٢٠ - طه
20 - Ta-Ha (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
111
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَعَنَتِ ٱلْوُجُوهُ} أي ذلّت وخضعت؛ قاله ابن الأعرابي وغيره. ومنه قيل للأسير عانٍ. قال أمية بن أبي الصَّلْت: شعر : مليكٌ على عرش السّماءِ مُهَيْمِنٌ لعزّته تَعنُو الوجوهُ وتَسجدُ تفسير : وقال أيضاً:شعر : وَعَنَا له وَجْهِي وخَلْقِي كلُّه في الساجدين لوجهه مَشْكُورَا تفسير : قال الجوهري: عنا يعنو خضع وذلّ وأعناه غيره؛ ومنه قوله تعالى: {وَعَنَتِ ٱلْوُجُوهُ لِلْحَيِّ ٱلْقَيُّومِ}. ويقال أيضاً: عَنا فيهم فلان أسيراً؛ أي أقام فيهم على إساره واحتبس. وَعَنَّاه غيرُه تعنيةً حبسه. والعاني الأسير. وقوم عُناة ونسوة عَوَانٍ. وَعَنَتْ به أمورٌ نزلت. وقال ابن عباس: «عَنَت» ذلّت. وقال مجاهد: خشعت. الماوردي: والفرق بين الذل والخشوع ـ وإن تقارب معناهما ـ أن الذل أن يكون ذليل النفس، والخشوع أن يتذلل لذي طاعة. وقال الكلبي: «عنت» أي عملت. عطية العوفي: استسلمت. وقال طَلْق بن حبيب: إنه وضع الجبهة والأنف على الأرض في السجود. النحاس: {وَعَنَتِ ٱلْوُجُوهُ} في معناه قولان: أحدهما: أن هذا في الآخرة. وروى عكرمة عن ابن عباس «وَعَنَتِ الْوجُوهُ لِلْحَيّ الْقَيُّومِ» قال: الركوع والسجود؛ ومعنى «عنت» في اللغة القهر والغلبة، ومنه فتحت البلاد عَنوة أي غلبة؛ قال الشاعر:شعر : فما أخذوها عَنْوةً عن مودّة ولكنْ بضرب المَشْرَفيّ اسْتقَالَها تفسير : وقيل: هو من العناء بمعنى التعب؛ وكنى عن الناس بالوجوه؛ لأن آثار الذل إنما تتبين في الوجه. {لِلْحَيِّ ٱلْقَيُّومِ} وفي القيوم ثلاثة تأويلات؛ أحدها: أنه القائم بتدبير الخلق. الثاني: أنه القائم على كل نفس بما كسبت. الثالث: أنه الدائم الذي لا يزول ولا يبيد. وقد مضى في «البقرة» هذا. {وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً} أي خسر من حمل شركاً. قوله تعالى: {وَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ} لأن العمل لا يقبل من غير إيمان. و«من» في قوله: {مِنَ ٱلصَّالِحَاتِ} للتبعيض؛ أي شيئاً من الصالحات. وقيل: للجنس. {فَلاَ يَخَافُ} قرأ ابن كثير ومجاهد وابن محيصن «يَخَف» بالجزم جواباً لقوله: {وَمَن يَعْمَلْ}. الباقون «يَخَافُ» رفعاً على الخبر؛ أي فهو لا يَخَافُ؛ أو فإنه لا يخاف. {ظُلْماً} أي نقصاً لثواب طاعته، ولا زيادة عليه في سيئاته. {وَلاَ هَضْماً} بالانتقاص من حقه. والهضم النقص والكسر؛ يقال: هضمتُ ذلك من حقّي أي حططتُه وتركته. وهذا يهضم الطعام أي ينقص ثقله. وامرأة هَضِيمُ الكشح ضامرة البطن. الماوردي: والفرق بين الظلم والهضم أن الظلم المنع من الحق كله، والهضم المنع من بعضه، والهضم ظلم وإن افترقا من وجه؛ قال المتوكل الليثي: شعر : إنّ الأذلَة واللئامَ لَمعشرٌ مَوْلاَهُم المتهضّم المظلومُ تفسير : قال الجوهري: ورجل هَضيمٌ ومُهتضَم أي مظلوم. وتَهضَّمه أي ظلمه واهتضمه إذا ظلمه وكَسَر عليه حقه.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَعَنَتِ ٱلْوُجُوهُ } خضعت {لِلْحَىِّ ٱلْقَيُّومِ } أي الله {وَقَدْ خَابَ } خسر {مَنْ حَمَلَ ظُلْماً } أي شِركاً.
ابن عبد السلام
تفسير : {وَعَنَتِ} ذلت، أو خشعت، الذليل أن يكون ذليل النفس والخشوع أن يتذلل لذي طاعة أو عملت أو استسلمت، أو وضع الجبهة والأنف على الأرض في السجود {الْقَيُّومِ} القائم على كل نفس بما كسبت، أو بتدبير الخلق، أو الدائم الذي لا يزول ولا يبيد {حَمَلَ ظُلْماً} شركاً.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {وَعَنَتِ ٱلْوُجُوهُ} معناه: ذلّت، وخضعت، والعَانِي: الأسِير؛ ومنه قوله صلى الله عليه وسلم في أمر النساء: «هن عوان عندكم» وهذه حالةُ النَّاس يومَ القيامة. قال * ص *: وَعَنَتْ: من عَنَا يَعْنُو: ذَلَّ، وخَضَعَ؛ قال أُمَيَّةُ ٱبنُ أبي الصَّلْت: [الطَّويل] شعر : مَلَيكٌ عَلَىٰ عَرْشِ السَّمَاءِ مُهَيْمِنٌ لِعِزَّتِهِ تَعْنُو الْوُجُوهُ وَتَسْجُدُ تفسير : انتهى. * ت *: وأحادِيثُ الشفاعة قَدِ ٱستفاضَتْ، وبلغت حَدَّ التواتر، ومن أعظمها شفاعة أرْحم الراحمين سبحانه وتعالى ففي «صحيح مُسْلم»، من حديث أبي سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ قال: فيقولُ اللّه عز وجل: «حديث : شَفَعَتِ المَلاَئِكةُ، وشَفَعَ النَّبِيُّونَ، وشَفَعَ المُؤْمِنُونَ، وَلَمْ يَبْقَ إلاَّ أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، فَيَقْبِضُ قَبْضَةً مِنَ النَّارِ، فَيَخْرُجُ مِنْهَا قَوْماً لَمْ يَعْمَلُوا خَيْراً قَطُّ، قَدْ عَادُوا حُمَماً، فَيُلْقِيهِمْ فِي نَهْرِ فِي أَفْوَاهِ الجَنَّةِ» تفسير : وفيه: «حديث : فيخْرُجُونَ كَاللُّؤْلُؤِ، فِي رِقَابِهِمُ الخَوَاتِمُ، يَعْرِفُهُمْ أَهْلُ الجَنَّةِ هَؤُلاَءِ عُتَقَاءُ اللّهِ الَّذِينَ أدْخَلَهُمُ الجَنَّةِ بِغَيْرِ عَمَلٍ عَمَلُوهُ، وَلاَ خَيرٍ قَدَّمُوهُ...»تفسير : الحديث، وخرج أبو القاسم إسحاقُ، بنُ إبراهيم الختلي بسنده عن ٱبنِ عباسٍ، قال: قال رسولُ اللّه صلى الله عليه وسلم: «حديث : إذَا فرغ اللّهُ تعالى مِنَ القَضَاءِ بين خَلْقِه، أخرج كِتَاباً من تحت العَرْشِ؛ أَنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي، وَأَنَا أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، قَالَ: فَيُخْرِجُ مِنَ النَّارِ مِثْلَ أَهْلِ الجَنَّةِ، أَوْ قَالَ: مِثْلَيْ أَهْلِ الجَنَّةِ، قَالَ: وَأَكْبَرُ ظَنِّي أَنَّهُ قَالَ: مِثْلَيْ أَهْلِ الجَنَّةِ، مَكْتُوبٌ بَيْنَ أعْيُنِهِمْ: عُتَقَاءُ اللّهِ»تفسير : : انتهى من «التذكرة». {وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً}، معنى خاب: لم ينجَحْ، ولا ظفر بمطلُوبه، والظلمُ يَعمُّ الشِّركَ والمَعاصِي، وخيبةُ كلّ حاملٍ بقدْرِ ما حمل مِنَ الظُّلْم.
السيوطي
تفسير : وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {وعنت الوجوه} قال: ذلت. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه مثله. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: {وعنت الوجوه} قال: خشعت. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله: {وعنت الوجوه} قال: استأسرت، صاروا أسارى كلهم. وأخرج عبد بن حميد عن أبي العالية {وعنت الوجوه} قال: خضعت. وأخرج الطستي عن ابن عباس، أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله عز وجل: {وعنت الوجوه للحي القيوم} قال: استسلمت وخضعت يوم القيامة. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت الشاعر وهو يقول: شعر : ليبك عليك كل عان بكربه وآل قصيّ من مقل وذي وفر تفسير : وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {وعنت الوجوه} قال: الركوع والسجود. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن طلق بن حبيب رضي الله عنه في قوله: {وعنت الوجوه للحي القيوم} قال: هو وضعك جبهتك وكفيك وركبتيك وأطراف قدميك في السجود. وأخرج ابن المنذر عن ابن جرير رضي الله عنه في قوله: {وقد خاب من حمل ظلماً} قال: شركاً. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه في قوله: {وقد خاب من حمل ظلماً} قال: شركاً. وفي قوله: {فلا يخاف ظلماً ولا هضماً} قال: {ظلماً} أن يزاد في سيئاته. {ولا هضماً} قال: لا ينقص من حسناته. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنه في قوله: {فلا يخاف ظلماً ولا هضماً} قال: لا يخاف أن يظلم فيزاد في سيئاته، ولا يهضم من حسناته. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: {فلا يخاف ظلماً} قال: أن يزاد عليه أكثر من ذنوبه {ولا هضماً} قال: أن ينتقص من حسناته شيئاً. وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {ولا هضماً} قال: غصباً. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: {أو يحدث لهم ذكراً} قال: القرآن {ذكراً} قال: جداً وورعاً. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أنزل عليه جبريل بالقرآن، أتعب نفسه في حفظه حتى يشق على نفسه، يتخوف أن يصعد جبريل ولم يحفظه فينسى ما علمه. فقال الله: {ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه} وقال: {أية : لا تحرك به لسانك لتعجل به} تفسير : [القيامة: 16]. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه} يقول: لا تعجل حتى نبينه لك. وأخرج الفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه، عن الحسن قال: لطم رجل امرأته فجاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم تطلب قصاصاً، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم بينهما القصاص، فأنزل الله {ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه وقل رب زدني علماً} فوقف النبي صلى الله عليه وسلم حتى نزلت {أية : الرجال قوّامون على النساء} تفسير : [النساء: 34] الآية. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد عن الحسن، أنه قرأ {من قبل أن يقضى إليك وحيه}. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: {ولا تعجل بالقرآن} قال: لا تمله على أحد حتى نتمه لك. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه في قوله: {من قبل أن يقضى إليك وحيه} قال: تبيانه. وأخرج الترمذي وابن ماجة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : اللهم انفعني بما علمتني وعلمني ما ينفعني وزدني علماً، والحمد لله على كل حال ". تفسير : وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد عن ابن مسعود: أنه كان يدعو: اللهم زدني إيماناً وفقهاً ويقيناً وعلماً.
التستري
تفسير : قوله تعالى: {وَعَنَتِ ٱلْوُجُوهُ لِلْحَيِّ ٱلْقَيُّومِ}[111] قال: أي خضعت له بقدر مقامها من المعرفة بالله، وتمكين التوفيق منه.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {وَعَنَتِ ٱلْوُجُوهُ لِلْحَيِّ ٱلْقَيُّومِ} [الآية: 111]. قال سهل: خضعت له بقدر معرفتها به وتمكين التوفيق منه.
القشيري
تفسير : ذلَّتْ له الرقاب واستسلم لحُكْمِه الخلْقُ، وخَضَعَت له الجبابرةُ، ومَنْ اقترف الظلمَ بقي في ظُلُماته، وعلى حسب ذلك في الزيادة والنقصان.
اسماعيل حقي
تفسير : {وعنت الوجوه للحى القيوم} يقال عنوت فيهم عنوا وعناه صرت اسيرا كعنيت وخضعت كما فى القاموس وانما قيل عنت دون تعنوا اشعار بتحقيق العنو وثبوته كما فى بحر العلوم. واللام فى الوجوه للجنس اشارة الى الوجوه كلها صالحة وعاصية او للعهد والمراد بها وجوه العصاة كقوله تعالى {أية : سيئت وجوه الذين كفروا}تفسير : وعبر عن المكلفين بالوجوه لان الخضوع فيها يتبين كما فى الكبير. والمعنى ذلت الوجوه يوم الحشر وخضعت للحى القيوم خضوع العناة اى الاسارى فى يد ملك قهار. وفى التأويلات النجمية خضعت وتذللت وجوه المكونات لمكونها الحى الذى به حياة كل حى القيوم الذى به قيام كل شئ احتياجا واضطرارا واستسلاما. وفى العرائس افهم يا صاحب العلم انه سبحانه ذكر الوجوه وفى العرف صاحب الوجه من كان وجيها من كل ذى وجاهة فالانبياء والمرسلون والاولياء والمقربون بالحقيقة هم اصحاب الوجوه وكيف انت بوجوه الحور العين ووجه كل ذى حسن فوجوه الجمهور مع حسنها وجلالها المستفاد من حسن الله وان كانوا جميعا مثل يوسف تلاشت وخرت وخضعت عند كشف نقاب وجهه الكريم وظهور جماله وجلاله القديم: قال المولى جامى شعر : آهنك جمال جاودانى آرم حسنى كه نه دجاودان ازان بيزارم تفسير : وعن ابى امامة الباهلى رضى الله عنه عن النبى صلى الله عليه وسلم "اطلبوا اسم الله الاعظم فى هذه السورة الثلاث البقرة وآل عمران وطه" قال الراوى والمشترك بينها {أية : الله لا اله الا هو الحى القيوم}تفسير : {وقد خاب من حمل} منهم {ظلما} خسر من اشرك بالله ولم يتب: يعنى [بى بهره ماند ونوميد كشت] قال الراغب الخيبة فوق المطلب.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {وقد خاب…} الخ: استئنافٌ، تعليلُ ما لأجله عنت وجوههم، أو اعتراض، كأنه قيل: خابوا وخسروا، أو حال من الوجوه، و {مَنْ}: عبارة عنها، مُغنية عن ضميرها، أي: خضعت الوجوه، والحال أنها خابت حين حملت ظلمًا. وقيل: {الوجوه} على العموم، فالمعنى حينئذ: وقد خاب من حمل منهم ظلمًا، ومن قرأ: "فلا يخف": فعلى النهي، وهو جواب، ومن قرأ بالرفع: فعلى الخبر، أي: فهو لا يخاف. يقول الحقّ جلّ جلاله: {وعَنَتِ الوجوهُ للحيّ القيّوم} أي: ذلت وخضعت خضوع العناة، أي: الأسارى في يد الملك القهار، ومنه قيل للأسير: "عانٍ"، أي: خاضع ذليل، وفي ذلك يقول أمية بن أبي الصلت: شعر : مَليكٌ عَلَى عَرْشِ السماءِ مُهَيْمنٌ لِعزَّتِه تَعْنُو الوُجُوهُ وتَسْجُدُ تفسير : ولعلها وجوه المجرمين، كقوله تعالى {أية : سِيئَتْ وُجُوهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} تفسير : [المُلك: 27]، ويؤيده وصله بقوله: {وقد خابَ من حَمَلَ ظلمًا} أي: وعنت الوجوه؛ لأنها قد خابت وخسرت حين حملت ظلمًا. قال ابن عباس رضي الله عنه: (خسر من أشرك بالله ولم يتب)، فإنما تذل وجوه من أشرك بالله، وأما أهل التوحيد فأشار إليهم بقوله: {ومن يعمل من الصالحات…} الخ، فهو قسيمٌ لقوله: {ومن خاب من حمل ظلمًا}، لا لقوله: {وعنت الوجوه}. وإذا حملنا {عَنَت} على مطلق الخضوع أو السجود كان عامًا، لأن الخلائق كلها تخضع لله في ذلك الوقت. ثم فصلهم: فمن حمل ظلما فقد خاب وخسر، {ومن يعمل من الصالحات} أي: بعضها، {وهو مؤمن}، فالإيمان شرط في صحة الطاعات وقبول الحسنات، {فلا يخاف ظُلمًا} أي: منع ثواب قد استحقه بموجب الوعد، أو زيادة عقاب على موجب سيئاته، {ولا هضمًا} أي: كسرًا ونقصًا من ثواب حسناته، وأصل الهضم: النقص والكسر؛ يقال: هضمت لك من حقك، أي: حططت، وهضمت الطعام: حططته إلى أسفل المعدة، وامرأة هضيمة الكشح: أي: ضامرة البطن، فالحق تعالى إنما تعرض لنفي الظلم والهضم عن عامل الصالحات، لأن نفي ذلك إنما يكون مع العمل، ففيه يتوهم الهضم والنقص، وأما بدونه فلا… نعم، الإيمان المجرد نافع على مذهب أهل السنة، لكن صاحبه على خطر في نفوذ الوعيد، ولو غفر له، فإنه ناقص عن درجة عامل الصالحات، كما علم شرعًا. والله تعالى أعلم. الإشارة: إذا سرحت الفكرة، وجالت في أقطار الملكوت وأسرار الجبروت، وتحققت بعدم الإحاطة، رجعت إلى عش العبودية، وخضعت للحي القيوم، وقد خاب وخسر من لم يبلغ إلى هذا المقام، حين حمل ظلمًا بالميل إلى الشيء من السِّوى، بغلبة الطبع والهوى، وأما من نهض إلى مولاه، واشتغل بالأعمال التي تقربه إلى حضرته، فلا يخاف ظلمًا ولا هضمًا؛ فإن الله يرفع العبد على قدر همته، وينعمه على قدر طاعته. وبهذا جاء الوحي والتنزيل.
الطوسي
تفسير : قرأ ابن كثير وحده {فلا يخف ظلماً} على النهي. الباقون على الخير. قال ابو علي النحوي: قوله {وهو مؤمن} جملة فى موضع الحال والعامل فيها {يعمل} وذو الحال الذكر الذي فى يعمل من {من}، وموضع الفاء، وما بعدها من قوله {فلا يخاف} الجزم، لكونه فى موضع جواب الشرط. والمبتدأ محذوف مراد بعد الفاء، وتقديره: فهو لا يخاف، والأمر في ذلك حسن، لأن تقديره من عمل صالحاً فليأمن، ولا يخف. والمراد الخبر بأن المؤمن الصالح لا خوف عليه وقوله {وعنت الوجوه} أي خضعت وذلت خضوع الاسير في يد القاهر له، والعاني الاسير، ويقال: عنا وجهي لربه يعنو عنواً اي ذل وخضع ومنه: أخذت الشيء عنوة أي غلبة بذل المأخوذ منه، وقد يكون العنوة عن تسليم وطاعة، لأنه على طاعة الذليل للعزيز قال الشاعر: شعر : هل انت مطيعي ايها القلب عنوة ولم تلح نفس لم تلم فى اخيتالها تفسير : وقال آخر: شعر : فما اخذوها عنوة عن مودة ولكن بضرب المشرفيّ استقالها تفسير : و {عنت} ذلت - فى قول ابن عباس ومجاهد وقتادة. و {القيوم} قيل في معناه قولان: احدهما - انه العالم فيما يستقيم به تدبير جميع الخلق، فعلى هذا لم يزل الله قيوماً والثاني - انه القائم بتدبير الخلق، وهي مثل صفة حكيم على وجهين. وقال الجبائي: القيوم القائم بأنه دائم لا يبيد ولا يزول. وقال الحسن: هو القائم على كل نفس بما كست حتى يجزيها. ووجه {عنت الوجوه للحي القيوم} انها تدل عليه، لأن الفعل منه تعالى يدل على انه قادر وكونه قادراً يدل على انه عالم. وقيل: معنى {وعنت الوجوه} هو وضع الجبهة والانف على الارض في السجود - فى قول طلق ابن حبيب وقوله {وقد خاب من حمل ظلماً} أي خسر الثواب من جاء يوم القيامة كافراً ظالماً مستحقاً للعقاب. و {من} فى قوله {من الصالحات} زائدة عند قوم والمراد من يعمل الصالحات. ويحتمل ان تكون للتبعيض، لان جميع الصالحات لا يمكن احد فعلها، فأخبر الله تعالى ان من يعمل الاعمال الصالحات، وهو مؤمن عارف بالله تعالى مصدق بأنبيائه {فلا يخاف ظلماً ولا هضماً} اي لايخاف ظلماً بالزيادة في سيآته، ولا زيادة فى عقابه الذي يستحقه على معاصيه {ولا هضماً} أي ولا نقصاناً من حسناته ولا من ثوابه - في قول ابن عباس والحسن وقتادة - وقيل {لا يخاف ظلماً} بأن لا يجزى بعمله {ولا هضماً} بالانتقاص من حقه - في قول ابن زيد. فمن قرأ "فلا يخاف" أراد الاخبار بذلك. ومن قرأ "فلا يخف" معناه معنى النهي للمؤمن الذي وصفه عن أن يخاف ظلماً او هضماً. وأصل الهضم النقص، يقال: هضمني فلان حقى اي نقصني. وامرأة هضيم الحشا أي ضامرة الكشحين بنقصانه عن حد غيره. ومنه هضمت المعدة الطعام اي نقصت مع تغييرها له. وقوله {وكذلك أنزلناه قرآناً عربياً} أي كما اخبرناك باخبار القيامة أنزلنا عليك يا محمد القرآن {وصرفنا فيه من الوعيد} اي ذكرناه على وجوه مختلفة، وبيناه بألفاظ مختلفة، لكي يتقوا معاصيه ويحذروا عقابه {أو يحدث} القرآن {لهم ذكراً} ومعناه ذكراً يعتبرون به. وقيل {ذكراً} اى شرفاً بايمانهم به. ثم قال تعالى {فتعالى الله الملك الحق} اي ذو الحق، ومعناه ارتفع - معنى صفته - فوق كل شيء سواه، لأنه اقدر من كل قادر، واعلم من كل عالم سواه لأن كل قادر عالم سواه يحتاج اليه، وهو غني عنه. وقوله {ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضي إليك وحيه} اى لا تسأل إنزاله قبل ان يأتيك وحيه. وقيل: معناه لا تلقه الى الناس قبل ان يأتيك بيان تأويله. وقيل: لا تعجل بتلاوته قبل ان يفرغ جبرائيل من ادائه اليك. وقوله {وقل رب زدني علماً} اي استزد من الله علماً الى علمك. وقال الحسن: كان النبي (صلى الله عليه وسلم) إذا نزل عليه الوحي عجل بقراءته مخافة نسيانه. وقوله {ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزماً} قال ابن عباس ومجاهد: معناه عهد الله اليه، بأن امره به ووصاه به "فنسي" اي ترك. وقيل إنما اخذ الانسان من انه عهد اليه فنسي - في قول ابن عباس - وقوله {ولم نجد له عزماً} اى عقداً ثابتاً. وقال قتادة: يعني صبراً. وقال عطية: اى لم نجد له حفظاً. والعزم الارادة المتقدمة لتوطين النفس على الفعل. وقرأ يعقوب {من قبل أن نقضي} بالنون وكسر الضاد وفتح الياء بعدها {وحيه} بنصب الياء. الباقون {يقضى} بناه لما لم يسم فاعله ورفع الياء في قوله {وحيه}،
فرات الكوفي
تفسير : {وقد خاب من حمل ظلماً111} فرات قال: حدثني عبيد بن كثير معنعناً: عن جابر بن يزيد قال: قال أبو الورد - وأنا حاضر- لمحمد بن علي عليهما السلام: رحمك الله أخبرني عن أفضل ما عبد الله به؟ فقال: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله [ص. ب] والمحافظة على الصلوات الخمس مجموعة والدعاء والتضرع إلى الله [تعالى. ب] وصيام شهر رمضان [وأداء الزكاة. ب، أ] وحج البيت وبر الوالدين وصلة الرحم وكثرة ذكر الله والكف عن محارم الله [تعالى. ر] والصبر على [البلاء و. ب] تلاوة القرآن والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وكف اللسان إلاّ أن يقول خيراً وغض البصر. واعلم يا أبا الورد ان الاجتهاد في دين الله المحافظة على الصلوات المجموعة والصبر على ترك المعاصي. واعلم يا أبا الورد ويا جابر إنكما لم تفتشا مؤمناً إلى أن تقوم الساعة عن ذات نفسه إلا عن حب [أمير المؤمنين. ر] علي [بن أبي طالب عليه السلام. ر] وإنكما لم تفتشا كافراً إلى أن تقوم الساعة عن ذات نفسه إلا وجدتماه يبغض [أمير المؤمنين. ر] علياً [ر: علي بن أبي طالب عليه السلام]، وذلك أن الله [تعالى. ر] قضى على لسان محمد صلى الله عليه وآله وسلم لعلي [بن أبي طالب. ر. عليه السلام. ر، ب] أنه لا يبغضك مؤمن ولا يحبك كافر أو منافق، {وقد خاب من حمل ظلما}، ولكن أحبونا حب قصدٍ ترشدوا وتفلحوا أحبونا محبة الإسلام.
اطفيش
تفسير : {وعَنَتِ} ذلَّت كذل العانى أى الأسير {الوُجُوه} الناس، عبَّر عنهم بأشرف الأعضاء الظاهرة، وهو وجوه الرءوس، خصت لذلك الشرف، والسرعة ظهرة الذل إليها، إذا كان، وأل للعهد أو عوض عن الضمير، أى وجوههم، وقيل وجوه المجرمين كقوله تعالى: "أية : سيئت وجوه الذين كفروا" تفسير : [الملك: 27] أو الوجوه بمعنى الأشراف منهم، وذلهم أولى بالذكر. {للحىِّ} الذى لا يتصف بالموت، ولا بحياة الخلق {القيُّوم}. بالخلق إيجاداً وإعداماً وأحوالهم {وقد خاب} خسر وفاته الخير {مَنْ حَمَل ظُلمْا} شركاً أو ما دونه من الكبائر، وحمله البقاء معه حتى مات.
الالوسي
تفسير : {وَعَنَتِ ٱلْوُجُوهُ لِلْحَىّ ٱلْقَيُّومِ } أي ذلت وخضعت خضوع العناة أي الأسارى، والمراد بالوجوه إما الذوات وإما الأعضاء المعلومة وتخصيصها بالذكر لأنها أشرف الأعضاء الظاهرة وآثار الذل أول ما تظهر فيها، وأل فيها للعهد أو عوض عن المضاف إليه أي وجوه المجرمين فتكون الآية نظير قوله تعالى: {أية : سِيئَتْ وُجُوهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } تفسير : [الملك: 27] واختار ذلك الزمخشري وجعل قوله تعالى: {وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً } اعتراضاً ووضع الموصول موضع ضميرهم ليكون أبلغ، وقيل: الوجوه الأَشراف أي عظماء الكفرة لأن المقام مقام الهيبة ولصوق الذلة بهم أولى والظلم الشرك وجملة {وَقَدْ خَابَ } الخ حال والرابط الواو لا معترضة لأنها / في مقابلة {أية : وَهُوَ مُؤْمِنٌ} تفسير : [طه: 112] فيما بعد انتهى. قال صاحب «الكشف»: الظاهر مع الزمخشري والتقابل المعنوي كاف فإن الاعتراض لا يتقاعد عن الحال انتهى. وأنت تعلم أن تفسير الظلم بالشرك مما لا يختص بتفسير الوجوه بالأَشراف وجعل الجملة حالاً بل يكون على الوجه الأول أيضاً بناءً على أن المراد بالمجرمين الكفار، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنه أنه قال في قوله تعالى: {وَقَدْ خَابَ } الخ خسر من أشرك بالله تعالى ولم يتب، وقال غير واحد: الظاهر أن أل للاستغراق أي خضعت واستسلمت جميع الوجوه. وقوله تعالى: {وَقَدْ خَابَ } الخ يحتمل الاستئناف والحالية، والمراد بالموصول إما المشركون وإما ما يعمهم وغيرهم من العصاة وخيبة كل حامل بقدر ما حمل من الظلم فخيبة المشرك دائمة وخيبة المؤمن العاصي مقيدة بوقت العقوبة إن عوقب. وقد تقدم لك معنى ـ الحي القيوم ـ في آية الكرسي.
الشنقيطي
تفسير : قوله: {عَنَتِ} أي ذلت وخضعت. تقول العرب: عنا يعنو عنواً وعناء: إذ ذلك وخضع، وخشع. ومنه قيل للأسير عان. لذله وخضوعه لمن أسره. ومنه قول أمية بن أبي الصلت الثقفي: شعر : مليك على عرش السماء مهيمن لعزته تعنو الوجوه وتسجد تفسير : وقوله أيضاً: شعر : وعنا له وجهي وخلقي كله في الساجدين لوجهه مشكوراً تفسير : واعلم أن العلماء اختلفوا في هذه الآية الكريمة، فقال بعضهم: المراد بالوجوه التي ذلت وخشعت للحي القيوم: وجوه العصا خاصة وذلك يوم القيامة: وأسند الذل والخشوع لوجوههم، لأن الوجه تظهر فيه آثار الذل والخشوع. ومما يدل على هذا المعنى من الآيات القرآنية قوله تعالى: {أية : فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} تفسير : [الملك: 27] الآية، وقوله: {أية : وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ} تفسير : [القيامة: 24-25]، وقوله تعالى: {أية : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ تَصْلَىٰ نَاراً حَامِيَةً} تفسير : [الغاشية: 2-4]، وعلى هذا القول انتصر الزمخشري واستدل له ببعض الآيات المذكورة. وقال بعض العلماء {وَعَنَتِ ٱلْوُجُوهُ}: أي ذلت وخضعت وجوه المؤمنين لله في دار الدنيا، وذلك بالسجود والركوع. وظاهر القرآن يدل على أن المراد الذل والخضوع لله يوم القيامة، لأن السياق في يوم القيامة، وكل الخلائق تظهر عليهم في ذلك اليوم علامات الذل والخضوع لله جل وعلا. وقوله في هذه الآية: {وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً} قال بعض العلماء: أي خسر من حمل شركاً. وتدل لهذا القول الآيات القرآنية الدالة على تسمية الشرك ظلماً. كقوله: {أية : إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} تفسير : [لقمان: 13]، وقوله: {أية : وَٱلْكَافِرُونَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ} تفسير : [البقرة: 254]، وقوله: {أية : وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِّنَ ٱلظَّالِمِينَ} تفسير : [يونس: 106]، وقوله: {وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً} يعم الشرك وغيره من المعاصي. وخيبة كل ظالم بقدر ما حمل من الظلم، والعلم عند الله تعالى. وقوله في هذه الآية الكريمة: {لِلْحَيِّ ٱلْقَيُّومِ} الحي: المتصف بالحياة الذي لا يموت أبداً. والقيوم صيغة مبالغة. لأنه جل وعلا هو القائم بتدبير شؤون جميع الخلق. وهو القائم على كل نفس بما كسبت. وقيل: القيوم الدائم الذي لا يزول.
د. أسعد حومد
تفسير : (111) - وَفِي ذلِكَ اليَوْمِ تَذِلُّ الوُجُوهُ للهِ، وَتَخْضَعُ الخَلاَئِقُ لِجَبَّارِهَا، وَتَسْتَسْلِمُ لِلْحَيِّ القَيُّومِ، الذِي لاَ يَمُوتُ، القَيِّمِ عَلَى كُلِّ شَيءٍ، يُدَبِّرُهُ وَيَحْفَظُهُ، وَهُوَ الكَامِلُ فِي نَفْسِهِ، الذِي يَفْتَقِرُ كُلُّ شَيءٍ إِلَيْهِ، وَلاَ يَقُومُ شَيْءٌ إِلاَّ بِهِ، لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ. وَفِي يَوْمِ القِيَامَةِ يَقْضِي اللهُ تَعَالَى بِالعَدْلِ بَيْنَ الخَلاَئِقِ، وَلاَ يُجَاوِزُهُ ظُلْمُ ظَالِمٍ، وَقَدْ خَابَ وَخَسِرَ وَحُرِمَ الثَّوَابَ مَنْ جَاءَ رَبَّهُ، فِي ذلِكَ اليَوْمِ، وَهُوَ مُشْرِكٌ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ، يَحْمِلُ أَوْزَارَهُ. عَنَتِ الوُجُوهُ - ذَلَّتْ وَخَضَعَتْ. الحَيُّ القَيُّومِ - الدَّائِمُ القِيَامِ بِتَدْبِيرِ أُمُورِ الخَلْقِ. حَمَلَ ظُلْماً - حَمَلَ شِرْكاً أَوْ كُفْراً.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : الوجه أشرف وأكرم شيء في تكوين الإنسان، وهو الذي يُعطِي الشخص سِمَته المميزة؛ لذلك يحميه الإنسان ويحفظه، ألاَ ترى لو أصاب وجهك غُبَار أو تراب أو طين مثلاً تمسحه بيدك، لم تزِدْ على أنك جعلْتَ ما في وجهك في يدك لماذا؟ لأنه أشرف شيء فيك. لذلك، كان السجود لله تعالى في الصلاة علامة الخضوع والخشوع والذلَّة والانكسار له عز وجل، ورضيتَ أن تضع أشرف جزءٍ فيك على الأرض وتباشر به التراب، والإنسان لا يعنُو بوجهه إلا لمَنْ يعتقد اعتقاداً جازماً بأنه يستحقُّ هذا السجود، وأن السجود له وحده يحميه من السجود لغيره، كما قال الشاعر: شعر : والسُّجُودُ الذِي تَجْتَوِيِه مِن أُلُوفِ السُّجُودِ فيهِ نَجَاةُ تفسير : فاسْجُدْ لواحد يكْفك السجود لسواه، واعمل لوجه واحد يكْفك كل الأوْجُه. وقوله: {وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً} [طه: 111] حمل: يعني أخذه عبئاً ثقيلاً عليه. والظلم في أصله أنْ تأخذَ خيراً ليس لك لتنتفع به وتزيد ما عندك، فأنت في الظاهر تزداد كما تظن، إنما الحقيقة أنك تُحمِّل نفسك وِزْراً وحملاً ثقيلاً، سوف تنوء به، وازددْتَ إثماً لا خيراً. والظلم مراتب ودرجات، أدناها أنْ تأخذ ما ليس لك وإن كان حقيراً لا قيمة له، أو تظلم غيرك بأنْ تتناوله في عِرْضه، ثم ترقى الظلم إلى أنْ تصلَ به إلى القمة، وهو الشرك بالله، كما قال سبحانه: {أية : إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}تفسير : [لقمان: 13]. وهو عظيم؛ لأنك أخذتَ حقّاً لله تعالى، وأعطيته لغيره. إذن: فحاول أن تَسْلَم من هذه الآفة؛ لأن الله قال فيها: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ ..}تفسير : [النساء: 48]. ثم يقول الحق سبحانه: {وَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّالِحَاتِ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَعَنَتِ ٱلْوُجُوهُ} معناه خَصعتْ وذَلتْ. ومنهُ وضعُكَ وَجَهَك ويَديكَ ورُكبتيكَ وأَطرافَ قَدميكَ فِي السّجودِ.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : {وَعَنَتِ ٱلْوُجُوهُ لِلْحَيِّ ٱلْقَيُّومِ} [طه: 111] أي: خشعت وتذللت وجوه المكونات؛ لكونها الحي: الذي بحياته كل شيء، القيوم: الذي فيه قيام كل شيء احتفاظاً واضطراراً واستسلاماً {وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً} [طه: 111] أي: خسر من تذلل وخشع وسجد لغير الله {وَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّالِحَاتِ} [طه: 112] أي: الأعمال التي تصلح للتقرب بها إلى الله تعالى {وَهُوَ مُؤْمِنٌ} [طه: 112] بالإيمان الحقيقي دون التقليدي {فَلاَ يَخَافُ ظُلْماً} [طه: 112] أي: فلا خوف عليه بأن يظلم فيسجد لغير الله {وَلاَ هَضْماً} [طه: 112] بأن يظلم ويؤاخذ بما لم يعمل من الشر، أو ينقص مما عمل من الخير شيء؛ إذ أعماله مؤيدة بنور الإيمان الحقيقي. ثم أخبر عن القرآن العظيم والذكر الحكيم بقوله تعالى: {وَكَذٰلِكَ أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً} [طه: 113] إلى قوله تعالى: {عَزْماً} [طه: 115] {وَكَذٰلِكَ أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً} [طه: 113] أي: كما أنزلنا الصحائف والكتب إلى آدم وغيره من الأنبياء بألسنتهم ولغاتهم المختلفات، كذلك {أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً} أي: بلغة العرب وحقيقة كلامه هي الصفة القائمة بذاته المنزهة عن الحروف والأصوات المختلفة المخلوقة، وإنما الأصوات والحروف تتعلق بلغات الألسنة المختلفة. {وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ ٱلْوَعِيدِ} [طه: 113] أي: أوعدنا فيه قومك بأصناف العقوبات التي عاقبنا بها الأمم الماضية وكررنا ذلك عليهم {لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} [طه: 113] عن التعلق بما سوانا نظيره قوله تعالى: {أية : وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِّنَ ٱلْعَذَابِ ٱلأَدْنَىٰ دُونَ ٱلْعَذَابِ ٱلأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} تفسير : [السجدة: 21] أو يحدث لهم أنوار القرآن وأسراره وحقائقه ذكراً؛ أي: يذكروا انتباهاً وذوقاً وهداية يهتدون بها إلينا لئلا ينقطعوا عنا {فَتَعَٰلَى ٱللَّهُ ٱلْمَلِكُ ٱلْحَقُّ} [طه: 114] أي: هو أعلى من أن يعبد ما سواه بالباطل. وفي قوله تعالى: {وَلاَ تَعْجَلْ بِٱلْقُرْءانِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَىٰ إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً} [طه: 114] إشارة إلى سكوته عند قراءة القرآن واستماعه والتدبر في معانيه وأسراره؛ لتنور بأنواره وكشف حقائقه، ولهذا قال الله تعالى: {وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً} [طه: 114] أي: فهماً لإدراك حقائقه، فإنها غير متناهية وتنوراً بأنواره وكخلق لخلقه. {وَلَقَدْ عَهِدْنَآ إِلَىٰ ءَادَمَ مِن قَبْلُ} [طه: 115] أي: من قبل أن يكون له أولاد؛ أي: لا يتعلق بغيرنا، ولا ينقاد لسوانا، فلمَّا دخل الجنة ونظر إلى نعيمها {فَنَسِيَ} [طه: 115] عهدنا وتعلق بالشجرة وانقاد للشيطان {وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً} [طه: 115] يحتمل معنيين: * أحدهما: إن الله تعالى لمَّا خلق آدم تجلى أدم فيه بجميع صفاته، فصارت ظلمات صفات خلقيته مقلوبة مستورة بسطوات تجلي أنوار صفات الربوبية، ولم يبق له عزم التعلق بما سواه والانقياد لغيره، فلمَّا تحركت فيه دواعي البشرية الحيوانية، وتداعت شهوات النفسانية، واشتغل باستيفاء الحظوظ نسى أداء الحقوق، ولهذا سمي الناس ناس؛ لأنه ناس، فنشأت له من تلك المعاملات ظلمات بعضها فوق بعض، وتراكمت حتى صارت غيوم شموس المعارف وأستار أقمار المعارف، فنسى عهود الله مواثيقه وتعلق بالشجرة المنهي عنها، والثاني: أن آدم عليه السلام ظنَّ أن المنهي في قوله: (لا تقربا) تناولهما معاً، فيجوز لكل واحد على الانفراد أكله!!
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 617 : 24 : 25 - سفين (في) قوله {وَعَنَتِ ٱلْوُجُوهُ} قال، خشعت وذلت [الآية 111]. 618 : 25 : 23 - سفين في قوله {وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً} قال، الظلم الشرك [الآية 111].
همام الصنعاني
تفسير : 1831- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {وَعَنَتِ ٱلْوُجُوهُ لِلْحَيِّ ٱلْقَيُّومِ} [الآية: 111] قَالَ: ذَلَّتِ الوُجُوهُ. 1832- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً}: [الآية: 111] قال: خاب من حَمَل شِرْكاً.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):