Verse. 2445 (AR)

٢٠ - طه

20 - Ta-Ha (AR)

قَالَ فَاذْہَبْ فَاِنَّ لَكَ فِي الْحَيٰوۃِ اَنْ تَقُوْلَ لَا مِسَاسَ۝۰۠ وَاِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَّنْ تُخْلَفَہٗ۝۰ۚ وَانْظُرْ اِلٰۗى اِلٰہِكَ الَّذِيْ ظَلْتَ عَلَيْہِ عَاكِفًا۝۰ۭ لَنُحَرِّقَنَّہٗ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّہٗ فِي الْيَمِّ نَسْفًا۝۹۷
Qala faithhab fainna laka fee alhayati an taqoola la misasa wainna laka mawAAidan lan tukhlafahu waonthur ila ilahika allathee thalta AAalayhi AAakifan lanuharriqannahu thumma lanansifannahu fee alyammi nasfan

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قال» له موسى «فاذهب» من بيننا «فإن لك في الحياة» أي مدة حياتك «أن تقول» لمن رأيته «لا مساس» أي لا تقربني فكان بهم في البرية وإذا مس أحدا أو مسه أحد حُمَّا جميعا «وإن لك موعدا» لعذابك «لن تخلفه» بكسر اللام: أي لن تغيب عنه، وبفتحها أي بل تبعث إليه «وانظر إلى إلهك الذي ظلْت» أصله ظللت بلامين أولاهما مكسورة حذفت تخفيفا أي دمت «عليه عاكفا» أي مقيما تعبده «لنحرقنه» بالنار «ثم لننسفنه في اليمّ نسفا» نذرينه في هواء البحر، وفعل موسى بعد ذبحه ما ذكره.

97

Tafseer

المحلي و السيوطي

تفسير : {قَالَ } له موسى {فَٱذْهَبْ } من بيننا { فَإِنَّ لَكَ فِى ٱلْحَيَٰوةِ} أي مدّة حياتك {أَن تَقُولَ } لمن رأيته {لاَ مِسَاسَ } أي لا تقربني، فكان يهيم في البرية وإذا مس أحداً أو مسه أحد حُمَّاً جميعاً {وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً } لعذابك {لَّن تُخْلَفَهُ } بكسر اللام: أي لن تغيب عنه، وبفتحها أي بل تبعث إليه {وَٱنظُرْ إِلَىٰ إِلَٰهِكَ ٱلَّذِى ظَلْتَ } أصله ظللت بلامين أُولاهما مكسورة وحذفت تخفيفاً أي دمت {عَلَيْهِ عَاكِفاً } أي مقيماً تعبده {لَّنُحَرِّقَنَّهُ } بالنار {ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِى ٱلْيَمِّ نَسْفاً } نذرينه في هواء البحر، وفعل موسى بعد ذبحه ما ذكره.

ابن عبد السلام

تفسير : {فَاذْهَبْ} وعيد من موسى، فخاف فهرب يهيم في البرية مع الوحش لا يجد أحداً من الناس يمسه، فصار كالقائل لا مساس لبعده عن الناس وبعدهم عنه أو حرمه موسى بهذا القول، فكان بنو إسرائيل لا يخالطونه ولا يؤاكلونه فكان لا يَمس ولا يُمس.

النسفي

تفسير : {قَالَ } له موسى {فَٱذْهَبْ } من بيننا طريداً {فَإِنَّ لَكَ فِي ٱلْحَيَاةِ} ما عشت {أَن تَقُولَ } لمن أراد مخالطتك جاهلاً بحالك {لاَ مِسَاسَ } أي لا يمسني أحد ولا أمسه فمنع من مخالطة الناس منعاً كلياً وحرم عليهم ملاقاته ومكالمته ومبايعته، وإذا اتفق أن يماس أحداً حم الماس والممسوس. وكان يهيم في البرية يصيح لا مساس ويقال: إن ذلك موجود في أولاده إلى الآن. وقيل: أراد موسى عليه السلام أن يقتله فمنعه الله تعالى منه لسخائه {وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً لَّن تُخْلَفَهُ } أي لن يخلفك الله موعده الذي وعدك على الشرك والفساد في الأرض ينجزه لك في الآخرة بعدما عاقبك بذاك في الدنيا {لَّن تُخْلَفَهُ } مكي وأبو عمر وهذا من أخلفت الموعد إذا وجدته خلفاً {وَٱنظُرْ إِلَىٰ إِلَـٰهِكَ ٱلَّذِى ظَلْتَ عَلَيْهِ } وأصله ظللت فحذف اللام الأولى تخفيفاً {عَاكِفاً } مقيماً {لَّنُحَرّقَنَّهُ } بالنار {ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ } لنذرينه {فِى ٱلْيَمّ نَسْفاً } فحرقه وذراه في البحر فشرب بعضهم من مائة حباً له فظهرت على شفاههم صفرة الذهب. {إِنَّمَا إِلَـٰهُكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِى لا إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَىْء عِلْماً } تمييز أي وسع علمه كل شيء. ومحل الكاف في {كَذٰلِكَ } نصب أي مثل ما اقتصصنا عليك قصة موسى وفرعون {نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاء مَا قَدْ سَبَقَ } من أخبار الأمم الماضية تكثيراً لبيناتك وزيادة في معجزاتك {وَقَدْ آتَيْنَـٰكَ} أي أعطيناك {مّن لَّدُنَّـا } من عندنا {ذِكْراً } قرآناً فهو ذكر عظيم وقرآن كريم فيه النجاة لمن أقبل عليه، وهو مشتمل على الأقاصيص والأخبار الحقيقة بالتفكر والاعتبار {مَّنْ أَعْرَضَ عَنْهُ } عن هذا الذكر وهو القرآن ولم يؤمن به {فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ وِزْراً } عقوبة ثقيلة سماها وزراً تشبيهاً في ثقلها على المعاقب وصعوبة احتمالها بالحمل الثقيل الذي ينقض ظهره ويلقى عليه بهره، أو لأنها جزاء الوزر وهو الإثم {خَـٰلِدِينَ } حال من الضمير في {يَحْمِلُ } وإنما جمع على المعنى ووحد في {فَإِنَّهُ } حملاً على لفظ من {فِيهِ } في الوزر أي في جزاء الوزر وهو العذاب {وَسَاء لَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ حِمْلاً } ساء في حكم بئس وفيه مبهم يفسره {حِمْلاً } وهو تمييز واللام في {لَهُمْ } للبيان كما في {أية : هَيْتَ لَكَ }تفسير : [يوسف: 23] والمخصوص بالذم محذوف لدلالة الوزر السابق عليه تقديره ساء الحمل حملاً وزرهم. {يَوْمَ يُنفَخُ } بدل من {يَوْمُ ٱلْقِيَـٰمَةِ }، {ننفخ} أبو عمرو { فِى ٱلصُّورِ } القرن أو هو جمع صورة أي ننفخ الأرواح فيها دليله قراءة قتادة الصور بفتح الوّاو جمع صورة {وَنَحْشُرُ ٱلْمُجْرِمِينَ يَوْمِئِذٍ زُرْقاً } حال أي عمياً كما قال {أية : وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ عُمْيًا }تفسير : [الإسراء: 97] وهذا لأن حدقة من يذهب نور بصره تزرق {يَتَخَـٰفَتُونَ } يتسارون {بَيْنَهُمْ } أي يقول بعضهم لبعض سراً لهول ذلك اليوم {إِن لَّبِثْتُمْ } ما لبثتم في الدنيا {إِلاَّ عَشْراً } أي عشر ليال يستقصرون مدة لبثهم في القبور أو في الدنيا لما يعاينون من الشدائد التي تذكرهم أيام النعمة والسرور فيتأسفون عليها ويصفونها بالقصر، لأن أيام السرور قصار، أو لأنها ذهبت عنهم والذاهب وإن طالت مدته قصير بالانتهاء، أو لاستطالتهم الآخرة لأنها أبداً يستقصر إليها عمر الدنيا ويتقال لبث أهلها فيها بالقياس إلى لبثهم في الآخرة، وقد رجح الله قول من يكون أشد تقالاً منهم بقوله {نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً } أعد لهم قولاً {إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ يَوْماً } وهو كقوله {أية : قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ ٱلْعَادّينَ } تفسير : [المؤمنون: 113]. {وَيَسْـئَلُونَكَ عَنِ ٱلْجِبَالِ } سألوا النبي صلى الله عليه وسلم ما يصنع بالجبال يوم القيامة؟ وقيل: لم يسئل وتقديره إن سألوك {فَقُلْ } ولذا قرن بالفاء بخلاف سائر السؤالات مثل قوله {أية : وَيَسْـئَلُونَكَ عَنِ ٱلْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى }تفسير : [البقرة: 222] وقوله {أية : وَيَسْـئَلُونَكَ عَنِ ٱلْيَتَـٰمَىٰ قُلْ إصلاح لهم خير } تفسير : [البقرة: 220] {أية : وَيَسْـئَلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ }تفسير : [البقرة: 219] {أية : يَسْـئَلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَـٰهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبّي }تفسير : [الأعراف: 187] {أية : وَيَسْـئَلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ قُلِ ٱلرُّوحُ }تفسير : [الإسراء: 85] {أية : وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِى ٱلْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُواْ } تفسير : [الكهف: 83] لأنها سؤالات تقدمت فورد جوابها ولم يكن فيها معنى الشرط فلم يذكر الفاء. {يَنسِفُهَا رَبّى نَسْفاً } أي يجعلها كالرمل ثم يرسل عليها الرياح فتفرقها كما يذرى الطعام. وقال الخليل: يقلعها {فَيَذَرُهَا } فيذر مقارها أو يجعل الضمير للأرض للعلم بها كقوله {أية : مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا } تفسير : [فاطر: 45] {قَاعاً صَفْصَفاً } مستوية ملساء {لاَّ تَرَىٰ فِيهَا عِوَجاً } انخفاضاً {وَلا أَمْتاً } ارتفاعاً والعوج بالكسر إن كان في المعاني كما أن المفتوح في الأعيان والأرض عين، ولكن لما استوت الأرض استواء لا يمكن أن يوجد فيها اعوجاج بوجه ما وإن دقت الحيلة ولطفت جرت مجرى المعاني {يَوْمَئِذٍ } أضاف اليوم إلى وقت نسف الجبال أي يوم إذ نسفت وجاز أن يكون بدلاً بعد بدل من يوم القيامة {يَتَّبِعُونَ ٱلدَّاعِىَ } إلى المحشر أي صوت الداعي وهو إسرافيل حين ينادي على صخرة بيت المقدس: أيتها العظام البالية والجلود المتمزقة واللحوم المتفرقة هلمي إلى عرض الرحمن فيقبلون من كل أوب إلى صوبه لا يعدلون عنه {لاَ عِوَجَ لَهُ } أي لا يعوج له مدعو بل يستوون إليه من غير انحراف متبعين لصوته {وَخَشَعَتِ } وسكنت {ٱلأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَـٰنِ } هيبة وإجلالاً {فَلاَ تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْساً } صوتاً خفيفاً لتحريك الشفاه. وقيل: هو من همس الإبل وهو صوت أخفافها إذا مشت أي لا تسمع إلا خفق الأقدام ونقلها إلى المحشر.

الخازن

تفسير : {قال} يعني موسى للسامري {فاذهب فإن لك في الحياة} يعني ما دمت حياً {أن تقول لا مساس} يعني لا تخالط أحداً ولا يخالطك أحد فعوقب في الدنيا بعقوبة لا شيء أوحش منها ولا أعظم وذلك أن موسى أمر بني إسرائيل أن لا يخالطوه ولا يقربوه وحرم عليهم ملاقاته ومكالمته ومبايعته ومواجهته. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: لا مساس لك ولولدك. فصار السامري يهيم في البرية مع الوحش والسباع لا يمس أحداً وقيل كان إذا مس أحداً. أو مسه أحد حما جميعاً فتحامى الناس وتحاموه وكان لا مساس حتى أن بقاياهم اليوم يقولون ذلك {وإن لك} يا سامري {موعداً} يعني بعذابك في الآخرة {لن تخلفه} قرىء بكسر اللام ومعناه لن تغيب عنه ولا مذهب لك عنه بل توافيه يوم القيامة، وقرىء بالفتح أي لن تكذبه ولم يخلفكه الله بل يكافئك على فعلك {وانظر لننسفنه} أي لنذرينه {في اليم} يعني في البحر {نسفاً} روي أن موسى أخذ العجل فذبحه فسال منه دم وحرقه في النار ثم ذراه في البحر وقيل معناه لنحرقنه أي لنبردنه فعلى هذا التأويل لم ينقلب لحماً ودماً فإن ذلك لا يمكن أن يبرد بالمبرد ويمكن أن يقال صار لحماً ودماً ثم بردت عظامه بالمبرد حتى صارت بحيث يمكن نسفها في البحر فلما فرغ موسى من أمر العجل وإبطال ما ذهب إليه السامري رجع إلى بيان الدين الحق فقال مخاطباً لبني إسرائيل {إنما إلهكم الله} يعني المستحق للعبادة والتعظيم هو الله {الذي لا إله إلا هو وسع كل شيء علماً} يعني وسع علمه كل شيء وقيل يعلم من يعبده. قوله عز وجل: {كذلك نقص عليك من أنباء} يعني من أخبار {ما قد سبق} يعني الأمم الخالية وقيل ما سبق من الأمور {وقد آتيناك من لدنا ذكراً} وهو القرآن {من أعرض عنه} يعني عن القرآن ولم يؤمن به ولم يعمل بما فيه {فإنه يحمل يوم القيامة وزراً} يعني حملاً ثقيلاً من الإثم {خالدين فيه} يعني مقيمين في عذاب الوزر {وساء لهم يوم القيامة حملاً} يعني بئس ما حملوا أنفسهم من الإثم {يوم ينفخ في الصور} قيل هو قرن ينفخ فيه يدعي به الناس للمحشر والمراد بهذه النفخة النفخة الثانية لأنه أتبعه بقوله {ونحشر المجرمين يومئذ زرقاً} يعني نحشر المجرمين زرق العيون سود الوجوه وقيل عمياً وقيل عطشاً {يتخافتون} يعني يتشاورون {بينهم} ويتكلمون خفية {إن لبثتم} يعني مكثتم في الدنيا {إلا عشراً} يعني عشر ليال وقيل في القبور وقيل بين النفختين وهو مقدار أربعين سنة وذلك أن العذاب رفع عنهم بين النفختين فاستقصروا مدة لبثهم لهول ما عاينوا فقال الله تعالى {نحن أعلم بما يقولون} يعني يتشاورون فيما بينهم {إذ يقول أمثلهم طريقة} أي أوفاهم وأعدلهم قولاً {إن لبثتم إلا يوماً} قصر ذلك في أعينهم في جنب ما استقبلهم من أهوال يوم القيامة وقيل نسوا مقدار لبثهم لشدة ما دهمهم قوله عز وجل {ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفاً}. قال ابن عباس: سأل رجل من ثقيف رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال كيف تكون الجبال يوم القيامة فأنزل الله تعالى هذه الآية والنسف هو القلع أي يقلعها من أصولها ويجعلها هباء منثوراً {فيذرها} أي يدع أماكن الجبال من الأرض {قاعاً صفصفاً} أي أرضاً ملساء مستوية لا نبات فيها {لا ترى فيها جوعاً ولا أمتاً} يعني لا انخفاضاً ولا ارتفاعاً يعني لا ترى وادياً ولا رابية {يومئذ يتبعون الداعي} أي صوت الداعي ويقف على صخرة بيت المقدس ويقول أيتها العظام البالية والجلود المتمزقة واللحوم المتفرقة هلموا إلى عرض الرحمن {لا عوج له} أي لا عوج لهم عن دعائه ولا يزيعون عنه يميناً ولا شمالاً بل يتبعونه سراعاً {وخشعت الأصوات للرحمن} يعني سكنت وذلت وخضعت وضعفت والمراد به أصحاب الأصوات وقيل خضعت الأصوات من شدة الفزع {فلا تسمع إلا همساً} وهو الصوت الخفي قال ابن عباس: هو تحريك الشفاه من غير نطق وقيل أراد بالهمس صوت وطء الأقدام إلى المحشر كصوت أخفاف الإبل.

ابن عادل

تفسير : قوله: {فَٱذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي ٱلْحَيَاةِ أَن تَقُولَ لاَ مِسَاسَ} قرأ العامة بكسر الميم وفتح السين، وهو مصدر لفاعل كالقِتَال من قَاتَل، فهو يقتضي المشاركة، وفي التفسير: لا تَمسَّني ولا أمسك وإن مَنْ مَسَّه أصابته الحمَّى. وقرأ الحسن وأبُو حيوة وابن أبي عبلة (وقعنب) بفتح الميم وكسر السين، هكذا عبّر أبُو حيَّان، وتبع فيه أبا البقاء. ومتى أخذنا بظاهر هذه العبارة لزم أن يقرأ "مَسِيس" بقلب الألف ياء لانكسار ما قبلها، ولكن لم يُرْوَ ذلك فينبغي أن يكونوا أرادوا بالكسر الإمالة، ويدل على ذلك ما قاله الزمخشري: وقُرىء "لاَ مَساس" بوزن (فَجَارِ). ونحوه قولهم في الظباء: إنْ وَرَدَتِ المَاءَ فَلاَ عَبَابِ وإنْ فَقَدَتْهُ فَلاَ أَبَابِ (فهي أعلام للمسَّةِ والعبَّة والأبَّةِ وهي المرة من الأَبّ وهو) الطلب. ويدل عليه أيضاً قولُ صاحب اللوامح: هو على صورة (نَزَالِ، ونَظَارِ) من أسماء الأفعال بمعنى (انزل، وانظر). فهذا أيضاً تصريح بإقرار الألف على حالها. ثم قال صاحب اللوامح: فهذه الاسماء التي بهذه الصيغة معارف، ولا تدخل عليها (لا) النافية التي تنصب النكرات نحو: لاَ مَالَ لَكَ. لكنه فيه نفي الفعل، فتقديره: لا يكون منك مَسَاسٌ، ومعناه النهي، أي: لا تمسَّني وقال ابن عطيَّة: "لاَ مَسَاسِ" وهو معدول عن المصدر كفجَارِ ونحوه، وشبهه أبو عبيدة وغيره بنزَالِ ودَرَاكِ ونحوه، والشبه صحيح من حيث هي معدولات، وفارقه من حيث أن هذه عدلت عن الأمر و "مَسَاسِ" وفَجَارِ عدلت عن المصدر، ومن هذا قول الشاعر: شعر : 3687- تَمِيمٌ كَرَهْطِ السَّامِرِيِّ وَقَوْلِهِ أَلاَ لاَ يُرِيدُ السَّامرِيُّ مَسَاسِ تفسير : فكلام الزمخشري وابن عطية يعطي أن "مَسَاسِ" على هذه القراءة معدول عن المصدر كفجار عن الفَجَرة. وكلام صاحب اللوامح يقتضي أنَّها معدولة عن فعل الأمر إلا (أنْ يكون مراده) أنها معدولة كما أنَّ اسم الفعل معدول كما تقدم توجيه ابن عطيَّة لكلام أبي عبيدة. فصل معنى الكلام أنَّك ما دُمتَ حيًّا أن تقول: "لاَ مَسَاس" أي لا تخالط أحداً ولا يخالطك أحد. أو أمر موسى بني إسرائيل أن لا يخالطوه ولا يقاربوه، قال ابن عباس لا مَسَاس لَكَ ولَوَلَدِكَ. والمَسَاس من المماسّة معناه لا يَمَسُّ بعضُنا بعضاً، فصار السامري يهيم في الأرض مع الوحوش والسباع لا يمس أحداً. ولا يمسه أحد، عاقبه الله بذلك، وكان إذا لقي أحداً يقول: لاَ مَسَاس، أي: لا تقربني ولا تَمَسَّنِي. وقيل: كان إذا مَسَّ أحداً أو مسَّه أحدٌ حُمَّا جميعاً، حتى إنَّ بقاياهم اليوم يقولون ذلك. وإذَا مسَّ أحدٌ من غيرهم أحداً منهم حُمَّا جميعاً في الوقت. وقال أبو مسلم يجوز أن يريد مسَّ النساء، فيكون من تعذيب الله إياه انقطاع نسله فلا يكون له من يؤنسه، فيخليه الله من زينة الدنيا (التي ذكرها) في قوله تعالى {أية : ٱلْمَالُ وَٱلْبَنُونَ زِينَةُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} تفسير : [الكهف: 46]. قوله: {وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً لَن تُخْلَفَهُ}. الموعد بمعنى الوعد. وقرأ ابنُ كثير وأبو عمرو "تُخْلِفَهُ" بكسر اللام على البناء للفاعل، أي تجيء إليه ولن تغيب عنه. والباقون بفتحها على البناء للمفعول وقرأ أبُو نُهَيْك فيما حكاه عنه (ابن خالويه) بفتح التاء من فوق وضم اللام، وحكى عنه صاحب اللوامح كذلك إلا أنه بالياء من تحت، وابن مسعود والحسن بضم نون العظمة وكسر اللام فأما القراءة الأولى فمعناها: لن تَجِده مخلَفاً كقولك: أحْمَدته وأحببته أي وجدته محموداً وحبَّاباً. وقيل المعنى: سيصل إليك ولن تستطيع الروغان ولا الحيدة عنه، قال الزمخشري: وهذا من أخلفت الموعد إذا وجدته مخلفاً. قال الأعشى: شعر : 3688- أَثْوَى وَقصَّر لَيْلَهُ لِيُزَوَّدَا فَمَضَى وَأَخْلَفَ مِنْ قُتَيْلَةَ مَوْعِدَا تفسير : ومعنى الثانية لَنْ يَخْلِفَ الله موعده الَّذِي وَعَدَك. وفتحُ اللام اختيار أبي عبيد، كأنَّه قال موعداً حقاً لا خُلْفَ فيه، ولن يُخلِف الله، والمعنى أن الله يكافئك على فعلك ولا تفر منه. وأما قراءتا أبي نُهَيْك فهما من خلفهُ يخلفُهُ إذا جاء بعده أي الموعد الذي لك لا يدفع قولَك الذي تقوله، وهي مشكلة، قال أبو حاتم: لا نعرف لقراءة أبي نُهَيْك مذهباً. وأما قراءة ابن مسعود فأسند الفعل فيها إلى الله تعالى، والمفعول الأول محذوف، أي لن (يخلفكه). قوله: "ظَلْتَ" العامَّة على فتح الظاء وبعدها لام ساكنة. وابن مسعود وقتادة والأعشى بخلاف عنه وأبو حَيْوَة وابن أبي عبلة ويحيى بن يعمر كسر الظَّاء، وروي عن ابن يَعْمَر ضمها أيضاً. وأبيّ والأعمش في الرواية الأخرى "ظَلِلْتَ" بلامين أولهما مكسورة فأمَّا قراءة العامة ففيها حذف أحد المِثلين وإبقاء الظاء على حالها من حركتها، وإنما حذف تخفيفاً، وعده سيبويه في الشاذ، يعني شذوذ قياس لا شذوذ استعمال، وعدَّ معه ألفاظاً أُخَر نحو مَسْتُ وَأَحَسْتُ. كقوله: شعر : 3689- أَحَسْنَ بِهِ (فَهُنَّ إِلَيْكَ شُوسُ) تفسير : وعد (ابن الأنباري) هَمْتُ في هَمَمْتُ، ولا يكون هذا الحذف إلا إذا سكنت لام الفعل. وذكر بعض المتأخرين أن هذا الحذف منقاس في كل مضاعف العين واللام سكنت لمه وذلك في لغة سليم. قال شهاب الدين: والذي أقوله إنه متى التقى التضعيف المذكور والكسرة نحو ظَلِلْتُ ومَسِسْتُ انقاس الحذف. وهل يجري الضم مجرى الكسر في ذلك؟ فالظاهر أنه يجري بل بطريق الأولى، لأن الضم أثقل من الكسر نحو غُضْنَ يا نسوة أي اغضُضْنَ أبصاركنّ ذكره ابن مالك. وأما الفتح فالحذف فيه ضعيف نحو قَرْن يا نسوة في المنزل، ومنه أحد توجيهي قراءة {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ} [الأحزاب:33] كما سيأتي إن شاء الله تعالى. وأما الكسر فوجهه أنه نقل كسرة اللام إلى الفاء بعد سلبها حركتها ليدل عليها. وأما الضمُّ فيحتمل أن يكون جاء في لغة على فَعَل يَفْعُل بفتح العين في الماضي وضمها في المضارع ثم نقلت كما تقدم ذلك في الكسر. وأما "ظَلِلْتُ" بلامين فهذه هي الأصل، وهي منبهة على غيرها. و "عَاكِفاً" خبر "ظَلَّ". قوله: "لَنُحَرِّقَنَّهُ" جواب قسم محذوف، أي: والله لنحُرِّقَنَّهُ، والعامة على ضم النون وكسر الراء مشددة من حرَّقَهُ يحرِّقه بالتشديد. وفيها تأويلان: أحدهما: أنها من حرقه بالنار. والثاني: أنه من حرق ناب البعير إذا وقع عضٌّ أنيابه على بعض، والصوت المسموع منه يقال له الصَّريف، والمعنى لَنَبْرُدُنَّه بالمِبْرَد بَرداً يسحقه به كما يفعل البعير بأنيابه بعضها على بعض. وقرأ الحسنُ وقتادة وأبو جعفر "لَنَحْرُقَنَّهُ" بضم النون وسكون الحاء وكسر الراء من أحرق رباعياً. وقرأ ابن عباس وحميد وعيسى وأبو جعفر "لَنُحْرِقَنَّهُ" كذلك إلا أنه بضم الراء، فيجوز أن يكون من حرَّقَ وأحْرَقَ بمعنى كأنزل ونزَّل. وأما القراءة الأخيرة فبمعنى لَنَبرُدَنَّهُ بالمِبْرَد. قوله: "لَنَنْسِفَنَّهُ" العامة على فتح النون الأولى وسكون الثانية وكسر السين خفيفة. وقرأ عيسى بضم (السين). وقرأ ابن مقسّم بضم النون الأولى وفتح الثانية وكسر السين مشدّدة. والنَّسف التفرقة والتذرية، وقيل: قَلْع الشيء من أصله، يقال: نَسَفَهُ ينسِفُه بكسر السين وضمها في المضارع، وعليه القراءتان والتشديد للتكثير. فصل معنى إحراقه على قراءة التشديد قال السُّدِّي: أمر موسى بذبح العجل فذبح وسال منه الدم، ثم أُحرق ونُسِف رماده. وهذا يدل على أنه صار لحماً ودماً، لأن الذهب لا يمكن إحراقه بالنار. وفي حرف ابن مسعود: "لَنَذْبَحَنَّه ولَنَحْرِقنَّهُ". وعلى قراءة التخفيف أي لَنَبْرُدَنَّه بالمِبْرد، وهذه القراءة تدل على أنه لم ينقلب لحماً ودماً، فإن ذلك لا يُبْرَد بالمِبْرد، ومنه قيل للمبرد: المحرق. وقال السَّدي: أخذ موسى العجل، ثم ذبحه ثم حرقه، ثم بُرِدت عظامه بالمِبرد، ثم ذرَّاهُ في اليَمِّ. ثم لما فرغ من إبطال ما ذهب إليه السامريُّ عاد إلى بيان الدين الحق فقال: "إنَّما إلهُكُمْ" أي المستحق للعبادة {ٱللَّهُ ٱلَّذِي لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً} قال مقاتل: يعلم من يعبده (ومن لا يعبده) قوله: {وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً} العامة على كسر السين خفيفة و "عِلْماً" على هذه القراءة تمييز منقول من الفاعل، إذ الأصل وسع كُلَّ شيءٍ علمُهُ. وقرأ مجاهد وقتادة بفتح السين مشددة. وفي انتصاب "عِلماً" أوجه: أحدها: أنه مفعول به، قال الزمخشري: ووجهه أن "وَسع" متعد إلى مفعول واحد (وهو كُلَّ شيءٍ) وأما "عِلماً" فانتصابه على التمييز فاعلاً في المعنى، فلما ثقل نقل إلى التعدية إلى مفعولين فنصبهما معاً على المفعولية، لأن المميز فاعل في المعنى كما تقول في خاف زيدٌ عمراً. خَوَّفْتُ زيداً عمراً: فترُدُّ بالنقل ما كان فاعلاً مفعولاً. وقال أبو البقاء: والمعنى: أَعْطَى كُلَّ شَيءٍ عِلماً فضمنه معنى (أَعْطَى). وما قاله الزمخشري أولى. والوجه الثاني: أنه تميز أيضاً كما هو في قراءة التخفيف، قال أبو البقاء وفيه وجه آخر، وهو أن يكون بمعنى عظَّمَ خلقَ كُلِّ شيءٍ كالأرض والسماء، وهو بمعنى بسط فيكون "عِلماً" تمييزاً وقال ابن عطية: وسع خَلْقَ الأشياءِ وكثرها بالاختراع.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {قَالَ فَٱذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي ٱلْحَيَاةِ أَن تَقُولَ لاَ مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً لَّن تُخْلَفَهُ}. لم يَخْفَ على موسى - عليه السلام - تأثيرُ التقديرِ وانفرادُ الحقِّ بالإبداع، فلقد قال في خطابه مع الحق: {أية : إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ}تفسير : [الأعراف: 155]، ولكنه لم يدع - مع ذلك - بإحلال العقوبةِ بالسامري والأمر في بابه بما يستوجبه؛ ليُعْلَمَ أن الحُكمَ في الإبداع والإيجاد - وإنْ كان لله - فالمعاتبةُ والمطالبة تتوجهان على الخَلْقِ في مقتضى التكليف، وإجراءُ الحقِّ ما يُجْرِيه ليس حُجَّةً للعبد ولا عُذْراً له. قوله جلّ ذكره: {وَٱنظُرْ إِلَىٰ إِلَـٰهِكَ ٱلَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفاً لَّنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي ٱلْيَمِّ نَسْفاً}. كلُّ ما تَعَلَّقَ به القلبُ من دون الله يَنْسِفُه الحقُّ - سبحانه بمُحِبِّه ولهذا يُلْقي الأصنامَ غداً في النار مع الكفار، وليس له جُرْمٌ، ولا عليها تكليف، ولا لها عِلْمٌ ولا خبر.. وإنما هي جماداتٌ.

الجنابذي

تفسير : {قَالَ} اذا سوّلت لك نفسك {فَٱذْهَبْ} من عندى، او من دينى، او من البلد، او من بين النّاس {فَإِنَّ لَكَ فِي ٱلْحَيَاةِ} الدّنيا {أَن تَقُولَ} اذا رأيت احداً من النّاس {لاَ مِسَاسَ} عقوبةً على فعلك وذلك لانّه اذا ماسّك احد حممت انت ومن مسّك كما قيل، وقيل: كان هذا باقياً فى اولاده اذا ماسّ واحداً منهم احد من النّاس حمّا، وقيل: انّ موسى (ع) امر النّاس بامر الله تعالى ان لا يخالطوه ولا يؤانسوه ولا يؤاكلوه تضييقاً عليه فصار السّامرىّ يهيم فى البرّيّة مع الوحش والسّباع {وَإِنَّ لَكَ} اى لعذابك {مَوْعِداً لَّن تُخْلَفَهُ} يعنى لن يخلف الله ذلك الوعد لك، هذا على قراءة البناء للمفعول وامّا على قراءة البناء للفاعل من باب الافعال فالمعنى لن تخلف انت ذلك الموعد وتنجزه، وقرئ بالنّون على حكاية قول الله تعالى، او على جعل نفسه (ع) بمنزلة الله تعالى لكونه رسولاً منه وكون قوله وفعله قول الله وفعله {وَٱنظُرْ إِلَىٰ إِلَـٰهِكَ ٱلَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفاً} اى مقيماً على عبادته {لَّنُحَرِّقَنَّهُ} قرئ من باب التّفعيل بمعنى احراقه بالنّار، وقرئ لنحرقنّه من حرقه يحرقه من باب نصر بمعنى برده وحكّ بعضه ببعضٍ وعلى الاوّل يدلّ الاحراق على انّه صار حيواناً كما روى انّه بعدما ذرّ التّراب عليه تحرّك واشعروا وبروخار، وعلى الثّانى يدلّ برده على انّه كان باقياً على ذهبيّته {ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ} لنذرينّه {فِي ٱلْيَمِّ نَسْفاً إِنَّمَآ إِلَـٰهُكُمُ ٱللَّهُ} مستأنفة جواب للسّؤال عن علّة الحكم والمعنى نحرقه لانّه ليس آلهاً وانّما آلهكم الله الى المسمّى بالله الدّائر على السنة الجميع {ٱلَّذِي لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} وهو صفة بيانيّة وتصريح بحصر الالهة فيه ونفى الالهة من غيره {وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً} وهو كناية عن احاطة علمه بالاشياء ولمّا كان علمه تعالى ذا مراتب ومرتبة منه عين ذاته وهى مرتبة الغيب الّتى لا خبر عنها ولا اثر فلا كلام لنا فيها، ومرتبة منه فعله الّذى يعبّر عنها بالمشيّة والحقّ المخلوق به وتلك جامع لجميع الموجودات بوجوداتها لا بحدودها وتعيّناتها، فانّ الحدود والتّعيّنات اعدام لا طريق لها الى ذلك العالم ومرتبة منه الاقلام العالية وحكمها حكم المشيّة، ومرتبة منه النّفوس الكلّيّة، ومرتبة منه النّفوس الجزئيّة، ومرتبة منه الوجودات الطّبيعيّة، وكلّ مرتبة من المراتب العالية علم له تعالى بجميع ما دونها فأنّ جميع ما دونها مجتمعة بوجوداتها لا بحدودها فى المرتبه العالية، وكما انّها علم بجميع ما دونها علم له تعالى بنفس تلك المرتبة، وكونها علماً بما دونها هو العلم السّابق على المعلوم، وكونها علماً بنفسها هو العلم الّذى يكون مع المعلوم، وعالم الطّبع بوجوده علم له تعالى بالعلم الّذي يكون مع المعلوم فكلّ شيءٍ معلوم له تعالى بالعلوم السّابقة ومعلوم له تعالى بوجوده الخاصّ به الّذى هو علمه تعالى به.

اطفيش

تفسير : {قَالَ} موسى: {فَاذْهَبْ} يا سامرى من بيننا {فَإِنَّ لَكَ فِى الْحَيَٰوةِ} فى مدة حياتك عقوبة على ما فعلت {أَنْ تَقُولَ لاَ مِسَاسَ} مصدر ماسَّ أى لا يمسنى أحد ولا أمسه لئلا تصيبنى الحمى, وكان إذا مسه أحد أو مس أحداً ولو بلا عمد أصابتهما الحمى معاً. وروى أنه كان يقرض بدنه بالمقراض إذا مسه أحد أو مس أحداً. وكان لذلك طريداً وحيداً، وحرَّم على الناس أن يكلموه أو يبايعوه أو يلاقوه ملاقاة مّا. ولا عقوبة أعظم من ذلك. وكذلك عشيرته سامرة، وذلك باق فيهم إلى اليوم. قال الشيخ هود: يقولون إلى الآن بأرض الشام: لا مساس. وقرئ لا مساسٍ بكسر السين غير سنون مبنياً علماً لجنس المس كفَجَارٍ. {وَإنَّ لَكَ مَوْعِدًا} فى الآخرة زيادة على عقوبة الدنيا. والموعد: مصدر أى وعداً، أو اسم زمان، وهو يوم القيامة، أو اسم مكان وهو جهنم. {لَنْ تُخْلَفَهُ} لن يمنعك الله عنه، بل لا بد أن يحضره إليك، والغائب مستتر، والهاء مفعول آخر. وقراءة ابن كثير وأبى عمرو بكسر اللام. قاله أبو عمرو الدانى وقال القاضى: هى قراءة ابن كثير وأبى عمرو وبصرى آخر، اى لن تغيب عنه، ولا بد أن تلقاه، من أخلف بمعنى خلف، أو من أخلف المتعدى لاثنين، والأول محذوف، أى لن تخلف الواعد إياه، واختصر على الثانى لأنه الغرض، أو من أخلف الوعد، إذا وجد فيه خلفا. وقرأ ابن مسعود بالنون وكسر اللام، حكاية لقول الله جل ثناؤه على حد {أية : لأهب لك غلامًا زكيًّا}تفسير : أو النون لموسى؛ لأن الموعد ولو كان بيد الله لكن موسى عليه السلام قد لابسه، وكان بلسانه، ولا بد من حضوره مع السامرى فيه. {وانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ} نظر نثبت وتيقن؛ فإنك تراه بعد الساعة فانياً لا أثر له كأن لم يكن، أو نظر وداع ولا ضير بذلك الأمر؛ لأن المراد إعلامه باضمحلاله. {الّذِى ظَلْتَ} دمت أو صرت، وأصل فعل الشئ نهاراً فقط وأصله ظللت بكسر اللام الأولى، حذفت تخفيفا، وخصت بالحذف لأنها تدغم. وقيل: حذفت الثانية لحصول التكرار بها. وقرئ بكسر الظاء نقلا من اللام المحذوفة، وهو لغة تميم، ولأول لغة الحجاز. وزعم ابن جنى أن النقل لغة الحجاز وترْكه لغة تميم. قاله الشيخ خالد. {عَلَيْهِ عَاكِفًا} مقيما على عبادته {لَنُحَرِّفَنَّهُ} بالنار كما يدل عليه قراءة لنحرقنه، بضم النون وإسكان الحاء وكسر الراء. وقرأ ابن مسعود لنذبحنه ولنحرقنه، بالضم فالإسكان فالكسر. وأجاز الفارسى فى قراءة التشديد أن تكون من حرَقه بفتح الراء بمعنى بَرَدَه بالمِبرد، وشدد للمبالغة ويدل له قراءة ابن عباس رضى الله عنهما وعلى لنحرقنه بضم لراء، أى لنبردنه بالمبرد {ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ} لنُذرينَّه {فِى الْيَمِّ} البحر، أو الماء الغمر. {نَسْفًا} أو لنذرينّه فى هواء اليم. وقرئ بضم السين. والظاهر أنه إن لم ينقلب لحما ودما لا يؤثر فيه الإحراق فيصير رماداً ينسف. فالتحقيق إنما هو التبريد بالمبرد، اللهم إلا أن يكون الإحراق بالنار لمجرد الإهانة والإذابة والنسف مستعار لإلقائه فى اليم مذابا، أو يفعل به ما يكون به رماداً، مع أنه غير دم ولحم، أو هو دم ولحم كما هو نص قراءة ابن مسعود. وصرح به الكلبى، فذبَحه وأحرقه، وبرَد عظامه كذا قيل. وفيه أن العظام تقبل الإحراق حتى تصير رمادا، فلا يصح توجيهها وإنما هو تفسير من تفاسير مقبول مبنى على القراءة التي بمعنى البرد بالمبرد. قيل: ذبحه موسى فسال منه دم. قال مكى: إن موسى عليه السلام كان مع السبعين فى المناجاة، وحينئذ وقع أمر العجل، وإن الله أعلم موسى بذلك، فكتمه موسى عنهم، وجاءهم حتى سمعوا لفظ بنى إسرائيل حول العجل، فحينئذ أعلم اهـ. وقيل: هذا ضعيف. والجمهور على خلافه، وإنما تعجل موسى وحده، فوقع أمر العجل، ثم جاء موسى، وصنع ما صنع بالعجل، ثم خرج بالسبعين على معنى الشفاعة فى بنى إسرائيل، وأن يطلعهم على المناجاة، فكان لموسى نهضتان.

اطفيش

تفسير : {قال} موسى عليه السلام تنحّ عنى {فاذْهَب} عن الناس كلهم أو عن بنى إسرائيل، إذ كنت مغوياً {فإنَّ لك فى الحياة} لأن لك فى الحياة، وفى متعلق بلك لنيابته عن ثابت، أو بثابت هذا، أو بثابت حالا من الكاف، وأخطأ من يعلقه بتقول متمسكاً بالتوسع في الظروف. لأنه إنما يصار الى ذلك التوسع حيث لا مندوحة. {أن تَقُول لا مِسَاس} المصدر اسم أن ولم يذكر المقول له للمعموم، يقول بأقصى صوته لكل أحد عند خوف المس{لا مساس}لك عندى أو بيننا، وهو مصدر ماس بفتح السين مشددة، فعل ماض للفاعلة بين الاثنين، لا يمسه أحد، أو يمس أحد إلا رحم من حينه حمى شديدة، ولا يتكلم الناس له، ولا يتبايعون معه، ولا يؤاكلونه، ولا يشربونه، ولا يعاملونه معاملة، مَّا، ولا يلاقى وذلك عقاب له، وكان كالوحش، وذلك في الماس الأجنبى وبقيته الى الآن فى الشام، لا يصافحون أحداً إلا من تحت ثوب، وأنكر الجبائى الحمى، وقال إنه لما هو جر، هام في البرية كالوحش، وكان يقول لا مساس. والصحيح الأول، وعوقب بذلك لأنه صور العجل وعبده ليجتمع له الناس فعوقب بالضد، وهو تفرقهم عنه، أو لما تسبب لحياة الجماد لمعصية عوقب بالحمى التى هى من أسباب موت الحى، أو لما نبذ فى النار القبضة للمعصية نبذ عن الناس، وذلك بدعاء موسى عليه السلام، ومن لك في شرعنا إبعاد الناشزة والآبق والطاعن فى الدين ونحوهم، والجنانى فى غير الحرّم الداخل فيه امتناعاً لا يطعمون، ولا يسقون، ولا ينفعون حتى ينزعوا عن ذلك، وقصة الذين خلفوا، ويروى أن موسى أراد قتله فمنعه الله عز وجل لسخائه. {وأن لَكَ} مع ذلك {موعداً} وعداً أو زمانه أو مكانه، وعده لجهنم لوقتها، {لن تخلفه} لا يتركه الله لك، {وانظر الى إلهِكَ} معبودك {الذِّى ظلْتَ} ظللت كما قرأ الأعمش وأبىّ، حذفت اللام الأولى تخفيفاً، وقيل الثاني لتطرفها، ولحصول التكرار بها، ذكر أبو حيان عن سيبويه، أن الحذف شاذ قياساً، وهو مختص بما إذا سكن آخر الفعل، وقال ابن مالك، وابن هشام: إنه يقاس فى كل مضاعف العين واللام في لغة سليم، وقيل مقيس فى المضاعف إذا كسرت عينه أو ضمت (عليه) متعلق بقوله {عاكفاً} مقيماً خصه من بين عابديه، لأنه رأسهم فى الضلال. {لنُحرقنه} بالنار حرقاً شديداً كما قال ابن عباس، وكما يدل له قراءة أسكان الحاء، فإن الإحراق شائع بالنار، فهو لحم ودم كما فى مصحف أبىّ وابن مسعود: لنذبحنه ثم لنحرقنَّه، ويجوز من يجوز التشديد مبالغة فى حرقت الحديد بالتخفيف أحرقه بضم الراء، وإذا برده بالمبرد، كما يدل له قراءة فتح النون وإسكان الحاء، وضم الراء، فإن هذا ظاهر فى الحرق بالمبرد، وهذا ظاهر في أنه غير لحم ودم، بن هو جماد، ولا مانع من أنه ذهب باق خلق الله فيه الحياة، ويبعد ما قيل: إن التحريق بالمبرد كان للعظام، ويقال يمكن أنه حرقه بالنار ثم بالمبرد، وأجيز العكس، وبحث بأن النار تذيبه وتجمعه ولا تحرقه، وتجعله رماداً، اللهم إلا بالحيل الصنعية. {ثمَّ لننسفَنَّهُ} لنذرينَّه {في اليم} فى البحر، وعن على فى النهر {نَسْفاً} مصدر مؤكد، بحيث لا يبقى منه شىء، ويرى، أو يؤخذ، وشرب بعضهم من ذلك الماء حباً للعجل، فظهرت صفرة الذهب على شفاههم، وخص البحر أو العين لأن الماء أشد استهلاكاً، ولأنه بأثر من تراب البحر، وفى ذلك زيادة عقوبة للسامرى، وإظهار لغباوة المفتونين به، والتحريق والنسف له طاعة الله عز وجل، فنقول قد وفى بها عليه السلام.

الالوسي

تفسير : {قَالَ } استئناف كما مر غير مرة أي قال موسى عليه السلام إذا كان الأمر كما ذكرت {فَٱذْهَبْ } أي من بين الناس، وقوله تعالى: {فَإِنَّ لَكَ فِى ٱلْحَيَوٰةَ } إلى آخره تعليل لموجب الأمر. و {فِى } متعلقة بالاستقرار العامل في {لَكَ } أي ثابت لك في الحياة أو بمحذوف وقع حالاً من الكاف، والعامل معنى الاستقرار المذكور أيضاً لاعتماده على ما هو مبتدأ معنى أعني قوله تعالى: {أَن تَقُولَ لاَ مِسَاسَ } ولم يجوز تعلقه بتقول لمكان أن؛ وقد تقدم آنفاً عذر من يعلق الظرف المتقدم بما بعدها. ولا يظهر ما يشفي الخاطر في وجه تعليق العلامة أبـي السعود ـ إذ ـ في قوله تعالى: {أية : مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّواْ * ألاّ تتبعنِ} تفسير : [طه: 92-93] فيما بعد أن وعدم تجويز تعليق {فِي الْحَيٰوةِ} فيما بعدها أي إن لك مدة حياتك أن تفارق الناس مفارقة كلية لكن لا بحسب الاختيار بموجب التكليف بل بحسب الاضطرار الملجىء إليها، وذلك أنه تعالى رماه بداء عقام لا يكاد يمس أحداً أو يمسه أحد كائناً من كان إلا حم من ساعته حمى شديدة فتحامى الناس وتحاموه وكان يصيح بأقصى صوته لا مساس وحرم عليهم ملاقاته ومكالمته ومؤاكلته ومبايعته وغير ذلك مما يعتاد جريانه فيما بين الناس من المعاملات / وصار بين الناس أوحش من القاتل اللاجىء إلى الحرم ومن الوحش النافر في البيداء، وذكر أنه لزم البرية وهجر البرية، وذكر الطبرسي عن ابن عباس أن المراد أن لك ولولدك أن تقول الخ، وخص عرو الحمى بما إذا كان الماس أجنبياً، وذكر أن بقايا ولده باق فيهم تلك الحال إلى اليوم. وقيل: ابتلي بالوسواس حين قال له موسى عليه السلام ذلك، وعليه حمل قول الشاعر:شعر : فأصبح ذلك كالسامري إذ قال موسى له لا مساسا تفسير : وأنكر الجبائي ما تقدم من حديث عرو الحمى عند المس وقال: إنه خاف وهرب وجعل يهيم في البرية لا يجد أحداً من الناس يمسه حتى صار لبعده عن الناس كالقائل لا مساس وصحح الأول، والمساس مصدر ماس كقتال مصدر قاتل وهو منفي بلا التي لنفي الجنس وأريد بالنفي النهي أي لا تمسني ولا أمسك. وقرأ الحسن وأبو حيوة وابن أبـي عبلة وقعنب {لا مساس } بفتح الميم وكسر السين آخره وهو بوزن فجار، ونحوه قولهم في الظباء إن وردت الماء فلا عباب وإن فقدته فلا أباب. وهي كما قال الزمخشري وابن عطية أعلام للمسة والعبة والأبة وهي المرة من الأب أي الطلب، ومن هذا قول الشاعر:شعر : تميم كرهط السامري وقوله ألا لا يريد السامري مساس تفسير : و {لا } على هذا ليست النافية للجنس لأنها مختصة بالنكرات وهذا معرفة من أعلام الأجناس ولا داخلة معنى عليه فإن المعنى لا يكون أو لا يكن منك مس لنا. وهذا أولى من أن يكون المعنى لا أقول مساس. وظاهر كلام ابن جني أنه اسم فعل كنزال. والمراد نفي الفعل أي لا أمسك والسر في عقوبته على جنايته بما ذكر على ما قيل: إنه ضد ما قصده من إظهار ذلك ليجتمع عليه الناس ويعززوه فكان سبباً لبعدهم عنه وتحقيره وصار لديهم أبغض من الطلياء وأهون من معبأة. وقيل: لعل السر في ذلك ما بينهما من مناسبة التضاد فإنه لما أنشأ الفتنة بما كانت ملابسته سبباً لحياة الموات عوقب بما يضاده حيث جعلت ملابسته سبباً للحمى التي هي من أسباب موت الأحياء، وقيل: عوقب بذلك ليكون الجزاء من جنس العمل حيث نبذ فنبذ فإن ذلك التحامي أشبه شيء بالنبذ وكانت هذه العقوبة على ما في «البحر» باجتهاد من موسى عليه السلام، وحكى فيه القول بأنه أراد قتله فمنعه الله تعالى عن ذلك لأنه كان سخياً، وروي ذلك عن الصادق رضي الله تعالى عنه، وعن بعض الشيوخ أنه قد وقع ما يقرب من ذلك في شرعنا في قضية الثلاثة الذين خلفوا فقد أمر النبـي صلى الله عليه وسلم أن لا يكلموا ولا يخالطوا وأن يعتزلوا نساءهم حتى تاب الله تعالى عليهم. ومذهب الإمام أبـي حنيفة رضي الله تعالى عنه في القاتل اللاجىء إلى الحرم نحو ذلك ليضطر إلى الخروج فيقتل في الحل. {وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً } أي في الآخرة {لَّن تُخْلَفَهُ } أي لن يخلفك الله تعالى ذلك الوعد بل ينجزه لك البتة بعد ما عاقبك في الدنيا. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والأعمش بضم التاء وكسر اللام على البناء للفاعل على أنه من أخلفت الموعد إذا وجدته خلفاً كأجبنته إذا وجدته جباناً. وعلى ذلك قول الأعشى:شعر : أثوى وقصر ليله ليزودا فمضى وأخلف من قتيلة موعدا تفسير : وجوز أن يكون التقدير لن تخلف الواعد إياه فحذف المفعول الأول وذكر الثاني لأنه المقصود. والمعنى / لن تقدر أن تجعل الواعد مخلفاً لوعده بل سيفعله، ونقل ابن خالويه عن ابن نهيك أنه قرأ {لن تخلفه } بفتح التاء المثناة من فوق وضم اللام، وفي «اللوامح» أنه قرىء {لن يخلفه} بفتح الياء المثناة من تحت وضم اللام وهو من خلفه يخلفه إذا جاء بعده، قيل: المعنى على الرواية الأولى وإن لك موعداً لا بد أن تصادفه، وعلى الرواية الثانية وإن لك موعداً لا يدفع قول لا مساس فافهم. وقرأ ابن مسعود والحسن بخلاف عنه {لَنْ نخلفه} بالنون المفتوحة وكسر اللام على أن ذلك حكاية قول الله عز وجل، وقال ابن جني: أي لن نصادفه خلفاً فيكون من كلام موسى عليه السلام لا على سبيل الحكاية وهو ظاهر لو كانت النون مضمومة. {وَٱنظُرْ إِلَىٰ إِلَـٰهِكَ } أي معبودك {ٱلَّذِى ظَلْتَ } أي ظللت كما قرأ بذلك أبـي والأعمش فحذفت اللام الأولى تخفيفاً، ونقل أبو حيان عن سيبويه أن هذا الحذف من شذوذ القياس ولا يكون ذلك إلا إذا سكن آخر الفعل، وعن بعض معاصريه أن ذلك منقاس في كل مضاعف العين واللام في لغة بني سليم حيث سكن آخر الفعل، وقال بعضهم: إنه مقيس في المضاعف إذا كانت عينه مكسورة أو مضمومة. وقرأ ابن مسعود وقتادة والأعمش بخلاف عنه وأبو حيوة وابن أبـي عبلة. وابن يعمر بخلاف عنه أيضاً {ظَلْتَ } بكسر الظاء على أنه نقل حركة اللام إليها بعد حذف حركتها، وعن ابن يعمر أنه ضم الظاء وكأنه مبني على مجيء الفعل في بعض اللغات على فعل بضم العين وحينئذ يقال بالنقل كما في الكسر {عَلَيْهِ } أي على عبادته {عَاكِفاً } أي مقيماً، وخاطبه عليه السلام دون سائر العاكفين على عبادته القائلين: {أية : لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَـٰكِفِينَ حَتَّىٰ يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَىٰ} تفسير : [طه: 91] لأنه رأس الضلال ورئيس أولئك الجهال. {لَّنُحَرّقَنَّهُ } جواب قسم محذوف أي بالله تعالى لنحرقنه بالنار كما أخرج ذلك ابن المنذر وابن أبـي حاتم عن ابن عباس، ويؤيده قراءة الحسن وقتادة وأبـي جعفر في رواية وأبـي رجاء والكلبـي {لنحرقَنه } مخففاً من أحرق رباعياً فإن الإحراق شائع فيما يكون بالنار وهذا ظاهر في أنه صار ذا لحم ودم. وكذا ما في مصحف أبـي وعبد الله {لنذبحنه ثم لنحرقنه}. وجوز أبو علي أن يكون نحرق مبالغة في حرق الحديد حرقاً بفتح الراء إذا برده بالمبرد. ويؤيده قراءة علي كرم الله تعالى وجهه وحميد وعمرو بن فايد وأبـي جعفر في رواية وكذا ابن عباس رضي الله تعالى عنهما {لنحرقَنه } بفتح النون وسكون الحاء وضم الراء فإن حرق يحرق بالضم مختص بهذا المعنى كما قيل، وهذا ظاهر في أنه لم يصر ذا لحم ودم بل كان باقياً على الجمادية. وزعم بعضهم أنه لا بعد على تقدير كونه حياً في تحريقه بالمبرد إذ يجوز خلق الحياة في الذهب مع بقائه على الذهبية عند أهل الحق، وقال بعض القائلين بأنه صار حيواناً ذا لحم ودم: إن التحريق بالمبرد كان للعظام وهو كما ترى، وقال النسفي: تفريقه بالمبرد طريق تحريقه بالنار فإنه لا يفرق الذهب إلا بهذا الطريق. وجوز على هذا أن يقال: إن موسى عليه السلام حرقه بالمبرد ثم أحرقه بالنار. وتعقب بأن النار تذيبه وتجمعه ولا تحرقه وتجعله رماداً فلعل ذلك كان بالحيل الإكسيرية أو نحو ذلك. {ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ } أي / لنذرينه. وقرأت فرقة منهم عيسى بضم السين. وقرأ ابن مقسم {لننسفنه } بضم النون الأولى وفتح الثانية وتشديد السين {فِي ٱلْيَمّ } أي في البحر كما أخرج ذلك ابن أبـي حاتم عن ابن عباس. وأخرج عن علي كرم الله تعالى وجهه أنه فسره بالنهر، وقوله تعالى: {نَسْفاً } مصدر مؤكد أي لنفعلن به ذلك بحيث لا يبقى منه عين ولا أثر ولا يصادف منه شيء فيؤخذ، ولقد فعل عليه السلام ما أقسم عليه كله كما يشهد به الأمر بالنظر، وإنما لم يصرح به تنبيهاً على كمال ظهوره واستحالة الخلف في وعده المؤكد باليمين، وفي ذلك زيادة عقوبة للسامري وإظهار لغباوة المفتتنين، وقال في «البحر» بياناً لسر هذا الفعل: يظهر أنه لما كان قد أخذ السامري القبضة من أثر فرس جبريل عليه السلام وهو داخل البحر ناسب أن ينسف ذلك العجل الذي صاغه من الحلي الذي كان أصله للقبط وألقى فيه القبضة في البحر ليكون ذلك تنبيهاً على أن ما كان به قيام الحياة آل إلى العدم وألقى في محل ما قامت به الحياة وأن أموال القبط قذفها الله تعالى في البحر لا ينتفع بها كما قذف سبحانه أشخاص مالكيها وغرقهم فيه ولا يخفى ما فيه.

ابن عاشور

تفسير : لم يزد موسى في عقاب السامريّ على أن خلعه من الأمّة، إما لأنّه لم يكن من أنفسهم فلم يكن بالذي تجري عليه أحكام الشريعة، وإما لأنّ موسى أعلم بأن السامري لا يرجى صلاحه، فيكون ممن حقّت عليه كلمة العذاب، مثل الذين قال الله تعالى فيهم: {أية : إن الذين حقت عليهم كلمات ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم}تفسير : [يونس: 96، 97]، ويكون قد أطلع الله موسى على ذلك بوحي أو إلهام، مثل الذي قاتل قتالاً شديداً مع المسلمين، وقال - النبي صلى الله عليه وسلم - «حديث : أما إنه من أهل النّار»تفسير : ، ومثل المنافقين الذين أعلم الله بهم محمداً صلى الله عليه وسلم وكان النبي صلى الله عليه وسلم أعلم حذيفة بن اليمان ببعضهم. فقوله {فَاذْهَبْ} الأظهر أنه أمر له بالانصراف والخروج من وسط الأمّة، ويجوز أن يكون كلمة زجر، كقوله تعالى: {أية : قال اذهب فمن تبعك منهم فإن جهنّم جزاؤكم}تفسير : [الإسراء: 63]، وكقول الشاعر مما أنشده سيبويه في «كتابه» ولم يعزه:شعر : فاليوم قَرّبْتَ تهجونا وتشتمنا فاذْهَبْ فما وبك لأيام من عجب تفسير : ويجوز أن يكون مراداً به عدم الاكتراث بحاله كقول النبهاني من شعراء «الحماسة»:شعر : فإن كنتَ سيدنا سُدْتَنا وإن كنت للخَال فاذْهَب فَخَلْ تفسير : أما قوله {فَإنَّ لَكَ في الحَيَاةِ أن تَقُولَ لا مِساس وإنَّ لكَ مَوْعِداً لَن تُخْلفَهُ} فهو إخبار بما عاقبه الله به في الدنيا والآخرة، فجعل حَظه في حياته أن يقول لا مِساس، أي سلبه الله الأُنس الذي في طبع الإنسان فعوضه به هوساً ووسواساً وتوحشاً، فأصبح متباعداً عن مخالطة الناس، عائشاً وحده لا يترك أحداً يقترب منه، فإذا لقيه إنسان قال له: لا مساس، يخشى أن يمسه، أي لا تمسني ولا أمسك، أو أراد لا اقتراب مني، فإن المس يطلق على الاقتراب كقوله {أية : ولا تمسوها بسوء}تفسير : [هود: 64]، وهذا أنسب بصيغة المفاعلة، أي مقاربة بيننا، فكان يقول ذلك، وهذه حالة فظيعة أصبح بها سخرية. ومِساس ــــ بكسر الميم ــــ في قراءة جميع القراء وهو مصدر ماسّهُ بمعنى مسه، و (لا) نافية للجنس، و {مساس} اسمها مبني على الفتح. وقوله {وإنَّ لكَ مَوعِداً} اللام في {لَكَ} استعارة تهكمية، كقوله تعالى: {أية : وإن أسأتم فلها}تفسير : [الإسراء: 7] أي فعليها. وتوعده بعذاب الآخرة فجعله موعداً له، أي موعد الحشر والعذابِ، فالموعد مصدر، أي وعد لا يخلف {أية : وعد الله لا يخلف الله وعده}تفسير : [الروم: 6]. وهنا توعُّد بعذاب الآخرة. وقرأ الجمهور {لن تُخلَفه} بفتح اللاّم مبنيّاً للمجهول للعلم بفاعله، وهو الله تعالى، أي لا يؤخره الله عنك، فاستعير الإخلاف للتأخير لمناسبة الموعد. وقرأه ابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب بكسر اللام مضارع أخْلَف وهمزته للوجدان. يقال: أخلف الوعد إذا وجده مُخْلَفاً، وإما على جعل السامريّ هو الذي بيده إخلاف الوعد وأنه لا يخلفه، وذلك على طريق التهكم تبعاً للتهكم الذي أفاده لام الملك. وبعد أن أوعد موسى السامريّ بيّن له وللذين اتبعوه ضلالهم بعبادتهم العجل بأنه لا يستحق الإلهيّة لأنّه معرّض للامتهان والعَجز، فقال: {وانْظُر إلى إلٰهِكَ الَّذِي ظَلتَ عليهِ عاكِفاً لنُحرِقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ في الْيَمِّ نَسْفاً}. فجعَل الاستدلال بالنظر إشارة إلى أنه دليل بيّن لا يحتاج المستدل به إلى أكثر من المشاهدة فإن دلالة المحسوسات أوضح من دلالة المعقولات. وأضاف الإله إلى ضمير السامريّ تهكماً بالسامريّ وتحقيراً له، ووصف ذلك الإله المزعوم بطريق الموصولية لما تدلّ عليه الصلة من التنبيه على الضلال والخطأ، أي الذي لا يستحق أن يعكف عليه. وقوله {ظلتَ} ــــ بفتح الظاء ــــ في القراءات المشهورة، وأصله: ظَلَلْتَ: حذفت منه اللام الأولى تخفيفاً من توالي اللاميْن وهو حذف نادر عند سيبويه وعند غيره هو قياس. وفعل (ظلّ) من أخوات (كان). وأصله الدلالة على اتصاف اسمه بخبره في وقت النّهار، وهو هنا مجاز في معنى (دام) بعلاقة الإطلاق بناء على أنّ غالب الأعمال يكون في النّهار. والعكوف: ملازمة العبادة وتقدم آنفاً. وتقديم المجرور في قوله {عَلَيْهِ عَاكِفَاً} للتخصيص، أي الذي اخترته للعبادة دون غيره، أي دون الله تعالى. وقرأ الجمهور {لنُحرِّقنَّه} ــــ بضم النون الأولى وفتح الحاء وكسر الراء مشددة ــــ. والتحريق: الإحراق الشديد، أي لنحرقنه إحراقاً لا يدع له شكلاً. وأراد به أن يذيبه بالنّار حتى يفسد شكله ويصير قِطَعاً. وقرأ ابن جمّاز عن أبي جعفر {لنُحْرِقنه} بضم النّون الأولى وبإسكان الحاء وتخفيف الراء . وقرأه ابن وَردان عن أبي جعفر بفتح النون الأولى وإسكان الحاء وضم الراء لأنّه يقال: أحرقه وحرّقه. والنسف: تفريقٌ وإذراء لأجزاء شيء صلب كالبناء والتراب. وأراد باليمّ البحر الأحمر المسمى بحر القلزم، والمسمى في التوراة: بحْرَ سُوف، وكانوا نازلين حينئذ على ساحله في سفح الطور. و (ثم) للتّراخي الرتبي، لأن نسف العجل أشد في إعدامه من تحريقه وأذل له. وأكد {ننسِفَنّه} بالمفعول المطلق إشارة إلى أنه لا يتردد في ذلك ولا يخشى غضبه كما يزعمون أنّه إله.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلْحَيَاةِ} (97) - فَقَالَ مُوسَى لِلسَّامِرِيِّ: اذْهَبْ فَأَنْتَ طَرِيدٌ شَرِيدٌ، وَسَتَكُونُ عُقُوبَتُكَ فِي الدُّنْيَا أَنْ يَتَجَنَّبَكَ النَّاسُ، وَأَنْ تَتَجَنَّبَهُمْ، وَسَتَقُولَ لِمَنْ يَقْتَرِبُ مِنْكَ: لاَ مِسَاسَ - أَيْ لاَ يَمَسُّكَ أَحَدٌ، وَلاَ تَمَسُّ أَحَداً - وَسَيَكُونُ لَكَ عِقَابٌ آخَرُ فِي الآخِرَةِ فِي المَوْعِدِ المُحَدَّدِ الذِي هُوَ قِيَامُ السَّاعَةِ، وَهذا المَوْعِدُ سَيُنْجِزُهُ اللهُ تَعَالَى لَكَ، وَهُوَ آتٍ لا مَنْأَى عَنْهُ وَلاَ مَحِيدَ. ثُمَّ قَالَ لَهُ مُوسَى: انْظُرْ إِلَى هذا العِجْلِ الذِي اتَّخْذْتَهُ إِلهاً وَأَقْمَتَ عَاكِفاً عَلَى عِبَادَتِهِ، لَنَحْرُقَنَّهُ فِي النَّارِ، وَلَنُلْقِيَنَّ رَمَادَهُ فِي البَحْرِ وَنَذْرُوَنَّهُ ذَرْواً فِيهِ (لَنَنْسِفَنَّهُ فِي اليَمِّ نَسْفاً). لاَ مِسَاسَ - لاَ تَمَسُّنِيَ وَلاَ أَمسُّكَ. لَنَنْسِفَنَّهُ - لَنَذْرُوَنَّهُ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : كان ردّ موسى - عليه السلام - على هذه الفِعْلة من السامري: جزاؤك أن تذهب، ويكون قولك الملازم لك {لاَ مِسَاسَ ..} [طه: 97] والمِسَاس أي: المسّ. المعنى يحتمل: لا مساس مِنّي لأحد، أو لا مساسَ من أحد لي. ذلك لأن الذين يفترون الكذب ويدَّعُون أن لهم رسالة ولهم مهمة الأنبياء، حظُّهم من هذا كله أن تكون لهم سُلْطة زمنية ومكانة في قلوب الناس، وأن يكون لهم مذهب وأتباع وأشياع. لذلك تراهم دائماً - في سبيل الوصول إلى هذه الغاية - يتحللون من المنهج الحق، ويستبدلونه بمناهج حَسْب أهوائهم، فيميلون إلى تسهيل المنهج وتبسيطه، ويُعطون لأتباعهم حريةً ما أنزل الله بها من سلطان، كالذي خرج علينا يُبيح للناس الاختلاط بين الرجال والنساء. ومن العجيب أن تجد لهذه الأفكار أَنصاراً يؤمنون بها ويُطبِّقونها، لا من عامة الناس، بل من المثقفين وأصحاب المناصب. فكيف تحجب عنهم المرأة، وهي نصف المجتمع؟ إذن: ما أجملَ هذ الدين ومَا أيسره على الناس، فقد جاء على وَفْق أهوائهم وشهواتهم، ووسَّع لهم المسائل، فالنفس تميل بطبعها إلى التدين؛ لأنها مفطورة عليه، لكن تريد هذا الدين سَهْلاً لا مشقةَ فيه، حتى وإنْ خالف منهج الله. لذلك تجد مثلاً مسيلمة وسجاح وغيرهما من مُدَّعِي النبوة يُخفِّفون عن أتباعهم تكاليف الشرع في الصلاة والصوم، أما الزكاة فهي ثقيلة على النفس فلا داعيَ لها. وإلاَّ فما الميْزة التي جاءوا بها ليتبعهم الناس؟ وما وسائل التشجيع لاتباع الدين الجديد؟ وهكذا يصبح لهؤلاء سُلْطة زمنية ومكانة، وأتباع، وجمهور، إذن: الذي أفسد حياته أن يجد العِزَّ والمكانة في انصياع الناس له وتبعيتهم لأفكاره، فيعاقبه الله بهم، ويجعل ذُلَّه على أيديهم وفتنته من ناحيتهم، فهم الذين أعانوه على هذا الباطل، فإذا به يكرههم ويبتعد بنفسه عنهم، لدرجة أن يقول {لاَ مِسَاسَ ..} [طه: 97] كأنه يفِرُّ منهم يقول: إياك أنْ تقربَ مِنِّي أو تمسَّني. لقد تحول القُرْب والمحبة إلى بُعْد وعداوة، هذه الجمهرة التي كانت حوله وكان فيها عِزُّه وتسلُّطه يفرُّ منها الآن، فهي سبب كَبْوته، وهي التي أعانَتْه على معصية الله. وهكذا، كانت نهاية السامريّ أن ينعزل عن مجتمعه، ويهيم على وجهه في البراري، ويفرّ من الناس، فلا يمسّه أحد، بعد أنْ صدمه الحق، وواجهتْه صَوْلته. وما أشبهَ هذا الموقف بما يحدث لشاب متفوق مستقيم يُغريه أهل الباطل، ويجذبونه إلى طريقهم، وبعد أن انخرط في سِلْكهم وذاق لذة باطلهم وضلالهم إذَا به يصحو على صدمة الحق التي تُفيقه، ولكن بعد أن خسر الكثير، فتراه بعد ذلك يفِرُّ من هذه الصُّحْبة وينأى بنفسه عن مجرد الاقتراب منهم. لذلك من الذين اختاروا دينهم وَفْق أهوائهم عبدة الأصنام، فإن كانت العبادة أنْ يطيع العابدُ معبوده، فما أيسرَ عبادة الأصنام؛ لأنها آلهة بدون تكليف، وعبادة بدون مشقة، لا تقيد لك حركة، ولا تمنعك من شهوة، وإلا فماذا أعدَّتْ الأصنام من ثواب لمَنْ عبدها؟ وماذا أعدَّتْ من عذاب لمن كفر بها. فكأن الحق - تبارك وتعالى - قال للسامري: ستُعاقب بنفس المجتمع الذي كنت تريد منه العِزّة والسُّلْطة والسيطرة والذكر، فتتبرأ أنت منهم وتفرّ من جوارهم، ولا تتحمل أنْ يمسَّك أحد منهم، فهم سبب بلائك، ومصدر فتنتك، كما قال تعالى: {أية : ٱلأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ ٱلْمُتَّقِينَ}تفسير : [الزخرف: 67]. فأخلاءُ الباطل، وصُحْبَة السوء الذين يجتمعون على معصية الله في سهرات مُحرَّمة عليهم أنْ يحذروا هذا اللقاء. أما الخُلّة الحقيقية الصادقة فهي للمتقين، الذين يأتمرون بالحق، ويتواصَوْن بطاعة الله. وفَرْق بين مَنْ يقاسمك الكأس ومَنْ يكسرها ويُريقها قبل أنْ تذوقها، فَرْق بين مَنْ يلهيك عن الصلاة ومَنْ يحثُّك عليها، فَرْق بين مَنْ يُسعِدك الآن بمعصية ومَنْ يحملك على مشقّة الطاعة، فانظر وتأمَّلْ. ثم يقول: {وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً لَّن تُخْلَفَهُ ..} [طه: 97] أي: ما ينتظرك من عذاب الآخرة. {وَٱنظُرْ إِلَىٰ إِلَـٰهِكَ ٱلَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفاً لَّنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي ٱلْيَمِّ نَسْفاً} [طه: 97]. (عَاكِفاً) أي: مقيماً على عبادته، والاعتكاف: الإقامة في المسجد، والانقطاع عن المجتمع الخارجي. ومعنى {لَّنُحَرِّقَنَّهُ ..} [طه: 97] أي: نُصيِّره كالمحروق، بأنْ نبردَه بالمبرد حتى يصبح فُتاتاً وذرات متناثرة، بحيث يمكن أن نذروه في الهواء {ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي ٱلْيَمِّ نَسْفاً} [طه: 97] أي: نذروه كما يفعل الفلاحون حين يذرون الحبوب لفَصْل القِشْر عنها بآلة تسمى (المنسف) تشبه الغربال، وقد استبدلوا هذه الأدوات البدائية الآن بآلات ميكانيكية حديثة تُؤدِّي نفس الغرض. ذلك لأن إلهَ السَّامري كان هذا العجل الذي اتخذه من ذهب، فلا يناسبه الحرق في النار، إنما نريد له عملية أخرى، تذهب به من أصله، فلا نُبقِي له على أثر. وهذا هو إلهك الذي عبدته إنْ أفلح كان يدافع عن نفسه ويحمي رُوحَه. وبعد أن بَيَّن الحق - سبحانه - وَجْه البطلان فيما فعله السامري، ومَنْ تبعه من القوم، عاد لِيذكِّرهم بمنطقه الحق وجادة الطريق، وأن كلَّ ما فعلوه هراء في هراء: {إِنَّمَآ إِلَـٰهُكُمُ ٱللَّهُ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {لاَ مِسَاسَ} يعني لاَ مُخالطةٌ. تفسير : وقوله تعالى: {لَّنُحَرِّقَنَّهُ} معناه لَنَبْردَنّهُ بالمَبارِدِ {ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي ٱلْيَمِّ} معناه لَنَذْريه فِي البَحرِ.

الأندلسي

تفسير : {وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً} أي القيامة لن تخلفه أي لن تستطيع الروغان عنه والحيدة فتزل عن موعد العذاب. {وَٱنظُرْ إِلَىٰ إِلَـٰهِكَ} خاطبه وحده إذ كان هو رأس الضلال وهو ينظر لقولهم لن نبرح عليه عاكفين وأقسم لنحرقنه وهو أعظم فساد الصورة. {ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي ٱلْيَمِّ} حتى تتفرق أجزاؤه فلا تجتمع وانتصب علماً على التمييز المنقول من الفاعل تقديره وسع علمه كل شىء. {كَذٰلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ} الآية ذلك إشارة إلى نبأ موسى وبني إسرائيل وفرعون أي كقصنا هذا النبأ الغريب نقص عليك من أنباء الأمم السابقة وهذا فيه ذكر نعمة عظيمة وهي الاعلام باخبار الأمم السالفة ليتسلى بذلك ويعلم أن ما صدر من الأمم السالفة لرسلهم وما قامت الرسل منهم والظاهر أن الذكر هنا القرآن امتن تعالى عليه بإِيتائه الذكر المشتمل على القصص والاخبار الدال ذلك على معجزات أوتيها. {مَّنْ أَعْرَضَ عَنْهُ} أي عن القرآن بكونه لم يؤمن به ولم يتبع ما فيه وقرىء: يحمل مضارع حمل وقرىء: يحمل مشدداً والظاهر أنه عبر عن العقوبة بالوزر لأنه سببها ولذلك قال: خالدين فيه أي في العذاب والعقوبة وجمع خالدين والضمير في لهم حملاً على معنى من بعد الحمل على لفظها في أعرض وفي فإِنه يحمل والمخصوص بالذم محذوف تقديره وزرهم ولهم للبيان كهي في هيت لك لا متعلقة بساء وساء هنا التي جرت مجرى بئس لا ساء التي بمعنى أحزن وأهم لفساد المعنى. {يَوْمَ يُنفَخُ} بدل من يوم القيامة أسند النفخ إلى الآمر به والنافخ هو إسرافيل ولكرامته أسند ما يتولاه إلى ذاته المقدسة * والصور تقدم الكلام عليه في سورة الأنعام والظاهر أن المراد هنا بالزرقة زرقة العيون والزرقة أبغض الألوان للعرب وكانت تتشاءم به. {يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ} أي يتسارون بينهم لهول المطلع وشدة ذهاب أذهانهم عزب عنهم قدر المدة التي لبثوا فيها. {إِن لَّبِثْتُمْ} أي في الدار الدنيا أو في البرزخ أو بين النفختين ثلاثة أقوال ووصف ما لبثوا فيه بالقصر. {إِلاَّ يَوْماً} إشارة لقصر مدة لبثهم وإلا عشراً يحتمل أن يكون عشر ليال أو عشرة أيام لأن المذكر إذا حذف وأبقى عدده قد لا يأتي بالتاء وحكى الكسائي عن أبي الجراح صمنا من الشهر خمساً يريد خمسة أيام وما جاء ثم اتبعه بست من شوال يريد ستة أيام وحسن الحذف هنا كون ذلك فاصله رأس آية ذكر أولاً منتهى أقل العدد وهو العشر وذكر أعد لهم طريقة أقل العدد وهو اليوم الواحد ودل ظاهر قوله إلا يوماً على أن المراد بقولهم عشراً عشرة أيام * وضمير الغائب في ويسئلونك عائد على قريش منكري البعث والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم والظاهر وجود السؤال وكأنه تضمن معنى الشرط ولذلك دخلت الفاء في قوله: فقل بخلاف السؤالات في القرآن فليس فيها الفاء بل لفظ قل وروي أن الله تعالى يرسل على الجبال ريحاً فتدكدكها حتى تكون كالعهن المنفوش ثم تتوالى عليها حتى تعيدها كالهباء المنبث فذلك هو النسف والظاهر عود الضمير في فيذرها على الجبال أي بعد النسف تبقى قاعاً أي مستوياً من الأرض معتدلاً. {عِوَجاً} قال ابن عباس: ميلاً. {وَلاۤ أَمْتاً} أثراً مثل الشراك. {يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ ٱلدَّاعِيَ} التنوين فيه للعوض من الجملة المحذوفة التقدير يوم إذ ينسف الله الجبال. {يَتَّبِعُونَ} أي الخلائق داعي الله إلى المحشر نحو قوله: مهطعين إلى الداع وهو إسرافيل يقوم على صخرة بيت المقدس يدعو الناس فيقبلون من كل جهة يضع الصور في فيه ويقول أيتها العظام البالية والجلود المتمزقة واللحوم المتفرقة هلم إلى العرض على الرحمن والظاهر أن الضمير في له عائد على الداعي نفي عنه العوج أي لا عوج له غاية بل يسمع جميعهم فلا يميل إلى ناس دون ناس. {وَخَشَعَتِ ٱلأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَـٰنِ} هو على حذف مضاف أي أصحاب الأصوات * والهمس الصوت الخفي. {إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ} هو على حذف مضاف تقديره إلا شفاعة من أذن له الرحمن أي في الشفاعة ومن في موضع رفع بدلاً من قوله الشفاعة على حذف المضاف الذي قلناه. {وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً} هو لا إله إلا الله قاله ابن عباس: والظاهر أن الضمير في أيديهم وما خلفهم عائد على الخلق المحشورين وهم متبعو الداعي والضمير في به عائد على الله أي لا يحيط علم أحد بالله إذ ليس داخلاً تحت تحديد وعلماً تمييز منقول من الفاعل أي ولا يحيط علمهم به والظاهر عموم الوجوه أي وجوه الخلائق وخص الوجوه لأن آثار الذل إنما تظهر أولاً في الوجوه. {ٱلْقَيُّومِ} تقدم الكلام عليه في البقرة. {وَقَدْ خَابَ} أي لم ينجح ولم يظفر بمطلوبه والظلم يعم الشرك والمعاصي وخيبة كل حامل بقدر ما حمل من الظلم. {وَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّالِحَاتِ} من للتبعيض. {وَهُوَ مُؤْمِنٌ} جملة في موضع الحال وقرىء: فلا يخاف على الخبر والتقدير فهو لا يخاف فهو مبتدأ ولا يخاف جملة في موضع الخبر وقرأ ابن محيصن وحميد فلا يخف على النهي والهضم نقص من الحسنات قاله ابن عباس: * وكذلك عطف على كذلك نقص أي ومثل ذلك الإِنزال أو كما أنزلنا عليك هذه الآيات المتضمنة الوعيد أنزلنا القرآن كله على هذه الوتيرة. {لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} أي يتخذون وقاية من وعيد الله بالعذاب. {أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً} عظة بما حل بالأمم السالفة. {فَتَعَٰلَى ٱللَّهُ ٱلْمَلِكُ ٱلْحَقُّ} لما كان فيما سبق تعظيم القرآن في قوله وقد آتيناك من لدنا ذكراً وكذلك أنزلناه قرآناً عربياً ذكر عظم منزله تعالى ثم ذكر هاتين الصفتين وهي صفة الملك التي تضمنت القهر والسلطنة والحق وهي الصفة الثابتة له. {وَلاَ تَعْجَلْ بِٱلْقُرْآنِ} أي تأن حتى يفرغ الملقى إليك الوحي ولا تساوق في قراءتك قراءته والقاه كقوله تعالى: {أية : لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ}تفسير : [القيامة: 16]. {وَلَقَدْ عَهِدْنَآ إِلَىٰ ءَادَمَ} الآية، لما تقدّم كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق كان من هذه الأنباء قصة آدم عليه السلام ليتحفظ بنوه من وسوسة الشيطان وعهده نهيه عن قربان تلك الشجرة وأكله منها والظاهر أن النسيان هنا الترك أي ترك ما وصى به من الاحتراس عن الشجرة وأكل ثمرتها والعزم التصميم والمضي. {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ} الآية وأبى جملة مستأنفة مبنية أن امتناعه من السجود إنما كان عن إباء منه وامتناع، الظاهر حذف متعلق أي وأنه يقدر هنا ما صرح به في الاية الأخرى أي أن يكون من الساجدين وهذا إشارة إلى إبليس وعدو يطلق على الواحد والمثنى والمجموع عرف تعالى آدم عداوة إبليس له ولزوجه ليحذراه فلم يغن الحذر من القدر. {فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا} الظاهر أنه نهي لإِبليس عن إخراجهما والمعنى أنه لا تتعرضا لمخالفتكما إياي بالقربان والأكل فيخرجكم من الجنة فاقتصر بقوله فتشقى على شقاء آدم فقط لأن زوجته تابعة له ولأن لكلمة رأس آية. {إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلاَ تَعْرَىٰ} لما كان الشبع والري والكسوة والكن هي الأمور الضرورية للإِنسان اقتصر عليها لكونها كافية له وما أحسن المقابلة في هذه الأربعة فقابل الجوع بخلو الباطن والتعري بخلو الظاهر والظمأ بإِحراق الباطن والصخو بإِحراق الظاهر فقابل الخلو بالخلو والإِحراق بالإِحراق وأورد ذلك مورد النفي وقرىء: وإنك معطوفاً على أن لا تجوع وقرىء: وإنك على الاستئناف أو عطفاً على أن لك وتقدم الكلام في فوسوس وتعدى وسوس هنا بإِلى وفي الأعراف باللام فالتعدي إلى معناه أنهى الوسوسة إليه والتعدي بلام الجر قيل معناه لأجله ولما وسوس إليه ناداه باسمه ليكون أقبل عليه وأمكن للاستماع ثم عرض عليه ما يلقى بقوله: {هَلْ أَدُلُّكَ} على سبيل الاستفهام الذي يشعر بالنصح ويؤثر قبول من يخاطبه كقول موسى لفرعون: هل لك إلى تزكى وهو عرض فيه مناصحة وكان آدم صلى الله عليه وسلم قدر عنه الله في دوام الراحة وانتظام المعيشة بقوله تعالى: {فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا} الآية ورغبة إبليس في دوام الراحة وانتظام المعيشة بقوله: هل أدلك فجاءه إبليس من الجهة التي رغبه الله تعالى فيها وفي الأعراف ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة الآية وهنا هل أدلك والجمع بينهما أن قوله هل أدلك يكون سابقاً على قوله: ما نهاكما لما رأى إصغاءه وميله إلى ما عرض عليه انتقل إلى الاخبار والحصر ومعنى عن شجرة الخلد أي الشجرة التي من أكل منها خلد وحصل له ملك لا يخلق. {وَعَصَىٰ ءَادَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ} قال القاضي أبو بكر بن العربي: لا يجوز لأحدنا اليوم أن يخبر بذلك عن آدم صلى الله عليه وسلم إلا إذا تلاه في أثناء كلامه تعالى أو قول نبيه صلى الله عليه وسلم فأما أن نبتدىء ذلك من قبل أنفسنا فليس بجائز لنا في أبائنا الأدنين لنا المماثلين لنا فكيف بأبينا الأقدم الأعظم الأكرم البني المقدم الذي اجتباه الله تعالى تاب عليه وغفر له والضمير في اهبطا ضمير تثنية وهو أمر لآدم وحواء وجعل هبوطهما عقوبتهما جميعاً حال منهما وبعضكم لبعض جملة حالية. {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي} الذكر يقع على القرآن وعلى سائر الكتب الإِلهية * وضنكاً مصدر يوصف به المذكر والمؤنث والمفرد والمثنى والمجموع والمعنى النكد الشاق من العيش والمنازل ومواطن الحرب وغيرها والظاهر أن قوله: {أَعْمَىٰ} المراد به عمى البصر كما قال تعالى: {أية : وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ عُمْياً}تفسير : [الإسراء: 97]. {قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِيۤ أَعْمَىٰ} سأل العبد ربه عن السبب الذي استحق به أن يحشر أعمى لأنه جهله فظن أنه لا ذنب له فقال له جل ذكره: {كَذٰلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذٰلِكَ ٱلْيَوْمَ تُنْسَىٰ} أي مثل ذلك فعلت أنت ثم فسر بأن آياتنا أتتك واضحة مستنيرة فلم تنظر إليها بعين المعتبر ولم تتبصر وتركتها وعميت عنها فكذلك اليوم نتركك على عماك ولا نزيل غطاءه عن عينيك والنسيان هنا بمعنى الترك لا بمعنى الذهول ومعنى تنسى تترك في العذاب.

همام الصنعاني

تفسير : 1826- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة، قال في حرف ابن مسعودٍ {وَٱنظُرْ إِلَىٰ إِلَـٰهِكَ ٱلَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفاً لَّنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي ٱلْيَمِّ نَسْفاً} [الآية: 97]. حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {فَإِنَّ لَكَ فِي ٱلْحَيَاةِ أَن تَقُولَ لاَ مِسَاسَ} [الآية: 97]، قال: عقوبة له.