Verse. 2447 (AR)

٢٠ - طه

20 - Ta-Ha (AR)

كَذٰلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ اَنْۢبَاۗءِ مَا قَدْ سَبَقَ۝۰ۚ وَقَدْ اٰتَيْنٰكَ مِنْ لَّدُنَّا ذِكْرًا۝۹۹ۖۚ
Kathalika naqussu AAalayka min anbai ma qad sabaqa waqad ataynaka min ladunna thikran

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«كذلك» أي كما قصصنا عليك يا محمد هذه القصة «نقص عليك من أنباء» أخبار «ما قد سبق» من الأمم «وقد آتيناك» أعطيناك «من لدنا» من عندنا «ذكرا» قرآنا.

99

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه سبحانه وتعالى لما شرح قصة موسى عليه السلام مع فرعون أولاً ثم مع السامري ثانياً أتبعه بقوله: {كَذٰلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ } من سائر أخبار الأمم وأحوالهم تكثيراً لشأنك وزيادة في معجزاتك وليكثر الاعتبار والاستبصار للمكلفين بها في الدين: {وَقَدْ اتَيْنَـٰكَ مِن لَّدُنَّا ذِكْراً } يعني القرآن كما قال تعالى: { أية : وَهَـٰذَا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ أَنزَلْنَـٰهُ } تفسير : [الأنبياء: 50] { أية : وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ } تفسير : [الزخرف: 44] { أية : وَٱلْقُرْءانِ ذِي الذكر } تفسير : [ص: 1] { أية : مَا يَأْتِيهِمْ مّن ذِكْرٍ } تفسير : [الأنبياء: 2] { أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُُ } تفسير : [الحجر: 6] ثم في تسمية القرآن بالذكر وجوه: أحدها: أنه كتاب فيه ذكر ما يحتاج إليه الناس من أمر دينهم ودنياهم. وثانيها: أنه يذكر أنواع آلاء الله تعالى ونعمائه ففيه التذكير والمواعظ. وثالثها: فيه الذكر والشرف لك ولقومك على ما قال: { أية : وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ } تفسير : [الزخرف: 44]، واعلم أن الله تعالى سمى كل كتبه ذكراً فقال: { أية : فَٱسْأَلُواْ أَهْلَ ٱلذّكْرِ } تفسير : [النحل: 43] وكما بين نعمته بذلك بين شدة الوعيد لمن أعرض عنه ولم يؤمن به من وجوه: أولها: قوله: {مَّنْ أَعْرَضَ عَنْهُ } فإنه يحمل يوم القيامة وزراً والوزر هو العقوبة الثقيلة سماها وزراً تشبيهاً في ثقلها على المعاقب وصعوبة احتمالها الذي يثقل على الحامل وينقض ظهره أو لأنها جزاء الوزر وهو الإثم وقرىء يحمل، ثم بين تعالى صفة ذلك الوزر من وجهين: أحدهما: أنه يكون مخلداً مؤبداً. والثاني: قوله: {وَسَاء لَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ حِمْلاً } أي وما أسوأ هذا الوزر حملاً أي محمولاً وحملاً منصوب على التمييز. وثانيها: {يَوْمَ يُنفَخُ فِى ٱلصُّوَرِ } فالمراد بيان أن يوم القيامة هو يوم ينفخ في الصور وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ أبو عمرو ننفخ بفتح النون كقوله: {وَنَحْشُرُ } وقرأ الباقون ينفخ على ما لم يسم فاعله ونحشر بالنون لأن النافخ ملك التقم الصور والحاشر هو الله تعالى، وقرىء يوم ينفخ بالياء المفتوحة على الغيبة والضمير لله تعالى أو لإسرافيل عليه السلام، وأما: يحشر المجرمين فلم يقرأ به إلا الحسن وقرىء في الصور بفتح الواو جمع صورة. المسألة الثانية: {فِى ٱلصُّورِ } قولان: أحدهما: أنه قرن ينفخ فيه يدعي به الناس إلى المحشر. والثاني: أنه جمع صورة والنفخ نفخ الروح فيه ويدل عليه قراءة من قرأ: الصور بفتح الواو والأول أولى لقوله تعالى: { أية : فَإِذَا نُقِرَ فِى ٱلنَّاقُورِ } تفسير : [المدثر: 8] والله تعالى يعرف الناس أمور الآخرة بأمثال ما شوهد في الدنيا ومن عادة الناس النفخ في البوق عند الأسفار وفي العساكر. المسألة الثالثة: المراد من هذا النفخ هو النفخة الثانية لأن قوله بعد ذلك: {وَنَحْشُرُ ٱلْمُجْرِمِينَ يَوْمِئِذٍ زُرْقاً } كالدلالة على أن النفخ في الصور كالسبب لحشرهم فهو نظير قوله: { أية : يَوْمَ يُنفَخُ فِى ٱلصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجاً } تفسير : [النبأ: 18]، أما قوله: {وَنَحْشُرُ ٱلْمُجْرِمِينَ يَوْمِئِذٍ زُرْقاً } ففيه مسائل: المسألة الأولى: قالت المعتزلة قوله: {ٱلْمُجْرِمِينَ } يتناول الكفار والعصاة فيدل على عدم العفو عن العصاة، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: يريد بالمجرمين الذين اتخذوا مع الله إلهاً آخر، وقد تقدم هذا الكلام. المسألة الثانية: اختلفوا في المراد بالزرقة على وجوه: أحدها: قال الضحاك ومقاتل: يعني زرق العيون سود الوجوه وهي زرقة تتشوه بها خلقتهم والعرب تتشاءم بذلك، فإن قيل: أليس أن الله تعالى أخبر أنهم: يحشرون عمياً فكيف يكون أعمى وأزرق؟ قلنا: لعله يكون أعمى في حال وأزرق في حال. وثانيها: المراد من الزرقة العمى. قال الكلبي: زرقاً أي عمياً، قال الزجاج: يخرجون بصراء في أول مرة ويعمون في المحشر. وسواد العين إذا ذهب تزرق فإن قيل: كيف يكون أعمى، وقد قال تعالى: { أية : إِنَّمَا يُؤَخّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ ٱلأَبْصَـٰرُ } تفسير : [إبراهيم:41] وشخوص البصر من الأعمى محال، وقد قال في حقهم: { أية : ٱقْرَأْ كَتَـٰبَكَ } تفسير : [الإسراء: 14] والأعمى كيف يقرأ. فالجواب: أن أحوالهم قد تختلف. وثالثها: قال أبو مسلم: المراد بهذه الزرقة شخوص أبصارهم والأزرق شاخص لأنه لضعف بصره يكون محدقاً نحو الشيء يريد أن يتبينه وهذه حال الخائف المتوقع لما يكره وهو كقوله: { أية : إِنَّمَا يُؤَخّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ ٱلأَبْصَـٰرُ } تفسير : [إبراهيم: 41]. ورابعها: زرقاً عطاشاً هكذا رواه ثعلب عن ابن الأعرابي قال: لأنهم من شدة العطش يتغير سواد عيونهم حتى تزرق ويدل على هذا التفسير قوله تعالى: { أية : وَنَسُوقُ ٱلْمُجْرِمِينَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وِرْداً } تفسير : [مريم: 86]. وخامسها: حكى ثعلب عن ابن الأعرابي قال: طامعين فيما لا ينالونه. الصفة الثالثة: من صفات الكفار يوم القيامة قوله تعالى: {يَتَخَـٰفَتُونَ بَيْنَهُمْ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ عَشْراً } وفيه مسائل: المسألة الأولى: يتخافتون أي يتسارون. يقال: خفت يخفت وخافت مخافتة والتخافت السرار وهو نظير قوله تعالى: { أية : فَلاَ تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْساً } تفسير : [طه: 108] وإنما يتخافتون لأنه امتلأت صدورهم من الرعب والهول أو لأنهم صاروا بسبب الخوف في نهاية الضعف فلا يطيقون الجهر. المسألة الثانية: اختلفوا في أن المراد بقوله: {إِن لَّبِثْتُمْ } اللبث في الدنيا أو في القبر، فقال قوم أرادوا به اللبث في الدنيا، وهذا قول الحسن وقتادة والضحاك، واحتجوا عليه بقوله تعالى: { أية : قَـٰلَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِى ٱلأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ ٱلْعَادّينَ } تفسير : [المؤمنون: 112، 113] فإن قيل: إما أن يقال إنهم نسوا قدر لبثهم في الدنيا، أو ما نسوا ذلك، والأول غير جائز إذ لو جاز ذلك لجاز أن يبقى الإنسان خمسين سنة في بلد ثم ينساه. والثاني: غير جائز لأنه كذب وأهل الآخرة لا يكذبون لا سيما وهذا الكذب لا فائدة فيه قلنا فيه وجوه: أحدها: لعلهم إذا حشروا في أول الأمر وعاينوا تلك الأهوال فلشدة وقعها عليهم ذهلوا عن مقدار عمرهم في الدنيا وما ذكروا إلا القليل فقالوا: ليتنا ما عشنا إلا تلك الأيام القليلة في الدنيا حتى لا نقع في هذه الأهوال، والإنسان عند الهول الشديد قد يذهل عن أظهر الأشياء وتمام تقريره مذكور في سورة الأنعام في قوله: { أية : ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ وَٱللَّهِ رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ } تفسير : [الأنعام: 23]. وثانيها: أنهم عالمون بمقدار عمرهم في الدنيا إلا أنهم لما قابلوا أعمارهم في الدنيا بأعمار الآخرة وجدوها في نهاية القلة فقال بعضهم: ما لبثنا في الدنيا إلا عشرة أيام وقال أعقلهم: بل ما لبثنا إلا يوماً واحداً أي قدر لبثنا في الدنيا بالقياس إلى قدر لبثنا في الآخرة كعشرة أيام بل كاليوم الواحد بل كالعدم، وإنما خص العشرة والواحد بالذكر لأن القليل في أمثال هذه المواضع لا يعبر عنه إلا بالعشرة والواحد. وثالثها: أنهم لما عاينوا الشدائد تذكروا أيام النعمة والسرور وتأسفوا عليها فوصفوها بالقصر لأن أيام السرور قصار. ورابعها: أن أيام الدنيا قد انقضت وأيام الآخرة مستقبلة والذاهب وإن طالت مدته قليل بالقياس إلى الآتي وإن قصرت مدته فكيف والأمر بالعكس ولهذه الوجوه رجح الله تعالى قول من بالغ في التقليل فقال: {إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ يَوْماً }. القول الثاني: أن المراد منه اللبث في القبر ويعضده قوله تعالى: { أية : وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يُقْسِمُ ٱلْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُواْ غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُواْ يُؤْفَكُونَ } تفسير : [الروم: 55] وقال: {أية : ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ وَٱلإِيمَـٰنَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِى كِتَـٰبِ ٱللَّهِ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْبَعْثِ } تفسير : [الروم: 56] فأما من جوز الكذب على أهل القيامة فلا إشكال له في الآية، أما من لم يجوز، قال: إن الله تعالى لما أحياهم في القبر وعذبهم ثم أماتهم ثم بعثهم يوم القيامة لم يعرفوا أن قدر لبثهم في القبر كم كان، فخطر ببال بعضهم أنه في تقدير عشرة أيام، وقال آخرون: إنه يوم واحد، فلما وقعوا في العذاب مرة أخرى، تمنوا زمان الموت الذي هو زمان الخلاص لما نالهم من هول العذاب. المسألة الثالثة: الأكثرون على أن قوله: {إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ عَشْراً } أي عشرة أيام، فيكون قول من قال: {إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ يَوْماً } أقل وقال مقاتل: {إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ عَشْراً } أي عشر ساعات كقوله: { أية : كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُواْ إِلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحَـٰهَا } تفسير : [النازعات: 46] وعلى هذا التقدير يكون اليوم أكثر، والله أعلم واعلم أنه سبحانه وتعالى بين بهذا القول أعظم ما نالهم من الحيرة التي دفعوا عندها إلى هذا الجنس من التخافت.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {كَذٰلِكَ} الكاف في موضع نصب نعت لمصدر محذوف. أي كما قصصنا عليك خبر موسى {كَذٰلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ} قصصاً كذلك من أخبار ما قد سبق؛ ليكون تسلية لك، وليدل على صدقك. {وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِن لَّدُنَّا ذِكْراً} يعني القرآن. وسمى القرآن ذكراً؛ لما فيه من الذكر كما سمى الرسول ذكراً؛ لأن الذكر كان ينزل عليه. وقيل: {آتَيْنَاكَ مِن لَّدُنَّا ذِكْراً} أي شرفاً، كما قال تعالى: {أية : وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ} تفسير : [الزخرف: 44]أي شرف وتنويه باسمك. قوله تعالى: {مَّنْ أَعْرَضَ عَنْهُ} أي القرآن فلم يؤمن به، ولم يعمل بما فيه {فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وِزْراً} أي إثماً عظيماً وحملاً ثقيلاً. {خَالِدِينَ فِيهِ} يريد مقيمين فيه؛ أي في جزائه وجزاؤه جهنم. {وَسَآءَ لَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ حِمْلاً} يريد بئس الحمل حملوه يوم القيامة. وقرأ داود بن رفيع «فإنَّهُ يُحَمَّلُ». قوله تعالى: {يَوْمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِ} قراءة العامة «يُنْفَخُ» بضم الياء على الفعل المجهول. وقرأ أبو عمرو وابن أبي إسحاق بنون مسمى الفاعل. واستدل أبو عمرو بقوله تعالى: {وَنَحْشُرُ} بنون. وعن ابن هُرْمُز «يَنْفُخُ» بفتح الياء أي ينفخ إسرافيل. أبو عياض: «فِي الصُّوَرِ». الباقون: «في الصُّورِ» وقد تقدم هذا في «الأنعام» مستوفى وفي كتاب «التذكرة». وقرأ طلحة بن مُصرِّف «ويُحْشَرُ» بضم الياء «الْمُجْرِمُونَ» رفعاً بخلاف المصحف. والباقون {وَنَحْشُرُ ٱلْمُجْرِمِينَ} أي المشركين. {زُرْقاً } حال من المجرمين، والزَّرَق خلاف الكَحَل. والعرب تتشاءم بزَرَق العيون وتذمّه؛ أي تشوه خلقتهم بزرقة عيونهم وسواد وجوههم. وقال الكلبي والفراء: «زرقاً» أي عمياً. وقال الأزهري: عطاشاً قد ازرقت أعينهم من شدة العطش؛ وقاله الزجاج؛ قال: لأن سواد العين يتغير ويزرقّ من العطش. وقيل: إنه الطمع الكاذب إذا تعقبته الخيبة؛ يقال: ابيضت عيني لطول انتظاري لكذا. وقول خامس: إن المراد بالزرقة شخوص البصر من شدة الخوف؛ قال الشاعر:شعر : لقد زَرِقت عيناك يا ابنَ مُكَعْبَرٍ كما كُلُّ ضَبِّيٍّ من اللؤم أَزْرَقُ تفسير : يقال: رجل أزرق العين، والمرأة زرقاء بينة الزَّرَق. والاسم الزُّرقة. وقد زَرِقت عينه بالكسر وازرقت عينه ازرقاقاً، وازراقت عينه ازريقاقاً. وقال سعيد بن جبير: قيل لابن عباس في قوله: {وَنَحْشُرُ ٱلْمُجْرِمِينَ يَوْمِئِذٍ زُرْقاً} وقال في موضع آخر: {وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّاً} [الإسراء: 97]فقال: إن ليوم القيامة حالات؛ فحالة يكونون فيها زرقا، وحالة عميا. {يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ} أصل الخفت في اللغة السكون، ثم قيل لمن خفض صوته خَفَته. والمعنى يتسارون؛ قاله مجاهد؛ أي يقول بعضهم لبعض في الموقف سراً {إِن لَّبِثْتُمْ} أي ما لبثتم يعني في الدنيا، وقيل: في القبور {إِلاَّ عَشْراً} يريد عشر ليال. وقيل: أراد ما بين النفختين وهو أربعون سنة؛ يرفع العذاب في تلك المدة عن الكفار ـ في قول ابن عباس ـ فيستقصرون تلك المدة. أو مدة مقامهم في الدنيا لشدة ما يرون من أهوال يوم القيامة؛ ويخيل إلى أمثلهم أي أعدلهم قولاً وأعقلهم وأعلمهم عند نفسه أنهم ما لبثوا إلا يوماً واحداً يعني لبثهم في الدنيا؛ عن قتادة؛ فالتقدير: إلا مثل يوم. وقيل: إنهم من شدة هول المطلع نسوا ما كانوا فيه من نعيم الدنيا حتى رأوه كيوم. وقيل: أراد بيوم لبثهم ما بين النفختين، أو لبثهم في القبور على ما تقدم. «وعشراً» و«يوماً» منصوبان بـ«ـلبثتم».

البيضاوي

تفسير : {كَذٰلِكَ} مثل ذلك الاقتصاص يعني اقتصاص قصة موسى عليه الصلاة والسلام. {نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ } من أخبار الأمورالماضية والأمم الدارجة تبصرة لك وزيادة في علمك وتكثيراً لمعجزاتك وتنبيهاً وتذكيراً للمستبصرين من أمتك. {وَقَدْ آتَيْنَـٰكَ مِن لَّدُنَّا ذِكْراً} كتاباً مشتملاً على هذه الأقاصيص والأخبار حقيقاً بالتفكر والاعتبار، والتنكير فيه للتعظيم. وقيل ذكراً جميلاً وصيتاً عظيماً بين الناس.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم كما قصصنا عليك خبر موسى وما جرى له مع فرعون وجنوده على الجلية والأمر الواقع، كذلك نقص عليك الأخبار الماضية كما وقعت من غير زيادة ولا نقص، هذا وقد آتيناك من لدنا، أي من عندنا ذكراً، وهو القرآن العظيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا خلفه، تنزيل من حكيم حميد، الذي لم يعط نبي من الأنبياء منذ بعثوا إلى أن ختموا بمحمد صلى الله عليه وسلم كتاباً مثله، ولا أكمل منه، ولا أجمع لخبر ما سبق وخبر ما هو كائن، وحكم الفصل بين الناس منه. ولهذا قال تعالى: {مَّنْ أَعْرَضَ عَنْهُ} أي: كذب به، وأعرض عن اتباعه أمراً وطلباً، وابتغى الهدى من غيره، فإن الله يضله، ويهديه إلى سواء الجحيم، ولهذا قال: {مَّنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ وِزْراً} أي: إثماً كما قال تعالى: {أية : وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ ٱلأَحْزَابِ فَٱلنَّارُ مَوْعِدُهُ} تفسير : [هود: 17] وهذا عام في كل من بلغه القرآن من العرب والعجم، أهل الكتاب وغيرهم، كما قال: {أية : لأُِنذِرَكُمْ بِهِ وَمَن بَلَغَ} تفسير : [الأنعام: 19] فكل من بلغه القرآن فهو نذير له وداع، فمن اتبعه، هدي، ومن خالفه وأعرض عنه، ضل وشقي في الدنيا، والنار موعده يوم القيامة، ولهذا قال: {مَّنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ وِزْراً خَـٰلِدِينَ فِيهِ} أي: لا محيد لهم عنه ولا انفكاك {وَسَآءَ لَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ حِمْلاً} أي: بئس الحمل حملهم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {كَذٰلِكَ } أي كما قصصنا عليك يا محمد هذه القصة {نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَآءِ } أخبار {مَا قَدْ سَبَقَ } من الأمم {وَقَدْ ءَاتَيْنَٰكَ } أعطيناك {مِّن لَّدُنَّا } من عندنا {ذِكْراً } قرآناً.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {كَذَٰلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ} مخاطبة لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم أي كما قصصنا عليك نبأ بني إسرائيل، كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق مُدّتك، والذِّكْر: القُرْآن. وقوله: {مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ} يريد بالكُفْر بهِ، و {زُرْقاً} قالت فرقةٌ معناه: يُحْشرونَ أول قيامهم سودَ الألوَانِ، زُرْقَ العُيونِ، فهو تَشْوِيه، ثم يعمون بعد ذلك، وهي مواطن. وقالت فرقةٌ: أراد زرق الألوان، وهي غايةٌ في التشويه، لأنهم يَجِيئُون كلَوْن الرماد، و مهيع في كلام العرب أن يسمى هذا اللون أزرق: {يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إنْ لَبِثْتُمْ إلاَّ عَشْراً} أيْ: يتخافت المجرمون بينهم، أي: يتسارون، والمعنى: أنهم لهول المطلع وشِدّة ذهاب أذهانهم، قد عزب عنهم قَدْر مُدّة لبثهم. واختلف الناسُ في ماذا، فقالتْ فرقةٌ في دار الدنيا، ومُدّة العمر، وقالت فرقةٌ في الأرضِ مدة البَرْزَخِ. و{أمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً} معناه: أثبتهم نفساً يقول: إن لبثتم إلاَّ يوماً، أي: فهم في هذه المقالة يظنون أن هذا قَدْرَ لبثهم.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: "كَذَلِكَ نَقُصُّ" الكاف إما نعت لمصدر محذوف، أو حال من ضمير ذلك المصدر المقدر، والتقدير: كقصّنا هذا النبأ الغريب نقص، و "مِن أنْبَاءِ" صفة لمحذوف هو مفعول "نَقُصُّ" أي: نقص نبأً من أنباء. فصل لمَّا ذكر قصة موسى - عليه السلام - مع فرعون ثم مع السامري قال: {كَذَٰلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ} من أخبار سائر الأمم وأحوالهم تكثيراً لشأنك وزيادةً في معجزاتك {وَقَدْ ءَاتَيْنَاكَ مِن لَدُنَّا ذِكْراً} يعني القرآن (لقوله تعالى): {أية : وَهَـٰذَا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ} تفسير : [الأنبياء: 50] {أية : وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ} تفسير : [الزخرف: 44] {أية : وَٱلْقُرْءَانِ ذِي ٱلذِّكْرِ} تفسير : [ص: 1] {أية : يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ} تفسير : [الحجر: 6]. وفي تسمية القرآن بالذكر وجوه: أحدها: أنه كتاب فيه ذكرُ ما يحتاج إليه الناس من أمور دينهم ودنياهم. وثانيها: أنه يذكر أنواع آلاء الله ونعمائه، وفيه التذكير والموعظة. وثالثها: فيه الذكر والشرف لك ولقومك كما قال: {أية : وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ} تفسير : [الزخرف: 44] وسمى الله تعالى كل كتاب أنزله ذكراً فقال تعالى: {أية : فَٱسْأَلُواْ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ} تفسير : [النحل: 43]، [الأنبياء: 7] وكما بيَّن نعمته بذلك بيَّنَ وعيده لمن أعرض عنه فقال: {مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ القِيَٰمَةِ وِزْراً} أي: من أعرض عن القرآن ولم يؤمن به ولم يعمل بما فيه فإنه يحمل يوم القيامة وزراً، والوزرُ هو العقوبة الثقيلة، سماها وزراً لثقلها على المعاقب تشبيهاً بالحمل الثقيل. وقيل: حِمْلاً ثقيلاً من الإثم. قوله: "مَنْ أَعَرَضَ" يجوز أن تكون "مَنْ" شرطية أو موصولة، والجملة الشرطية أو الخبرية الشبيهة بها في محل نصب صفة لـ "ذِكْراً". قوله: "خَالدينَ فِيهِ" حال من فاعل "يَحْمِلُ". فإن قيل: كيف يكون الجمع حالاً من مفرد؟ فالجواب: أنه حمل على لفظ "مَنْ" فأفرد الضمير في قوله: "أَعْرَضَ" و "فَإِنَّهُ" و "يَحْمِلُ"، وعلى معناها فجمع في "خَالِدِينَ" و "لَهُمْ"، والمعنى مقيمين في عذاب الوزر. والضمير في "فِيهِ" يعود لـ "وِزْراً"، والمراد فيه العقاب المتسبب عن الوزر، وهو الذَّنب، فأقيم السبب مقام المسبب. وقرأ داود (بن رفيع) "ويُحَمَّل" مضعفاً مبنيًّا للمفعول، والقائم مقام فاعله ضمير "مَنْ" و "وِزْراً" مفعول ثان. قوله: "وَسَاءَ" هذه ساء التي بمعنى بِئْس وفاعلها مستتر فيها يعود إلى "حِمْلاً" المنصوب على التمييز، لأن هذا الباب يفسر الضمير فيه بما بعده، والتقدير: وَسَاءَ الحِمْلُ حِمْلاً، (والمخصوص بالذم محذوف تقديره: وَسَاء الحِمْلُ حِمْلاً وِزْرُهُمْ). ولا يجوز أن يكون الفاعل لبئس ضمير الوِزْر، لأن شرط الضمير في هذا الباب أن يعود على نفس التمييز. فإن قلتَ: ما أنكرت أن يكون في "سَاءَ" ضمير الوزر. قلت: لا يصح أن يكون في "سَاءَ" وحكمه حكم بئس ضمير شيءٍ بعينه غير مبهم. ولا جائز أن يكون "سَاءَ" هنا بمعنى (أَهَمَّ وأحزَنَ) فتكون متصرفة كسائر الأفعال. قال الزمخشري: كفاك صادًّا عنه أن يَؤُول كلامُ الله تعالى إلى قولك وأحْزَنَ الوِزْرُ لَهُمْ يومَ القيامة حِمْلاً، وذلك بعد أن تخرج عن عُهْدِة هذه اللام وعهدة هذا المنصوب. انتهى. واللام في "لَهُمْ" متعلقة بمحذوف على سبيل البيان كهي في "هَيْتَ لَك" والمعنى بئس ما حملوا على أنفسهم من الإثم كفراً بالقرآن. قوله: "يَوْمَ يُنْفَخُ" "يَوْمَ" بدل من "يَوْمَ القِيَامَةِ"، أو بيان له أو منصوب بإضمار فعل، أو خبر مبتدأ مضمر، وبُنِيَ على الفتح على رأي الكوفيين كقراءة {هَذَا يَوْمُ يَنْفَع} [المائدة:119] وقد تقدَّم. وقرأ أبو عمرو "نَنْفُخُ" مبنيّاً للفاعل بنون العظمة كقوله: "وَنَحْشُر" أسند الفعل إلى الأمر به تعظيماً للمأمور، وهو إسرافيل. والباقُونَ بالياء مضمومة مفتوح الفاء على البناء للمفعول، والقائم مقام الفاعل الجار والمجرور بعده. والعامة على إسكان الواو "في الصُّورِ". وقرأ الحسن وابن عامر بفتحها جمع صورة كغُرَف جمع غُرْفة، وقد تقدم القول في الصُّور في الأنعام (وقرىء: "يَنْفُخَ، وَيَحْشُرُ" بالياء مفتوحة مبنياً للفاعل، وهو الله تعالى أو المَلَك). وقرأ الحسن وحميد "يُنْفَخُ" كالجمهور، "ويَحْشُرُ" بالياء مفتوحة مبنياً للفاعل، والفاعل كما تقدم ضمير الباري أو ضمير الملك. وروي عن الحسن أيضاً "ويُحْشَرُ" مبينًّا للمفعول "المُجْرِمُونَ" رفع به و "زُرْقاً" حال من المجرمين، والمراد زرقةُ العُيون، وجاءت الحال هنا بصفة تشبه اللازمة، لأن أصلها على عدم اللزوم، ولو قلتَ في الكلام: جاءَنِي زيدٌ أزرق العينين لم يجز إلا بتأويل. فصل قيل: الصور قرن ينفخ فيه بدعائه الناس للحشر. وقيل: إنه جمع صورة، والنَّفخُ نفخ الرُّوح فيه، ويدل عليه قراءة من قرأ "الصُّوَر" بفتح الواو. والأول أولى لقوله تعالى: {أية : فَإِذَا نُقِرَ فِي ٱلنَّاقُورِ} تفسير : [المدثر: 8] والله تعالى يعرف الناس أمور الآخرة بأمثال ما شُوهِد في الدنيا، ومن عادة الناس النفخُ في البوق عند الأسفار وفي العساكر. والمراد من هذا النفخ هو النفخة الثانية لقوله بعد ذلك: {وَنَحْشُرُ ٱلْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقاً} فالنفخ في الصور كالسبب لحشرهم، فهو كقوله: {أية : يَوْمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجاً} تفسير : [النبأ: 18]. والزرقة هي الحضرة في سواد العين، فيُحْشَرُون زرق العيون سود الوجوه. فإن قيل: أليس أنَّ الله تعالى أخبر يُحْشَرُونَ عُمْياً فكيف يكون أعمى وأزرق؟ فالجواب لعله يكون أعمى في حال: وأزرق في حال. وقيل: "زُرْقاً" أي عُمْياً، قال الزجاج: يخرجون زُرْقاً في أول الأمر ويُعْمون في المحشر. وسوادُ العين إذا ذهب تزرق. فإن قيل: كيف يكون أعمى، وقد قال الله تعالى: {أية : لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ ٱلأَبْصَارُ} تفسير : [إبراهيم: 42] وشخوص البصر من الأعمى محال، وأيضاً قد قال في حقهم: {أية : ٱقْرَأْ كِتَابَكَ} تفسير : [الإسراء:14] والأَعْمَى كيف يقرأ؟ فالجواب أن أحوالهم قد تختلف. وقيل: المراد بقوله: "زُرْقاً" أي زرق العيون، والعرب تتشاءَمُ بها. وقيل يجتمع مع الزرقة سواد الوجه. قال أبو مسلم: المراد بالزرقة شخوص أبصارهم، والأزرق شاخص فإنه لضعف بصره يكون محدِّقاً نحو الشيء، وهذه حال الخائف المتوقع لما يكره، وهي كقوله: {أية : إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ ٱلأَبْصَارُ} تفسير : [إبراهيم:42]. وروى ثعلب عن ابن الأعرابي: "زُرْقاً" عِطَاشاً، قال لأنهم من شدة العطش يتغير سوادُ أعينهم حتى تزرَقُّ لقوله تعالى: {أية : وَنَسُوقُ ٱلْمُجْرِمِينَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وِرْداً} تفسير : [مريم: 86] وحكى ثعلب عن ابن الأعرابي: "زُرْقاً" طامعين (فيما لا يَنَالُونَه). فصل قالت المعتزلة: لفظُ المجرمين يتناول الكفار والعُصاة فيدل على عدم العفو عن العصاة. وقال ابن عباس: يريدُ بالمجرمين الذين اتخذوا مع الله إلهاً آخر وتقدم هذا البحث. قوله: "يَتَخَافَتُونَ" يجوزُ أن يكون مستأنفاً، وأن يكونَ حالاً ثانية من "المُجْرمينَ"، وأن يكونَ حالاً من الضمير المستتر في "زرقاً" فتكون حالاً متداخلة، إذ هي حال (من حال). ومعنى "يَتَخَافَتُونَ" أي: يتشاوَرُونَ فيما بينهم، ويتكلمون خفية، يقال: خَفَتَ يَخْفتُ، وخَافَتَ مُخَافَتَة، والتَّخَافُت السرار نظيره قوله تعالى: {أية : فَلاَ تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْساً} تفسير : [طه: 108]، وإنما يتخافتون، لأنه امتلأت صدورُهُمْ من الرعب والهول، أو لأنهم بسبب الخوفِ صارُوا في نهاية الضعف فلا يطيقون الجهر. وقوله: "إن لَبِثْتُمْ" هو مفعول المارة، وقوله: "إلاَّ عَشْراً" يجوز أن يراد الليالي، وحذف التاء من العدد قياسي. وأن يراد الأيام، فيُسْأَل لِمَ حذفت التاء؟ فقيل: إنه إذا لم يذكر المميز في عدد المذكر جازت التاء وعدمها، سمع من كلامهم: صُمْنَا من الشهر خَمْساً، والصَّوْمُ إنما هو الأيام، دون اللَّيالي. وفي الحديث "حديث : مَنْ صَامَ رَمَضَانَ وأتْبَعَهُ بستّ مِنْ شَوَّال"تفسير : ، وحسن الحذف هنا لكونه رأس آية وفاصلة. فصل قال الحسن وقتادةَ والضحَّاك: أرادوا به اللبث في الدنيا، أي فما مكثتم في الدُّنْيَا إلا عشر ليال، واحتجُّوا بقوله تعالى: {أية : قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي ٱلأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ} تفسير : [المؤمنون: 112، 113]. فإن قيل: إما (أن يقال): إنهم قد نسَوا قدرَ لبثهم في الدنيا أو ما نَسوا ذلك والأول غير جائز، إذ لو جاز ذلك لجاز أن يبقى الإنسان خمسين سنة في بلدة ثم يَنْسَى. والثاني غير جائز، لأنه كذب، وأهل الآخرة لا يكذبون لا سيَّما وهذا الكذب لا فائدة فيه. فالجواب من وجوه: الأول: لعلَّهم إذا حُشِرُوا في أول الأمر وعاينوا تِلْكَ الأهوال وشدة وقعها ذهلوا عن مقدار عمرهم في الدُّنيا، ولم يذكروا إلا القليل، فقالوا: ليتَنا ما عِشْنَا إلا تلك الأيام القليلة في الدنيا حتى لا نَقَع في هذه الأهوال، والإنسان قد يذهل عند الهول الشديد، وتمام تقريره مذكورة في سورة الأنعام في قوله تعالى: {أية : ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} تفسير : [الأنعام:23]. وثانيها: أنهم عالِمون بمقدار عمرهم في الدنيا إلا أنَّهُم لمّا قَابَلُوا أَعْمَارَهُمْ في الدنيا بأعمارِ الآخرة وجدُوهَا في نهاية القلة، فقال بعضهم: ما لبثْنَا في الدنيا إلا عشرة أيام، وقال أعْقَلُهُمْ: ما لبثنا إلا يوماً واحداً، أي: قدر لبثنا في الدنيا بالقياس إلى قدر لبثنا في الآخرة كعشرة أيام بل كاليوم الواحد بل كالعدم، وإنما خصَّ العشرة والواحد بالذكر، لأن القليل في أمثال هذه المواضع لا يعبر عنه إلا بالعشرة والواحد. وثالثها: أنهم لما عايَنُوا الشدائد تذكَّروا أيام النعمة والسرور، وتأسفوا عليها، وصفوها بالقصر، لأن أيام السرور قصار. ورابعها: أن أيامَ الدنيا قد انقضت وأيام الآخرة مستقبلة، والذاهب وإن طالت مدته قليل بالقياس إلى الآتي وإن قصرت مدته، فكيف والأمر بالعكس. ولهذه الوجوه رجَّح الله تعالى قول مَنْ بالغ في التقليل فقال: {إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِن لَبِثْتُمْ إِلاَّ يَوْماً}. وقيل: المراد منه اللبث في القبر، ويؤيده قوله تعالى: {أية : وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يُقْسِمُ ٱلْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُواْ غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُواْ يُؤْفَكُونَ وَقَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ وَٱلإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ ٱللَّهِ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْبَعْثِ} تفسير : [الروم: 55، 56]. (فأمَّا من جوَّز الكذب على أهل القيامة فلا إشكال له في الآية)، أما من لم يجوزه قال: إن الله تعالى لما أحْيَاهم في الفترة وعذَّبهم، ثم أماتهم ثم بعثهم يوم القيامة لم يعرفوا مقدار لبثهم في القبر كم كان؟ فخطر ببال بعضهم أنه في التقدير عشرة أيام. وقال آخرون: إنه يوم واحد، فلمَّا وَقَعُوا في العذاب مرة أخرى استثقلوا زمانَ الموت الذي هو زمان الخلاص لِمَا نالهم من هول العذاب. وقيل: المراد باللبث بين النفختين، وهو أربعون سنة، لأن العذاب يرفع عنهم بين النفختين، استقصروا مدة لبثهم لهول ما عاينوا. والأكثرون على أنَّ قوله: {إِن لَبِثْتُمْ إِلاَّ عَشْراً} أي عشرة أيام، فيكون قولُ مَنْ قال {إِن لَبِثْتُمْ إِلاَّ يَوْماً} أقل، وقال مقاتل: {إِن لَبِثْتُمْ إِلاَّ عَشْراً} أي ساعات، لقوله (تعالى: {أية : كَأَنَّهُمْ) يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوۤاْ إِلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا} تفسير : [النازعات: 46] وعلى هذا يكون اليوم أكثر. ثم قال تعالى: {نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ} أي: يَتَشَاوَرُون {إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً} أي: أوفاهم عقلاً وأعدَلُهم قولاً {إِن لَبِثْتُمْ إِلاَّ يَوْماً} قصر ذلك في أعينهم في جنب ما استقبلهم من الأهوال يوم القيامة. قيل: نَسُوا مقدارَ لبثهم لشدة ما دهمهم. قوله: "إذْ يَقُولُ" منصوب بـ "أَعْلَمُ" و "طريقةً" منصوب على التمييز.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {كَذٰلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَآءِ مَا قَدْ سَبَقَ} [الآية: 99]. قال ابن عطاء: موعظة بعد موعظة، وبيان بعد بيان. وذلك أن الحق كشف له من أنباء ما قد سبق فى الأمم الخالية والدهور الماضية فيكون منهم على علم، ولم يخف عليه من أحوالهم شىء، وأخفا حاله ووقته عن الكل بقوله: {وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِن لَّدُنَّا ذِكْراً} [الآية: 99]. أى موعظة تتعظ بها، وتتأدب بملازمتها فلا تخفى عليك شىء من أسرارنا، وما أودعناه أسرار الذين كانوا قبلك من الأنبياء فيكون الأنبياء مكشوفين لك، وأنت فى ستر الحق.

القشيري

تفسير : نعرِّفك أحوالَ الأولين والآخرين لئلا يَلْتَبِسَ عليكَ شيءٌ من طُرُقِهم؛ فتتأدبَ بآدابهم وتجتمعَ فيك مُتَفَرِّقَات مناقِبهم.. ولكن اعلمْ أَنَّا لم نُبلِغْ أحداً مَبْلَغَكَ، ولم يكن لأحدٍ منَّا مالَكَ؛ آتيناك من عندنا شَرَفاً وفخراً لم يشركك فيهما أحدٌ، وذكَّرناك ما سَلَفَ لَكَ من العهد معنا، وجَدَّدْنا لك بينهم تخصيصنا إياك، وكريمَ إقبالِنا عليك.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {كَذٰلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَآءِ مَا قَدْ سَبَقَ} لما قص غلط عبدة العجل وغيرة موسى عليهم وذبحه العجل وحرقه وافراده القدم عن الحدوث بقوله اثما ألهكم الله الذى لا اله الا هو قال فى عقبه مثل ما قصصت من احكام الاولين وما فعلت بهم نقص ايضا زيادة الباء اهل الابتلاء اختبارا وامتحانا واصابه الرشد والعلم بأثار اهل الحقائق قال ابن عطا موعظة بعد موعظة وبيانا بعد بيان ثم خصه بما افرده من العلم اللدنى الالهي والانباء الغيبى بقوله {وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِن لَّدُنَّا ذِكْراً} الذكر اللدنى كشف ما ستر الحق على الخلائق من اسرار ربوبية يعرف حبيبه بها معلومات الحق فى القلوب والغيوب قال ابن عطا اى موعظة تتعظ بها وتتادب بملازمتها فلا يخفى عليك شيء من اسرارنا وما اودعنا اسرار الذين قالوا قبلك فيكون الانبياء مكشوفين لك وانت فى سر الحق.

اسماعيل حقي

تفسير : {كذلك نقص عليك من انباء ما قد سبق} ذلك اشارة الى اقتصاص حديث موسى والقص تتبع الاثر والقصص الاخبار المتتبعة. ومن مفعول نقص باعتبار مضمونه. والنبأ خبر ذو فائدة عظيمة يحصل به علم او غلبة ظن ولا يقال للخبر فى الاصل نبأ حتى يتضمن هذه الاشياء الثلاثة وحق الخبر الذى فيه نبأ ان يتعرى عن الكذب كالتواتر وخبر الله تعالى وخبر النبى عليه السلام والمعنى مثل ذلك القص البديع الذى سمعت نقص عليك يا محمد بعض الحوادث الماضية الجارية على الامم السالقة لاقصا ناقصا عنه تبصرة لك وتوفيرا لعلمك وتكثيرا لمعجزاتك وتذكيرا للمستبصرين من امتك. وفيه وعد بتنزيل امثال ما مر من اخبار القرون الخالية: وبالفارسية [همجنانجه اين قصه موسى برتو خوانديم مى خوانيم برتواى محمد ازخبرها آنجه بتحقيق كذشته است يعنى ازوامور ماضيه وقرون سابقة ترا خبر ميدهيم تا معجزهُ نبوت توبود وتنبيه مستبصران امت تو]{وقدآتيناك من لدنا} متعلق بآتينا اى من عندنا {ذكرا} اى كتابا شريفا مطويا على هذه الاقاصيص والاخبار حقيقا بالتفكر والاعتبار. وفى الكبير فى تسميته به وجوه. الاول انه كتاب فيه ذكر ما يحتاج اليه فى امر دينهم ودنياهم. والثانى ان يذكر انواع آلاء الله ونعمائه وفيه التذكير والموعظة. والثالث فيه الذكر والشرف لك ولقومك وقد سمى الله كل كتبه ذكرا فقال {فاسألوا اهل الذكر}. قال بعض الكباراى موعظة تتعظ بها وتتأدب بملازمتها فلا يخفى عليك شئ من اسرارنا وما اودعناه اسرار الذين كانوا قبلك من الانبياء فتكون الانبياء مكشوفين لك وانت فى ستر الحق.

ابن عجيبة

تفسير : {كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ...} قلت: محل الكاف: نصب على أنه نعت لمصدر محذوف، أي: نقص عليك قصًا مثل ذلك القص المارّ. وما في الإشارة من معنى البُعد؛ للإيذان بعلو درجته - عليه الصلاة والسلام - وبُعد منزلته في الفضل. و {من أنباء}: في محل النصب، إما على أنه مفعول {نقُصّ}؛ باعتبار معناه، أي: نقص عليك بعض أنباء، وإما على أنه متعلق بمحذوف؛ صفة للمفعول، أي: نقص عليك خبرًا كائنًا من أخبار ما قد سبق. يقول الحقّ جلّ جلاله: {كذلك} أي: مثل ذلك القصص البديع الذي سمعته {نقصُّ عليك من أنباء ما قد سبق} أي: من أخبار الأمم الماضية والقرون الخالية؛ ليكون تبصرة لك، وزيادة في علمك، وتذكيرًا لغيرك، وعبرة لمن يقف عليه ممن يأتي بعدك. والله تعالى أعلم. الإشارة: حكايات الصالحين وسِيَر العارفين جند من جنود القلب، فيها تنشيط لمن يريد اللحوق بهم، وتشويق لمقاماتهم، وتسلية لمن يُصاب في ذات الله بمثل ما أصابهم. وبالله التوفيق. ثم ذكر وعيد مَن أعرض عن القرآن المشتمل على هذه الأنباء الحسان، فقال: {... وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِن لَّدُنَّا ذِكْراً مَّنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وِزْراً خَالِدِينَ فِيهِ وَسَآءَ لَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ حِمْلاً يَوْمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِ وَنَحْشُرُ ٱلْمُجْرِمِينَ يَوْمِئِذٍ زُرْقاً يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ عَشْراً نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ يَوْماً وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً فَيَذَرُهَا قَاعاً صَفْصَفاً لاَّ تَرَىٰ فِيهَا عِوَجاً وَلاۤ أَمْتاً يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ ٱلدَّاعِيَ لاَ عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ ٱلأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَـٰنِ فَلاَ تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْساً يَوْمَئِذٍ لاَّ تَنفَعُ ٱلشَّفَاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً} قلت: {مَن أعرض}: شرطية أو موصولة، وعلى كلٍّ فهي صفة لذِكْرًا، و {خالدين}: حال من فاعل {يحمل}، أو الجمع، باعتبار معنى "مَن"، و {حِمْلاً}: تمييز، تفسير لضمير {ساء}، والمخصوص محذوف، أي: ساء حملاً وزرهم، و {يوم يُنفخ}: بدل من {يوم القيامة}، أو منصوب باذكر. و {يتخافتون}: استئناف مُبين لحالهم يومئذ، أو حال أخرى من {المجرمين}. و {قاعًا}: حال من ضمير {يذرها}، أو مفعول ثان ليذر. و {صفصفًا}: حال ثانية، أو بدل من المفعول الثاني، وجملة: {لا ترى}: استئناف مبين لما سبق من القاع الصفصف، أو حال أخرى، و {يومئذ}: ظرف ليتبعون، أو بدل من {يوم القيامة}. يقول الحقّ جلّ جلاله: {وقد آتيناك} يا محمد {من لَّدُنا}؛ خصوص عنديتنا {ذِكْرًا} عظيمًا وقرآنا كريمًا، جامعًا لكل كمال، مُخبرًا بعجائب القصص والأمثال. {مَنْ أعْرَضَ عنه} أي: عن ذلك الذِكْر العظيم الشأن، المستتبع لسعادة الدارين، بأن لم يؤمن به، {فإِنه يحملُ يومَ القيامة وِزْرًا} أي: عقوبة ثقيلة فادحة على كفره وسائر ذنوبه. وتسميتها وزرًا لتشبيهها في ثقلها على المعاقَب، وصعوبة احتمالها، بالحمل الذي يُثقل الحامل ويُنقِضُ ظهره، وقيل: يُجسّم، ويُجعل على ظهره في طريق الحشر، والأول أنسب لقوله: {خالدين فيه} أي: في ذلك الوزر، وهو العذاب، أو في ذلك الحمل الثقيل؛ لاستمراره فيه بعد دخول النار، {وساء لهم يوم القيامة حِمْلاً} أي: بئس حملهم هذا يوم القيامة، وإعادة يوم القيامة؛ لزيادة التهويل. {يوم يُنفخُ في الصُّور} أي: ذلك اليوم هو يوم يُنفخ في الصور، أو: اذكر يوم ينفخ في الصور نفخة البعث، {ونَحشُر المجرمين} أي: المشركين {يومئذٍ} أي: يوم ينفخ في الصور، وأعاده، تهويلاً، حَال كونهم {زُرقًا} أي: زُرق العُيون. وإنما جُعلوا كذلك؛ لأن الزرقة أسوأ ألوان العين وأبغضها إلى العرب، وكانت تتشاءم بزرقة العين، كما قال الشاعر: شعر : لَقَدْ زَرِقَتْ عَيْنَاكَ يا ابنْ مُكَعْبَرٍ أَلاَ كُلُّ ضَبِّيِّ مِنَ اللؤْم أزرقُ تفسير : وقيل زرقًا، أي: عُميًا؛ لأن حدقة العين تزرق من شدة العمى. وقيل: عِطاشًا؛ لأن سواد العين يتغير من شدة العطش ويرزق. {يَتخَافَتُون بينهم} أي: يخفضون أصواتهم ويخفونها؛ لِمَا علا صدورهم من الرعب والهول. يقول في تلك المخافتة بعضهم لبعض: {إِن لبثتم إِلا عَشْرًا} أي: ما لبثتم في الدنيا إلا عشر ليال؛ استقصارًا لمدة لبثهم فيها، لزوالها، أو لتأسفهم عليها، لما شهدوا الشدائد والأهوال، أو في القبر، وهو الأنسب بحالهم، فإنهم، حيث يُشاهدون البعث الذي كانوا ينكرونه في الدنيا ويعدونه من قبيل المحال لا يتمالكون من أن يقولوا ذلك؛ اعترافًا به، وتحقيقًا لسرعة وقوعه، كأنهم قالوا: قد بعثتم وما لبثتم في القبر إلا مدة يسيرة. وقيل: ما بين النفختين، وهو أربعون سنة. رُوي أنه يرفع العذاب عن الكفار في تلك المدة، فيستقصرون تلك المدة إذا عاينوا أهوال يوم القيامة، لأنهم في طول مدتهم في عذاب القبر لا يعقلون. قال تعالى: {نحن أعلم بما يقولون}، وهو مدة لبثهم، أو نحن عالمون اليوم بما يقولون في ذلك الوقت قبل وقوعه، {إِذْ يقولُ أمثلُهم طريقةً} أي: أعدلهم رأيًا وأوفاهم عقلاً: {إِن لبثتم إلا يومًا}، ونسبة هذا القول إلى أمثلهم: استرجاع منه تعالى، لكن لا لكونه أقرب إلى الصدق، بل لكونه أدل على شدة الهول. {ويسألونك عن الجبال} أي: عن مآل أمرها، وقد سأل عنها رجل من ثقيف، وقيل: مشركو مكة، على طريق الاستهزاء، {فقلْ} لهم: {يَنْسِفُهَا ربي نَسْفًا} أي: يجعلها كالرمل، ثم يُرسل عليها الرياح فتفرقها، أو يقلعها ويطرحها في البحار كالهباء المنثور، {فيَذرُها} أي: يترك ما كان تحتها من الأرض {قاعًا صفصفًا} أي: أرضًا مستوية؛ لأن الجبال إذا سُويت، وجُعل سطحها مساويًا لسائر أجزاء الأرض، فقد جعل الكل سطْحًا واحدًا. فالضمير في {يذرها} إما للجبال، باعتبار أجزائها السافلة، الباقية بعد النسف، وهي مقارها ومراكزها، وإما للأرض، المدلول عليها بقرينة الحال؛ لأنها الباقية بعد نسف الجبال. والقاع والقيعة: ما استوى من الأرض وصلُب، وقيل: السهل، وقيل: ما لا نبات فيه. والصفصف: الأرض المستوية الملساء، فإن أجزاءها صف واحد من كل جهة، {لا ترى فيها} أي: في الأرض الذي نسفت جبالُها {عِوَجًا} أي: اعوجاجًا وانخفاضًا، {ولا أمْتًا}؛ نتوءًا وارتفاعًا. قال ابن عباس: العوج: الأودية، والأمت: الروابي. وقال مجاهد: العوج: الانخفاض، والأمت: الارتفاع؛ والمعنى: أنك، إن تأملت بالمقاييس الهندسية، وجدتها مستوية الجهات. والخطاب لكل من يتأتى منه الرؤية. {يومئذ} أي: يوم إذ نسفت الجبال، {يتبعون الداعيَ} أي: يتبع الناسُ داعي الله تعالى إلى المحشر، وهو إسرافيل عليه السلام، يدعو الناس بعد النفخة الثانية، قائمًا على صخرة بيت المقدس: أيها الناس هلموا إلى ربكم، بعد أن يدعوهم إلى الخروج من قبورهم، قائلاً: أيتها العظام النخرة، والأوصال المتمزقة، واللحوم المتفرقة؛ قوموا إلى العرض والحساب، فَيُقبلون من كل جانب منتشرين، كأنهم جراد منتشر، لا يدرون أين يذهبون، فَيُنادي حينئذ من الصخرة للجمع للحساب. هذا ما تدل عليه الأحاديث والأخبار. وقوله تعالى: {لا عِوَجَ له} أي: لا يعوجُ له مدعو ولا يعدل عنه، فلا يزيغ عنه، بل كلهم يقصدون صوته، من مشارق الأرض ومغاربها وجوانبها. والتقدير: لا عوج للصوت عن أحد، بل يصل إليه أينما كان، ويتوجه إليه حيث كان، {وخشعتِ الأصواتُ للرحمن} أي: خضعت وسكنت لهيبته {فلا تسمع إلا همسًا} أي: صوتًا خفيًا. والهمس: صوت وطء الأقدام في نقلها إلى المحشر، أي، انقطعت أصوات اللسان، فلا تسمع إلا همس الأقدام في مشيها إلى المحشر، من شدة الهيبة والخوف. {يومئذٍ لا تنفعُ الشفاعة} أي: يوم إذ يقع ما ذكر من الأمور الهائلة لا تنفع شفاعة أحد، {إِلا من أَذِنَ له الرحمن} في الشفاعة، كالأنبياء والأولياء والعلماء الأتقياء، {وَرَضِيَ له قولاً} أي: ورضي قوله في المشفوع له بحيث يقبل شفاعته. وقيل: {ورضي له قولاً} في الدنيا، وهو: لا إله إلا الله، مخلصًا من قلبه... أو: إلا من أذن له الرحمن أن يشفع فيه، ورضي لأجله قولاً من الشافع. وهذا أليق بمقام التهويل. وأما من عداه فلا تنفع، وإن وقعت؛ لقوله تعالى: {أية : فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ ٱلشَّافِعِينَ} تفسير : [المدَّثِّر: 48]. {يعلم ما بين أيديهم} أي: ما تقدمهم من الأحوال، أو من أمر الدنيا، {وما خلفهم}: وما بعدهم مما يستقبلونه، أو من أمر الآخرة، {ولا يُحيطون به علمًا} أي: لا تُحيط علومهم بذاته المقدسة، بحيث يدركون كنه الربوبية، أو: لا تحيط علومهم بمعلوماته تعالى. قال القشيري: الكناية في قوله: {به}، يحتمل أن تعود إلى {ما بين أيديهم وما خلفهم}، ويحتمل أن تعود إلى الحقِّ - سبحانه - وهو طريقة السَّلفَ، يقولون: يُعلَم الحق ولا يحيط به العلم، كما قالوا: إنه يُرى ولا يُدْرَك. هـ. الإشارة: وقد آتيناك من لدُنَّا ذِكْرًا، أي: قرآنًا يجمع القلوبَ على الله، ويدل على مشاهدة الله. من أعرض عنه - أي: عن الله - ولم يتوجه إليه بكليته، فإنه يحمل وِزرًا، يثقله عن الترقي إلى مقام العارفين، فيبقى مُخلدًا في حضيض الغافلين، وذلك في يوم يجمع الله فيه الأولين والآخرين، فيُكرم المتقين، ويُهين المجرمين، حيث يزول عنهم ما كانوا فيه من الدعة والسعة، كأنهم ما لبثوا فيه غير ساعة. ويسألونك، أيها العارف، عن جبال العقل، حين تطلع على نور قمره شمسُ العرفان، فقل ينسفها ربي نسفًا، فيذر أرض النفس، حين استولت عليها أسرار المعاني، قاعًا صفصفًا، لاتصالها بفضاء المعاني، حين ذهبت أغيار الأواني، لا ترى فيها انخفاضًا ولا ارتفاعًا. وإنما ترى وجودًا متصلاً، وبحرًا طامسًا، ليس فيه بُعدٌ ولا قُرب، ولا علو ولا سفل، وفي ذلك يقول الشاعر: شعر : مَن أبصر الخلق كالسرابِ فقد ترقى عن الحجابِ إلى وجود تراه رَتْقًا بلا ابتعاد ولا اقتراب ولم يشاهد به سواه هناك يُهدى إلى الصواب فلا خطاب به إليه ولا مشير إلى الخطاب تفسير : والمراد بالخلق: جميع الكائنات، فلا خطاب من العبد إلى ربه، لمحو العبد من شدة القرب، ولم تبق له إشارة ولا عبارة. وفي الحِكَم: "ما العارفُ مَنْ إذا أشار وجد الحق أقرب إليه من إشارته، بل العارف من لا إشارة له؛ لفنائه في وجوده وانطوائه في شهوده". وقالوا: من عرف الله كلّ لسانه، وإليه الإشارة بقوله: {وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسًا}. وهذا بعد اتباع الداعي إلى الله وصحبته، من غير عوج عنه، ولا خروج عن رأيه، حتى يقول له: ها أنت وربك. فحينئذ تحصل الهيبة والتعظيم، فلا يقدر أحد أن يرفع صوته، وهو في حضرة الملك الكريم، وهذا شأن الصوفية، كلامهم كله تخافت وتسارر؛ لغلبة الهيبة عليهم. قوله تعالى: {يومئذ لا تنفع الشفاعة} أي: في دخول الحضرة، {إلا من أذن له الرحمن} في التربية والترقية، {ورضي له قولاً}، وهو ذكر الله، يأمر به من أراد شفاعته فيه، حتى تستولي عليه أنوار الذكر، فيدخل مع الأحباب، ويجلس على بساط الاقتراب، فحينئذ يحصل له العلم بالله، على نعت الذوق والوجدان، وشهود العيان، لا على نعت الدليل والبرهان. وقوله تعالى: {ولا يُحيطون به علمًا} إشارة إلى عدم الإحاطة بكُنْه الربوبية لمن دخل الحضرة، فلو حصل لهم الإحاطة بالكنْه لم يبق لهم تَرَقِّ، وكيف؟ وهم يترقون في أسرار الذات وأنوار الصفات دائمًا سرمدًا، في هذه الدار وفي تلك الدار! ففي كل ساعة يتجدد لهم من لذيذ المشاهدات وأنوار المكاشفات، ما تعجز عنه العقول، وتكِلُّ عنه طروس النقول. نعم يحصل لهم العلم الضروري بالذات العلية، ويُشاهدون ما تجلى من أسرارها وأنوارها، وتسرح فكرتهم في بحر الأولية والآخرية، والظاهرية والباطنية، والعظمة الفوقية وما تحت الثرى، ويخوضون في بحار الأحدية، ويتفكرون في قاموس كنه الربوبية، فلا خوف ولا ملل، من غير إحاطة، كما تقدم. والله تعالى أعلم. فإذا رجعوا إلى مشاهدة الرسوم خضعت وجوههم للحي القيوم

الجنابذي

تفسير : {كَذٰلِكَ} القصص الّذى قصصناه عليك {نَقُصُّ} بعد ذلك {عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَآءِ مَا قَدْ سَبَقَ} اى انباء الوقائع الّتى سبقت من وقائع الانبياء (ع) وغيرهم {وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِن لَّدُنَّا ذِكْراً} اى سبب تذكّرٍ للامور الماضية وهو الولاية الّتى بها يتذكّر جميع مراتب الوجود وجميع ما فى كلّ مرتبة يعنى نقصّ عليك والحال انّا اعطيناك الولاية الّتى بها تستغنى عن القصص، او المراد بالذّكر القرآن، او الصّيت والذّكر الجميل، او المراد بالذّكر قصص الاخبار الماضية والمقصود انّا آتيناك هذا الذّكر من لدنّا لا من لدن الوسائط.

الأعقم

تفسير : فقال سبحانه: {كذلك نقصُّ عليك من أنباء ما قد سبق}، من أخبار الأمم المتقدمة {وقد آتيناك من لدنَّا ذكراً} يعني القرآن لأن فيه ذكر ما يحتاج إليه من أمر الدين {من أعرض عنه} من أدبر عن القرآن فلم يعمل بما فيه ولم يؤمن به {فإنه يحمل يوم القيامة وزراً} وأصله الثقل أي يشق عليه حمله لما فيه من العقوبة كما يشق حمل الثقيل {خالدين فيه} أي في عقابه وجزائه {وساء لهم يوم القيامة حملاً يوم ينفخ في الصور} جمع صورة يعني كل صور ينفخ فيه، وقيل: هو قرن ينفخ فيه النفخة الثانية ليقوم الناس من قبورهم للجزاء {ونحشر المجرمين} المذنبين {يومئذ زرقاً}، قيل: زرق العيون من شدة العطش، وقيل: عُميا، وقيل: سود الوجوه حمر العيون {يتخافتون بينهم} يتشاورون خفية وسراً يعني يكلم بعضهم إما للخوف وللحسرة أو لخوف الفضيحة {إن لبثتم}، قيل: في الدنيا، وقيل: في القبور {إلاَّ عشراً} ليالي من مدة ما يرون من ذلك اليوم، قال جار الله: يستقصرون مدة لبثهم في الدنيا إما لما يعاينون من الشدائد التي تذكرهم أيام القيامة والسرور فيتأسفون عليها ويصفونها بالقصر لأن أيام السرور قصار، وإمَّا لأنها ذهبت عليهم والذاهب وإن طالت مدته قصيرة {إذ يقول أمثلهم طريقة} أشبهَهُم بالعقل {إن لبثتم إلاَّ يوماً}، قيل: قصر ذلك في أعينهم لما عاينوا العذاب، وقيل: إلاَّ يوماً بعد انقطاع عذاب القبر عنهم، ويعضده قوله تعالى {ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة كذلك كانوا يؤفكون} ثم بيَّن أن منكر البعث يسأل عن ذكر القيامة ما حالها؟ فقال سبحانه: {ويسألونك عن الجبال فقل} يا محمد {ينسفها ربي نسفاً} فيجعلها كالرمل ثم يرسل عليها الرياح فتفرّقها {فيذرها} أي فيذر مفازها ومراكزها أن يجعل الضمير للأرض وإن لم يجرِ لها ذكر، كقوله: {أية : ما ترك على ظهرها من دابة} تفسير : [فاطر: 45] {قاعاً صفصفاً} المكان المستوي {لا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً} وادياً ولا رابية، والإِعوجاج، الأودية، والأمت: الارتفاع، ثم بيَّن تعالى صفة القيامة فقال سبحانه: {يومئذ} أي يوم القيامة {يتبعون الداعي} أي ثم إذا...... ويجوز أن يكون بدلاً بعد بدل، والمراد بالداع إلى المحشر قالوا: هو إسرافيل قائماً على صخرة بيت المقدس، يدعو الناس فينقلبون إليه من كل أوب إلى صوته لا يعدلون {لا عوج له} فيه أي لا عوج لدعاء الداعي ولا يعدل عن أحد بل يحشرهم جميعاً، وقيل: من المقلوب أي لا عوج لهم من دعائه، بل يتبعون سراعاً لا يلتفتون يميناً ولا شمالاً {وخشعت الأصوات} أي خضعت الأصوات {من شدة الفزع فلا تسمع إلاَّ همساً} وهو الذكر الخفي {يومئذ لا تنفع الشفاعة} يعني شفاعة الأنبياء والملائكة لأنهم لا يشفعون {إلاَّ من أذن له الرحمان} {يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم} يعني ما كان في حياتهم وبعد مماتهم لا يخفى عليه شيء من أمورهم تقدم أو تأخر، وقيل: يعلم ما بين أيديهم من أحوال الآخرة وما خلفهم من أحوال الدنيا {ولا يحيطون} بمعلوماته {وعنت الوجه} المراد وجوه العصاة، وأنهم إذا عاينوا يوم القيامة وسوء الحساب صارت وجوههم عانية أي ذليلة خاشعة {وقد خاب من حمل ظلماً} وكل من ظلم في جانب خائب {ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلماً ولا هضماً} يعني ظلماً بالزيادة في سيئاته ولا نقصان من حسناته {وكذلك أنزلناه قرآنا عربياً} بلسان العرب {وصرَّفنا فيه من الوعيد} كرَّرنا وأكّدنا {لعلَّهم يتقون} أي يتقون المعاصي والكبائر، وقيل: يتقوا أفعال الأمم الماضية كيلا ينزل بهم ما نزل {أو يحدث لهم} القرآن {ذكراً} يعتبرون به ويتعظون.

اطفيش

تفسير : {كَذَلِكَ} كما قصصنا عليك يا محمد هذه القصة {نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاء} أخبار. {مَا قَدْ سَبَقَ} من الأمم، تكثيراً لبيّناتك، وزيادة فى معجزاتك، وتبصيرا للمستبصرين من أمتك وقد علمت أن الإشارة إلى ذكر قصة موسى مع السامرى إنما واقعه على أنواع من يعقل. ويصح أن تكون الإشارة إلى ذكر تلك القصة وقصته مع فرعون. وما: واقعة على جميع ما سبق فى الأمم، يقص عليه ما يكون عبرة من جملة الأخبار التى هى من جملة ما وقع فيهم ومعهم. ومفعول نقصّ محذوف منعوت بالجار والمجرور، أى شيئا من أنباء، أو أغنى الجار والمجرور عن المفعول، حتى إنه لا يقدَّر. وقيل: من التبعيضية اسم، فهى مفعول مضاف، وهكذا فى مثل ذلك. {وقَدْ ءَاتيْنَاكَ} أوصلنا إليك. {مِنْ لَدُنَّا} من عندنا. {ذِكْرًا} وهو القرآن، ونكره للتعظيم، وعبَّر عنه بالذكر تنبيها على أنه مشتمل على ما يوجب التذكر والاعتبار، من قصة وغيرها، لمن لم يعرض عنه. وقيل: الذكر: الثناء الجميل. دخل الحسن يوما على يزيد بن معاوية، وجعل يزيد يفتخر والحسن ساكت، فابتدأ المؤذن الأذان. ولما قال: أشهد أن محمداً رسول الله. قال الحسن: يا يزيد ألك جد مثل هذا؟ فخجل يزيد ولم يردّ جوابا. وفى ذلك يقول على بن محمد بن جعفر: شعر : لقد فاخرتْنا من قريش عصابةٌ بمد جدود وامتداد أصابع فلما تنازعنا الفخار قضى لنا عليهم بما تهوى نداءُ الصوامع ترانا سكوتا والشهود بفضلنا عليهم جهير الصوت من كل جامع

الالوسي

تفسير : وقوله تعالى: {كَذٰلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ } كلام مستأنف خوطب به النبـي صلى الله عليه وسلم بطريق الوعد الجميل بتنزيل أمثال ما مر من أنباء الأمم السالفة والجار والمجرور في موضع الصفة لمصدر مقدر أو الكاف في محل نصب صفة لذلك المصدر أي نقص عليك {مِنْ أَنْبَاء مَا قَدْ سَبَقَ } من الحوادث الماضية الجارية على الأمم الخالية قصاً كائناً كذلك القص المار أو قصاً مثل ذلك، والتقديم للقصر المفيد لزيادة التعيين أي كذلك لا ناقصاً عنه، و(من) في {مِنْ أَنْبَاء } إما متعلق بمحذوف هو صفة للمفعول أي نقص عليك نبأ أو بعضاً كائناً من أنباء. وجوز أن يكون في حيز النصب على أنه مفعول {نَقُصُّ } باعتبار مضمونه أي نقص بعض أنباء، وتأخيره عن {عَلَيْكَ } لما مر غير مرة من الاعتناء بالمقدم والتشويق إلى المؤخر، ويجوز أن يكون {كَذٰلِكَ نَقُصُّ } مثل قوله تعالى: {أية : كَذٰلِكَ جَعَلْنَـٰكُمْ أُمَّةً وَسَطًا } تفسير : [البقرة: 143] على أن الإشارة إلى مصدر الفعل المذكور بعد، وقد مر تحقيق ذلك. / وفائدة هذا القص توفير علمه عليه الصلاة والسلام وتكثير معجزاته وتسليته وتذكرة المستبصرين من أمته صلى الله عليه وسلم. {وَقَدْ ءاتَيْنَـٰكَ مِن لَّدُنَّا ذِكْراً } كتاباً منطوياً على هذه الأقاصيص والأخبار حقيقاً بالتذكر والتفكر فيه والاعتبار، و {مِنْ } متعلق بآتيناك، وتنكير {ذِكْراً} للتفخيم، وتأخيره عن الجار والمجرور لما أن مرجع الإفادة في الجملة كون المؤتى من لدنه تعالى ذكراً عظيماً وقرآناً كريماً جمعاً لكل كمال لا كون ذلك الذكر مؤتى من لدنه عز وجل مع ما فيه من نوع طول بما بعده من الصفة. وجوز أن يكون الجار والمجرور في موضع الحال من {ذِكْراً } وليس بذاك، وتفسير الذكر بالقرآن هو الذي ذهب إليه الجمهور؛ وروي عن ابن زيد، وقال مقاتل: أي بياناً ومآله ما ذكر، وقال أبو سهل: أي شرفاً وذكراً في الناس، ولا يلائمه قوله تعالى: {مَّنْ أَعْرَضَ عَنْهُ...}.

سيد قطب

تفسير : بدأت السورة بالحديث عن القرآن، وأنه لم ينزل على الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ليشقى به أو بسببه. ومن القرآن قصة موسى ـ عليه السلام ـ وما يبدو فيها من رعاية الله وعنايته بموسى وأخيه وقومه. فالآن يعقب السياق على القصة بالعودة إلى القرآن ووظيفته، وعاقبة من يعرض عنه. ويرسم هذه العاقبة في مشهد من مشاهد القيامة، تتضاءل فيه أيام الحياة الدنيا؛ وتتكشف الأرض من جبالها وتعرى، وتخشع الأصوات للرحمن، وتعنو الوجوه للحي القيوم. لعل هذا المشهد وما في القرآن من وعيد يثير مشاعر التقوى في النفوس، ويذكرها بالله ويصلها به.. وينتهي هذا المقطع بإراحة بال الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ من القلق من ناحية القرآن الذي ينزل عليه، فلا يعجل في ترديده خوف أن ينساه، ولا يشقى بذلك فالله ميسره وحافظه. إنما يطلب من ربه أن يزيده علماً. وبمناسبة حرص الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ على أن يردد ما يوحى إليه قبل انتهاء الوحي خشية النسيان، يعرض السياق نسيان آدم لعهد الله. وينتهي بإعلان العداوة بينه وبين إبليس، وعاقبة من يتذكرون عهد الله ومن يعرضون عنه من ولد آدم. ويرسم هذه العاقبة في مشهد من مشاهد القيامة كأنما هو نهاية الرحلة التي بدأت في الملأ الأعلى، ثم تنتهي إلى هناك مرة أخرى. وتختم السورة بتسلية الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن إعراض المعرضين وتكذيب المكذبين فلا يشقى بهم، فلهم أجل معلوم. ولا يحفل بما أوتوه من متاع في الحياة الدنيا فهو فتنة لهم. وينصرف إلى عبادة الله وذكره فترضى نفسه وتطمئن. ولقد هلكت القرون من قبلهم، وشاء الله ان يعذر إليهم بالرسول الأخير، فلينفض يده من أمرهم ويكلهم إلى مصيرهم. {قل: كل متربص فتربصوا، فستعلمون من أصحاب الصراط السوي ومن اهتدى}.. {كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق، وقد آتيناك من لدنا ذكرا. من أعرض عنه فإنه يحمل يوم القيامة وزرا. خالدين فيه، وساء لهم يوم القيامة حملاً يوم ينفخ في الصور ونحشر المجرمين يومئذ زرقا. يتخافتون بينهم إن لبثتم إلا عشرا. نحن أعلم بما يقولون: إذ يقول أمثلهم طريقة: إن لبثتم إلا يوما}.. كذلك القصص الذي أوحينا إليك بشأن موسى نقص عليك من أنباء ما قد سبق. نقصه عليك في القرآن ـ ويسمى القرآن ذكراً، فهو ذكر لله ولآياته، وتذكير بما كان من هذه الآيات في القرون الأولى. ويرسم للمعرضين عن هذا الذكر ـ ويسميهم المجرمين ـ مشهداً في يوم القيامة. فهؤلاء المجرمون يحملون أثقالهم كما يحمل المسافر أحماله. ويا لسوئها من أحمال! فإذا نفخ في البوق للتجمع فالمجرمون يحشرون زرق الوجوه من الكدر والغم. يتخافتون بينهم بالحديث، لا يرفعون به صوتاً من الرعب والهول، ومن الرهبة المخيمة على ساحة الحشر. وفيم يتخافتون؟ إنهم يحدسون عما قضوا على الأرض من أيام. وقد تضاءلت الحياة الدنيا في حسهم، وقصرت أيامها في مشاعرهم، فليست في حسهم سوى أيام قلائل: {إن لبثتم إلا عشراً} فأما أرشدهم وأصوبهم رأياً فيحسونها أقصر وأقصر: {إن لبثتم إلا يوماً}. وهكذا تنزوي تلك الأعمار التي عاشوها على الأرض وتنطوي؛ ويتضاءل متاع الحياة وهموم الحياة؛ ويبدو ذلك كله فترة وجيزة في الزمان، وشيئاً ضئيلاً في القيمة. فما قيمة عشر ليال ولو حفلت باللذائذ كلها والمتاع؟ وما قيمة ليلة ولو كانت دقائقها ولحظاتها مليئة بالسعادة والمسرة. ما قيمة هذه أو تلك إلى جانب الآماد التي لا نهاية لها، والتي تنتظرهم بعد الحشر وتمتد بهم بلا انقطاع؟! ويزيد مشهد الهول بروزا، بالعودة إلى سؤال لهم يسألونه في الدنيا عن الجبال ما يكون من شأنها يومذاك. فإذا الجواب يصور الهول الذي يواجهونه! {ويسألونك عن الجبال فقل: ينسفها ربي نسفا، فيذرها قاعاً صفصفاً لا ترى فيها عوجاً ولا أمتا. يومئذ يتبعون الداعي لا عوج له، وخشعت الأصوات للرحمـن، فلا تسمع إلا همسا. يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمـن ورضي له قولا. يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما. وعنت الوجوه للحي القيوم، وقد خاب من حمل ظلما. ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلماً ولا هضما}.. ويتجلى المشهد الرهيب فإذا الجبال الراسية الراسخة قد نسفت نسفاً؛ وإذا هي قاع بعد ارتفاع. قاع صفصف خال من كل نتوء ومن كل اعوجاج، فلقد سويت الأرض فلا علو فيها ولا انخفاض.. وكأنما تسكن العاصفة بعد ذلك النسف والتسوية؛ وتنصت الجموع المحشودة، وتخفت كل حركة وكل نأمة، ويستمعون الداعي إلى الموقف فيتبعون توجيهه كالقطيع صامتين مستسلمين، لا يتلفتون ولا يتخلفون ـ وقد كانوا يدعون إلى الهدى فيتخلفون ويعرضون ـ ويعبر عن استسلامهم بأنهم {يتبعون الداعي لا عوج له} تنسيقاً لمشهد القلوب والأجسام مع مشهد الجبال التي لا عوج فيها ولا نتوء! ثم يخيم الصمت الرهيب والسكون الغامر: {وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا}.. {وعنت الوجوه للحي القيوم}.. وهكذا يخيم الجلال على الموقف كله، وتغمر الساحة التي لا يحدها البصر رهبة وصمت وخشوع. فالكلام همس. والسؤال تخافت. والخشوع ضاف. والوجوه عانية. وجلال الحي القيوم يغمر النفوس بالجلال الرزين. ولا شفاعة إلا لمن ارتضى الله قوله. والعلم كله لله. وهم لا يحيطون به علماً. والظالمون يحملون ظلمهم فيلقون الخيبة. والذين آمنوا مطمئنون لا يخشون ظلماً في الحساب ولا هضماً لما عملوا من صالحات. إنه الجلال، يغمر الجو كله ويغشاه، في حضرة الرحمن. {وكذلك أنزلناه قرآناً عربياً وصرفنا فيه من الوعيد لعلهم يتقون أو يحدث لهم ذكراً}. كذلك على هذا النسق نوعنا في القرآن من صور الوعيد ومواقفه ومشاهده لعله يستجيش في نفوس المكذبين شعور التقوى، أو يذكرهم بما سيلقون في الآخرة فينزجروا. فذلك إذ يقول الله في أول السورة. {أية : ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى. إلا تذكرة لمن يخشى }.. تفسير : ولقد كان الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ يلاحق الوحي فيردد ألفاظ القرآن وآياته قبل أن ينتهي الوحي مخافة أن ينسى. وكان ذلك يشق عليه. فأراد ربه أن يطمئن قلبه على الأمانة التي يحملها. {فتعالى الله الملك الحق. ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه. وقل: رب زدني علماً}.. فتعالى الله الملك الحق. الذي تعنو له الوجوه؛ ويخيب في حضرته الظالمون ويأمن في ظله المؤمنون الصالحون.. هو منزل هذا القرآن من عليائه، فلا يعجل به لسانك، فقد نزل القرآن لحكمة، ولن يضيعه. إنما عليك أن تدعو ربك ليزيدك من العلم، وأنت مطمئن إلى ما يعطيك، لا تخشى عليه الذهاب. وما العلم إلا ما يعلمه الله فهو الباقي الذي ينفع ولا يضيع. ويثمر ولا يخيب.. ثم تجيء قصة آدم، وقد نسي ما عهد الله به إليه؛ وضعف أمام الإغراء بالخلود، فاستمع لوسوسة الشيطان: وكان هذا ابتلاء من ربه له قبل أن يعهد إليه بخلافة الأرض؛ ونموذجاً من فعل إبليس يتخذ أبناء آدم منه عبرة. فلما تم الابتلاء تداركت آدم رحمة الله فاجتباه وهداه.. والقصص القرآني يجيء في السياق متناسقاً معه. وقصة آدم هنا تجيء بعد عجلة الرسول بالقرآن خوف النسيان، فيذكر في قصة آدم نقطة النسيان. وتجيء في السورة التي تكشف عن رحمة الله ورعايته لمن يجتبيهم من عباده، فيذكر في قصة آدم أن ربه اجتباه فتاب عليه وهداه. ثم يعقبها مشهد من مشاهد القيامة يصور عاقبة الطائعين من أبنائه وعاقبة العصاة. وكأنما هي العودة من رحلة الأرض إلى المقر الأول ليجزى كل بما قدمت يداه. فلنتبع القصة كما جاءت في السياق: {ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزماً}.. وعهد الله إلى آدم كان هو الأكل من كل الثمار سوى شجرة واحدة، تمثل المحظور الذي لا بد منه لتربية الإرادة، وتأكيد الشخصية، والتحرر من رغائب النفس وشهواتها بالقدر الذي يحفظ للروح الإنسانية حرية الانطلاق من الضرورات عندما تريد؛ فلا تستعبدها الرغائب وتقهرها. وهذا هو المقياس الذي لا يخطئ في قياس الرقي البشري. فكلما كانت النفس أقدر على ضبط رغائبها والتحكم فيها والاستعلاء عليها كانت أعلى في سلم الرقي البشري. وكلما ضعفت أمام الرغبة وتهاوت كانت أقرب إلى البهيمية وإلى المدارج الأولى. من أجل ذلك شاءت العناية الإلهية التي ترعى هذا الكائن الإنساني أن تعده لخلافة الأرض باختبار إرادته، وتنبيه قوة المقاومة فيه، وفتح عينيه على ما ينتظره من صراع بين الرغائب التي يزينها الشيطان، وإرادته وعهده للرحمن. وها هي ذي التجربة الأولى تعلن نتيجتها الأولى: {فنسي ولم نجد له عزماً} ثم تعرض تفصيلاتها: {وإذ قلنا للملائكة: اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى}.. هكذا في إجمال، يجيء هذا المشهد الذي يفصل في سور أخرى، لأن السياق هنا سياق النعمة والرعاية.. فيعجل بمظاهر النعمة في الرعاية: {فقلنا: يا آدم إن هـذا عدو لك ولزوجك، فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى، إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى، وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى}.. وكانت هذه رعاية من الله وعنايته ان ينبه آدم إلى عدوه ويحذره غدره، عقب نشوزه وعصيانه، والامتناع عن السجود لآدم كما أمره ربه. {فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى} فالشقاء بالكد والعمل والشرود والضلال والقلق والحيرة واللهفة والانتظار والألم والفقدان.. كلها تنتظر هناك خارج الجنة؛ وأنت في حمى منها كلها ما دمت في رحاب الفردوس.. {إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى. وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى}.. فهذا كله مضمون لك ما دمت في رحابها، والجوع والعري، يتقابلان مع الظمأ والضحوة. وهي في مجموعها تمثل متاعب الإنسان الأولى في الحصول على الطعام والكساء، والشراب والظلال. ولكن آدم كان غفلاً من التجارب. وهو يحمل الضعف البشري تجاه الرغبة في البقاء والرغبة في السلطان. ومن هذه الثغرة نفذ إليه الشيطان: {فوسوس إليه الشيطان قال: يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى؟} لقد لمس في نفسه الموضع الحساس، فالعمر البشري محدود، والقوة البشرية محدودة. من هنا يتطلع إلى الحياة الطويلة وإلى الملك الطويل، ومن هاتين النافذتين يدخل عليه الشيطان، وآدم مخلوق بفطرة البشر وضعف البشر، لأمر مقدور وحكمة مخبوءة.. ومن ثم نسي العهد، وأقدم على المحظور: {فأكلا منها فبدت لهما سوءاتهما، وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة.. وعصى آدم ربه فغوى}.. والظاهر أنها السوءات الحسية تبدت لهما وكانت عنهما مستورة، وأنها مواضع العفة في جسديهما. يرجح ذلك أنهما أخذا يسترانها بورق الجنة يشبكانه ليستر هذه المواضع. وقد يكون ذلك إيذاناً باستيقاظ الدوافع الجنسية في كيانهما. فقبل يقظة هذه الدوافع لا يحس الإنسان بالخجل من كشف مواضع العفة ولا ينتبه إليها ولكنه ينتبه إلى العورات عند استيقاظ دوافع الجنس ويخجل من كشفها. وربما كان حظر هذه الشجرة عليهما، لأن ثمارها مما يوقظ هذه الدوافع في الجسم تأجيلاً لها فترة من الزمان كما يشاء الله. وربما كان نسيانهما عهد الله وعصيانهما له تبعه هبوط في عزيمتهما وانقطاع عن الصلة بخالقهما فسيطرت عليهما دوافع الجسد وتنبهت فيهما دوافع الجنس. وربما كانت الرغبة في الخلود تجسمت في استيقاظ الدوافع الجنسية للتناسل؛ فهذه هي الوسيلة الميسرة للإنسان للامتداد وراء العمر الفردي المحدود.. كل هذه فروض لتفسير مصاحبة ظهور سوآتهما لهما للأكل من الشجرة. فهو لم يقل: فبدت سوآتهما. إنما قال: فبدت لهما سوآتهما. مما يؤذن انها كانت محجوبة عنهما فظهرت لهما بدافع داخلي من إحساسهما.. وقد جاء في موضع آخر عن إبليس: {أية : ليبدي لهما ما ووري عنهما من سوءاتهما}،تفسير : وجاء: {أية : ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوءاتهما}تفسير : وقد يكون اللباس الذي نزعه الشيطان ليس لباساً مادياً إنما هو شعور ساتر، قد يكون هو شعور البراءة والطهارة والصلة بالله. وعلى أية حال فهي مجرد فروض كما أسلفنا لا نؤكدها ولا نرجح واحداً منها. إنما هي لتقرب صورة التجربة الأولى في حياة البشرية. ثم أدركت آدم وزوجه رحمة الله، بعدما عصاه، فقد كانت هذه هي التجربة الأولى: {ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى}.. بعدما استغفر آدم وندم واعتذر. ولا يذكر هذا هنا لتبدو رحمة الله في الجو وحدها.. ثم صدر الأمر إلى الخصمين اللدودين أن يهبطا إلى أرض المعركة الطويلة بعد الجولة الأولى: {قال: اهبطا منها جميعاً، بعضكم لبعض عدو}.. وبذلك أعلنت الخصومة في الثقلين. فلم يعد هناك عذر لآدم وبنيه من بعده أن يقول أحد منهم إنما أخذت على غرة ومن حيث لا أدري. فقد درى وعلم؛ وأعلن هذا الأمر العلوي في الوجود كله: {بعضكم لبعض عدو}! ومع هذا الإعلان الذي دوت به السماوات والأرضون، وشهده الملائكة أجمعون. شاءت رحمة الله بعباده أن يرسل إليهم رسله بالهدى. قبل أن يأخذهم بما كسبت أيديهم. فأعلن لهم يوم أعلن الخصومة الكبرى بين آدم وإبليس، أنه آتيهم بهدى منه، فمجاز كلاً منهم بعد ذلك حسبما ضل أو اهتدى: {فإما يأتينكم مني هدى، فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى. ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا، ونحشره يوم القيامة أعمى. قال: رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيراً؟ قال: كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى. وكذلك نجزي من أسرف ولم يؤمن بآيات ربه، ولعذاب الآخرة أشد وأبقى}.. يجيء هذا المشهد بعد القصة كأنه جزء منها، فقد أعلن عنه في ختامها في الملأ الأعلى. فذلك أمر إذن قضي فيه منذ بعيد ولا رجعة فيه ولا تعديل. {فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى}.. فهو في أمان من الضلال والشقاء باتباع هدى الله. وهما ينتظران خارج عتبات الجنة. ولكن الله يقي منهما من اتبع هداه. والشقاء ثمرة الضلال ولو كان صاحبه غارقاً في المتاع. فهذا المتاع ذاته شقوة. شقوة في الدنيا وشقوة في الآخرة. وما من متاع حرام، إلا وله غصة تعقبه وعقابيل تتبعه. وما يضل الإنسان عن هدى الله إلا ويتخبط في القلق والحيرة والتكفؤ والاندفاع من طرف إلى طرف لا يستقر ولا يتوازن في خطاه. والشقاء قرين التخبط ولو كان في المرتع! ثم الشقوة الكبرى في دار البقاء. ومن اتبع هدى الله فهو في نجوة من الضلال والشقاء في الأرض، وفي ذلك عوض عن الفردوس المفقود، حتى يؤوب إليه في اليوم الموعود. {ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا} والحياة المقطوعة الصلة بالله ورحمته الواسعة، ضنك مهما يكن فيها من سعة ومتاع. إنه ضنك الانقطاع عن الاتصال بالله والاطمئنان إلى حماه. ضنك الحيرة والقلق والشك. ضنك الحرص والحذر: الحرص على ما في اليد والحذر من الفوت. ضنك الجري وراء بارق المطامع والحسرة على كل ما يفوت. وما يشعر القلب بطمأنينة الاستقرار إلا في رحاب الله. وما يحس راحة الثقة إلا وهو مستمسك بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها.. إن طمأنينة الإيمان تضاعف الحياة طولاً وعرضاً وعمقاً وسعة، والحرمان منه شقوة لا تعدلها شقوة الفقر والحرمان. {ومن أعرض عن ذكري} وانقطع عن الاتصال بي {فإن له معيشة ضنكا}.. {ونحشره يوم القيامة أعمى}.. وذلك ضلال من نوع ضلاله في الدنيا. وذلك جزاء على إعراضه عن الذكر في الأولى. حتى إذا سأل: {رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيراً؟} كان الجواب: {كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى. وكذلك نجزي من أسرف ولم يؤمن بآيات ربه. ولعذاب الآخرة أشد وأبقى}! ولقد أسرف من أعرض عن ذكر ربه. أسرف فألقى بالهدى من بين يديه وهو أنفس ثراء وذخر، وأسرف في إنفاق بصره في غير ما خلق له فلم يبصر من آيات الله شيئاً. فلا جرم يعيش معيشة ضنكاً! ويحشر في يوم القيامة أعمى! اتساق في التعبير. واتساق في التصوير.. هبوط من الجنة وشقاء وضلال، يقابله عودة إلى الجنة ونجوة من الشقاء والضلال. وفسحة في الدنيا يقابلها الضنك، وهداية يقابلها العمى.. ويجيء هذا تعقيباً على قصة آدم ـ وهي قصة البشرية جميعاً ـ فيبدأ الاستعراض في الجنة، وينتهي في الجنة، كما مر في سورة الأعراف، مع الاختلاف في الصور الداخلة في الاستعراض هنا وهناك حسب اختلاف السياق.. فإذا انتهت هذه الجولة بطرفيها أخذ السياق في جولة حول مصارع الغابرين؛ وهي أقرب في الزمان من القيامة، وهي واقع تشهده العيون إن كانت القيامة غيباً لا تراه الأبصار: {أفلم يهد لهم كم أهلكنا قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم؟ إن في ذلك لآيات لأولي النهى. ولولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاماً وأجل مسمى}.. وحين تجول العين والقلب في مصارع القرون. وحين تطالع العين آثارهم ومساكنهم عن كثب، وحين يتملى الخيال الدور وقد خلت من أهلها الأول؛ ويتصور شخوصهم الذاهبة، وأشباحهم الهاربة، وحركاتهم وسكناتهم، وخواطرهم وأحلامهم، وهمومهم وآمالهم.. حين يتأمل هذا الحشد من الأشباح والصور والانفعالات والمشاعر.. ثم يفتح عينه فلا يرى من ذلك كله شيئاً إلا الفراغ والخواء.. عندئذ يستيقظ للهوة التي تفغر فاها لتبتلع الحاضر كما ابتلعت الغابر. وعندئذ يدرك يد القدرة التي أخذت القرون الأولى وهي قادرة على أن تأخذ ما يليها. وعندئذ يعي معنى الإنذار، والعبرة أمامه معروضة للأنظار. فما لهؤلاء القوم لا يهتدون وفي مصارع القرون ما يهدي أولي الألباب؟: {إن في ذلك لآيات لأولي النهى}! ولولا أن الله وعدهم ألا يستأصلهم بعذاب الدنيا، لحكمة عليا. لحل بهم ما حل بالقرون الأولى. ولكنها كلمة سبقت من ربك وأجل مسمى أمهلهم إليه: {ولولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاما، وأجل مسمى}. وإذا كانوا مؤخرين إلى أجل، ممهلين لا مهملين، فلا عليك ـ يا محمد ـ منهم ولا مما أوتوه من زينة الحياة الدنيا ليكون ابتلاء لهم، فإنما هي الفتنة، وما أعطاكه الله إنعاماً فهو خير مما أعطاهم ابتلاء: {فاصبر على ما يقولون، وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها، ومن آناء الليل فسبح وأطراف النهار لعلك ترضى. ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجاً منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه، ورزق ربك خير وأبقى. وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقاً نحن نرزقك والعاقبة للتقوى}.. فاصبر على ما يقولون من كفر واستهزاء وجحود وإعراض، ولا يضق صدرك بهم، ولا تذهب نفسك عليهم حسرات. واتجه إلى ربك. سبح بحمده قبل طلوع الشمس وقبل غروبها. في هدأة الصبح وهو يتنفس ويتفتح بالحياة؛ وفي هدأة الغروب والشمس تودع، والكون يغمض أجفانه، وسبح بحمده فترات من الليل والنهار.. كن موصولاً بالله على مدار اليوم.. {لعلك ترضى}.. إن التسبيح بالله اتصال. والنفس التي تتصل تطمئن وترضى. ترضى وهي في ذلك الجوار الرضي؛ وتطمئن وهي في ذلك الحمى الآمن. فالرضى ثمرة التسبيح والعبادة، وهو وحده جزاء حاضر ينبت من داخل النفس ويترعرع في حنايا القلب. اتجه إلى ربك بالعبادة {ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجاً منهم} من عرض الحياة الدنيا، من زينة ومتاع ومال وأولاد وجاه وسلطان. {زهرة الحياة الدنيا} التي تطلعها كما يطلع النبات زهرته لامعه جذابة. والزهرة سريعة الذبول على ما بها من رواء وزواق. فإنما نمتعهم بها ابتلاء {لنفتنهم فيه} فنكشف عن معادنهم، بسلوكهم مع هذه النعمة وذلك المتاع. وهو متاع زائل كالزهرة سرعان ما تذبل {ورزق ربك خير وأبقى} وهو رزق للنعمة لا للفتنة. رزق طيب خير باق لا يذبل ولا يخدع ولا يفتن. وما هي دعوة للزهد في طيبات الحياة، ولكنها دعوة إلى الاعتزاز بالقيم الأصيلة الباقية وبالصلة بالله والرضى به. فلا تتهاوى النفوس أمام زينة الثراء، ولا تفقد اعتزازها بالقيم العليا، وتبقى دائماً تحس حرية الاستعلاء على الزخارف الباطلة التي تبهر الأنظار.. {وأمر أهلك بالصلاة}.. فأول واجبات الرجل المسلم أن يحول بيته إلى بيت مسلم؛ وأن يوجه أهله إلى أداء الفريضة التي تصلهم معه بالله، فتوحد اتجاههم العلوي في الحياة. وما أروح الحياة في ظلال بيت أهله كلهم يتجهون إلى الله. {واصطبر عليها}.. على إقامتها كاملة؛ وعلى تحقيق آثارها. إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر. وهذه هي آثارها الصحيحة. وهي في حاجة إلى اصطبار على البلوغ بالصلاة إلى الحد الذي تثمر فيه ثمارها هذه في المشاعر والسلوك. وإلا فما هي صلاة مقامة. إنما هي حركات وكلمات. هذه الصلاة والعبادة والاتجاه إلى الله هي تكاليفك والله لا ينال منها شيئاً. فالله غني عنك وعن عبادة العباد: {لا نسألك رزقاً نحن نرزقك} إنما هي العبادة تستجيش وجدان التقوى {والعاقبة للتقوى}. فالإنسان هو الرابح بالعبادة في دنياه وأخراه. يعبد فيرضى ويطمئن ويستريح. ويعبد فيجزى بعد ذلك الجزاء الأوفى. والله غني عن العالمين. وقرب ختام السورة يعود بالحديث إلى أولئك الكبراء الممتعين المكذبين، الذين يطلبون إلى الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ بعدما جاءهم بهذا القرآن أن يأتيهم بآية من ربه: هذا القرآن الذي يبين ويوضح ما جاءت به الرسالات قبله: {وقالوا: لولا يأتينا بآية من ربه. أولم تأتهم بينة ما في الصحف الأولى؟}. فليس إلا التعنت وإلا المكابرة والرغبة في الاقتراح هي التي تملي مثل هذا الاقتراح وإلا فآية القرآن كافيه. وهو يصل حاضر الرسالة بماضيها، ويوحد طبيعتها واتجاهها، ويبين ويفصل ما أجمل في الصحف الأولى. ولقد أعذر الله للمكذبين فأرسل إليهم خاتم المرسلين ـ صلى الله عليه وسلم ـ {ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا: ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا، فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى}.. وهم لم يذلوا ولم يخزوا لحظة أن كان هذا النص يتلى عليهم. إنما هو تصوير لمصيرهم المحتوم. الذي يذلون فيه ويخزون: فلعلهم حينذاك قائلون: {ربنا لولا أرسلت إلينا رسولاً..} فها هي ذي الحجة قد قطعت عليهم، فلم يعد لهم من عذر ولا عذير! وعندما يصل السياق إلى تصوير المصير المحتوم الذي ينتظرهم يؤمر الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ان ينفض يده منهم، فلا يشقى بهم، ولا يكربه عدم إيمانهم، وأن يعلن إليهم انه متربص بهم ذلك المصير، فليتربصوا هم كيف يشاءون: {قل: كل متربص فتربصوا. فستعلمون من أصحاب الصراط السوي ومن اهتدى}.. بذلك تختم السورة التي بدأت بنفي إرادة الشقاء عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ من تنزيل القرآن، وحددت وظيفة القرآن: {إلا تذكرة لمن يخشى}.. والختام يتناسق مع المطلع كل التناسق. فهو التذكرة الأخيرة لمن تنفعه التذكرة. وليس بعد البلاغ إلا انتظار العاقبة. والعاقبة بيد الله..

ابن عاشور

تفسير : جملة مستأنفة تذييلية أفادت التنويه بقصّة رسالة موسى وما عقبها من الأعمال التي جرت مع بني إسرائيل ابتداء من قوله {أية : وهل أتاك حديث موسى إذ رأى ناراً}تفسير : [طه: 9، 10]، أي مثل هذا القصص نقصّ عليك من أنباء القرون الماضية. والإشارة راجعة إلى القصة المذكورة. والمراد بقوله {نَقُصُّ} قَصصنا، وإنما صيغ المضارع لاستحضار الحالة الحسنة في ذلك القصص. والتشبيه راجع إلى تشبيهها بنفسها كناية عن كونها إذا أريد تشبيهها وتقريبها بما هو أعرف منها في بابها لم يجد مُريد ذلك طريقاً لنفسه في التشبيه إلا أن يشبهها بنفسها، لأنها لا يفوقها غيرها في بابها حتى تقرَّب به، على نحو ما تقدم في قوله تعالى: {أية : وكذلك جعلناكم أمة وسطاً}تفسير : في سورة البقرة (143)، ونظائره كثيرة في القرآن. و (مِن) في قوله {مِنْ أنْبَاءِ ما قَدْ سَبَقَ} تبعيضية، هي صفة لمحذوف تقديره: قصصاً من أنباء ما قد سبق. ولك أن تجعل (من) اسماً بمعنى بعض، فتكون مفعول {نقصّ}. والأنباء: الأخبار. و(ما) الموصولة ما صدقها الأزمان، لأنّ الأخبار تضاف إلى أزمانها، كقولهم: أخبار أيام العرب، والقرون الوسطى. وهي كلها من حقها في الموصولية أن تعرف ب(ما) الغالبة في غير العاقل. ومعلوم أن المقصود ما فيها من أحوال الأمم، فلو عرفت ب(مَن) الغالبة في العقلاء لصح ذلك وكل ذلك واسع. وقوله {وقَدْ ءَاتينٰاكَ مِن لَّدُنَّا ذِكْراً} إيماء إلى أن ما يقص من أخبار الأمم ليس المقصود به قطْع حصة الزمان ولا إيناس السامعين بالحديث إنما المقصود منه العبرة والتذكرة وإيقاظ لبصائر المشركين من العرب إلى موضع الاعتبار من هذه القصة، وهو إعراض الأمة عن هدي رسولها وانصياعها إلى تضليل المضللين من بينها. فللإيماء إلى هذا قال تعالى: {وقد آتيناك من لدنّا ذكراً من أعرض عنه فإنه يحمل يوم القيامة وِزراً خالدين فيه}. وتنكير {ذِكراً} للتعظيم، أي آتيناك كتاباً عظيماً. وقوله {مِن لَّدُنَّا} توكيد لمعنى {ءَاتَينٰكَ} وتنويه بشأن القرآن بأنه عطية كانت مخزونة عند الله فخص بها خير عباده. والوِزر: الإثم. وجعل محمولاً تمثيل لملاقاة المشقة من جراء الإثم، أي من العقاب عنه. فهنا مضاف مُقدر وقرينته الحال في قوله {خٰلِدِينَ فِيهَا}، وهو حال من اسم الموصول أو الضمير المنصوب بحرف التوكيد، وما صدقهما، متّحد وإنما اختلف بالإفراد والجمع رعياً لِلَفظ (مَن) مرةً ولمدلولها مرة. وهو الجمع المعرضون. فقال {من أعرَض} ثم قال خَالدين. وجملة {وسَآءَ لَهُمْ يَوْمَ القِيٰمَةِ حِمْلاً} حال ثانية، أي ومسوئين به. و(سَاء) هنا هو أحد أفعال الذم مثل (بئس). وفاعل {ساء} ضمير مستتر مُبهم يفسره التمييز الذي بعده وهو {حِملاً}. والحِمل - بكسر الحاء - اسم بمعنى المَحمول كالذِّبح بمعنى المذبوح. والمخصوص بالذم محذوف لدلالة لفظ {وِزراً} عليه. والتقدير: وساء لهم حملاً وِزرهم، وحذف المخصوص في أفعال المدح والذم شائع كقوله تعالى: {أية : ووهبنا لداوود سليمان نعم العبد إنه أواب}تفسير : [ص: 30] أي سليمان هو الأواب. واللاّم في قوله {وسَآءَ لَهُمْ} لام التبيين. وهي مبيّنة للمفعول في المعنى، لأن أصل الكلام: ساءهم الحِمل، فجيء باللام لزيادة تبيين تعلق الذم بحمله، فاللاّم لبيان الذين تعلّق بهم سوء الحِمل. والحِمل ــــ بكسر الحاء ــــ المحمول مثل الذبح.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {كَذٰلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَآءِ مَا قَدْ سَبَقَ}. الكاف في قوله {كَذٰلِكَ} في محل نصب على أنه نعت لمصدر محذوف، أي نقص عليك من أنباء ما سبق ـ قصصاً مثل ذلك القصص الحسن الحق الذي قصصنا عليك عن موسى وهارون، وعن موسى وقومه والسامري. والظاهر أن "من" في قوله {مِنْ أَنْبَآءِ مَا قَدْ سَبَقَ} للتبعيض، ويفهم من ذلك أن بعضهم لم يقصص عليه خبره ـ ويدل لهذا المفهوم قوله تعالى في سورة "النساء": {أية : وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلاً لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ} تفسير : [النساء: 164] الآية، وقوله في سورة "المؤمن": {أية : وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ} تفسير : [غافر: 78] الآية، وقوله في سورة "إبراهيم" {أية : أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَٱلَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ ٱللَّهُ جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِٱلْبَيِّنَاتِ} تفسير : [إبراهيم: 9] الآية. والأنباء: جمع نبأ وهو الخبر الذي له شأن. وما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة: من أنه قص على نبيه صلى الله عليه وسلم أخبار الماضين. أي ليبين بذلك صدق نبوته، لأنه أمي لا يكتب ولا يقرأ الكتب، ولم يتعلم أخبار الأمم وقصصهم. فلولا أن الله أوحى إليه ذلك لما علمه بينه أيضاً في غير هذا الموضع، كقوله في "آل عمران": {أية : ذٰلِكَ مِنْ أَنَبَآءِ ٱلْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ} تفسير : [آل عمران: 44] أي فلولا أن الله أوحى إليك ذلك لما كان لك علم به. وقوله تعالى في سورة "هود" أيضاً: {أية : وَكُـلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ ٱلرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ} تفسير : [هود: 120] الآية. وقوله تعالى في سورة "يوسف": {أية : ذَلِكَ مِنْ أَنْبَآءِ ٱلْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوۤاْ أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ} تفسير : [يوسف: 102]، وقوله في "يوسف" أيضاً: {أية : نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ بِمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ ٱلْغَافِلِينَ} تفسير : [يوسف: 3]، وقوله في "القصص": {أية : وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ ٱلْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَى ٱلأَمْرَ} تفسير : [القصص: 44]، وقوله فيها: {أية : وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ ٱلطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا} تفسير : [القصص: 46]، وقوله: {أية : وَمَا كُنتَ ثَاوِياً فِيۤ أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا} تفسير : [القصص: 45]، إلى غير ذلك من الآيات. يعني لم تكن حاضراً يا نبي الله لتلك الوقائع، فلولا أن الله أوحى إليك ذلك لما علمته. وقوله {مِنْ أَنْبَآءِ مَا قَدْ سَبَقَ} أي أخبار ما مضى من أحوال الأمم والرسل. وقوله تعالى: {وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِن لَّدُنَّا ذِكْراً}. أي أعطيناك من عندنا ذكراً وهو هذا القرآن العظيم، وقد دلت على ذلك آيات من كتاب الله. كقوله: {أية : وَهَـٰذَا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنكِرُونَ} تفسير : [الأنبياء: 50]، وقوله تعالى: {أية : ذٰلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الآيَاتِ وَٱلذِّكْرِ ٱلْحَكِيمِ} تفسير : [آل عمران: 58]، وقوله تعالى: {أية : مَا يَأْتِيهِمْ مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِمْ مُّحْدَثٍ إِلاَّ ٱسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ} تفسير : [الأنبياء: 2] وقوله: {أية : وَقَالُواْ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ} تفسير : [الحجر: 6]، وقوله تعالى: {أية : صۤ وَٱلْقُرْآنِ ذِي ٱلذِّكْرِ}تفسير : [ص: 1]، وقوله تعالى: {أية : وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ}تفسير : [الزخرف: 44] الآية، وقوله: {أية : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} تفسير : [الحجر: 9] إلى غير ذلك من الآيات. وقال الفخر الرازي في تفسير هذه الآية الكريمة: ثم في تسمية القرآن بالذكر وجوه: أحدها ـ أنه كتاب فيه ذكر ما يحتاج إليه الناس من أمر دينهم ودنياهم. وثانيها ـ أنه يذكر أنواع آلاء الله ونعمائه تعالى. ففيه التذكير والمواعظ. وثالثها ـ أنه فيه الذكر والشرف لك ولقومك على ما قال: {وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ}. واعلم أن الله تعالى سمى كل كتبه ذكراً فقال: {أية : فَٱسْأَلُواْ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ} تفسير : [النحل: 43] ا هـ المراد من كلام الرازي. ويدل للوجه الثاني في كلامه قوله تعالى: {أية : كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوۤاْ آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُو ٱلأَلْبَابِ} تفسير : [ص: 29]، وقوله تعالى: {أية : وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ ٱلْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً} تفسير : [طه: 113].

الواحدي

تفسير : {كذلك} كما قصصنا عليك هذه القصَّة {نقص عليك من أنباءِ ما قد سبق} من الأمور {وقد آتيناك من لدنا ذكراً} يعني: القرآن. {من أعرض عنه} فلم يؤمن به {فإنه يحمل يوم القيامة وزراً} حملاً ثقيلاً من الكفر. {خالدين فيه} لا يغفر ربك لهم ذلك، ولا يكفِّر عنهم شيء {وساء لهم يوم القيامة حملاً} بئس ما حملوا على أنفسهم من المآثم كفراً بالقرآن. {يوم ينفخ في الصور ونحشر المجرمين} الذين اتَّخذوا مع الله إلهاً آخر {يؤمئذ زرقاً} زرق العيون سود الوجوه. {يتخافتون} يتساررون {بينهم إن لبثتم} ما لبثتم في قبوركم إلاَّ عشر ليالٍ يريدون: ما بين النَّفختين، وهو أربعون سنة يُرفع العذاب في تلك المدَّة عن الكفَّار، فيستقصرون تلك المدَّة إذا عاينوا هول القيامة، قال الله تعالى: {نحن أعلم بما يقولون إذ يقول أمثلهم طريقة} أعدلهم قولاً {إن لبثتم إلاَّ يوماً}. {ويسألونك عن الجبال} سألوا النبيَّ صلى الله عليه وسلم كيف تكون الجبال يوم القيامة؟ {فقل ينسفها ربي نسفاً} يصيِّرها كالهباء المنثور حتى تستوي مع الأرض، وهو قوله: {فيذرها قاعاً صفصفاً} مكاناً مستوياً. {لا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً} انخفاضاً وراتفاعاً.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: كذلك: أي كما قصصنا عليك هذه القصة قصة موسى وفرعون وموسى وبني إسرائيل نقص عليك من أنباء الرسل. من لدنا ذكراً: أي قرآناً وهو القرآن الكريم. من أعرض عنه: أي لم يؤمن به ولم يقرأه ولم يعمل به. وزراً: أي حملاً ثقيلاً من الآثام. يوم ينفخ في الصور: أي النفخة الثانية وهي نفخة البعث، والصور هو القرن. زرقا: أي عيونهم زرق ووجوههم سود آية أنهم أصحاب الجحيم. يتخافتون بينهم: أي يخفضون أصواتهم يتسارون بينهم من شدة الهول. أمثلهم طريقة : أي أعدلهم رأياً في ذلك، وهذا كله لعظم الموقف وشدة الهول والفزع. معنى الآيات: بعد نهاية الحديث بين موسى وفرعون، وبين موسى وبني إسرائيل قال تعالى لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم {كَذٰلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ} أي كما قصصنا عليك ما قصصنا من نبأ موسى وفرعون وخبر موسى وبني إسرائيل نقص عليك {مِنْ أَنْبَآءِ مَا قَدْ سَبَقَ} أي أحداث الأمم السابقة ليكون ذلك آية نبوتك ووحينا إليك، وعبرة وذكرى للمؤمنين. وقوله تعالى: {وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِن لَّدُنَّا ذِكْراً} أي وقد أعطيناك تفضلا منا ذكرا وهو القرآن العظيم يذكر به العبد ربه ويهتدي به إلى سبيل النجاة والسعادة، وقوله {مَّنْ أَعْرَضَ عَنْهُ} أي عن القرآن فلم يؤمن به ولم يعمل بما فيه {فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وِزْراً} أي إثماً عظيماً لأنه لم يعمل صالحاً وكل عمله كان سيئاً لكفره وعدم إيمانه، {خَالِدِينَ فِيهِ} أي في ذلك الوزر في النار، وقوله {وَسَآءَ لَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ حِمْلاً} أي قبح ذلك الحمل حملاً يوم القيامة إذ صاحبه لا ينجو من العذاب بل بطرح معه في جهنم يخلد فيها وقوله {يَوْمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِ وَنَحْشُرُ ٱلْمُجْرِمِينَ} أي المكذبين بالدين الحق العاملين بالشرك والمعاصي {يَوْمِئِذٍ} أي يوم ينفخ في الصور النفخة الثانية {زُرْقاً} أي الأعين مع اسوداد الوجوه وقوله: {يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ} أي يتهامسون بينهم يسأل بعضهم بعضاً كما لبثتم في الدنيا وفي القبور فيقول البعض: {إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ عَشْراً} أي ما لبثتم إلا عشر ليال، وقوله تعالى: {نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً} أي أعدلهم رأياً {إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ يَوْماً}، وهذا التقال للزمن الطويل سببه هول القيامة وعظم ما يشاهدون فيها من ألوان الفزع والعذاب. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- تقرير نبوة محمد صلى الله عليه وسلم يقص تعالى عليه أنباء ما قد سبق بعد قصه عليه أنباء موسى وفرعون بالحق، وايتائه القرآن الكريم. 2- كون القرآن ذكراً للذاكرين لما يحمل من الحجج والدلائل والبراهين. 3- سوء حال المجرمين يوم القيامة، الذين أعرضوا عن القرآن الكريم. 4- عظم أهوال يوم القيامة حتى يتقال معها المرء مدة الحياة الدنيا التي هي آلاف الأعوام.

القطان

تفسير : ذِكراً: القرآن. ومن اعرض: من كذب. وزرا: حملا، وقد فسره في الآية التي بعدها. الصور: قرن ينفخ فيه ويدعى الناس الى المحشر. زرقا: الوانهم متغيرة. يتخافتون: يتحدثون بصوت خفي. أمثلهم: افضلهم. ينسفها: يجعلها كالغبار. يذرُها: يتركها. قاعا: ارضا ملساء. صفصفا: مستوية. عِوجا: انخفاضا. امتا: نتوءا يسيرا. لا عوج له: مستقيم. همسا: صوتا خفيا. عنت: خضعت، ذلّت. القيوم: القائم بتدبير الأمور. هضما: نقصا، بخسا. بعد ان ذكر الله تعالى قصص موسى مع فرعون ثم السامريَّ وفتنته، بيّن للرسول الكريم في هذه الآيات ان مثل هذا القصص عن الأمم الماضية يلقيه سبحانه وتعالى إليه تسلية لقلبه وإذهابا لحزنه حتى يعلم ان ما يحدث له قد حدث مثلُه للرسل من قبله. {مَّنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وِزْراً} ان من كذّب بهذه القرآن واعرض عن اتّباعه، فانه يضل في حياته، ويأتي يوم القيامة حاملاً إثم عناده، ويجازَى بالعذاب الشديد. وسيكون هؤلاء خالدين في ذلك العذاب. {وَسَآءَ لَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ حِمْلاً}. بئس الحمل الذي حملوه من الأوزار في ذلك اليوم العصيب. ذلك اليوم الذي يُنفخ فيها بالصور، ويُساق المجرمون الى المحشَر زُرق الالوان، يرهق وجوهَهم الذلّ، يتهامسون بينهم من الرعب، ويقول بعضهم لبعض ما لبثتم في الدنيا إلا عشرةَ أيام. والله يسمع تهامسهم وهو أعلمُ بما يقولون بينهم، كما يعلم ما يقول أعدَلُهم رأياً واكملهم عقلا: ما لبثتم إلا يوما واحدا. ويسألك المنكِرون للبعث ايها الرسول عن مصير الجبال يوم القيامة، فقل لهم: ان الله تعالى يفتّتها، ثم ينسِفها هباء. اخرج ابنُ المنذر عن ابن جريج قال: قالت قريش يا محمد، كيف يفعل ربك بهذه الجبال يوم القيامة؟ فنزلت {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْجِبَالِ.... }. ثم بعد ذلك يدع أماكنها بعد نسفِها ملساءَ مستوية، ولا تبصِر العين في الأرض انخفاضا ولا ارتفاعا، وكأنها لم تكن معمورة من قبل. {يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ ٱلدَّاعِيَ لاَ عِوَجَ لَهُ}. يومئذ يرى الناس هذه الاهوال، يتّبعون داعي الله الى المحشر، يجمعهم فيه الى موقف الجزاء والحساب، ولا يستطيع احد ان يعدل عنه. {وَخَشَعَتِ ٱلأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَـٰنِ... }. بالسكون والرهبةِ لعظَمة الله، فلا تسمع إلا صوتاً خفيّا لا يكاد يبين. يومئذ لا تنفع الشفاعة من أحد، الا من أكرمه الله فأذِن له بالشفاعة، ورضي قولَه فيها، ولا تنفع الشفاعة في أحد الا من أذِن الرحمن في ان يُشفع له. والله تعالى يعلم ما تقدّم من امورهم في دنياهم، وما يستقبلونه في الآخرة، ولا يحيطون علماً بتدبيره وحكمته. وكما ذكر سبحانه وتعالى خشوع الاصوات أتبعَه خضوعَ ذويها فقال: {وَعَنَتِ ٱلْوُجُوهُ لِلْحَيِّ ٱلْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً}. استسلمت الخلائق لخالقها الحيّ الذي لا يموت، القائم على خلقه بتدبير شئونهم. في ذلك اليوم خسر النجاة كل من ظلم نفسه في الدنيا فأشرك بربه. وبعد ان ذكر أهوال يوم القيامة بيّن حال المؤمنين في ذلك اليوم فقال: {وَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلاَ يَخَافُ ظُلْماً وَلاَ هَضْماً}. أما الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وجاؤا ربَّهم في ذلك اليوم، فإنهم في كَنَفِ الله وضيافته، لا يخافون من ظلمٍ ولا نقصٍ لحقوقهم.{أية : وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}تفسير : [النحل:97]. قراءات: قرأ الجمهور: يوم ينفخ في الصور بالياء، وقرأ ابو عمرو وحده: ننفخ بالنون. وقرأ الجمهور: فلا يخاف ظلما ولا هضما: بالياء. وقرأ ابن كثير: فلا يخف بالجزم.

د. أسعد حومد

تفسير : {آتَيْنَاكَ} (99) - وَكَمَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ خَبَرَ مُوسَى، وَمَا جَرَى لَهُ مَعَ فِرْعَوْنَ، وَجُنُودِهِ عَلَى الجَلِيَّةِ، وَالأَمْرِ الوَاقِعِ، كَذلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَخْبَارَ الأُمَمِ الخَالِيَةِ، كَمَا وَقَعَتْ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَلاَ نُقْصَانٍ، وَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هذا القُرْآنَ العَظِيمَ (الذِّكْرَ) الذِي لاَ يَأْتِيهِ البَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ، فَهُوَ جَامِعٌ لِلأَخْبَارِ، حَاوٍ لِلأَحْكَامِ، فِيهِ صَلاَحُ البَشَرِ، فِي دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وفي موضع آخر قال تعالى: {أية : وَكُـلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ ٱلرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ ..}تفسير : [هود: 120]. فكأن فؤاده صلى الله عليه وسلم كان في حاجة إلى تثبيت؛ لأنه سيتناول كل أحداث الحياة، وسيتعرض لما تشيب لهَوْله الرؤوس، ألم يَقُلْ الحق تبارك وتعالى عن الرسل قبله: {أية : وَزُلْزِلُواْ حَتَّىٰ يَقُولَ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ ٱللَّهِ ..}تفسير : [البقرة: 214]. ألم يُضطهد رسول الله والمؤمنون ويُضربوا ويُحاصروا في الشِّعْب بلا مأوى ولا طعام، حتى أكلوا الجلود وأوراق الشجر؟ فهذه أحداث وشدائد تضطرب النفس البشرية حين تستقبلها، ولا بُدَّ لها من تأييد السماء لتثبت على الإيمان؛ لذلك يقصُّ الحق - تبارك وتعالى - على رسوله قصص مَنْ سبقوه في موكب الرسالات ليقول له: لست يا محمد بِدْعاً من الرسل، فقد تحملوا من المشاق كيت وكيت، وأنت سيدهم، فلا بُدَّ أنْ تتحمل من المشاقِّ ما يتناسب ومكانتك، فوطِّن نفسك على هذا. فقوله تعالى: {كَذٰلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَآءِ مَا قَدْ سَبَقَ ..} [طه: 99] (كذلِكَ): أي: كما قصصنا عليك قصة موسى وهارون وفرعون والسامريّ نقصُّ عليك قصصاً آخر من أنباء مَنْ سبقُوك من الرسل. وأنباء: جمع نبأ، وهو الخبر الهام العظيم، فلا يُقال للأمر التافه نبأ. ومن ذلك قوله تعالى عن يوم القيامة: {أية : عَمَّ يَتَسَآءَلُونَ * عَنِ ٱلنَّبَإِ ٱلْعَظِيمِ}تفسير : [النبأ: 1-2] إنما يُقال "خبر" في أي شيء. ثم يقول تعالى: {وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِن لَّدُنَّا ذِكْراً} [طه: 99]. وأكد الإتيان بأنه {مِن لَّدُنَّا ..} [طه: 99] أي: من عندنا، فلم يَقُلْ مثلاً: آتيناك ذِكْراً. وهذا له معنى؛ لأن كل الكتب التي نزلت على الرسل السابقين نزلت ورُويتْ بالمعنى، ثم صاغها أصحابها بألفاظ من عند أنفسهم، أمَّا القرآن فهو الكتاب الوحيد الذي نزل بلفظه ومعناه؛ لذلك قال {مِن لَّدُنَّا ..} [طه: 99] أي: مباشرة من الله لرسوله. والمتأمّل في تبليغ الرسول وتلقِّيه عن ربه يجد أنه يحافظ على لفظ القرآن، لا يُخْفى منه حرفاً واحداً، كما في قوله تعالى مثلاً: {أية : قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ}تفسير : [الإخلاص: 1] فكان يكفي في تبليغ هذه العبارة أن يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: الله أحد، لكنه يقول نصّ ما جاءه من ربه مباشرة. أرأيتَ لو قلت لولدك: اذهب إلى عمك وقُلْ له: أبي سيزورك غداً، ألاَ يكفي أن يقول الولد: أبي سيزورك غداً؟ إذن: فالقرآن الذي بين آيدينا هو نفسه كلام الله المنزَّل على محمد صلى الله عليه وسلم لم يتغير فيه حرف واحد لا بالزيادة ولا بالنقصان؛ لأنه نصُّ الإعجاز، وما دام نص الإعجاز فلا بُدَّ أنْ يظلَّ كما قاله الله. ومعنى {ذِكْراً} [طه: 99] للذكْر معان متعددة، فيُطلق الذكر، ويُراد به القرآن، كما في قوله تعالى: {أية : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}تفسير : [الحجر: 9]. ويُطلَق ويُراد به الصِّيت والشَّرف والجاه في الدنيا، كما في قوله تعالى: {أية : لَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ ..}تفسير : [الأنبياء: 10] أي: شرفكم ورِفْعتكم بين الناس، وقال: {أية : وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ ..}تفسير : [الزخرف: 44]. وقد يقول قائل: كيف يكون القرآن ذكراً وشرفاً للعرب، وقد أبان عجزهم، وأظهر ما فيهم من عِيٍّ؟ وهل يكون للمغلوب صِيت وشَرف. نقول: كونهم مغلوبين للحق شهادة بأنهم أقوياء، فالقرآن أعجز العرب وهم أمة فصاحة وبلاغة وبيان، والحق - سبحانه وتعالى - حين يتحدى لا يتحدى الضعيف، إنما يتحدى القوي، ومن الفخر أن تقول: غلبت البطل الفلاني، لكن أيّ فخر في أن تقول: غلبت أيّ إنسان عادي؟ وكذلك يُطلَق الذكْر على كل كتاب أنزله الله تعالى، كما قال لرسوله صلى الله عليه وسلم: {أية : فَٱسْأَلُواْ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ}تفسير : [النحل: 43] أي: أهل الذكر قبلكم، وهم أهل التوراة وأهل الإنجيل. ويُطلَق الذكر، ويُراد به فعل العمل الصالح والجزاء من الله عليه، كما قال تعالى: {أية : فَٱذْكُرُونِيۤ أَذْكُرْكُمْ ..}تفسير : [البقرة: 152] أي: اذكروني بالطاعة أذكركم بالخير. ويأتي الذكْر بمعنى التسبيح والتحميد، وبمعنى التذكُّر والاعتبار، فله - إذن - معانٍ متعددة يُحدِّدها السياق. لكن، لماذا اختار كلمة (ذكر) ولم يقل مثلاً كتاباً؟ قالوا: لأن الذكْر معناه أن تذكر الشيء بداية؛ لأنه أمر مهم لا يُنسَى، وهو ذِكْر لأنه يُسْتلهم، ومن الذكر الاعتبار والتذكير، والشيء لا يُذكر إلا إذا كان له أهمية، هذه الأهمية تتناسب مع الأمر من حيث مُدّة أهميته ومقدار أهميته، وكل ذكر لشيء في الدنيا قصارى أمره أنْ يعطيك خير الدنيا، أمّا القرآن فهو الذكر الذي يعطيك خيري الدنيا والآخرة؛ لذلك فهو أهم ذكر يجب أنْ يظلَّ على بالك لا يُنسى أبداً. إذن: فالقرآن ذِكْر ذُكر أولاً، وذِكْر يُذكَر ثانياً، ويستلهم ذكراً يشمل الزمن كله في الدنيا وفي الآخرة. ثم يصف الحق تبارك وتعالى هذا الذكر، فيقول: {مَّنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ ...}.

الصابوني

تفسير : المنَاسَبَة: لما ذكر تعالى قصة موسى بالتفصيل، أعقبها بذكر أنَّ هذا القصص وحيٌ من الله، وأن محمداً صلى الله عليه وسلم ما كان له علم بهذه الأخبار والأنباء العجيبة لولا أن الله تعالى أوحى إِليه، وذلك من أكبر الدلائل والبراهين على صدق الرسالة. اللغَة: {قَاعاً} القاع: الأرض الملساء التي لا نبات فيها ولا بناء {صَفْصَفاً} الصَّفصفُ: المستوي من الأرض كأنه على صفٍّ واحد في استوائه {أَمْتاً} الأمْت: المكان المرتفع كالتلّ والهضبة {هَمْساً} صوتاً خفياً {عَنَتِ} ذلَّت وخضعت قال أميّة: "لعزَّته تعنو الوجوه وتسجد" قال الجوهري: عنا يعنو خضع وذلَّ وأعناه غيره ومنه الآية {وَعَنَتِ ٱلْوُجُوهُ} {هَضْماً} الهضم: النقص يقال: هضمه حقه إِذا أنقصه والفرق بين الظلم والهضم أن الظلم المنع من الحق كله، والهضمُ المنع من بعضه {تَضْحَىٰ} ضحى للشمس برز لها حتى يصيبه حرُّها قال ابن أبي ربيعة: شعر : رأتْ رجلاً أيماً إِذا الشمسُ عارضتْ فيَضْحى وأمَّا بالعشيِّ فينحصر تفسير : {ضَنكاً} الضَّنْك: الضيق والشدة يقال: منزلٌ ضنْك وعيشٌ ضنْك إِذا كان شديداً ضيقاً {سَوْءَاتُهُمَا} عوارتهما {فَتَرَبَّصُواْ} انتظروا {ٱلصِّرَاطِ ٱلسَّوِيِّ} الطريق المستقيم. التفسِير: {كَذٰلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَآءِ مَا قَدْ سَبَقَ} أي كما قصصنا عليك يا محمد خبر موسى مع فرعون وما فيه من الأنباء الغريبة كذلك نقص عليك أخبار الأمم المتقدمين {وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِن لَّدُنَّا ذِكْراً} أي أعطيناك من عندنا قرآناً يتلى منطوياً على المعجزات الباهرة قال في البحر: امتن تعالى عليه بإِيتائه الذكر المشتمل على القصص والأخبار، الدال على معجزات أُوتيها عليه السلام {مَّنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وِزْراً} أي من أعرض عن هذا القرآن فلم يؤمن به ولم يتَّبع ما فيه، فإِنه يحمل يوم القيامة حملاً ثقيلاً، وذنباً عظيماً يثقله في جهنم {خَالِدِينَ فِيهِ وَسَآءَ لَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ حِمْلاً} أي مقيمين في ذلك العذاب بأوزارهم، وبئس ذلك الحمل الثقيل حملاً لهم، شُبِّه الوزرُ بالحمل لثقله {يَوْمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِ وَنَحْشُرُ ٱلْمُجْرِمِينَ يَوْمِئِذٍ زُرْقاً} أي يوم ينفخ إسرافيل في الصور النفخة الثانية، ونحشر المجرمين إلى أرض المحشر زُرق العيون سود الوجوه قال القرطبي: تُشوه خلقتُهم بزرقة العيون وسواد الوجوه {يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ عَشْراً} أي يتهامسون بينهم ويسرُّ بعضهم إِلى بعض قائلين: ما مكثتم في الدنيا إِلا عشر ليال قال أبو السعود: استقصروا مدة لبثهم فيها لما عاينوا الشدائد والأهوال {نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ يَوْماً} أي نحن أعلم بما يتناجون بينهم إِذ يقول أعقلهم وأعدلهم قولاً ما لبثتم إِلا يوماً واحداً {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً} أي ويسألونك عن حال الجبال يوم القيامة فقل لهم: إِن ربي يفتِّتها كالرمل ثم يرسل عليها الرياح فيطيّرها {فَيَذَرُهَا قَاعاً صَفْصَفاً} أي فيتركها أرضاً ملساء مستوية لا نبات فيها ولا بناء {لاَّ تَرَىٰ فِيهَا عِوَجاً وَلاۤ أَمْتاً} أي لا ترى فيها انخفاضاً ولا ارتفاعاً {يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ ٱلدَّاعِيَ لاَ عِوَجَ لَهُ} أي في ذلك اليوم العصيب يتَّبع الناس داعي الله الذي يدعوهم لأرض المحشر يأتونه سراعاً لا يزيغون عنه ولا ينحرفون {وَخَشَعَتِ ٱلأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَـٰنِ} أي ذلَّت وسكنت أصوات الخلائق هيبةً من الرحمن جل وعلا {فَلاَ تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْساً} أي لا تسمع إِلا صوتاً خفياً لا يكاد يُسمع وعن ابن عباس: هو همسُ الأقدام في مشيها نحو المحشر {يَوْمَئِذٍ لاَّ تَنفَعُ ٱلشَّفَاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً} أي في ذلك اليوم الرهيب لا تنفع الشفاعة أحداً إِلاّ لمن أذن له الرحمن في أن يشفع له، ورضي لأجله شفاعة الشافع، وهو الذي كان في الدنيا من أهل لا إِله إِلا الله، قاله ابن عباس {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ} أي يعلم تعالى أحوال الخلائق فلا تخفى عليه خافية من أمور الدنيا وأمور الآخرة {وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً} أي لا تحيط علومهم بمعلوماته جل وعلا {وَعَنَتِ ٱلْوُجُوهُ لِلْحَيِّ ٱلْقَيُّومِ} أي ذلت وخضعتْ وجوه الخلائق للواحد القهار جبار السماوات والأرض الذي لا يموت قال الزمخشري: المراد بالوجوه وجوهُ العصاة وأنهم إِذا عاينوا يوم القيامة الخبية والشقوة وسوء الحساب، صارت وجوهُهم عانيةً أي ذليلة خاضعة مثل وجوه العُناة وهم الأسارى كقوله {أية : سِيئَتْ وُجُوهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} تفسير : [الملك: 27] {وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً} أي خسر من أشرك بالله، ولم ينجح ولا ظفر بمطلوبه {وَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ} أي من قدَّم الأعمال الصالحة بشرط الإِيمان {فَلاَ يَخَافُ ظُلْماً وَلاَ هَضْماً} أي فلا يخاف ظلماً بزيادة سيئاته، ولا بخساً ونقصاً لحسناته {وَكَذٰلِكَ أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً} أي مثل إِنزال الآيات المشتملة على القصص العجيبة أنزلنا هذا الكتاب عليك يا محمد بلغة العرب ليعرفوا أنه في الفصاحة والبلاغة خارج عن طوق البشر {وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ ٱلْوَعِيدِ} أي كررنا فيه الإِنذار والوعيد {لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً} أي كي يتقوا الكفر والمعاصي أو يحدث لهم موعظة في القلوب ينشأ عنها امتثال الأوامر واجتناب النواهي {فَتَعَٰلَى ٱللَّهُ ٱلْمَلِكُ ٱلْحَقُّ} أي جلَّ الله وتقدَّس الملك الحق الذي قهر سلطانه كل جبار عمّا يصفه به المشركون من خلقه {وَلاَ تَعْجَلْ بِٱلْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَىٰ إِلَيْكَ وَحْيُهُ} أي إِذا أقرأك جبريل القرآن فلا تتعجل بالقراءة معه، بل استمعْ إِليهِ واصبر حتى يفرغَ من تلاوته وحينئذٍ تقرأه أنت قال ابن عباس: كان عليه السلام يبادر جبريل فيقرأ قبل أن يفرغ جبريل من الوحي حرصاً على حفظ القرآن ومخافة النسيان فنهاه الله عن ذلك قال القرطبي: وهذا كقوله تعالى {أية : لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ} تفسير : [القيامة: 16] {وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً} أي سلْ الله عز وجل زيادة العلم النافع قال الطبري: أمره بمسألته من فوائد العلم ما لا يعلم {وَلَقَدْ عَهِدْنَآ إِلَىٰ ءَادَمَ مِن قَبْلُ} أي وصيناه أن لا يأكل من الشجرة من القديم {فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً} أي نسي أمرنا ولم نجد له حزماً وصبراً عمّا نهيناه عنه {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لأَدَمََ فَسَجَدُوۤاْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَىٰ} يذكر تعالى تشريف آدم وتكريمه وما فضّله به على كثير من الخلق أي واذكر يا محمد حين أمرنا الملائكة بالسجود لآدم سجود تحيةٍ وتكريم فامتثلوا الأمر إِلا إِبليس فإِنه أبى السجود وعصى أمر ربه قال الصاوي: كررت هذه القصة في سبع سور من القرآن تعليماً للعباد امتثال الأوامر، واجتناب النواهي وتذكيراً لهم بعداوة إِبليس لأبيهم آدم {فَقُلْنَا يآءَادَمُ إِنَّ هَـٰذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ} أي ونبهنا آدم فقلنا له إِن إِبليس شديد العداوة لك ولحواء {فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ ٱلْجَنَّةِ فَتَشْقَىٰ} أي لا تطيعاه فيكون سبباً لإِخراجكما من الجنة فتشقيان، وإِنما اقتصر على شقائه مراعاةُ للفواصل ولاستلزام شقائه لشقائها قال ابن كثير: المعنى إِيّاك أن تسعى في إِخراجك من الجنة فتتعب وتشقى في طلب رزقك، فإِنك هٰهنا في عيشٍ رغيدٍ، بلا كلفةٍ ولا مشقة {إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلاَ تَعْرَىٰ} أي إِنَّ لك يا آدم ألاَّ ينالك في الجنة الجوعُ ولا العريُ {وَأَنَّكَ لاَ تَظْمَأُ فِيهَا وَلاَ تَضْحَىٰ} أي ولك أيضاً ألاّ يصيبك العطش فيها ولا حر الشمس، لأن الجنة دار السرور والحبور، لا تعب فيها ولا نصب، ولا حر ولا ظمأ بخلاف دار الدنيا {فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ ٱلشَّيْطَانُ} أي حدَّثه خفيةً بطريق الوسوسة {قَالَ يٰآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ ٱلْخُلْدِ وَمُلْكٍ لاَّ يَبْلَىٰ} أي قال له إِبليس اللعين: هل أدلك يا آدم على شجرةٍ من أكل منها خُلّد ولم يمت أصلاً، ونال المُلك الدائم الذي لا يزول أبداً؟ وهذه مكيدة ظاهرها النصيحة ومتى كان اللعين ناصحاً؟ {فَأَكَلاَ مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا} أي أكل آدم وحواء من الشجرة التي نهاهما الله عنها فظهرت لهما عوراتهما قال ابن عباس: عريا عن النور الذي كان الله تعالى قد ألبسهما إِياه حتى بدت فروجهما {وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ ٱلْجَنَّةِ} أي شرعا يأخذان من أوراق الجنة ويغطيان بها عوراتهما ليستترا بها {وَعَصَىٰ ءَادَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ} أي خالف آدم أمر ربه بالأكل من الشجرة فضلَّ عن المطلوب الذي هو الخلود في الجنة حيث اغتر بقول العدوّ قال أبو السعود: وفي وصفه بالعصيان والغِواية - مع صغر زلته - تعظيمٌ لها وزجرٌ بليغ لأولاده عن أمثالها {ثُمَّ ٱجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَىٰ} أي ثم اصطفاه ربه فقرَّبه إِليه وقبل توبته وهداه إِلى الثبات على التوبة والتمسك بأسباب الطاعة {قَالَ ٱهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ} أي قال الله لآدم وحواء: إِنزلا من الجنة إِلى الأرض مجتمعين بعضُ ذريتكما لبعض عدوٌّ بسبب الكسب والمعاش واختلاف الطبائع والرغبات قال الزمخشري: لما كان آدم وحواء أصلي البشر جُعلا كأنهما البشر في أنفسهما فخوطبا مخاطبتهم {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى} أي فإِن جاءكم من جهتي الكتب والرسل لهدايتكم {فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَىٰ} أي فمن تمسَّك بشريعتي واتَّبع رسلي فلا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة قال ابن عباس: ضمن الله تعالى لمن قرأ القرآن وعمل بما فيه ألاّ يضلَّ في الدنيا، ولا يشقى في الآخرة وتلا الآية {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً} أي ومن أعرض عن أمري وما أنزلته على رسلي من الشرائع والأحكام فإِن له في الدنيا معيشة قاسيةً شديدة وإِن تنعَّم ظاهره {وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ ٱلْقِيامَةِ أَعْمَىٰ} أي ونحشره في الآخرة أعمى البصر قال ابن كثير: من أعرض عن أمر الله وتناساه فإِن له حياة ضنكاً في الدنيا، فلا طمأنينة له ولا انشراح لصدره، بل صدره ضيِّقٌ حرج لضلالة وإِن تنعَّم ظاهره ولبس ما شاء، وأكل ما شاء، وسكن حيث شاء، فإِن قلبه في قلقٍ وحيرة وشك، وقيل: يُضيَّق عليه قبره حتى تختلف أضلاعة فيه {قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِيۤ أَعْمَىٰ وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً} أي قال الكافر: يا رب بأي ذنبٍ عاقبتني بالعمى وقد كنت في الدنيا بصيراً؟ {قَالَ كَذٰلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذٰلِكَ ٱلْيَوْمَ تُنْسَىٰ} أي قال الله تعالى له: لقد أتتك آياتنا وضحة جلية فتعاميتَ عنها وتركتها، وكذلك تُترك اليوم في العذاب جزاءً وفاقاً {وَكَذٰلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِن بِآيَاتِ رَبِّهِ} أي ومثل ذلك الجزاء الموافق للخيانة والتكذيب بآيات الله نعاقب من أسرف بالانهماك في الشهوات، ولم يصدّق بكلام ربه وآياته البينات {وَلَعَذَابُ ٱلآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَىٰ} أي عذاب جهنم أشدُّ من عذاب الدنيا لأنَّ عذابها أدوم وأثبت لأنه لا ينقطع ولا ينقضي {أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّنَ ٱلْقُرُونِ} أي أفلم يتبيَّن لكفار مكة الذين كذبوك كم أهلكنا قبلهم من الأمم الخالية المكذبين لرسلهم {يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ} أي يرون مساكن عاد وثمود ويعاينون آثار هلاكهم أفلا يتعظون ويعتبرون؟ {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لأُوْلِي ٱلنُّهَىٰ} أي إِنَّ في آثار هذه الأمم البائدة لدلالات وعِبراً لذوي العقول السليمة {وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَكَانَ لِزَاماً وَأَجَلٌ مُّسَمًّى} أي لولا قضاءُ الله بتأخير العذاب عنهم ووقتٌ مسمى لهلاكهم لكان العذاب واقعاً بهم قال الفراء: في الآية تقديم وتأخيرٌ والمعنى ولولا كلمةٌ وأجلٌ مسمَّى لكان لزاماً أي لكان العذاب لازماً لهم، وإِنما أخَّره لتعتدل رءوس الآي {فَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ} أي فاصبر يا محمد على ما يقول هؤلاء المكذبون من قومك {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا} أي صلّ وأنت حامد لربك قبل طلوع الشمس صلاة الصبح، وقبل غروبها صلاة العصر {وَمِنْ آنَآءِ ٱلْلَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ ٱلنَّهَارِ} أي وصلِّ لربك في ساعات الليل وفي أول النهار وآخره {لَعَلَّكَ تَرْضَىٰ} أي لعلَّك تُعطى ما يرضيك قال القرطبي: أكثر المفسرين أن هذه الآية إشارة إِلى الصلوات الخمس {قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ} صلاة الصبح {وَقَبْلَ غُرُوبِهَا} صلاة العصر {وَمِنْ آنَآءِ ٱلْلَّيْلِ} صلاة العشاء {وَأَطْرَافَ ٱلنَّهَارِ} صلاة المغرب والظهر، لأن الظهر في آخر طرف النهار الأول، وغروب الشمس آخر طرف النهار الأخير {وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ} أي لا تنظر إِلى ما متعنا به أصنافاً من الكفار من نعيم الدنيا وبهرجها الخادع {زَهْرَةَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} أي زينة الحياة الدنيا {لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ} أي لنبتليهم ونختبرهم بهذا النعيم حتى يستوجبوا العذاب بكفرهم {وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ} أي ثواب الله خير من هذا النعيم الفاني وأدوم قال المفسرون: الخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم والمراد به أُمته لأنه عليه السلام كان أزهد الناس في الدنيا وأشدَّ رغبة فيما عند الله {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِٱلصَّلاَةِ وَٱصْطَبِرْ عَلَيْهَا} أي وأُمر يا محمد أهلك وأمتك بالصلاة واصبر أنت على أدائها بخشوعها وآدابها {لاَ نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَّحْنُ نَرْزُقُكَ} أي لا نكلفك أن ترزق نفسك وأهلك بل نحن نتكفل برزقك وإِياهم {وَٱلْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَىٰ} أي العاقبة الحميدة لأهل التقوى قال ابن كثير: أي حسن العاقبة وهي الجنة لمن اتقى الله {وَقَالُواْ لَوْلاَ يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِّن رَّبِّهِ} أي قال المشركون هلاّ يأتينا بمعجزة تدل على صدقه؟ {أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي ٱلصُّحُفِ ٱلأُولَىٰ} أي أولم يكتفوا بالقرآن المعجزة الكبرى لمحمد عليه السلام المحتوي على أخبار الأمم الماضية؟ والاستفهام للتوبيخ والتقريع قال في البحر: اقترح المشركون ما يختارون على ديدنهم في التعنت فأجيبوا بأن هذا القرآن الذي سبق التبشير به في الكتب الإِلهية السابقة أعظم الآيات في الإِعجاز وهو الآية الباقية إِلى يوم القيامة {وَلَوْ أَنَّآ أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ} أي لو أنا أهلكنا كفار مكة من قبل نزول القرآن وبعثة محمد عليه السلام {لَقَالُواْ رَبَّنَا لَوْلاۤ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً} أي لقالوا يا ربنا هلاّ أرسلت إِلينا رسولاً حتى نؤمن به ونتَّبعه {فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخْزَىٰ} أي فنتمسك بآياتك من قبل أن نذلّ بالعذاب ونفتضح على رءوس الأشهاد قال المفسرون: أراد تعالى أن يبيّن أنه لا حجة لأحد على الله بعد إِرسال الرسل وإِنزال الكتب فلم يترك لهم حجة ولا عذراً {قُلْ كُلٌّ مُّتَرَبِّصٌ} أي قل يا محمد لهؤلاء المكذبين كلٌ منا ومنكم منتظر دوائر الزمان ولمن يكون النصر {فَتَرَبَّصُواْ} أمر تهديد أي فانتظروا العاقبة والنتيجة {فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ ٱلصِّرَاطِ ٱلسَّوِيِّ} أي فستعلمون عن قريب من هم أصحاب الطريق المستقيم هل نحن أم أنتم؟ {وَمَنِ ٱهْتَدَىٰ} أي اهتدى إِلى الحق وسبيل الرشاد ومن بقي على الضلال قال القرطبي: وفي هذا ضربٌ من الوعيد والتخويف والتهديد ختمت به السورة الكريمة. البَلاَغَة: تضمنت الآيات الكريمة من وجوه الفصاحة والبيان والبديع ما يلي: 1- التشبيه {كَذٰلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ} وهو تشبيه مرسل مجمل. 2- الاستعارة {وَسَآءَ لَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ حِمْلاً} شبَّه الوزر بالحمل الثقيل بطريق الاستعارة التصريحية. 3- الكناية {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ} كناية عن أمر الدنيا وأمر الآخرة. 4- الطباق بين {أَعْمَىٰ.. بَصِيراً}. 5- التشبيه التمثيلي {زَهْرَةَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} مثَّل لنعم الدنيا بالزهر وهو النور لأن الزهر له منظر حسن ثم يذبل ويضمحل وكذلك نعيم الدنيا. 6- الوعيد والتهديد {فَتَرَبَّصُواْ}. 7- جناس الاشتقاق {أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً}. 8- السجع اللطيف غير المتكلف مثل {ظُلْماً}، {هَضْماً}، {عِلْماً}، ومثل {تَشْقَىٰ}، {تَعْرَىٰ}، {تَرْضَىٰ} الخ.... لطيفَة: قال الناصر: في الآية سرٌ بديع من البلاغة يسمى قطع النظير عن النظير، وذلك أنه قطع الظمأ عن الجوع، والضحو عن الكسوة مع ما بينهما من التناسب، والغرض من ذلك تحقيق تعداد هذه النعم وتصنيفها، ولو قرن كلاً بشكله لتوهم أن المعدودات نعمة واحدة، على أن في الآية سراً آخر وهو قصد تناسب الفواصل، ولو قرن الظمأ بالجوع لانتثر سلك رءوس الآي. فَائِدَة: قال الشهاب: ليس المراد بحكاية قول من قال {عَشْراً} أو {يَوْماً} أو {سَاعَةً} حقيقة اختلافهم في مدة اللبث، ولا الشك في تعيينه، بل المراد أنه لسرعة زواله عبرَّ عن قلته بما ذكر، فتفنن في الحكاية وأتى في كل مقام بما يليق به.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {كَذٰلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ} معناه نُخبِرُ. و: {مِنْ أَنْبَآءِ مَا قَدْ سَبَقَ} أَي قَد مَضَى.

الجيلاني

تفسير : {كَذٰلِكَ} أي: مثلما أوحينا إلى موسى لأهداء قومه وإهلاك عدوه، وأوحينا إليكَ يا أكمل الرسل قصص السابقين؛ ليعتبر من هلاك عدوهم من عاداك، ويفرح من إهداء صديقهم مَن صدّقك وآمن بك؛ إذ {نَقُصُّ عَلَيْكَ} قصصهم مع كونك خالي الذهن {مِنْ أَنْبَآءِ مَا قَدْ سَبَقَ} بمدة مديدة {وَقَدْ آتَيْنَاكَ} امتناناً لك {مِن لَّدُنَّا} بلا واسطة معلم ومرشد {ذِكْراً} [طه: 99] كلاماً جامعاً يذكرك جميع ما في الكتب السالفة من الحقائق والأحكام والقصص على الوجه الأثم الأبلغ. {مَّنْ أَعْرَضَ عَنْهُ} أي: عن القرآن بعد نزوله، وتشبث بغيره من الكتب المنسوخة {فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وِزْراً} [طه: 100] أي: إثماً ثقيلاً لأخذه بالمنسوخ وترك الناسخ. بحيث يكون {خَالِدِينَ فِيهِ} فيها؛ أي: فيما يترتب عليه في ويم الجزاء من العذاب الأيدي {وَسَآءَ لَهُمْ} أي: لحامليهم {يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} المخففة للحمل لأرباب العناية {حِمْلاً} [طه: 101] ثقيلاً بوقعهم إلى النار. {يَوْمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِ} لأخراج ما بالقوة إلى الفعل {وَنَحْشُرُ ٱلْمُجْرِمِينَ} المشركين {يَوْمِئِذٍ زُرْقاً} [طه: 102] زرق العيون سود الوجوه، وهما كنايتان عن الحسد والنفاق اللذَين هم عليهما في دار الدنيا. وإذا ظهر لهم قبائحهم الكامنة فيهم في الدنيا {يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ} أي: يتكلمون خيفة فيما بينهم هكذا، هذه القبائح التي ظهرت علينا من أوصافنا التي كنا عليها في دار الدنيا زماناً قليلاً، فبعضهم يقول للبعض: {إِن لَّبِثْتُمْ} أي: ما مكثتم في الدنيا {إِلاَّ عَشْراً} [طه: 103] من الليالي، وبعضهم يقلل من ذلك، وبعضهم يقلل منه أيضاً، وهم يخفون أحوالهم لئلا يطلع عليها أحد. وكيف يخفون عنا؛ إذ {نَّحْنُ أَعْلَمُ} بمقتضى حضرة علمنا {بِ} جميع {مَا يَقُولُونَ} من الأقوال المتعارضة، ولا تذكر إلا ما هو أقرب للصواب {إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً} أي: أميلهم وأقربهم إلى الصواب {إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ يَوْماً} [طه: 104] واستصغارهم مدة الدنيا، إنما هو من طول يوم الجزاء. {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْجِبَالِاً} في ذلك اليوم أهي على قرارها وقوامها حتى يؤوى إليها أملا لا؟ {فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْف} [طه: 105] أي: يسحقها سحقاً كلياً كأنه خرج عن المناخل الدقيقة، {فَيَذَرُهَا} أي: يترك الأرض بعد نسف الحبال {قَاعاً} سطحاً مستوياً {صَفْصَفاً} [طه: 106] ملساء. بحيث: {لاَّ تَرَىٰ} أيها الرائي {فِيهَا عِوَجاً وَلاۤ أَمْتاً} [طه: 107] نتواً وربوةً لاستوائه. {يَوْمَئِذٍ} أي: وقت نفخ الصور لاجتماع الناس إلى المحشر {يَتَّبِعُونَ ٱلدَّاعِيَ} الذي هو إسرافيل؛ أي: يجتمعون عنده كل واحد منهم بطريق {لاَ عِوَجَ لَهُ} لاستواء الأرض، وعدم المانع من العقباب والأغوار {وَ} في ذلك اليوم {خَشَعَتِ ٱلأَصْوَاتُ} أي: خفضت وخفيت أصواتهم وقت الدعاء {لِلرَّحْمَـٰنِ} من شدة أهوال ذلك اليوم؛ بحيث إذا أصغيت إلى سماع أقوالهم {فَلاَ تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْساً} [طه: 108] ذِكراً خفياً. {يَوْمَئِذٍ لاَّ تَنفَعُ ٱلشَّفَاعَةُ} أي: شفاعة كل أحد من الناجين كل واحد من العاصين {إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ} بالشفاعة لبعض العصاة من أرباب العناية في ذلك اليوم {وَ} مع إذنه سبحانه له {رَضِيَ لَهُ قَوْلاً} [طه: 109] أي: تعلق رضاه سبحانه الشفعي وقت الشفاعة. وإنما أذن ورضي سبحانه بالشفاعة للبعض؛ لأنه سبحانه {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ} أي: يحيط علمه بجميع أحوالهم من العصيان الطاعة، وبأن أي: عصيان يزول بالشفاعة، وأي: عاصٍ يستحقها {وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً} [طه: 110] بدقائق معلومات وأفعاله وآثاره. {وَ} في ذلك اليوم {عَنَتِ ٱلْوُجُوهُ} أي: هلكت وجوه الأشياء؛ أي: ظهورها وبقي الوجه الذي هو {لِلْحَيِّ ٱلْقَيُّومِ} المنزه عن الظهور والبطون، المقدس عن الحركة والسكون {وَقَدْ خَابَ} وخسر خسراناً مبيناً في ذلك اليوم {مَنْ حَمَلَ ظُلْماً} [طه: 111] شركاً بالله الواحد القهار. {وَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّالِحَاتِ} في الدنيا {وَهُوَ مُؤْمِنٌ} موقن بوحدانية الله {فَلاَ يَخَافُ} في ذلك اليوم {ظُلْماً} بأن يحبط أعماله الصالحة بالكلية، ولم يجز بها {وَلاَ هَضْماً} [طه: 112] بأن ينقص من جزاء عمله الصالح. {وَكَذٰلِكَ} أي: مثل إحاطة علمنا بجميع الأشياء {أَنزَلْنَاهُ} أي: هذا الكتاب المحيط بجميع ما في العالم؛ إذ لا رطب ولا يابس إلا فيه {قُرْآناً عَرَبِيّاً} أي: كلاماً عربيَّ الأسلوب {وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ ٱلْوَعِيدِ} أي: كثر تصرفنا فيه من الإنذارات والتخويفات {لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} رجاء أن يتوجهوا إلى توحيدنا ويجتنبوا عن شركنا {أَوْ يُحْدِثُ} ويجدد وعيد القرآن {لَهُمْ ذِكْراً} [طه: 113] من أحوال الماضين، وعقاب الله عليهم من الغرق والمسخ والكسف والخسف لعلهم يتذكرون. وإن قالوا على سبيل المكابرة عتواً وعناداً: لربك حاجة إلى إيماننا وتقوانا، وإلا لِمَ يرجوا إيماننا؟ قل لهم يا أكمل الرسل: {فَتَعَٰلَى ٱللَّهُ} أي: تنزه وتقدس {ٱلْمَلِكُ} المستولي المطلق {ٱلْحَقُّ} الثابت الدائم أزلاً وأبداً عما يقول الظالمون المشركون من إثبات الاحتياج له بمجرد الرخاء العائد نفعه إياهم أيضاً. {وَ} إذا كان ظنهم هذا {لاَ تَعْجَلْ} يا أكمل الرسل {بِٱلْقُرْءانِ} أي: بأدائه وتبليغه لهم وقراءته عليهم {مِن قَبْلِ أَن يُقْضَىٰ إِلَيْكَ وَحْيُهُ} أي: من قبل أن يفرغ جبرائيل عليه السلام من وحيه وتبليغه، بل أصبر حتى يفرغ من الوحي، ثم تأمل في مرمزاته وإشاراته الخفية بدقر استعدادك {وَ} بعد التأمل والتدبر {قُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً} [طه: 114] بما فيه من نفائس المعلومات وعجائب المعارف والحقائق.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يمتن الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم بما قصه عليه من أنباء السابقين، وأخبار السالفين، كهذه القصة العظيمة، وما فيها من الأحكام وغيرها، التي لا ينكرها أحد من أهل الكتاب، فأنت لم تدرس أخبار الأولين، ولم تتعلم ممن دراها، فإخبارك بالحق اليقين من أخبارهم، دليل على أنك رسول الله حقا، وما جئت به صدق، ولهذا قال: { وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا } أي: عطية نفيسة، ومنحة جزيلة من عندنا. { ذِكْرًا } وهو هذا القرآن الكريم، ذكر للأخبار السابقة واللاحقة، وذكر يتذكر به ما لله تعالى من الأسماء والصفات الكاملة، ويتذكر به أحكام الأمر والنهي، وأحكام الجزاء، وهذا مما يدل على أن القرآن مشتمل على أحسن ما يكون من الأحكام، التي تشهد العقول والفطر بحسنها وكمالها، ويذكر هذا القرآن ما أودع الله فيها، وإذا كان القرآن ذكرا للرسول ولأمته، فيجب تلقيه بالقبول والتسليم والانقياد والتعظيم، وأن يهتدى بنوره إلى الصراط المستقيم، وأن يقبلوا عليه بالتعلم والتعليم. وأما مقابلته بالإعراض، أو ما هو أعظم منه من الإنكار، فإنه كفر لهذه النعمة، ومن فعل ذلك، فهو مستحق للعقوبة، ولهذا قال: { مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ } فلم يؤمن به، أو تهاون بأوامره ونواهيه، أو بتعلم معانيه الواجبة { فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا } وهو ذنبه، الذي بسببه أعرض عن القرآن، وأولاه الكفر والهجران، { خَالِدِينَ فِيهِ } أي: في وزرهم، لأن العذاب هو نفس الأعمال، تنقلب عذابا على أصحابها، بحسب صغرها وكبرها. { وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلا } أي: بئس الحمل الذي يحملونه، والعذاب الذي يعذبونه يوم القيامة، ثم استطرد، فذكر أحوال يوم القيامة وأهواله فقال: { يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ ...}.