٢٠ - طه
20 - Ta-Ha (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
105
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما وصف أمر يوم القيامة حكى سؤال من لم يؤمن بالحشر فقال: {وَيَسْـئَلُونَكَ عَنِ ٱلْجِبَالِ } وفي تقرير هذا السؤال وجوه. أحدها: أن قوله: { أية : يَتَخَـٰفَتُونَ } تفسير : [طه: 103] وصف من الله تعالى لكل المجرمين بذلك، فكأنهم قالوا: كيف يصح ذلك والجبال حائلة ومانعة من هذا التخافت وثانيها: قال الضحاك: نزلت في مشركي مكة قالوا: يا محمد كيف تكون الجبال يوم القيامة؟ وكان سؤالهم على سبيل الاستهزاء. وثالثها: لعل قومه قالوا: يا محمد إنك تدعي أن الدنيا ستنقضي فلو صح ما قلته لوجب أن تبتدىء أولاً بالنقصان ثم تنتهي إلى البطلان، لكن أحوال العالم باقية كما كانت في أول الأمر، فكيف يصح ما قلته من خراب الدنيا؟ وهذه شبهة تمسك بها جالينوس في أن السموات لا تفنى، قال: لأنها لو فنيت لابتدأت في النقصان أولاً حتى ينتهي نقصانها إلى البطلان، فلما لم يظهر فيها النقصان علمنا أن القول بالبطلان باطل، ثم أمر الله تعالى رسوله بالجواب عن هذا السؤال وضم إلى الجواب أموراً أخر في شرح أحوال القيامة وأهوالها. الصفة الأولى: قوله: {فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبّي نَسْفاً } وفيه مسائل: المسألة الأولى: إنما قال: {فَقُلْ } مع فاء التعقيب لأن مقصودهم من هذا السؤال الطعن في الحشر والنشر، فلا جرم أمره بالجواب مقروناً بفاء التعقيب. لأن تأخير البيان في مثل هذه المسألة الأصولية غير جائز، أما في المسائل الفروعية فجائزة، لذلك ذكر هناك قل من غير حرف التعقيب. المسألة الثانية: الضمير في قوله: {يَنسِفُهَا } عائد إلى الجبال والنسف التذرية، أي تصير الجبال كالهباء المنثور تذرى تذرية فإذا زالت الجبال الحوائل فيعلم صدق قوله: {يَتَخَـٰفَتُونَ } قال الخليل: {يَنسِفُهَا } أي يذهبها ويطيرها، أما الضمير في قوله: {فَيَذَرُهَا } فهو عائد إلى الأرض فاستغنى عن تقديم ذكرها كما في عادة الناس من الإخبار عنها بالإضمار كقولهم: ما عليها أكرم من فلان وقال تعالى: {مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ } وإنما قال: {فَيَذَرُهَا قَاعاً صَفْصَفاً } ليبين أن ذلك النسف لا يزيل الاستواء لئلا يقدر أنها لما زالت من موضع إلى موضع آخر صارت هناك حائلة، هذا كله إذا كان المقصود من سؤالهم الاعتراض على كيفية المخافتة، أما لو كان الغرض من السؤال ما ذكرنا من أنه لا نقصان فيها في الحال فوجب أن لا ينتهي أمرها إلى البطلان، كان تقرير الجواب: أن بطلان الشيء قد يكون بطلاناً يقع توليدياً، فحينئذ يجب تقديم النقصان على البطلان وقد يكون بطلاناً يقع دفعة واحدة، وههنا لا يجب تقديم النقصان على البطلان، فبين الله تعالى أنه يفرق تركيبات هذا العالم الجسماني دفعة بقدرته ومشيئته فلا حاجة ههنا إلى تقديم النقصان على البطلان. المسألة الثالثة: أنه تعالى وصف الأرض ذلك الوقت بصفات. أحدها: كونها قاعاً وهو المكان المطمئن وقيل مستنقع الماء. وثانيها: الصفصف وهو الذي لا نبات عليه. وقال أبو مسلم: القاع الأرض الملساء المستوية وكذلك الصفصف. وثالثها: قوله: {لاَّ تَرَىٰ فِيهَا عِوَجاً وَلا أَمْتاً } وقال صاحب «الكشاف»: قد فرقوا بين العِوج والعَوج فقالوا: العوج بالكسر في المعاني والعوج بالفتح في الأعيان، فإن قيل: الأرض عين فكيف صح فيها المكسور العين؟ قلنا: اختيار هذا اللفظ له موقع بديع في وصف الأرض بالاستواء ونفي الاعوجاج، وذلك لأنك لو عمدت إلى قطعة أرض فسويتها وبالغت في التسوية فإذا قابلتها المقاييس الهندسية وجدت فيها أنواعاً من العوج خارجة عن الحس البصري. قال فذاك القدر في الاعوجاج لما لطف جداً ألحق بالمعاني فقيل فيه: عوج بالكسر، واعلم أن هذه الآية تدل على أن الأرض تكون ذلك اليوم كرة حقيقية لأن المضلع لا بد وأن يتصل بعض سطوحه بالبعض لا على الاستقامة بل على الاعوجاج وذلك يبطله ظاهر الآية. ورابعها: الأمت النتوء اليسير، يقال: مد حبله حتى ما فيه أمت وتحصل من هذه الصفات الأربع أن الأرض تكون ذلك اليوم ملساء خالية عن الارتفاع والانخفاض وأنواع الانحراف والإعوجاج. الصفة الثانية: ليوم القيامة قوله: {يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ ٱلدَّاعِىَ لاَ عِوَجَ لَهُ } وفي الداعي قولان: الأول: أن ذلك الداعي هو النفخ في الصور وقوله: {لاَ عِوَجَ لَهُ } أي لا يعدل عن أحد بدعائه بل يحشر الكل. الثاني: أنه ملك قائم على صخرة بيت المقدس ينادي ويقول: أيتها العظام النخرة، والأوصال المتفرقة، واللحوم المتمزقة، قومي إلى ربك للحساب والجزاء. فيسمعون صوت الداعي فيتبعونه، ويقال: إنه إسرافيل عليه السلام يضع قدمه على الصخرة فإن قيل هذا الدعاء يكون قبل الإحياء أو بعده؟ قلنا: إن كان المقصود بالدعاء إعلامهم وجب أن يكون ذلك بعد الإحياء لأن دعاء الميت عبث وإن لم يكن المقصود إعلامهم بل المقصود مقصود آخر مثل أن يكون لطفاً للملائكة ومصلحة لهم فذلك جائز قبل الإحياء. الصفة الثالثة: قوله: {وَخَشَعَتِ ٱلأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَـٰنِ فَلاَ تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْساً } وفيه وجوه: أحدها: خشعت الأصوات من شدة الفزع وخضعت وخفيت فلا تسمع إلا همساً وهو الذكر الخفي، قال أبو مسلم: وقد علم الإنس والجن بأن لا مالك لهم سواه فلا يسمع لهم صوت يزيد على الهمس وهو أخفى الصوت ويكاد يكون كلاماً يفهم بتحريك الشفتين لضعفه. وحق لمن كان الله محاسبه أن يخشع طرفه ويضعف صوته ويختلط قوله ويطول غمه. وثانيها: قال ابن عباس رضي الله عنهما والحسن وعكرمة وابن زيد: الهمس وطء الأقدام، فالمعنى أنه لا تسمع إلا خفق الأقدام ونقلها إلى المحشر. الصفة الرابعة: قوله: {يَوْمَئِذٍ لاَّ تَنفَعُ ٱلشَّفَاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَرَضِىَ لَهُ قَوْلاً } قال صاحب «الكشاف»: من يصلح أن يكون مرفوعاً ومنصوباً فالرفع على البدل من الشفاعة بتقدير حذف المضاف إليه أي لا تنفع الشفاعة إلا شفاعة من أذن له الرحمن والنصب على المفعولية، وأقول: الاحتمال الثاني أولى لوجوه: الأول: أن الأول يحتاج فيه إلى الإضمار وتغيير الأعراب والثاني: لا يحتاج فيه إلى ذلك. والثاني: أن قوله تعالى: {لاَّ تَنفَعُ ٱلشَّفَاعَةُ } يراد به من يشفع بها والاستثناء يرجع إليهم فكأنه قال: لا تنفع الشفاعة أحداً من الخلق إلا شخصاً مرضياً. والثالث: وهو أن من المعلوم بالضرورة أن درجة الشافع درجة عظيمة فهي لا تحصل إلا لمن أذن الله له فيها وكان عند الله مرضياً، فلو حملنا الآية على ذلك صارت جارية مجرى إيضاح الواضحات، أما لو حملنا الآية على المشفوع له لم يكن ذلك إيضاح الواضحات فكان ذلك أولى، إذا ثبت هذا فنقول: المعتزلة قالوا: الفاسق غير مرضي عند الله تعالى فوجب أن لا يشفع الرسول في حقه لأن هذه الآية دلت على أن المشفوع له لا بد وأن يكون مرضياً عند الله. واعلم أن هذه الآية من أقوى الدلائل على ثبوت الشفاعة في حق الفساق لأن قوله ورضي له قولاً يكفي في صدقه أن يكون الله تعالى قد رضي له قولاً واحداً من أقواله، والفاسق قد ارتضى الله تعالى قولاً واحداً من أقواله وهو: شهادة أن لا إله إلا الله. فوجب أن تكون الشفاعة نافعة له لأن الاستثناء من النفي إثبات فإن قيل إنه تعالى استثنى عن ذلك النفي بشرطين: أحدهما: حصول الإذن. والثاني: أن يكون قد رضي له قولاً، فهب أن الفاسق قد حصل فيه أحد الشرطين وهو أنه تعالى قد رضي له قولاً، لكن لم قلتم إنه أذن فيه، وهذا أول المسألة قلنا: هذا القيد وهو أنه رضي له قولاً كافٍ في حصول الاستثناء بدليل قوله تعالى: { أية : وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ٱرْتَضَىٰ } تفسير : [الأنبياء: 28] فاكتفى هناك بهذا القيد ودلت هذه الآية على أنه لا بد من الإذن فظهر من مجموعهما أنه إذا رضي له قولاً يحصل الإذن في الشفاعة، وإذا حصل القيدان حصل الاستثناء وتم المقصود. الصفة الخامسة: قوله: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً } وفيه مسائل: المسألة الأولى: الضمير في قوله: {بَيْنِ أَيْدِيهِمْ } عائد إلى الذين يتبعون الداعي ومن قال إن قوله: {مَنْ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ } المراد به الشافع. قال ذلك الضمير عائد إليه والمعنى لا تنفع شفاعة الملائكة والأنبياء إلا لمن أذن له الرحمن في أن تشفع له الملائكة والأنبياء، ثم قال: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ } يعني ما بين أيدي الملائكة كما قال في آية الكرسي، وهذا قول الكلبي ومقاتل وفيه تقريع لمن يعبد الملائكة ليشفعوا له. قال مقاتل: يعلم ما كان قبل أن يخلق الملائكة وما كان منهم بعد خلقهم. المسألة الثانية: ذكروا في قوله تعالى: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ } وجوهاً: أحدها: قال الكلبي: {مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ } من أمر الآخرة {وَمَا خَلْفَهُمْ } من أمر الدنيا. وثانيها: قال مجاهد: {مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ } من أمر الدنيا والأعمال {وَمَا خَلْفَهُمْ } من أمر الآخرة والثواب والعقاب. وثالثها: قال الضحاك يعلم ما مضى وما بقي ومتى تكون القيامة. المسألة الثالثة: ذكروا في قوله: {وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً } وجهين: الأول: أنه تعالى بين أنه يعلم ما بين أيدي العباد وما خلفهم. ثم قال: {وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً } أي العباد لا يحيطون بما بين أيديهم وما خلفهم علماً. الثاني: المراد لا يحيطون بالله علماً والأول أولى لوجهين: أحدهما: أن الضمير يجب عوده إلى أقرب المذكورات والأقرب ههنا قوله: {مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ }. وثانيهما: أنه تعالى أورد ذلك مورد الزجر ليعلم أن سائر ما يقدمون عليه وما يستحقون به المجازاة معلوم لله تعالى. الصفة السادسة: قوله: {وَعَنَتِ ٱلْوُجُوهُ لِلْحَىّ ٱلْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً } ومعناه أن في ذلك اليوم تعنوا الوجوه أي تذل ويصير الملك والقهر لله تعالى دون غيره ومن لفظ العنو أخذوا العاني وهو الأسير، يقال: عنا يعنو عناء إذا صار أسيراً وذكر الله تعالى: {ٱلْوجُوهَ } وأراد به المكلفين أنفسهم لأن قوله: {وَعَنَتِ } من صفات المكلفين لا من صفات الوجوه وهو كقوله: { أية : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ * لِّسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ } تفسير : [الغاشية: 8، 9] وإنما خص الوجوه بالذكر لأن الخضوع بها يبين وفيها يظهر وتفسير {ٱلْحَيُّ ٱلْقَيُّومُ } قد تقدم، وروى أبو أمامة الباهلي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: « حديث : اطلبوا اسم الله الأعظم في هذه السور الثلاث البقرة وآل عمران وطه » تفسير : . قال الراوي: فوجدنا المشترك في السور الثلاث: {ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْحَيُّ ٱلْقَيُّومُ } فبين تعالى على وجه التحذير أن ذلك اليوم لا يصح الإمتناع مما ينزل بالمرء من المجازاة، وأن حاله مخالفة لحال الدنيا التي يختار فيها المعاصي ويمتنع من الطاعات، أما قوله تعالى: {وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً } فالمراد بالخيبة الحرمان أي حرم الثواب من حمل ظلماً والمراد به من وافى بالظلم ولم يتب عنه واستدلت المعتزلة بهذه الآية في المنع من العفو فقالوا قوله: {وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً } يعم كل ظالم، وقد حكم الله تعالى فيه بالخيبة والعفو ينافيه والكلام على عمومات الوعيد قد تقدم مراراً، واعلم أنه تعالى لما شرح أحوال يوم القيامة ختم الكلام فيها بشرح أحوال المؤمنين فقال: {وَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلاَ يَخَافُ ظُلْماً وَلاَ هَضْماً } يعني ومن يعمل شيئاً من الصالحات والمراد به الفرائض فكان عمله مقروناً بالإيمان وهو قوله: { أية : وَمَن يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ } تفسير : [طه: 75] فقوله: {فَلاَ يَخَافُ } في موضع جزم لكونه في موضع جواب الشرط والتقدير فهو لا يخاف ونظيره: { أية : وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ ٱللَّهُ مِنْهُ } تفسير : [المائدة: 95]، { أية : فَمَن يُؤْمِن بِرَبّهِ فَلاَ يَخَافُ بَخْساً وَلاَ رَهَقاً } تفسير : [الجن: 13] وقرأ ابن كثير: فلا يخف على النهي وهو حسن لأن المعنى فليأمن والنهي عن الخوف أمر بالأمن والظلم هو أن يعاقب لا على جريمة أم يمنع من الثواب على الطاعة، والهضم أن ينقص من ثوابه، والهضيمة النقيصة ومنه هضيم الكشح أي ضامر البطن ومنه: { أية : طَلْعُهَا هَضِيمٌ } تفسير : [الشعراء: 148] أي لازق بعضه ببعض ومنه انهضم طعامي، وقال أبو مسلم: الظلم أن ينقص من الثواب والهضم أن لا يوفي حقه من الإعظام لأن الثواب مع كونه من اللذات لا يكون ثواباً إلا إذا قارنه التعظيم وقد يدخل النقص في بعض الثواب ويدخل فيما يقارنه من التعظيم فنفى الله تعالى عن المؤمنين كلا الأمرين.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْجِبَالِ} أي عن حال الجبال يوم القيامة. {فَقُلْ} فقد جاء هذا بفاء وكل سؤال في القرآن «قل» بغير فاء إلا هذا، لأن المعنى إن سألوك عن الجبال فقل، فتضمن الكلام معنى الشرط. وقد علم الله أنهم يسألونه عنها، فأجابهم قبل السؤال، وتلك أسئلة تقدمت سألوا عنها النبي صلى الله عليه وسلم فجاء الجواب عقب السؤال؛ فلذلك كان بغير فاء، وهذا سؤال لم يسألوه عنه بعد؛ فتفهَّمه. {يَنسِفُهَا} يطيرها. {نَسْفاً } قال ابن الأعرابي وغيره: يقلعها قلعا من أصولها، ثم يصيرها رملاً يسيل سيلاً، ثم يصيرها كالصوف المنفوش تطيرها الرياح هكذا وهكذا. قال: ولا يكون العهن من الصوف إلا المصبوغ، ثم كالهباء المنثور. {فَيَذَرُهَا} أي يذر مواضعها {قَاعاً صَفْصَفاً} القاع الأرض الملساء بلا نبات ولا بناء؛ قاله ابن الأعرابي. وقال الجوهري: والقاع المستوي من الأرض والجمع أَقوعٌ وأَقواعٌ وقِيعانٌ صارت الواو ياء لكسر ما قبلها. وقال الفراء: القاع مستنقع الماء والصفصف القرعاء. الكلبي: هو الذي لا نبات فيه. وقيل: المستوي من الأرض كأنه على صفّ واحد في استوائه؛ قاله مجاهد. والمعنى واحد في القاع والصفصف؛ فالقاع الموضع المنكشف، والصفصف المستوي الأملس. وأنشد سيبويه:شعر : وكَمْ دُونَ بيتكَ من صَفْصَفٍ ودَكْدَاكِ رَمْلٍ وأَعْقَادِهَا تفسير : و«قاعا» نصب على الحال والصفصف. و{لاَّ تَرَىٰ} في موضع الصفة. {فِيهَا عِوَجاً} قال ابن الأعرابي: العِوج التّعوج في الفِجاج. والأَمْت النَّبَك. وقال أبو عمرو: الأَمْت النِّبَاك وهي التلال الصغار واحدها نَبَك؛ أي هي أرض مستوية لا انخفاض فيها ولا ارتفاع. تقول؛ امتلأ فما به أَمْت، وملأتُ القربة مَلأً لا أمت فيه؛ أي لا استرخاء فيه. والأمت في اللغة المكان المرتفع. وقال ابن عباس: «عِوَجاً» مَيْلاً. قال: والأمت الأثر مثل الشراك. وعنه أيضاً «عِوَجاً»، وادياً «وَلاَ أَمْتاً» رابية. وعنه أيضاً: العوج (الانخفاض) والأمت الارتفاع. وقال قتادة: «عِوَجاً» صدعاً «وَلاَ أَمْتاً» أي أكمة. وقال يمان: الأمت الشقوق في الأرض. وقيل: الأمت أن يغلظ مكان في الفضاء أو الجبل ويدق في مكان؛ حكاه الصولي. قلت: وهذه الآية تدخل في باب الرُّقَى؛ ترقى بها الثآليل وهي التي تسمى عندنا (بالبراريق) واحدها (برُّوقة)؛ تطلع في الجسد وخاصة في اليد: تأخذ ثلاثة أعواد من تبن الشعير، يكون في طرف كل عود عقدة، تُمرّ كل عُقدة على الثآليل وتقرأ الآية مرة، ثم تدفن الأعواد في مكان نديّ؛ تعفّن وتعفّن الثآليل؛ فلا يبقى لها أثر؛ جرّبت ذلك في نفسي وفي غيري فوجدته نافعاً إن شاء الله تعالى. قوله تعالى: {يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ ٱلدَّاعِيَ} يريد إسرافيل عليه السلام إذا نفخ في الصور {لاَ عِوَجَ لَهُ} أي لا معدل لهم عنه؛ أي عن دعائه لا يزيغون ولا ينحرفون بل يسرعون إليه ولا يحيدون عنه. وعلى هذا أكثر العلماء. وقيل: {لاَ عِوَجَ لَهُ} أي لدعائه. وقيل: يتَّبعون الداعي اتباعاً لا عوج له؛ فالمصدر مضمر؛ والمعنى: يتّبعون صوت الداعي للمحشر؛ نظيره: {أية : وَٱسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ ٱلْمُنَادِ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ} تفسير : [قۤ: 41] الآية. وسيأتي. {وَخَشَعَتِ ٱلأَصْوَاتُ} أي ذَلَّت وسكنت؛ عن ابن عباس قال: لما أتى خبر الزبير تواضعت سور المدينة والجبال الخشّع، فكل لسان ساكت هناك للهيبة. {لِلرَّحْمَـٰنِ} أي من أجله. {فَلاَ تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْساً} الهمس الصوت الخفيّ؛ قاله مجاهد. عن ابن عباس: الحس الخفيّ. الحسن وابن جريج: هو صوت وقع الأقدام بعضها على بعض إلى المحشر؛ ومنه قول الراجز:شعر : وهُنَّ يَمْشِينَ بِنَا هَمِيسَا تفسير : يعني صوت أخفاف الإبل في سيرها. ويقال للأسد الهموس؛ لأنه يَهمِس في الظلمة؛ أي يطأ وطئاً خفيّاً. قال رؤبة يصف نفسه بالشدّة:شعر : ليثٌ يَدقُّ الأسدَ الهَمُوسَا والأَقْهَبينِ الفيلَ والجاموسَا تفسير : وهمس الطعام؛ أي مضغه وفُوه منضمٌّ؛ قال الراجز: شعر : لقد رأيتُ عجباً مُذْ أَمْسَا عجائزاً مثلَ السَّعَالِي خَمْسَا يَأْكلْنَ ما أصنع هَمْساً هَمْساً تفسير : وقيل: الهمسُ تحريك الشّفة واللسان. وقرأ أبيّ بن كعب «فَلاَ يَنْطِقُونَ إِلاَّ همْساً». والمعنى متقارب؛ أي لا يسمع لهم نطق ولا كلام ولا صوت أقدام. وبناء (هـ م س) أصله الخفاء كيفما تصرف؛ ومنه الحروف المهموسة، وهي عشرة يجمعها قولك: (حَثَّهُ شَخْصٌ فَسَكَتَ) وإنما سمى الحرف مهموساً لأنه ضَعُف الاعتمادُ من موضعه حتى جَرَى معه النفَس. قوله تعالى: {يَوْمَئِذٍ لاَّ تَنفَعُ ٱلشَّفَاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ} «من» في موضع نصب على الاستثناء الخارج من الأوّل؛ أي لا تنفع الشفاعة أحداً إلا شفاعة من أذن له الرحمن. {وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً} أي رضي قوله في الشفاعة. وقيل: المعنى، أي إنما تنفع الشفاعة لمن أذن له الرحمن في أن يشفع له، وكان له قول يرضى. قال ابن عباس: هو قول لا إلٰه إلا الله. قوله تعالى: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ} أي من أمر الساعة. {وَمَا خَلْفَهُمْ} مِن أَمرِ الدنيا قاله قتادة. وقيل: يعلم ما يصيرون إليه من ثواب أو عقاب «وما خلفهم» ما خلفوه وراءهم في الدنيا. ثم قيل: الآية عامة في جميع الخلق. وقيل: المراد الذين يتبعون الداعي. والحمد لله. قوله تعالى: {وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً} الهاء في «به» لله تعالى؛ أي أحد لا يحيط به علما؛ إذ الإحاطة مشعرة بالحدّ ويتعالى الله عن التحديد. وقيل: تعود على العلم؛ أي أحد لا يحيط علماً بما يعلمه الله. وقال الطبري: الضمير في «أيديهم» و«خلفهم» و«يحيطون» يعود على الملائكة؛ أعلم الله من يعبدها أنها لا تعلم ما بين أيديها وما خلفها.
البيضاوي
تفسير : {وَيَسْـئَلُونَكَ عَنِ ٱلْجِبَالِ } عن مآل أمرها وقد سأل عنها رجل من ثقيف. {فَقُلْ } لهم. {يَنسِفُهَا رَبِّى نَسْفاً } يجعلها كالرمل ثم يرسل عليها الرياح فتفرقها.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى: {وَيَسْـأَلُونَكَ عَنِ ٱلْجِبَالِ} أي: هل تبقى يوم القيامة، أو تزول؟ {فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّى نَسْفاً} أي: يذهبها عن أماكنها، ويمحقها ويسيرها تسييراً {فَيَذَرُهَا} أي: الأرض {قَاعاً صَفْصَفاً} أي: بساطاً واحداً، والقاع هو المستوي من الأرض، والصفصف تأكيد لمعنى ذلك، وقيل: الذي لا نبات فيه، والأول أولى، وإن كان الآخر مراداً أيضاً باللازم، ولهذا قال: {لاَّ تَرَىٰ فِيهَا عِوَجاً وَلاۤ أَمْتاً} أي: لا ترى في الأرض يومئذ وادياً ولا رابية، ولا مكاناً منخفضاً ولا مرتفعاً، كذا قال ابن عباس وعكرمة ومجاهد والحسن البصري والضحاك وقتادة وغير واحد من السلف، {يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ ٱلدَّاعِىَ لاَ عِوَجَ لَهُ} أي: يوم يرون هذه الأحوال والأهوال يستجيبون مسارعين إلى الداعي، حيثما أمروا بادروا إليه، ولو كان هذا في الدنيا، لكان أنفع لهم، ولكن حيث لا ينفعهم، كما قال تعالى: {أية : أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا} تفسير : [مريم: 38] وقال: {أية : مُّهْطِعِينَ إِلَى ٱلدَّاعِ يَقُولُ ٱلْكَـٰفِرُونَ هَـٰذَا يَوْمٌ عَسِرٌ} تفسير : [القمر: 8] وقال محمد بن كعب القرظي: يحشر الله الناس يوم القيامة في ظلمة، ويطوي السماء، وتتناثر النجوم، وتذهب الشمس والقمر، وينادي مناد، فيتبع الناس الصوت يؤمونه، فذلك قوله: {يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ ٱلدَّاعِىَ لاَ عِوَجَ لَهُ} وقال قتادة: لا عوج له: لا يميلون عنه. وقال أبو صالح: لا عوج له، أي: لا عوج عنه. وقوله: {وَخَشَعَتِ ٱلأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَـٰنِ} قال ابن عباس: سكنت، وكذا قال السدي. {فَلاَ تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْساً} قال سعيد بن جبير عن ابن عباس: يعني: وطء الأقدام، وكذا قال عكرمة ومجاهد والضحاك والربيع بن أنس وقتادة وابن زيد وغيرهم. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: {فَلاَ تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْساً}: الصوت الخفي، وهو رواية عن عكرمة والضحاك. وقال سعيد بن جبير: {فَلاَ تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْساً}: الحديث وسره، ووطء الأقدام، فقد جمع سعيد كلا القولين، وهو محتمل، أما وطء الأقدام، فالمراد سعي الناس إلى المحشر، وهو مشيهم في سكون وخضوع، وأما الكلام الخفي، فقد يكون في حال دون حال، فقد قال تعالى: {أية : يَوْمَ يَأْتِ لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِىٌّ وَسَعِيدٌ} تفسير : [هود: 105].
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ ٱلْجِبَالِ } كيف تكون يوم القيامة؟ {فَقُلْ } لهم {يَنسِفُهَا رَبِّى نَسْفاً } بأن يفتتها كالرمل السائل ثم يطيرها بالرياح.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً} فيه قولان: أحدهما: أنه يجعلها كالرمل ثم يرسل عليها الرياح فتفرقها كما يذري الطعام. الثاني: تصير كالهباء. {فَيَذَرُهَا قَاعاً صَفْصَفاً} في القاع ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه الموضع المستوي الذي لا نبات فيه، قاله ابن عباس، ومجاهد، وابن زيد. الثاني: الأرض الملساء. الثالث: مستنقع الماء، قاله الفراء. وفي الصفصف وجهان: أحدهما: أنه ما لا نبات فيه، قاله الكلبي. الثاني: أنه المكان المستوي، كأنه قال على صف واحد في استوائه، قاله مجاهد. {لاَّ تَرَى فِيهَا عِوَجاً وَلآَ أَمْتاً} فيه خمسة أقاويل: أحدها: عوجاً يعني وادياً، ولا أمتاً يعني ربابية، قاله ابن عباس. الثاني: عوجاً يعني صدعاً، ولا أمتاً يعني أكمة، قاله الحسن. الثالث: عوجاً يعني ميلاً. ولا أمتاً يعني أثراً، وهو مروي عن ابن عباس. الرابع: الأمت الجذب والانثناء، ومنه قول الشاعر: شعر : ما في انطلاق سيره من أمت تفسير : قاله قتادة. الخامس: الأمت أن يغلظ مكان في الفضاء أو الجبل، ويدق في مكان، حكاه الصولي، فيكون الأمت من الصعود والارتفاع. قوله تعالى: {وَخَشَعَتِ الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمنِ} قال ابن عباس: أي خضعت بالسكون، قال الشاعر: شعر : لما آتى خبر الزبير تصدعت سور المدينة والجبال الخشع تفسير : {إلاَّ هَمْساً} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه الصوت الخفي،قاله مجاهد. الثاني: تحريك الشفة واللسان، وقرأ أُبيّ: فلا ينطقون إلا همساً. الثالث: نقل الأقدام، قال ابن زيد، قال الراجز: شعر : وهن يمشين بنا هَمِيسا تفسير : يعني أصوات أخفاف الإِبل في سيرها.
ابن عبد السلام
تفسير : {يَنسِفُهَا} يجعلها كالرمل تنسفه الرياح، أو تصير كالهباء.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {وَيَسْـئَلُونَكَ عَنِ ٱلْجِبَالِ...} الآية، السائلُ: قِيلَ: رجلٌ من ثقيف، وقيل: السائل: جماعةٌ من المؤمنين، ورُوِي: أن اللّه تعالى يرسل على الجبال رِيحاً، فتدكدكها حتى تكون كالعِهْن المنفوش، ثم تتوالى عليها حتى تُعِيدها كالهَبَاءِ المُنْبَثِّ، فذلك هو النسفُ. والقَاعُ: هو المستوي من الأرض، والصَّفْصَفِ: نحوه في المعنى. والأمَتُ: ما يعتري الأرضَ من ٱرتفاع وٱنْخفاضٍ. وقولُه: {لاَ عَوَجَ لَهُ} يحتمل: أن يُرِيدَ الإخبارَ به، أي: لا شَكَّ فيه، ولا يخالف وجوده خبره، ويحتمل: أن يريدَ لا مَحِيدَ لأحدٍ عن ٱتّباع الدَّاعِي، والمشْيِ نحو صَوْته، والخشوعُ: التَّطَامُنُ، والتواضُعُ، وهو في الأصوات ٱستعارةٌ بمعنى الخفاء. والهَمْسُ: الصَّوْتُ الخفيُّ الخَافِتُ، وهو تخافُتُهم بينهم، وكَلاَمُهم السر، ويحتمل أن يريد صوتَ الأقْدام؛ وفي «البُخَاري»: {هَمْساً}: صوت الأقدام، انتهى. ومن في قوله {إلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ} يحتمل أن تكون للشافع، ويحتمل أن تكون للمشفوع فيه.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْجِبَالِ} الآية، (لما وَصَفَ لهم يومَ القيامة) حكى سؤال من لا يؤمن بالحشر. قال ابن عباس: سأل رجلٌ من ثقيف رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: كيفَ تكون الجبالُ يوم القيامة؟ فأنزل الله هذه الآية. وقال الضحاك: نزلت في مشركي مكة، قالوا يا محمد كيف تكون الجبالُ يوم القيامة؟ على سبيل الاستهزاء. {فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً} وأجاب بفاء التعقيب، لأن مقصودَهم من هذا السؤال الطعنُ في الحشر والنشر، فلا جرم أمره بالجواب مقروناً بحرف التعقيب، لأن تأخير البيان في مثل هذه المسألة الأصولية غير جائز، وأما المسائل الفروعية فجائز فلذلك ذكر هناك بغير حرف التعقيب. والضمير في "يَنْسِفُهَا" عائد إلى الجبال، والنسف التذريَة. وقيل: القَلْع الذي يقلعها من أصلها ويجعلها هباءً منثوراً. قال الخليل: "يَنْسِفُهَا" يُذْهِبُها ويطيِّرُهَا. قوله: "فَيَذَرُها" في هذا الضمير وجهان: أحدهما: أنه ضمير الأرض، أضمرت للدلالة عليها كقوله: {أية : مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا مِن دَآبَّةٍ} تفسير : [فاطر: 45]. والثاني: ضمير الجبال، وذلك على حذف مضاف أي فيذر مراكزها ومقارها و "يَذَرُ" يجوز أن يكون بمعنى يُخْلِها، فيكون "قَاعاً" حالاً، وأن يكون بمعنى يترك التصييرية فيتعدى لاثنين فـ "قَاعاً" ثانيهما. وفي القاع أقوال: فقيل: هو منتقع الماء ولا يليق معناه هنا. وقيل: إنه المنكشف من الأرض قاله مكي. وقيل: إنه المكان المستوي، ومنه قوله ضرار بن الخطاب: شعر : 3690- لَتَكُونَنَّ بَالبِطَاحِ قُرَيْشٌ بُقْعَة القَاعِ فِي أَكُفِّ الإِمَاءِ تفسير : وقيل: إنه الأرض التي لا نبات فيها ولا بناء. والصَّفْصَفُ: الأرض الملساء، وقيل: المستوية، فهما قريبان من المترادف وجمع القاع أقْوُعٌ وأقْوَاعٌ وقِيعَانٌ. قوله: {لاَ تَرَىٰ فِيهَا عِوَجاً} يجوز في هذه الجملة أن تكون مستأنفة، وأن تكون حالاً من الجبال، ويجوز أن تكون صفة للحال المتقدمة وهي "قَاعاً" على أحد التأويلين، أو صفة للمفعول الثاني على التأويل الآخر. وتقدم الكلام على العِوَج. وقال الزمخشري هنا: فإن قلت: قد فرَّقوا بين العَوَج والعِوَج، قالوا: العوج بالكسر في المعاني، وبالفتح في الأعيان، والأرض عَيْن، فكيف صح فيها كسر العين. قلت: اختيار هذا اللفظ له موقع حسن بديع في وصف الأرض بالاستواء والملاسة، ونفي الإعوجاج عنها على أبلغ ما يكون وذلك أنه لو عَمَدت إلى قطعةِ أرض فسويتها وبالغت في التسوية على عينيك وعيون البصراء، واتفقتم على أنَّه لم يبق فيها اعوجاج قط، ثم استطلعت رأي المهندس فيها وأمرته أن يعرض استواءها على المقاييس الهندسية لعثر فيها على عوج في غير موضع لا يدرك ذلك بحاسة البصر ولكن بالقياس الهندسي، فنفى الله تعالى ذلك العوج الذي دقَّ وَلطُفَ عن الإدراك اللهم إلا بالقياس الذي يعرفه صاحب التقدير الهندسي، وذلك الاعوجاجُ لمَّا لم يدرك إلا بالقياس دون الإحساس أُلحق بالمعاني، فقيل فيه عِوَجٌ بالكسر. والأَمْتُ النتوُّ اليسير يقال: مَدَّ حَبْلَهُ حتى ما فيه أمْتٌ. وقيل: الأمت التل، وهو قريب من الأول. وقيل: الشُّقُوقُ في الأرض. وقيل: الإكام. وقال الحسن: العوَج ما انخفض من الأرض، والأمْتُ ما نشز من الرَّوابي. والمقصود من وصف الأرض بهذه الأوصَاف أنها تكون في ذلك اليوم ملساءَ خالية عن الارتفاع والانخفاض وأنواع الانحراف والاعوجاج. قوله: "يَوْمَئِذٍ" منصوب بـ "يَتَّبِعُونَ" وقيل: بدل من "يَوْمَ القِيَامَةِ" قاله الزمخشري. وفيه نظر، للفصل الكثير وأيضاً يبقى "يَتَّبِعُونَ" غير مرتبط بما قبله، وبه يفوت المعنى والتقدير: يوم إذ نُسِفَت الجِبَالُ. فصل "الدَّاعِي" إسرافيل، والدُّعَاءُ هو النفخ في الصور، أي يتبعون صوتَ الداعي الذي يدعوهم إلى موقف القيامة. وقوله: "لاَ عِوَجَ لَهُ" أي لا يعدل عن أحد بدعائه بل يحشر الكُلُّ. وقيل: لا عوج لدعائه، وهو من المقلوب، أي لا عوج لهم عن دعاء الدَّاعِي لا يعوجونَ عنه يميناً ولا شَمالاً. وقيل: إنه مَلَكٌ قائِمٌ على صخرة بيت المقدس ينادي ويقول: أيَّتُهَا العِظَام النخرة، والأوصال المتفرقة، واللحوم المتمزقة قُومي إلى عَرْض الرَّحمن. قوله: {وَخَشَعَتِ ٱلأصْوَاتُ لِلرَّحْمٰنِ} أي: سَكَنَتْ وذلَّت وخضَعَتْ. وصف الأصوات بالخشوع والمرادُ أهلُهَا. قوله: {فَلاَ تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْساً} الاستثناء مفعول به، وهو استثناء مفرغ. والهَمْسُ: الصوت الخفي، قيل: هو تَحْريكُ الشفتيْن دون النطق قال الزمخشري: وهو الذكر، الخفي، ومنه الحروف المهموسَة. وقال ابن عباس والحسن وعكرمة: الهَمْسُ: وَطْءُ الأقدام أي: لا تسمع إلا خَفْقَ الأرض بأقدامهم، ومنه هَمَست الإبل (إذا سمع ذلك من وقع) أخفافها على الأرض، قال: شعر : 3691- وَهُنَّ يَمْشِينَ بِنَا هَمِيسَا تفسير : قوله: "يَوْمَئِذٍ" بدلٌ مما تقدم، أو منصوبٌ بما بعده "لاَ" عند من يجيز ذلك والتقدير: يومَ إذ يَتَّبِعُونَ لا تنفَعُ الشَّفَاعَةُ. قوله: {إِلاَّ مَنْ أَذِنَ} فيه أوجه: أحدها: أنه منصوب على المفعول به، والناصب له "تَنْفَعُ" و "مَنْ" حينئذ واقعة على المشْفُوعِ له. الثاني: أنَّه في محل رفع بدلاً من "الشَّفاعة"، ولا بدَّ من حذف مضاف تقديره: إلا شَفَاعةُ مَنْ أذِنَ لَه. الثالث: أنه منصوب على الاستثناء من "الشفاعة" بتقدير المضاف المحذوف وهو استثناء متصل على هذا، ويجوز أن يكون استثناء منقطعاً إذا لم نقدر شيئاً وحينئذ يجوز أن يكون منصوباً وهي لغة الحجاز، أو مرفوعاً وهي لغة تميم، وكل هذه الأوجه واضحة. (و "لَهُ") في الموضعين للتعليل كقوله: {أية : قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءَامَنُوۤاْ} تفسير : [مريم: 73] أي لأجله ولأجلهم. فصل المعنى: {لاَ تَنفَعُ ٱلشَّفَاعَةُ} أحداً من الناس {إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحْمَٰنُ} أي: إلا من أذن له الله أن يشفع له {وَرَضِي لَهُ قَوْلاً} أي رضي قوله. قال ابن عباس: يعني قَالَ: لاَ إلَهَ إلاَّ الله. وهذا يدل على أنه لا يشفع لغير المؤمنين. وقالت المعتزلة: الفاسق غير مرضيٍّ عند الله، فوجب أن لا يشفع الرسول في حقه. وهذه الآية من أقوى الدلائل على ثبوت الشفاعة في حق الفساق، (لأن قوله: {وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً} يكفي صدقه أن يكون الله تعالى قد رضِيَ له قولاً واحداً من أقواله)، والفاسق قد ارتضى الله من قوله شهادة أنْ لاَ إلهَ إلاَّ الله. فوجب أن تكون الشفاعة نافعة له، لأن الاستثناء من النفي إثبات فإن قيل: إنَّه تعالى استثنى من ذلك النفي بشرطين: أحدهما حصول الإذن. والثاني: أن يكون رَضِيَ له قولاً. فهب أنَّ الفاسق قد حصل فيه أحد الشرطين، وهو أنه تعالى قد رضِيَ له قولاً، فلم قلتم: إنه أذن فيه؟ فالجواب أنَّ هذا القيد كافٍ في حصول الاستثناء لقوله تعالى: {أية : لاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ٱرْتَضَىٰ} تفسير : [الأنبياء: 28] فاكتفى هناك بهذا القيد. ودلَّت هذه الآية على أنه لا بد من الإذن، فظهر من مجموعهما أنه إذا رضي له قولاً يحصل الإذن في الشفاعة، وإذا حصل القيدان حصل الاستثناء وتم المقصود. قوله: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ} الضمير في قوله: "بَيْنَ أَيْدِيهِمْ" عائد إلى الذين يتبعون الداعي. ومن قال: إن قوله: {مَنْ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحْمَٰنُ} المراد به الشافع (قال: الضمير عائد إليه)، والمعنى: لا تَنْفَع شفاعة الملائِكة والأنبياء إلا لِمَن أذِنَ له الرحمن في أن يشفع من الملائكة. ثم قال {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ} يعني ما بين أيدي الملائكة كقوله في آية الكرسي، قاله الكلبي ومقاتل. وفيه تقريع لمن يعبد الملائكة ليشفَعُوا له. قال مقاتل: يعلم ما كان قبل أن يخلق الملائكة، وما كان بعد خلقهم. ومن قال: الضمير عائد إلى الذين يتبعون الداعي قال: "يَعْلَمُ الله مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ" أي ما قدموا "وَمَا خَلْفَهُمْ" من أمر الدنيا قاله الكلبي. وقال مجاهد: {مَا بَيْنَ أيْدِيهِمْ} من أمر الدنيا والأعمال "وَمَا خَلْفَهُمْ" من أمر الآخرة. وقال الضحاك: يعلم ما مضى وما بقي ومتى تكون القيامة. {وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلماً} قيل: الكناية راجعة إلى "مَا" أي: هو يعلمُ ما بيْنَ أيديهم وما خلفهم، (ولا يعلمونه أي العباد لا يعلمون بما بين أيديهم وما خلفهم). وقيل: الكناية راجعة إلى الله، أي عباده لا يحيطُون به علماً. قوله: "وَعَنَتِ الوُجُوهُ" يقال: عَنَا يَعْنُو إذا ذلَّ وخضع وأعناه غيره أي: أذلَّه، ومنه العُنَاة جمع عانٍ وهو الأسير، قال: شعر : 3692- فَيَا رُبَّ مَكْرُوبٍ كَرَرْتُ وَرَاءَهُ وَعَانٍ فَكَكْتُ الغُلَّ عَنْهُ فَقَدْ أَبَى تفسير : وقال أمية بن أبي الصلت: شعر : 3693- مَلِيكٌ عَلَى عَرْشِ السَّمَاءِ مُهَيْمِنٌ لِعِزَّتِهِ تَعْنُو الوُجُوهُ وَتَسْجُدُ تفسير : وفي الحديث: "حديث : فَإِنَّهُنَّ عَوَان"تفسير : . والمعنى: أنَّ ذلك اليوم تُذَلُّ الوجوه أي: المكلَّفين أنفسهم، ذكرَ "الوجوه" وأراد أصحاب الوجوه، لأن قوله "وَعَنَتْ" من صفات المكلفين لا من صفات الوجوه كقوله: {أية : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ لِّسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ} تفسير : [الغاشية: 8، 9] وخص الوجوه بالذكر، لأن الخضوع بها يبين، وفيها يظهر. وتقدم تفسير "الحَيُّ القَيُّومُ" وروى أبو أمامة الباهليّ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "حديث : اطْلُبُوا اسمَ الله الأعظم في هذه السُّور الثلاث البَقَرة وآل عمران، وطه" تفسير : قال الراوي: فوجدنا المشترك في السور الثلاث {أية : ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْحَيُّ ٱلْقَيُّومُ} تفسير : [البقرة: 255] و [آل عمران: 2]. قوله: "وَقَدْ خَابَ" يجوز أن تكون هذه الجملة مستأنفة، وأن تكون حالاً، ويجوز أن يكون اعتراضاً. قال الزمخشري: "وَقَدْ خَابَ" وما بعده اعتراض كقولك خَابُوا وخَسِرُوا، وكل من ظلم فهو خَائِبٌ خَاسِر. ومراده بالاعتراض هنا أنَّه خصَّ الوجوه بوجوه العصاة حتى تكون الجملة قد دخلت بين العُصَاة وبين {وَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّالِحَاتِ} فَهذَا عنده قسيم "وَعَنَتِ الوُجُوهُ" فلهذا كان اعتراضاً. وأما ابن عطية فجعل "الوُجُوهُ" عامة، فلذلك جعل {وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً} معادلاً بقوله {وَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّالِحَاتِ} إلى آخره. فصل قال ابن عباس: "خَابَ" خَسِر من أشْرَكَ بالله. والظُّلمُ: الشِّرك قال الله تعالى {أية : إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} تفسير : [لقمان: 13] والمراد بالخيبة: الحِرمان، أي: حُرِم الثواب مَنْ حَمَل ظُلْماً، أي ظلم ولم يتب. ثم قال: {وَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّالِحَاتِ (وَهُوَ مُؤْمِنٌ}) أي: ومَنْ يَعمل شيئاً مِنَ الصَّالِحَاتِ، والمراد به الفرائض وكان عمله مقروناً بالإيمان، نظيره قوله: {أية : وَمَن يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ ٱلصَّالِحَاتِ} تفسير : [طه: 75]. قوله: "وَهُوَ مُؤْمِنٌ" جملة حالية. "فَلاَ يَخَافُ" قرأ ابن كثير (بجزمه) على النهي، والمعنى: أَمِنَ، والنهي عن الخوف أمر بالأمن. والباقون: برفعه على النفي والاستئناف، أي: فهو لا يخاف. والهضم: النقصُ تقول العرب: هَضَمْتُ لزيدٍ مِنْ حَقِّي أي: نقصتُ منه، ومنه: هَضِيمُ الكَشْحَيْن أي: ضامُرُهما، ومن ذلك أيضاً، "طَلْعُهَا هَضِيمٌ" أي: دقيق متراكب كأنَّ بعضه يظلم بعضاً فينقصه حقه. ورَجلٌ هضيمٌ ومهتضمٌ أي مظلوم. وهضمته واهتضمته وتَهَّضمتُه عليه بمعنى، قال المتوكل الليثي: شعر : 3694- إنَّ الأذلَّةَ واللِّئَامَ لمَعْشَرٍ مَوْلاَهُم المُتَهَضَّم المَظْلُومُ تفسير : قيل: والظلم والهضم متقاربان وفرَّق القاضي الماوردي بينهما فقال: الظلم من جميع الحق، والهضم منع بعضه. والظلمُ هنا هو أن يعاقب لا على جريمةٍ أو يمنع من الثواب على الطاعة. والهضم هو أن ينقص من ثوابه. وقال أبو مسلم: الظلم أن ينقص من الثواب، والهضم أن لا يوفي حقه.
القشيري
تفسير : كما أنَّ في القيامةِ الموعودةِ تُغَيَّرُ الجبالُ عن أحوالِها فهي كالعِهْن المنفوش فكذلك في القيامة الموجودة... فلا يخبرك عنها إلا الأكابر الذين هم كالرواسي ثباتاً؛ فإنه يُدْخِلُ عليهم من الأحوال ما يمحقهم عن شواهدهم، ويأخذهم عن أقرانهم... كذا سُنَّتُه سبحانه.
اسماعيل حقي
تفسير : {ويسألونك عن الجبال} السؤال استدعاء معرفة او ما يؤدى الى المعرفة وجوابه على اللسان واليد خليفة له بالكتابة او الاشارة او استدعاء مال او ما يؤدى الى مال وجوابه على اليد واللسان خليفة لها اما بوعد او برد والسؤال للمعرفة قد يكون تارة للاستعلام وتارة للتبكيت وتارة لتعريف المسئول وتنبيهه لا ليخبر ويعلم فاذا كان للتعريف تعدى الى المفعول الثانى تارة بنفسه وتارة بالجار تقول سألته كذا وسألته عن كذا وبكذا وبعن اكثر كما فى هذا المقام واذا كان لاستدعاء مال فانه يتعدى بنفسه او بمن نحو قوله تعالى {أية : واذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب} تفسير : والجبال جمع جبل وهو كل وتد للارض عظم وطال فان انفرد فاكمة اوقنة واعتبر معانيه فاستعير واشتق منه بحسابها فقيل فلان جبل لا يتزحزح تصورا لمعنى الاثبات فيه وجبله الله على كذا اشارة الى ما ركب فيه من الطبع الذى يأبى على الناقل نقله وتصور منه العظم فقيل للجماعة العظيمة جبل كما قال تعالى{أية : ولقد اضل منكم جبلا كثيرا}تفسير : اى جماعة تشبيها بالجبل فى العظم والجبال فى الدنيا ستة آلاف وستمائة وثلاثة وسبعون جبلا سوى التلول. والمعنى يسألونك عن ما آل امرها وقد سأل عنها رجل من ثقيف وقال يا رسول الله ما يصنع بالجبال يوم القيامة {فقل} الفاء للمسارعة الى الزام السائلين. قال الكاشفى [بس بكويى تأخير در جواب ايشان كه بقدرت]{ينسفها ربى نفسا} يقال نسفت الريح الشئ اقلعته وازالته ونسف البنا ءقلعه من اصله والجبال دكها وذراها كما فى القاموس اى يقلعها من اصلها ويجعلها كالهباء المنثور. وفى الارشاد يجعلها كالرمل ثم يرسل عليها الرياح فتفرقها وتذروها. وفى الكبير لعل قوما قالوا انك تدعى ان الدنيا تفنى فوجب ان تبتدئ بالنقصان حتى تنتهى الى البطلان لكنا لا نرى فيها نقصانا ونرى الجبال كما هى وهذه شبهة ذكرها جالينوس فى ان السماوات لا تفنى وجواب هذه الشبهة ان بطلان الشئ قد يكون ذبوليا يتقدمه النقصان وقد يكون دفعة فتبين انه تعالى يزيل تركيبات العالم الجسمانى دفعة بقدرته ومشيئته انتهى ومثاله ان الدنيا مع جبالها وشدادها كالشاب القوى البدن ومن الشبان من يموت فجأة من غير تقدم مرض وذبول شعر : ديدى آن قهقهه كبك خرامان حافظ كه زسر بنجه شاهين قضا غافل بود تفسير : قال فى الاسئلة المقحمة قال هنا {ويسألونك عن الجبال فقل} بالفاء وفى موضع آخر {أية : ويسألونك عن اليتامى قل اصلاح}تفسير : من غير الفاء والجواب لانهم يسألونه ههنا بعد فتقريره ان سألوك عن الجبال فقل نظيره فان لم تفعلوا ولن تفعلوا فان كنت فى شك فان آمنوا بمثل ما امنتم به بخلاف قوله {أية : ويسألونك عن اليتامى قل}تفسير : لانه هناك كانوا قد سألوه فامر بالجواب كقوله تعالى {أية : ويسألونك عن المحيض}تفسير : وغيرها من المواضع انتهى. وفى التأويلات النجمية وان سألوك عن احوال الجبال فى ذلك اليوم فقل ينسفها ربى نفسا يقلعها بتجلى صفة القهارية كما جعل الطور دكا.
الجنابذي
تفسير : {وَيَسْأَلُونَكَ} عطف على قوله كذلك نقصّ فانّه يشعر بسؤاله (ص) او سؤالهم عن انباء ما قد سبق فكأنّه قال: تسأل عن أنباء ما قد سبق ويسألونك {عَنِ ٱلْجِبَالِ فَقُلْ} هو جواب شرطٍ مقدّرٍ او بتقدير فعلٍ بعد الفاء حتّى لا يلزم عطف الانشاء على الخبر والتّقدير اذا سألوك فقل او يسألونك فأقول قل فى جوابهم {يَنسِفُهَا} يقطعها او يدكّها فيجعلها كالرّمال تذروها الرّياح {رَبِّي نَسْفاً} عظيماً لا يبقى منها اثر، قيل: انّ رجلاً من ثقيفٍ سأل كيف تكون الجبال يوم القيامة فانّه ينبغى ان يسأل عنها خصوصاً بعد ما اشتهر بينهم انّ الارض يوم القيامة تكون مستويةً ليس فيها تلال ووهاد.
الهواري
تفسير : قوله عز وجل: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الجِبَالِ} قال المشركون للنبي صلى الله عليه وسلم: يا محمد، كيف هذه الجبال في ذلك اليوم الذي تذكر؟ فأنزل الله: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الجِبَالِ}. {فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً} أي: من أصولها. {فَيَذَرُهَا} أي: فيذر الأرض {قَاعاً صَفْصَفاً} القاع الذي لا أثر عليه وهي القرقرة. والصفصف الذي ليس عليه نبات، كلها مستوية في تفسير مجاهد. {لاَّ تَرَى فِيهَا عِوَجاً} قال مجاهد: انخفاضاً {وَلآ أَمْتاً} ولا ارتفاعاً. وقال الحسن: فصار غُمار البحور ورؤوس الجبال سواء. وقال ابن عباس: العِوَج: الوادي. (وَلاَ أَمْتا) قال بعضهم: الأمت: الحدب. قوله: {يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ} أي: يوم تكون الأرض والجبال كذلك، {يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ} أي صاحب الصور، فيسرعون إليه حين يخرجون من قبورهم إلى بيت المقدس. وقال عبد الله بن مسعود: يقوم ملك بين السماء والأرض بالصور فينفخ فيه. قال بعضهم: من الصخرة من بيت المقدس. قوله عز وجل: {لاَ عِوَجَ لَهُ} أي لا معدل عنه. لا يتعوَّجون، أي عن أجابته يميناً ولا شمالاً. قوله: {وَخَشَعَتِ الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمنِ} أي: سكنت. كقوله: (أية : لاَّ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ) تفسير : [النبأ: 38]. قال عزّ وجلّ: {فَلاَ تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْساً}. قال الحسن: وطء الأقدام، وفي قراءة أبي بن كعب: لا ينطقون إلا همساً.
اطفيش
تفسير : {ويسألونك عَنْ الجبال} عطف قصة على أخرى، والسائلون منكرو البعث من قريش على الاستهزاء، يقولون: كيف يفعل ربك بالجبال إن كان البعث؟ كما رواه ابن جرير أنهم سألوا كيف يفعل بها الله؟ فنزلت الآية، يحتجون لعدم البعث، بأن الجبال تبقى، ولا بد في زعمهم، ولو صح البعث لأثر فيها بالتغيير، وفيه رد على من قال لم يقع سؤال، وأن المعنى من شأنهم أن يسألوك، فاذا سألوك فقل: "ينسفها"، وهو حمل على غير الظاهر بلا دليل، بل سألوا متوهمين أيضاً أن الجبال مانعة من جمع الناس، فضلا عن أن يتخافتوا، وفيه أن التخافت يتصور، ولو بين اثنين، وقيل: جماعة من ثقيف على الإنكار كذلك، وقيل: قوم من المؤمنين طلباً للعلم. {فَقُلْ ينْسِفُها} يفرقها {ربِّى} بالرِّيح {نَسفاً} شديداً بعد أن يجعلها كالرمل، والفاء الموضوعة للتعقيب دليل على الأمر بالسرعة فى جواب قريش أو ثقيف تحقيقاً للحق، وإزالة لشبهتهم، أو حفظاً للمؤمنين عما يفسد اعتقادهم جواب السؤال فى الأصول تارة بالفاء كالآية، وتارة بدونها كقوله تعالى: " أية : يسألونك عن الأهلة" تفسير : [البقرة: 189] الخ "أية : ويسألونك عن الروح" تفسير : [الإسراء: 85] الخ "أية : يسألونك عن الساعة" تفسير : [الأعراف: 187، النازعات: 42] الخ، وفى الفروع بدونها كقوله عز وجل: "أية : يسألونك عن الخمر" تفسير : [البقرة: 219] الخ "أية : ويسألونك ماذا ينفقون" تفسير : [البقرة: 219] الخ {أية : يسألونك عن الأنفال} تفسير : [الأنفال: 1] الخ {أية : ويسألونك عن اليتامى} تفسير : [البقرة: 220] الخ "أية : ويسألونك عن المحيض" تفسير : [البقرة: 222] الخ ومنكرو البعث من قريش ومن غيرهم ينكرون فناء الأرض والسموات أيضا.
الالوسي
تفسير : {وَيَسْـئَلُونَكَ عَنِ ٱلْجِبَالِ } السائلون منكرو البعث من قريش على ما أخرجه ابن المنذر عن ابن جريج قالوا على سبيل الاستهزاء كيف يفعل ربك بالجبال يوم القيامة، وقيل: جماعة من ثقيف، وقيل: أناس من المؤمنين {فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبّى نَسْفاً } يجعلها سبحانه كالرمل ثم يرسل عليها الرياح فتفرقها، والفاء للمسارعة إلى إزالة ما في ذهن السائل من بقاء الجبال بناء على ظن أن ذلك من توابع عدم الحشر ألا ترى أن منكري الحشر يقولون بعدم تبدل هذا النظام المشاهد في الأرض والسمٰوات أو للمسارعة إلى تحقيق الحق حفظاً من أن يتوهم ما يقضي بفساد الاعتقاد. وهذا مبني على أن السائل من المؤمنين والأول على أنه من منكري البعث، ومن هنا قال الإمام: إن مقصود السائلين الطعن في الحشر والنشر فلا جرم أمر صلى الله عليه وسلم بالجواب مقروناً بحرف التعقيب لأن تأخير البيان في / هذه المسألة الأصولية غير جائز وأما تأخيره في المسائل الفروعية فجائز ولذا لم يؤت بالفاء في الأمر بالجواب في قوله تعالى: {أية : يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ } تفسير : [البقرة: 219] الآية، وقوله تعالى: {أية : وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ ٱلْعَفْوَ} تفسير : [البقرة: 219] وقوله تعالى: {أية : يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَنفَالِ قُلِ ٱلأَنفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ } تفسير : [الأنفال: 1] وقوله سبحانه:{أية : يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْيَتَـٰمَىٰ قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ } تفسير : [البقرة: 220] إلى غير ذلك، وقال في موضع آخر: إن السؤال المذكور إما عن قدم الجبال أو عن وجوب بقائها وهذه المسألة من أمهات مسائل أصول الدين فلا جرم أمر صلى الله عليه وسلم أن يجيبه بالفاء المفيدة للتعقيب كأنه سبحانه قال: يا محمد أجب عن هذا السؤال في الحال من غير تأخير لأن القول بقدمها أو وجوب بقائها كفر، ودلالة الجواب على نفي ذلك من جهة أن النسف ممكن لأنه ممكن في كل جزء من أجزاء الجبل والحس يدل عليه فوجب أن يكون ممكناً في حق كل الجبل فليس بقديم ولا واجب الوجود لأن القديم لا يجوز عليه التغير والنسف انتهى. واعترض بأن عدم جواز التغير والنسف إنما يسلم في حق القديم بالذات ولم يذهب أحد من السائلين إلى كون الجبال قديمة كذلك، وأما القديم بالزمان فلا يمتنع عليه لذاته ذلك بل إذا امتنع فإنما يمتنع لأمر آخر على أن في كون الجبال قديمة بالزمان عند السائلين وكذا غيرهم من الفلاسفة نظراً بل الظاهر أن الفلاسفة قائلون بحدوثها الزماني وإن لم يعلموا مبدأ معيناً لحدوثها فتأمل. ثم إنه ذكر رحمه الله تعالى أن السؤال والجواب قد ذكرا في عدة مواضع من كتاب الله تعالى منها فروعية ومنها أصولية والأصولية في أربعة مواضع في هذه الآية وقوله تعالى: {أية : يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَهِلَّةِ قُلْ هِىَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ } تفسير : [البقرة: 189] وقوله سبحانه: {أية : وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبّى } تفسير : [الإسراء: 85] وقوله عز وجل: {أية : يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَـٰهَا } تفسير : [النازعات: 42] ولا يخفى أن عد جميع ما ذكر من الأصولية غير ظاهر، وعلى تقدير ظهور ذلك في الجمع يرد السؤال عن سر اقتران الأمر بالجواب بالفاء في بعضها دون بعض. وكون ما اقترن بالفاء هو الأهم في حيز المنع فإن الأمر بالجواب عن السؤال عن الروح إن كان عن القدم ونحوه فمهم كالأمر بالجواب فيما نحن فيه بل لعله أهم منه لتحقق القائل بالقدم الزماني للروح بناء على أنها النفس الناطقة كأفلاطون وأتباعه، وقد يقال: لما كان الجواب هنا لدفع السؤال عن الكلام السابق أعني قوله تعالى: {أية : يَتَخَـٰفَتُونَ بَيْنَهُمْ } تفسير : [طه: 103] كأنه قيل كيف يصح تخافت المجرمين المقتضي لاجتماعهم والجبال في البين مانعة عن ذلك فمتى قلتم بصحته فبينوا لنا كيف يفعل الله تعالى بها؟ فأجيب بأن الجبال تنسف في ذلك الوقت فلا يبقى مانع عن الاجتماع والتخافت، وقرن الأمر بالفاء للمسارعة إلى الذب عن الدعوة السابقة، والآية التي لم يقرن الأمر فيها بالفاء لم تسق هذا المساق كما لا يخفى على أرباب الأذواق، وقال النسفي وغيره: الفاء في جواب شرط مقدر أي إذا سألوك عن الجبال فقل، وهو مبني على أنه لم يقع السؤال عن ذلك كما وقع في قصة الروح وغيرها فلذا لم يؤت بالفاء ثمة وأتى به هنا فيسألونك متمحض للاستقبال، واستبعد ذلك أبو حيان، وما أخرجه ابن المنذر عن ابن جريج من أن قريشاً قالوا: يا محمد كيف يفعل ربك بهذه الجبال يوم القيامة فنزلت {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْجِبَالِ } الآية يدل على خلافه، وقال الخفاجي: الظاهر أنه إنما قرن بها هنا ولم يقرن بها ثمة للإشارة إلى أن الجواب معلوم له صلى الله عليه وسلم قبل ذلك فأمر عليه الصلاة والسلام بالمبادرة إليه بخلاف ذلك انتهى. وأنت تعلم أن القول بأن الجواب عن سؤال الروح، وعن سؤال المحيض ونحو ذلك لم يكن معلوماً له صلى الله عليه وسلم قبل لم يتجاسر عليه أحد من عوام الناس فضلاً عن خواصهم فما ذكره مما لا ينبغي أن يلتفت إليه. / ومما يضحك الثكلى أن بعض المعاصرين سمع السؤال عن سر اقتران الأمر هنا بالفاء وعدم اقترانه بها في الآيات الأخر فقال: ما أجهل هذا السائل بما يجوز وما لا يجوز من المسائل أما سمع قوله تعالى: {أية : لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ } تفسير : [الأنبياء: 23] أما درى أن معناه نهي من يريد السؤال عن أن يسأل. وأدل من هذا على جهل الرجل أنه دون ما قال ولم يبال بما قيل ويقال، ونقلي لذلك من باب التحميض وتذكير من سلم من مثل هذا الداء بما من الله تعالى عليه من الفضل الطويل العريض.
ابن عاشور
تفسير : لما جرى ذكر البعث ووصف ما سينكشف للذين أنكروه من خطئهم في شبهتهم بتعذر إعادة الأجسام بعد تفرق أجزائها ذكرت أيضاً شبهة من شبهاتهم كانوا يسألون بها النبي - صلى الله عليه وسلم - سؤال تعنت لا سؤال استهداء، فكانوا يحيلون انقضاء هذا العالم ويقولون: فأيْن تكون هذه الجبال التي نراها. وروي أنّ رجلاً من ثقيف سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك، وهم أهل جبال لأن موطنهم الطائف وفيه جبل كَرَى. وسواء كان سؤالهم استهزاء أم استرشاداً، فقد أنبأهم الله بمصير الجبال إبطالاً لشبهتهم وتعليماً للمؤمنين. قال القرطبي: «جاء هنا (أي قوله {فَقُلْ يَنسِفُهَا}) بفاء وكل سؤال في القرآن «قل» (أي كل جواب في لفظ منه مادة سؤال) بغير فاء إلا هذا، لأن المعنى إن سألوك عن الجبال فقل، فتضمن الكلام معنى الشرط، وقد علم أنّهم يسألونه عنها فأجابهم قبل السؤال. وتلك أسئلة تقدمت سألوا عنها النبي صلى الله عليه وسلم فجاء الجواب عقب السؤال ا.هــــ. وأكد {ينسفها نسفاً} لإثبات أنه حقيقة لا استعارة. فتقدير الكلام: ونحشر المجرمين يومئذ زرقاً... إلى آخره، وننسف الجبال نسفاً، فقل ذلك للذين يسألونك عن الجبال. والنسف: تفريق وإذراء، وتقدم آنفاً. والقاع: الأرض السهلة. والصفصف: الأرض المستوية التي لا نتوء فيها. ومعنى {يذرها قاعاً صفصفاً} أنها تندك في مواضعها وتسوى مع الأرض حتى تصير في مستوى أرضها، وذلك يحصل بزلزال أو نحوه، قال تعالى: {أية : إذا رُجّت الأرض رجّاً وبُسّت الجبال بسّاً فكانت هباء منبثّاً}تفسير : [الواقعة: 4 ــــ 6]. وجملة {لا ترى فيها عِوَجاً ولا أمْتاً}حال مؤكدة لمعنى {قَاعاً صَفصفاً} لزيادة تصوير حالة فيزيد تهويلها. والخطاب في {لا ترى فيها عوجاً} لغير معين يخاطب به الرسول - صلى الله عليه وسلم - سائليه. والعوج ــــ بكسر العين وفتح الواو ــــ: ضد الاستقامة، ويقال: ــــ بفتح العين والواو ــــ كذلك فهما مترادفان على الصحيح من أقوال أيمة اللّغة. وهو ما جزم به عمرو واختاره المرزوقي في «شرح الفصيح». وقال جماعة: ــــ مكسورُ العين ــــ يجري على الأجسام غير المنتصبة كالأرض وعلى الأشياء المعنوية كالدين. و ــــ مفتوحُ العين ــــ يوصف به الأشياء المنتصبة كالحائط والعصا، وهو ظاهر ما في «لسان العرب» عن الأزهري. وقال فريق: ــــ مكسور العين ــــ توصف به المعاني، و ــــ مفتوح العين ــــ توصف به الأعيان. وهذا أضعف الأقوال. وهو منقول عن ابن دريد في «الجمهرة» وتبعه في «الكشاف» هنا، وكأنه مال إلى ما فيه من التفرقة في الاستعمال، وذلك من الدقائق التي يميل إليها المحققون. ولم يعرج عليه صاحب «القاموس»، وتعسف صاحب «الكشاف» تأويل الآية على اعتباره خلافاً لظاهرها. وهو يقتضي عدم صحة إطلاقه في كل موضع. وتقدم هذا اللّفظ في أول سورة الكهف فانظره. والأمْت: النتوء اليسير، أي لا ترى فيها وهدة ولا نتوءاً ما. والمعنى: لا ترى في مكان نسْفها عوجاً ولا أمتاً.
الشنقيطي
تفسير : ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنهم يسألونه عن الجبال، وأمره أن يقول لهم: إن ربه ينسفها نسفاً، وذلك بأن يقلعها من أصولها، ثم يجعلها كالرمل المتهايل الذي يسيل، وكالصوف المنفوش تطيرها الرياح هكذا وهكذا. واعلم أنه جل وعلا بين الأحوال التي تصير إليها الجبال يوم القيامة في آيات من كتابه. فبين أنه ينزعها من أماكنها. ويحملها فيدكها دكاً. وذلك في قوله: {أية : فَإِذَا نُفِخَ فِي ٱلصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ وَحُمِلَتِ ٱلأَرْضُ وَٱلْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً} تفسير : [الحاقة: 13-14]. ثم بين أنه يسيرها في الهواء بين السماء والأرض. وذلك في قوله {أية : وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِ فَفَزِعَ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ مَن شَآءَ ٱللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ وَتَرَى ٱلْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ ٱلسَّحَابِ صُنْعَ ٱللَّهِ ٱلَّذِيۤ أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ} تفسير : [النمل: 87-88]، وقوله: {أية : وَيَوْمَ نُسَيِّرُ ٱلْجِبَالَ وَتَرَى ٱلأَرْضَ بَارِزَةً} تفسير : [الكهف: 47] الآية، وقوله: {أية : وَإِذَا ٱلْجِبَالُ سُيِّرَتْ}تفسير : [التكوير: 3]، وقوله تعالى: {أية : وَسُيِّرَتِ ٱلْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَاباً} تفسير : [النبأ: 20]، وقوله تعالى: {أية : يَوْمَ تَمُورُ ٱلسَّمَآءُ مَوْراً وَتَسِيرُ ٱلْجِبَالُ سَيْراً} تفسير : [الطور: 9-10]. ثم بين أنه يفتنها ويدقها كقوله {أية : وَبُسَّتِ ٱلْجِبَالُ بَسّاً} تفسير : [الواقعة: 5] أي فتت حتى صارت كالبسيسة، وهي دقيق ملتوت بسمن أو نحوه على القول بذلك، وقوله: {أية : وَحُمِلَتِ ٱلأَرْضُ وَٱلْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً} تفسير : [الحاقة: 14]. ثم بين أنه يصيرها كالرمل المتهايل، وكالعهن المنفوش؟ وذلك في قوله: {أية : يَوْمَ تَرْجُفُ ٱلأَرْضُ وَٱلْجِبَالُ وَكَانَتِ ٱلْجِبَالُ كَثِيباً مَّهِيلاً} تفسير : [المزمل: 14]، وقوله تعالى: {أية : يَوْمَ تَكُونُ ٱلسَّمَآءُ كَٱلْمُهْلِ وَتَكُونُ ٱلْجِبَالُ كَٱلْعِهْنِ}تفسير : [المعارج: 8-9] في "المعارج، والقارعة". والعهن: الصوف المصبوغ. ومنه قول زهير بن أبي سلمى في معلقته. شعر : كأن فتات العهن في كل منزل نزلن به حب الفنا لم يحطم تفسير : ثم بين أنها تصير كالهباء المنبث في قوله: {أية : وَبُسَّتِ ٱلْجِبَالُ بَسّاً فَكَانَتْ هَبَآءً مُّنبَثّاً} تفسير : [الواقعة: 5-6] ثم بين أنها تصير سراباً، وذلك في قوله: {وَسُيِّرَتِ ٱلْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَاباً} وقد بين في موضع آخر: أن السراب لا شيء. وذلك قوله تعالى: {أية : حَتَّىٰ إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً} تفسير : [النور: 39] وبين أنه ينسفها نسفاً في قوله هنا: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفا}. تنبيه: جرت العادة في القرآن: أن الله إذا قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: {يَسْأَلُونَكَ} قال له {قُلْ} بغير فاء. كقوله: {أية : وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ قُلِ ٱلرُّوحُ} تفسير : [الإسراء: 85] الآية، وقوله تعالى: {أية : يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ} تفسير : [البقرة: 219] الآية، وقوله: {أية : يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَآ أَنْفَقْتُمْ مِّنْ خَيْرٍ} تفسير : [البقرة: 215] الآية، وقوله {أية : يَسْأَلُونَكَ مَاذَآ أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَاتُ}تفسير : [المائدة: 4] الآية، وقوله: {أية : يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ} تفسير : [البقرة: 217] إلى غير ذلك من الآيات، أما في آية "طه" هذه فقال فيها: {فَقُلْ يَنسِفُهَا} بالفاء. وقد أجاب القرطبي رحمه الله عن هذا في تفسير هذه الآية بما نصه: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْجِبَالِ} أي عن حال الجبال يوم القيامة، فقل. جاء هذا بفاء، وكل سؤال في القرآن "قل" بغير فاء إلا هذا. لأن المعنى: إن سألوك عن الجبال فقل، فتضمن الكلام معنى الشرط، وقد علم الله أنهم يسألونه عنها فأجابهم قبل السؤال. وتلك أسئلة تقدمت، سألوا عنها النَّبي صلى الله عليه وسلم فجاء الجواب عقب السؤال. فلذلك كان بغير فاء. وهذا سؤال لم يسألوه عنه بعد فتفهمه - انتهى منه. وما ذكره يحتاج إلى دليل، والعلم عند الله تعالى.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: يسألونك عن الجبال: أي المشركون عن الجبال كيف تكون يوم القيامة. فقل ينسفها ربي نسفا: أي يفتتها ثم تذروها الرياح فتكون هباء منبثاً. قاعا صفصفا: أي مستوياً. عوجا ولا أمتا: اي لا ترى فيها انخفاضاً ولا ارتفاعاً. الداعي: أي إلى المحشر يدعوهم إليه للعرض على الرب تعالى. وخشعت الأصوات: أي سكنت فلا يسمع إلا الهمس وهو صوت الأقدام الخفي. ورضي له قولا: بأن قال لا إله إلا الله من قلبه صادقاً. ولا يحيطون به علما: الله تعالى ما بين أيدي الناس وما خلفهم، وهم لا يحيطون به علماً. وعنت الوجوه للحي القيوم: أي ذلت وخضعت للرب الحي الذي لا يموت. من حمل ظلما: أي جاء يوم القيامة يحمل أوزار الظلم وهو الشرك. ظلما ولا هضما: أي لا يخاف ظلما بأن يزاد في سيئاته ولا هضماً بأن ينقص من حسناته. معنى الآيات: يقول تعالى لرسوله: {وَيَسْأَلُونَكَ} أي المشركين من قومك المكذبين بالبعث والجزاء {عَنِ ٱلْجِبَالِ} عن مصيرها يوم القيامة فقل له: {يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً فَيَذَرُهَا قَاعاً صَفْصَفاً لاَّ تَرَىٰ فِيهَا عِوَجاً وَلاۤ أَمْتاً} أي أجبهم بأن الله تعالى يفتتها ثم ينسفها فتكون هباء منبثاً، فيترك أماكنها قاعاً صفصفاً أي أرضاً مستوية لا ترى فيها عوجاً ولا أمتا أي لا انخفاضاً ولا ارتفاعاً. وقوله {يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ ٱلدَّاعِيَ لاَ عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ ٱلأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَـٰنِ فَلاَ تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْساً} أي يوم تقوم القيامة فيُنشرون يدعوهم الداعي هلموا إلى أرض المحشر فلا يميلون عن صوته يمنةً ولا يُسرة وهو معنى لا عوج له. وقوله تعالى: {وَخَشَعَتِ ٱلأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَـٰنِ} أي ذلت وسكنت {فَلاَ تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْساً} وهو صوت خفي كأصوات خفاف الإِبل إذا مشت وقوله تعالى: {يَوْمَئِذٍ لاَّ تَنفَعُ ٱلشَّفَاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً} أي يُخبر تعالى إنهم يوم جمعهم للمحشر لفصل القضاء لا تنفع شفاعة أحدٌ أحداً إلا من أذن له الرحمن في الشفاعة، ورضي له قولا أي وكان المشفوع فيه من أهل التوحيد أهل لا إله إلا الله وقوله {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً} أي يعلم ما بين أيدي أهل المحشر أي ما يسيحكم به عليهم من جنة أو نار، وما خلفهم مما تركوه من أعمال في الدنيا، وهم لا يحيطون به عز وجل علماً، فلذا سيكون الجزاء عادلاً رحيماً، وقوله: {وَعَنَتِ ٱلْوُجُوهُ لِلْحَيِّ ٱلْقَيُّومِ} أي ذلت وخضعت كما يعنو بوجهه الأسير، والحي القيوم هو الله جل جلاله وقوله تعالى: {وَقَدْ خَابَ} أي خسر {مَنْ حَمَلَ ظُلْماً} ألا وهو الشرك والعياذ بالله وقوله تعالى: {وَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ} والحال أنه مؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسوله واليوم الآخر والبعث الآخر فهذا لا يخاف ظلما بالزيادة في سيِّآته، ولا هضما بنقص من حسناته، وهي عدالة الله تعالى تتجلى في موقف الحساب والجزاء. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- بيان جهل المشركين في سؤالهم عن الجبال. 2- تقرير مبدأ البعث الآخر. 3- لا شفاعة لغير أهل التوحيد فلا يَشفع مشرك، ولا يُشفع لمشرك. 4- بيان خيبة المشركين وفوز الموحدين يوم القيامة.
د. أسعد حومد
تفسير : {وَيَسْأَلُونَكَ} (105) - وَسَأَلَتْ قُرَيْشٌ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم عَنْ مَصِيرِ الجِبَالِ، وَكَيْفَ يَفْعَلُ بِهَا يَوْمَ القِيَامَةِ؟ وَأَمَرَ اللهُ تَعَالَى رَسُولَهُ الكَرِيمَ بِأَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ بِأَنَّ اللهَ سَيَنْسِفُهَا نَسْفاً وَيَدُكُّها دَكّاً، فَلاَ يُبْقِي لَهَا أَثَراً. يَنْسِفُهَا - يَقْتَلِعُهَا أَوْ يُفَتِّتُهَا وَيُفَرِّقُهَا بِالرِّيَاحِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : تكلمنا عن (يسألونك) في قوله تعالى: {أية : يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ ..}تفسير : [البقرة: 219]. والسؤال استفهام يعني: طلب فَهْم يحتاج إلى جواب، والسؤال إما أن يكون من جاهل لعالم، كالتلميذ يسأل أستاذه ليعلم الجواب، أو: من عالم لجاهل، كالأستاذ يسأل تلميذه ليعرف مكانته من العلم وإقراره بما يعلم. وهذه المسألة حَلَّتْ لنا إشكالاً كان المستشرقون يُوغلون فيه، يقولون: بينما الحق - تبارك وتعالى - يقول: {أية : فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَآنٌّ}تفسير : [الرحمن: 39] يقول في آية أخرى: {أية : وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَّسْئُولُونَ}تفسير : [الصافات: 24] فالأولى تنفي السؤال، والثانية تُثبته؛ لذلك اتهموا القرآن بالتضارب بين آياته. وهؤلاء معذورون، فليست لديهم المَلَكة العربية لفَهْم الأداء القرآني، وبيان هذه الإشكال أن السؤال يرِدُ في اللغة إمَّا لتعلمَ ما جهلتَ، وإما لتقرير المجيب بما تعلم أنت ليكون حجة عليه. فالحق سبحانه حين يقول: {أية : وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَّسْئُولُونَ}تفسير : [الصافات: 24] أي: سؤالَ إقرار، لا سؤالَ استفهام، فحين ينفي السؤال ينفي سؤال العلم من جهة المتكلم، وحين يثبت السؤال فهو سؤال التقرير. والحدث مرة يُنفَى، ومرة يُثبت، لكن جهة النفي مُنفكَّة عن جهة الإثبات، فمثلاً الحق سبحانه يقول لرسوله صلى الله عليه وسلم: {أية : وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ ..}تفسير : [الأنفال: 17]. فنفى الرمي في الأولى، وأثبته في الثانية، والحدث واحد، والمثَبت له والمنفيّ عنه واحد هو محمد صلى الله عليه وسلم. فكيف نخرج من هذا الإشكال؟ أرمَى الرسول أم لم يَرْمِ؟ ولتوضيح هذه المسألة ضربنا مثلاً بالأب الذي جلس بجوار ولده كي يذاكر دروسه، فأخذ الولد يذاكر، ويُقلِّب صفحات الكتاب، وحين أراد الأب اختبار مدى ما حصَّل من معلومات لم يجد عنده شيئاً، فقال للولد: ذاكرت وما ذاكرت. ذاكرت يعني: فعلت فِعْل المذاكر، وما ذاكرت لأنك لم تُحصِّل شيئاً. فرسول الله صلى الله عليه وسلم حينما رمى، أيمكنه أنْ يُوصل هذه الرمية إلى أعين الجيش كله؟ إذن: فرسول الله أخذ قبضة من التراب ورمى بها ناحية الجيش، إنما قدرة الله هي التي أوصلتْ حفنة التراب هذه وذَرَّتْها في أعيُنِ الأعداء جميعاً. ومن ذلك أيضاً قوله تعالى: {أية : وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ}تفسير : [الجاثية: 26] فنفتْ عنهم العلم، وفي آية أخرى: {أية : يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِّنَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا ..}تفسير : [الروم: 7] فأثبتتْ لهم عِلْماً. نعود إلى قوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْجِبَالِ ..} [طه: 105] وحينما استعرضنا (يَسْألُونَكَ) في القرآن الكريم وجدنا جوابها مسبوقاً بـ (قُلْ) كما في قوله تعالى: {أية : يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ ..}تفسير : [البقرة: 219]. وقوله تعالى {أية : يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَٱلْحَجِّ ..}تفسير : [البقرة: 189] وهكذا في كل الآيات، ما عدا قوله تعالى هنا {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً} [طه: 105] فاقترن الفعل (قُلْ) بالفاء، لماذا؟ قالوا: لأن السؤال في كُلِّ هذه الآيات سؤال عن شيء وقع بالفعل، فكان الجواب بقُلْ. مثل: {أية : وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى ..}تفسير : [البقرة: 222] أما {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْجِبَالِ ..} [طه: 105] قال في الجواب {فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً} [طه: 105]؛ لأنه حَدَثٌ لم يقع بَعْد. والحق - سبحانه وتعالى - يُخبر رسوله صلى الله عليه وسلم أنه سيُسَأل هذا السؤال، فكأن الفاء هنا دَلَّتْ على شرط مُقدّر، بمعنى: إنْ سألوك بالفعل فقُلْ: كذا وكذا. إذن: السؤال عن الجبال لم يكُنْ وقت نزول الآية، أمَّا الأسئلة الأخرى فكانت موجودة، وسُئِلت لرسول الله قبل نزول آياتها. وقد تأتي إجابة السؤال بدون (قُلْ) كما في قوله تعالى: {أية : وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ..}تفسير : [البقرة: 186] ولم يقُلْ هنا (قُلْ أو فقُلْ) لأنها تدُّل على الواسطة بين الله تعالى وبين عباده، وكأن الحق - سبحانه - يُوضّح أنه قريب من عباده حتى عن الجواب بقُلْ. وقد تتعجب: كيف تأتي في القرآن كل هذه الأسئلة لرسول الله مع أن القرآن كتاب منهج جاء بتكاليف قد تشقُّ على الناس؛ لأنه يلزمهم بأمور تخالف ما يشتهون، فكان المفروض ألاَّ يسألوا عن الأمور التي لم ينزل فيها حكم. نقول: دَلَّتْ أسئلتهم هذه على عِشْقهم لأحكام الله وتكاليفه، فالأشياء التي كانت عاداتٍ لهم في الجاهلية يريدون الآن أنْ يُؤدُّوها على طريقة الإسلام على أنها عبادة، لا مجرد عادة جاهلية. مع أن النبي صلى الله عليه وسلم نهاهم عن السؤال فقال: "حديث : دعوني ما تركتكم، إنما أهلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم ". تفسير : ومع ذلك سألوا وأرادوا أنْ تُبنَى حياتهم على منهج القرآن من الله، لا على أنه إِلْف عادة كانت لهم في الجاهلية، إذن: هذه الأسئلة ترسيمٌ للأمر من جانب الحق سبحانه وتعالى. وقوله تعالى: {فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً} [طه: 105] تكلمنا عن هذا المعنى في قوله تعالى: {أية : لَّنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي ٱلْيَمِّ نَسْفاً}تفسير : [طه: 97] فالمراد: نُفتِّتها ونذروها في الهواء، وأكَّد النسف، فقال {أية : نَسْفاً}تفسير : [طه: 97] ليؤكد أن الجبل سيتفتت إلى ذرات صغيرة يذروهاالهواء. فقد يتصوَّر البعض أنْ الجبال تُهَدُّ، وتتحول إلى كُتَل صخرية كما نُفجِّر نحن الصخور الآن إلى قطع كبيرة؛ لذلك أكّد على النسف، وأن الجبال ستكون ذرات تتطاير؛ لذلك قال في آية أخرى: {أية : وَتَكُونُ ٱلْجِبَالُ كَٱلْعِهْنِ ٱلْمَنفُوشِ}تفسير : [القارعة: 5] أي: كالصوف المندوف. لكن، لماذا ذكر الجبال بالذات؟ قالوا: لأن الإنسان يرى أنه ابْنُ أغيار في ذاته، وابن أغيار فيما حوله مِمَّا يخدمه من حيوان أو نبات، فيرى الحيوان يموت أو يُذبَح، ويرى النبات يذبل ثم يجفّ ويتفتَّت، والإنسان نفسه يموت وينتهي. إذن: كل ما يراه حوله بيِّن فيه التغيير والانتهاء، إلا الجبال يراها راسية ثابتة، لا يلحقها تغيير ظاهر على مرِّ العصور. لذلك يُضرب بها المثل في الثبات، كما في قوله الحق سبحانه وتعالى: {أية : وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ وَعِندَ ٱللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ ٱلْجِبَالُ}تفسير : [إبراهيم: 46]. فالجبال مظهر للثبات، فقد يتساءل الإنسان عن هذا الخلْق الثابت المستقر، ماذا سيفعل الله به؟ ثم يقول الحق سبحانه: {فَيَذَرُهَا قَاعاً صَفْصَفاً ...}.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يخبر تعالى عن أهوال القيامة، وما فيها من الزلازل والقلاقل، فقال: { وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ } أي: ماذا يصنع بها يوم القيامة، وهل تبقى بحالها أم لا؟ { فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا } أي: يزيلها ويقلعها من أماكنها فتكون كالعهن وكالرمل، ثم يدكها فيجعلها هباء منبثا، فتضمحل وتتلاشى، ويسويها بالأرض، ويجعل الأرض قاعا صفصفا، مستويا لا يرى فيه أيها الناظر عِوَجًا، هذا من تمام استوائها { وَلا أَمْتًا } أي: أودية وأماكن منخفضة، أو مرتفعة فتبرز الأرض، وتتسع للخلائق، ويمدها الله مد الأديم، فيكونون في موقف واحد، يسمعهم الداعي، وينفذهم البصر، ولهذا قال: { يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ } وذلك حين يبعثون من قبورهم ويقومون منها، يدعوهم الداعي إلى الحضور والاجتماع للموقف، فيتبعونه مهطعين إليه، لا يلتفتون عنه، ولا يعرجون يمنة ولا يسرة، وقوله: { لا عِوَجَ لَهُ } أي: لا عوج لدعوة الداعي، بل تكون دعوته حقا وصدقا، لجميع الخلق، يسمعهم جميعهم، ويصيح بهم أجمعين، فيحضرون لموقف القيامة، خاشعة أصواتهم للرحمن، { فَلا تَسْمَعُ إِلا هَمْسًا } أي: إلا وطء الأقدام، أو المخافتة سرا بتحريك الشفتين فقط، يملكهم الخشوع والسكون والإنصات، انتظارا لحكم الرحمن فيهم، وتعنو وجوههم، أي: تذل وتخضع، فترى في ذلك الموقف العظيم، الأغنياء والفقراء، والرجال والنساء، والأحرار والأرقاء، والملوك والسوقة، ساكتين منصتين، خاشعة أبصارهم، خاضعة رقابهم، جاثين على ركبهم، عانية وجوههم، لا يدرون ماذا ينفصل كل منهم به، ولا ماذا يفعل به، قد اشتغل كل بنفسه وشأنه، عن أبيه وأخيه، وصديقه وحبيبه {أية : لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ } تفسير : فحينئذ يحكم فيهم الحاكم العدل الديان، ويجازي المحسن بإحسانه، والمسيء بالحرمان. والأمل بالرب الكريم، الرحمن الرحيم، أن يرى الخلائق منه، من الفضل والإحسان، والعفو والصفح والغفران، ما لا تعبر عنه الألسنة، ولا تتصوره الأفكار، ويتطلع لرحمته إذ ذاك جميع الخلق لما يشاهدونه [فيختص المؤمنون به وبرسله بالرحمة] (1) فإن قيل: من أين لكم هذا الأمل؟ وإن شئت قلت: من أين لكم هذا العلم بما ذكر؟ قلنا: لما نعلمه من غلبة رحمته لغضبه، ومن سعة جوده، الذي عم جميع البرايا، ومما نشاهده في أنفسنا وفي غيرنا، من النعم المتواترة في هذه الدار، وخصوصا في فصل القيامة، فإن قوله: { وَخَشَعَتِ الأصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ } {أية : إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ } تفسير : مع قوله {أية : الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ } تفسير : مع قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن لله مائة رحمة أنزل لعباده رحمة، بها يتراحمون ويتعاطفون، حتى إن البهيمة ترفع حافرها عن ولدها خشية أن تطأه -أي:- من الرحمة المودعة في قلبها، فإذا كان يوم القيامة، ضم هذه الرحمة إلى تسع وتسعين رحمة، فرحم بها العباد ". تفسير : مع قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لله أرحم بعباده من الوالدة بولدها " تفسير : فقل ما شئت عن رحمته، فإنها فوق ما تقول، وتصور ما شئت، فإنها فوق ذلك، فسبحان من رحم في عدله وعقوبته، كما رحم في فضله وإحسانه ومثوبته، وتعالى من وسعت رحمته كل شيء، وعم كرمه كل حي، وجل من غني عن عباده، رحيم بهم، وهم مفتقرون إليه على الدوام، في جميع أحوالهم، فلا غنى لهم عنه طرفة عين. وقوله: { يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلا } أي: لا يشفع أحد عنده من الخلق، إلا إذا أذن في الشفاعة ولا يأذن إلا لمن رضي قوله، أي: شفاعته، من الأنبياء والمرسلين، وعباده المقربين، فيمن ارتضى قوله وعمله، وهو المؤمن المخلص، فإذا اختل واحد من هذه الأمور، فلا سبيل لأحد إلى شفاعة من أحد. وينقسم الناس في ذلك الموقف قسمين: ظالمين بكفرهم وشرهم، فهؤلاء لا ينالهم إلا الخيبة والحرمان، والعذاب الأليم في جهنم، وسخط الديان. والقسم الثاني: من آمن الإيمان المأمور به، وعمل صالحا من واجب ومسنون { فَلا يَخَافُ ظُلْمًا } أي: زيادة في سيئاته { وَلا هَضْمًا } أي: نقصا من حسناته، بل تغفر ذنوبه، وتطهر عيوبه، وتضاعف حسناته، {أية : وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا }.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):