Verse. 2443 (AR)

٢٠ - طه

20 - Ta-Ha (AR)

قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يٰسَامِرِيُّ۝۹۵
Qala fama khatbuka ya samiriyyu

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قال فما خطبك» شأنك الداعي إلى ما صنعت «يا سامري».

95

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن موسى عليه السلام لما فرغ من مخاطبة هـٰرون عليه السلام وعرف العذر له في التأخير أقبل على السامري ويجوز أن يكون قد كان حاضراً مع هـٰرون عليه السلام فلما قطع موسى الكلام مع هـٰرون أخذ في التكلم مع السامري، ويجوز أن يكون بعيداً ثم حضر السامري من بعد أو ذهب إليه موسى ليخاطبه، فقال موسى عليه السلام: {مَا خَطْبُكَ يٰسَـٰمِرِيُّ} والخطب مصدر خطب الأمر إذا طلبه، فإذا قيل لمن يفعل شيئاً ما خطبك؟ معناه ما طلبك له والغرض منه الإنكار عليه وتعظيم صنعه ثم ذكر السامري عذره في ذلك فقال: {بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُواْ بِهِ } وفيه مسألتان: المسألة الأولى: قرىء {بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُواْ بِهِ } بالكسر وقرأ حمزة والكسائي بما لم تبصروا بالتاء المعجمة من فوق والباقون بالياء أي بما لم يبصر به بنو إسرائيل. المسألة الثانية: في الإبصار قولان: قال أبو عبيدة: علمت بما لم يعلموا به ومنه قولهم: رجل بصير أي عالم وهذا قول ابن عباس رضي الله عنهما وقال الزجاج في تقريره: أبصرته بمعنى رأيته وبصرت به بمعنى صرت به بصيراً عالماً. وقال آخرون: رأيت ما لم يروه فقوله بصرت به بمعنى أبصرته وأراد أنه رأى دابة جبريل عليه السلام فأخذ من موضع حافر دابته قبضة من تراب ثم قال: {فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ ٱلرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا } وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ الحسن قبضة بضم القاف وهي اسم للمقبوض كالغرفة والضفة وأما القبضة فالمرة من القبض وإطلاقها على المقبوض من تسمية المفعول بالمصدر كضرب الأمير وقرىء أيضاً فقبصت قبصة بالضاد والصاد فالضاد بجميع الكف والصاد بأطراف الأصابع ونظيرهما الخضم والقضم الخاء بجميع الفم والقاف بمقدمه. قرأ ابن مسعود من أثر فرس الرسول. المسألة الثانية: عامة المفسرين قالوا: المراد بالرسول جبريل عليه السلام وأراد بأثره التراب الذي أخذه من موضع حافر دابته ثم اختلفوا أنه متى رآه فقال الأكثرون: إنما رآه يوم فلق البحر. وعن علي عليه السلام أن جبريل عليه السلام لما نزل ليذهب بموسى عليه السلام إلى الطور أبصره السامري من بين الناس، واختلفوا في أن السامري كيف اختص برؤية جبريل عليه السلام ومعرفته من بين سائر الناس، فقال ابن عباس رضي الله عنهما في رواية الكلبي: إنما عرفه لأنه رآه في صغره وحفظه من القتل حين أمر فرعون بذبح أولاد بني إسرائيل، فكانت المرأة تلد وتطرح ولدها حيث لا يشعر به آل فرعون فتأخذ الملائكة الولدان فيربونهم حتى يترعرعوا ويختلطوا بالناس فكان السامري ممن أخذه جبريل عليه السلام وجعل كف نفسه في فيه وارتضع منه العسل واللبن فلم يزل يختلف إليه حتى عرفه، فلما رآه عرفه، قال ابن جريج: فعلى هذا قوله: {بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُواْ بِهِ } بمعنى رأيت ما لم يروه ومن فسر الكلمة بالعلم فهو صحيح ويكون المعنى علمت أن تراب فرس جبريل عليه السلام له خاصية الإحياء، قال أبو مسلم الأصفهاني: ليس في القرآن تصريح بهذا الذي ذكره المفسرون فههنا وجه آخر وهو أن يكون المراد بالرسول موسى عليه السلام وبأثره سنته ورسمه الذي أمر به فقد يقول الرجل: فلان يقفو أثر فلان ويقبض أثره إذا كان يمتثل رسمه والتقدير أن موسى عليه السلام لما أقبل على السامري باللوم والمسئلة عن الأمر الذي دعاه إلى إضلال القوم في باب العجل، فقال: بصرت بما لم يبصروا به، أي عرفت أن الذي أنتم عليه ليس بحق وقد كنت قبضت قبضة من أثرك أيها الرسول أي شيئاً من سنتك ودينك فقذفته أي طرحته، فعند ذلك أعلمه موسى عليه السلام بما له من العذاب في الدنيا والآخرة، وإنما أورد بلفظ الإخبار عن غائب كما يقول الرجل لرئيسه وهو مواجه له ما يقول الأمير في كذا وبماذا يأمر الأمير، وأما دعاؤه موسى عليه السلام رسولاً مع جحده وكفره فعلى مثل مذهب من حكى الله عنه قوله: { أية : يـٰأَيُّهَا ٱلَّذِى نُزّلَ عَلَيْهِ ٱلذّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ } تفسير : [الحجر: 6] وإن لم يؤمنوا بالإنزال. واعلم أن هذا القول الذي ذكره أبو مسلم ليس فيه إلا مخالفة المفسرين ولكنه أقرب إلى التحقيق لوجوه. أحدها: أن جبريل عليه السلام ليس بمشهور باسم الرسول ولم يجر له فيما تقدم ذكر حتى تجعل لام التعريف إشارة إليه فإطلاق لفظ الرسول لإرادة جبريل عليه السلام كأنه تكليف بعلم الغيب. وثانيها: أنه لا بد فيه من الإضمار وهو قبضة من أثر حافر فرس الرسول والإضمار خلاف الأصل. وثالثها: أنه لا بد من التعسف في بيان أن السامري كيف اختص من بين جميع الناس برؤية جبريل عليه السلام ومعرفته ثم كيف عرف أن لتراب حافر فرسه هذا الأثر والذي ذكروه من أن جبريل عليه السلام هو الذي رباه فبعيد، لأن السامري إن عرف جبريل حال كمال عقله عرف قطعاً أن موسى عليه السلام نبي صادق فكيف يحاول الإضلال وإن كان ما عرفه حال البلوغ فأي منفعة لكون جبريل عليه السلام مربياً له في الطفولية في حصول تلك المعرفة. ورابعها: أنه لو جاز إطلاع بعض الكفرة على تراب هذا شأنه لكان لقائل أن يقول: فلعل موسى عليه السلام اطلع على شيء آخر يشبه ذلك فلأجله أتى بالمعجزات ويرجع حاصله إلى سؤال من يطعن في المعجزات ويقول: لم لا يجوز أن يقال إنهم لاختصاصهم بمعرفة بعض الأدوية التي لها خاصية أن تفيد حصول تلك المعجزة، أتوا بتلك المعجزة، وحينئذ ينسد باب المعجزات بالكلية. أما قوله: {وَكَذٰلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي } فالمعنى فعلت ما دعتني إليه نفسي وسولت مأخوذ من السؤال فالمعنى لم يدعني إلى ما فعلته أحد غيري بل اتبعت هواي فيه، ثم إن موسى عليه السلام لما سمع ذلك من السامري أجابه بأن بين حاله في الدنيا والآخرة وبين حال إلهه أما حاله في الدنيا فقوله: {فَٱذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِى ٱلْحَيَوٰةِ أَن تَقُولَ لاَ مِسَاسَ } وفيه وجوه: أحدها: أن المراد: أني لا أمس ولا أمس قالوا: وإذا مسه أحد حم الماس والمسوس فكان إذا أراد أحد أن يمسه صاح خوفاً من الحمى وقال لا مساس. وثانيها: أن المراد بقوله: {لاَ مِسَاسَ } المنع من أن يخالط أحداً أو يخالطه أحد وقال مقاتل: إن موسى عليه السلام أخرجه من محلة بني إسرائيل وقال له: اخرج أنت وأهلك فخرج طريداً إلى البراري، اعترض الواحدي عليه فقال الرجل: إذا صار مهجوراً فلا يقول هو لا مساس وإنما يقال له ذلك، وهذا الاعتراض ضعيف لأن الرجل إذا بقي طريداً فريداً فإذا قيل له: كيف حالك فله أن يقول لا مساس أي لا يماسني أحد ولا أماس أحداً، والمعنى إني أجعلك يا سامري في المطرودية بحيث لو أردت أن تخبر غيرك عن حالك لم تقل إلا أنه لا مساس وهذا الوجه أحسن وأقرب إلى نظم الكلام من الأول. وثالثها: ما ذكره أبو مسلم وهو أنه يجوز في حمله ما أريد مسي النساء فيكون من تعذيب الله إياه انقطاع نسله فلا يكون له ولد يؤنسه فيخليه الله تعالى من زينتي الدنيا اللتين ذكرهما بقوله: {أية : ٱلْمَالُ وَٱلْبَنُونَ زِينَةُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا } تفسير : [الكهف: 46] وقرىء لا مساس بوزن فجاز وهو إسم علم للمرة الواحدة من المس، وأما شرح حاله في الآخرة فهو قوله: {وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً لَّن تُخْلَفَهُ } والموعد بمعنى الوعد أي هذه عقوبتك في الدنيا ثم لك الوعد بالمصير إلى عذاب الآخرة فأنت ممن خسر الدنيا والآخرة وذلك هو الخسران المبين، قرأ أهل المدينة والكوفة: لن تخلفه بفتح اللام أي لن تخلف ذلك الوعد أي سيأتيك به الله ولن يتأخر عنك وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والحسن بكسر اللام أي تجيء إليه ولن تغيب عنه ولن تتخلف عنه وفتح اللام اختيار أبي عبيد كأنه قال: موعداً حقاً لا خلف فيه وعن ابن مسعود: لن نخلفه بالنون فكأنه عليه السلام حكى قول الله تعالى بلفظه كما مر بيانه في قوله: { أية : لأَهَبَ لَكِ } تفسير : [مريم: 19] وأما شرح حال إلهه فهو قوله: {وَٱنظُرْ إِلَىٰ إِلَـٰهِكَ ٱلَّذِى ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفاً } قال المفضل في ظلت: إنه يقرأ بفتح الظاء وكسرها وكذلك: { أية : فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ } تفسير : [الواقعة: 65] وأصله ظللت فحذفت اللام الأولى وذلك إنما يكون إذا كانت اللام الثانية ساكنة تستحب العرب طرح الأولى ومن كسر الظاء نقل كسرة اللام الساقطة إليها ومن فتحها ترك الظاء على حالها وكذلك يفعلون في المضاعف يقولون: مسته ومسسته ثم قال: {لَّنُحَرّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِى ٱلْيَمّ نَسْفاً } وفي قوله: {لَّنُحَرّقَنَّهُ } وجهان. أحدهما: المراد إحراقه بالنار وهذا أحد ما يدل على أنه صار لحماً ودماً، لأن الذهب لا يمكن إحراقه بالنار، وقال السدي: أمر موسى عليه السلام بذبح العجل فذبح فسال منه الدم ثم أحرق ثم نسف رماده وفي حرف ابن مسعود لنذبحنه ولنحرقنه وثانيهما لنحرقنه أي لنبردنه بالمبرد، يقال: حرقه يحرقه إذا برده وهذه القراءة تدل على أنه لم ينقلب لحماً ولا دماً فإن ذلك لا يصح أن يبرد بالمبرد، ويمكن أن يقال: إنه صار لحماً فذبح ثم بردت عظامه بالمبرد حتى صارت بحيث يمكن نسفها، قراءة العامة بضم النون وتشديد الراء ومعناه لنحرقنه بالنار، وقرأ أبو جعفر وابن محيصن لنحرقنه بفتح النون وضم الراء خفيفة يعني لنبردنه، واعلم أن موسى عليه السلام لما فرغ من إبطال ما ذهب إليه السامري عاد إلى بيان الدين الحق فقال: {إِنَّمَا إِلَـٰهُكُمُ } أي المستحق للعبادة والتعظيم: {ٱللَّهُ ٱلَّذِى لا إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَىْء عِلْماً } قال مقاتل: يعلم من يعبده ومن لا يعبده.

ابن كثير

تفسير : يقول موسى عليه السلام للسامري: ما حملك على ما صنعت؟ وما الذي عرض لك حتى فعلت ما فعلت؟ قال محمد بن إسحاق: عن حكيم بن جبير، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كان السامري رجلاً من أهل باجرما، وكان من قوم يعبدون البقر، وكان حب عبادة البقر في نفسه، وكان قد أظهر الإسلام مع بني إسرائيل، وكان اسمه موسى بن ظفر، وفي رواية عن ابن عباس أنه كان من كرمان، وقال قتادة: كان من قرية سامرا {قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُواْ بِهِ} أي: رأيت جبريل حين جاء لهلاك فرعون {فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ ٱلرَّسُولِ} أي: من أثر فرسه، وهذا هو المشهور عند كثير من المفسرين، أو أكثرهم. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عمار بن الحارث، أخبرني عبيد الله بن موسى، أخبرنا إسرائيل عن السدي عن أبي بن عمارة عن علي رضي الله عنه قال: إن جبريل عليه السلام لما نزل، فصعد بموسى عليه السلام إلى السماء، بصر به السامري من بين الناس، فقبض قبضة من أثر الفرس، قال: وحمل جبريل موسى عليهما السلام خلفه، حتى إذا دنا من باب السماء، صعد وكتب الله الألواح، وهو يسمع صرير الأقلام في الألواح، فلما أخبره أن قومه قد فتنوا من بعده قال: نزل موسى، فأخذ العجل فأحرقه، غريب. وقال مجاهد: {فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ ٱلرَّسُولِ} قال: من تحت حافر فرس جبريل، قال: والقبضة: ملء الكف، والقبضة بأطراف الأصابع، قال مجاهد: نبذ السامري، أي: ألقى ما كان في يده على حلية بني إسرائيل، فانسبك عجلاً جسداً له خوار؛ حفيف الريح فيه فهو خواره. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن يحيــــى، أخبرنا علي بن المديني، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا عمارة، حدثنا عكرمة: أن السامري رأى الرسول، فألقي في روعه أنك إن أخذت من أثر هذا الفرس قبضة، فألقيتها في شيء، فقلت له: كن، فكان، فقبض قبضة من أثر الرسول، فيبست أصابعه على القبضة، فلما ذهب موسى للميقات، وكان بنو إسرائيل قد استعاروا حلي آل فرعون، فقال لهم السامري: إنما أصابكم من أجل هذا الحلي، فاجمعوه، فجمعوه، فأوقدوا عليه، فذاب، فرآه السامري، فألقي في روعه أنك لو قذفت هذه القبضة في هذه، فقلت: كن، فيكون، فقذف القبضة، وقال: كن، فكان عجلاً جسداً له خوار، فقال: {هَـٰذَآ إِلَـٰهُكُمْ وَإِلَـٰهُ مُوسَىٰ} ولهذا قال: {فَنَبَذْتُهَا} أي: ألقيتها مع من ألقى {وَكَذٰلِكَ سَوَّلَتْ لِى نَفْسِى} أي: حسنته، وأعجبها إذا ذاك {قَالَ فَٱذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِى ٱلْحَيَوٰةِ أَن تَقُولَ لاَ مِسَاسَ} أي: كما أخذت ومسست ما لم يكن لك أخذه ومسه من أثر الرسول، فعقوبتك في الدنيا أن تقول: لا مساس، أي: لا تماس الناس، ولا يمسونك {وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً} أي: يوم القيامة {لَّن تُخْلَفَهُ} أي: لا محيد لك عنه. وقال قتادة: {أَن تَقُولَ لاَ مِسَاسَ} قال: عقوبة لهم، وبقاياهم اليوم يقولون: لا مساس. وقوله: {وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً لَّن تُخْلَفَهُ} قال الحسن وقتادة وأبو نهيك: لن تغيب عنه. وقوله: {وَٱنظُرْ إِلَىٰ إِلَـٰهِكَ} أي: معبودك {ٱلَّذِى ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفاً} أي: أقمت على عبادته، يعني: العجل {لَّنُحَرِّقَنَّهُ} قال الضحاك عن ابن عباس والسدي: سحله بالمبارد، وألقاه على النار. وقال قتادة: استحال العجل من الذهب لحماً ودماً، فحرقه بالنار، ثم ألقى رماده في البحر، ولهذا قال: {ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِى ٱلْيَمِّ نَسْفاً}. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن رجاء، أنبأنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن عمارة بن عبد وأبي عبد الرحمن عن علي رضي الله عنه قال: إن موسى لما تعجل إلى ربه، عمد السامري فجمع ما قدر عليه من حلي نساء بني إسرائيل، ثم صوره عجلاً، قال: فعمد موسى إلى العجل، فوضع عليه المبارد، فبرده بها وهو على شط نهر، فلم يشرب أحد من ذلك الماء ممن كان يعبد العجل إلا اصفر وجهه مثل الذهب، فقالوا لموسى: ما توبتنا؟ قال: يقتل بعضكم بعضاً، وهكذا قال السدي، وقد تقدم في تفسير سورة البقرة، ثم في حديث الفتون بسط ذلك. وقوله تعالى: {إِنَّمَآ إِلَـٰهُكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِى لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَىْءٍ عِلْماً} يقول لهم موسى عليه السلام: ليس هذا إلهكم، إنما إلهكم الله الذي لا إله إلا هو، ولا تنبغي العبادة إلا له، فإن كل شيء فقير إليه، عبد له. وقوله: {وَسِعَ كُلَّ شَىْءٍ عِلْماً} نصب على التمييز، أي: هو عالم بكل شيء، {أية : قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَىْءٍ عِلْماً} تفسير : [الطلاق: 12]، و {أية : وَأَحْصَىٰ كُلَّ شَىْءٍ عَدَداً} تفسير : [الجن: 28]، فلا {أية : يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ} تفسير : [سبأ: 3]، {أية : وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِى ظُلُمَـٰتِ ٱلأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِى كِتَـٰبٍ مُّبِينٍ} تفسير : [الأنعام: 59]، {أية : وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِى كِتَابٍ مُّبِينٍ} تفسير : [هود: 6]، والآيات في هذا كثيرة جداً.

المحلي و السيوطي

تفسير : {قَالَ فَمَا خَطْبُكَ } فما شأنك الداعي إلى ما صنعت {يَٰسَٰمِرِيُّ}؟.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ} الخطب ما يحدث من الأمور الجليلة التي يخاطب عليها، قال الشاعر: شعر : آذنت جارتي بوشك رحيل بكرا جاهرت بخطب جليل تفسير : وفي السامري قولان: أحدهما أنه كان رجلاً من أهل كرمان، تبع موسى من بني إسرائيل، قاله الطبري، وكان اسمه موسى بن ظفر. أحدهما: أنه كان رجلاً من أهل كرمان، تبع موسى من بني إسرئيل، قاله الطبري، وكان اسمه موسى بن ظفر. وفي تسميته بالسامري قولان: أحدهما: أنه كان من قبيلة يقال لها سامرة، قاله قتادة. الثاني: لأنه كان من قرية تسمى سامرة. {قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُواْ بِهِ} فيه وجهان: أحدهما: نظرت ما لم ينظروه، قاله أبو عبيدة. الثاني: بما لم يفطنواْ له، قاله مقاتل. وفي بصرت وأبصرت وجهان: أحدهما: أنَّ معناهما واحد. الثاني: أن معناها مختلف، بأبصرت بمعنى نظرت، وبَصُرت بمعنى فطنت. {فَقَبَضْتُ قَبْضَةً} قرأه الجماعة بالضاد المعجمة، وقرأ الحسن بصاد غير معجمة، والفرق بينهما أن القبضة بالضاد المعجمة، بجميع الكف، وبصاد غير معجمة: بأطراف الأصابع {مِّنْ أَثَرِ الرَّسُولِ} فيه قولان: أحدهما: أن الرسول جبريل. وفي معرفته قولان: أحدهما: لأنه رآه يوم فلق البحر فعرفه. الثاني: أن حين ولدته أمه [جعلته في غار] - حذراً عليه من فرعون حين كان يقتل بني إسرائيل وكان جبريل يغذوه صغيراً لأجل البلوى، فعرفه حين كبر، فأخذ قبضة تراب من حافر فرسه وشدها في ثوبه {فَنَبَذْتُهَا} يعني فألقيتها، وفيه وجهان: أحدهما: أنه ألقاها فيما سبكه من الحلي بصياغة العجل حتى خار بعد صياغته. الثاني: أنه ألقاها في جوف العجل بعد صياغته حتى ظهر خواره، فهذا تفسيره على قول من جعل الرسول جبريل. والقول الثاني: أن الرسول موسى، وأن أثره شريعته التي شرعها وسنته التي سنها، وأن قوله: {فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَأ} أي طرحت شريعة موسى ونبذت سنته، ثم اتخذت العجل جسداً له خوار. {وَكَذلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي} فيه وجهان: أحدهما: حدثتني نفسي. قاله ابن زيد. الثاني: زينت لي نفسي، قاله الأخفش. قوله عز وجل: {قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَياةِ أَن تَقُولَ لاَ مِسَاسَ} فيه قولان: أحدهما: أن قوله: {فَاذْهَبْ} وعيد من موسى، ولذا [فإن] السامري خاف فهرب فجعل يهيم في البرية مع الوحوش والسباع، لا يجد أحداً من الناس يمسه، حتى صار كالقائل لا مساس، لبعده عن الناس وبعد الناس منه. قالت الشاعرة: شعر : حمال رايات بها قنعاسا حتى يقول الأزد لا مساسا تفسير : القول الثاني: أن هذا القول من موسى [كان] تحريماً للسامري، وأن موسى أمر بني إسرائيل ألا يؤاكلوه ولا يخالطوه، فكان لا يَمَسُّ وَلاَ يُمَسُّ، قال الشاعر: شعر : تميم كرهط السامري وقوله ألا لا يريد السامري مساسا تفسير : أي لا يُخَالِطُونَ وَلاَ يُخَالَطُون. {وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً لَّن تُخْلَفَهُ} يحتمل وجهين: أحدهما: في الإِمهال لن يقدم. الثاني: في العذاب لن يؤخر. قوله عز وجل: {وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً} فيه وجهان: أحدهما: أحاط بكل شيء حتى لم يخرج شيء من علمه. الثاني: وسع كل شيء علماً حتى لم يخل شيء عن علمه به.

ابن عطية

تفسير : المعنى قال موسى مخاطباً للسامري {فما خطبك يا سامري}، وقوله {ما خطبك} كما تقول ما شأنك وما أمرك، لكن لفظة الخطب تقتضي انتهازاً لأن الخطب مستعمل في المكارة فكأنه قال ما نحسك وما شؤمك وما هذا الخطب الذي جاء من قبلك، و"السامري" قيل هو منسوب إلى قبيلة من بني إسرائيل، وقيل هو منسوب إلى قرية يقال لها سامرة ع وهي معروفة اليوم ببلاد مصر، وقيل اسمه موسى بن ظفر. وقرأت فرقة "بصُرت" بضم الصاد على معنى صارت بصيرتي بصورة ما فهو كطرفت وشرفت، وقرأت فرقة "بصِرت" بكسر الصاد، فيحتمل أن يراد من البصيرة ويحتمل أن يراد من البصر وذلك أن في أمر السامري ما زاده على الناس بالبصر وهو وجه جبريل عليه السلام وفرسه وبالبصيرة وهو ما علمه من أن القبضة اذا نبذها مع الحلي جاءه من ذلك ما يريد، وقرأ الجمهور "يبصروا" بالياء يريد بني إسرائيل، وقرأ حمزة والكسائي "تبصروا" بالتاء من فوق يريد موسى مع بني إسرائيل، وقرأ الجمهور "فقبضت قبضة" بالضاد منقوطة بمعنى أخذت بكفي مع الأصابع، وقرأ ابن مسعود وابن الزبير وأبي بن كعب وغيرهم، "فقبصت قبصة" بالصاد غير منقوطة بمعنى أخذت بأصابعي فقط، وقرأ الحسن بخلاف عنه "قُبضة" بضم القاف. و {الرسول} جبريل عليه السلام، و"الأثر" هو تراب تحت حافر فرسه، وسبب معرفة السامري بجبريل وميزه له فيما روي أن السامري ولدته أمه عام الذبح فطرحته في مغارة فكان جبريل عليه السلام يغذوه ويحميه حتى كبر وشب فميزه بذلك. قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف. وقوله {فنبذتها} أي على الحلي فكان منها ما تراه وهذا محذوف من اللفظ تقتضيه الحال والمخاطبة. ثم قال {وكذلك سولت لي نفسي} أي وكما حدث ووقع قويت لي نفسي وجعلته لي سولاً وإرباً حتى فعلته، وكان موسى عليه السلام لا يقتل بني إسرائيل إلا في حد أو وحي فعاقبه باجتهاد نفسه بأن أبعده ونحاه عن الناس وأمر بني إسرائيل باجتنابه واجتناب قبيلته وأن لا يواكلوا ولا يناكحوا ونحو هذا، وعلمه مع ذلك وجعل له أن يقول مدة حياته {لا مساس} أي لا مماسة ولا إذاية. وقرأ الجمهور "لا مِسَاسَ" بكسر الميم وفتح السين على النصب بالتبرئة وهو اسم يتصرف ومنه قول النابغة: [المتقارب] شعر : فأصبح من ذاك كالسامري إذ قال موسى له لا مساسا تفسير : ومنه قول رؤبة: [الرجز] شعر : حتى يقول الأزد لا مساسا تفسير : واستعماله على هذا كثير. وقرأ أبو حيوة "لا مَساسِ" بفتح الميم وكسر السين وهو معدول عن المصدر كفجار ونحوه، وشبهه أبو عبيدة وغيره بنزال ودراك ونحوه والشبه صحيح من حيث هي معدولات وفارقة في أن هذه عدلت عن الأمر، ومساس وفجارعدلت عن المصدر ومن هذا قول الشاعر: شعر : تميم كرهط السامري تفسير : وقوله: [الطويل] شعر : ألا لا يريد السامري مساس تفسير : وقرأ الجمهور "تخلَفه" بفتح اللام على معنى لن يقع فيه خلف، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو "لن تخلِفه" بكسر اللام على معنى لن تستطيع الروغان عنه والحيدة فتزول عن موعد العذاب، وقرأ الحسن بن أبي الحسن بخلاف "لن نخلفه" بالنون، قال أبو الفتح المعنى لن نصادفه مخلفاً ع وكلها بمعنى الوعيد والتهديد. ثم وبخه عليه السلام بقوله: {وانظر إلى إلهك الذي} أي انظر صنيعك وتغيرنا له وردنا الأمر فيه إلى الواجب. وقرأت فرقة "ظَلت" بفتح الظاء على حذف اللام الواحدة، وقرأت فرقة "ظِلت" بكسر الظاء على نقل حركة اللام إلى الظاء ثم حذفها بعد ذلك نحو قول الشاعر: [أبو زبيد الطائي] [الوافر] شعر : خَيلا ان العِتاقَ من المطايا أَحَسْنَ به فهن إليه شُوسُ تفسير : أراد احْسَسْنَ فنقلت حركة السين إلى الحاء ثم حذفت تخفيفاً، وفي بعض الروايات حسين، وقرأت فرقة "ظللت"، وظل معناه أقام يفعل الشيء نهاراً، ولكنها قد تستعمل في الدائب ليلاً ونهاراً بمثابة طفق. و {عاكفاً} معناه ملازماً حدباً. وقرأت فرقة "لنحرِقنه" بتخفيف الراء بمعنى النار، وقرأ علي بن أبي طالب رضي الله عنه وابن عباس "لنحرُقنَّه" بضم الراء وفتح النون بمعنى لنبردنه بالمبرد، وقرأ نافع وغيره "لنُحرِّقنه" بضم النون وكسر الراء وشدها وهذا تضعيف مبالغة لا تعدية وهي قراءة تحتمل الحرق بالنار وتحتمل بالمبرد، وفي مصحف أبي وعبدالله بن مسعود "لنذبحنه ثم لنحرقنه ثم لننسفنه"، وهذه القراءة مع رواية من روى أن العجل صار لحماً ودماً، وعلى هذه الرواية يتركب أن يكون هناك حرق بنار وإلا فإذا كان جماداً من ذهب فإنما هو حرق بمبرد اللهم إلا أن تكون إذابة ويكون النسف مستعاراً لتفريقه في اليم مذاباً. وقرات فرقة "لننسِفنه" بكسر السين، وقرأت فرقة "لننسُفنه" بضم السين. و"النسف" تفريق الريح الغبار وكل ما هو مثله كتفريق الغربال ونحوه فهو نسف.. و {اليم} غمر الماء من بحر وغيره وكل ما غمر الإنسان من الماء فهو يم، و {نسفاً} تأكيد بالمصدر. واللام في قوله: {لنحرقنه} لام القسم، وفي هذه الآية من القصص أن موسى عليه السلام برد العجل حتى رجع كالغبار ثم ذراه في البحر ثم أمر بني إسرائيل أن يشرب جميعهم من الماء فكلما شرب من كان في قلبه حب العجل خرج على شاربه من الذهب فضيحة له، وقال مكي رحمه الله وأسند أن موسى عليه السلام كان مع السبعين في المناجاة وحينئذ وقع أمر العجل وان الله تعالى أعلم موسى بذلك فكلمه موسى عنهم وجاء بهم حتى سمع لفظ بني إسرائيل حول العجل فحينئذ أعلمهم موسى ع وهذه رواية، الجمهور على خلافها وإنما تعجل موسى عليه السلام وحده فوقع أمر العجل ثم جاءه موسى وصنع ما صنع بالعجل ثم خرج بعد ذلك بالسبعين على معنى الشفاعة في ذنب بني إسرائيل وأن يطلعهم أيضاً على أمر المناجاة فكان لموسى عليه السلام نهضتان والله أعلم.

ابن عبد السلام

تفسير : {فَمَا خَطْبُكَ} الخطب ما يحدث من الأمور الجليلة التي يخاطب عليها، وكان السامري كرمانياً تبع موسى، "أو من عظماء بني إسرائيل" اسمه موسى بن ظفر من قبيلة يقال لها سامرة، أو قرية يقال لها: سامرة.

ابن عادل

تفسير : قوله: {قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِريُّ}. "مَا خَطْبُكَ" مبتدأ وخبر، وتقدم الكلام على الخَطب في يوسف، ومعناه هنا: ما أمرك وشأنُك، أي ما حملك على ما صنعت. وقال ابن عطيَّة هنا: إنه يقتضي إشهاراً، كأنه قال: ما نَحْسُكَ وما شُؤْمُك. ورد عليه أبو حيَّان بقوله: {أية : قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا ٱلْمُرْسَلُونَ} تفسير : [الحجر: 57]، [الذاريات: 31]. قوله: "بَصُرْتُ" يقال: بَصُر الشيء، أي: علمه، وأبصره أي: نظر إليه كذا قال الزجاج. وقال غيره: بصر بالشيء وأبصره بمعنى: علمه. والعامة علم ضم الصاد في الماضي ومضارعه وقرأ الأعمش وأبو السمال "بَصِرتُ" بالكسر"يَبْصَرُوا" بالفتح وهي لغة. وعمرو بن عبيد بالبناء للمفعول في الفعلين، أي أُعْلِمْتُ بما لم يعلموا به، وقرأ الأخوان "تَبْصَرُوا" خطاباً لموسى وقومه أو تعظيماً له كقوله: {أية : إِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ} تفسير : [البقرة:231،232]. شعر : 3686- حَرَّمْتُ النِّسَاءَ سِوَاكُمُ تفسير : والباقون بالغيبة من قومه والعامة على فتح القاف من "قَبْضَة" وهي المرة من القبض. قال الزمخشري: وأما القبضة فالمرة من القبض، وإطلاقها على المقبوض من تسمية المفعول بالمصدر. قال شهاب الدين: والنحاة يقولون: إن المصدر الواقع كذلك لا يؤنث بالتاء تقول: هذه حلةٌ نسجُ اليمن، ولا تقول: نسجة اليمن، ويعترضون بهذه الآية، ثم يجيبون بأن الممنوع إنما هو التاء الدالة على التحديد لا على مجرد التأنيث، وهذه التاء دالة على مجرد التأنيث، وكذلك قوله: {أية : وَٱلأَرْضُ جَمِيعـاً قَبْضَـتُهُ} تفسير : [الزمر: 67]. وقرأ الحسن "قُبْضَةً" بضم القاف وهي كالغُرْفَة والمُضْغَة في معنى المغروف والمقبوض. وروي عنه "قُبْصَة" بالصاد المهملة. والقَبْض بالمعجمة بجمع الكف، وبالمهملة بأطراف الأصابع، وله نظائر كالخضم وهو الأكل بجميع الفم والقضم بمقدمه، والقضم قطع بانفصال والفصم بالفاء باتصال، وقد تقدَّم شيء من ذلك في البقرة. وأدغم ابن محيصن الضاد المعجمة في تاء المتكلم مع إبقائه الإطباق. وأدغم الأخوان وأبو عمرو الذال في التاء من "فَنَبَذْتُهَا". فصل لما أجاب هارون أخاه موسى بالجواب المتقدم أقبل موسى على السامريّ وقال له: "مَا خَطْبُكَ" أي: ما حملَكَ على ما فعلتَ؟ فقال: {بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُواْ بِهِ} أي: رأيت ما لم يروا بنو إسرائيل وعرفت ما لم يعرفوا. قال ابن عباس: علمتُ ما لم يعلموا، ومنه قولهم: رجل بصيرٌ، أي: عالم قاله أبو عبيدة وأراد أنه رأى جبريل عليه السلام فأخذ من موضع حافر دابته قبضةً من تراب، فقال: {فَقَبَضْتُّ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ}. وقرأ ابن مسعود: "مِنْ أَثَرِ فَرَسِ الرَّسُولِ" والمراد بالرسول جبريل - عليه السلام - (عند عامَّة المفسرين، وأراد بأثره التراب الذي) أخذه من موضع حافر دابته لما رآه يوم فلق البحر. وعن عليٍّ - رضي الله عنه - أنَّ جبريل - عليه السلام - لمَّا نزل ليذهب موسى إلى الطور أبصره السَّامريّ من بين الناس. واختلفُوا في أنه كيف اختص السامريُّ برؤية جبريل ومعرفته بين الناس؟ فقال ابن عبَّاس في رواية الكلبي: إنَّما عرفه، لأنه رآه في صغره، وحفظه من القتل حين أمر فرعون بذبح أولاد بني إسرائيل، فكانت المرأة إذا ولدتْ طرحتْ ولدَها حيث لا يشعر به آل فرعون، فيأخذ الملائكة الولدان ويربونَهم حتى يترعرعوا ويختلطوا بالناس، فكان السامريُّ ممن أخذه جبريل - عليه السلام -، وجعل كفَّ نفسه في فيه وارتضع منه اللبن والعسل ليربيه - فلما قضي على يديه من الفتنة فلم يزل يختلف إليه حتى عرفه. قال ابن جريج: فعل هذا قوله: {بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُواْ بِهِ} يعني رأيت ما لم يروه. ومَنْ فسّر الإبصار بالعلم فهو صحيح، ويكون المعنى علمتُ أن تراب فرس جبريل - عليه السلام - له خاصة الإحياء، وذلك أنه كان كلما رفع الفرس يديه أو رجليه في مشيه على الطريق اليبس يخرج تحته النبات في الحال. وقال أبُو مسلم: ليس في القرآن تصريح بما ذكره المفسرون فهنا وجه آخر، وهو أن يكون المرادُ بالرسول موسى - عليه السلام -، وبأثره سنته ورسمه الذي أمر به فقد يقول الرجل: إنَّ فلاناً يقفُوا أثرَ فلان يقتص أثرَه إذا كان يمتثل رسمه، والتقدير أنَّ موسى - عليه السلام - لمَّا أقبل على السامريِّ باللوم والمسألة عن الأمر الذي دعاه إلى إضلال القوم في العِجْل فقال: {بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُواْ بِهِ} أي عرفت أن الذي أنتم عليه (ليس بحق)، وقد كنت قبضتُ قبضةً من أثرك أيُّها الرسولُ أي: شيئاً من دينك، فنبذته أي: طرحته، فعند ذلك أعلمه موسى - عليه السلام - بما له من العذاب في الدُّنيا والآخرة، وإنما أورد بلفظ الإخبار عن غائب كما يقول الرجل لرئيسه وهو مواجه له: ما يقولُ الأميرُ في كذا، أو بماذا يأمرُ الأمير. وأما ادِّعاؤُه أنَّ موسى - عليه السلام - رسول مع جحده وكفره فعلى مذهب من حكى الله عنه قوله: {أية : يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ} تفسير : [الحجر:6] وإن لم يؤمنوا بالإنزال. قال ابن الخطيب: وهذا الذي ذكره أبو مسلم (ليس فيه إلاَّ أنَّه مخالف للمفسرين، ولكنه أقرب إلى التحقيق لوجوه: أحدها: أن جبريل - عليه السلام -) ليس معهوداً باسم الرسول، ولم يجز له فيما تقدم ذكر حتى تجعل لام التعريف إشارة إليه، فإطلاق لفظ الرسول لإرادة جبريل كأنه تكليف بعلم الغيب. وثانيها: أنه لا بد فيه من الإضمار وهو قبضة من أثر حافر دابة الرسول والإضمار خلاف الأصل. وثالثها: أنه لا بد من التعسف في بيان أنَّ السامريّ كيف اختصَّ من بين جميع الناس برؤية جبريل ومعرفته، ثم كيف عرف أن تراب حافر دابته يؤثر هذا الأثر، والذي ذكروه من أن جبريل - عليه السلام - هو الذي ربَّاه فبعيد، لأن السامريَّ إن عرف أنه جبريل حال كمال عقله عرف قطعاً أنَّ موسى - عليه السلام - نبيٌّ صادقٌ، فكيف يحاول الإضلال، وإن كان ما عرفه حال البلوغ فأنَّى ينفعه كون جبريل - عليه السلام - (مربّياً له) حال الطفولية في حصول تلك المعرفة. ورابعها: أنه لو جاز إطلاع بعض الكفرة على ترابٍ هذا شأنه لكان لقائل أن يقول: فلعل موسى اطلع أيضاً على شيء آخر يشبه ذلك، فلأجله أتى بالمعجزات، فرجع حاصله إلى سؤال من يطعن في المعجزات ويقول: لِمَ لا يجوز أن يقال: إنَّهم أتوا بهذه المعجزات لاختصاصهم بمعرفة بعض الأدوية التي لها خاصية أن يفيد حصول تلك المعجزة، وحينئذ يسند باب المعجزات بالكلية. ثم قال: {وَكَذَٰلِك سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي} أي زينت، والمعنى: فعلتُ ما دعتني إليه نفسي، وسولت مأخوذة من السؤال.

البقاعي

تفسير : ولما فرغ من نصيحة أقرب الناس إليه وأحقهم بنصيحته وحفظه على الهدى إذ كان رأس الهداة، تشوف السامع إلى ما كان من غيره، فاستأنف تعالى ذكره بقوله: {قال} أي موسى عليه السلام لرأس أهل الضلال معرضاً عن أخيه بعد قبول عذره. جاعلاً ما نسب إليه سبباً لسؤاله عن الحامل له عليه: {فما خطبك} أي أمرك هذا العجيب العظيم الذي حملك على ما صنعت وأخبرني العزيز العليم أنك أنت أضللتهم به {يا سامري * قال} السامري مجيباً له: {بصرت} من البصر والبصيرة {بما لم يبصروا به} من أمر الرسول الذي أجاز بنا البحر {فقبضت} أي فكان ذلك سبباً لأن قبضت {قبضة} أي مرة من القبض، أطلقها على المقبوض تسمية للمفعول بالمصدر {من أثر} فرس ذلك {الرسول} أي المعهود {فنبذتها} في الحلي الملقى في النار، أو في العجل {وكذلك} أي وكما سولت لي نفسي أخذ اثره {سولت} أي حسنت وزينت {لي نفسي} نبذها في الحلي فنبذتها، فكان منها ما كان، ولم يدعني إلى ذلك داع ولا حملني عليه حامل غير التسويل. ولما كان فعله هذا مفرقاً لبني إسرائيل عن طريق الحق التي كانوا عليها، وجامعاً لهم على تمثال حيوان هو من أخس الحيوانات، وعلى نفسه بكونه صار متبوعاً في ذلك الضلال، لكونه كان سببه، عوقب بالنفرة من الإنسان الذي هو أشرف الحيوان، ليكون ذلك سبباً لضد ما تسبب عن فعله، فيعاقب بالدنيا بعقوبة لا شيء أشد منها وذلك أنه منع من مخالطة الناس منعاً كلياً فلا يتصل بأحد ولا يتصل به أحد، بل يكون وحيداً طريداً ما دام حياً، فلذلك استؤنف الإخبار عن هذا بقوله تعالى: {قال} أي له موسى عليه السلام: {فاذهب} أي تسبب عن فعلك أني أقول لك: اذهب من بيننا، أو حيث ذهبت {فإن لك في الحياة} أي ما دمت حياً {أن تقول} لكل من رأيته: {لا مساس} أي لا تمسني ولا أمسك، فلا تقدر أن تنفك عن ذلك لإرادة الإله الحق ذلك بك وترغيبك فيه - بما أفادته اللام، لتعلم أنت ومن تبعك أنكم كنتم على أعظم ضلال في ترك القادر على كل شيء، واتباع ما لا قدرة له على شيء {وإن لك} بعد الممات {موعداً} للثواب إن تبت، وللعقاب إن أبيت {لن تخلفه} مبنياً للفاعل وللمفعول، أي لا يكون خلفك ولا تكون أنت خلفه، بل يكون كل منكما مواجهاً لصاحبه، لا انفكاك له عنه، كما أنك في الحياة لا تقدر أن تنفك عن النفرة من الناس، فاختر لنفسك ما يحلو. ولما ذكر ما للإله الحق من القدرة التامة في الدارين، أتبعه عجز العجل فقال: {وانظر إلى إلهك} أي بزعمك {الذي ظلت} أي دمت في مدة يسيرة جداً بما أشار إليه تخفيف التضعيف {عليه عاكفاً} أي مقبلاً مقارباً مواظباً جهاراً {لنحرقنه} أي بالنار وبالمبرد - كما سلف عن نص التوراة، وكان معنى ذلك أنه أحماه حتى لان فهان على المبارد {ثم لننسفنه} أي لنذرينه إذا صار سحالة {في اليم} أي البحر الذي أغرق الله فيه آل فرعون وهو أهل لأن يقصد فيجمع الله سحالته التي هي من حيلهم وأموالهم فيحميها في نار جهنم ويكويهم ويجعلها من أشد العذاب عليهم، وأكد الفعل إظهاراً لعظمة الله الذي أمره بذلك، وتحقيقاً للصدق في الوعد فقال: {نسفاً}.

القشيري

تفسير : سأل موسى كلَّ واحدٍ منهم بنوعٍ آخر، وإن معاتبته مع قومه، ومطالبته لأخيه، وتَغَيُّرَه في نَفْسِه، واستيلاَءَ الغضب عليه - لم يغيِّرْ التقدير، ولم يُؤَخِّرْ المحكوم.

اسماعيل حقي

تفسير : {قال} كأنه قيل فماذا صنع موسى بعد اعتذار القوم واعتذار هارون واستقرار اصل الفتنة على السامرى فقيل قال موبخا له هذا شأنهم {فما خطبك يا سامرى} الخطب لغة الامر العظيم الذى يكثر فيه التخاطب وهو من تقاليب الخبط. ففيه اشارة الى عظيم خبطه والمعنى ما شأنك وما مطلوبك فيما فعلت وما الذى حملك عليه: وبالفارسية [جيست اين كار عظيم ترا اى سامرى يعنى اين جيست كه كردى] خاطبه بذلك ليظهر للناس بطلان كيده باعترافه ويفعل به وبما صنعه من العقاب ما يكون نكالا للمفتونين به ولمن خلفهم من الامم. قال بعض الكبار {فما خطبك يا سامرى} يعنى فيما صنعت من عدو لك الى صورة العجل على الاختصاص وصنعك هذا الشبخ من حلى القوم حتى اخذت بقلوبهم من اجل اموالهم فان عيسى عليه السلام يقول لبنى اسرائيل يا بنى اسرائيل قلب كل انسان حيث ماله فاجعلوا اموالكم فى السماء تكن قلوبكم هناك اى تصدقوا وقدموا الى الآخرة التى هى ابقى واعلى وما سمى المال مالا الا لكونه بالذات تميل القلوب اليه فى نيل المقاصد وتحصيل الحوائج: وفى المثنوى شعر : مال دنيا دام مرغان ضعيف ملك عقبى دام مرغان شريف هين مشوكر عارفى مملوك ملك ملك الملك آنكه بجهيد اوزهلك

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {قال} موسى عليه السلام في توبيخ السامري: {فما خطبُك يا سامريُّ} أي: ما شأنك، وما مطلوبك فيما فعلتَ من فتنة القوم؟ خاطبه بذلك؛ ليظهرَ للناس بطلانُ كيده باعترافه، وليفعل به وبما صنع من العقاب ما يكون نكالاً للمفتونين به، ولمن خلفهم من الأمم من بعده، {قال} السامري في جوابه: {بَصُرْتُ بما لم يَبْصُرُوا به} أي: علمت ما لم يعلمه القوم، وفطِنت لما لم يفطنوا به، أو رأيتُ ما لم يروه، وهذا أنسب، وقد كان رأى جبريل عليه السلام، جاء راكبًا فرسًا، وكان كلما رفع الفرسُ يده أو رجله عن الطريق اليبس، اخضر ما تحت قدمه بالنبات، فعرف أن له شأنًا، فأخذ من موطئه شيئًا من التراب. وذلك قوله تعالى: {فقبضتُ قبضةً من أَثَرِ الرسولِ} أي: أثر فرس الرسول، وهو جبريل، الذي أرسل إليك ليذهب بك إلى الطور. وقال في اللباب: كان السامري من المقربين لموسى عليه السلام، فرأى جبريلَ راكبًا على فرس، وقد دخل البحر فانفلق، فأخذ من أثره، ولم ير ذلك إلا من كان مع موسى. هـ. وقال قتادة: كان السامري عظيمًا في بني إسرائيل، من قبيلة يقال لها: سامرة، ولكن عدو الله نافق، بعدما قطع البحرَ مع بني إسرائيل، فلما مرت بنو إسرائيل بالعمالقة، وهم يعكفون على أصنام لهم، وكانوا يعبدون البقر، {أية : قَالُواْ يٰمُوسَىٰ ٱجْعَلْ لَّنَآ إِلَـٰهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ} تفسير : [الأعرَاف: 138]. فاغتنمها السامري فاتخذ العجل. هـ. وقال الكواشي: وإنما عرف السامريُّ جبريلَ من بين سائر الناس؛ لأن أمه ولدته في السنة التي يُقتل فيها الغلمان، فوضعته في كهف؛ حذرًا عليه، فبعث الله تعالى جبريل؛ ليربيه لِمَا قضى على يديه من الفتنة. هـ. وضعّفه ابن عطية. قلت: ولعل تضعيفه من جهة النقل، وأما القدرة فهي صالحةَ ليقضي الله أمرًا كان مفعولاً. ثم قال: فأخذت تلك القبضة {فنبذتُها} في فم تلك الصورة المذابة من الحُليّ، فصارت تخور، {وكذلك سَوَّلَتْ لي نفسي}؛ أي: زينت. والإشارة: نعت لمصدر محذوف، أي: سَوَّلَتْ لي نفسي تسويلاً كائنًا مثل ذلك التسويل البديع. وحاصل جوابه: أن ما فعله إنما صدر منه بمحض اتباع هوى النفس الأمارة وإغوائها، لا لشيء آخر من البرهان العقلي أو الإلهام الإلهي، فند ذلك {قال} له موسى عليه السلام: {فاذهبْ} أي: اخرج من بين الناس، {فإِنَّ لك في الحياة} أي: في مدة حياتك، {أن تقولَ لا مِسَاس} والمعنى: أن لك في مدة حياتك أن تفارقهم مفارقة كلية، لا بحسب الاختيار، بل بحسب الاضطرار الملجئ إليه، وذلك أنه تعالى رماه بداء عقام، لا يكاد يَمَسُّهُ أحد، أو يمسُّ أحدًا، إلا حُمّ من ساعته حمى شديدة، فتحامَى الناسَ وتحاموه، وكان يَصيح بأقصى طوقه: لا مساس. وقيل: إن موسى عليه السلام نفاه من قومه، وأمر بني إسرائيل ألا يخالطوه ولا يقربوه. قال الحسن: (جعل الله عقوبة السامري ألا يمَاس الناسَ ولا يماسوه. جعل ذلك له ولمن كان منه إلى يوم القيامة). فكأن الله تعالى شدَّد عليه المحنة، وجعل ذلك عقوبة له في الدنيا. ويقال: ابتلي بالوسواس، وأصل الوسواس من ذلك الوقت. وقال قتادة: بقاياه اليوم يقولون ذلك: لا مساس. ويقال: إن موسى همّ بقتل السامري، فقال الله تعالى له: لا تقتله؛ فإنه سخي. ولعل الحكمة في عقابه بهذه العقوبة: أن مخالطته للناس نشأت من هذه الفتنة، فعوقب بالطرد والبعد عنهم. ثم قال له الله: {وإِنَّ لك موعدًا} أي: في الآخرة، {لن تُخْلَفه} أي: لن يُخلفك الله ذلك الوعد، بل يُنجزه لك أَلبتةَ، بعد ما عاقبك في الدنيا. أو لن تجاوزه ولن تخطئه، بل لا بد لك من ملاقاته. {وانظر إِلى إِلهك} العجل، {الذي ظَلْتَ عليه عاكفًا}؛ مقيمًا على عبادته، {لنُحَرِّقنه} أي: والله لنحرقنه بالنار، وقيل بالمبْرد، مبالغةً في الحرق، ويعضده قراءة: "لنحْرُقنه"، {ثم لنَنْسِفَنَّه} أي: لنذرينه بالريح {في اليمِّ}؛ في البحر، رمادًا، أو مبرودًا كأنه هباء، {نَسْفًا} بحيث لا يبقى منه عين ولا أثر، وقد فعل عليه السلام ذلك كله حينئذ، كما يشهد بذلك الأمرُ بالنظر، وإنما لم يصرح به؛ تنبيهًا على كمال ظهوره، واستحالة الخلف في وعده المؤكد باليمين. ثم نبَّه على الحق فقال: {إِنما إِلهُكم الله} أي: إنما معبودكم المستحق للعبادة هو الله. والجملة: استئنافية مسوقة لتحقيق الحق، إثر إبطال الباطل، بتلوين الخطاب وتوجيهه إلى الكل، ثم وصفه بقوله: {الذي لا إِله إِلا هو} وحده، من غير أن يُشاركه في الألوهية شيء من الأشياء، {وَسِعَ كل شيءٍ علمًا} أي: وسع علمه كل ما من شأنه أن يُعلم. وجملة: {وسع}: بدل من الصلة، أي: إنما إلهكم: الذي وسع كل شيء علمًا لا غيره كائنًا ما كان، فيدخل فيه العجل دخولاً أوليًا. وهذا ختم كلام موسى عليه السلام، بتقرير أمر التوحيد، كما كان افتتاح الوحي إليه به بقوله: {إِنني أنا الله لا إِله إِلا أنا}. والله تعالى أعلم. الإشارة: انظر أثر حافر فرس جبريل: كيف حييت به الأشباح، فكيف لا تحيا بتقبيل أثر وطء العارفين بالله، أو بتقبيل أقدامهم، بل كل من خضع لهم وقبَّل أقدامهم حييت روحه، وشعشعت أنواره، وتحقق عرفانه، كما هو معلوم؛ لأن الخضوع لأولياء الله إنما هو خضوع لله؛ لأنهم يدلون على الله، ويبعدون عن كل ما سواه. وانظر السامري؛ حين خضع لغير الله بمجرد هواه كيف طُرد وأُبعد، حتى صار مثلاً في الناس. فقالت الصوفية: ينبغي للفقير أن يفر من أبناء جنسه، ويكون كالسامريِ، إذا رأى أحدًا قال: لا مساس، وأنشدوا: شعر : وخَفْ أبناءَ جنسك واخش منهم كما تخشى الضراغم والسُّنْبَتا وخالِطْهم وزايلهم حِذارًا وكن كالسامري إذا لُمِسْتَ تفسير : والسنبتاء: كل حيوان جريء، وقيل: اسم للنمر. ويقال، لمن ركن إلى شيء دون الله تعالى؛ مِنْ علم، أو عمل، أو حال، أو مقام، أو فني في مخلوق: (وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفًا لنُحرقنه ثم لننسفنّه في اليم نسفًا). وفي بعض الأثر: يقول الله: "حديث : يا عبدي، لا تركْن لشيء دوني، فإنْ ركنتَ إلى علم جهّلناك فيه، وإن ركنت إلى عمل رددناه عليك، وإن ركنتَ إلى حال وقفناك معه، وإن ركنتَ إلى معرفة نكرناها عليك. فأي حيلة لك أيها العبد، فكن لنا عبدًا أكن لك ربًّا"تفسير : . أو كما قال. وإليه الإشارة بقوله: {إنما إلهكم الله...} الآية. ثمَّ ذكر نبيه عليه الصلاة والسلام بنعمة اطلاعه على هذه القصص البديعة

الجنابذي

تفسير : اى ما صنعك؟ وكيف صنعته؟- فهو سؤال عن كيفيّة صنعه ولذلك اجابة بها.

اطفيش

تفسير : {قَالَ} موسى {فَمَا خَطْبُكَ} ما شأنك الحامل لك على ما صنعت {يَا سَامِرِىُّ}؟ والخطب: الأمر العظيم، ويطلق على غيره. وذلك إنكار، وهو مصدر خطبت الشئ: طلبته. والشأن والأمر العظيم مطلوبان. وعن بعض: معناه: ما طلبك؟ قيل: الخطب: الأمر والشأن. ولغة الخطب تقتضى انتهاء؛ لأن الخطب يستعمل فى المكان، كذلك يقال. والظاهر أن المراد ما توصلت به إلى خوار جسدٍ ذَهَبْ، أو إليه وإلى كونه لحما ودما ليناسب الجواب.

اطفيش

تفسير : {قال} بعد الفراغ من عتاب هارون، وبدأ به لأنه أعظم شأناً في الدين، ولقرابته وكونه ركناً في مدافعة السامرى وقومه {فمَا خَطْبُك يا سامرىّ} ما شأنك أو ما سببك أو ما مطلوبك، وهو فقط يستعمل في الأمر العظيم الذى من شأنه التخاطب، مراجعة الكلام.

الالوسي

تفسير : {قَالَ } استئناف وقع جواباً عما نشأ من حكاية ما سلف من اعتذار القوم بإسناد الفساد إلى السامري واعتذار هارون عليه السلام كأنه قيل: فماذا صنع موسى عليه السلام بعد سماع ما حكى من الاعتذارين واستقرار أصل الفتنة على السامري؟ فقيل قال موبخاً له إذا كان الأمر هذا {فَمَا خَطْبُكَ يٰسَـٰمِرِيُّ } أي ما شأنك والأمر العظيم الصادر عنك؛ وما سؤال عن السبب الباعث لذلك، وتفسير الخطب بذلك هو المشهور، وفي «الصحاح» الخطب سبب الأمر. وقال بعض الثقات: هو في الأصل مصدر خطب الأمر إذا طلبه فإذا قيل لمن يفعل شيئاً: ما خطبك؟ فمعناه ما طلبك له وشاع في الشأن والأمر العظيم لأنه يطلب ويرغب فيه، واختير في الآية تفسيره بالأصل ليكون الكلام عليه أبلغ حيث لم يسأله عليه السلام عما صدر منه ولا عن سببه بل عن سبب طلبه، وجعل الراغب الأصل لهذا الشائع الخطب بمعنى التخاطب أي المراجعة في الكلام، وأطلق عليه لأن الأمر العظيم يكثر فيه التخاطب، وجعل في «الأساس» الخطب بمعنى الطلب مجازاً فقال: ((ومن المجاز فلان يخطب عمل كذا يطلبه وما خطبك ما شأنك الذي تخطبه))، وفرق ابن عطية بين الخطب والشأن بأن الخطب يقتضي انتهاراً ويستعمل في المكاره دون الشأن ثم قال فكأنه قيل ما نحسك وما شؤمك وما هذا الخطب الذي جاء منك انتهى. وليس ذلك بمطرد فقد قال إبراهيم عليه السلام للملائكة عليهم السلام: {أية : فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا ٱلْمُرْسَلُونَ } تفسير : [الحجر: 57] ولا يتأتى فيه ما ذكر. وزعم بعض من جعل اشتقاقه من الخطاب أن المعنى ما حملك على أن خاطبت بني إسرائيل بما خاطبت وفعلت معهم ما فعلت وليس بشيء، وخطابه عليه السلام إياه بذلك ليظهر للناس بطلان كيده باعترافه ويفعل به وبما أخرجه ما يكون نكالاً للمفتونين ولمن خلفهم من الأمم.

ابن عاشور

تفسير : التفت موسى بتوجيه الخطاب إلى السامريّ الذي كان سبباً في إضلال القوم، فالجملة ناشئة عن قول القوم {أية : فكذلك ألقى السامريّ فأخرج لهم عجلاً}تفسير : [طه: 88] الخ، فهي ابتداء خطاب. ولعل موسى لم يغلظ له القول كما أغلظ لهارون لأنه كان جاهلاً بالدّين فلم يكن في ضلاله عجب. ولعل هذا يؤيد ما قيل: إن السامريّ لم يكن من بني إسرائيل ولكنه كان من القِبط أو من كِرمان فاندسّ في بني إسرائيل. ولما كان موسى مبعوثاً لبني إسرائيل خاصة ولفرعون وملئه لأجل إطلاق بني إسرائيل، كان اتّباع غير الإسرائيليين لشريعة موسى أمراً غير واجب على غير الإسرائيليين ولكنه مرغّب فيه لما فيه من الاهتداء، فلذلك لم يعنفه موسى لأنّ الأجدر بالتعنيف هم القوم الذين عاهدوا الله على الشريعة. ومعنى {ما خطبك} ما طَلبك، أي ماذا تخطب، أي تطلب، فهو مصدر. قال ابن عطية: «وهي كلمة أكثر ما تستعمل في المَكاره، لأن الخطب هو الشأن المكروه. كقوله تعالى: {أية : فما خَطبكم أيها المرسلون}تفسير : [الذاريات: 31]، فالمعنى: ما هي مصيبتك التي أصبت بها القوم وما غرضك مما فعلت. وقوله {بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِه} إلى قوله {فَنَبَذْتُهَا} إن حُملت كلمات (بَصُرت بما لم يبصروا به. وقبضت قبضة، وأثر، ونبذتها) على حقائق مدلولاتها كما ذهب إليه جمهور المفسرين كان المعنى أبصرت ما لم يُبصروه، أي نظرت ما لم ينظروه، بناء على أن بَصُرت، وأبصرت كلاهما من أفعال النظر بالعين، إلا أن بصُر بالشيء حقيقته صار بصيراً به أو بصيراً بسببه، أي شديد الإبصار، فهو أقوى من أبصرت، لأنّه صيغ من فَعُل ــــ بضم العين ــــ الذي تشتق منه الصفات المشبهة الدالة على كون الوصف سجية، قال تعالى: {أية : فبصرت به عن جنب}تفسير : في سورة القصص (11). ولما كان المعنى هنا جليّاً عن أمر مرئيّ تعيّن حمل اللفظ على المجاز باستعارة بصُر الدال على قوّة الإبصار إلى معنى العِلم القويّ بعلاقة الإطلاق عن التقييد، كما في قوله تعالى: {أية : فبصرك اليوم حديد}تفسير : [ق: 22]، وكما سميت المعرفة الراسخة بَصيرة في قوله {أية : أدعوا إلى الله على بصيرة}تفسير : [يوسف: 108]. وحكى في «لسان العرب» عن اللحياني: إنه لبصير بالأشياء، أي عالم بها، وبصرت بالشيء: علمته. وجعل منه قوله تعالى: {بصرت بما لم يبصروا به}، وكذلك فسرها الأخفش في نقل لسان العرب وأثبته الزجاج. فالمعنى: علمتُ ما لم يعلموه وفطنت لما لم يفطنوا له، كما جعله في «الكشاف» أول وجهين في معنى الآية. ولذلك طريقتان: إما جعل بصُرت مجازاً، وإما جعله حقيقة. وقرأ الجمهور {يبصروا} بتحتية على أنه رافع لضمير الغائب. وقرأه حمزة، والكسائي، وخلف بفوقية على أنه خطاب لموسى ومن معه. والقَبضة: بفتح القاف الواحدة: من القَبض، وهو غلق الراحة على شيء، فالقبضة مصدر بمعنى المفعول، وضد القبض: البسط. والنبذ: إلقاء ما في اليد. والأثر: حقيقته: ما يتركه الماشي من صورة قَدَمِه في الرمل أو التراب. وتقدم آنفاً عند قوله تعالى: {أية : قال هم أولاء على أثري}تفسير : [طه: 84]. وعلى حمل هذه الكلمات على حقائقها يتعين صرف الرسول عن المعنى المشهور، فيتعين حمله على جبريل فإنه رسول من الله إلى الأنبياء. فقال جمهور المفسرين: المراد بالرسول جبريل، ورووا قصة قالوا: إن السامري فتنهُ الله، فأراه الله جبريل راكباً فرساً فوطىءَ حافر الفرس مكاناً فإذا هو مخضَرّ بالنبات. فعلم السامري أن أثر جبريل إذا ألقي في جماد صار حياً، فأخذ قَبضة من ذلك التراب وصنَع عجلاً وألقى القبضة عليه فصار جسداً، أي حياً، له خوار كخوار العجل، فعبر عن ذلك الإلقاء بالنبذ. وهذا الذي ذكروه لا يوجد في كتب الإسرائيليين ولا ورد به أثر من السنّة وإنما هي أقوال لبعض السلف ولعلها تسربت للناس من روايات القصاصين. فإذا صُرفت هذه الكلمات الستُّ إلى معان مجازية كان {بصُرت} بمعنى علمتُ واهتديت، أي اهتديت إلى علم ما لم يعلموه، وهو علم صناعة التماثيل والصور الذي به صنع العجل، وعلم الحِيل الذي أوجد به خُوار العجل، وكانت القبضة بمعنى النصيب القليل، وكان الأثر بمعنى التعليم، أي الشريعة، وكان «نبذت» بمعنى أهملت ونقضت، أي كنت ذا معرفة إجمالية من هدي الشريعة فانخلعت عنها بالكفر. وبذلك يصح أن يحمل لفظ الرسول على المعنى الشائع المتعارف وهو مَن أوحي إليه بشرع من الله وأُمر بتبليغه. وكان المعنى: إني بعملي العجل للعبادة نقضت اتباع شريعة موسى. والمعنى: أنه اعترف أمام موسى بصنعِهِ العجل واعترف بأنه جَهِل فَضَلّ، واعتذر بأن ذلك سوّلته له نفسه. وعلى هذا المعنى فسر أبو مسلم الأصفهاني ورجحه الزمخشري بتقديمه في الذكر على تفسير الجمهور واختاره الفخر. والتسويل: تزيين ما ليس بزين. والتشبيه في قوله {وكَذٰلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي} تشبيه الشيء بنفسه، كقوله تعالى: {أية : وكذلك جعلناكم أمّة وسطاً}تفسير : [البقرة: 143]، أي كذلك التسويل سولت لي نفسي، أي تسويلاً لا يقبل التعريفَ بأكثر من ذلك.

الواحدي

تفسير : ثمَّ أقبل موسى على السَّامري فقال: {فما خطبك} فما قصَّتك وما الذي تخاطب به فيما صنعت؟ {قال بصرت بما لم يبصروا به} علمت ما لم يعلمه بنو إسرائيل. قال موسى: وما ذلك؟ قال: رأيت جبريل عليه السَّلام على فرس الحياة، فأُلقي في نفسي أن أقبض من أثرها، فما ألقيته على شيءٍ إلاَّ صار له روحٌ ولحمٌ ودمٌ، فحين رأيتُ قومك سألوك أن تجعل لهم إلهاً زيَّنت لي نفسي ذلك، فذلك قوله: {فقبضت قبضة من أثر الرسول فنبذتها} طرحتها في العجل {وكذلك سوَّلت لي نفسي} حدَّثتني نفسي. {قال} له موسى صلوات الله عليه: {فاذهب فإنَّ لك في الحياة} يعني: ما دمت حيَّاً {أن تقول لا مساس} لا تخالط أحداً ولا يخالطك، وأمر موسى بني إسرائيل ألا يخالطوه، وصار السَّامريُّ بحيث لو مسَّه أحدٌ أو مسَّ هو أحداً حُمَّ كلاهما {وإن لك موعداً} لعذابك {لن تخلفه} لن يُخلفكه الله {وانظر إلى إلهك} معبودك {الذي ظلت عليه عاكفاً} دمتَ عليه مقيماً تعبده {لنحرقنَّه} بالنَّار {ثمَّ لننسفنَّه} لنذرينَّه في البحر. {إنما إلهكم الله الذي لا إله إلاَّ هو} لا العجل {وسع كلَّ شيء علماً} علم كلَّ شيء علماً.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: فما خطبك: أي ما شأنك وما هذا الأمر العظيم الذي صدر منك. بصرت بما لم يبصروا به: أي علمت من طريق الإِبصار والنظر ما لم يعلموا به لأنهم لم يروه. قبضة من أثر الرسول: أي قبضت قبضة من تراب أثر حافر فرس الرسول جبريل عليه السلام. فنبذتها: أي ألقيتها وطرحتها على الحلى المصنوع عجلاً. سولت لي نفسي: أي زينت لي هذا العمل الذي هو صنع العجل. أن تقول لا مساس: أي اذهب تائها في الأرض طول حياتك وأنت تقول لا مساس أي لا يمسني أحد ولا أمسه لما يحصل من الضرر العظيم لمن تمسه أو يمسك. إلهك: أي العجل. ظلت: أي ظللت طوال الوقت عاكفاً عليه. في اليم نسفاً: أي في البحر ننسفه بعد إحراقه وجعله كالنشارة نسفاً. إنما إلهكم الله: أي لا معبود إلا الله الذي لا إله إلا هو. معنى الآيات: ما زال السياق في الحوار بين موسى وقومه فبعد لومه أخاه وعذله له التفت إلى السامري المنافق إذ هو من عُبَّاد البقر وأظهر الإسلام في بني إسرائيل، ولما اتيحت له الفرصة عاد إلى عبادة البقر فصنع العجل وعبده ودعا إلى عبادته فقال له: في غضب {قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يٰسَامِرِيُّ} أي ما شأنك وما الذي دعاك إلى فعلك القبيح الشنيع هذا فقال السامري كالمعتذر {بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُواْ بِهِ} أي علمت ما لم يعلمه قومك {فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ} حافز فرس {ٱلرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا} في الحلي المصنوع عجلاً فخار كما تخور البقر. {وَكَذٰلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي} ذلك أي زينته لي وحسنته ففعلته، وهنا أجابه موسى عليه السلام بما أخبر تعالى به في قوله: {قَالَ فَٱذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي ٱلْحَيَاةِ أَن تَقُولَ لاَ مِسَاسَ} أي لك مدة حياتك أن تقول لمن أراد أن يقربك لا مساس أي لا تمسني ولا أمسك لتتيه طول عمرك في البرية مع السباع والحيوان عقوبة لك على جريمتك، ولا شك أن فراره من الناس وفرار الناس منه لا يكون مجرد أنه لا يرقب في ذلك، لعله قيل إنها الحمى فإذا مس أحد حُمَّا معاً أي أصابتهما الحمى معاً كأنه أسلاك كهربائية مكشوفة من مسها تكهرب منها. وقوله له: {وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً لَّن تُخْلَفَهُ}، أي ذاك النفي والطرد عذاب الدنيا، وإن لك عذاباً آخر يوم القيامة في موعد لن تخلفه أبداً فهو آت وواقع لا محالة. وقوله: أي موسى للسامري: {وَٱنظُرْ إِلَىٰ إِلَـٰهِكَ} المزعوم {ٱلَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفاً} تعبده لا تفارقه، والله {لَّنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي ٱلْيَمِّ نَسْفاً} وفعلاً حرقه ثم جعله كالنشارة وذره في البحر تذرية حتى يعثر له على أثر، ثم قال لأولئك الذين عبدوا العجل المغرر بهم المضللين: {إِنَّمَآ إِلَـٰهُكُمُ} الحق الذي تجب له العبادة والطاعة {ٱللَّهُ ٱلَّذِي لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً} أي وسع علمه كل شيء فهو عليم بكل شيء وقدير على كل شيء وما عداه فليس له ذلك وما لم يكن ذا قدرة على شيء وعلم بكل شيء فكيف يُعبد ويُطاع..؟! هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- مشروعية الاستنطاق للمتهم والاستجواب له. 2- ما سولت النفس لأحد ولا زينت له شيئاً إلا تورط فيه إن هو عمل بما سولته له، 3- قد يجمع الله تعالى للعبد ذي الذنب العظيم بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة. 4- مشروعية هجران المبتدع ونفيه وطرده فلا يسمح لأحد بالاتصال به والقرب منه. 5- كسر الأصنام والأوثان والصور وآلات اللهو والباطل الصارفة عن عباد الله تعالى.

د. أسعد حومد

تفسير : {يٰسَامِرِيُّ} (95) - فَقَالَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلاَمُ لِلسَّامِرِيِّ: وَمَا الذِي حَمَلَكَ عَلَى صُنْعِ مَا صَنَعْتَ؟ وَمَا الذِي عَرَضَ لَكَ حَتَّى فَعْلَتَ مَا فَعَلْتَ؟ مَا خَطْبُكَ - مَا شَأْنُكَ الخَطِيرُ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : أي: ما شأنك؟ وما قصتك؟ والخَطْب: يُقال في الحدّث المهم الذي يُسمُّونه الحدَث الجلَل، والذي يُقال فيه "خطب"، فليس هو الحدث العابر الذي لا يقف عنده أحد. ومن ذلك قوله تعالى: {أية : مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ ..}تفسير : [يوسف: 51]. وما حكاه القرآن من قول موسى - عليه السلام - لابنتَيْ شعيب: {أية : مَا خَطْبُكُمَا ..}تفسير : [القصص: 23]. ثم يقول الحق سبحانه عن السامري: {قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُواْ بِهِ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {فَمَا خَطْبُكَ يٰسَامِرِيُّ} يعني ما أمْرُكَ. وقال: إنَّ السَّامري كَان من أَهل كَرْمَانَ.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: ما شأنك يا سامري، حيث فعلت ما فعلت؟، فقال: { بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ } وهو جبريل عليه السلام على فرس رآه وقت خروجهم من البحر، وغرق فرعون وجنوده على ما قاله المفسرون، فقبضت قبضة من أثر حافر فرسه، فنبذتها على العجل، { وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي } أن أقبضها، ثم أنبذها، فكان ما كان، فقال له موسى: { فَاذْهَبْ } أي: تباعد عني واستأخر مني { فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لا مِسَاسَ } أي: تعاقب في الحياة عقوبة، لا يدنو منك أحد، ولا يمسك أحد، حتى إن من أراد القرب منك، قلت له: لا تمسني، ولا تقرب مني، عقوبة على ذلك، حيث مس ما لم يمسه غيره، وأجرى ما لم يجره أحد، { وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ } فتجازى بعملك، من خير وشر، { وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا } أي: العجل { لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا } ففعل موسى ذلك، فلو كان إلها، لامتنع ممن يريده بأذى ويسعى له بالإتلاف، وكان قد أشرب العجل في قلوب بني إسرائيل، فأراد موسى عليه السلام إتلافه وهم ينظرون، على وجه لا تمكن إعادته بالإحراق والسحق وذريه في اليم ونسفه، ليزول ما في قلوبهم من حبه، كما زال شخصه، ولأن في إبقائه محنة، لأن في النفوس أقوى داع إلى الباطل، فلما تبين لهم بطلانه، أخبرهم بمن يستحق العبادة وحده لا شريك له، فقال: { إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ ...}.