فكل توبة عذر دون العكس وكان هارون حليما رفيقا ولذا كان بنوا اسرائيل اشد حباله. وعن على رضى الله عنه احسن الكنوز محبة القلوب. قال سقراط من احسن خلقه طابت عيشته ودامت سلامته وتأكدت فى النفوس محبته ومن ساء خلقه تنكدت عيشته ودامت بغضته ونفرت النفوس منه. قال بزر جمهر ثمرة القناعة الراحة وثمرة التواضع المحبة شعر : ارى الحلم فى بعض المواضع ذلة وفى بعضها عزا يسود فاعله تفسير : قال ارسطوا باصابة المنطق يعظم القدر وبالتواضع تكثر المحبة وبالحلم تكثر الانصار وبالرفق تستخدم القلوب وبالوفاء يدوم الاخاء وكان النبى عليه السلام لم يخرج عن حد اللين والرفق ولذا قال فى وصفه بالمؤمنين {أية : رؤف رحيم}تفسير : : وفى المثنوى شعر : بندكان حق رحيم وبردبار خوى حق دارند در اصلاح كار مهربان بى رشوتان يارى كران در مقام سخت ودر روز كران هين بجو اين قوم را اى مبتلا هين غنيمت دارشان بيش از بلا

الجنابذي

تفسير : {قَالَ} هارون (ع) {يَبْنَؤُمَّ} كان اخاه لامّه وابيه لكنّه اضافه الى الامّ استعطافاً {لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ} ان كنت لحقت بك او قاتلتهم {فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِيۤ إِسْرَآئِيلَ} يعنى لو كنت فارقتهم او قاتلتهم لتفرّقوا باللّحوق بى والبقاء على عبادة العجل {وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي} بالخلافة والاصلاح، ولمّا سكت عنه الغضب وكسر سورته باستعطاف هارون (ع) والاعتذار عمّا رآه موسى (ع) خلافاً اقبل على السّامرىّ.

اطفيش

تفسير : {قَالَ} هارون: {يَا ابْنَ أُمِّ} قياس الخط يا بن أم، أضافه للاَّم للاستعطاف به فإن الأم أشد شفقة على الولد من الأب؛ لأن ماءها من صدرها وما بين ثدييها وماءه من وراء ظهره، وهو أخوه لأب وأم على الصحيح. وقيل: هو أخوه لأمه، ولذا أضافه للأم. والتحقيق أنه ولو كان أخاه لأمه، فالتعبير بالأم استعطاف؛ إذ يمكنه أن يقول: يا أخى. وقيل: هو أخوه من الأب، واعترض بالإضافة للأم. والأصل أمى قلبت الكسرة فتحة والياء ألفا فحذفت الألف. وقرئ بكسر الميم وحذف الباء، وهى قراءة ابن عامر وأبى بكر وحمزة والكسائى. {لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِى} وقرئ بفتح اللام وهو لغة الحجاز. {ولاَ بِرَأْسِى} بشعر رأسى؛ فإنى لم أفعل الموجب ذلك. وإنما فعلت ما ظهر لى أنه صواب. {إِنِّى خَشِيتُ} لو قاتلتهم بمن معى أو فارقت بعضهم ببعض {أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِى إسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ} تحفظ وتراع {قَوْلِى} أمرى لك: إخلافك فى قومى، وإصلاحك، وحفظ الجماعة عن التفرق حتى أرجع. وقال بعضهم: إنى خشيت لو أنكرت عليهم. ويرده أنه قد أنكر عليهم أو ما يحل له أن لا ينكر وهو قادر على الإنكار.

اطفيش

تفسير : {قال يَبْنَؤمّ} قلبت ياء المتكلم ألفاً بعد فتح ما قبلها، وحذفت الألف تخفيفاً، وهو شقيقة على الصحيح، ولكن ذكر الأم فقط استعطافاً، والقول بعد أخذ موسى بشعر رأسه بيمينه، وبلحيته بشماله، غضباً عليه، إذ خطر فى قلبه أنه قصر، وكان شديد الغضب {لا تَأخُذ بلحْيَتى} شعر الوجه والذقن، وهو المشهور والمتعاهد في هذا اللفظ، لا موضعه من الوجه والذقن، كما قيل، لأن الأخذ بالشعر أنسب، ولو كان اللحى اسماً للموضع. {ولاَ برأسى} شعر رأسى لأنه أنسب بالأخذ من نفس الرأس {إنِّى خَشِيتُ} لَم أعْص أمرك، ولكن خشيت بقتالهمن أو اللحوق بك الى الطور بمن معى {أن تَقُول فَرَّقْت بيَن بنى إسرائيل} بقتالك إياهم، أو اللحوق، وربما جر اللحوق وحده الى القتال الموجب للافتراق المستمر، وهم كإنسان واحد، إذ كانوا لأب واحد، إسرائيل حتى إنهم سموا بنى إسرائيل بدل التسمية بالقوم {ولم تَرْقُب} لم تراع {قَوْلى} وصيتى لك فيهم إذ استخلفتك فيهم، وقلت: "أية : اخلفنى فى قومى وأصلح" تفسير : [الأعراف: 142] إلخ، والعطف على فرقت، وحاصل اعتذار هارون أنه رأى البقاء فيهم مع النهي، ومدراتهم والمحافظة على اجتماعهم، الى أن يأتى موسى فيرى، رأيه أصلح ولا سيما أنهم استضعفوه وكادوا يقتلونه، ويجوز أن يراد بالقول فى: {ولم ترقب قولى} قول هارون فيكون الخطاب في ترقب لموسى أى لم ترقب يا موسى، ما أقول لو قاتلهم أو لحقت بك، من أن ذلك صلاح، أى أن تقول غير مراقب قولى، فرقت بينهم، وفى ذلك دليل على جواز الاجتهاد.

الالوسي

تفسير : {قَالَ يَبْنَؤُمَّ} خص الأم بالإضافة استعطافاً وترقيقاً لقلبه لا لما قيل من أنه كان أخاه لأمه فإن الجمهور على أنهما كانا شقيقين. وقرأ حمزة والكسائي {يابن أم} بكسر الميم {لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِى وَلاَ بِرَأْسِى } أي بشعر رأسي فإن الأخذ أنسب به، وزعم بعضهم أن قوله: {بِلِحْيَتِى } على معنى بشعر لحيتي أيضاً لأن أصل وضع اللحية للعضو النابت عليه الشعر ولا يناسبه الأخذ كثير مناسبة، وأنت تعلم أن المشهور استعمال اللحية في الشعر النابت على العضو المخصوص، وظاهر الآيات والأخبار أنه عليه السلام أخذ بذلك. روي أنه أخذ شعر رأسه بيمينه ولحيته بشماله وكان عليه السلام حديداً متصلباً غضوباً لله تعالى وقد شاهد ما شاهد وغلب على ظنه تقصير في هارون عليه السلام يستحق به وإن لم يخرجه عن دائرة العصمة الثابتة للأنبياء عليهم السلام التأديب ففعل به ما فعل وباشر ذلك بنفسه ولا محذور فيه أصلاً ولا مخالفة للشرع فلا يرد ما توهمه الإمام فقال: لا يخلو الغضب من أن يزيل عقله أولا والأول لا يعتقده مسلم والثاني لا يزيل السؤال بلزوم عدم العصمة وأجاب بما لا طائل تحته. وقرأ عيسى بن سليمان الحجازي {بلحيتى } بفتح اللام وهي لغة أهل الحجاز. {إِنّى خَشِيتُ } الخ استئناف لتعليل موجب النهي بتحقيق أنه غير عاص أمره ولا مقصر في المصلحة أي خشيت لو قاتلت بعضهم ببعض وتفانوا وتفرقوا أو خشيت لو لحقتك بمن آمن {أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِى إِسْرآءِيلَ } برأيك مع كونهم أبناء واحد كما ينبـىء عن ذلك ذكرهم بهذا العنوان دون القوم ونحوه، واستلزام المقاتلة التفريق ظاهر، وكذا اللحوق بموسى عليه السلام مع من آمن وربما يجر ذلك إلى المقاتلة. وقيل: أراد عليه السلام بالتفريق على التفسير الأول ما يستتبعه القتال من التفريق الذي لا يرجى بعده الاجتماع. {وَلَمْ تَرْقُبْ } أي ولم تراع {قَوْلِي } والجملة عطف على {فَرَّقْتَ } أي خشيت أن تقول مجموع الجملتين / وتنسب إليَّ تفريق بني إسرائيل وعدم مراعاة قولك لي ووصيتك إياي، وجوز أن تكون الجملة في موضع الحال من ضمير {فَرَّقْتَ } أي خشيت أن تقول فرقت بينهم غير مراع قولي أي خشيت أن تقول مجموع هذا الكلام، وأراد بقول موسى المضاف إلى الياء قوله عليه السلام: {أية : ٱخْلُفْنِى فِى قَوْمِى وَأَصْلِحْ } تفسير : [الأعراف: 142] الخ، وحاصل اعتذاره عليه السلام اني رأيت الإصلاح في حفظ الدهماء والمداراة معهم وزجرهم على وجه لا يختل به أمر انتظامهم واجتماعهم ولا يكون سبباً للومك إياي إلى أن ترجع إليهم فتكون أنت المتدارك للأمر حسبما تراه لا سيما والقوم قد استضعفوني وقربوا من أن يقتلوني كما أفصح عليه السلام بهذا في آية أخرى. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج ما يدل على أن المراد من القول المضاف قول هارون عليه السلام، وجملة {لَمْ تَرْقُبْ } في موضع الحال من ضمير {تَقُولَ } أي خشيت أن تقول ذلك غير منتظر قولي وبيان حقيقة الحال فتأمل. وقرأ أبو جعفر {وَلَمْ تَرْقُبْ } بضم التاء وكسر القاف مضارع أرقب.

الشنقيطي

تفسير : ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن هارون قال لأخيه موسى {يٰٱبْنَأُمِّ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي} وذلك يدل على أنه لشدة غضبه أراد أن يمسك برأسه ولحيته. وقد بين تعالى في "الأعراف" أنه أخذ برأسه يجره إليه. وذلك في قوله: {أية : وَأَلْقَى ٱلأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ} تفسير : [الأعراف: 150]. وقوله: {وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي} من بقية كلام هارون. أي خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل، وأن تقول لي لم ترقب قولي! أي لم تعمل بوصيتي وتمتثل أمري. تنبيه: هذه الآية الكريمة بضميمة آية "الأنعام" إليها تدل على لزوم إعفاء اللحية، فهي دليل قرآني على إعفاء اللحية وعدم حلقها. وآية الأنعام المذكورة هي قوله تعالى: {أية : وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَىٰ وَهَارُونَ} تفسير : [الأنعام: 84] الآية. ثم إنه تعالى قال بعد أن عد الأنبياء الكرام المذكورين {أية : أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ ٱقْتَدِهْ} تفسير : [الأنعام: 90] فدل ذلك على أن هارون من الأنبياء الذين أمر نبينا صلى الله عليه وسلم بالاقتداء بهم، وأمره صلى الله عليه وسلم بذلك أمر لنا. لأن أمر القدوة أمر لأتباعه! كما بينا إيضاحه بالأدلة القرآنية في هذا الكتاب المبارك في سورة "المائدة" وقد قدمنا هناك: أنه ثبت في صحيح البخاري: أن مجاهداً سأل ابن عباس: من أين أخذت السجدة في "ص" قال: أو ما تقرأ {أية : وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ} تفسير : [الأنعام: 84] {أية : أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ ٱقْتَدِهْ} تفسير : [الأنعام: 90] فسجدها داود فسجدها رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا علمت بذلك أن هارون من الأنبياء الذين أمر نبينا صلى الله عليه وسلم بالاقتداء بهم في سورة "الأنعام"، وعلمت أن أمره أمر لنا. لأن لنا فيه الأسوة الحسنة، وعلمت أن هارون كان موفراً شعر لحيته بدليل قوله لأخيه: {لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي} لأنه لو كان حالقاً لما أراد أخوه الأخذ بلحيته ـ تبين لك من ذلك بإيضاح: أن إعفاء اللحية من السمت الذي أمرنا به في القرآن العظيم، وأنه كان سمت الرسل الكرام صلوات الله وسلامه عليهم. والعجب من الذين مضخت ضمائرهم، واضمحل ذوقهم، حتى صاروا يفرون من صفات الذكورية، وشرف الرجولة، إلى خنوثة الأنوثة، ويمثلون بوجوههم بحلق أذقانهم، ويتشبهون بالنساء حيث يحاولون القضاء على أعظم الفوارق الحسية بين الذكر والأنثى وهو اللحية. وقد كان صلى الله عليه وسلم كث اللحية، وهو أجمل الخلق وأحسنهم صورة. والرجال الذين أخذوا كنوز كسرى وقيصر، ودانت لهم مشارق الأرض ومغاربها: ليس فيهم حالق. نرجو الله أن يرينا وإخواننا المؤمنين الحق حقاً، ويرزقنا اتباعه، والباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه. أما الأحاديث النبوية الدالة على إعفاء اللحية، فلسنا بحاجة إلى ذكرها لشهرتها بين الناس، وكثرة الرسائل المؤلفة في ذلك. وقصدنا هنا أن نبين دليل ذلك من القرآن. وإنما قال هارون لأخيه {قَالَ يٰٱبْنَأُمِّ} لأن قرابة الأم أشد عطفاً وحناناً من قرابة الأب. وأصله. يا بنؤمي بالإضافة إلى ياء المتكلم، ويطرد حذف الياء وإبدالها ألفاً وحذف الألف المبدلة منها كما هنا، وإلى ذلك أشار في الخلاصة بقوله: شعر : وفتح أو كسر وحذف اليا استمر في يا بنؤم يا بن عم لا مفر تفسير : وأما ثبوت ياء المتكلم في قول حرملة بن المنذر: شعر : يا بنؤمي ويا شقيق نفسي أنت خليتني لدهر شديد تفسير : فلغة قليلة. وقال بعضهم: هو لضرورة الشعر. وقوله "يا بنؤم" قرأه ابن عامر وشعبة عن عاصم وحمزة والكسائي بكسر الميم. وقرأه الباقون بفتحها. وكذلك قوله في "الأعراف": {أية : قَالَ ٱبْنَ أُمَّ إِنَّ ٱلْقَوْمَ} تفسير : [الأعراف: 150] الآية.

د. أسعد حومد

تفسير : {يَبْنَؤُمَّ} {إِسْرَآئِيلَ} (94) - فَقَالَ هَارُونُ مُعْتَذِراً وَمُتَرَفِّقاً: يَا أَخِي، وَيَا ابْنَ أُمِّي لاَ تُعَاجِلْنِي بِغَضَبكَ، وَلاَ تُمْسِكْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي، إِنِّي خَشِيتُ إِنِ اتَّبَعْتُكَ وَأَخْبَرْتُكَ بِهَذا أَنْ تَقُولَ: لِمَ تَرَكْتَهُمْ وَحْدَهُمْ، كَمَا خَشِيتُ إِنْ شَدَّدْتُ عَلَيْهِمْ فَتَفَرَّقُوا شِيَعاً، أَنْ تَقُولَ لِي لِمَ فَرَّقْتَ بَيْنَ القَوْمِ، وَلَمْ تَتَقَيَّدْ بِمَا أَمَرْتُكَ بِهِ حِينَ اسْتَخْلَفْتُكَ عَلَيْهِمْ؟

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : إذن: صاحبَ خطابَ موسى لأخيه هارون فعْل نزوعيٌّ وحركة، فهمناها من قول هارون: {يَبْنَؤُمَّ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي ..} [طه: 94]. ثم ذكر العلة {إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِيۤ إِسْرَآئِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي} [طه: 94] يقصد قول أخيه: {أية : ٱخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ ٱلْمُفْسِدِينَ}تفسير : [الأعراف: 142]. فذكّره بالتفويض الذي أعطاه إياه. وقد اجتهد هارون حَسْب رؤيته للموقف، ونأى بالقوم عن معركة ربما انتهتْ بالقضاء على خَلِية الإيمان في بني إسرائيل، اجتهد في إطار {أية : وَأَصْلِحْ ..}تفسير : [الأعراف: 142]. إذن: أثار موسى هذه القضية مع أخيه، لا ليسمع هو الرد، وإنما ليُسمع الدنيا كلّها على مَرِّ التاريخ. ثم ينقل موسى الخطاب إلى رأس هذه الفتنة: {قَالَ فَمَا خَطْبُكَ ...}.