Verse. 2457 (AR)

٢٠ - طه

20 - Ta-Ha (AR)

يَوْمَىِٕذٍ لَّا تَنْفَعُ الشَّفَاعَۃُ اِلَّا مَنْ اَذِنَ لَہُ الرَّحْمٰنُ وَرَضِيَ لَہٗ قَوْلًا۝۱۰۹
Yawmaithin la tanfaAAu alshshafaAAatu illa man athina lahu alrrahmanu waradiya lahu qawlan

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«يومئذ لا تنفع الشفاعة» أحداً «إلا من أذن له الرحمن» أن يشفع له «ورضي له قولا» بأن يقول: لا إله إلا الله.

109

Tafseer

البيضاوي

تفسير : {يَوْمَئِذٍ لاَّ تَنفَعُ ٱلشَّفَاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ} الاستثناء من الشفاعة أي إلا شفاعة من أذن له أو من أعم المفاعيل، أي إلا من أذن في أن يشفع له فإن الشفاعة تنفعه، فَـ {مَنْ} على الأول مرفوع على البدلية وعلى الثاني منصوب على المفعولية و {أَذِنَ } يحتمل أن يكون من الاذن ومن الأذن. {وَرَضِىَ لَهُ قَوْلاً } أي ورضي لمكانه عند الله قوله في الشفاعة أو رضي لأجله قول الشافع في شأنه، أو قوله لأجله وفي شأنه. {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ } ما تقدمهم من الأحوال. {وَمَا خَلْفَهُمْ } وما بعدهم مما يستقبلونه. {وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً } ولا يحيط علمهم بمعلوماته، وقيل بذاته وقيل الضمير لأحد الموصولين أو لمجموعها، فإنهم لم يعلموا جميع ذلك ولا تفصيل ما علموا منه. {وَعَنَتِ ٱلْوُجُوهُ لِلْحَىِّ ٱلْقَيُّومِ} ذلت وخضعت له خضوع العناة وهم الأساري في يد الملك القهار، وظاهرها يقتضي العموم ويجوز أن يراد بها وجوه المجرمين فتكون اللام بدل الإِضافة ويؤيده. {وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً } وهو يحتمل الحال والاستئناف ما لأجله عنت وجوههم. {وَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ} بعض الطاعات. {وَهُوَ مُؤْمِنٌ } إذ الإِيمان شرط في صحة الطاعات وقبول الخيرات. {فَلاَ يَخَافُ ظُلْماً } منع ثواب مستحق بالوعد {وَلاَ هَضْماً } ولا كسراً منه بنقصان أو جزاء ظلم وهضم لأنه لم يظلم غيره ولم يهضم حقه، وقرىء «فلا يخف» على النهي. {وَكَذٰلِكَ } عطف على كذلك نقص أي مثل ذلك الإِنزال أو مثل إنزال هذه الآيات المتضمنة للوعيد. {أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيّاً} كله على هذه الوتيرة. {وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ ٱلْوَعِيدِ } مكررين آيات الوعيد. {لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ } المعاصي فتصير التقوى لهم ملكة. {أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً } عظة واعتباراً حين يسمعونها فتثبطهم عنها، ولهذه النكتة أسند التقوى إليه والإِحداث إلى القرآن. {فَتَعَـٰلَى ٱللَّهُ } في ذاته وصفاته عن مماثلة المخلوقين لا يماثل كلامه كلامهم كما لا تماثل ذاته ذاتهم. {ٱلْمَلِكُ } النافذ أمره ونهيه الحقيق بأن يرجى وعده ويخشى وعيده. {ٱلْحَقُّ} في ملكوته يستحقه لذاته، أو الثابت في ذاته وصفاته {وَلاَ تَعْجَلْ بِٱلْقُرْءَانِ مِن قَبْلِ إَن يُقْضَىٰ إِلَيْكَ وَحْيُهُ } نهي عن الاستعجال في تلقي الوحي من جبريل عليه السلام ومساوقته في القراءة حتى يتم وحيه بعد ذكر الإِنزال على سبيل الاستطراد. وقيل نهي عن تبليغ ما كان مجملاً قبل أن يأتي بيانه. {وَقُل رَّبِّ زِدْنِى عِلْماً} أي سل الله زيادة العلم بدل الاستعجال فإن ما أوحى إليك تناله لا محالة. {وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَىٰ ءَادَمَ} ولقد أمرناه يقال تقدم الملك إليه وأوعز إليه وعزم عليه وعهد إليه إذا أمره، واللام جواب قسم محذوف وإنما عطف قصة آدم على قوله {أية : وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ ٱلْوَعِيدِ } تفسير : [الأحقاف: 27] للدلالة على أن أساس بني آدم على العصيان وعرقهم راسخ في النسيان. {مِن قَبْلُ } من قبل هذا الزمان. {فَنَسِىَ } العهد ولم يعن به حتى غفل عنه، أو ترك ما وصي به من الاحتراز عن الشجرة. {وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً } تصميم رأي وثباتاً على الأمر إذ لو كان ذا عزيمة وتصلب لم يزله الشيطان ولم يستطع تغريره، ولعل ذلك كان في بدء أمره قبل أن يجرب الأمور ويذوق شريها وأريها. وعن النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : لو وزنت أحلام بني آدم بحلم آدم لرجح حلمه وقد قال الله تعالى {وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً }»تفسير : وقيل عزماً على الذنب لأنه أخطأ ولم يتعمده ونجد إن كان من الوجود الذي بمعنى العلم فله عزماً مفعولاه، وإن كان من الوجود المناقض للعدم فله حال من عزماً أو متعلق بنجد.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى: {يَوْمَئِذٍ} أي: يوم القيامة {لاَّ تَنفَعُ ٱلشَّفَاعَةُ} أي: عنده {إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَرَضِىَ لَهُ قَوْلاً} كقوله: {أية : مَن ذَا ٱلَّذِى يَشْفَعُ عِندَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} تفسير : [البقرة: 255]، وقوله: {أية : وَكَمْ مِّن مَّلَكٍ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ لاَ تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاَّ مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ ٱللَّهُ لِمَن يَشَآءُ وَيَرْضَىٰ} تفسير : [النجم: 26]، وقال: {وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ٱرْتَضَىٰ وَهُمْ مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ}. وقال: {وَلاَ تَنفَعُ ٱلشَّفَـٰعَةُ عِندَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ}، وقال: {أية : يَوْمَ يَقُومُ ٱلرُّوحُ وَٱلْمَلاَئِكَةُ صَفّاً لاَّ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَقَالَ صَوَاباً} تفسير : [النبأ: 38]. وفي "الصحيحين" من غير وجه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو سيد ولد آدم، وأكرم الخلائق على الله عز وجل: أنه قال: «حديث : آتي تحت العرش، وأخر لله ساجداً، ويفتح علي بمحامد لا أحصيها الآن، فيدعني ما شاء أن يدعني، ثم يقول: يا محمد ارفع رأسك، وقل تسمع، واشفع تشفع قال:- فيحد لي حداً، فأدخلهم الجنة ثم أعود» تفسير : فذكر أربع مرات، صلوات الله وسلامه عليه وعلى سائر الأنبياء. وفي الحديث أيضاً: «حديث : يقول تعالى: أخرجوا من النار من كان في قلبه مثقال حبة من إيمان، فيخرجون خلقاً كثيراً، ثم يقول: أخرجوا من النار من كان في قلبه نصف مثقال من إيمان، أخرجوا من النار من كان في قلبه ما يزن ذرة، من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال ذرة من إيمان» تفسير : الحديث. وقوله: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ} أي: يحيط علماً بالخلائق كلهم {وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً} كقوله: {أية : وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَآءَ} تفسير : [البقرة: 255]. وقوله: {وَعَنَتِ ٱلْوُجُوهُ لِلْحَىِّ ٱلْقَيُّومِ} قال ابن عباس وغير واحد: خضعت وذلت واستسلمت الخلائق لجبارها الحي الذي لا يموت، القيوم الذي لا ينام، وهوقيم على كل شيء يدبره ويحفظه، فهو الكامل في نفسه، الذي كل شيء فقير إليه، لا قوام له إلا به. وقوله: {وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً} أي: يوم القيامة، فإن الله سيؤدي كل حق إلى صاحبه، حتى يقتص للشاة الجماء من الشاة القرناء، وفي الحديث: «حديث : يقول الله عز وجل: وعزتي وجلالي لا يجاوزني اليوم ظلم ظالم» تفسير : وفي الصحيح «حديث : إياكم والظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، والخيبة كل الخيبة من لقي الله وهو به مشرك، فإن الله تعالى يقول: إن الشرك لظلم عظيم»تفسير : . وقوله: {وَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلاَ يَخَافُ ظُلْماً وَلاَ هَضْماً} لما ذكر الظالمين ووعيدهم، ثنى بالمتقين وحكمهم، وهو أنهم لا يظلمون ولا يهضمون، أي: لا يزاد في سيئاتهم، ولا ينقص من حسناتهم، قاله ابن عباس ومجاهد والضحاك والحسن وقتادة وغير واحد، فالظلم: الزيادة؛ بأن يحمل عليه ذنب غيره، والهضم: النقص.

المحلي و السيوطي

تفسير : {يَوْمَئِذٍ لاَّ تَنفَعُ ٱلشَّفَٰعَةُ } أحداً {إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحْمَٰنُ } أن يشفع له {وَرَضِىَ لَهُ قَوْلاً } بأن يقول: لا إله إلا الله.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ} فيه خسمة أوجه: أحدها: أي ذلت، قاله ابن عباس. الثاني: خشعت، قاله مجاهد، والفرق بين الذل والخشوع- وإن تقارب معناهما- هو أنّ الذل أن يكون ذليل النفس، والخشوع: أن يتذلل لذي طاعة. قال أمية بن الصلت: شعر : وعنا له وجهي وخلقي كله في الساجدين لوجهه مشكورا تفسير : الثالث: عملت، قاله الكلبي. الرابع: استسلمت، قاله عطية العوفي. الخامس: أنه وضع الجبهة والأنف على الأرض في السجود، قاله طلق بن حبيب. {الْقَيُّومِ} فيها ثلاثة تأويلات: أحدها: أنه القائم على كل نفس بما كسبت، قاله الحسن. الثاني: القائم بتدبير الخلق. الثالث: الدائم الذي لا يزول ولا يبيد. {وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً} يعني شركاً. قوله تعالى: {فَلاَ يَخَافُ ظُلْماً وَلاَ هَضْماً} فيه وجهان: أحدهما: فلا يخاف الظلم بالزيادة في سيئاته، ولا هضماً بالنقصان من حسناته، قاله ابن عباس، والحسن، وقتادة. الثاني: لا يخاف ظلماً بأن لا يجزى بعمله، ولا هضماً بالانتقاص من حقه، قاله ابن زيد، والفرق بين الظلم والهضم أن الظلم المنع من الحق كله، [والهضم] المنع من بعضه، والهضم ظلم وإن افترقا من وجه، قال المتوكل الليثي: شعر : إن الأذلة واللئام لمعشر مولاهم المتهضم المظلوم

النسفي

تفسير : {يَوْمَئِذٍ لاَّ تَنفَعُ ٱلشَّفَاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ } محل من رفع على البدل من {ٱلشَّفَـٰعَةَ } بتقدير حذف المضاف أي لا تنفع الشفاعة إلا شفاعة من أذن له الرحمن أي أذن للشافع في الشفاعة {وَرَضِىَ لَهُ قَوْلاً } أي رضي قولاً لأجله بأن يكون المشفوع له مسلماً أو نصب على أنه مفعول {تَنفَعُ } {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ } أي يعلم ما تقدمهم من الأحوال وما يستقبلونه {وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً } أي بما أحاط به علم الله فيرجع الضمير إلى «ما» أو يرجع الضمير إلى الله لأنه تعالى ليس بمحاط به {وَعَنَتِ } خضعت وذلت ومنه قيل للأسير: عانٍ {ٱلْوجُوهَ } أي أصحابها {لِلْحَىّ } الذي لا يموت وكل حياة يتعقبها الموت فهي كأن لم تكن {ٱلْقَيُّومُ } الدائم القائم على كل نفس بما كسبت أو القائم بتدبير الخلق {وَقَدْ خَابَ } يئس من رحمة الله {مَنْ حَمَلَ ظُلْماً } من حمل إلى موقف القيامة شركاً لأن الظلم وضع الشيء في غير موضعه ولا ظلم أشد من جعل المخلوق شريك من خلقه {وَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّـٰلِحَـٰتَ } الصالحات الطاعات {وَهُوَ مُؤْمِنٌ } مصدق بما جاء به محمد عليه السلام، وفيه دليل أنه يستحق اسم الإيمان بدون الأعمال الصالحة وأن الإيمان شرط قبولها {فَلاَ يَخَافُ } أي فهو لا يخاف {فَلاَ يخف} على النهي: مكي {ظُلْماً } أن يزداد في سيئاته {وَلاَ هَضْماً } ولا ينقص من حسناته وأصل الهضم النقص والكسر.

الخازن

تفسير : {يومئذ لا تنفع الشفاعة} لأحد من الناس {إلا من أذن له الرحمن} يعني إلا من أذن له أن يشفع {ورضي له قولاً} قال ابن عباس: يعني قال لا إله إلا الله، وفيه دليل على أنه لا يشفع غير المؤمن، وقيل إن درجة الشافع درجة عظيمة فهي لا تحصل إلا لمن يأذن الله له فيها وكان عند الله مرضياً {يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم} قيل الكناية راجعة إلى الذين يتبعون الداعي، أي يعلم الله ما قدموا من الأعمال وما خلفوا من الدنيا وقيل الضمير يرجع إلى من أذن له الرحمن وهو الشافع، والمعنى لا تنفع الشفاعة إلا لمن أذن له الرحمن أن يشفع ثم قال يعلم ما بين أيديهم أي أيدي الشافعين وما خلفهم {ولا يحيطون به علماً} قيل الكناية ترجع إلى ما أي هو يعلم ما بين راجعة إلى الله تعالى أي ولا يحيطون بالله علماً {وعنت الوجوه} يعني ذلت وخضعت في ذلك اليوم ويصير الملك والقهر لله تعالى دون غيره وذكر الوجوه وأراد بها المكلفين لأن عنت من صفات المكلفين لا من صفات الوجوه وإنما خص الوجوه بالذكر لأن الخضوع بها يتبين وفيها يظهر وقوله تعالى {للحي القيوم} تقدم تفسيره {وقد خاب من حمل ظلماً}. قال ابن عباس خسر من أشرك بالله {ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلماً ولا هضماً} قال ابن عباس معناه لا يخاف أن يزاد على سيئاته ولا ينقص من حسناته، وقيل لا يؤخذ بذنب لم يعمله ولا تبطل عنه حسنة عملها قوله تعالى {وكذلك أنزلناه} أي كما بينا في هذه السورة أو هذه الآية المتضمنة للوحيد أنزلنا القرآن كله كذلك وقوله {قرآناً عربياً} أي بلسان العرب ليفهموا ويقفوا على إعجازه وحسن نظمه وخروجه عن كلام البشر {وصرفنا فيه من الوعيد} أي كررنا وفصلنا القول فيه بذكر الوعيد ويدخل تحت الوعيد بيان الفرائض والمحارم لأن الوعيد بهما يتعلق فتكريره وتصريفه يقتضي بيان الأحكام فلذلك قال تعالى {لعلهم يتقون} أي يجتنبون الشرك والمحارم وترك الواجبات {أو يحدث لهم ذكراً} أي إنما أنزلنا القرآن ليصبروا متقين مجتنبين ما لا ينبغي ويحدث لهم القرآن ذكراً يرغبهم في الطاعات وفعل ما ينبغي، وقيل معناه يجدد لهم القرآن عبرة وعظة فيعتبرون ويتعظون بذكر عقاب الله الأمم قوله تعالى {فتعالى الله الملك الحق} أي جل الله وعظم عن إلحاد الملحدين وعما يقوله المشركون والجاحدون وقيل فيه تنبيه على ما يلزم خلقه من تعظيمه وتمجيده، وقيل إنما وصف نفسه بالملك الحق لأن ملكه لا يزول ولا يتغير وليس بمستفاد من قبل الغير ولا غيره وأولى به منه {ولا تعجل بالقرآن} أراد النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا نزل عليه جبريل بالقرآن يبادره فيقرأ معه قبل أن يفرغ جبريل مما يريده من التلاوة ومخافة الانفلات أو النسيان فنهاه الله تعالى عن ذلك فقال تعالى {ولا تعجل بالقرآن} أي ولا تعجل بقراءته {من قبل أن يقضى إليك وحيه} أي من قبل أن يفرغ جبريل من الإبلاغ وقيل معناه لا تقرئه أصحابك ولا تمله عليهم حتى يتبين لك معناه {وقل رب زدني علماً} فيه التواضع والشكر لله والمعنى زدني علماً إلى ما علمت فإن لك في كل شيء علماً وحكمة، قيل ما أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بطلب الزيادة في شيء إلا في العلم. وكان ابن مسعود إذا قرأ هذه الآية يقول اللهم زدني علماً وإيماناً ويقيناً قوله عزّ وجلّ {ولقد عهدنا إلى آدم} يعني أمرناه وأوحينا إليه أن لا يأكل من الشجرة {من قبل} أي من هؤلاء الذين نقضوا عهدي وتركوا الإيمان بي وهم الذين ذكرهم الله تعالى في قوله تعالى {لعلهم يتقون} {فنسي} أي فترك ما عهدنا إليه من الاحتراز عن أكل هذه الشجرة وأكل منها، وقيل أراد النسيان الذي هو ضد الذكر {ولم نجد له عزماً} أي صبراً عما نهي عنه وحفظاً لما أمر به، وقيل معناه لم نجد له رأياً معزوماً حيث أطاع عدوه إبليس الذي حسده وأبى أن يسجد له، وقيل معناه لم نجد له عزماً على المقام على المعصية فيكون إلى المدح أقرب قوله عز وجل {وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس إبى} أن يسجد {فقلنا يا آدم إن هذا} أي إبليس {عدو لك ولزوجتك} أي حواء وسبب العداوة ما رأى من آثار نعمة الله على آدم فحسده فصار عدواً له {فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى} أسند الخروج إليه، وإن كان الله تعالى هو المخرج لأنه لما كان بوسوسته وفعل آدم ما يترتب عليه الخروج صح ذلك. ومعنى تشقى تتعب وتنصب ويكون عيشك من كد يمينك بعرق جبينك، وهو الحرث والزرع والحصد والطحن والخبز قيل أهبط إلى آدم ثور أحمر فكان يحرث عليه ويمسح العرق عن جبينه فكان ذلك شقاءه. فإن قلت لم أسند الشقاء إلى آدم دون حواء. قلت فيه وجهان أحدهما: أن في ضمن شقاء الرجل شقاء أهله، كما أن في سعادته سعادتهم لأنه القيم عليهم. الثاني: إنه أريد بالشقاء التعب في طلب القوت وذلك على الرجل دون المرأة لأن الرجل هو الساعي على زوجته {إن لك أن لا تجوع فيها} يعني الجنة {ولا تعرى وأنك لا تظمأ فيها} أي تعطش {ولا تضحى} أي تبرز للشمس فيؤذيك حرها لأنه ليس في الجنة شمس وأهلها في ظل ممدود والمعنى أن الشبع والري والكسوة والسكن هي الأمور التي يدور عليها كفاف الإنسان. فذكر الله تعالى حصول هذه الأشياء في الجنة وإنه مكفي لا يحتاج إلى كفاية كاف ولا إلى كسب كاسب كما يحتاج إلى أهل الدنيا.

البقاعي

تفسير : ولما تقرر ما للأصوات من الانخفات، وكان قد أشير فيما مضى إلى وقوع الشفاعة من بعض أخصائه بإذنه، وكان الحشر للحساب بمعرض التقريب لبعض والتبعيد لبعض، وكانت العادة جارية بأن المقرب يشفع للمبعد، لما بين أهل الجمع من الوصل والأسباب المقتضية لذلك، وكان الكفار يزعمون أن آلهتهم تشفع لهم قال نافياً لأن تقع شفاعة بغير إذنه، معظماً ذلك اليوم بالإنذار منه مرة بعد مرة: {يومئذ} أي إذ كان ما تقدم {لا تنفع الشفاعة} أي لا تكون شفاعة ليكون لها نفع، لأنه قد ثبت بما مضى أنه لا صوت، وتقرر في تحقيق المحصورات من علم الميزان أن السالبة الحقيقية لا تستدعي وجود الموضوع في الخارج، وإنما حول العبارة لأن المقصود بالذات النفع، فنفيه بادىء بدا أفظع، وقرع السمع به أولاً أهول وأفزع {إلا} أي إلا شفاعة {من أذن له الرحمن} العام النعمة {ورضي له قولاً*} ولو الإيمان المجرد. ولما نفي أن تقع الشفاعة بغير إذنه، علل ذلك - كما سلف في آية الكرسي - بقوله: {يعلم ما بين أيديهم} أي الخلائق وهو كل ما يعلمونه {وما خلفهم} وهو كل ما غاب عنهم علمه، أي علمه سبحانه محيط بهم، فهو يمنع قلوبهم في ذلك اليوم بما يوجد من الأسباب أن تهم بما لا يرضاه {ولا يحيطون به علماً*} ليحترزوا عما يقدره عليهم، و{علماً} تمييز منقول من الفاعل، أي ولا يحيط علمهم به - قال أبو حيان. والأقرب عندي كونه منقولاً عن المفعول الذي تعدى إليه الفعل بحرف الجر، أي ولا يحيطون بعلمه، فيكون ذلك أقرب إلى ما في آية الكرسي. ولما ذكر خشوع الأصوات، أتبعه خضوع دونها فقال: {وعنت الوجوه} أي ذلت وخضعت واستسلمت وجوه الخلائق كلهم، وخصها لشرفها ولأنها أول ما يظهر فيه الذل {للحي} الذي هو مطلع على الدقائق والجلائل، وكل ما سواه جماد حيث ما نسبت حياته إلى حياته {القيوم} الذي لا يغفل عن التدبير ومجازاة كل نفس بما كسبت {وقد خاب} أي خسر خسارة ظاهرة {من حمل} منهم أو من غيرهم {ظلماً*}. ولما ذكر الظالم، أتبعه الحكيم فقال: {ومن يعمل} ولما كان الإنسان محل العجز وإن اجتهد، قال {من الصالحات} أي التي أمره الله بها بحسب استطاعته، لأنه "لن يقدر الله أحد حق قدره" "ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه" {وهو مؤمن} ليكون بناؤها على الأساس، وعبر بالفاء إشارة إلى قبول الأعمال وجعلها سبباً لذلك الحال فقال: {فلا يخاف ظلماً} بأن ينسب إليه سوء لم يقترفه لأن الجزاء من جنس العمل، وقراءة ابن كثير بلفظ النهي محققة للمبالغة في النفي {ولا هضماً} أي نقصاً من جزائه وإن كان هو لم يوف المقام حقه لأنه لا يستطيع ذلك، وأصل الهضم الكسر، وأما غير المؤمن فلو عمل أمثال الجبال من الأعمال لم يكن لها وزر.

ابو السعود

تفسير : {يَوْمَئِذٍ} أي يوم إذ يقع ما ذُكر من الأمور الهائلةِ {لاَّ تَنفَعُ ٱلشَّفَاعَةُ} من الشفعاء أحداً {إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ} أن يشفع له {وَرَضِىَ لَهُ قَوْلاً} أي ورضيَ لأجله قولَ الشافع في شأنه أو رضي قوله لأجله وفي شأنه، وأما من عداه فلا تكاد تنفعه وإنْ فُرِضَ صدورُها عن الشفعاء المتصدّين للشفاعة للناس كقوله تعالى: { أية : فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَـٰعَةُ ٱلشَّـٰفِعِينَ} تفسير : [المدثر: 48] فالاستثناءُ كما ترى من أعم المفاعيل، وأما كونُه استثناءً من الشفاعة على معنى لا تنفع الشفاعةُ إلا شفاعةُ من أذِن له الرحمٰنُ أن يشفع لغيره كما جوزوه، فلا سبـيل إليه لِما أن حُكم الشفاعةِ ممن لم يؤذَنْ له أن يملِكَها ولا تصدرُ هي عنه أصلاً كما في قوله تعالى: { أية : لاَّ يَمْلِكُونَ ٱلشَّفَـٰعَةَ إِلاَّ مَنِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحْمَـٰنِ عَهْداً} تفسير : [مريم: 87] وقوله تعالى: { أية : وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ٱرْتَضَىٰ} تفسير : [الأنبياء: 28] فالإخبارُ عنها بمجرد عدم نفعِها للمشفوع له ربما يوهم إمكانَ صدورِها عمن لم يؤذَنْ له مع إخلاله بمقتضى مقامِ تهويل اليوم، وأما قوله تعالى: { أية : وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَـٰعَةٌ} تفسير : [البقرة: 48] فمعناه عدمُ الإذنِ في الشفاعة لا عدمُ قبولها بعد وقوعها {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ} أي ما تقدمهم من الأحوال، وقيل: من أمر الدنيا {وَمَا خَلْفَهُمْ} وما بعدهم مما يستقبلونه، وقيل: من أمر الآخرة {وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً} أي لا تحيط علومُهم بمعلوماته تعالى، وقيل: بذاته أي من حيث اتصافُه بصفات الكمالِ التي من جملتها العلمُ الشاملُ، وقيل: الضمير لأحد الموصولين أو لمجموعهما فإنهم لا يعلمون جميع ذلك ولا تفصيلَ ما علموا منه. {وَعَنَتِ ٱلْوُجُوهُ لِلْحَىّ ٱلْقَيُّومِ} أي ذلت وخضعت خضوعَ العُناة أي الأُسارى في يد الملكِ القهارِ ولعلها وجوه المجرمين كقوله تعالى: { أية : سِيئَتْ وُجُوهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} تفسير : [الملك: 27] ويؤيده قوله تعالى: {وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً} قال ابن عباس رضي الله عنهما: خسِر من أشرك بالله ولم يتُب، وهو استئنافٌ لبـيان ما لأجله عنت وجوهُهم، أو اعتراضٌ، كأنه قيل: خابوا وخسِروا، وقيل: حالٌ من الوجوه ومَنْ عبارةٌ عنها مغنيةٌ عن ضميرها، وقيل: الوجوهُ على العموم فالمعنى حينئذ وقد خاب من حمل ظلماً فقوله تعالى: {وَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّـٰلِحَـٰتَ} الخ، قسيمٌ لقوله: {وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً} لا لقوله تعالى: {وَعَنَتِ ٱلْوُجُوهُ} الخ، كما أنه كذلك على الوجه الأول أي ومن يعملْ بعضَ الصالحات أو بعضاً من الصالحات على أحد الوجهين المذكورين في تفسير قوله تعالى: {مِنْ أَنْبَاء مَا قَدْ سَبَقَ} {وَهُوَ مُؤْمِنٌ} فإن الإيمان شرطٌ في صحة الطاعاتِ وقَبول الحسنات {فَلاَ يَخَافُ ظُلْماً} أي منْعَ ثوابٍ مستحَقٍ بموجب الوعد {وَلاَ هَضْماً} ولا كسْراً منه يَنْقُص، أو لا يخاف جزاءَ ظلمٍ وهضْمٍ إذ لم يصدُر عنه ظلمٌ ولا هضمٌ حتى يخافَهما، وقرىء فلا يخَفْ على النهي.

السلمي

تفسير : قال الواسطى فى قوله: يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا به قال: أن لا ينسب إلى نفسه شيئًا، ولا يرى نعته فإذا عاين نعته نسى الأول، وإذا أظهر عليه رضوانه ذهب ما دونه، وقيل فى قوله: {وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً} هو تولى إظهاره عليه، وجعله قائمًا مغيبًا عن شاهده حتى لا ينطق بحضرته من ذات نفسه. قال ابن عطاء: لا يحيطون بشىء من ربوبيته علمًا لأنه لم يظهر شيئًا إلا تحت تلبيس لكن لا يستوى علمان فى شىء واحد، ومن لا يرى الكل تلبيسًا كان المكر فيه قريبًا. قال الواسطى رحمه الله فى قوله: {يَوْمَئِذٍ...} الآية. قال: أن لا ينسب إلى نفسه شيئًا، ولا يرى نعته فإذا رأى نعته نسى الأول، وإذا ظهر عليه رضوانه ذهب ما دونه، وقيل فى قوله: {وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً} هو تولى إظهاره عليه، وجعله قائمًا به مغيبًا عن شاهده حتى لا ينطق بحضرته من ذات نفسه.

القشيري

تفسير : دليلُ الخطابِ أَنَّ مَنْ أَذِنَ له في الشفاعةِ تنفعه الشفاعةُ، وإذا قُبلَتْ شفاعة أحدٍ بإذن الرحمن فَمِنَ المُحالِ ألاَّ تُقْبَلَ شفاعةُ الرسولِ - صلى الله عليه وسلم - وهو أفضل الكافة، وشفاعةُ الأكابر من صفوته مقبولةٌ في الأصاغر في المُؤجَلِّ وفي المُعَجّل. والحقُّ سبحانه يُشَفَّعُ الشيوخَ في مريديهم اليوم. ويقال شفاعة الرسول عليه السلام غداً للمطيعين بزيادة الدرجة، وللعاصين بغفران الزَّلَّة، كذلك شفاعة الشيوخ - اليوم - للمريدين على قسمين: للذين هم أصحاب السلوك فبزيادة التحقيق والتوفيق، وللذين هم أصحاب التَّخَبُّطِ والغِرَّة فبالتجاوز عنهم، وعلى هذا يُحْمَلُ قولُ قائلهم: شعر : إِذَا مَرِضْتُم أَتْيْناكُم نعودُكُم وتُذْنِبُون فنأتيكم ونعتَذِرُ! تفسير : وحكاياتُ السَّلفِ من الشيوخ مع مريديهم في أوقات فترتهم معروفة، وهي مُشَاكِلةٌ لهذه الجملة، وإن شفاعتَهم لا تكون إلا بتعريفٍ من قِبَلِ الله في الباطن، ويكون ذلك أدباً لهم في ذلك.

اسماعيل حقي

تفسير : {يومئذ} اى يوم اذ يقع ما ذكر من الامور الهائلة {لا تنفع الشفاعة} من الشفعاء احدا. قال الامام الراغب الشفاعة الانضمام الى آخر ناصرا له وسائلا عنه واكثر ما يستعمل فى انضمام من هو اعلى مرتبة الى من هو ادنى ومنه الشفاعة فى القيامة {الا من اذن له الرحمن} فى ان يشفع له والاذن فى الشئ اعلام باجازته والرخصة فيه {ورضى له قولا} اى ورضى لاجله قول الشافع فى شأنه واما من عداه فلا تكاد تنفعه وان فرض صدورها عن الشفعاء المتصدين للشفاعة للناس كقوله تعالى {أية : فما تنفعهم شفاعة الشافعين}تفسير : فالاستثناء من اعم المفاعيل.

الجنابذي

تفسير : {يَوْمَئِذٍ لاَّ تَنفَعُ ٱلشَّفَاعَةُ} الجملة مستأنفة جوابٌ لسؤالٍ مقدّرٍ او حال {إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ} اى الاّ شفاعة من اذن ولا تنفع الشّفاعة احداً الاّ من اذن فى شفاعته او من احدٍ الاّ ممّن اذن او لاحدٍ الاّ لمن اذن له الرّحمن، وقد مضى فى سورة البقرة وغيرها احتياج الشّفاعة الى الاذن من الله او من خلفائه المأذونين منه بلا واسطةٍ او بالواسطة؛ وانّ الامر بالمعروف والنّهى عن المنكر والفتيا للنّاس والقضاوات والمحاكمات وامامة الجماعة والجمعة وغير ذلك ممّا يرجع الى العلماء كلّها شفاعات ولا تصحّ الاّ ممّن اذن له الرّحمن، والمتصدّى لها من غير اجازةٍ واذنٍ من الله ابغض الخلق الى الله، اعاذنا الله من شرور نفوسنا {وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً} الجارّ والمجرور امّا لغو وصلة رضى اى رضى لاجله قولاً من الشّافع او فى حقّه قولاً من الشّافع، او لاجله قولاً منه فى الشّفاعة، او مستقرّ حال من قولاً اى رضى قوله سواء كان شافعاً او مشفّعاً له، وتنكير قولاً لتغليب جانب الرّجاء يعنى اذا كان الانسان بحيث يرضى الله منه قولاً حقيراً ينفع الشّفاعة فى حقّه او ينفع شفاعته فى حقّ الغير.

الهواري

تفسير : قوله عزّ وجلّ: {يَوْمَئِذٍ لاَّ تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً} أي التوحيد والعمل بالفرائض. وهو كقوله عز وجل: (أية : يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالمَلآئِكَةُ صَفّاً لاَّ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقَالَ صَوَاباً) تفسير : [النبأ: 38] أي التوحيد. والكفار ليست لهم شفاعة، لا يشفع لهم، كقوله عز وجل: (أية : وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى) تفسير : [الأنبياء: 28]. قوله عز وجل: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ} أي: من أمر الآخرة {وَمَا خَلْفَهُمْ} أي: من أمر الدنيا إذا صاروا في الآخرة. {وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً} أي: ويعلم ما لا يحيطون به علماً. وهو تبع للكلام الأول، أي: ويعلم ما لا يحيطون به علماً، أي: ما لا يعلمون. قوله عز وجل: {وَعَنَتِ الوُجُوهُ لِلْحَيِّ القَيُّومِ} أي: وذلّت الوجوه للحيّ القيّوم وتفسير القيّوم: القائم على كل نفس بما كسبت حتى يجزيها بعملها. قوله عزّ وجلّ: {وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً} أي: من مشرك ومن منافق؛ أي: خاب من حمل شركاً، وخاب من حمل نفاقاً. وهو ظلم دون ظلم وظلم فوق ظلم. قوله عزّ وجلّ: {وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلاَ يَخَافُ ظُلْماً وَلاَ هَضْماً} أي: لا يجزى بالعمل الصالح في الآخرة إلا المؤمن، ويجزى به الكافر في الدنيا. {فَلاَ يَخَافُ ظُلْماً} أي يزاد عليه في سيئاته من تفسير الحسن. وقال بعضهم: {فَلاَ يَخَافُ ظُلْماً} أي: أن يحمل عليه من ذنب غيره. {وَلاَ هَضْماً} أي: ولا ينقص من حسناته.

اطفيش

تفسير : {يَوْمَئِذٍ} متعلق بينفع؛ إذ لا صدر للا النافية على الصحيح إن لم تكن من باب كان أو إن {لاَ تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إلاّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ} مَن مفعول لتنفع والمستثنى منه محذوف وهو المفعول فى الأصل وهو عام، أى لا تنفع الشفاعة أحداً إلا من أذن له الرحمن فى أن يشفع له. وأما غيره فمن رام الشفاعة فيه لم تقبل منه. فهذا نبينا صلى الله عليه وسلم يشفع فى أناس فيقال له: بدَّلوا وغيَّروا فلا شفاعة لهم وغيره كثير. واللام للتعدية ومَن واقع على المشفوع له. والإذن بمعنى الأمر. ويجوز أن يكون من بدلا من الشفاعة أو منصوبا على الاستثناء منها ويقدر مضاف أى إلا شفاعة من أذن له الرحمن، فَمن واقعة على الشافع وأذن بمعنى أمر أو سمع واللام للتعدية أو للتعليل أى إلا شفاعة من أمر الله لعظمته وكرامته عنده بأن يشفع أو مَن سمع الله قوله فى الشفاعة لكرامته عنده ومفعول تنفع محذوف وليس الاستثناء منه أو لا يقدَّر له مفعول ومتعلق أذن محذوف كما قررته ولك تقدير مفعول له أى إلا شفاعة من سمع قوله فى الشفاعة. {وَرَضِىَ لَهُ} أى لذلك الذى نفعته الشفاعة، فاللام للتعدية أو للتعليل. وأجيز كون اللامين للتعليل مع إيقاع مَن والهاء بين المشفوع له ويجوز كون له حالا من قولا ولو جعلنا القول قول الشافع فى الشفاعة ورجعنا الهاء للمشفوع له؛ لأن قول الشافع منفعة للمشفوع له. {قَوْلاً} فى شأن الشفاعة. وقيل: القول: قول المشفوع له وهو قول لا إله إلا الله محمد رسول الله وما جاء به حق فمن رضى منه هذا القول بأن أتبعه بالعمل الصالح قبلت فيه الشفاعة. ويجوز أن يراد قول الشافع وأنه لا تقبل إلا شفاعة من يقول ذلك قولا مرضيًا مقبولا منه.

اطفيش

تفسير : {يومئذ} يوم إذ وقع أو يقع ما ذكر على ما مر يتعلق نجشعت، أو بتسمع أو بدل من يوم القيامة، أو من يومئذ وبقوله: {لا تَنْفع الشفاعة} على أنه لا صدر للا إذا لم تعلم عمل أن، أو كانت فى جواب القسم، والمعنى لا تنفع الشفاعة أحدا {إلاَّ مَنْ أذن لهُ الرَّحْمن} أذن له أن يشفع له شافع، واللام للنفع، وأجيز أن تكون للتعليل {ورَضَى لَهُ} هذه اللام مثل الأولى، متعلق برضى، أو بمحذوف نعت لقوله: {قَولاً} من شافع يقول: اللهم ارجع هذا أؤمنه نفسه أعنى المشفوع له يقول فى الدنيا: لا إله ألا الله، ويتبعه بالوفاء، وقد يشفع شافع بلا إذن من الله، فلا تنفع أو يشفع متقبل، ومن الأول قوله صلى الله عليه وسلم فى المجرور الى النار: "حديث : هذا يا ربى من أمتى أو من أصحابى فيقال له: لا تدرى ما أحدث؟ فيقول سحقاً ". تفسير : ويجوز أن يكون من أذن له هو الشافع على حذف مضاف، أى لا تنفع الشفاعة أحداً إلا شفاعة من أذن له الرحمن أن يشفع، ورضى له، أى لهذا الشافع قولا، هو أن يقول: يا رب أرجع هذا، فيكون معنى الإذن إصدار الشفاعة منه، ولو لم يقل له اشفع مطلقا.

الالوسي

تفسير : {يَوْمَئِذٍ } أي يوم إذ يقع ما ذكر من الأمور الهائلة وهو ظرف لقوله تعالى: {لاَّ تَنفَعُ ٱلشَّفَاعَةُ } وجوز أن يكون بدلاً من {أية : يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} تفسير : [طه: 101] أو من {أية : يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ} تفسير : [طه: 108] والمراد لا تنفع الشفاعة من الشفعاء أحداً {إِلاَّ مَنْ أَذِنَ } في الشفاعة. {لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ } فالاستثناء من أعم المفاعيل و {مِنْ } مفعول {تَنفَعُ } وهي عبارة عن المشفوع له و {لَهُ } متعلق / بمقدر متعلق بِـ {اذن}، وفي «البحر» أن اللام للتعليل وكذا في قوله تعالى: {وَرَضِىَ لَهُ قَوْلاً } أي ورضي لأجله قول الشافع وفي شأنه أو رضي قول الشافع لأجله وفي شأنه فالمراد بالقول على التقديرين قول الشافع، وجوز فيه أيضاً أن لا يكون للتعليل، والمعنى ورضي قولاً كائناً له فالمراد بالقول قول المشفوع وهو على ما روي عن ابن عباس لا إله إلا الله، وحاصل المعنى عليه لا تنفع الشفاعة أحداً إلا من أذن الرحمن في أن يشفع له وكان مؤمناً، والمراد على كل تقدير أنه لا تنفع الشفاعة أحداً إلا من ذكر وأما من عداه فلا تكاد تنفعه وإن فرض صدورها عن الشفعاء المتصدين للشفاعة للناس كقوله تعالى: {أية : فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَـٰعَةُ ٱلشَّـٰفِعِينَ } تفسير : [المدثر: 48]. وجوز في «البحر» و «الدر المصون» أن لا يقدر مفعول لتنفع تنزيلاً له منزلة اللازم والاستثناء من شفاعة و(من) في محل رفع على البدلية منها بتقدير مضاف أو في محل نصب على الاستثناء بتقديره أيضاً أي إلا شفاعة من أذن الخ، و(من) عبارة عن الشافع والاستثناء متصل ويجوز أن يكون منقطعاً إذا لم يقدر شيء ومحل {مِنْ } حينئذٍ نصب على لغة الحجاز ورفع على لغة تميم، واعترض كون الاستثناء من الشفاعة على تقدير المضاف بأن حكم الشفاعة ممن لم يؤذن له أن يملكها ولا تصدر عنه أصلاً ومعنى {أية : لا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَـٰعَةٌ } تفسير : [البقرة: 48] لا يؤذن لها فيها لا أنها لا تقبل بعد وقوعها فالإخبار عنها بمجرد عدم نفعها للمشفوع له ربما يوهم إمكان صدورها حين لم يأذن له مع إخلاله بمقتضى مقام تهويل اليوم.

د. أسعد حومد

تفسير : {يَوْمَئِذٍ} {ٱلشَّفَاعَةُ} (109) - وَفِي يَوْمِ القِيَامَةِ لاَ تَنْفَعُ شَفَاعَةٌُ عِنْدَ اللهِ إِلاَّ إِذَا أَذَنَ اللهُ لِلشَّافِعِ بِأَنْ يَشْفَعَ، وَرَضِيَ قَوْلَهُ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : والشفاعة تقتضي مشفوعاً له وهو الإنسان. وشافعاً وهو الأعلى منزلةً، ومشفوعاً عنده: والمشفوع عنده لا يسمح بالشفاعة هكذا ترتجلها من نفسك، إنما لا بُدَّ أنْ يأذنَ لك بها، وأنْ يضعَك في مقام ومرتبة الشفاعة، وهذا شَرْط في الشافع. وقوله تعالى: {وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً} [طه: 109] هذه للمشفوع له، أن يقول قولاً يرضى الله عنه - وإنْ قصَّر في جهة أخرى - وخَيْر ما يقوله العبد ويرضى عنه الله أن يقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فهذه مَقُولة مَرْضيَّة عند الله، وهي الأمل الذي يُتعلق به، والبُشّْرى لأهل المعاصي؛ لأنها كفيلة أن تُدخِلهم في شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم. فإذا كان لديك خَصْلة سيئة، أو نقطة ضعف في تاريخك تراها عقبةً فلا تيأس، وانظر إلى زاوية أخرى في نفسك تكون أقوى، فأكثِرْ بها الحسنات، لأن الحسنات يُذهِبْن السيئات.