Verse. 2461 (AR)

٢٠ - طه

20 - Ta-Ha (AR)

وَكَذٰلِكَ اَنْزَلْنٰہُ قُرْاٰنًا عَرَبِيًّا وَّ صَرَّفْنَا فِيْہِ مِنَ الْوَعِيْدِ لَعَلَّہُمْ يَتَّقُوْنَ اَوْ يُحْدِثُ لَہُمْ ذِكْرًا۝۱۱۳
Wakathalika anzalnahu quranan AAarabiyyan wasarrafna feehi mina alwaAAeedi laAAallahum yattaqoona aw yuhdithu lahum thikran

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وكذلك» معطوف على كذلك نقص: أي مثل إنزال ما ذكر «أنزلناه» أي القرآن «قرآناً عربيا وصرفنا» كررنا «فيه من الوعيد لعلهم يتقون» الشرك «أو يُحدث» القرآن «لهم ذكراً» بهلاك من تقدمهم من الأمم فيعتبرون.

113

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن قوله: {وَكَذٰلِكَ } عطف على قوله: {كَذٰلِكَ نَقُصُّ } أي ومثل ذلك لا نزال وعلى نهجه أنزلنا القرآن كله ثم وصف القرآن بأمرين: أحدهما: كونه عربياً لتفهمه العرب فيقفوا على إعجازه ونظمه وخروجه عن جنس كلام البشر. والثاني: قوله: {وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ ٱلْوَعِيدِ } أي كررناه وفصلناه ويدخل تحت الوعيد بيان الفرائض والمحارم لأن الوعيد فعل يتعلق فتكريره يقتضي بيان الأحكام فلذلك قال: {لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ } والمراد اتقاء المحرمات وترك الواجبات ولفظ لعل قد تقدم تفسيره في سورة البقرة في قوله: { أية : وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } تفسير : [البقرة: 183] أما قوله: {أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً } ففيه وجهان. الأول: أن يكون المعنى إنا إنما أنزلنا القرآن لأجل أن يصيروا متقين أي محترزين عما لا ينبغي أو يحدث القرآن لهم ذكراً يدعوهم إلى الطاعات وفعل ما ينبغي، وعليه سؤالات: السؤال الأول: القرآن كيف يكون محدثاً للذكر. الجواب: لما حصل الذكر عند قراءته أضيف الذكر إليه. السؤال الثاني: لم أضيف الذكر إلى القرآن وما أضيفت التقوى إليه. الجواب: أن التقوى عبارة عن أن لا يفعل القبيح، وذلك استمرار على العدم الأصلي فلم يجز إسناده إلى القرآن، أما حدوث الذكر فأمر حدث بعد أن لم يكن فجازت إضافته إلى القرآن. السؤال الثالث: كلمة أو للمنافاة ولا منافاة بين التقوى وحدوث الذكر بل لايصح الإتقاء إلا مع الذكر فما معنى كلمة أو. الجواب: هذا كقولهم جالس الحسن أو ابن سيرين أي لا تكن خالياً منهما فكذا ههنا. الوجه الثاني: أن يقال: إنا أنزلنا القرآن ليتقوا فإن لم يحصل ذلك فلا أقل من أن يحدث القرآن لهم ذكراً وشرفاً وصيتاً حسناً، فعلى هذين التقديرين يكون إنزاله تقوى، ثم إنه تعالى لما عظم أمر القرآن ردفه بأن عظم نفسه فقال: {فَتَعَـٰلَى ٱللَّهُ ٱلْمَلِكُ ٱلْحَقُّ } تنبيهاً على ما يلزم خلقه من تعظيمه وإنما وصفه بالحق لأن ملكه لا يزول ولا يتغير وليس بمستفاد من قبل الغير ولا غيره أولى به فلهذا وصف بذلك، وتعالى تفاعل من العلو وقد ثبت أن علوه وعظمته وربوبيته بمعنى واحد وهو اتصافه بنعوت الجلال وأنه لا تكيفه الأوهام ولا تقدره العقول وهو منزه عن المنافع والمضار فهو تعالى إنما أنزل القرآن ليحترزوا عما لا ينبغي وليقدموا على ما ينبغي، وأنه تعالى منزه عن التكمل بطاعاتهم والتضرر بمعاصيهم، فالطاعات إنما تقع بتوفيقه وتيسيره، والمعاصي إنما تقع عدلاً منه وكل ميسر لما خلق له أما قوله: {وَلاَ تَعْجَلْ بِٱلْقُرْءَانِ مِن قَبْلِ إَن يُقْضَىٰ إِلَيْكَ وَحْيُهُ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: في تعلقه بما قبله وجهان. الوجه الأول: قال أبو مسلم: إن من قوله: { أية : وَيَسْـئَلُونَكَ عَنِ ٱلْجِبَالِ } تفسير : [طه: 105] إلى ههنا يتم الكلام وينقطع ثم قوله: {وَلاَ تَعْجَلْ بِٱلْقُرْءَانِ } خطاب مستأنف فكأنه قال: ويسألونك ولا تعجل بالقرآن. الوجه الثاني: روى أنه عليه السلام كان يخاف من أن يفوته منه شيء فيقرأ مع الملك فأمره بأن يسكت حال قراءة الملك ثم يأخذ بعد فراغه في القراءة فكأنه تعالى شرح كيفية نفع القرآن للمكلفين وبين أنه سبحانه متعال عن كل ما لا ينبغي وأنه موصوف بالإحسان والرحمة ومن كان كذلك وجب أن يصون رسوله عن السهو والنسيان في أمر الوحي، وإذ حصل الأمان عن السهو والنسيان قال: {وَلاَ تَعْجَلْ بِٱلْقُرْءَانِ }. المسألة الثانية؛ قوله: {وَلاَ تَعْجَلْ بِٱلْقُرْءَانِ } ويحتمل أن يكون المراد لا تعجل بقراءته في نفسك، ويحتمل أن لا تعجل في تأديته إلى غيرك، ويحتمل في اعتقاد ظاهره، ويحتمل في تعريف الغير ما يقتضيه ظاهره، وأما قوله: {مِن قَبْلِ إَن يُقْضَىٰ إِلَيْكَ وَحْيُهُ } فيحتمل أن يكون المراد من قبل أن يقضى إليك تمامه، ويحتمل أن يكون المراد من قبل أن يقضى إليك بيانه، لأن هذين الأمرين لا يمكن تحصيلهما إلا بالوحي، ومعلوم أنه عليه السلام لا ينهى عن قراءته لكي يحفظه ويؤديه فالمراد إذن أن لا يبعث نفسه ولا يبعث غيره عليه حتى يتبين بالوحي تمامه أو بيانه أو هما جميعاً، لأنه يجب التوقف في معنى الكلام ما لم يأت عليه الفراغ لما يجوز أن يحصل عقيبه من استثناء أو شرط أو غيرهما من المخصصات فهذا هو التحقيق في تفسير الآية. ولنذكر أقوال المفسرين: أحدها: أن هذا كقوله تعالى: { أية : لاَ تُحَرّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ } تفسير : [القيامة: 16] وكان عليه السلام يحرص على أخذ القرآن من جبريل عليه السلام فيعجل بقراءته قبل استتمام جبريل مخافة النسيان فقيل له: لا تعجل إلى أن يستتم وحيه فيكون أخذك إياه عن تثبت وسكون والله تعالى يزيدك فهماً وعلماً، وهذا قول مقاتل والسدي ورواه عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما. وثانيها: لا تعجل بالقرآن فتقرأه على أصحابك قبل أن يوحى إليك بيان معانيه وهذا قول مجاهد وقتادة. وثالثها: قال الضحاك: إن أهل مكة وأسقف نجران قالوا: يا محمد أخبرنا عن كذا وكذا وقد ضربنا لك أجلاً ثلاثة أيام فأبطأ الوحي عليه وفشت المقالة بأن اليهود قد غلبوا محمداً فأنزل الله تعالى هذه الآية: {وَلاَ تَعْجَلْ بِٱلْقُرْءَانِ } أي بنزوله من قبل أن يقضى إليك وحيه من اللوح المحفوظ إلى إسرافيل ومنه إلى جبريل ومنه إليك: {وَقُل رَّبّ زِدْنِي عِلْماً }. ورابعها: روى الحسن أن امرأة أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: زوجي لطم وجهي فقال: بينكما القصاص فنزل قوله: {وَلاَ تَعْجَلْ بِٱلْقُرْءَانِ } فأمسك رسول الله صلى الله عليه وسلم عن القصاص حتى نزل قوله تعالى: { أية : ٱلرّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى ٱلنّسَاء } تفسير : [النساء: 34] وهذا بعيد والاعتماد على التفصيل الأول أما قوله تعالى: {وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً } فالمعنى أنه سبحانه وتعالى أمره بالفزع إلى الله سبحانه في زيادة العلم التي تظهر بتمام القرآن أو بيان ما نزل عليه. المسألة الثالثة: الاستعجال الذي نهى عنه إن كان فعله بالوحي فكيف نهى عنه. الجواب: لعله فعله بالاجتهاد، وكان الأولى تركه، فلهذا نهى عنه.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَكَذٰلِكَ} أي كما بيّنا لك في هذه السّورة من البيان فـ {كَذَٰلِكَ جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً} أي بلغة العرب. {وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ ٱلْوَعِيدِ} أي بيّنا ما فيه من التخويف والتهديد والثواب والعقاب. {لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} أي يخافون الله فيجتنبون معاصيه، ويحذرون عقابه. {أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً} أي موعظة. وقال قتادة: حذرا وورعاً. وقيل: شرفاً؛ فالذكر هاهنا بمعنى الشرف؛ كقوله: «وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ». وقيل: أي ليتذكروا العذاب الذي توعدوا به. وقرأ الحسن «أَوْ نُحْدِثُ» بالنون؛ وروي عنه رفع الثاء وجزمها. قوله تعالى: {فَتَعَالَىٰ ٱللَّهُ ٱلْمَلِكُ ٱلْحَقُّ} لما عرف العباد عظيم نعمه، وإنزال القرآن نزّه نفسه عن الأولاد والأنداد فقال: «فَتَعَالَى اللَّهُ» أي جلّ الله الملك الحق؛ أي ذو الحق. {وَلاَ تَعْجَلْ بِٱلْقُرْآنِ مِن قَبْلِ إَن يُقْضَىٰ إِلَيْكَ وَحْيُهُ} علّم نبيه كيف يتلقى القرآن. قال ابن عباس: كان عليه السلام يبادر جبريل فيقرأ قبل أن يفرغ جبريل من الوحي حرصاً على الحفظ، وشفقة على القرآن مخافة النسيان، فنهاه الله عن ذلك وأنزل {أية : وَلاَ تَعْجَلْ بِٱلْقُرْآنِ} تفسير : [طه: 114]. وهذا كقوله تعالى: {أية : لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ } تفسير : [القيامة: 16] على ما يأتي. وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد: قال: لا تتله قبل أن تتبّينه. وقيل: «وَلاَ تَعْجَلْ» أي لا تسل إنزاله «مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى» إليك أي يأتيك «وَحْيُهُ». وقيل: المعنى لا تلقه إلى الناس قبل أن يأتيك بيان تأويله. وقال الحسن: نزلت في رجل لطم وجه امرأته، فجاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم تطلب القصاص، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم لها القصاص، فنزل {أية : ٱلرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ} تفسير : [النساء: 34] ولهذا قال: «وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً» أي فهماً؛ لأنه عليه السلام حكم بالقصاص وأبى الله ذلك. وقرأ ابن مسعود وغيره «مِنْ قَبْلِ أَنْ نَقْضِي» بالنون وكسر الضاد «وَحْيَهُ» بالنصب.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى: ولما كان يوم المعاد والجزاء بالخير والشر واقعاً لا محالة، أنزلنا القرآن بشيراً ونذيراً بلسان عربي مبين فصيح، لا لبس فيه ولا عي، {وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ ٱلْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} أي: يتركون المآثم والمحارم والفواحش، {أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً} وهو إيجاد الطاعة وفعل القربات {فَتَعَـٰلَىٰ ٱللَّهُ ٱلْمَلِكُ ٱلْحَقُّ} أي: تنزه وتقدس الملك الحق الذي هو حق، ووعده حق، ووعيده حق، ورسله حق، والجنة حق، والنار حق، وكل شيء منه حق، وعدله تعالى أن لا يعذب أحداً قبل الإنذار وبعثة الرسل، والإعذار إلى خلقه لئلا يبقى لأحد حجة ولا شبهة. وقوله: {وَلاَ تَعْجَلْ بِٱلْقُرْءانِ مِن قَبْلِ إَن يُقْضَىٰ إِلَيْكَ وَحْيُهُ}، كقوله تعالى في سورة: لا أقسم بيوم القيامة: {أية : لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْءَانَهُ فَإِذَا قَرَأْنَـٰهُ فَٱتَّبِعْ قُرْءَانَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ}تفسير : [القيامة: 16 - 19] وثبت في الصحيح عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعالج من الوحي شدة، فكان مما يحرك به لسانه، فأنزل الله هذه الآية، يعني: أنه عليه السلام كان إذا جاءه جبريل بالوحي، كلما قال جبريل آية، قالها معه، من شدة حرصه على حفظ القرآن، فأرشده الله تعالى إلى ما هو الأسهل والأخف في حقه؛ لئلا يشق عليه، فقال: {لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْءَانَهُ} أي: أن نجمعه في صدرك، ثم تقرأه على الناس من غير أن تنسى منه شيئاً {فَإِذَا قَرَأْنَـٰهُ فَٱتَّبِعْ قُرْءَانَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} وقال في هذه الآية {وَلاَ تَعْجَلْ بِٱلْقُرْءانِ مِن قَبْلِ إَن يُقْضَىٰ إِلَيْكَ وَحْيُهُ} أي: بل أنصت، فإذا فرغ الملك من قراءته عليك، فاقرأه بعده {وَقُل رَّبِّ زِدْنِى عِلْماً} أي: زدني منك علماً، قال ابن عيينة رحمه الله: ولم يزل صلى الله عليه وسلم في زيادة حتى توفاه الله عز وجل، ولهذا جاء في الحديث: إن الله تابع الوحي على رسوله، حتى كان الوحي أكثر ما كان يوم توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال ابن ماجه: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا عبد الله بن نمير عن موسى بن عبيدة، عن محمد بن ثابت، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : اللهم انفعني بما علمتني، وعلمني ما ينفعني، وزدني علماً، والحمد لله على كل حال»تفسير : . وأخرجه الترمذي عن أبي كريب، عن عبد الله بن نمير، به. وقال: غريب من هذا الوجه، ورواه البزار عن عمرو بن علي الفلاس، عن أبي عاصم، عن موسى بن عبيدة به، وزاد في آخره: «حديث : وأعوذ بالله من حال أهل النار».

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَكَذٰلِكَ } معطوف على «كذلك نقص» أي: مثل إنزال ما ذكر {أَنزَلْنَٰهُ } أي القرآن { قُرْءاناً عَرَبِّياً وَصَرَّفْنَا} كرّرنا {فِيهِ مِنَ ٱلْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ } الشِّرك {أَوْ يُحْدِثُ } القرآن {لَهُمْ ذِكْراً } بهلاك من تقدّمهم من الأمم فيعتبرون.

الشوكاني

تفسير : قوله: {وَكَذٰلِكَ أَنزَلْنَـٰهُ } معطوف على قوله: {كَذٰلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ} أي مثل ذلك الإنزال أنزلناه، أي القرآن حال كونه {قُرْءَاناً عَرَبِيّاً } أي بلغة العرب ليفهموه {وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ ٱلْوَعِيدِ } بينا فيه ضروباً من الوعيد تخويفاً وتهديداً أو كررنا فيه بعضاً منه {لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ } أي كي يخافوا الله فيتجنبوا معاصيه ويحذروا عقابه {أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً } أي اعتباراً واتعاظاً. وقيل: ورعاً. وقيل: شرفاً. وقيل: طاعة وعبادة؛ لأن الذكر يطلق عليها. وقرأ الحسن: "أو نحدث" بالنون. {فَتَعَـٰلَى ٱللَّهُ ٱلْمَلِكُ ٱلْحَقُّ } لما بين للعباد عظيم نعمته عليهم بإنزال القرآن نزّه نفسه عن مماثلة مخلوقاته في شيء من الأشياء، أي جلّ الله عن إلحاد الملحدين وعما يقول المشركون في صفاته فإنه الملك الذي بيده الثواب والعقاب، وأنه الحق أي ذو الحق {وَلاَ تَعْجَلْ بِٱلْقُرْءانِ مِن قَبْلِ إَن يُقْضَىٰ إِلَيْكَ وَحْيُهُ } أي يتمّ إليك وحيه. قال المفسرون: كان النبيّ صلى الله عليه وسلم يبادر جبريل فيقرأ قبل أن يفرغ جبريل من الوحي حرصاً منه على ما كان ينزل عليه منه فنهاه الله عن ذلك، ومثله قوله: {أية : لاَ تُحَرّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ }تفسير : [القيامة: 16]. على ما يأتي إن شاء الله. وقيل: المعنى: ولا تلقه إلى الناس قبل أن يأتيك بيان تأويله، وقرأ ابن مسعود ويعقوب والحسن والأعمش: "من قبل أن نقضي" بالنون ونصب: "وحيه". {وَقُل رَّبّ زِدْنِي عِلْماً } أي سل ربك زيادة العلم بكتابه. {وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَىٰ ءَادَمَ } اللام هي الموطئة للقسم، والجملة مستأنفة مقرّرة لما قبلها من تصريف الوعيد، أي لقد أمرناه ووصيناه، والمعهود محذوف، وهو ما سيأتي من نهيه عن الأكل من الشجرة، ومعنى {مِن قَبْلُ } أي من قبل هذا الزمان {فَنَسِيَ} قرأ الأعمش بإسكان الياء، والمراد بالنسيان هنا: ترك العمل بما وقع به العهد إليه فيه، وبه قال أكثر المفسرين. وقيل: النسيان على حقيقته، وأنه نسي ما عهد الله به إليه وينتهي عنه، وكان آدم مأخوذاً بالنسيان في ذلك الوقت، وإن كان النسيان مرفوعاً عن هذه الأمة. والمراد من الآية تسلية النبيّ صلى الله عليه وسلم على القول الأوّل، أي أن طاعة بني آدم للشيطان أمر قديم، وأن هؤلاء المعاصرين له إن نقضوا العهد فقد نقض أبوهم آدم، كذا قال ابن جرير والقشيري. واعترضه ابن عطية قائلاً بأن كون آدم مماثلاً للكفار الجاحدين بالله ليس بشيء، وقرىء: "فنسي" بضم النون وتشديد السين مكسورة مبنياً للمفعول، أي فنساه إبليس {وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً } العزم في اللغة: توطين النفس على الفعل والتصميم عليه، والمضيّ على المعتقد في أيّ شيء كان، وقد كان آدم عليه السلام قد وطن نفسه على أن لا يأكل من الشجرة وصمم على ذلك، فلما وسوس إليه إبليس لانت عريكته وفتر عزمه وأدركه ضعف البشر. وقيل: العزم: الصبر، أي لم نجد له صبراً عن أكل الشجرة. قال النحاس: وهو كذلك في اللغة، يقال: لفلان عزم، أي صبر وثبات على التحفظ عن المعاصي حتى يسلم منها، ومنه {أية : كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ٱلْعَزْمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ }تفسير : [الأحقاف: 35]. وقيل: المعنى: ولم نجد له عزماً على الذنب، وبه قال ابن كيسان. وقيل: ولم نجد له رأياً معزوماً عليه، وبه قال ابن قتيبة. ثم شرع سبحانه في كيفية ظهور نسيانه وفقدان عزمه، والعامل في إذ مقدّر، أي: واذكر {إِذْ قُلْنَا لِلْمَلَـٰئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لآدَمَ } وتعليق الذكر بالوقت مع أن المقصود ذكر ما فيه من الحوادث للمبالغة؛ لأنه إذا وقع الأمر بذكر الوقت كان ذكر ما فيه من الحوادث لازماً بطريق الأولى وقد تقدم تفسير هذه القصة في البقرة مستوفى، ومعنى {فَتَشْقَىٰ }: فتتعب في تحصيل ما لا بدّ منه في المعاش كالحرث والزرع، ولم يقل: "فتشقيا"؛ لأن الكلام من أوّل القصة مع آدم وحده. ثم علل ما يوجبه ذلك النهي بما فيه الراحة الكاملة عن التعب والاهتمام، فقال: {إِنَّ لَكَ أَن لا تَجُوعَ فِيهَا وَلاَ تَعْرَىٰ } أي في الجنة. والمعنى: إن لك فيها تمتعاً بأنواع المعايش وتنعماً بأصناف النعم من المآكل الشهية والملابس البهية، فإنه لما نفى عنه الجوع والعري أفاد ثبوت الشبع والاكتساء له، وهكذا قوله: {وَأَنَّكَ لاَ تَظْمَؤُا فِيهَا وَلاَ تَضْحَىٰ } فإن نفي الظمأ يستلزم حصول الريّ ووجود المسكن الذي يدفع عنه مشقة الضحو، يقال: ضحي الرجل يضحى ضحواً: إذا برز للشمس فأصابه حرّها، فذكر سبحانه ها هنا أنه قد كفاه الاشتغال بأمر المعاش وتعب الكدّ في تحصيله، ولا ريب أن أصول المتاعب في الدنيا هي تحصيل الشبع والريّ والكسوة والكنّ، وما عدا هذه ففضلات يمكن البقاء بدونها، وهو إعلام من الله سبحانه لآدم أنه إن أطاعه فله في الجنة هذا كله، وإن ضيع وصيته ولم يحفظ عهده أخرجه من الجنة إلى الدنيا فيحلّ به التعب والنصب بما يدفع الجوع والعري والظمأ والضحو. فالمراد بالشقاء شقاء الدنيا، كما قاله كثير من المفسرين، لا شقاء الأخرى. قال الفراء: هو أن يأكل من كدّ يديه، وقرأ أبو عمرو والكوفيون إلا عاصماً: "وأنك لتظمأ" بفتح أن، وقرأ الباقون بكسرها على العطف على إن لك. {فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ ٱلشَّيْطَـٰنُ } قد تقدّم تفسيره في الأعراف في قوله: {أية : فَوَسْوَسَ لَهُمَا ٱلشَّيْطَـٰنُ } تفسير : [الأعراف: 20] أي أنهى إليه وسوسته، وجملة {قَالَ يَـاءادَمُ} إلى آخره إما بدل من وسوس أو مستأنفة بتقدير سؤال، كأنه قيل: فماذا قال له في وسوسته؟ و {شَجَرَةِ ٱلْخُلْدِ } هي الشجرة التي من أكل منها لم يمت أصلاً {وَمُلْكٍ لاَّ يَبْلَىٰ } أي لا يزول ولا ينقضي {فَأَكَلاَ مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سوآتهما} قد تقدّم تفسير هذا وما بعده في الأعراف. قال الفراء: ومعنى طفقا في العربية: أقبلا، وقيل: جعلا يلصقان عليهما من ورق التين {وَعَصَىٰ ءادَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ } أي عصاه بالأكل من الشجرة فغوى فضلّ عن الصواب أو عن مطلوبه، وهو الخلود بأكل تلك الشجرة. وقيل: فسد عليه عيشه بنزوله إلى الدنيا. وقيل: جهل موضع رشده. وقيل: بشم من كثرة الأكل. قال ابن قتيبة: أكل آدم من الشجرة التي نهي عنها باستزلال إبليس وخدائعه إياه، والقسم له بالله إنه له لمن الناصحين حتى دلاه بغرور، ولم يكن ذنبه عن اعتقاد متقدّم ونية صحيحة، فنحن نقول: عصى آدم ربه فغوى. انتهى. قال القاضي أبو بكر بن العربي: لا يجوز لأحد أن يخبر اليوم بذلك عن آدم. قلت: لا مانع من هذا بعد أن أخبرنا الله في كتابه بأنه عصاه، وكما يقال: حسنات الأبرار سيئات المقربين، ومما قلته في هذا المعنى:شعر : عصى أبو العالم وهو الذي من طينة صوّره الله وأسجد الأملاك من أجله وصير الجنة مأواه أغواه إبليس فمن ذا أنا المسـ ـكين إن إبليس أغواه تفسير : {ثُمَّ ٱجْتَبَـٰهُ رَبُّهُ } أي: اصطفاه وقرّبه. قال ابن فورك: كانت المعصية من آدم قبل النبوّة بدليل ما في هذه الآية، فإنه ذكر الاجتباء والهداية بعد ذكر المعصية، وإذا كانت المعصية قبل النبوّة فجائز عليهم الذنوب وجهاً واحداً {فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَىٰ } أي تاب عليه من معصيته، وهداه إلى الثبات على التوبة. قيل: وكانت توبة الله عليه قبل أن يتوب هو وحواء بقولهما: {أية : رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ } تفسير : [الأعراف: 23]. وقد مرّ وجه تخصيص آدم بالذكر دون حواء. وقد أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: {أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ } أي القرآن {ذِكْراً } قال: حذراً وورعاً. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله: {وَلاَ تَعْجَلْ بِٱلْقُرْءانِ } يقول: لا تعجل حتى نبينه لك. وأخرج الفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن الحسن قال: لطم رجل امرأته، فجاءت إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم تطلب قصاصاً، فجعل النبيّ صلى الله عليه وسلم بينهما القصاص، فأنزل الله {وَلاَ تَعْجَلْ بِٱلْقُرْءانِ } الآية، فوقف النبيّ صلى الله عليه وسلم حتى نزلت: {أية : ٱلرّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى ٱلنّسَاء } تفسير : [النساء: 34] الآية. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: {وَلاَ تَعْجَلْ } الآية قال: لا تتله على أحد حتى نتمه لك. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، وابن منده في التوحيد، والطبراني في الصغير وصححه عن ابن عباس قال: إنما سمي الإنسان؛ لأنه عهد إليه فنسي. وأخرج عبد الغني، وابن سعد عن ابن عباس: {وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَىٰ ءادَمَ } أن لا تقرب الشجرة {فَنَسِيَ } فترك عهدي {وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً } قال: حفظاً. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه أيضاً {فَنَسِيَ } فترك {وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً } يقول: لم نجعل له عزماً. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضاً: {إِنَّكَ لاَ وَأَنَّكَ لاَ تَظْمَؤُا فِيهَا ولا تضحى} قال: لا يصيبك فيها عطش ولا حرّ. وأخرج أحمد وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن أبي هريرة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها، وهي شجرة الخلد»تفسير : . وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : حاجّ آدم موسى قال له: أنت الذي أخرجت الناس من الجنة بذنبك وأشقيتهم بمعصيتك، قال آدم: يا موسى، أنت الذي اصطفاك الله برسالته وبكلامه، أتلومني على أمر كتبه الله عليّ قبل أن يخلقني، أو قدّره عليّ قبل أن يخلقني"تفسير : ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : فحج آدم موسى».

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {أوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: حذراً، قاله قتادة. الثاني: شرفاً لإِيمانهم، قاله الضحاك. الثالث: ذِكراً يعتبرون به. قوله تعالى: {.... وَلاَ تَعْجَل بِالْقُرءَانِ} الآية. فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: لا تسأل إنزاله قبل أن يقضى، أي يأتيك وحيه. الثاني: لا تلقه إلى الناس قبل أن يأتيك بيان تأويله، قاله عطية. الثالث: لا تعجل بتلاوته قبل أن يفرغ جبريل من إبلاغه، لأنه كان يعجل بتلاوته قبل أن يفرغ جبريل من إبلاغه خوف نسيانه، قاله الكلبي. {وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً} يحتمل أربعة أوجه: أحدها: زدني أدباً في دينك، لأن ما يحتاج إليه من علم دينه لنفسه أو لأمته لا يجوز أن يؤخره الله عنده حتى يلتمسه منه. الثاني: زدني صبراً على طاعتك وجهاد أعدائك، لأن الصبر يسهل بوجود العلم. الثالث: زدني علماً بقصص أنبيائك ومنازل أوليائك. الرابع: زدني علماً بحال أمتي وما تكون عليه من بعدي. ووجدت للكلبي جواباً. الخامس: معناه: {وَقُل رَّبِّ زَدِنِي عِلْماً} لأنه كلما ازداد من نزول القرآن عليه ازداد علماً به.

ابن عبد السلام

تفسير : {لَهُمْ ذِكْراً} جداً، أو شرفاً لإيمانهم به أو ذكراً يعتبرون به.

النسفي

تفسير : {وَكَذٰلِكَ } عطف على كذلك نقص أي ومثل ذلك الإنزال {أَنْزَلْنَاهُ قُرْانًا عَرَبِيّا } بلسان العرب {وَصَرَّفْنَا } كررنا {فِيهِ مِنَ ٱلْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ } يجتنبون الشرك {أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ } الوعيد أو القرآن {ذِكْراً } عظة أو شرفاً بإيمانهم به وقيل «أو» بمعنى الواو. {فَتَعَـٰلَى ٱللَّهُ } ارتفع عن فنون الظنون وأوهام الأفهام وتنزه عن مضاهاة الأنام ومشابهة الأجسام {ٱلْمَلِكُ } الذي يحتاج إليه الملوك {ٱلْحَقّ } المحق في الألوهية. ولما ذكر القرآن وإنزاله قال استطراداً: وإذا لقنك جبريل ما يوحى إليك من القرآن فتأن عليك ريثما يسمعك ويفهمك {وَلاَ تَعْجَلْ بِٱلْقُرْءانِ } بقراءته {مِن قَبْلِ إَن يُقْضَىٰ إِلَيْكَ وَحْيُهُ } من قبل أن يفرغ جبريل من الإبلاغ {وَقُل رَّبّ زِدْنِى عِلْماً } بالقرآن ومعانيه. وقيل: ما أمر الله رسوله بطلب الزيادة في شيء إلا في العلم. {وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَىٰ ءادَمَ} أي أوحينا إليه أن لا يأكل من الشجرة. يقال في أوامر الملوك ووصاياهم تقدم الملك إلى فلان وأوصى إليه وعزم عليه وعهد إليه، فعطف قصة آدم على {وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ ٱلْوَعِيدِ } والمعنى وأقسم قسماً لقد أمرنا أباهم آدم ووصيناه أن لا يقرب الشجرة {مِن قَبْلُ } من قبل وجودهم فخالف إلى ما نهي عنه كما أنهم يخالفون يعني أن أساس أمر بني آدم على ذلك وعرقهم راسخ فيه {فَنَسِىَ } العهد أي النهي والأنبياء عليهم السلام يؤاخذون بالنسيان الذي لو تكلفوا لحفظوه {وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً } قصداً إلى الخلاف لأمره أو لم يكن آدم من أولي العزم. والوجود بمعنى العلم ومفعولاه {لَهُ عَزْماً } أو بمعنى نقيض العدم أي وعد منا له عزما و {لَهُ } متعلق بـــــ {نَجِدْ } {وَإِذْ قُلْنَا } منصوب بـــــ «اذكر» {لِلْمَلَـٰئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لآِدَمَ } قيل: هو السجود اللغوي الذي هو الخضوع والتذلل أو كان آدم كالقبلة لضرب تعظيم له فيه {فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ } عن ابن عباس رضي الله عنهما أن إبليس كان ملكاً من جنس المستثنى منهم. وقال الحسن: الملائكة لباب الخليقة من الأرواح ولا يتناسلون وإبليس من نار السموم. وإنما صح استثناؤه منهم لأنه كان يصحبهم ويعبد الله معهم {أَبَىٰ } جملة مستأنفة كأنه جواب لمن قال لم لم يسجد، والوجه أن لا يقدر له مفعول وهو السجود المدلول عليه بقوله {فَسَجَدُواْ } وأن يكون معناه أظهر الإباء وتوقف.

الثعالبي

تفسير : {وَكَذَٰلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ} بحسب توقع البشر، وترجيهم {يَتَّقُونَ} اللّهَ، ويخشَوْنِ عَقَابه؛ فيؤمِنُون ويتذكَّرونَ نِعَمه عندهم، وما حذَّرهم من ألِيم عقابه هذا تأويل فرقة في قوله: {أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً}. وقالت فرقةٌ: معناه أَوْ يُكْسِبُهُمْ شَرَفاً، ويبقى عليهم إيمانهم ذكراً صالحاً في الغابرين. وقوله تعالى: {وَلاَ تَعْجَلْ بِٱلْقُرْءانِ...} قالت فِرْقةٌ: سببها: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخاف وقْتَ تكليمِ جِبْريلَ له أنْ ينسى أول القرآن، فكان يقرأُ قبل أن يستتم جبريلُ عليه السلام الوحْيَ؛ فنزلت في ذلك، وهي على هذا في معنى قوله: {أية : لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ} تفسير : [القيامة:16]. وقيل غير هذا.

ابن عادل

تفسير : قوله: "وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ" نسق على "كَذَلِكَ نَقُصُّ" قال الزمخشري: ومثل ذلك الإنزال وكما أَنْزَلْنَا عليك هؤلاء الآيات أنزلنا القرآن كلَّه على هذه الوتيرة. وقال غيره: والمَعْنَى كما قدَّرنا هذه الأمور وجعلناها حقيقة بالمرصاد للعباد كذلك حذَّرْنَا هؤلاء أمرها، و {أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً} لتفهمه العرب فيقفوا على إعجازه ونظمه، وخروفه عن الكلام البشري. {وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ ٱلْوَعِيدِ} أي: كرَّرنَاهُ وفصَّلنَاهُ. قوله: "مِنَ الوَعِيدِ" صفة لمَفْعُولٍ محذوف، أي: صرَّفنا في القرآن وعيداً من الوعيد، والمراد به الجنس. ويجوز أن تكون "مِنَ" مزيدة على رأي الأخفش في المفعول به، والتقدير: وصرَّفنا فيه الوعيد "لَعَلَّهُمْ يَتَّقُون" أي يجتنبون الشرك. {أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً} أي: يجدد لهم القرآن عبرة وعظة. وقرأ الحسن: "أَوْ يُحْدِثْ" كالجماعة إلا أنه سكَّن لام الفعل وعبد الله والحسن أيضاً في رواية ومجاهد وأبو حيوة "نْحْدِثْ" بالنون، وتسكين اللام أيضاً. (وخُرِّجَ علَى) إجراء الوصل مجرى الوقف، أو على تسكين الفعل استثقالاً للحركة، كقول امرىء القيس: شعر : 3695- فَاليَوْمَ أَشْرَبْ غَيْرَ مُسْتَحْقِبٍ تفسير : وقول جرير: شعر : 3696- أَوْ نَهْرُ تِيرَى فَلاَ تَعْرِفْكُمُ العَربُ تفسير : وقد فعله كما تقدم أبو عمر في الراء خاصة نحو "يَنْصُرْكُم". وقرىء: "تُحْدث" بتاء (الخطاب) أي: تُحدث أنتَ. (قوله: "أَوْ يُحْدِثُ") فيه سؤالات: الأول: كيف يكون محدثاً للذكر؟ والجواب: لمّا حصل الذكر عند قراءته أضيفَ إليه. الثاني: لِمَ أضيفَ الذكر إلى القرآن، وما أضيفت التقوى إليه؟ والجواب: أنَّ التقوى عبارة عن أن لا يفعل القبيح، وذلك استمرار على العدم الأصلي، فلم يجز إسناده إلى القرآن، وأمَّا حدوث الذكر فأمر حدث بعد أن لم يكن، فجازت إضافته إلى القرآن. الثالث: كلمة "أو" للمنافاة بين التقوى وحدوث الذكر، ولا يصح الاتقاء إلا مع الذكر، فما معناه؟ والجواب: هذا كقول: جَالِس الحسن أو ابنَ سِيرين، أي: (لا تكن خالياً منهما)، فكذا ههنا. وقيل: معنى الكلام أنا أنزلنا القرآن ليتَّقوا، فإن لم يحصل ذلك فلا أقل من أن يحدث القرآن لهم ذكراً وشرفاً وصيتاً حسناً، وعلى التقديرين يكون إنزاله تقوى. قوله تعالى: {فَتَعَالَى اللَّهُ ٱلْمَلِكُ ٱلْحَقُّ} لما عظم أمر القرآن أردفه بأن عظم نفسه، وذلك تنبيه على أنَّه يجب على خلقه تعظيمه، وإنما وصف مُلكَه بالحَقِّ، لأن ملكه لا يزول ولا يتغير، وليس بمستفاد من قبل الغير ولا غيره أولى به، ولهذا وصف بذلك. و "تَعَالَى" تفاعل من العُلُوّ، وقد ثبت أن علوه وعظمته لا تكيّفه الأوهام ولا تقدره العقول. ثم قال: {وَلاَ تَعْجَلْ بِٱلْقُرْءَانِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَىٰ إِلَيْكَ وَحْيُهُ}. قال أبو مسلم: إن من قوله: {أية : وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْجِبَالِ} تفسير : [طه: 105] إلى هنا يتم الكلام وينقطع، ثم قوله: {وَلاَ تَعْجَلْ بِالقُرْءَانِ} (خطاب مستأنف كأنه قال: {وَيَسْأَلُونَكَ…وَلاَ تَعْجَلْ بِالقُرْآنِ}). وقال غيره: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا أنزل عليه جبريل - عليه السلام - بالقرآن يبادر فيقرأ معه قبل أن يفرغ جبريل من التلاوة مخافة الانفلات والنسيان فنهاه الله عن ذلك، وأمره أن يسكت حال قراءة المَلَك، يقرأ بعد فراغه من (القراءة). فكأنه تعالى لما شرح نفع القرآن للمكلفين، وتبين أنه سبحانه متعال عن كل ما لا ينبغي، ومن كان كذلك يجب أن يصون رسوله عن السهو والنسيان (في أمر الوحي، فإذا حصل الأمان عن السهو والنسيان) فلا تعجل بالقرآن فقوله: {وَلاَ تَعْجَلْ بِٱلْقُرءَانِ} يحتمل أن يكون المراد لا تعجل بقراءته في نفسك. لما روى عطاء عن ابن عباس: أن يكون أخذُك القرآن على تثبيت وسكون. ويحتمل لا تعجل في تأديته إلى غيرك، قال مجاهد وقتادة: لا تقرأ به أصحابك ولا تُمْله عليهم حتى يتبين لك معانيه. ويحتمل في اعتقاد ظاهره، ويحتمل في تعريفه الغير ما يقتضيه ظاهره، أي: حتى يتبين لك بالوحي تمامه أبو بيانه أو هما جميعاً، لأنه يجب التوقف في معنى الكلام إلى أن يفرغ لجواز أن يحصل عقيبه استثناء أو شرط، أو غيرهما من المخصصات. فإن قيل: الاستعجال الذي نُهِي عنه إن كان فعلُه بوحي فكيف نهي عنه؟ فالجواب لعله فعل باجتهاد، وكان الأولى تركه فلهذا نُهِي عنه. قوله: {قَبْلِ أَن يُقْضَىٰ إِلَيْكَ وَحْيُهُ} العامة على بناء "يُقْضَى" للمفعول ورفع "وَحْيُه" لقيامه مقام الفاعل. والجحدري وأبو حيوة والحسن، وهي قراءة عبد الله "تَقْضِي" بنون العظمة مبنيًّا للفاعل، "وَحْيَه" مفعول به. وقرأ الأعمش كذلك إلاَّ أنَّه سكن (لام الفعل)، استثقل الحركة وإن كانت خفيفة على حرف العلة، وقد تقدم شواهد عند قراءة {مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهَالِيكُم}. قوله: {وَقُل رَبِّ زِدْنِي عِلْماً} أي: بالقرآن ومعانيه، وقيل: "عِلماً" أي ما علمت. وكان ابن مسعود إذا قرأ هذه قال: اللهم زدْنِي إيماناً ويقيناً.

البقاعي

تفسير : ولما اشتملت هذه الآية على الذروة من حسن المعاني، فبشرت ويسرت، وأنذرت وحذرت، وبينت الخفايا، وأظهرت الخبايا، مع ما لها من جلالة السبك وبراعة النظم، كان كأنه قيل تنبيهاً على جلالتها: أنزلناها على هذا المنوال العزيز المثال {وكذلك} أي ومثل هذا الإنزال {أنزلناه} أي هذا الذكر كله بعظمتنا {قرآناً} جامعاً لجميع المعاني المقصودة {عربياً} مبيناً لما أودع فيه لكل من له ذوق في أساليب العرب. ولما كان أكثر هذه الآيات محذراً، قال: {وصرفنا} أي بما لنا من العظمة {فيه من الوعيد} أي ذكرناه مكررين له محولاً في أساليب مختلفة، وأفانين متنوعة مؤتلفة. ولما ذكر الوعيد، أتبعه ثمرته فقال: {لعلهم يتقون} أي ليكون الناظر لهم بعد ذلك على رجاء من أن يتقوا ويكونوا به في عداد من يجدد التقوى كل حين، بأن تكون له وصفاً مستمراً، وهي الحذر الحامل على اتخاذ الوقاية مما يحذر {أو} في عداد من {يحدث} أي يجدد هذا التصريف {لهم ذكراً*} أي ما يستحق أن يذكر من طرق الخير، فيكون سبباً للخوف الحامل على التقوى، فيردهم عن بعض ما تدعو إليه النفوس من النقائض والبؤس. ولما بلغت هذه الجمل نهاية الإعجاز، فاشتملت على غاية الحكمة، دالة على أن لقائلها تمام العلم والقدرة والعدل في أحوال الدراين، تسبب عن سوقها كذلك أن بان له من العظمة ما أفهمه قوله، معظماً لنفسه الأقدس بما هو له أهل بعد تعظيم كتابه تعليماً لعباده ما يجب له من الحق دالاً بصيغة التفاعل على مزيد العلو: {فتعالى الله} أي بلغ الذي لا يبلغ الواصفون وصفه حق وصفه من العلو أمراً لاتحتمله العقول، فلا يلحقه شيء من إلحاد الملحدين ووصف المشركين {الملك} الذي لا يعجزه شيء، فلا ملك في الحقيقة غيره {الحق} أي الثابت الملك، فلا زوال لكونه ملكاً في زمن ما؛ ولعظمة ملكه وحقية ذاته وصفاته صرف خلقه على ما هم عليه من الأمور المتباينة. ولما كانت هذه الآيات في ذم من أعرض عن هذا الذكر، كان تقدير: فلا تعرض عنه، بل أقبل عليه لتكون من المتقين الذاكرين، ولما كان هذا الحث العظيم ربما اقتضى للمسابق في التقوى المبالغة في المبادرة إليه فيستعجل بتلقفه قبل الفراغ من إيحائه، قال عاطفاً على هذا المقدر: {ولا تعجل بالقرآن} أي بتلاوته. ولما كان النهي عاماً لجميع الأوقات القبلية، دل عليه بالجار لئلا يظن أنه خاص بما يستغرق زمان القبل جملة واحدة فقال: {من قبل أن} ولما كان النظر هنا إلى فراغ الإيحاء لا إلى موح معين، بنى للمجهول قوله: {يقضى} أي ينهى {إليك وحيه} من الملك النازل إليك من حضرتنا به كما أنا لم نعجل بإنزاله عليك جملة، بل رتلناه لك ترتيلاً، ونزلناه إليك تنزيلاً مفصلاً تفصيلاً، وموصلاً توصيلاً - كما أشرنا إليه أول السورة، فاستمع له ملقياً جميع تأملك إليه ولا تساوقه بالقراءة، فإذا فرغ فاقرأه فإنا نجمعه في قلبك ولا نسقيك بإنسائه وأنت مصغ إليه، ولا بتكليفك للمساوقة بتلاوته {وقل رب} أي المحسن إليّ بإفاضة العلوم عليّ {زدني علماً*} أي بتفهيم ما أنزلت إليّ منه وإنزال غيره كما زدتني بإنزاله وتحفيظه، لتتمكن من معرفة الأسباب المفيدة لتبع الخلق لك، فإنه كما تقدم على قدر إحاطة العلم يكون شمول القدرة، وفي هذا دليل على أن التأني في العلم بالتدبر وبإلقاء السمع أنفع من الاستعجال المتعب للبال المكدر للحال، وأعون على الحفظ، فمن وعى شيئاً حق الوعي حفظه غاية الحفظ؛ وروى الترمذي وابن ماجة والبزار عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: حديث : اللهم انفعني بما علمتني وعلمني ما ينفعني وزدني علماً والحمد لله على كل حال، وأعوذ بالله من حال أهل النار" تفسير : أفاده ابن كثير في تفسيره. ولما قرر سبحانه بقصة موسى عليه السلام ما أشار إليه أول السورة بما هو عليه من الحلم والتأني على عباده، والإمهال لهم فيما هم عليه من النقص بالنسيان للعهود والنقض للمواثيق، وأتبعها ذكر مدح هذا الذكر الذي تأدت إلينا به، وذم من أعرض عنه، وختمه بما عهد إليه صلى الله عليه وسلم في أمره نهياً وأمراً، أتبع ذلك سبحانه قصة آدم عليه السلام تحذيراً من الركون إلى ما يسبب النسيان، وحثاً على رجوع من نسي إلى طاعة الرحمن، وبياناً لأن ذلك الذي قرره من حلمه وإمهاله عادته سبحانه من القدم، وصفته التي كانت ونحن في حيز العدم، وأنه جبل الإنسان على النقص، فلو أخذهم بذنوبهم ما ترك عليها من دابة، فقال عاطفاً على قوله{ أية : وكذلك أنزلناه حكماً عربياً}تفسير : [ الرعد: 37] أو {كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق} مؤكداً لما تقدم فيه وعهد به من أمر القرآن، ومحذراً من الإخلال بذلك ولو على وجه النسيان، ومنجزاً لما وعد به من قص أنباء المتقدمين مما يوافق هذا السياق: {ولقد عهدنا} بما لنا من العظمة {إلى آدم} أبي البشر الذي أطلعناه على كثير منها في النهي عن الأكل من الشجرة {من قبل} أي في زمن من الأزمان الماضية قبل هؤلاء الذين تقدم في هذه السورة ذكر نسيانهم وإعراضهم {فنسي} عهدنا وأكل منها مع علمه من تلك العظمة بما لا ينبغي أن ينسى معه ذلك العهد المؤكد بذلك الجلال، فعددنا عليه وقوعه في ذلك المنهيّ ناسياً ذنباً لعلو رتبته عندنا، فهو من باب "حسنات الأبرار سيئات المقربين" فكيف بما فوق ذلك! {ولم نجد} بالنظر إلى ما لنا من العظمة {له عزماً*} أي قصداً صلباً ماضياً وإرادة نافذة لا تردد فيها كإرادات الملائكة عليهم السلام، والمعنى أنه لم يتعلق علمنا بذلك موجوداً، ومع ذلك عفونا عنه ولم نزحزحه عن رتبة الاصطفاء.

ابو السعود

تفسير : {وَكَذٰلِكَ} عطفٌ على {كَذٰلِكَ نَقُصُّ} وذلك إشارةٌ إلى إنزال ما سبق من الآيات المتضمنةِ للوعيد المنبئةِ عما سيقع من أحوال القيامةِ وأهوالِها أي مثلَ ذلك الإنزال {أَنزَلْنَـٰهُ} أي القرآنَ كلَّه، وإضمارُه من غير سبق ذكرِه للإيذان بنباهة شأنِه وكونِه مركوزاً في العقول حاضراً في الأذهان {قُرْءاناً عَرَبِيّاً} ليفهمه العربُ ويقفوا على ما فيه من النظم المعجزِ الدالِّ على كونه خارجاً عن طوق البشر نازلاً من عند خلاّق القُوى والقدر {وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ ٱلْوَعِيدِ} أي كررنا فيه بعضَ الوعيد أو بعضاً من الوعيد حسبما أشير إليه آنفاً {لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} أي كي يتقوا الكفرَ والمعاصيَ بالفعل {أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً} اتعاظاً واعتباراً مؤدياً بالآخرة إلى الاتقاء. {فَتَعَـٰلَى ٱللَّهُ} استعظامٌ له تعالى ولشؤونه التي يُصرّف عليها عبادَه من الأوامر والنواهي والوعدِ والوعيد وغيرِ ذلك، أي ارتفع بذاته وتنزّه عن مماثلة المخلوقين في ذاته وصفاتِه وأفعالِه وأحواله {ٱلْمَلِكُ} النافذُ أمرُه الحقيقيُّ بأن يُرجى وعدُه ويُخشَى وعيدُه {ٱلْحَقّ} في ملكوته وألوهيتِه لذاته، أو الثابتُ في ذاته وصفاته {وَلاَ تَعْجَلْ بِٱلْقُرْءانِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَىٰ إِلَيْكَ} أي يتِمَّ {وَحْيُهُ} كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إذا ألْقَى إليه عليه السلام الوحيَ يتبعه عند لفظِ كل حرفٍ وكل كلمةٍ لكمال اعتنائِه بالتلقّي والحِفظ فنُهيَ عن ذلك إثرَ ذكرِ الإنزال بطريق الاستطرادِ لِما أن استقرارَ الألفاظِ في الأذهان تابعٌ لاستقرار معانيها فيها، وربما يَشغَل التلفظُ بكلمة عن سماع ما بعدها، وأُمر باستفاضة العلمِ واستزادتِه منه تعالى فقيل: {وَقُلْ} أي في نفسك {رَّبّ زِدْنِى عِلْماً} أي سل الله عز وجل زيادةَ العلمِ فإنه الموصلُ إلى طِلْبتك دون الاستعجالِ، وقيل: إنه نهُي عن تبليغ ما كان مجملاً قبل أن يأتيَ بـيانُه وليس بذاك، فإن تبليغَ المُجملِ وتلاوتَه قبل البـيان مما لا ريب في صحته ومشروعيّتِه. {وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَىٰ ءادَمَ} كلامٌ مستأنفٌ مَسوقٌ لتقرير ما سبق من تصريف الوعيدِ في القرآن وبـيانِ أن أساسَ بني آدمَ على العصيان، وعِرْقُه راسخٌ في النسيان مع ما فيه من إنجاز الموعودِ في قوله تعالى: {أية : كَذٰلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاء مَا قَدْ سَبَقَ } تفسير : [طه: 99] يقال: عَهدِ إليه المِلكُ وعزم عليه وأوعز إليه وتقدّم إليه إذا أمره ووصاه، والمعهودُ محذوفٌ يدل عليه ما بعده واللامُ جوابُ قسمٍ محذوفٍ أي وأُقسِم أو وبالله أو وتالله لقد أمرناه ووصّيناه {مِن قَبْلُ} أي من قبلِ هذا الزمانِ {فَنَسِىَ} أي العهدَ ولم يعتنِ به حتى غفلَ عنه أو تركَه تركَ المنْسيِّ عنه، وقرىء فنُسِّيَ أي نسّاه الشيطان {وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً} تصميمَ رأيٍ وثباتَ قدم في الأمور إذ لو كان كذلك لما أزله الشيطانُ ولَما استطاع أن يغُرّه وقد كان ذلك منه عليه السلام في بدء أمره من قبل أن يجرّب الأمورَ ويتولّى حارَّها وقارَّها ويذوقَ شَرْيَها وأَرْيها. عن النبـي عليه الصلاة والسلام: « حديث : لو وُزنت أحلامُ بني آدمَ بحِلْم آدمَ لرجح حِلْمُه وقد قال الله تعالى: {وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً} »تفسير : . وقيل: عزماً على الذنب فإنه أخطأ ولم يتعمّد وقوله تعالى: {وَلَمْ نَجِدْ} إن كان من الوجود العلميّ فله عزماً مفعولاه قُدّم الثاني على الأول لكونه ظرفاً، وإن كان من الوجود المقابلِ للعدم وهو الأنسبُ ـ لأن مصبَّ الفائدةِ هو المفعولُ وليس في الإخبار بكون العزْم المعدومِ له مزيدُ مزيةٍ ـ فله متعلقٌ به قُدّم على مفعوله لما مر مراراً من الاهتمام بالمقدم والتشويقِ إلى المؤخر، أو بمحذوف هو حالٌ من مفعوله المنَكّر، كأنه قيل: ولم نصادِفْ له عزماً

القشيري

تفسير : أَتْبَعْنا دليلاً بعد دليل، وبعثنا رسولاً بعد رسول، وحَذَّرْناهم بوجوهٍ من التعريفات، وإظهارِ كثيرٍ من الآيات.

اسماعيل حقي

تفسير : {وكذلك} اشارة الى انزال ما سبق من الآيات المتضمنة للوعيد المنبئة عما سيقع من احوال القيامة واهوالها اى مثل ذلك الانزال {انزلناه} اى القرآن كله واضماره لكونه حاضرا فى الاذهان قال فى بحر العلوم ويجوز ان يكون ذلك اشارة الى مصدر انزلنا اى مثل ذلك الانزال البين انزلناه حال كونه {قرآنا عربيا} يعنى بلغة العرب ليفهموه ويقفوا على اعجازه وخروجه عن حد كلام البشر. وفى التأويلات النجمية اى كما انزلنا الصحائف والكتب الى آدم وغيره من الانبياء بألسنتهم ولغاتهم المختلفة كذلك انزلنا اليك قرآنا عربيا بلغة العرب وحقيقة كلامه التى هى الصفة القائمة بذاته منزهة عن الحروف والاصوات المختلفة المخلوقة وانما الاصوات والحروف تتعلق باللغات والالسنة المختلفة {وصرفنا فيه من الوعيد} الصرف رد الشئ من حالة الى حالة او ابداله بغيره ومثله التصريف الا فى التكثير واكثر ما يقال فى صرف الشئ من حالة الى حالة ومن امر الى امر وتصريف الرياح هو صرفها من حال الى حال. والوعيد التهديد بالفارسية [بيم نمودن] والمعنى بينا وكررنا فى القرآن بعض الوعيد. قال الكاشفى [جون ذكر طوفان ورجفه وصيحه وخسف ومسخ] كما قال فى التأويلات النجمية اى اوعدنا فيه قومك باصناف العقوبات التى عاقبنا بها الامم الماضية وكررنا ذلك عليهم. قال فى الكبير يدخل تحته بيان الفرائض والمحارم لان الوعيد بهما يتعلق {لعلهم يتقون} اى يتقون الكفر والمعاصى بالفعل {او يحدث لهم ذكرا} اى يجدد القرآن لهم ايقاظا واعتبارا بهلاك من قبلهم مؤديا بالآخرة الى الاتقاء واحداث الشئ ايجاده والحدوث كون الشئ بعد ان لم يكن عرضا كان او جوهرا.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {وكذلك}: عطف على قوله: {كذلك نقصّ}، و "ذلك": إشارة إلى إنزال ما سبق من الآيات المتضمنة للوعيد، المنبئة عما سيقع من أهوال يوم القيامة. يقول الحقّ جلّ جلاله: {وكذلك} أي: ومثل ذلك الإنزال المتقدم، {أنزلناه} أي: القرآن كله، وإضماره، من غير سبقية ذكره؛ للإيذان بنباهة شأنه، وكونه مركوزًا في العقول، حاضرًا في الأذهان، حال كونه: {قرآنًا عربيًّا}؛ ليفهمه العرب، ويقفوا على ما فيه من النظم المعجز، الدال على كونه خارجًا عن طوق البشر، نازلاً من عند خلاّق القوى والقُدَر. {وصرَّفْنا فيه من الوعيد} أي: كررنا فيه بعض الوعيد، أو من جنس الوعيد، {لعلهم يتقون} أي كي يتقوا الكفر والمعاصي بالفعل، {أو يُحْدِثُ لهم ذِكْرًا}؛ اتعاظًا واعتبارًا يؤديهم إلى الارتقاء، {فتعالى الله} أي: تعاظم شأنه عما يصفه الكفرة، وتهاون العصاة، الذين لم يُحدث فيهم القرآن زجرًا ولا وعظًا، أي: ارتفع بذاته وتنزه عن مماثلة المخلوقين في ذاته وصفاته وأفعاله، {الملكُ} لها، النافذ أمره ونهيه، الحقيق بأن يُرجى وعده، ويُخشى وعيده، {الحقُّ} في ألوهيته لذاته، أو الثابت الذي لا يمكن عدمه، أزلاً وأبدًا. {ولا تَعْجَلْ بالقرآنِ من قبل أن يُقضى إِليك وحيُه} أي وإذا كنا أنزلنا عليك قرآنًا عربيًا، وصرفنا فيه من الوعيد، فَأَمْهِلْ عند نزوله، حتى يقرأه عليك الملك، ولا تعجل به قبل أن يتم وحيه، ويفرغ من قراءته عليك. كان صلى الله عليه وسلم، إذا ألقى جبريلُ عليه الوحي، يتبعه عند تلفظ كل حرف وكل كلمة، لكمال اعتنائه بالتلقي والحفظ، فنهى عن ذلك؛ لأنه ربما يشغله التلفظ بكلمة عن سماع ما بعدها، ولأنَّ المراد من الألفاظ فهم المعاني المتضمنة للعلوم التي لا حصر لها، ولذلك أمره باستفاضة العلم واستزادته منه فقال: {وقل ربِّ زِدْني علمًا} أي: وقل في نفسك، أو بلسانك: رب زدني علمًا، والمراد: سل الله عزّ وجلّ زيادة العلم به وبأحكامه؛ إذ لا نهاية لعلمه كما لا نهاية لذاته، فإنه الموصل إلى مطلبك دون الاستعجال. والله تعالى أعلم. الإشارة: وكذلك أنزلناه قرآنًا عربيًا، يُعرب عن كمال ظهور ذاته وأنوار صفاته، وصرفنا فيه من الوعيد، لمن تخلف عن شهوده، بعد كمال ظهوره، لعلهم يتقون ما يحجبهم عن رؤيته، أو يُحدث لهم ذكرًا، أي: شوقًا يُزعجهم إلى النهوض إلى حضرته، والوصول إليه، فتعالى الله الملك الحق أن يتصل بشيء، أو يتصل به شيء، وإنما الوصول إليه: العلم بإحاطته ووحدة ذاته. ولا تعجل، أيها العارف، بالقرآن الذي ينزل على قلبك من وحي الإلهام، من قبل أن يُقضى إليك وحيه، فإنَّ الواردات الإلهية تأتي مجملة، وبعد الوعي يكون البيان، {فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ثم إن علينا بيانه}، ولكن استزد من ربك العلوم اللدنية والكشوفات الإلهية، أي: لا يكن همك استعجالَ الواردات أو بقاءها، وليكن همك استزادةُ العلوم ومعرفة واهبها، فإن العلوم وسائل لمعرفة المعلوم، والوصول للحي القيوم. وبالله التوفيق. ثمَّ بين تصريف الوعيد على ارتكاب العصيان وبيان منشئه...

الجنابذي

تفسير : {وَكَذٰلِكَ} اى مثل انزالنا اخبار القيامة والوعيد منها بالقرآن العربىّ {أَنزَلْنَاهُ} اى القرآن جملةً او قرآن هذه السّورة {قُرْآناً عَرَبِيّاً} بلغة العرب او مشتملاً على الآداب والعلوم لا عجميّاً ولا اعرابيّاً لا يكون فيه آداب وعلوم والجملة عطف على جملة عنت الوجوه {وَصَرَّفْنَا} كرّرنا {فِيهِ مِنَ ٱلْوَعِيدِ} بالفاظٍ مختلفةٍ ومتوافقةٍ وامثالٍ متكثّرةٍ متخالفةٍ {لَعَلَّهُمْ} اى المجرمين او العرب او النّاس {يَتَّقُونَ} يصيرون صاحبى تقوى او يتّقون ما يوعدون او المعاصى {أَوْ يُحْدِثُ} القرآن العربىّ {لَهُمْ ذِكْراً} اى تذكّر الامور الآخرة واشتياقاً اليها. اعلم، انّ الانسان بل جلّ الحيوان خروجه من القوى الى الفعليّات بل بقاءه فى هذه الحيٰوة ليس الاّ بالخوف والرّجاء والتّوبة والانابة والزّكٰوة والصّلٰوة والبراءة والولاية والخلع واللّبس والتّصرّم والتّكوّن والادبار والاقبال والتّخلية والتّحلية والبغض والحبّ والدّفع والجذب والتّقوى والطّاعة وغير ذلك من الاسماء الدّالّة على هذين المعنيين، فقوله تعالى: لعلّهم يتّقون، اشارة الى البراءة وقوله تعالى {أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً} اشارة الى الولاية.

الأعقم

تفسير : {فتعالى الله الملك} استعظاماً له لأنه موجود لم يزل ولا يزول الملك الذي يملك الدنيا والآخرة {الحق} أي أحق من يوصف بهذه الأوصاف وأنه يملك وملكه حق {ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه}، قيل: لا تقرئه أصحابك ولا تمليه عليهم حتى يتبيَّن معانيه أو تتم سوره، وقيل: كان يقرأ مع جبريل مخافة النسيان فنهي عن ذلك، ومعناه لا تعجل بقراءته قبل أن يفرغ جبريل من قراءته {وقل رب زدني علماً}، قيل: بالقرآن فهماً وحفظاً، وقيل: ما أمر الله رسوله في طلب الزيادة في شيء إلاَّ في العلم، ثم عطف الله سبحانه قصة آدم على قوله: {أية : وصرّفنا فيه من الوعيد لعلّهم يتقون} تفسير : [طه: 113] والمعنى وأقسم قسماً {لقد عهدنا} أمرنا أباهم {آدم} ووصيّناه ألاَّ يقرب الشجرة وأوعده بالدخول في جملة الظالمين إن قربها، وذلك قبل وجودهم ومن قبل أن يتوعدهم فخالف إلى ما نهي عنه، قال جار الله: فإن قلتَ: ما المراد بالنسيان؟ قلت: يجوز أن يريد بالنسيان الذي هو نقيض الذكر، وأنه لم يعن بالوصيَّة العناية الصادقة، ولم يستوثق منها بعقد القلب عليها وضبط النفس حتى تولد من ذلك النسيان، وإنه ترك ما وصي به عن الشجرة {فنسي} أي فأنساه الشيطان {ولم نجد لم عزماً} على المعصيَّة وإنما فعله نسياناً، قيل: نسي الوعيد وأنه يخرج من الجنة إن أكل، وقيل: نسي قوله: {إن هذا عدوّ لك ولزوجك} {وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلاَّ إبليس}، قيل: السجود لله وآدم قبلة السجود، إلا إبليس كان جِنِّياً بدليل قوله تعالى: {أية : كان من الجن ففسق عن أمر ربه} تفسير : [الكهف: 50] ولم يكن من الملائكة لكن دخل معهم في الأمر بالسجود {فقلنا يا آدم إن هذا} يعني إبليس {عدوٌ لك ولزوجك} حوَّاء {فلا يخرجنّكما من الجنة} بغرور وساوسه {فتشقى}، قيل: هي شقاوة الدنيا وهو أن يأكل من كدّه وكسبه، وإنَّما قال: فتشقى على خطاب الواحد والمعنى تشقى أنت وزوجك لأن أمرهما في النسب واحد، وروي أنه أهبط على آدم ثوراً أحمر فكان يحرث عليه ويمسح العرق من جبينه {إن لك ألاَّ تجوع فيها ولا تعرى} أي في الجنة {وإنك لا تظمأ فيها ولا تضحى} ولا تعطش ولا يصيبك من الشمس {فوسوس إليه الشيطان}، قيل: ألقى الوسوسة، وقيل: ألقاها من الأرض، وقيل: كانا يجتمعان في السماء {قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد} يعني شجرة إن أكلت منها بقيت خالداً مخلداً {وملك لا يبلى} {فأكلا منها} يعني من الشجرة {فبدت} ظهرت {لهما سوآتهما} عوراتهما، وقيل: كان لباسهما الظفر فلما أصابا الخطيئة نزع عنهما وتركت هذه البقايا في أطراف الأصابع {وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة} يضعان ورقة بعد ورقة ليسترا عوراتهما قيل: هو ورق التين {وعصى آدم ربه} أي خالف أمره فيما أمره به، وقيل: أخطأ ثم {أكل فغوى} خاب {ثم اجتباه ربه} أي اختاره واصطفاه للنبوة {وهدى} أي هداه لأمر دينه ووفقه للنبوة.

الهواري

تفسير : قوله عزّ وجلّ: {وَكَذلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْءَاناً عَرَبِيّاً وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الوَعِيدِ} أي: من يعمل كذا فله كذا، فذكره في هذه السورة، ثم في سورة أخرى: {لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِث لَهُمْ ذِكْراً} أي: القرآن. وهي تقرأ بالياء والتاء. فمن قرأها بالياء فهو يقول: (أَوْ يُحدِثُ لَهُمُ القُرْآن ذِكْراً) أي: جدّاً وورعاً. ومن قرأها بالتاء فهو يقول: أو تحدث لهم يا محمد ذكراً. قوله: {فَتَعَالَى اللهُ المَلِكُ الحَقُّ}. تعالى من باب العلو، أي: ارتفع الله الملك الحق، والحق اسم من أسماء الله. {وَلاَ تَعْجَلْ بِالقُرْءَانِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ} أي بيانه. وقال الحسن: (وَحْيُهُ) أي فرائضه وحدوده وأحكامه، وحلاله وحرامه. وكان النبي عليه السلام إذا نزل عليه الوحي جعل يقرأه ويذيب فيه نفسه مخافة أن ينساه. فأنزل الله: (أية : لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ)تفسير : [القيامة: 16-17] أي: نحن نحفظه عليك فلا تنسى. قال الله: (أية : سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنْسَى إِلاَّ مَا شَآءَ اللهُ) تفسير : [الأعلى: 6-7] وهو قوله: (أية : مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا)تفسير : [البقرة: 106] أي: ينسيها نبيَّه عليه السلام، قال تعالى: (أية : فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ)تفسير : [القيامة: 18]. أي: فرائضه وحدوده والعمل به. وقال مجاهد: {وَلاَ تَعْجَلْ بِالقُرْءَانِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ} أي: لا تتله على أحد حتى نتمّه لك. قال عزّ وجلّ: {وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْما}. قوله عزّ وجلّ {وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى ءَادَمَ مِنْ قَبْلُ} يعني ما أمر به ألاَّ يأكل من الشجرة. {فَنَسِيَ} يعني: فترك العهد، يقول: فترك ما أمِر به. {وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً} أي: صبراً.

اطفيش

تفسير : {وَكَذَلِكَ} متعلق بأنزلناه أو نعت لمصدر محذوف، أو الكاف اسم مضاف لذلك نعت لمصدر محذوف، وكذا فى مثله مما تقدم أو يأتى، أى إنزالا ثابتا كذلك الإنزال، أو مثل إنزال هذه الآيات المتضمنة للوعيد، أو إنزالا مثل ذلك وقد تبيَّن لك أن المعطوف الجملة بعده فقط، أو مع كذلك، لا كذلك وحده، كما يوهمه كلام القاضى والمعطوف عليه جملة يعمل ولكن مراد القاضى ما ذكرت والله أعلم. {أَنْزَلْنَاهُ} أى القرآن، دل عليه لفظ الإنزال ودل عليه أيضا قوله: {قُرْآنًا عَرَبِيًّا} إذ لو كان الضمير لغير القرأن لم يقل قرآنا عربيا؛ لأن غير القرآن لا يصح فيه أن يقال: أنزلناه قرآنا. وإن قلت: إذا كان الضمير للقرآن فما فائدة قوله قرآنا؟ قلت: الفائدة فى وصفه بعربيا، بوصفه به صح كونه حالا مع أنه جامد ويحتمل التأويل بمقروء. وإن قلت: فهلا قيل: أنزلناه عربيا؟ قلت: صرح بقرآن ليدل على مرجع الضمير، فيكون فيه فائدة الإبهام، فالتفسير. وفى التصريح به أيضا بلاغة ليست فى عدم ذكره. والمراد أنزلناه قرآنا بلسان العرب ليفهموه وجعلناه على طريقة ذكر الوعيد وتكريره ليرتدع عن المعاصى كما قال: {وَصَرَّفْنَا فِيهِ} كررنا وفصَّلنا من يعمل كذا فله أو عليه كذا. {مِنَ الْوَعِيدِ} شيئا منه. {لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} الشرك وما يوجب سخطنا. والترجِّى مصروف إلى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ومَن معه؛ فإن فى نزول الآيات ما يطمعون به، فى إيمان المشرك، وارتداع المنافق. {أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا} أى يحدث القرآن لهم عظة بمن تقدم بتعظون بها، أو تذكرا واعتبارا، فيثبطهم عن الشرك و المعاصى، فيتدرجون منها إلى الإيمان والتقوى. وأما لعلهم يتقون فالمراد رسوخ التقوى حتى تكون مَلَكة ولذلك لم يكتف بأحد الكلامين عن الآخر. وقالت فرقة: معنى إحداث الذكر إحداث الشرف والثناء عليهم بالإيمان به، والذكر يمنع عن المعاصى فتكون التقوى مَلَكة. ولما ذكرت أسند التقوى إليهم والإحداث للقرآن. والذكر يطلق أيضا على الطاعة والعبادة. وقرئ تحدث بالتاء خطايا لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. وقرئ بالنون. وقرئ بالياء وإسكان التاء تخفيفا كما قرئ وما يشعركم بإسكان الراء. {فَتَعَالَى اللهُ} عظم شأنه ذاتا وصفة وفعلا وقولا عما يقول المشركون من التشبيه أو الإنكار ولا يشبه شيئا ولا يشبهه شئ فى ملكه. {الْمَلِكُ} النافذ أمره ونهيه الحقيق بأن يُرجى وعده ويُخشى وعيده. {الْحَقُّ} فى ملكوته مستحق الملك لذاته، أو الحق: الثابت فى ذاته وصفاته. قيل: وصف نفسه بالملك الحق لأن ملكه لا يزول ولا يتغير وليس بمستفاد من قِبَل الغير، ولا غيره أهل له أو أولى به منه. وفى الآية تعظيم الحق من هو كذلك. {وَلاَ تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ} لا تعجل بقراءة القرآن إذا كان جبريل يلقنك إياه حتى يتم تلقينه. وكان يعجل مخافة النسيان وعجلته سبب نزول الآية وذلك استطراد بعد ذكر الإنزال فقد تبين لك أن القرآن يطلق على الكل وعلى بعضه ولكن لا يطلق على البعض إلا إن كان البعض له أو أكثر. وقيل: ثلاثا أو أكثر وأما أقل فلا إلا مجازا. وقيل: الوحى هنا بمعنى البيان وإنزال البيان أى لا تعجل بتبليغ القرآن ما كان مجملا من قبل ولا بقراءته حتى يأتيك بيانه. ومعنى يُقضى يوصَل. وقرئ حتى نقضى إليك وحيه، بالنون ونصْب الوحى. وزعم بعضهم أن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: {أية : سنقرئك فلا تنسى إلا ما شاء الله }. تفسير : وروى أنها نزلت بسبب امرأة جاءت إلى النبى صلى الله عليه وسلم تشكو إليه زوجها أنه ضربها فقال له النبى صلى الله عليه وسلم: القصاص فنزل: {ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه}. {وَقُلْ رَبِّ} يا رب {زِدْنِى عِلْمًا} ونزل: {أية : الرجال قوامون على النساء بما فضل الله} تفسير : وكان بعد ذلك يتأتى ويقول: رب زدنى علما وكان ابن مسعود إذا قرأ ذلك قال: اللهم رب زدنى علما. وعن بعضهم: المعنى سل ربك زيادة العلم بدل الاستعجال؛ فإن ما أوحى إليك تناله لا محالة. وفى الآية تواضع بأَنه لا علم له إلا ما علّمه الله أو يعلِّمه الله وثناء وشكر بأن عندى علما لطيفا جاءنى منك بفضلك فزدنى علما إليه فإن لك فى كل شئ علما وحكمة وفى ذلك استجلاب جزيل وأدب جميل. ويروى أن الله سبحانه وتعالى ما أمر رسوله بطلب الزيادة إلا فى العلم. وقيل: المعنى: رب زدنى علما بالقرآن. فكلما نزل عليه شئ منه زاد به علما.

اطفيش

تفسير : {وكذلك أنزلناه قرُآناً عربياً}عطف على قوله: " أية : كذلك نقص" تفسير : [طه: 99] وهنا ما هنالك، والمعنى أنزلنا القرآن على طريقة إنزال هذه الآية، والهاء للقرآن حضوره فى الأذهان، مع معونه لفظ الأنزال بدلالة: "قرآناً عربياً" وكان عربيا لتفهمه العرب عن نبيهم، فيعملوا ببلاغته القصوى التى عجوزا عنها، إنه من رب العالمين {وصرّفنا} كررنا {فيه مِنْ الوَعيد} وعيداً من جملةالوعيد على الشرك والمعاصى {لعلَّهُم يتَّقونَ} الشرك والمعاصى، خوف عقاب كالعبد المطيع لسيده خوف الضرب {أو يُحْدث} أى القرآن أسند الإحداث إليه لأنه سبب {لهم ذكراً} تفكرا فيه مؤدياً الى الإيمان به، أو ذكراً نفس الاتعاظ، وذلك كقوله تعالى: "أية : لعله يتذكر أو يخشى" تفسير : [طه: 44] وفسر بعض التقوى بترك المعاصى، والذكر بفعل الطاعات، ولا يتم إلا بجعل أو بمعنى الواو، إذ لا يجزى أحدهما، ويجوز أن تكون للتنويع على معنى إكثار الرغبة في ترك المعاصى، مع الحظ المجزى من الطاعات، أو إكثار الرغبة الطاعات، مع الحظ المجزى من ترك المعاصى، وتركها تخلية بالخاء المعجمة، وفعل الطاعات تحلية بالمهملة، ويجوز أنها بمعنى الواو، والذكر الشرف، فإن القرآن شرف للعرب مع التقوى الشاملة، لأداء الطاعات، ولعله التعليل أو للترجية لا الترجى.

الالوسي

تفسير : {وَكَذٰلِكَ } عطف على {أية : كَذٰلِكَ نَقُصُّ } تفسير : [طه: 99] والإشارة إلى إنزال ما سبق من الآيات المتضمنة للوعيد المنبئة عما سيقع من أحوال القيامة وأهوالها أي مثل ذلك الإنزال {أَنزَلْنَـٰهُ } أي القرآن كله وهو تشبيه / لإنزال الكل بإنزال الجزء والمراد أنه على نمط واحد، وإضماره من غير سبق ذكره للإيذان بنباهة شأنه وكونه مركوزاً في العقول حاضراً في الأذهان {قُرْءاناً عَرَبِيّاً } ليفهمه العرب ويقفوا على ما فيه من النظم المعجز الدال على كونه خارجاً عن طوق الآدميين نازلاً من رب العالمين {وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ ٱلْوَعِيدِ } أي كررنا فيه بعض الوعيد أو بعضاً من الوعيد، والجملة عطف على جملة {أَنزَلْنَـٰهُ } وجعلها حالاً قيداً للإنزال خلاف الظاهر جداً. {لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ } المفعول محذوف وتقدم الكلام في لعل، والمراد لعلهم يتقون الكفر والمعاصي بالفعل. {أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً } أي عظة واعتباراً مؤدياً في الآخرة إلى الاتقاء، وكأنه لما كانت التقوى هي المطلوبة بالذات منهم أسند فعلها إليهم ولما لم يكن الذكر كذلك غير الأسلوب إلى ما سمعت كذا قيل، وقيل: المراد بالتقوى ملكتها، وأسندت إليهم لأنها ملكة نفسانية تناسب الإسناد لمن قامت به، وبالذكر العظة الحاصلة من استماع القرآن المثبطة عن المعاصي، ولما كانت أمراً يتجدد بسبب استماعه ناسب الإسناد إليه، ووصفه بالحدوث المناسب لتجدد الألفاظ المسموعة، ولا يخفى بعد تفسير التقوى بملكتها على أن في القلب من التعليل شيئاً. وفي «البحر» أسند ترجي التقوى إليهم لأن التقوى عبارة عن انتفاء فعل القبيح وذلك استمرار على العدم الأصلي، وأسند ترجي إحداث الذكر للقرآن لأن ذلك أمر حدث بعد أن لم يكن انتهى، وهو مأخوذ من كلام الإمام وفي قوله: لأن التقوى إلى آخره على إطلاقه منع ظاهر، وفسر بعضهم التقوى بترك المعاصي والذكر بفعل الطاعات فإنه يطلق عليه مجاز لما بينهما من السببية والمسببية فكلمة أو على ما قيل للتنويع، وفي الكلام إشارة إلى أن مدار الأمر التخلية والتحلية. والإمام ذكر في الآية وجهين، الأول: ((أن المعنى إنما أنزلنا القرآن ليصيروا محترزين عن فعل ما لا ينبغي أو يحدث لهم ذكراً يدعوهم إلى فعل ما ينبغي فالكلام مشير أيضاً إلى التخلية والتحلية إلا أنه ليس فيه ارتكاب المجاز، والثاني: أن المعنى أنزلنا القرآن ليتقوا فإن لم يحصل ذلك فلا أقل من أن يحدث لهم ذكراً وشرفاً وصيتاً حسناً))، ولا يخفى أن هذا ليس بشيء، وقال الطيبـي: إن المعنى وكذلك أنزلناه قرآناً عربياً أي فصيحاً ناطقاً بالحق ساطعاً بيناته لعلهم يحدث لهم التأمل والتفكر في آياته وبيناته الوافية الشافية فيذعنون ويطيعون وصرفنا فيه من الوعيد لعلهم يتقون العذاب، ففي الآية لف من غير ترتيب وهي على وزان قوله تعالى: {أية : لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ } تفسير : [طه: 44] وعندي كون الآية متضمنة للتخلية والتحلية لا يخلو عن حسن فتأمل. وقرأ الحسن {أو يحدث} بسكون الثاء، وقرأ عبد الله ومجاهد وأبو حيوة والحسن في رواية والجحدري وسلام {أو نحدث} بالنون وسكون الثاء وذلك حمل وصل على وقف أو تسكين حرف الإعراب استثقالاً لحركته كما قال ابن جني نحو قول امرئ القيس:شعر : اليوم أشرب غير مستحقب إثماً من الله ولا واغل تفسير : وقول جرير:شعر : سيروا بني العم فالأهواز منزلكم ونهر تيري ولا يعرفكم العرب

ابن عاشور

تفسير : عطف على جملة {أية : كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق}تفسير : [طه: 99]، والغرض واحد، وهو التنويه بالقرآن. فابتدىء بالتنويه به جزئياً بالتنويه بقصصه، ثمّ عطف عليه التنويه به كليّاً على طريقة تشبه التذييل لما في قوله {أنزلناه قرآناً عربياً} من معنى عموم ما فيه. والإشارة بــــ{كذلك} نحوُ الإشارة في قوله {كذلك نقص عليك}، أي كما سمعته لا يُبين بأوضح من ذلك. و{قرآناً} حال من الضمير المنصوب في {أنزلناه}. وقرآن تسمية بالمصدر. والمراد المقروء، أي المتلو، وصار القرآن علماً بالغلبة على الوحي المنزل على محمد - صلى الله عليه وسلم - بألفاظ معينة متعبّداً بتلاوتها يعجز الإتيان بمثل سورة منها. وسمي قرآناً لأنه نظم على أسلوب تسهل تلاوته. ولوحظ هنا المعنى الاشتقاقي قبل الغلبة وهو ما تفيده مادة قرأ من يسر تلاوته؛ وما ذلك إلاّ لفصاحة تأليفه وتناسب حروفه. والتنكير يفيد الكمال، أي أكمل ما يقرأ. و{عربياً} صفة {قرآناً}. وهذا وصف يفيد المدح، لأنّ اللغة العربية أبلغ اللّغات وأحسنها فصاحة وانسجاماً. وفيه تعريض بالامتنان على العرب، وتحميق للمشركين منهم حيث أعرضوا عنه وكذبوا به، قال تعالى: {أية : لقد أنزلنا إليكم كتاباً فيه ذكركم أفلا تعقلون}تفسير : [الأنبياء: 10]. والتصريف: التنويع والتفنين. وقد تقدّم عند قوله تعالى: {أية : انظر كيف نصرف الآيات ثم هم يصدفون } تفسير : في سورة الأنعام (46)، وقوله {أية : ولقد صرفنا هذا القرآن ليذكروا} تفسير : في في سورة الإسراء (41). وذكر الوعيد هنا للتهديد، ولمناسبة قوله قبله {أية : وقد خاب من حمل ظلماً}تفسير : [طه: 111]. والتقوى: الخوف. وهي تستعمل كناية عن الطاعة لله، أي فَعلْنا ذلك رجاء أن يؤمنوا ويطيعوا. والذكر هنا بمعنى التذكر، أي يُحدث لهم القرآن تذكراً ونظراً فيما يحق عليهم أن يختاروه لأنفسهم. وعبر بــــ{يحدث} إيماء إلى أن الذكر ليس من شأنهم قبل نزول القرآن، فالقرآن أوجد فيهم ذكراً لم يكن من قبل، قال ذو الرمة:شعر : ولما جرت في الجزل جرياً كأنه سنا الفجر أحدثنا لخالقها شُكراً تفسير : و (لعل) للرجاء، أي إن حال القرآن أن يقرّب الناس من التقوى والتذكر، بحيث يمثَّل شأن من أنزله وأمر بما فيه بحال من يرجو فيلفظ بالحرف الموضوع لإنشاء الرجاء. فحرف (لعل) استعارة تبعية تنبىء عن تمثيلية مكنية، وقد مضى معنى (لعل) في القرآن عند قوله تعالى: {أية : يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون}تفسير : في سورة البقرة (21). وجملة {فتعالى الله الملك الحق} معترضة بين جملة {وكذلك أنزلناه} وبين جملة {ولا تعجل بالقرآن}. وهذا إنشاء ثناء على الله منزل القرآن وعلى منة هذا القرآن، وتلقين لشكره على ما بيّن لعباده من وسائل الإصلاح وحملهم عليه بالترغيب والترهيب وتوجيهه إليهم بأبلغ كلام وأحسن أسلوب فهو مفرع على ما تقدم من قوله {وكذلك أنزلناه قرآناً عربياً} إلى آخرها... والتفريع مؤذن بأن ذلك الإنزال والتصريف ووسائل الإصلاح كلّ ذلك ناشىء عن جميل آثار يشعر جميعها بعلوه وعظمته وأنه الملك الحق المدبر لأمور مملوكاته على أتم وجوه الكمال وأنفذ طرق السياسة. وفي وصفه بالحق إيماء إلى أن مُلك غيره من المتَسَميّن بالملوك لا يخلو من نقص كما قال تعالى: {أية : الملك يومئذ الحق للرحمان} تفسير : [الفرقان: 26]. وفي الحديث: «حديث : فيقول الله أنا الملِكُ أيْنَ ملوك الأرض»تفسير : ، أي أحضروهم هل تجدون منهم من ينازع في ذلك، كقول الخليفة معاوية حين خطب في المدينة «يا أهل المدينة أين علماؤكم». والجمع بين اسم الجلالة واسمه (المَلِك) إشارة إلى أن إعظامه وإجلاله مستحَقّان لذاته بالاسم الجامع لصفات الكمال، وهو الدال على انحصار الإلهيّة وكمالها. ثمّ أتبع بــــ(الحق) للإشارة إلى أن تصرفاته واضحة الدلالة على أن ملكه ملك حق لا تصرف فيه إلاّ بما هو مقتضَى الحكمة. والحق: الذي ليس في ملكه شائبة عجز ولا خضوع لغيره، وفيه تعريض بأن ملك غيره زائف. وفي تفريع ذلك على إنزال القرآن إشارة أيضاً إلى أن القرآن قانون ذلك الملك، وأن ما جاء به هو السياسة الكاملة الضامنة صلاح أحوال متبعيه في الدنيا والآخرة. وجملة {ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه} ناشئة على ما تقدم من التنويه بالقرآن وما اشتمل عليه من تصاريف إصلاح الناس. فلمّا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - حريصاً على صلاح الأمّة شديد الاهتمام بنجاتهم لا جرم خطرت بقلبه الشريف عَقِب سماع تلك الآيات رغبةٌ أو طِلْبة في الإكثار من نزول القرآن وفي التعجيل به إسراعاً بعِظة الناس وصلاحهم، فعلمه الله أن يكِل الأمر إليه فإنه أعلم بحيث يناسب حال الأمة العامَّ. ومعنى {من قبل أن يقضى إليك وحيه} أي من قبل أن يتم وحي ما قضي وحيه إليك، أي ما نُفذ إنزاله فإنه هو المناسب. فالمنهي عنه هو سؤال التعجيل أو الرغبة الشديدة في النفس التي تشبه الاستبطاء لا مطلق مودة الازدياد، فقد حديث : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في شأن قصة موسى مع الخضر ــــ عليهما السلام ــــ «ودَدنا أن موسى صبَر حتى يقص الله علينا من أمرهما أو من خبرهما»تفسير : . ويجوز أن يكون معنى العجلة بالقرآن العجلة بقراءته حال إلقاء جبريل آياته. فعن ابن عبّاس: حديث : كان النبي يبادر جبريل فيقرأ قبل أن يفرغ جبريل حرصاً على الحفظ وخشية من النسيان تفسير : فأنزل الله {ولا تعجل بالقرآن} الآية. وهذا كما قال ابن عبّاس في قوله تعالى: {أية : لا تُحرّكْ به لسانك لتعجلَ به}تفسير : [القيامة: 16] كما في «صحيح البخاري». وعلى هذين التأويلين يكون المراد بقضاء وحيه إتمامه وانتهاؤه، أي انتهاء المقدار الذي هو بصدد النزول. وعن مجاهد وقتادة أن معناه: لا تعجل بقراءة ما أُنزل إليك لأصحابك ولا تُمْلِه عليهم حتى تتبين لك معانيه. وعلى هذا التأويل يكون قضاء الوحي تمام معانيه. وعلى كلا التفسيرين يجري اعتبار موقع قوله {وقل رب زدني علماً}. وقرأ الجمهور {يُقضى} بتحتية في أوله مبنياً للنائب، ورفع وحيُه على أنه نائب الفاعل. وقرأه يعقوب بنون العظمة وكسر الضاد وبفتحة على آخر «نقضي» وبنصب «وحيَه». وعطف جملة {وقل رب زدني علماً} يشير إلى أن المنهي عنه استعجال مخصوص وأن الباعث على الاستعجال محمود. وفيه تلطف مع النبي - صلى الله عليه وسلم - إذ أتبع نهيه عن التعجل الذي يرغبه بالإذن له بسؤال الزيادة من العلم، فإن ذلك مجمع كل زيادة سواء كانت بإنزال القرآن أم بغيره من الوحي والإلهام إلى الاجتهاد تشريعاً وفهماً، إيماء إلى أن رغبته في التعجل رغبة صالحة كـحديث : قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لأبي بَكر حين دخل المسجد فوجد النبي راكعاً فلم يلبث أن يصل إلى الصف بل ركع ودَبّ إلى الصف راكعاً فقال له: «زادك الله حرصاً ولا تَعُدْ».

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَكَذٰلِكَ أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ ٱلْوَعِيدِ} الآية. قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة "الكهف" فأغنى ذلك عن إعادته هنا.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: وكذلك أنزلنا: أي مثل ذلك الإنزال أنزلنا قرآناً عربياً أي بلغة العرب ليفهموه. وصرفنا فيه من الوعيد: أي من أنواع الوعيد، وفنون العذاب الدنيوي والأخروي. أو يحدث لهم ذكرا: أي بهلاك الأمم السابقة فيتعظون فيتوبون ويسلمون. فتعالى الله الملك الحق: أي عما يقول المفترون ويشرك المشركون. ولا تعجل بالقرآن: أي بقرءاته. من قبل أن يقضى إليك وحيه: أي من أن يفرغ جبريل من قراءته عليك. عهدنا إلى آدم: أي وصيناه أن لا يأكل من الشجرة. فنسي: أي عهدنا وتركه. ولم نجد له عزما: أي حزما وصبراً عما نهيناه عنه. معنى الآيات: يقول تعالى {وَكَذٰلِكَ أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً} أي ومثل ما أنزلنا من تلك الآيات المشتملة على الوعد والوعيد أنزلنا القرآن بلغة العرب ليفهموه ويهتدوا به {وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ ٱلْوَعِيدِ} أي بينا فيه من أنواع الوعيد وكررنا فنون العذاب الدنيوي والأخروي لعل قومك أيها الرسول يتقون ما كان سببا في إهلاك الأمم السابقة وهو الشرك والتكذيب والمعاصي {أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً} أي يوجد لهم ذكراً في أنفسهم فيتعظون فيتوبون من الشرك والتكذيب للرسول ويطيعون ربهم فيكملون ويسعدون هذا ما دلت عليه الآية الأولى [113]. وأما الآية الثانية وهي قوله تعالى {فَتَعَٰلَى ٱللَّهُ ٱلْمَلِكُ ٱلْحَقُّ} فإن الله تعالى يخبر عن علوه من سائر خلقه وملكه لهم وتصرفه فيهم وقهره لهم، ومِن ثَمَّ فهو منزَّه عن الشريك والولد وعن كل نقص يصفه به المفترون الكذابون. وقوله: {وَلاَ تَعْجَلْ بِٱلْقُرْءانِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَىٰ إِلَيْكَ وَحْيُهُ} يُعلِّم تعالى رسوله كيفية تلقي القرآن عن جبريل عليه السلام فيرشده إلى أنه لا ينبغي أن يستعجل في قراءة الآيات ولا في إملائها على أصحابها ولا في الحكم بها حتى يفرغ جبريل من قراءتها كاملة عليه وبيان مراد الله تعالى منها في إنزالها عليه. وطلب إليه أن يسأله المزيد من العلم بقوله: {وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً}، وفيه إشعار بأنه دائماً في حاجة إلى المزيد، ولذا فلا يستعجل ولكن يتريث ويتمهل، وهذا علماء أمته أحوج إليه منه صلى الله عليه وسلم فالاستعجال في الفُتيا وفي إصدار الحكم كثيراً ما يخطئ صاحبهما. وقوله تعالى: {وَلَقَدْ عَهِدْنَآ إِلَىٰ ءَادَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً} يقول تعالى مخبراً رسوله والمؤمنين ولقد وصينا آدم من قبل هذه الأمم التي أمرناها ونهيناها فلم يطع أكثرها وصيناه بأن لا يطيع عدوه إبليس وأن لا يأكل من الشجرة فترك وصيتنا ناسيا لها غير مبال بها وأطاع عدوه وأكل من الشجرة، ولم نجد له عزماً بل ضعف أمام الإِغراء والتزيين فلم يحفظ العهد ولم يصبر على الطاعة، فكيف إذاً بغير آدم من سائر ذرياته فلذا ينبغي أن لا تأسى ولا تحزن على عدم إيمان قومك بك واستجابتهم لدعوتك. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- بيان الحكمة من إنزال القرآن باللسان العربي وتصريف الوعيد فيه. 2- إثبات علو الله تعالى وقهره لعباده وملكه لهم وتنزهه عن الولد والشريك وكل نقص يصفه به المبطلون. 3- استحباب التريث والتأني في قراءة القرآن وتفسيره وإصدار الحكم والفتيا منه. 4- الترغيب في طلب العلم والمزيد من التحصيل العلمي وإشعار النفس بالجهل والحاجة إلى العلم. 5- التسلية بنسيان آدم وضعف قلبه أمام الإِغراء الشيطاني.

القطان

تفسير : صرفنا: كررنا وفصلنا. ذكرا: عظة وعبرة. لا تضحى: لا تبرز للشمس، ولا تتعب. طفقا يخصفان: شرعا يلزقان ورق الجنة. غوى: ضل. اجتباه: اصطفاه وقربه. {وَكَذٰلِكَ أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً.... }. وكما انزلنا ما ذُكر من البيان الحق الذي سلف في هذه السورة، كذلك أنزلنا القرآن كلَّه بأسلوب عربي واضح، وصَرَّفنا فيه القول في أساليب الوعيد ليجتنبوا الشِرك والوقوعَ في المعاصي، او يتذكروه إذا اذنبوا فيتوبوا الى الله ويسألوه العفو. {فَتَعَالَىٰ ٱللَّهُ ٱلْمَلِكُ ٱلْحَقُّ... }. تقدّس الله المتصرفُ بالأمر والنهي، المحقُّ في أُلوهيته وعظمته. ولا تَعْجَلْ يا محمد بقراءة القرآن من قبلِ ان يُتمَّ جبريلُ تبليغه اليك. أَنصِتْ حين نزول الوحي بالقرآن عليك، حتى يفرغ المَلَكُ من قراءته، ثم اقرأه بعده. {وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً}. بالقرآنِ ومعانيه وكل شيء. وهذا يدل على فضيلة العلم، فان الله تعالى لم يأمر رسوله بطلب الزيادة في شيء إلا في العلم. ولقد قام الاسلام على العلم والتعلم من بدايته، وبالعلم سيطرت الأمم المسيطِرة في الوقت الحاضر، ولو أننا اتّبعنا القرآن حق اتباعه لكنّا اليومَ في الذروة من كل شيء. وسبب نزول هذه الآية ان الرسول الكريم كان اذا لقَّنه جبريلُ الوحي، يتبعه عند تلفظ كل كلمةٍ وكل حرف، لكمالِ اعتنائه بالتلقّي والحفظ، فأرشده الله الى التأني ريثما يسمعه ويفهمه. ونحوه قوله تعالى: {أية : لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَٱتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ}تفسير : [القيامة:16 - 19]. روى الترمذي عن ابي هريرة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : اللهمّ انفعني بما علّمتني، وعلّمني ما ينفعني، وزِدني علما، والحمدُ لله على كل حال، واعوذ باللهِ من حالِ أهل النار " تفسير : قراءات: قرأ يعقوب: من قبل أن نقضي اليك وحيه. بفتح النون وكسر الضاد ونصب وحيه. والباقون: من قبل ان يُقضَى اليك وحيُه، بضم الياء ورفع وحيه. {وَلَقَدْ عَهِدْنَآ إِلَىٰ ءَادَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً}. بعد تلك الجولة الطويلة في قصة موسى، والعرضِ الموجز لأحوال القيامة وتذكيرِ الناس بأهوال ذلك اليوم العظيم، ثم ذكرِ القرآن وما فيه من وعيد ومن احكام، والأمر للرسول ان لا يعجل في تلقّيه خوف ان ينسى - يأتي الحديث هنا عن قصة آدم. فقد نسيَ آدمُ ما عهِد الله به اليه، وضَعُفَ أمام الإغراء بالخلود فاستمع لوسوسةِ الشيطان. وكان هذا ابتلاءً من ربّه قبل ان يعهد اليه بخلافة الأرض. ثم تداركت رحمةُ الله آدم فاجتباه وهداه. ولقد وصينا آدم وقلنا له أن لا يخالف لنا أمرا، فنسي العهدَ وخالف، ولم نجدْ له ثباتا في الرأي، ولا تصميماً قويا يمنع من ان يتسلل الشيطان الى نفسه بوسوسته. وكل هذا العرض بإجمال لأنه فصِّل في سورة البقرة والأعراف والحِجر والإسراء والكهف. ثم بين الله تعالى ما عهد اليه به وكيفية نسيانه وفقدان عزمه فقال: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُوۤاْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَىٰ.... }. اذكر ايها الرسول حين امرنا الملائكةَ ان يسجدوا لآدم سجودَ تعظيم، فامتثلوا ولبّوا الأمر، إلا ابليس الذي امتنع وأبى ان يكون من الساجدين. فقلنا يا آدم ان هذا الذي رأيتَ منه ما رأيت عدوٌّ لك ولزوجتك، فاحذرا وسوستَه فلا يكونن سبباً لإخراجكما من الجنة فتشقى يا آدم بعد الخروج. إن في هذه الجنة عيشا هنيئاً رغداً بلا كلفة ولا مشقة، فلا جوع فيها ولا عُري، ولا ظمأ ولا حر شمس. {فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ ٱلشَّيْطَانُ.... }. بعد ان بين الله أنه عظّم آدم وعرّفه شدة عداوة ابليس، ذكر هنا أن آدم أطاعَ إبليس، وأكلَ من الشجرة المحرّمة عليه، لأن إبليسَ جاءه وقال له: هل أدلّك على شجرةٍ إن اكلتَ منها خلَدت ولم تمتْ أبدا!؟ فنسي آدم العهد وأكل هو وزوجته، وخالفا أمر ربهما، فظهرت لهما عوراتُهما جزاء مخالفتهما الأوامر الربانية، وصارا يقطعان من ورقِ شجر الجنّة، ويستران بها ما بدا منهما. {وَعَصَىٰ ءَادَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ}. خالف آدم أمر ربه، فحُرِم الخلد، وأفسد على نفسه تلك الحياة الهنيئة التي كان يعيشها. {ثُمَّ ٱجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَىٰ}. ثم ادركتْ آدمَ وزوجتَه رحمةُ الله بعد ما عصاه، فاصطفاه للرسالة، وقبل توبته، وهداه الى الخير. قراءات: قرأ نافع وابو بكر: (وإنك) لا تظمأ فيها، بكسر ان. والباقون: (وأنك) بفتح الهمزة.

د. أسعد حومد

تفسير : {أَنزَلْنَاهُ} {قُرْآناً} (113) - وَلَمَّا كَانَ يَوْمُ المَعَادِ وَالجَزَاءِ وَاقِعاً لاَ مَحَالَةَ، لِذلِكَ أَنْزَلْنَا هذا القُرْآنِ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ لِيَفْهَمَهُ قَوْمُكَ يَا مُحَمَّدُ، وَيُدْرِكُوا مَعَانِيَهُ وَمَرَامِيَهُ، وَلِيَكُونَ بُشْرَى لِلْمُؤْمِنينَ، وَنَذِيراً لِلْكَافِرِينَ. وَقَدْ نَوَّعْنا فِي هذا القُرْآنِ مِنْ صُوَرِ الوَعِيدِ وَمَوَاقِفِهِ وَمَشَاهِدِهِ ... لَعَلَّهُ يُثِيرُ فِي نُفُوسِ المُكَذِّبِينَ شُعُورَ التَّقْوَى، أَوْ يُذَكِّرُهُمْ بِمَا سَيَلْقَوْنَ فِي الآخِرَةِ مِنْ سُوءِ المَآلِ وَالمُنْقَلَبِ فَيَزْدَجرُوا عَنْ غَيِّهِمْ، وَيُقْلِعُوا عَنْ ضَلاَلِهِمْ. صَرَّفْنَا - كَرَّرْنَا القَوْلَ بِأَسَالِيبَ مُخْتَلِفَةٍ. ذِكْراً - عِظَةً وَاعْتِبَاراً.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : (كَذَلِكَ) أي: كالإنزال الذي أنزلناه إلى الأمم السابقة، فكما أرسلنا إليهم رُسُلاً أرسلنا إلى الأمم المعاصرة لك رسلاً، إلا أنْ فارق الرسالات أنهم بُعِثُوا لزمان محدود، في مكان محدود، وبُعثْتَ للناس كافّة، وللزمان كافة إلى أنْ تقوم الساعة. ونفهم من كلمة {أَنزَلْنَاهُ ..} [طه: 113] أن المُنزَّل أعلى من المُنزَّل عليه، فالإنزال من شيء عالٍ، وكأن الحق - تبارك وتعالى - يلفت أنظارنا ويُصعِّد هممنا، فيقول: لا تهبطوا إلى مستوى تشريع الأرض؛ لأنه يُقنِّن للحاضر ويجهل المستقبل، ويتحكم فيه الهوى فتغيب عنه أشياء فيحتاج إلى استدراك. لذلك، حين ينادينا إلى منهجه العلوي يقول: {أية : قُلْ تَعَالَوْاْ ..}تفسير : [الأنعام: 151] يعني: اعلوا وخُذُوا منهجكم من أعلى، لا من الأرض. {قُرْآناً ..} [طه: 113] يعني: مقروء، كما قال {أية : كِتَاباً ..}تفسير : [الأنبياء: 10] يعني: مكتوب، ليُحفظ في الصدور وفي السطور. وقال {قُرْآناً عَرَبِيّاً ..} [طه: 113] مع أن النبي صلى الله عليه وسلم مُرْسَل إلى الناس كافة في امتداد الزمان والمكان، والقرآن نزل معجزة للجميع. قالوا: لأنه صلى الله عليه وسلم هو المباشر لهذه الأمة العربية التي ستستقبل أول دعوة له، فلا بُدَّ أنْ تأتي المعجزة بلسانها، كما أن معجزة القرآن ليستْ للعرب وحدهم، إنما تحدٍّ للإنس والجن على امتداد الزمان والمكان. كما قال سبحانه: {أية : قُل لَّئِنِ ٱجْتَمَعَتِ ٱلإِنْسُ وَٱلْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ ..}تفسير : [الإسراء: 88]. فالقرآن تحدٍّ لكل الأجناس: الروسي، والأمريكي، والياباني، والدنيا كلها، ومعهم الجن أيضاً. لكن لماذا والجن أيضاً داخل في مجال التحدي؟ قالوا: لأن العرب قديماً كانوا يعتقدون أن لكل شاعر أو خطيب مفوه شيطاناً يمُدُّه ويُوحِي إليه؛ لذلك أدخل الجن أيضاً في هذا المجال. وقد يقول قائل: وكيف نتحدّى بالقرآن غير العرب وهو بلسان عربي، فهو حجة على العرب دون غيرهم؟ نقول: وهل إعجاز القرآن من حيث أسلوبه العربي وأدائه البياني فقط؟ لا، فجوانب الإعجاز في القرآن كثيرة لا تختلف فيها اللغات، فهل تختلف اللغات في التقنين لخير المجتمع؟ ألم يأْتِ القرآن بمنهج في أمة بدوية أمية يغزو أكبر حضارتين معاصرتين له، هما حضارة فارس في الشرق، وحضارة الروم في الغرب؟ ألم تكُنْ هذه الظاهرة جديرةً بالتأمل والبحث؟ ثم الكونيات التي تحدَّث القرآن عنها منذ ما يزيد على أربعة عشر قرناً، وما زال العلم الحديث يكتشفها الآن. إذن: طبيعي أن يأتي القرآن عربياً؛ لأنه نزل على رسول عربي، وفي أمة عربية، والحق سبحانه يقول: {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ..}تفسير : [إبراهيم: 4]. فهم الذين يستقبلون الدعوة، وينفعلون لها، ويقتنعون بها، ثم ينساحون بها في شتَّى بقاع الأرض، ومن العجيب أنهم بدعوة القرآن أقنعوا الدنيا التي لا تعرف العربية، أقنعوها بالمبادىء والمناهج التي جاء بها القرآن؛ لأنها مبادىء ومناهج لا تختلف عليها اللغات. ثم يقول تعالى: {وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ ٱلْوَعِيدِ ..} [طه: 113] أي: حينما ينذر القرآن بشيء يُصرف هذا الإنذار على أوجه مختلفة، ويُكرَّر الإنذار لينبه أهل الغفلة. يعني: لوَّنا فيه كل أساليب الوعد والوعيد، فكل أسلوب يصادف هوى في نفس أحد المستقبلين، فخاطبنا الأهواء كلها بكل مستوياتها، فالعالم والجاهل ومتوسط الفكر، الكل يجد في القرآن مَا يناسبه؛ لأنه يُشرِّع للجميع، للفيلسوف وللعامي، فلا بُدَّ أنْ يكون في القرآن تصريفٌ لكل ألوان الملكات ليقنع الجميع. وفي القرآن وَعْد ووعيد، فلكل منهما أهْل، ومَنْ لم يَأْتِ بالإغراء بالخير يأتي بأن ينزعه بالقوة والجبروت، كما قال الشاعر: شعر : أَنَاةٌ فَإِنْ لم تُغْنِ عَقَّبَ بعدَها وَعِيداً فَإنْ لم يُغْن أغنَتْ عَزَائمهُ تفسير : وفي الأثر: "حديث : إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن ". تفسير : والإنذار والتخويف نعمة من الله، كما ورد في سورة الرحمن، حيث يقول تعالى: {أية : مَرَجَ ٱلْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لاَّ يَبْغِيَانِ * فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ}تفسير : [الرحمن: 19-21] فهذه نعم من الله. أما قوله: {أية : يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلاَ تَنتَصِرَانِ * فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ}تفسير : [الرحمن: 35-36] فما النعمة في النار والشُّواظ؟ النعمة أن ينذرك الله بها ويحذرك منها، قبل أنْ تقعَ فيها، ويعظك بها وأنت ما زلتَ في فترة المهلة والتدارك، فلا يأخذك على غِرَّة ولا يتركك على غفلتك. كما تُحذِّر ولدك: إنْ أهملتَ دروسك فسوف تفشل في الامتحان فيحتقرك زملائك، ويحدث لك كيت وكيت، فلم يترك ولده على غَفْلته وإهماله، إلى أنْ يداهمه الامتحان ويُفاجِئه الفشل، أليستْ هذه نعمة؟ أليستْ نصيحة مهمة؟ والتصريف: يعني التحويل والتغيير بأساليب شتَّى لتناسب استقبال الأمزجة المختلفة عند نزول القرآن لعلها تصادف وَعْياً واهتماماً {لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً} [طه: 113]. {لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ..} [طه: 113] الاتقاء عادة يكون للشر والمعاصي المهلكة، أو يُحدِث لهم الذكْر والشرف والرفعة بفعل الخيرات، وهذا من ارتقاءات الطاعة. ذلك لأن التكليف قسمان: قسم ينهاك عن معصية، وقسم يأمرك بطاعة، فينهاك عن شُرْب الخمر، ويأمرك بالصلاة، فهم يتقون الأول، ويُحدِث لهم ذِكْراً يوصيهم بعمل الثاني. وما دام القرآن نازلاً من أعلى فلا بُدَّ أن يقول بعدها: {فَتَعَٰلَى ٱللَّهُ ٱلْمَلِكُ ٱلْحَقُّ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ ٱلْوَعِيدِ} معناه بَيَّنا.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: وكذلك أنزلنا هذا الكتاب، باللسان الفاضل العربي، الذي تفهمونه وتفقهونه، ولا يخفى عليكم لفظه، ولا معناه. { وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ } أي: نوعناها أنواعا كثيرة، تارة بذكر أسمائه الدالة على العدل والانتقام، وتارة بذكر المثلات التي أحلها بالأمم السابقة، وأمر أن تعتبر بها الأمم اللاحقة، وتارة بذكر آثار الذنوب، وما تكسبه من العيوب، وتارة بذكر أهوال القيامة، وما فيها من المزعجات والمقلقات، وتارة بذكر جهنم وما فيها من أنوع العقاب وأصناف العذاب، كل هذا رحمة بالعباد، لعلهم يتقون الله فيتركون من الشر والمعاصي ما يضرهم، { أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا } فيعملون من الطاعات والخير ما ينفعهم، فكونه عربيا، وكونه مصرفا فيه [من] الوعيد، أكبر سبب، وأعظم داع للتقوى والعمل الصالح، فلو كان غير عربي، أو غير مصرف فيه، لم يكن له هذا الأثر.

همام الصنعاني

تفسير : 1834- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً} [الآية: 113]، قال: جداً وَوَرَعاً. 1835- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أخبرني الثَّوري، عن الأعمش، عن مسلم البطين، عن سعيد بن حبير، عن ابن عباس قال: إنما سُمي الإنسان، لأنه عُهِد إليه فَنَسِيَ.