٢٠ - طه
20 - Ta-Ha (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
98
Tafseer
البيضاوي
تفسير : {إِنَّمَا إِلَـٰهُكُمُ } المستحق لعبادتكم. {ٱللَّهُ ٱلَّذِى لا إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ } إذ لا أحد يماثله أو يدانيه في كمال العلم والقدرة. {وَسِعَ كُلَّ شَىْءٍ عِلْماً } وسع علمه كل ما يصح أن يعلم لا العجل الذي يصاغ ويحرق وإن كان حياً في نفسه كان مثلاً في الغباوة، وقرىء {وسع} فيكون انتصاب {عِلْمًا} على المفعولية لأنه وإن انتصب على التمييز في المشهورة لكنه فاعل في المعنى فلما عدي الفعل بالتضعيف إلى المفعولين صار مفعولاً.
المحلي و السيوطي
تفسير : {إِنَّمَآ إِلَٰهُكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِى لآ إِلَٰهَ إِلاَّ هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَىْءٍ عِلْماً } تمييز محوّل عن الفاعل أي وسع علمه كل شيء.
ابن عطية
تفسير : هذه مخاطبة من موسى عليه السلام لجميع بني إسرائيل مبيناً لهم، وقوله تعالى: {وسع كل شيء علماً} بمعنى وسع علمه كل شيء. و {علماً} تمييز، وهذا كقوله تفقأت شحماً وتصببت عرقاً، والمصدر في الأصل فاعل ولكن يسند الفعل إلى غيره وينصب هو على التمييز، وقرأ مجاهد وقتادة "وسَّع كل شيء" بفتح السين وشدها بمعنى خلق الأشياء وكثرها بالاختراع فوسعها موجودات، وقوله تعالى: {كذلك نقص} مخاطبة لمحمد صلى الله عليه وسلم، أي كما قصصنا عليك نبأ بني إسرائيل هذا في خبر العجل {كذلك نقص عليك} فكأنه قال هكذا نقص عليك فكأنها تعديد نعمته، وقوله {ما قد سبق} يريد به ما قد سبق مدة محمد صلى الله عليه وسلم، و"الذكر" القرآن، وقرأت فرقة "يحمَّل" بفتح الميم وشدها. وقوله {من أعرض عنه} يريد بالكفر به والتكذيب له، و"الوزر" الثقل وهو هاهنا ثقل العذاب بدليل قوله تعالى: {خالدين فيه} و {حملاً} تمييز، و {يوم} ظرف، و {يوم} الثاني بدل منه وقرأ الجمهور "يُنفخ" بضم الياء وبناء الفعل للمفعول، وقرأت فرقة "يَنفخ" بفتح الياء وبناء الفعل للفاعل، أي ينفخ الملك. وقرأ أبو عمرو وحده "ننفخ" بالنون أي بأمرنا وهذه القراءة تناسب قوله {ونحشر}. وقرأ الجمهور "في الصور" بسكون الواو، ومذهب الجمهور أنه القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل وبهذا جاءت الأحاديث، وقالت فرقة "الصوَر" جمع صورة كثمرة وثمر. وقرأ ابن عياض "ينفخ في الصوَر" بفتح الواو وهذه صريحة في بعث الأجساد من القبور، وقرأت فرقة هي الجمهور، "ونحشر" بالنون، وقرأت فرقة "ويحشر" بالياء، وقرأت فرقة "ويُحشر" بضم الياء "المجرمون" على المفعول الذي لم يسم فاعله، وهي قراءة مخالفة لخط المصحف وقوله: {زرقاً} اختلف الناس في معناه، فقالت فرقة يحشرهم أول قيامهم سود الألوان زرق العيون تشويه ما ثم يعمون بعد ذلك وهي مواطن، وقالت فرقة إنهم يحشرون عطاشاً والعطش الشديد يرد سواد العين إلى البياض فكأنهم بيض سواد عيونهم من شدة العطش، وقالت فرقة أراد زرق الألوان وهي غاية في التشويه لأنهم يجيئون كلون الرماد، ومهيع كلام العرب أن يسمى هذا اللون أزرق ومنه زرقة الماء قال الشاعر: [زهير بن أبي سلمى] [الطويل] شعر : فلما وردن الماء زرقاً جمامه وضعن عصي الحاضر المتخيم تفسير : ومنه قولهم سنان أزرق لأنه نحو ذلك اللون.
ابن عبد السلام
تفسير : {وَسِعَ} أحاط علمه بكل شيء فلم يخرج عن علمه شيء، أو لم يخل شيء من علمه به.
البقاعي
تفسير : ولما أراهم بطلان ما هم عليه بالعيان، أخبرهم بالحق على وجه الحصر فقال: {إنما إلهكم} جميعاً {الله} أي الجامع لصفات الكمال؛ ثم كشف المراد من ذلك وحققه بقوله: {الذي لا إله إلا هو} أي لا يصلح لهذا المنصب أحد غيره لأنه {وسع كل شيء علماً*} تمييز محول عن الفاعل، أي أحاط علمه بكل شيء، فكان على كل شيء ممكن قديراً، فكان كل شيء إليه فقيراً، وهو غني عن كل شيء، وجوده يباين وجود غيره، وذاته تباين ذات غيره، وصفاته تباين صفات غيره، وأما العجل الذي عبدوه فلو كان حياً كان مثلاً في الغباوة، فلا يصلح للإلهية بوجه ولا في عبادته شيء من حق، وكان القياس على ما يتبادر إلى الذهن حيث نفى عنه العلم بقوله {ألا يرجع إليهم قولاً} والقدرة بقوله {ولا يملك لهم ضراً ولا نفعاً} أن يثبتا هنا للاله الحق، ولكنه اعتنى بإثبات العلم الواسع لاستلزامه للقدرة على كل ما يمكن أن يتعلق به، بإفادة الأسباب لشيء المراد، ومنع الموانع عنه فيكون لا محالة، ولو لم يكن كذلك لكان التخلف للجهل إما بما يفيد مقتضياً أو يمنع مانعاً، وأدل دليل على ذلك قوله تعالى {أية : ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء}تفسير : [الأعراف: 188] ولا يستلزم إثبات القدرة المحيطة العلم الشامل لخروج قسم المحال الذي ليس من شأن القدرة أن تتعلق به. ولما تمت هذه القصة على هذا الأسلوب الأعظم، والسبيل الأقوم، متكفلة بالدلالة على القدرة على ما وقعت إليه الإشارة من البشارة أول السورة بتكثير هذه الأمة ورد العرب عن غيهم بعد طول التمادي في العناد، والتنكب عن سبيل الرشاد، إلى ما تخللها من التسلية بأحوال السلف الصالح والتأسية، مفصلة من أدلة التوحيد والبعث، وغير ذلك من الحكم، بما يبعث الهمم، على معالي الشيم، كان كأنه قيل: هل يعاد شيء من القصص على هذا الأسلوب البديع والمثال الرفيع؟ فقيل: نعم {كذلك} أي مثل هذا القص العالي، في هذا النظم العزيز الغالي، لقصة موسى ومن ذكر معه {نقص عليك} أي بما لنا من العظمة التي لا يعجزها شيء؛ وأشار إلى جلالة علمه بقوله: {من أنباء} أي أخبار {ما قد سبق} من الأزمان والكوائن الجليلة، زيادة في علمك، وإجلالاً لمقدارك، وتسلية لقلبك، وإذهاباً لحزنك، بما اتفق للرسل من قبلك وتكثيراً لأتباعك وزيادة في معجزاتك، وليعتبر السامع ويزداد المستبصر في دينه بصيرة وتأكد الحجة على من عابه: {وقد ءاتيناك} من عظمتنا تشريفاً لك وتعظيماً لقدرك {من لدنا} أي من عندنا من الأمر الشريف بمزيد خصوصيته بنا ولطيف اتصاله بحضرتنا من غيب غيباً {ذكرا*} عظيماً جليلاً جامعاً لما أظهرناه من أمرنا في التوراة، وما ابطنّاه من سرنا في الإنجيل، وما أودعناه من سكينتنا في الزبور، مع ما خصصناه به من لطائف المزايا، وعظائم الأسرار، يعرف بمجرد تلاوته أنه من عندنا لما يُشهد له من الروح، ويُذاق له من الإخبات والسكون، ويرى له من الجلالة في الصدور مع القطع بأن أحداً لا يقدر أن يعارضه، وضمناه تلك القصص مع ما زدنا فيه على ذلك من المواعظ والأحكام ودقائق اشارات الحقائق، متكفلاً بسعادة الدارين وحسنى الحسنيين، فمن أقبل عليه كان مذكراً له بكل ما يريد من العلوم النافعة. ولما اشتمل هذا الذكر على جميع أبواب الخير، فكان كل مل ليس له فيه أصل شقاور محضة وضلالاً بعيداً، قال يقص عليه من أنباء ما يأتي كما قص من أنباء ما قد سبق: {من أعرض عنه} أي عن ذلك الذكر، وهو عام في جميع من يمكن دخوله في معنى "من" من العالمين {فإنه يحمل} ولما كان المراد استغراق الوقت قال: {يوم القيامة وزراً*} أي حملاً ثقيلاً من العذاب الذي سببه الوزر وهو الذنب، جزاء لإعراضه عنه واشتغاله بغيره {خالدين فيه} وجمع هنا حملاً على المعنى بعد الإفراد للفظ، تنبيهاً على العموم لئلا يغفل عنه بطول الفصل، أو يظن أن الجماعة يمكنهم المدافعة، ويمكن أن يراد بالوزر الحمل الثقيل من الإثم، ويكون الضمير في "فيه" للعذاب المسبب عنه فيكون استخداماً كقوله: شعر : إذا نزل السماء بأرض قوم رعيناه وإن كانوا غضابا تفسير : ولما كانوا منكرين ليوم القيامة، صرح بذكره ثانياً مع قرب العهد، قارعاً لأسماعهم به، مجرياً له إجراء ما هو به جدير من أنه متحقق لا مرية فيه فقال: {وساء} أي وبئس؛ وبين أصحاب السوء فقال: {لهم} أي ذلك الحمل {يوم القيامة حملاً} ثم شرح لهم بعض أحوال ذلك اليوم من ابتدائه، فقال مبدلاً من "يوم القيامة": {يوم ينفخ} أي بعظمتنا - على قراءة أبي عمرو بالنون مبنياً لفاعل، ودل على تناهي العظمة بطريقة كلام القادرين في قراءة الباقين بالياء مبنياً للمفعول {في الصور} فيقوم الموتى من القبور {ونحشر} أي بعظمتنا {المجرمين} منهم الذين قطعوا ما أمر الله به أن يوصل، وعدل عن أن يقول: ونحشرهم - لبيان الوصف الذي جره لهم: الإعراض عن الذكر {يومئذ} أي يوم القيامة، ويكون لهم ما تقدم {زرقاً} أي زرق العيون والجسوم على هيئة من ضرب فتغير جسمه، حال كونهم {يتخافتون}. ولما كان التخافت - وهو المسارّة بالكلام - قد يكون بين اثنين من قبيلتين، فيكون كل منهما خائفاً من قومه أقل عاراً مما لو كانا من قبيلة واحدة، لأنه يدل على أن ذلك الخوف طبع لازم، قال دالاً على لزومه وعمومه: {بينهم} أي يتكلمون خافضي أصواتهم من الهيبة والجزع. ولما كانت الزرقة أبغض ألوان العيون إلى العرب لعدم إلفهم لها، والمخافتة أبغض الأصوات إليهم لأنها تدل عندهم على سفول الهمة والجبن وكانوا من الزرقة أشد نفرة لأن المخافتة قد يتعلق بها غرض. رتبهما سبحانه كذلك، ثم بين ما يتخافتون به فقال: {إن} أي يقول بعضهم لبعض: ما {لبثتم} أي في الدنيا استقصاراً لمدة إقامتهم في غيب ما بدا لهم من المخاوف، أو غلطاً ودهشة {إلا عشراً*} أي عقداً واحداً، لم يزد على الآحاد إلا بواحد، وهو لو أنه سنون سن من لم يبلغ الحلم، فكيف إذا كان شهوراً أو أياماً فلم يعرفوا لذة العيش بأيّ تقدير كان.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: {وسع كل شيء علماً} يقول: ملأ. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي زيد في قوله: {وقد آتيناك من لدنا ذكراً} قال: القرآن. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: {يحمل يوم القيامة وزراً} قال: إثماً. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {وساء لهم يوم القيامة حملاً} يقول: بئس ما حملوا. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله: {وساء لهم يوم القيامة حملاً} قال: ليس هي، وسألهم موصولة ينبغي أن يقطع، فإنك إن وصلت لم تفهم وليس بها خفاء، ساءلهم حملاً {خالدين فيه وساء لهم يوم القيامة حملاً} قال: حمل السوء وبوئ صاحبه النار. قال: وإنما هي {وساء لهم} مقطوعة وساء بعدها لهم. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس، أن رجلاً أتاه فقال: أرأيت قوله: {ونحشر المجرمين يومئذ زرقاً} وأخرى عمياً. قال: إن يوم القيامة فيه حالات: يكونون في حال زرقاً وفي حال عمياً. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {يتخافتون بينهم} قال: يتسارّون. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير في قوله: {إذ يقول أمثلهم طريقة} قال: أعلمهم في نفسه. وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: {إذ يقول أمثلهم طريقة} قال: أعدلهم من الكفار {إن لبثتم} أي في الدنيا {إلا يوماً} لما تقاصرت في أنفسهم. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج قال: قالت قريش: يا محمد، كيف يفعل ربك بهذه الجبال يوم القيامة؟ فنزلت {ويسألونك عن الجبال} الآية. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {فيذرها قاعاً} قال: مستوياً {صفصفاً} قال: لا نبات فيه {لا ترى فيها عوجاً} قال: وادياً {ولا أمتاً} قال: رابية. وأخرج الطستي عن ابن عباس، أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله عز وجل: {فيذرها قاعاً صفصفاً} قال: القاع، الأملس. والصفصف، المستوي، قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت الشاعر وهو يقول: شعر : ملمومة شهباء لو قذفوا بها شماريخ من رضوى إذا عاد صفصفا تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة، أنه سئل عن قوله: {قاعاً صفصفاً لا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً} قال: كان ابن عباس يقول: هي الأرض الملساء التي ليس فيها رابية مرتفعة ولا انخفاض. وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد في قوله: {قاعاً صفصفاً} قال: مستوياً {لا ترى فيها عوجاً} قال: خفضاً {ولا أمتاً} قال: إرتفاعاً. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله: {صفصفاً} قال: القاع: الأرض، والصفصف: المستوية {لا ترى فيها عوجاً} قال: صدعاً. {ولا أمتاً} قال: أكمة. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {لا ترى فيها عوجاً} قال: ميلاً {ولا أمتاً} قال: الأمت، الأثر مثل الشراك. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن الضحاك في الآية قال: العوج، الإرتفاع، والأمت، المبسوط. وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة في الآية قال: يعني بالأمت، حفراً. وأخرج ابن الأنباري في الوقف عن ابن عباس، أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله تعالى: {لا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً} ما الأمت؟ قال: الشي الشاخص من الأرض، قال فيه كعب بن زهير: شعر : فأبصرت لمحة من رأس عكرشة في كافر ما به أمت ولا شرف تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن كعب القرظي قال: يحشر الله الناس يوم القيامة في ظلمة تطوى السماء وتتناثر النجوم وتذهب الشمس والقمر، وينادي مناد فيسمع الناس الصوت يأتونه. فذلك قول الله: {يومئذ يتبعون الداعي لا عوج له}. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي صالح في قوله: {يتبعون الداعي لا عوج له} قال: لا عوج عنه. وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: {لا عوج له} لا يميلون عنه. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {لا تسمع إلا همساً} قال: الصوت الخفي. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {فلا تسمع إلا همساً} قال: صوت وطء الأقدام. وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك في قوله: {فلا تسمع إلا همساً} قال: أصوات أقدامهم. وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة وسعيد في قوله: {فلا تسمع إلا همساً} قال: وطء الأقدام. وأخرج عبد بن حميد عن حصين بن عبد الرحمن قال: كنت قاعداً عند الشعبي فمرت علينا إبل قد كان عليها جص فطرحته، فسمعت صوت أخفافها فقال: هذا الهمس. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: {فلا تسمع إلا همساً} قال: هو خفض الصوت بالكلام، يحرك لسانه وشفتيه ولا يسمع. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله: {إلا همساً} قال: سر الحديث وصوت الأقدام. والله أعلم.
ابو السعود
تفسير : {إِنَّمَا إِلَـٰهُكُمُ ٱللَّهُ} استئناف مَسوقٌ لتحقيق الحقِّ إثرَ إبطالِ الباطل بتلوين الخطابِ وتوجيهِه إلى الكل، أي إنما معبودُكم المستحقُّ للعبادة الله {ٱلَّذِى لا إِلَـٰهَ} في الوجود لشيء من الأشياء {إِلاَّ هُوَ} وحده من غير أن يشاركَه شيءٌ من الأشياء بوجه من الوجوه التي من جملتها أحكامُ الألوهية، وقرىء الله لا إلٰه إلا هو الرحمٰنُ ربُّ العرش وقوله تعالى: {وَسِعَ كُلَّ شَىْء عِلْماً} أي وسع علمُه كلَّ ما من شأنه أن يُعلم بدلٌ من الصلة، كأنه قيل: إنما إلٰهُكم الله الذي وسع كلَّ شيءٍ علماً لا غيرُه كائناً ما كان فيدخل فيه العِجْلُ دخولاً أولياً، وقرىء وسّع بالتشديد فيكون انتصابُ عِلْماً على المفعولية لأنه على القراءة الأولى فاعلٌ حقيقةً، وبنقل الفعل إلى التعدية إلى المفعولين صار الفاعل مفعولاً أولاً، كأنه قيل: وسِع علمُه كلَّ شيء وبه تم حديثُ موسى عليه السلام المذكورُ لتقرير أمر التوحيدِ حسبما نطقت به خاتمتُه. وقوله تعالى: {كَذٰلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ} كلامٌ مستأنف خوطب به النبـيُّ عليه السلام بطريق الوعدِ الجميل بتنزيل أمثالِ ما مر من أنباء الأممِ السالفة، وذلك إشارةٌ إلى اقتصاص حديثِ موسى عليه السلام، وما فيه من معنى البُعد للإيذان بعلو رتبتِه وبُعدِ منزلتِه في الفضل، ومحلُّ الكاف النصبُ على أنه نعتٌ لمصدر مقدّر أي نقص عليك {مِنْ أَنْبَاء مَا قَدْ سَبَقَ} من الحوادث الماضيةِ الجارية على الأمم الخاليةِ قصًّا مثلَ ذلك القَصِّ المارِّ، والتقديمُ للقصر المفيدِ لزيادة التعيـين، ومن في قوله تعالى: {مِنْ أَنْبَاء} في حيز النصب إما على أنه مفعولُ نقُصّ باعتبار مضمرٍ فيه وإما على أنه متعلقٌ بمحذوف هو صفةٌ للمفعول كما في قوله تعالى: { أية : وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ} تفسير : [الجن: 11] أي جمْعٌ دون ذلك، والمعنى نقصّ عليك بعضَ أنباءِ ما قد سبق أو بعضاً كائناً من أنباء ما قد سبق، وقد مر تحقيقه في تفسير قوله تعالى: { أية : وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ} تفسير : [البقرة: 8] الخ، وتأخيرُه عن عليك لما مر مراراً الاعتناء بالمقدم والتشويق إلى المؤخر أي مثلَ ذلك القصِّ البديعِ الذي سمِعتَه نقصّ عليك ما ذكر من الأنباء لا قصًّا ناقصاً عنه تبصِرةً لك وتوقيراً لعلمك وتكثيراً لمعجزاتك وتذكيراً للمستبصرين من أمتك. {وَقَدْ اتَيْنَـٰكَ مِن لَّدُنَّا ذِكْراً} أي كتاباً منطوياً على الأقاصيص والأخبارِ حقيقاً بالتفكير والاعتبار، وكلمةُ مِنْ متعلقةٌ بآتيناك وتنكيرُ ذكراً للتفخيم وتأخيرُه عن الجارّ والمجرور لما أن مرجِعَ الإفادةِ في الجملة كونُ المُؤْتىٰ من لدنه تعالى ذكراً عظيماً وقرآناً كريماً جامعاً لكل كمالٍ، لا كونُ ذلك الذي مر مُؤْتى من لدنه عز وجل مع ما فيه من نوع طولٍ بما بعده من الصفة، فتقديمُه يذهب برونق النظمِ الكريم.
القشيري
تفسير : أي إلهكم الذي تجب عليكم عبادتُه بحقِّ أمره هو اللًّهُ الذي لا إله إلا هو، وهو بوصف الجلال، والذي لا يخفى عليه شيءٌ من المعلومات هو الله، وليس مِثْلَ الذي هو جماد لا يَعْلَمُ ولا يَقْدِرُ، ولا يحيا ولا يسمع ولا يبصر. ويمكنه أن يَسْحَقَ هذه الجماد ويحرقه.
اسماعيل حقي
تفسير : {انما الهكم} اى معبودكم المستحق للعبادة {الله الذى لا اله} فى الوجود لشئ من الاشياء {الا هو} وحده من غير ان يشاركه شئ من الاشياء بوجه من الوجوه التى من جملتها احكام الالوهية. قال فى بحر العلوم قوله {الذى لا اله الا هو} تقرير لاختصاص الالهية ونحوه قولك القبلة الكعبة التى لا قبلة الا هى {وسع كل شئ علما} اى وسع علمه بكل ما كان وما يكون اى علم كل شئ واحاط به بدل من الصلة كأنه قيل انما الهكم الذى وسع كل شئ علما لا غيره كائنا ما كان فيدخل فيه العجل دخولا اوليا. قال الكاشفى [نه قالب كوساله كه اكرجه زنده نيزباشد مثلست درغباوت ونادانى] روى ان موسى اخذ العجل فذبحه ثم حرقه بالنار ثم ذراه فى البحر زيادة عقوبة حيث ابطل سعيه واظهر غباوة المفتتنين به بادست موسوى جه زند سحر سامرى قال الحافظ شعر : سحر بامعجزه بهلو نزند ايمن باش سامرى كيست كه دست ازيد بيضا ببرد تفسير : قال فى التأويلات النجمية فى الآية اشارة الى عبده عجل النفس والهوى بانهم وما يعبدون حصب جهنم منسوفون فى بحر القهر نسفا لاخلاص لهم منه الى الابد وفى قوله {انما الهكم الله الذى لا اله الا هو} اشارة الى ان من يعبد الها دونه يحرقه بنار القطيعة وينسفه فى بحر القهر الى ابدالآباد و{وسع كل شئ علما} فعلم استحقاق كل عبد للطف او للقهر. يقال لما وقع الازدواج بين آدم وحواء والازدواج بين ابليس والدنيا فتولد من الازدواج الاول نوع البشر ومن الثانى الهوى فجميع الاديان الباطلة والاخلاق المذومة من تأثير ذلك الهوى يقال ان ضرر البدعة والهوى اكثر من ضرر المعصية فان صاحب المعصية يعلم قبحها فيستغفر فيتوب بخلاف صاحب البدعة والهوى. اعلم انهم قالوا لكل فرعون موسى اى لكل مبطل ومفسد محق ومصلح ألا ترى ان فرعون افسد الارض بالكفر والتكذيب والظلم والمعاصى فاصلحها موسى بالايمان والتصديق والعدل والطاعات ثم ان السامرى اراد ان يكدروجه مرآة الدين بما صنعه بيده العادية فجاء موسى فازاله وهكذا الحال الى يوم القيامة والاصل اصلاح القلب وتطهيره عن لوث الاخلاق الرذيلة ومنعه عن العكوف على عبادة الهوى ثم تغيير المنكر عن وجه العالم ان قدر كما فعله الانبياء واولوا الامر ومن يليهم فان الغيرة من الايمان والله غيور وعبده فى غيرته وفى الحديث "حديث : ان سعدا لغيور وانا اغير من سعد والله اغير منى ومن غيرته حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن"تفسير : : وفى المثنوى شعر : جمله عالم زان غيور آمدكه حق بردر غيرت برين عالم سبق غيرت حق برمثل كندم بودم كاه خر من غيرت مردم بود اصل غيرتها بدانيد ازاله آن خلقان فرع حق بى اشتباه
الهواري
تفسير : قوله: {إِنَّمَآ إِلهُكُمُ اللهُ الذِي لآ إلهَ إِلاَّ هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً} أي: ملأ كل شيء علماً، أي لا يكون شيء إلا بعلم الله. قوله عز وجل: {كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أَنْبَآءِ مَا قَدْ سَبَقَ} أي: من أخبار ما قد مضى. {وَقَدْ ءَاتَيْنَاكَ} أي: أعطيناك {مِن لَّدُنَّا} أي: من عندنا {ذِكْراً} يعني القرآن؛ {مِّن أَعْرَضَ عَنْهُ} أي عن القرآن ولم يؤمن به {فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وزْراً} قال مجاهد: إثماً. {خَالِدِينَ فِيهِ} قال الحسن: في ثواب ذلك الوزر، وهو النار. {وَسَآءَ لَهُمْ} أي وبئس لهم {يَوْمَ القِيَامَةِ حِمْلاً} أي: ما يحملون على ظهورهم من الوزر. وهو قوله: (أية : وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلاَ سَآءَ مَا يَزِرُونَ) تفسير : [الأنعام: 31]. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : إذا كان يوم القيامة بعث الله مع كل امرئ عمله؛ بعث مع المؤمن عمله في أحسن صورة رآها قط، أحسنه حسناً، وأجمله جمالاً، وأطيبه ريحاً. لا يرى شيئاً يخافه، ولا شيئاً يروعه إلا قال: لا تخف وأبشر بالذي يسرّك، لا والله ما أنت الذي يُراد، ولا أنت الذي يُعنى. فإذا قال له ذلك مراراً قال له: من أنت، أصلحك الله؟ والله ما رأيت أحسن منك وجهاً، ولا أطيب منك ريحاً، ولا أحسن منك لفظاً. فيقول له: أتعجب من حسني؟ فيقول: نعم. فيقول: إني والله عملك. إن عملك والله كان حسناً. إنك كنت تحملني في الدنيا على ثقلي. وإني والله لأحملنَّك اليوم، فيحمله. تفسير : وإنها التي يقول: (أية : وَيُنَجِّي اللهُ الذِينَ اتَّقَوا بِمَفَازَتِهِمْ لاَ يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ) تفسير : [الزمر: 61]. قال: ويبعث مع الكافر عمله في أقبح صورة رآها قط، أقبحه قبحاً، وأنتنه ريحاً، وأسوأه منظراً. لا يرى شيئاً يخافه ولا يروعه إلا قال له: يا خبيث، أبشر بالذي يسوءك. أنت والله الذي يُراد، والذي يُعنى. فإذا قال له ذلك مراراً قال له: أعوذ بالله منك، والله ما رأيت أحداً أسوأ منك لفظاً، ولا أقبح منك وجهاً، ولا أنتن منك ريحاً. فيقول له: أتعجب مني؟ فيقول: نعم، فيقول: أنا والله عملك الخبيث، إن عملك والله كان قبيحاً. إنك كنت تركبني في الدنيا، وإني والله لأركبنّك اليوم. وإنها التي يقول الله: (أية : وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلاَ سَآءَ مَا يَزِرُونَ}تفسير : [الأنعام: 31].
اطفيش
تفسير : {إنّمَا إِلَهُكُمْ اللهُ الّذِى لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَئٍْ عِلْمًا} تمييز محول عن الفاعل. وقرأ طلحة: (الله الذى لا إله إلا هو الرحمن رب العرش). وقرأ مجاهد وقتادة بتشديد السين مفتوحة، فيكون كل مفعولا ثانيا، وعلما مفعولا أول. وذلك أن عِلما ولو كان تمييزا لكنه فاعل فى المعنى، فلما شدد الفعل صير مفعولا كما يصير الفاعل، بإدخال همزة التعدية مفعولا، لما أزال موسى سبب الفتنة، وأبطل مكرهم، إلى بيان الدين الحق، وخاطب بنى إسرائيل أو الكل؛ فإن مستحق العبادة من لا يمثله أحد، ولا يدانيه فى كمال العلم والقدرة. ومن أحاط علما بكل ما يمكن علمه، من كل ما وقع، أو يقع، فو عالم بالمطيع والعاصى فيجازيهما، لا عجل يصاغ ويحرق، ويصح ضرب المثل به فى الغباوة.
اطفيش
تفسير : {إنما إلهُكُم الله الذَّى لا إله} لكم ولا لغيركم {إلا هُو وَسعَ كلَّ شَىء علماً} هنا تم كلام موسى مخاطباً به لهم كلهم، السامرى ومن تبعه، ويمكن ان يكون خصهم دونه بهذا زجراً لهم عن اتباعه، كأنه قال: احذروه ولا تتبعوه، وعلماً تمييز محول عن الفاعل، بمعنى وسع علمه كل شىء من أحوال العجل، وغباوة عابديه، وغير ذلك، وخاطب الله عز وجلّ سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم بقوله: {كذلك نقصُّ عليْك من أنْباءِ ما قَدْ سَبَق} توفيراً لعلمه، وتكثيراً لمعجزاته وتسليةً له، وتذكرة للمستبصرين من أمته، نقص عليك يا محمد غير هذه القصة قصاً ثابتاً كقص هذا، أو الكاف اسم أى قصاً مثل هذا القص، وإنما قدرت لفظ غير لئلا يلزم تشبيه الشىء بنفسه، ومن للابتداء كالتى بعد، فإن الوقائع مجموعة عند الله عز وجل، فهو يأخذ إلينا منها، أو من التبعيضية اسم مضاف مفعول به، أو يقدر شيئاً ثابتاً بعض ما قد سبق فى الأمم قبلك. {وقد آتياناك مِنْ لَدُنَّا} قدم على طريق الاهتمام وأخر قوله: {ذكراً} للتشويق هو للقرآن، والتنكير للتعظيم، لاشتماله على القصص والشريعة، وكونه حقيقاً أن يتذكر فيه، ومن متعلق بآيتنا، ويجوز تعليقها بمحذوف حال من ذكراً، قدم للحصر، أى ذكراً من عندنا لا من غير نارداً على المنكرين، وهو بهذا الاعتبار وجه حسن كالأول، أو أفضل ولكن الأصل عدم التقديم، وقيل ذكراً بياناً وهو راجع للأول، لأن البيان يقع بالقرآن، وقيل شرفاً في الناس ولا يلائمه قوله: {مَنْ أعْرض عْنهُ} الخ والهاء لله، والجملة نعت ذكراً لأن الأهم للناس أن لا يعرضوا عن القرآن، ولو كان ذكره بالشرف فى الناس أمر مأمور به، ولكن دون ذلك، ولا يقدم للمنكر بل يقدم له التوحيد والشريعة، ويبعد جداً جعل الهاء لله عز وجل على طريق الالتفات {فإنَّه يحمل يوم القيامة وزْراً} أى عقاباً. شبهه بالحمل الثقيل المسمى وزراً عنى الاستعارة والقرينة يوم القيامة، أو أطلق عليه لفظ مسببه أو لازمه وهو الوزر الموضوع للإثم، لأن الإثم سببه أو ملزومه على المجاز الإرسالى، وقوله: {وساء} الخ ترشيح للاستعارة، والإرسالى، ويؤيد الأول قوله تعالى: "أية : وليحملن أثقالهم" تفسير : [العنكبوت: 13] أو الوزر الإثم على تقدير جزاء الإثم، أو عقاب الإثم، وما تقديم أولى.
الالوسي
تفسير : {إِنَّمَا إِلَـٰهُكُمُ ٱللَّهُ } استئناف مسوق لتحقيق الحق إثر إبطال الباطل بتلوين الخطاب وتوجيهه إلى الكل أي إنما معبودكم المستحق للعبادة هو الله عز وجل {ٱلَّذِى لا إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ } وحده من غير أن يشاركه شيء من الأشياء بوجه من الوجوه التي من جملتها أحكام الألوهية. وقرأ طلحة {الله لا إله إلا هو الرحمن الرحيم ربِّ العرش} {وَسِعَ كُلَّ شَىْء عِلْماً} أي وسع علمه كل ما من شأنه أن يعلم فالشيء هنا شامل للموجود المعدوم وانتصب {عِلْمًا } على التمييز المحول عن الفاعل، والجملة بدل من الصلة كأنه قيل: إنما إلٰهكم الذي وسع كل شيء علماً لا غيره كائناً ما كان فيدخل فيه العجل الذي هو مثل في الغباوة دخولاً أولياً. وقرأ مجاهد وقتادة {وسع} بفتح السين مشددة فيكون انتصاب {عِلْمًا } على أنه مفعول ثان، ولما كان في القراءة الأولى فاعلاً معنى صح نقله بالتعدية إلى المفعولية كما تقول في خاف زيد عمراً: خوفت زيداً عمراً أي جعلت زيداً يخاف عمراً فيكون المعنى هنا على هذا جعل علمه يسع كل شيء، لكن أنت تعلم أن الكلام ليس على ظاهره لأن علمه سبحانه غير مجعول ولا ينبغي أن يتوهم أن اقتضاء الذات له على تقدير الزيادة جعلاً وبهذا تم حديث موسى عليه السلام.
ابن عاشور
تفسير : هذه الجملة من حكاية كلام موسى ــــ عليه السلام ــــ فموقعها موقع التذييل لوعظه، وقد التفت من خطاب السامري إلى خطاب الأمّة إعراضاً عن خطابه تحقيراً له، وقصداً لتنبيههم على خطئهم، وتعليمهم صفات الإله الحق، واقتصر منها على الوحدانية وعموم العلم لأن الوحدانية تجمع جميع الصفات، كما قرر في دلالة كلمة التوحيد عليها في كتب علم الكلام. وأما عموم العلم فهو إشارة إلى علم الله تعالى بجميع الكائنات الشاملة لأعمالهم ليرقبوه في خاصتهم. واستعير فعل {وَسِعَ} لمعنى الإحاطة التامة، لأن الإناء الواسع يحيط بأكثر أشياء مما هو دونه. وانتصب {عِلْماً} على أنه تمييز نسبة السعةِ إلى الله تعالى، فيؤول المعنى: وسع علمه كل شيء بحيث لا يضيق علمه عن شيء، أي لا يقصر عن الاطلاع على أخفى الأشياء، كما أفاده لفظ (كل) المفيد للعموم. وتقدم قريب منه عند قوله {أية : وسع كرسيه السماوات والأرض}تفسير : في سورة البقرة (255).
الشنقيطي
تفسير : بين جل وعلا في هذه الآية: أن العجل الذي صنعه السامري من حلي القبط لا يمكن أن يكون إلهاً؟ وذلك لأنه حصر الإله أي المعبود بحق بـ {إِنَّمَآ} التي هي أداة حصر على التحقيق في خالق السموات والأرض. الذي لا إله إلا هو. أي لا معبود بالحق إلا هو وحده جل وعلا، وهو الذي وسع كل شيء علماً. وقوله {عِلْماً} تمييز محول عن الفاعل، أي وسع علمه كل شيء. وما ذكره تعالى في هذه الآية الكريمة: من أنه تعالى هو الإله المعبود بحق دون غيره، وأنه وسع كل شيء علماً ـ ذكره في آيات كثيرة من كتابه تعالى. كقوله تعالى: {أية : ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُو}تفسير : [البقرة: 255] الآية، وقوله:{أية : فَٱعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلأ ٱللَّهُ} تفسير : [محمد: 19] الآية إلى غير ذلك من الآيات. وقوله في إحاطة علمه بكل شيء: {أية : وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِي ٱلسَّمَآءِ وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذٰلِكَ وَلاۤ أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} تفسير : [يونس: 61]، وقوله تعالى: {أية : وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَآ إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ ٱلأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} تفسير : [الأنعام: 59]، والآيات بمثل ذلك كثيرة جداً.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 98- وقام موسى بإنجاز ما قال، ثم اتجه إلى بنى إسرائيل بعد هذه العبرة قائلا لهم: إن إلهكم الواحد، هو الذى لا يُعبد بحق سواه، وقد أحاط علمه بكل شئ مما كان ومما سيكون. 99- كما قصصنا عليك - أيها الرسول - نبأ موسى، نخبرك بالحق عن الأمم السابقة، وقد أنزلنا عليك من عندنا كتاباً فيه تذكير لك ولأمتك، بما فيه صلاح دينكم ودنياكم. 100- من انصرف عن تصديقه والاهتداء به فإنه يضل فى حياته، ويأتى يوم القيامة حاملا إثم ما صنع، ويجازى بالعذاب الشديد. 101- ويخْلد فى هذا العذاب، وبئس هذا الحمل السيئ يوم القيامة. 102- اذكر - أيها الرسول - لأمتك اليوم الذى نأمر فيه المَلَك أن ينفخ فى الصور (البوق) نفخة الإحياء والبعث من القبور، وندعوهم إلى المحشر، ونسوق المجرمين إلى الموقف زرق الوجوه رعباً وفزعاً. 103- يتهامسون فيما بينهم فى ذلة واضطراب عن قِصَر الحياة الدنيا، حتى كأنهم لم ينعموا بها، ولم يلبثوا فيها إلا عشرة أيام. 104- وليس تهامسهم خافياً، فنحن أعلم بما يتهامسون به، وبما يقول أقربهم إلى تصوير شعورهم نحو الدنيا بأنها لم تكن إلا كيوم واحد. 105- ويسألك المنكرون للبعث - أيها الرسول - عن مصير الجبال يوم القيامة الذى تتحدث عنه، فأجِبْهم بأن الله يفتِّتها كالرمل، ثم يطيِّرها بالرياح فتكون هباء.
د. أسعد حومد
تفسير : (98) - وَبَعْدَ أَنْ أَحْرَقَ مُوسَى العِجْلَ، وَذَرَّاهُ فِي البَحْرِ، قَالَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: إِنَّ هذا العِجْلَ لَيْسَ إِلهَكُمْ وَإِنَّ اللهَ تَعَالَى هُوَ إِلهُكُمْ وَهُوَ الذِي لاَ تَنْبَغِي العِبَادَةُ إِلاَّ لَهُ، فَهُوَ اللهُ تَعَالَى، وَهُوَ عَالِمٌ بِكُلِّ شَيءٍ، وَمُحِيطٌ عِلْمُهُ بِكُلِّ شَيْءٍ، وَقَدْ أَحَصَى كُلَّ شَيءٍ عَدَداً، فَلاَ يَعْزُبُ عَنْ عِلْمِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاءِ.
الثعلبي
تفسير : {إِنَّمَآ إِلَـٰهُكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} لا العجل {وَسِعَ} ملأ {كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً} فعلمه ولم يضق عليه، يقال: فلان يسع لهذا الأمر إذا أطاقه وقوي عليه {كَذٰلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَآءِ مَا قَدْ سَبَقَ} من الأُمور {وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِن لَّدُنَّا ذِكْراً} يعني القرآن {مَّنْ أَعْرَضَ} أدبر {عَنْهُ} فلم يؤمن به ولم يعمل بما فيه {فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وِزْراً} إثماً عظيماً وحملاً ثقيلاً {خَالِدِينَ فِيهِ} لا يكفره شيء. {وَسَآءَ لَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ حِمْلاً * يَوْمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِ} قرأهُ العامة بياء مضمومة على غير تسمية الفاعل، وقرأ أبو عمرو بنون مفتوحة لقوله {وَنَحْشُرُ ٱلْمُجْرِمِينَ} المشركين {يَوْمِئِذٍ زُرْقاً} والعرب تتشاءم بزرقة العيون. قال الشاعر يهجو رجلاً: شعر : لقد زرقت عيناك يا بن مكعبر كما كل ضبي من اللؤم أزرق تفسير : وقيل: أراد عُمياً {يَتَخَافَتُونَ} يتسارُّون فيما {بَيْنَهُمْ إِن لَّبِثْتُمْ} ما مكثتم في الدنيا، وقيل: في القبور {إِلاَّ عَشْراً} أي عشر ليال. قال الله سبحانه {نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً} أي أوفاهم عقلاً وأصوبهم رأياً {إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ يَوْماً} قصر ذلك في أعينهم في جنب ما يستقبلهم من أهوال يوم القيامة. {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا} يقلعها من أماكنها ويطرحها في البحار حتى تستوي. فإن قيل: ما العلّة الجالبة للفاء التي في قوله فقل خلافاً لأخواتها في القرآن؟ فالجواب أنّ تلك أسئلة تقدّمت سألوا عنها رسول الله فجاء الجواب عقيب السؤال، وهذا سؤال لم يسألوه بعد وقد علم الله سبحانه أنّهم سائلوه عنه فأجاب قبل السؤال، ومجازها: وإن سألوك عن الجبال فقل ينسفها {رَبِّي نَسْفاً * فَيَذَرُهَا قَاعاً صَفْصَفاً} أرضاً ملساء لا نبات فيها. {لاَّ تَرَىٰ فِيهَا عِوَجاً وَلاۤ أَمْتاً}. قال ابن عباس: العوج: الأودة، والأمت الروا بي والنشوز. مجاهد: العوج: الانخفاض، والأمت: الارتفاع. ابن زيد: الأمت: التفاوت والتعادي. ويقول العرب: ملأت القربة ماءً لا أمت فيه أي لا استرخاء. يمان: الأمت: الشقوق في الأرض {يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ ٱلدَّاعِيَ} الذي يدعوهم إلى موقف القيامة وهو إسرافيل {لاَ عِوَجَ لَهُ} أي لدعاته، وقال أكثر العلماء: هو من المقلوب أي لا حرج لهم عن دعاته، لا يزيغون عنه، بل يتّبعونه سراعاً. {وَخَشَعَتِ} وسكنت {ٱلأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَـٰنِ} فوصف الأصوات بالخشوع والمعنى لأهلها {فَلاَ تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْساً} يعني وطْء الأقدام ونقلها إلى المحشر، وأصله الصوت الخفي، يقال: همس فلان بحديثه إذا أسرّه وأخفاه، قال الراجز: شعر : وهنّ يمشين بنا هميساً إن تصدق الطير ننك لميسا تفسير : يعني بالهمس صوت أخفاف الإبل. وقال مجاهد: هو تخافت الكلام وخفض الصوت. {يَوْمَئِذٍ لاَّ تَنفَعُ ٱلشَّفَاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ} في الشفاعة {وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً} أي ورضي قوله. {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ} الكناية مردودة إلى الذين يتّبعون الداعي. {وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً} لا يدركونه ولا يعلمون ما هو صانع بهم. {وَعَنَتِ ٱلْوُجُوهُ لِلْحَيِّ ٱلْقَيُّومِ} أي ذلّت وخضعت واستسلمت، ومنه قيل للأسير عان، وقال أُميّة بن أبي الصلت: شعر : مليك على عرش السماء مهيمن لعزّته تعنو الوجوه وتسجد تفسير : وقال طلق بن حبيب: هو السجود. {وَقَدْ خَابَ} خسر {مَنْ حَمَلَ ظُلْماً} شركاً. {وَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلاَ يَخَافُ} قرأ ابن كثير على النهي جواباً لقوله {وَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّالِحَاتِ} والباقون: فلا يخاف على الخبر. {ظُلْماً وَلاَ هَضْماً}. قال ابن عباس: لا يخاف أن يزاد عليه في سيئاته ولا ينقص من حسناته. الحسن وأبو العالية: لا ينقص من ثواب حسناته شيئاً ولا يحمل عليه ذنب مسيء. الضحاك: لا يؤخذ بذنب لم يعمله ولا يبطل حسنة عملها. وأصل الهضم: النقص والكسر يقال: هضمت لك من حقك أي حططتُ، وهضم الطعام، وامرأة هضيم الكشح أي ضامرة البطن. {وَكَذٰلِكَ أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً وَصَرَّفْنَا} بيّنّا {فِيهِ مِنَ ٱلْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ} القرآن {ذِكْراً} عظة وعبرة. وقال قتادة: جدّاً وورعاً. {فَتَعَٰلَى ٱللَّهُ ٱلْمَلِكُ ٱلْحَقُّ} قرأ يعقوب بفتح النون والياءين، وقرأ الآخرون: بضم الياء الأولى والأُخرى وسكون الوسطى. قال مجاهد وقتادة: لا تقرئه أصحابك ولا تُمله عليهم حتى يتبيّن لك معانيه، نهى عن تلاوة الآية التي تنزل عليه وإملائه على أصحابه قبل بيان معناها، وهذه رواية العوفي عن ابن عباس. وقال في سائر الروايات: كان النبىّ صلى الله عليه وسلم إذا نزل جبرائيل بالوحي يقرأه مع جبرائيل، ولا يفرغ جبرائيل مما يريد من التلاوة حتى يتكلم النبي صلى الله عليه وسلم بأوّله حرصاً منه على ما كان ينزل عليه وشفقة على القرآن مخافة الانفلات والنسيان، فنهاه الله سبحانه عن ذلك وقال: {وَلاَ تَعْجَلْ بِٱلْقُرْآنِ} أي بقراءة القرآن {مِن قَبْلِ أَن يُقْضَىٰ إِلَيْكَ وَحْيُهُ} من قبل أن يفرغ جبرئيل من تلاوته عليك. {وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً} بالقرآن أي فهماً، وقيل: حفظاً ونظيرها قوله {أية : لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ} تفسير : [القيامة: 16] الآية.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : الحق - تبارك وتعالى - حينما يقول: {لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ..} [طه: 98] نقولها نحن هكذا، ونشهد بها، فقد تعلَّمناها من رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي سمعها من ربه ونقلها إلينا، فهي الشهادة بالوحدانية الحقّة، شهادة من الله لذاته أولاً: {أية : شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَٱلْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ ٱلْعِلْمِ ..}تفسير : [آل عمران: 18]. فهذه شهادة الذات للذات قبل أنْ يخلق شاهداً يشهد بها. ثم شهدتْ له بذلك الملائكة شهادةَ المشهد أنه لا إله غيره، ثم شهد بذلك أولو العلم شهادة استدلال بالمخلوقات التي رأوْها على أبدع نظام وأعجبه، ولا يمكن أن ينشأ هذا كله إلا عن إله قادر. وقد سلمتْ لله تعالى هذه الدَّعوْى؛ لأنها قضية صادقة شَهِد بها سبحانه لنفسه، وشَهِد بها الملائكة وأولو العلم ولم يَقُمْ لها معارض يدِّعِيها لنفسه. وإلا - والعياذ بالله - أين ذلك الإله الذي أخذ الله تعالى منه الألوهية؟ فإما أنْ يكون لا يعلم، أو عَلِم بذلك ولم يعترض، وفي كلتا الحالتين لا يستحق أن يكون إلهاً. والدَّعْوى إذا لم تُجْبَه بمعارض فقد سلمتْ لصاحبها، إلى أن يُوجَد المعارض. وكأن الحق سبحانه قال: لا إله إلا أنا، وأنا خالق الكون كله ومُدبِّر أمره، ولم يَأْتِ أحد حتى من الكفار يدَّعي شيئاً من هذا. وقد ضربنا لهذه المسألة مثلاً - ولله المثل الأعلى -: هَبْ أنه نزل عندك مجموعة ضيوف وزوار، وبعد انصرافهم وجدتَ حافظة نقود فسألتَ عن صاحبها، فلم يدَّعِها أحد إلى أنْ قال واحد منهم: هي لي، إذن: فهو صاحبها، وهو أحقُّ بها حيث لم يَقُمْ له معارض. لذلك يقول تعالى: {أية : قُلْ لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذاً لاَّبْتَغَوْاْ إِلَىٰ ذِي ٱلْعَرْشِ سَبِيلاً}تفسير : [الإسراء: 42]. يعني إنْ كان هناك آلهة أخرى فلا بُدَّ أنْ يذهبوا إلى صاحب العرش، إما ليخضعوا له ويستلهموا منه القدرة على فِعْل الأشياء، أو ليُحاسبوه ويُحاكموه: كيف يدَّعي الألوهية وهم آلهة؟ ولم يحدث شيء من هذا كله، ولا أقام أحد دليلاً على أنه إله، والدَّعْوى إذا لم يَقُمْ عليها دليل فهي باطلة. وينفي الحق سبحانه وجود آلهة أخرى، فيقول في موضع آخر: {أية : مَا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَـهٍ إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَـٰهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ..}تفسير : [المؤمنون: 91]. فهذا إله للسماء، وهذا إله للأرض، وهذا الجن، وهذا الإنس.. إلخ، وبذلك تكون الميْزة في أحدهم نقصاً في الآخر، والقدرة في أحدهم عجزاً في الآخر، وهذا لا يليق في صفات الألوهية. ونلحظ هنا في قوله تعالى: {إِنَّمَآ إِلَـٰهُكُمُ ٱللَّهُ ..} [طه: 98] أن كلمة (إله) لا تعني (الله)، وإلا لو كان إلهاً بمعنى الله لأصبح المعنى: إنما الله الله. إذن: هناك فَرْق بين اللفظين: الله عَلَم على واجب الوجود الأعلى، أما الإله فهو المعبود المطاع فيما يأمر، فالمعنى: أن المعبود المطاع فيما يأمر به هو الله خالق هذا الوجود، وصاحب الوجود الأعلى. فالله تعالى هو المعبود المطاع بحقٍّ، لأن هناك معبوداً ومطاعاً لكن بالباطل، كالذين يعبدون الشمس والقمر والأشجار والأحجار ويُسمُّونهم آلهة، فإذا كانت العبادة إطاعة أمر ونهي المعبود، فبماذا أمرتْهم هذه الآلهة؟ وعن أيِّ شيء نهتْهم؟ وماذا أعدَّتْ لمن عبدها أو لمن كفر بها؟ إذن: هي معبودة، لكن بالباطل؛ لأنها آلهة بلا منهج. وكلمة {إِنَّمَآ ..} [طه: 98] لا تأتي إلا استدراكاً على باطل، وتريد أن تُصوِّبه، كأن تقول: إنما الذي حضر زيد، فلا تقولها إلا لمن ادَّعى أن الذي حضر غير زيد، فكأنك تقول: لا، فلان لم يحضر، إنما الذي حضر زيد. فلا بُدَّ أن قوله تعالى: {إِنَّمَآ إِلَـٰهُكُمُ ٱللَّهُ ..} [طه: 98] جاء رداً على كلام قيل يدَّعي أن هناك إلهاً آخر، وإنما لا تُقال إلا إذا ادُّعِيَ أمر يخالف ما بعدها، فتنفي الأمر الأول، وتُثبت ما بعدها. وهنا يقول: {إِنَّمَآ إِلَـٰهُكُمُ ٱللَّهُ ..} [طه: 98] لأن السامريَّ لما صنع لهم العجل قال: {أية : هَـٰذَآ إِلَـٰهُكُمْ وَإِلَـٰهُ مُوسَىٰ ..}تفسير : [طه: 88] فكذَّبه الله واستدرك بالحقِّ على الباطل: {إِنَّمَآ إِلَـٰهُكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ..} [طه: 98]. ثم أضاف الحق - تبارك وتعالى - ما يُفرِّق بين إله الحق وإله الباطل، فقال: {وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً} [طه: 98] لأنه سبحانه هو الإله الحق، وهذه أيضاً رَدٌّ على السامريّ وما اتخذه إلهاً من دون الله، فالعجل الذي اتخذه لا عِلمَ عنده، وكذلك السامري الذي أمر الناس بعبادته، فلو كان عنده علم لعرفَ أن عِجْله سيُحرق ويُنسَف وتذروه الرياح، ولعرفَ العاقبة التي انتهى إليها من قوله للقوم (لا مساس)، وأنه سينزل به عذاب الدنيا قبل عذاب الآخرة، فلو علم هذه الحقائق ما أقدمَ على هذه المسألة. ووسع علم الله لكل شيء يعني: مَنْ أطاع ومَنْ عصى، لكن من رحمته تعالى بنا ألاَّ يحاسبنا عَمَّا علم منّا، بل يعلمنا حين ندعوه أن نقول: {أية : رَبَّنَا وَسِعْتَ كُـلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْماً ..}تفسير : [غافر: 7] فسبقتْ رحمته تعالى سيئاتنا وذنوبنا، وسبقت عذابه ونقمته، وفي موضع آخر يقول عز وجل: {أية : وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ..}تفسير : [الأعراف: 156]. فلو وقفنا عند {وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً} [طه: 98] لأتعبتْنا هذه المسألة؛ لأنه سيجازينا عن السيئة وعن الحسنة، ومَنْ يطيق هذا؟ ثم يُبيِّن الحق سبحانه حكمة القَصَص في القرآن، والقَصَص لون من التاريخ، وليس مطلق التاريخ، القصص تاريخ لشيء مشهود يهمني وتفيدني معرفته، وإلا فمن التاريخ أن نقول: كان في مكان كذا رجل يبيع كذا، وكان يفعل كذا أو كذا. إذن: فالقصص حدث بارز، وله تأثيره فيمَنْ سمعه، وبه تحدث الموعظة، ومنه تؤخذ العبرة. والتاريخ هو ربط الأحداث بأزمنتها، فحين تربط أيَّ حدث بزمنه فقد أرَّخْتَ له، فإذا كان حَدَثاً متميزاً نسميه قصة تُروَى، فإنْ كانت قصة شهيرة تعلو على القصص كله نسميها سيرة، لذلك خُصَّ باسم السيرة تاريخ قصة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن القَصَص شيء مميز، أما السيرة فهي أميز، ورسول الله خاتم الأنبياء؛ لذلك نقول عن تاريخه سيرة ولا نقول قصة؛ لأن واقعه في الحياة كان سَيْراً على منهج الله، وعليه نزل القرآن، وكان خُلقه القرآن. والقصص يأتي مرة بالحدث، ثم تدور حوله الأشخاص، أو يأتي بشخصية واحدة تدور حولها الأحداث، فإذا أردتَ أن تؤرخ للثورة العرابية مثلاً وضعت الحدث أولاً، ثم ذكرتَ الأشخاص التي تدور حوله، فإنْ أردتَ التأريخ لشخصية عرابي وضعت الشخصية أولاً، ثم أدرت حولها الأحداث. وقَصص القرآن يختلف عن غيره من الحكايات والقصص التي نسمعها ونحكيها من وضع البشر وتأليفهم، فهي قصص مُخْتَرعة تُبنى على عُقْدة وَحلِّها، فيأخذ القاصُّ حدثاً، ثم ينسخ حوله أحداثاً من خياله. وبذلك يكونون قد أخذوا من القصص اسمه، وعدلوا عن مُسمَّاه، فهم يُسمُّون هذا النسيج قصة، وليست كذلك؛ لأن قصة من قصَّ الأثر اي: مشى على أثره وعلى أقدامه، لا يميل عنها ولا يحيد هنا أو هناك. فالقصة - إذن - التزام حدثيٌّ دقيق لا يتحمل التأليف أو التزييف، وهذا هو الفَرْق بين قَصَص القرآن الذي سماه الحق سبحانه وتعالى: {أية : ٱلْقَصَصُ ٱلْحَقُّ ..}تفسير : [آل عمران: 62] و {أية : أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ ..}تفسير : [يوسف: 3] وبين قَصَص البشر وتآليفهم. القصص الحقُّ وأحسن القصص؛ لأنه ملتزم بالحقيقة لا يتجاوزها، وله غاية سامية أَسْمى من قَصَص دنياكم، فقَصَص الدنيا غايته وخلاصته - إن أفلح - أن يحميك من أحداث الدنيا، أما قصص القرآن فحمايته أوسع؛ لأنه يحميك في الدنيا والآخرة. فإنْ رأيتَ في قصص القرآن تكراراً فاعلم أنه لهدف وغاية، وأنها لقطات شتَّى لجوانب الحدَث الواحد، فإذا ما تجمعتْ لديك كل اللقطات أعطتك الصورة الكاملة للحدث. وهنا يقول تعالى: {كَذٰلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً} معناه أَحاطَ بهِ عِلماً.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: لا معبود إلا وجهه الكريم، فلا يؤله، ولا يحب، ولا يرجى ولا يخاف، ولا يدعى إلا هو، لأنه الكامل الذي له الأسماء الحسنى، والصفات العلى، المحيط علمه بجميع الأشياء، الذي ما من نعمة بالعباد إلا منه، ولا يدفع السوء إلا هو، فلا إله إلا هو، ولا معبود سواه.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):