٢٠ - طه
20 - Ta-Ha (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
114
Tafseer
المحلي و السيوطي
تفسير : {فَتَعَٰلَى ٱللَّهُ ٱلْمَلِكُ ٱلْحَقُّ } عما يقول المشركون {وَلاَ تَعْجَلْ بِٱلْقُرْءَانِ } بقراءته {مِن قَبْلِ إَن يُقْضَىٰ إِلَيْكَ وَحْيُهُ } أي يفرغ جبريل من إبلاغه {وَقُل رَّبِّ زِدْنِى عِلْماً } أي بالقرآن، فكلما أُنزل عليه شيء منه زاد به علمه.
ابن عبد السلام
تفسير : {وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرءَانِ} لا تسأل إنزاله قبل أن يأتيك وحيه، أو لا تلقه إلى الناس قبل أن يأتيك بيان تأويله، أو لا تعجل بتلاوته قبل فراغ جبريل من إبلاغه خوف نسيانه {زِدْنِى عِلْماً} علماً: قرآناً.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً} [الآية: 114]. قال بعضهم: اجعلنى عالمًا بك، جاهلاً بما سواك، وهو زيادة العلم. وقال محمد بن الفضل: {رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً} بنفسى وما تضمره من الشرور، والمكر، والعذر لأقوم بمعونتك فى مداواة كل شىء منها يداويها.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {فَتَعَٰلَى ٱللَّهُ ٱلْمَلِكُ ٱلْحَقُّ}. تعالى اللَّهُ في كبريائه؛ وكبرياؤه: سناؤه وعُلاه ومَجْدُه ورِفْعَتُه وعظَمَتُه، كل ذلك بمعنى واحد، وهو استحقاقه لأوصاف الجلال والتعظيم. و {ٱلْمَلِكُ}: مبالغةً من المالك، وحقيقة الملك القدرة على الإيجاد، والانفراد بذلك. و {ٱلْحَقُّ}: في وصفه - سبحانه - بمعنى الموجود، ومنه قوله عليه السلام: "العين حق" أي موجود. ويكون الحق بمعنى ذي الحقِّ، ويكون بمعنى مُحِقِّ الحق.. كل ذلك صحيح. قوله جلّ ذكره: {وَلاَ تَعْجَلْ بِٱلْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَىٰ إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً}. كان يتعجل بالتلقف من جبريل مخافَة النسيان، فأَمَرَه بالتثبت في التلقين، وأَمَّنَه من طوارِق النسيان، وعرَّفه أن الذي يحفظ عليه ذلك هو الله. والآية تشير إلى طَرَفٍ من الاحتياط في القضاء بالظواهر قبل عرضها على الأصول، ثم إنْ لم يوجد ما يُوجَبُ بالتحقيق أجراه على مقتضى العموم بحقِّ اللفظ، بخلاف قول أهل التوقف. فالآية تشير إلى التثبت في الأمور وضرورة التمكث واللبث قصداً للاحتياط. قوله: {وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً}: فإذا كان أَعْلَمُ البَشَرِ، وسيِّدُ العرب العجم، ومَنْ شهد له الحقُّ بخصائص العلم حين قال: {أية : وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ} تفسير : [النساء: 113] يقال له: {وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً} - عُلِمَ أَنَّ ما يخصُّ به الحقُّ أولياءَه من لطائف العلوم لا حَصْرَ له. ويقال أحاله على نفسه في استزادة العلم. وموسى عليه السلام أحاله على الخضر حتى قال له: {أية : هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰ أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً}تفسير : [الكهف: 66] فشتان بين عبدٍ أحيل على عبدٍ في ذلك ثم قيل له: {أية : إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً}تفسير : [الكهف: 72] ثم كل ذلك التلطف قال له في آخر الأمر: {أية : هَـٰذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ...}تفسير : [الكهف: 78] وبين عبدٍ أَمَرَه عند استزادة العلم بأن يطلبه من قِبَلِ ربه فقال: قُلْ يا محمد: {وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً}. ويقال لما قال عليه السلام: "حديث : أنا أعلمكم بالله وأخشاكم له "تفسير : قال له: {وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً} لِيُعْلَمَ أَنَّ أشرف خِصالِ العبدِ الوقوفُ في محلِّ الافتقار، والاتصاف بنعت الدعاء دون الوقوف في مَعْرِضِ الدعوى.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً} ان الله سبحانه فتح ابصار سرّ نبيه وحبيبه وكشف لها بحار علومه الازلية وحرفه مكان قصور علمه فيها فامره بأستناده علمه وقال وقل رب زدنى علما قال محمد بن الفضل رب زدنى علما بنفسه وما تضمره من الشرور والمكر والغدر لاقوم بمعونتك فى مداواة كل شئ منها تداويها ثم اخبر سبحانه عن لسان أدم صورة الامر من غلبة سطوة ارادته بقوله {وَلَقَدْ عَهِدْنَآ إِلَىٰ ءَادَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ} ان الله سبحانه قد قبل الكون وقبل ------ محبتى بالرسالة والنبوة وعلم الاسماء والجلال والكمال وانه يعرف الله بطريق كل اسم من اسمائه ونعت من نعوته ومن نعته قهر جبروته فجر أدم باسم الى نعته ومن نعته الى صفته ومن صفته الى رؤية ذاته فالبس نور بهائه الشجرة ---- واراه ذلك النور اليها الربانى ثم امره بالاجتناب عنها والقى فى قلبه محبة قربها لانها مرأة جلاله يتجلى أدم منها فغلبت المحبة على الامر وسلبته لطائف تلك الجمال فوقع فى هيجان شوقها رغما لذة بهاء مشاهدتها فترك صورة الامر لشوق جمال الامر ووقع فى بحر القهر بغير مبالاته على العهد لان عهد الازل باصطفائيته سابق عهد الامر فمن رؤيته عهد الازل ترك عهد الامر فاجترى لعلمه بمكانته بوصف الاصطفائية عند الحق وقبوله والان بعد القبول الازلى لا يؤثر فيه مباشرة المعصية وقوله {وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً} لم يجد الحق فى قلب أدم زعم متابعة امرا لظاهر عند العهد لان فى قلبه رؤية ما يتولد من اكل الشجرة من خروج عرائس القدورات الغيبية من ممكن القدم يا عاقل قد بت لنقض عهده الذى بسببه بدا اعلام دولة المرسلين والنبيين والصديقين وحقيقة عهد الله مع أدم أن لا يسكن بشئ دونه وان كان وسيلة الى قربه ومشاهدته فلما ارتهن فى طريق الوصول بوسيلة وقع العصيان عليه لما لم يسلك فى طلب الحقيقة بنعت التجريد واسقاط الوسايط فالذين عطا عهدنا الى أدم ان لا تطالع معى سواى فنسى عهدى وطالع الجنان ولم تجد له عزما اى لم يطالع بسره ولكن طالعه بعينه فنادى عليه وعصى أدم ربه فغوى قال الواسطى فنسى ولم تجد له عزما اى قوة على ضبط نفسه وان كان الواجب ان ارتكاب المباشرة اوجب زوال النسيان فان غيبته عن شاهده ليريه شواهد عبوديته تنبيها وتزيينا وقال ايضا فنسى له وجهان اى جهل قدر عهده وفرق بين من نسى الحضرة وبين من نسى فى الغيبية لذلك قال النبى صلى الله عليه وسلم حديث : رفع عن امتى الخطأ والنسيان .
اسماعيل حقي
تفسير : {فتعالى الله} تفاعل من العلو وليست مرتبة شريفة الا والحق تعالى فى اعلى الدرجات منها وارفعها وذلك لانه مؤثر وواجب لذاته وكل ما سواه اثر وممكن ولا مناسبة بين الواجب والممكن. قال فى الارشاد وهو استعظام له تعالى ولشؤونه التى يصرف عليها عباده من الاوامر والنواهى والوعد والوعيد وغير ذلك اى ارتفع بذاته وتنزه عن مماثلة المخلوقين فى ذاته وصفاته وافعاله واحواله {الملك} السلطان النافذ امره ونهيه الحقيق بان يرجى وعده ويخشى وعيده {الحق} فى ملكوته والوهيته الحقيقى بالملك لذاته {ولا تعجل بالقرآن من قبل ان يقضى اليك} يؤدى ويتم ويفرغ قال تعالى {أية : لقضى اليهم اجلهم}تفسير : اى فرغ اجلهم ومدتهم المضروبة {وحيه} القاؤه وقراءته كان عليه السلم اذا القى اليه جبريل الوحى يتبعه عند تلفظ كل حرف وكل كلمة لكمال اعتنائه بالتلقى والحفظ فنهى عن ذلك اذ ربما يشغله التلفظ بكلمة عن سماع ما بعدها. والمعنى لا تعجل بقراءة القرآن خوف النسيان والانفلات قبل ان يستتم جبريل قراءته ويفرغ من الابلاغ والتلقين فاذا بلغ فاقرأه. وفى التأويلات النجمية فيه اشارة الى سكوته عند قراءة القرآن واستماعه والتدبر فى معانيه واسراره للتنور بانواره وكشف حقائقه ولهذا قال {وقل} اى فى نفسك {رب}[اى بروردكار من]{زدنى}[بيفزاى مرا]{علما} اى فهما لادراك حقائقه فانها غير متناهية وبنورا بانواره وتخلقا بخلقه. وقال بعضهم علما بالقرآن فكان كلما نزل عليه شئ من القرآن ازداد به علما. وقال محمد بن الفضل علما بنفسى وما تضمره من الشرور والمكر والغدر لاقوم بمعونتك فى مداواة كل شئ منها بدوائه. وكان ابن مسعود رضى الله عنه اذا قرآها قال اللهم زدنى ايمانا ويقينا بك وهو اجل التفاسير وادقها لانه علق الايمان واليقين به تعالى دون غيره وهو اصعب الامور كذا سمعت من شيخى وسندى قدس الله سره. قيل ما امر الله رسوله بطلب الزيادة فى شئ الا فى العلم. قال الكاشفى [در لطائف قشيرى رحمه الله مذكوراست كه حضرت موسى عليه السلام زياده علم طلبيد اورا حواله بخضر كردند وبى طلب بيغمبرمارا صلى الله عليه وسلم دعاى زيادتى علم بياموخت وحواله بغير خود نكرد تامعلوم شودكه آنكه درمكتب ادب "ادبنى ربى" سبق {وقل رب زدنى علما} خوانده باشد هرآيينه دردرسكاه "علمك ما لم تكن تعلم" نكته "فعلمت علم الاولين والآخرين" بكوش هوش مستفيدان حقائق اشيا تواند رسانيد شعر : علمهاى انبياء واوليا دردلش رخشنده جون شمس الضحى عالمى كاموز كارش حق بود علم اوبس كامل مطلق بود تفسير : قال ابراهيم الهروى كنت بمجلس ابى يزيد البسطامى قدس سره فقال بعضهم ان فلانا اخذ العلم من فلان قال ابو يزيد المساكين اخذوا العلوم من الموتى ونحن اخذنا العلم من حى لا يموت. قال ابو بكر الكتانى قال لى الخضر عليه السلام كنت بمسجد صنعاء وكان الناس يسمعون الحديث من عبد الرزاق وفى زاوية المسجد شاب فى المراقبة فقلت له لم لا تسمع كلام عبد الرزاق قال انا اسمع كلام الرزاق وانت تدعونى الى عبد الرزاق فقلت له ان كنت صادقا فاخبرنى من انا فقال لى انت الخضر. وفى الآية بيان لشرف العلم. قال الشيخ الاكبر قدسر سره الاطهر العلم نور من انوار الله تعالى يقذفه فى قلب من اراده من عباده وهو معنى قائم بنفس العبد يطلعه على حقائق الاشياء وهو للبصيرة كنور الشمس للبصر مثلا بل اتم وفى الخبر حديث : قيل يا رسول الله أي الاعمال افضل فقال "العلم بالله" قيل الاعمال نريد قال "العلم بالله" فقيل نسأل عن العمل وتجيب عن العلم فقال عليه السلام "ان قليل العمل ينفع مع العلم وان كثير العمل لا ينفع مع الجهل"تفسير : والمعتبر هو العلم النافع ولذلك قال عليه السلام "حديث : اللهم انى اعوذ بك من علم لا ينفع"تفسير : والعلم بالله لا يتيسر الا بتصفية الباطن فتصفية القلب عما سوى الله تعالى من اعظم القربات وافضل الطاعات ولذلك كان مطمح نظر الاكابر فى اصلاح القلوب والسرائر: قال الحافظ شعر : باك وصافى شو وازجاه طبيعت بدر آى كه صفايى ندهد آب تراب آلوده
الجنابذي
تفسير : {فَتَعَالَىٰ ٱللَّهُ ٱلْمَلِكُ ٱلْحَقُّ} عطف على قوله عنت الوجوه وتفريع عليه والمقصود انّه بقيّوميّته مستعلٍ على كلّ شيءٍ وهو الملك المالك على الاطلاق والحقّ الّذى لا شوب بطلان فيه لاقتضاء القيّوميّة ذلك فلا تسأل منه شيئاً فانّه بقيّوميّته وعلوّه يعلم ويعطى كلّ ما ينبغى ان يسأل سئل ام لم يسأل {وَلاَ تَعْجَلْ بِٱلْقُرْآنِ} مخصوصاً {مِن قَبْلِ أَن يُقْضَىٰ إِلَيْكَ وَحْيُهُ} يعنى لا تسأل القرآن قبل ان نوحيه او يقرءه جبرئيل (ع) فانا اعلم بمصالح نزوله ووقته، او لاتعجل بقراءته مع الملك الموحى قبل اتمام الملك قراءته، او لا تعجل بقراءته على اصحابك قبل اتيان وقت حكمه او قبل بيان مجمله {وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً} بوقت حكم القرآن وبيانه، او بتفصيل اجماله او مطلقاً.
فرات الكوفي
تفسير : {وقل ربي زدني علماً114} [تقدم في ذيل الآية 145 من سورة الأعراف].
اطفيش
تفسير : {فتعالى} تعاظم عن أن يشرك به، أو يعصى او يكون ما انزل غير متسبب للتقاء والذكر، وإنما خالفوا عناداً {المَلكُ} للوَعْد والوّعيد، والأمر والنهى، فى مصالح الدنيا والدين {الحق} الثابت القائم بنفسه، صفة ثانية أو صفة للملك، أى الحق فى ملكيته، وهو خلاف الباطل، فما فى القرآن لا يحوم حوله باطل. {ولا تَعْجَل بالقُرْآنِ مِنْ قَبْل أن يُقْضى إليْك وَحيْه}. عطف إنشاء على إخبار هو قوله: "أية : وكذلك أنزلناه قُراناً عربياً" تفسير : [طه: 113] الى "ذكراً" أو على إنشاء هو قوله: "فتعالى الله الملك الحق" لأنه تعجيب، كأنه قيل نبهتك على عظمة جلالى ولائق بك أن لا تقصر فيها بالعجلة بكلامى، وكان صلى الله عليه وسلم يتبع جبريل حرفاً حرفاً أو كلمة كلمة، خوف أن يفوته، فنزل: "أية : لا تحرك به لسانك لتعجل به إنَّ علينا جَمْعه وقُرآنه" تفسير : [القيامة: 16 - 17] الآية نهياً له عن أن يفوته بالتلفظ سماع ما بعد ما تلفظ به، ولا يصح ما قيل: إن ذلك نهى عن تبليغ المجمل قبل نزول بيانه، وما قيل: من أنه نهى عن كتابته قبل أن يفسر له مالم يفهمه، لأن العجلة تبليغ المجمل، والكتابة قبل التفسير طاعة مأمور بها، فاعل هو بها. وأيضا كيف يكتبه كاتب قبل التبليغ، وقيل: نهى عن الحكم فيما من شأنه ان ينزل فيه قرآن فيؤخر، لعله ينزل فيه شىء، كما روى أنه لطم رجل زوجه فحكم لها بالقصاص، فنزل إبطالا لحكمه قوله عز وجل: "أية : الرجال قوَّامُون" تفسير : [النساء: 34] الخ أو نزل قوله عز وجل: "ولا تعجل" فترك حكمه باللطم حتى نزل: "أية : الرجال قوَّامُون" تفسير : [النساء: 34] وقيل: ضرب له أهل مكة وأسقف نجران من النصارى أجلا ثلاثة أيام، ومضت، وفشا أنه عجز فطلب نزول القرآن فى ذلك، فنزل: {ولا تعجل بالقرآن من قَبْل أن يُقْضى} أى يوفى {إليك وحيه}. {وقُل ربِّ} يا ربى {زِدْنى عِلماً} فى الدين، وكل ما احتاج إليه، أو فى القرآن فإن تحت كل حرف أو كلمة أسراراً فكان صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : اللهم انفعنى بما علمتنى وعلمنى ما ينفعنى وزدنى علماً والحمد الله على كل حال" تفسير : وكان يقول: " حديث : اللهم زدنى إيماناً وفقهاً ويقيناً وعلماً ".
الالوسي
تفسير : {فَتَعَـٰلَى ٱللَّهُ } استعظام له تعالى ولما صرف في القرآن من الوعد والوعيد والأوامر والنواهي وغير ذلك وتنزيه لذاته المتعالية أن لا يكون إنزال قرآنه الكريم منتهياً إلى غاية الكمالية من تسببه لترك من أنزل عليهم المعاصي، ولفعلهم الطاعات وفيه تعجيب واستدعاء للإقبال عليه وعلى تعظيمه، وفي وصفه تعالى بقوله / سبحانه {ٱلْمَلِكُ } أي المتصرف بالأمر والنهي الحقيق بأن يرجى وعده ويخشى وعيده ما يدل على أن قوارع القرآن سياسات إلٰهية يتضمن صلاح الدارين لا يحيد عنها إلا مخذول هالك، وقوله تعالى: {ٱلْحَقّ } صفة بعد صفة لله تعالى أي الثابت في ذاته وصفاته عز وجل، وفسره الراغب بموجد الشيء على ما تقتضيه الحكمة. وجوز غير واحد كونه صفة للملك ومعناه خلاف الباطل أي الحق في ملكيته يستحقها سبحانه لذاته، وفيه إيماء إلى أن القرآن وما تضمنه من الوعد والوعيد حق كله لا يحوم حول حماه الباطل بوجه وأن المحق من أقبل عليه بشراشره وأن المبطل من أعرض عن تدبر زواجره. وفيه تمهيد لوصل النهي عن العجلة به في قوله سبحانه: {وَلاَ تَعْجَلْ بِٱلْقُرْءانِ مِن قَبْلِ إَن يُقْضَىٰ إِلَيْكَ } أي يتم {وَحْيُهُ } أي تبليغ جبريل عليه السلام إياه فإن من حق الإقبال ذلك وكذلك من حق تعظيمه. وذكر الطيبـي أن هذه الجملة عطف على قوله تعالى: {فَتَعَـٰلَى ٱللَّهُ ٱلْمَلِكُ ٱلْحَقُّ } لما فيه من إنشاء التعجب فكأنه قيل حيث نبهت على عظمة جلالة المنزل وأرشدت إلى فخامة المنزل فعظم جنابه الملك الحق المتصرف في الملك والملكوت، وأقبل بكلك على تحفظ كتابه وتحقق مبانيه ولا تعجل به، وكان صلى الله عليه وسلم إذا ألقى عليه جبريل عليه السلام القرآن يتبعه عند تلفظ كل حرف وكل كلمة خوفاً أن يصعد عليه السلام ولم يحفظه صلى الله عليه وسلم فنهي عليه الصلاة والسلام عن ذلك إذ ربما يشغل التلفظ بكلمة عن سماع ما بعدها، ونزل عليه أيضاً: {أية : لاَ تُحَرّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ } تفسير : [القيامة: 16] الآية، وأمر صلى الله عليه وسلم باستفاضة العلم واستزادته منه سبحانه فقيل: {وَقُلْ } أي في نفسك {رَّبّ زِدْنِى عِلْماً } أي سل الله عز وجل بدل الاستعجال زيادة العلم مطلقاً أو في القرآن فإن تحت كل كلمة بل كل حرف منه أسراراً ورموزاً وعلوماً جمة وذلك هو الأنفع لك، وقيل: وجملة {وَلاَ تَعْجَلْ } مستأنفة ذكرت بعد الإنزال على سبيل الاستطراد، وقيل: إن ذلك نهي عن تبليغ ما كان مجملاً قبل أن يأتي بيانه وليس بذاك، فإن تبليغ المجمل وتلاوته قبل البيان مما لا ريب في صحته ومشروعيته. ومثله ما قيل: إنه نهى عن الأمر بكتابته قبل أن تفسر له المعاني وتتقرر عنده عليه الصلاة والسلام بل هو دونه بكثير، وقيل: إنه نهى عن الحكم بما من شأنه أن ينزل فيه قرآن بناءً على ما أخرج جماعة عن الحسن أن امرأة شكت إلى النبـي صلى الله عليه وسلم أن زوجها لطمها فقال لها: بينكما القصاص فنزلت هذه الآية فوقف صلى الله عليه وسلم حتى نزل: {أية : ٱلرّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى ٱلنّسَاء } تفسير : [النساء: 34]، وقال الماوردي: إنه نهى عن العجلة بطلب نزوله وذلك أن أهل مكة وأسقف نجران قالوا: يا محمد أخبرنا عن كذا وقد ضربنا لك أجلاً ثلاثة أيام فأبطأ الوحي عليه وفشت المقالة بين اليهود وزعموا أنه عليه الصلاة والسلام قد غلب فشق ذلك عليه صلى الله عليه وسلم واستعجل الوحي فنزلت: {وَلاَ تَعْجَلْ } الخ وفي كلا القولين ما لا يخفى. وقرأ عبد الله والجحدري والحسن وأبو حيوة وسلام ويعقوب والزعفراني وابن مقسم {نقضي} بنون العظمة مفتوح الياء {وحيه } بالنصب. وقرأ الأعمش كذلك إلا أنه سكن الياء من {نقضي}، قال صاحب «اللوامح»: وذلك على لغة من لا يرى فتح الياء بحال إذا انكسر ما قبلها وحلت طرفاً. واستدل بالآية على فضل العلم حيث أمر صلى الله عليه وسلم بطلب زيادته، وذكر بعضهم أنه ما أمر عليه الصلاة والسلام بطلب الزيادة / في شيء إلا العلم. وأخرج الترمذي وابن ماجه عن أبـي هريرة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : اللهم انفعني بما علمتني وعلمني ما ينفعني وزدني علماً والحمد لله على كل حال»تفسير : . وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد عن ابن مسعود أنه كان يدعو "اللهم زدني ايماناً وفقهاً ويقيناً وعلماً" وما هذا إلا لزيادة فضل العلم وفضله أظهر من أن يذكر، نسأل الله تعالى أن يرزقنا الزيادة فيه ويوفقنا للعمل بما يقتضيه.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَلاَ تَعْجَلْ بِٱلْقُرْآنِ مِن قَبْلِ إَن يُقْضَىٰ إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً}. كان النَّبي صلى الله عليه وسلم إذا جاءه جبريل بالوحي كلما قال جبريل آية قالها معه صلى الله عليه وسلم من شدة حرصه على حفظ القرآن. فأرشده الله في هذه الآية إلى ما ينبغي. فنهاه عن العجلة بقراءة القرآن مع جبريل، بل أمره أن ينصت لقراءة جبريل حتى ينتهي، ثم يقرؤه هو بعد ذلك، فإن الله ييسر له حفظه. وهذا المعنى المشار إليه في هذه الآية أوضحه الله في غير هذا الموضع. كقوله في "القيامة": {أية : لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَٱتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ}تفسير : [القيامة: 16-19] وقال البخاري في صحيحه: حدثنا موسى بن إسماعيل قال: حدثنا أبو عوانة قال: حدثنا موسى بن أبي عائشة قال: حدثنا سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله تعالى: {لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ} قال: كان رسول الله صلى الله لعيه وسلم يعالج من التنزيل شدة، وكان مما يحرك شفتيه، فقال ابن عباس: فأنا أحركهما لكم كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحركهما. وقال سعيد: أنا أحركهما كما رأيت ابن عباس يحركهما، فحرك شفتيه. فأنزل الله تعالى: {لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ} قال: جمعه لك في صدرك، ونقرأه {فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَٱتَّبِعْ قُرْآنَهُ} قال: فاستمع له وأنصت {ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} ثم علينا أن نقرأه. فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك إذا أتاه جبريل استمع. فإذا انطلق جبريل قرأه النَّبي صلى الله عليه وسلم كما قرأه ـ ا هـ.
الواحدي
تفسير : {ولا تعجل بالقرآن} كان إذا نزل جبريل عليه السَّلام بالوحي يقرؤه مع جبريل عليه السَّلام مخافة النِّسيان، فأنزل الله سبحانه: {ولا تعجل بالقرآن} أَيْ: بقراءته {من قبل أن يقضى إليك وحيه} من قبل أن يفرغ جبريل ممَّا يريد من التَّلاوة {وقل رب زدني علماً} بالقرآن، وكان كلمة نزل عليه شيء من القرآن ازداد به علماً. {ولقد عهدنا إلى آدم} أمرنا وأوصينا إليه {من قبل} هؤلاء الذين تركوا أمري، ونقضوا عهدي في تكذيبك {فنسي} فترك ما أمر به {ولم نجد له عزماً} حفظاً لما أُمر به.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 114- فارتفع عن الظنون، وتنزَّه عن مشابهة الخلق، المَلِكُ الذى يحتاج إليه الحاكمون والمحكومون، المحق فى ألوهيته وعظمته، ولا تعجل يا محمد بقراءة القرآن من قبل أن يفرغ المَلَك من إلقائه إليك، وقل: رب زدنى علما بالقرآن ومعانيه. 115- ولقد وصينا آدم - أيها الرسول - من أول أمره، ألا يخالف لنا أمراً، فنسى العهد وخالف، ولم نجد له أول أمره عزماً وثيقاً، وتصميماً قوياً يمنع من أن يتسلل الشيطان إلى نفسه بوسوسته. 116- واذكر - أيها الرسول - حين أمر الله الملائكة بتعظيم آدم على وجه أراده سبحانه، فامتثلوا، لكن إبليس - وهو معهم وكان من الجن - خالف وامتنع، فأخرج وطُرِد! 117- فخاطب الله آدم قائلا: إن هذا الشيطان الذى خالف أمرنا فى تعظيمك عدو لك ولحواء - زوجتك - فاحذروا وسوسته بالمعصية، فيكون سبباً فى خروجكما من الجنة، فتشقى يا آدم فى الحياة بعد الخروج من الجنة. 118- إن علينا أن نكفل لك مطالب حياتك فى الجنة، فلن يُصيبك فيها جوع ولا عِرْى. 119- وأنه لن يصيبك فيها عطش، ولن تتعرض فيها لحر الشمس، كما هو شأن الكادحين فى خارج الجنة. 120- فاحتال عليه الشيطان يهمس فى نفسه، مُرَغِّباً له ولزوجه فى الأكل من الشجرة المنهى عنها، قائلا: أنا أدلك يا آدم على شجرة، من أكل منها رزق الخلود، ورزق مُلكاً لا يَفنى.
د. أسعد حومد
تفسير : {فَتَعَٰلَى} {بِٱلْقُرْآنِ} (114) - تَنَزَّهَ اللهُ المَلِكُ الحَقُّ، وَتَقَدَّسَ سُبْحَانَهُ، فَوَعْدُهُ حَقٌّ، وَوَعِيدُهُ حَقٌّ. وَمِنْ عَدْلِهِ تَعَالَى أَنَّهُ لاَ يُعَذِّبُ أَحَداً قَبْلَ الإِنْذَارِ وَإِرْسَالِ الرُّسُلِ، لِكَيْلاَ يَبْقَى لأَِحَدٍ حُجَّةٌ وَلاَ شُبْهَةٌ. وَكَانَ الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم - كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - يُعَانِي مِنَ الوَحْيِ شِدَّةً، فَكَانَ يُحَرِّكُ لِسَانَهُ بِهِ، وَيُكَرِّرُ مَا تَلاَهُ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ، مِنْ شِدَّةِ حِرْصِهِ عَلَى حِفْظِ مَا يُوحِي إِلَيْهِ، فَأَرْشَدَهُ اللهُ تَعَالَى إِلَى مَا هُوَ أَسْهَلُ وَأَخَفُّ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ: فَإِذَا قَرَأَ عَلَيْكَ المَلَكُ القُرآنَ فَأَنْصِتْ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْ ذلِكَ فَاقْرَأْهُ بَعْدَهُ، وَقُلْ: رَبِّ زِدْنِي عِلْماً. (وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "حديث : اللَّهُمَّ انْفَعْنِي بِمَا عَلَّمْتَنِي، وَعَلِّمْنِي مَا يَنْفَعُنِي، وَزِدْنِي عِلْماً وَالحَمْدُ للهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ"تفسير : ). (أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ). قَبْلِ أَن يُقْضَى - قَبْلَ أَنْ يَفْرُغَ وَيَتِمَّ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : {تَعَٰلَى ..} [طه: 114] تنزّه وارتفع عن كل ما يُشبه الحادث، تعالى ذاتاً، فليستْ هناك ذاتٌ كذاته، وتعالى صفاتاً فليست هناك صفة كصفته، فإنْ وُجِدَتْ صفة في الخَلْق تشبه صفة في الخالق سبحانه، فخُذْها في ضوء {أية : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ..}تفسير : [الشورى: 11]. فالحق سبحانه لا يضنُّ على عبده أنْ يُسميه خالقاً إنْ أوجد شيئاً من عدم، إنما لما تكلم عن خَلْقه سبحانه، قال: {أية : فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ}تفسير : [المؤمنين: 14]. فأنت خالق، لكن ربَّك أحسَنُ الخالقين، فأنت خلقتَ من موجود أمّا ربك عز وجل فقد خلق من العدم، أنت خلقتَ شيئاً جامداً على حالة واحدة، والله خلق خَلْقاً حياً نامياً، يُحسُّ ويتحرك ويتكاثر، وسبق أنْ مثَّلنا لذلك - ولله المثل الأعلى - بصانع الأكواب الزجاجية من الرمال، وأوضحنا الفرق بين خَلْق وخَلْق. وقوله تعالى: {فَتَعَٰلَى ٱللَّهُ ٱلْمَلِكُ ٱلْحَقُّ ..} [طه: 114] تلفتنا إلى ضرورة التطلع إلى أعلى في التشريع. فما الذي يُجبرك أنْ تأخذ تشريعاً من عبد مثلك؟ ولماذا لا يأخذ هو تشريعك؟ إذن: لا بُدَّ أن يكون المشرِّع أعلى من المشرَّع له. ومن ألفاظ تنزيه الله التي لا تُقال إلا له سبحانه كلمة (سبحان الله) أسمعتَ بشراً يقولها لبشر؟ وهناك كفرة وملاحدة ومنكرون للألوهية ومعاندون، ومع ذلك لم يقُلْها أحد مَدْحاً في أحد. كذلك كلمة (تعالى وتبارك) لا تُقال إلا لله، فنقول: (تباركت ربنا وتعاليت) أي: وحدك لا شريك لك. فقوله: {فَتَعَٰلَى ٱللَّهُ ..} [طه: 114] علا قَدْره وارتفع التنزيه ارتفاعاً لا يوصل إليه، أمّا التعالي في البشر فيما بينهم فأمْر ممقوتٌ؛ أما تعالى الحق سبحانه فمن مصلحة الخلق، وهذه اللفتة يُعَبِّر عنها أهل الريف، يقولون (اللي ملوش كبير يشتري له كبير)؛ لأن الكبير هو الذي سيأخذ بيد الضعيف ويدكّ طغيان القوى، فإذا لم يكُنْ لنا كبير نختلف ونضيع. إذن: من مصلحة الكون كله أنْ يكونَ الله متعالياً، والحق ليس متعالياً علينا، بل متعالٍ من أجلنا ولصالحنا، فأيُّ مُتعالٍ أو جبار من البشر عندما يعلم أن الله أعلى منه يندكّ جبروته وتعاليه، وأيّ ضعيف يعلم أن له سنداً أعلى لا يناله أحد، فيطمئن ويعيش آمناً وبذلك يحدث التوازن الاجتماعي بين الناس. ونحن نحب عبوديتنا لله عز وجل، وإنْ كانت العبودية كلمة بغيضة مكروهة حين تكون عبودية الخَلْق للخَلْق فيأخذ السيد خَيْر عبده، إلا أن العبودية لله شرف وكرامة؛ لأن العبد لله هو الذي يأخذ خَيْر سيده، فأنا عبد لله وعبوديتي له لصالحي أنا، ولن أزيد في مُلْكه شيئاً، ولن ينتفع من ورائي بشيء؛ لأنه سبحانه زوال مُلْكه وزوال سلطانه في الكون قبل أن يخلق الخَلْق، فبقدرته وعظمته خلق، وقبل أنْ توجد أنت أيها الإنسان الطاغي المتمرد أوجد لك الكون كله بما فيه. فأنت بإيمانك لن تزيد شيئاً في مُلْك الله، كما جاء في الحديث القدسي: "حديث : يا عبادي إنكم لن تملكوا نفعي فتنفعوني، ولن تملكوا ضري فتضروني .."تفسير : فأنا إنْ تصرَّفْتُ فيكم فلمصلحتكم، لا يعود عليَّ من ذلك شيء. وقوله تعالى: {ٱلْمَلِكُ ٱلْحَقُّ ..} [طه: 114] لأن هناك ملوكاً كثيرين، أثبتَ الله لهم الملْك وسمَّاهم مُلُوكاً، كما قال سبحانه: {أية : وَقَالَ ٱلْمَلِكُ ٱئْتُونِي بِهِ ..}تفسير : [يوسف: 50] وقال: {أية : أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ ..}تفسير : [البقرة: 258]. إذن: في الدنيا ملوك، لكنهم ليسوا مُلوكاً بحق، الملك بحق هو الله؛ لأن ملوك الدنيا ملوك في مُلْك موهوب لهم من الله، فيمكن أن يفوت مُلْكَه، أو يفوته المْلكُ، وأيُّ مُلْك هذا الذي لا يملكه صاحبه؟ أيّ مُلْك هذا الذي يُسلب منك بانقلاب أو بطلقة رصاص؟ إذن: الملِك الحق هو الله، وإن ملَّك بعض الخلق شئون بعض لمصلحتهم، فهو سبحانه الذي يهَب الملْك، وهو الذي ينزعه إن أراد: {أية : تُؤْتِي ٱلْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ ٱلْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَآءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُ ..}تفسير : [آل عمران: 26]. فالحق سبحانه له الملْك الحق، ويهَبُ من مُلْكه لمَنْ يشاء، لكن يظل المَلِك وما مَلَكه في قبضة الله؛ لأنه سبحانه قيُّوم على خَلْقه لا يخرج أحد عن قيوميته. وقد نسمع مَنْ يسبُّ الملوك والرؤساء، ومَنْ يخوض في حقهم، وهو لا يدري أن مُلْكهم من الله، فهو سبحانه الذي ملّكهم وفوَّضهم، ولم يأخذ أحد منهم مُلْكاً رَغْماً عن الله، فلا تعترض على اختيار الله واحترم مَنْ فوَّضه الله في أمرك، واعلم أن في ذلك مصلحة البلاد والعباد، ومَنْ يدريك لعلَّ الطاغية منهم يصبح غَداً واحداً من الرعية. إذن: الحق سبحانه ملَّك بعض الناس أمْر بعض: هذا يتصرف في هذا، وهذا يملك هذا لتسير حركة الكون، فإذا كانت القيامة، قال عز وجل: {أية : لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ}تفسير : [غافر: 16] هذا هو الملْك الحق. ومن عظمته في التعالى أنه يريحك هو سبحانه بعمله لك، فيقول لك: نَمْ مِلْءَ جفونك، فأنا لا تأخذني سِنَة ولا نوم، نَمْ فلكَ رب قيوم قائم على أمرك يرعاك ويحرسك. ومن معاني {ٱلْمَلِكُ ٱلْحَقُّ ..} [طه: 114] أي: الثابت الذي لا يتغير، وكُلُّ ظاهرة من ظواهر القوة في الكون تتغير إلا قوة الحق - تبارك وتعالى - لذلك يُلقِي سبحانه أوامره وهو واثق أنها ستُنفذ؛ لأنه سبحانه ملِكٌ حقّ، بيده ناصية الأمور كلها، فلو لم يكُنْ سبحانه كذلك، فكيف يقول للشيء: كُنْ فيكون؟ فلا يعصاه أحد، ولا يخرج عن طَوْعه مخلوق، فيقول له: كُنْ فلا يكون. فالحق - تبارك وتعالى - أنزل القرآن عربياً، وصرَّف فيه من الوعيد لعلهم يتقون أو يحدث لهم ذكراً؛ لأنه من حقه أن يكون له ذلك؛ لأنه مَلِك حق ليس له هوى فيما شرع؛ لذلك يجب أن تقبل تشريعه، فلا يطعن في القوانين إلا أن تصدر عن هوى، فإنْ قنَّن رأسمالي أعطَى الامتياز للرأسماليين، وإنْ قنَّن فقير أعطى الامتياز للفقراء، والله عز وجل لا ينحاز لأحد على حساب أحد. وأيضاً يجب في المقنِّن أن يكون عالماً بمستجدَّات الأمور في المستقبل، حتى لا يستدرك أحد على قانون فيُغيِّره كما يحدث معنا الآن، وتضطرنا الأحداث إلى تغيير القانون؛ لأننا ساعة شرعناه غابتْ عنا هذه الأحداث، ولم نحتط لها؛ لذلك لا استدراكَ على قانون السماء أبداً. وطالما أن الحق سبحانه وتعالى هو {ٱلْمَلِكُ ٱلْحَقُّ ..} [طه: 114] فلا بُدَّ أنْ يضمن للخلق أنْ يصلهم الكتاب والمنهج كما قاله سبحانه، لا تغيير فيه؛ لذلك قال عز وجل: {أية : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}تفسير : [الحجر: 9]. نحن الذين سنحفظه؛ لأن البشر جُرِّبوا في حِفْظ مناهج السماء، ولم يكونوا أمناء عليها، فغيَّروا في التوراة وفي الإنجيل وفي الكتب المقدَّسة، إما بأن يكتموا بعض ما أنزل الله، وإما أنْ ينسُوا بعضه، والذي ذكروه لم يتركوه على حاله بل حرَّفوه. وإنْ قُبِل منهم هذا كله فلا يُقبَل منهم أنْ يفتَرُوا على الله فيُؤلِّفون من عندهم، ويقولون: {أية : هُوَ مِنْ عِنْدِ اللًّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ..}تفسير : [آل عمران: 78]. ذلك لأن الحفْظ للمنهج كان موكولاً للبشر تكليفاً، والتكليف عُرْضَة لأنْ يُطَاع، ولأن يُعْصَى، كما قال تعالى: {أية : إِنَّآ أَنزَلْنَا ٱلتَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ ٱلَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلرَّبَّانِيُّونَ وَٱلأَحْبَارُ بِمَا ٱسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ ٱللَّهِ ..}تفسير : [المائدة: 44]. أي: طلب منهم أن يحفظوها بهذا الأمر التكليفي، فعَصَوْه نسياناً، وكتماناً، وتحريفاً، وزيادة؛ لذلك تولّى الحق - تبارك وتعالى - حفْظ القرآن؛ لأنه الكتاب الخاتم الذي لا استدراكَ عليه، وضمن سبحانه للقرآن ألاَّ يُحرَّف بأيِّ وجه من أَوْجُه التحريف. فاطمئنوا إلى أن القرآن كتاب الله الذي بين أيديكم هو كلام الله الذي جاء من علمه تعالى في اللوح المحفوظ الذي قال عنه: {أية : فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ * لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ ٱلْمُطَهَّرُونَ}تفسير : [الواقعة: 78-79]. ثم نزل به الروح الأمين، وهو مُؤتَمن عليه لم يتصرَّف فيه، ثم نزل على قلب سيد المرسلين الذي قال الله عنه: {أية : وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ ٱلأَقَاوِيلِ * لأَخَذْنَا مِنْهُ بِٱلْيَمِينِ}تفسير : [الحاقة: 44-45]. إذن: حُفِظ القرآن عِلْماً في اللوح المحفوظ، وحُفِظ في أمانة مَنْ نزل به من السماء، وحُفِظ في مَنْ استقبله وهو النبي صلى الله عليه وسلم، فلا حجةَ لنا بعد أن جمع الحق - سبحانه وتعالى - للقرآن كُلَّ ألوان الحفظ. لذلك كان ولا بُدَّ حين يُنزِل الله القرآن على رسوله أن يقول له: {فَتَعَٰلَى ٱللَّهُ ٱلْمَلِكُ ٱلْحَقُّ} [طه: 114] فليست هناك حقيقة بعد هذا أبداً، وليس هناك شيء ثابت ثبوتَ الحق سبحانه وتعالى. ثم يقول تعالى {وَلاَ تَعْجَلْ بِٱلْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَىٰ إِلَيْكَ وَحْيُهُ ..} [طه: 114] وهذه مُقدِّمات ليطمئن رسول الله على حِفْظ القرآن؛ لأنه صلى الله عليه وسلم كان ينزل عليه الوحي، فيحاول إعادته كلمة كلمة. فإذا قال الوحي مثلاً: {أية : قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ ..}تفسير : [الجن: 1] فيأخذ الرسول في تكرارها في سِرِّه ويُردِّدها خلف جبريل عليه السلام مخافة أنْ ينساها لشدة حِرْصه على القرآن. فنهاه الله عن هذه العَجَلة {وَلاَ تَعْجَلْ بِٱلْقُرْآنِ ..} [طه: 114] أي: لا تتعجل، ولا تنشغل بالتكرار والترديد، فسوف يأتيك نُضْجها حين تكتمل، فلا تَخْشَ أنْ يفوتك شيءٌ منه طالما أنني تكفَّلْتُ بحِفْظه؛ لذلك يقول له في موضع آخر: {أية : سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَىٰ}تفسير : [الأعلى: 6]. فاطمئن ولا تقلق على هذه المسألة؛ لأن شغلك بحفظ كلمة قد يُفوِّت عليك أخرى. والعَجَلة أنْ تُخرِج الحدث قبل نُضْجه، كأن تقطف الثمرة قبل نُضْجها وقبل أوانها، وعند الأكل تُفَاجأ بأنها لم تَسْتَوِ بعد، أو تتعجل قَطْفها وهي صغيرة لا تكفي شخصاً واحداً، ولو تركتها لأوانها لكانت كافية لعدة أشخاص. والقرآن كلام في مستوى عَالٍ من البلاغة، وليس كلاماً مألوفاً له يسهُل عليه حِفْظه؛ لذلك كان حريصاً على الحِفْظ والتثبيت. وفي آية أخرى يُوضِّح الحق سبحانه هذه المسألة: {أية : لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَٱتَّبِعْ قُرْآنَهُ}تفسير : [القيامة: 16-18] أي: لما تكتمل الآيات فلكَ أنْ تقرأها كما تحب. وهذه الظاهرة من معجزات النبي صلى الله عليه وسلم، نبي ينزل عليه عدة أرباع من القرآن، أو السورة كاملة، ثم حين يُسرى عنه الوحي يعيدها كما أُنزِلتْ عليه، ولك أن تأتي بأكثر الناس قدرة على الحفظ، واقرأ عليه لمدة عشر دقائق مثلاً من أي كتاب أو أي كلام، ثم اطلب منه إعادة ما سمع فلن يستطيع. أما النبي صلى الله عليه وسلم فكان يأمر الكَتبة بكتابة القرآن، ثم يمليه عليهم كما سمعه، لا يُغير منه حرفاً واحداً، بل ويُملي الآيات في موضعها من السور المختلفة فيقول: "حديث : ضعوا هذه في سورة كذا، وهذه في سورة كذا ". تفسير : ولو أن السورة نزلت كاملة مرة واحدة لكان الأمر إلى حَدٍّ ما سهلاً، إنما تنزل الآيات متفرقة، فإذا ما قرأ صلى الله عليه وسلم في الصلاة مثلاً قرأ بسورة واحدة نزلتْ آياتها متفرقة، هذه نزلت اليوم، وهذه نزلت بالأمس، وهكذا، ومع ذلك يقرؤها مُرتَّبة آية آية. وقوله تعالى بعدها: {أية : ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ}تفسير : [القيامة: 19] وخاطب النبي في آية أخرى: {أية : وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ..}تفسير : [النحل: 44] فالبيان من الله تعالى والتبيين من النبي صلى الله عليه وسلم. ومعنى: {مِن قَبْلِ أَن يُقْضَىٰ إِلَيْكَ وَحْيُهُ ..} [طه: 114] أي: انتظر حتى يسري عنك، لكن كيف يعرف الرسول ذلك؟ كيف يعرف أن الحالة التي تعتريه عند نزول الوحي قد زالتْ؟ والصحابة يصفون حال النبي صلى الله عليه وسلم عند نزول الوحي عليه فيقولون: كنا نسمع حول رأسه كغطيط النحل، وكان جبينه يتفصد عرقاً، ويبلغ منه الجهد مبلغاً، وإن نزل الوحي وهو على دابة كانت تنخ برسول الله؛ لأن الله تعالى قال: {أية : إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً}تفسير : [المزمل: 5]. إذن: هناك آيات مادية تعرض لرسول الله عند نزول الوحي؛ لأن الوَحْي من مَلَك له طبيعته التكوينية التي تختلف وطبيعة النبي البشرية، فلكي يتم اللقاء بينهما مباشرة لا بُدَّ أنْ يحدث بينهما نوعٌ من التقارب في الطبيعة؛ فإمّا أن يتحول الملَك من صورته الملائكية إلى صورة بشرية، أو ينتقل رسول الله من حالته البشرية إلى حالة ملائكية ارتقائية حتى يتلقّى عن الملك. لذلك، كانت تحدث لرسول الله تغييرات كيماوية في طبيعته، هذه التغييرات هي التي تجعله يتصبَّبُ عَرَقاً حتى يقول: "حديث : "زملوني زملوني" أو "دثروني دثروني""تفسير : لما حدث في تكوينه من تفاعل. فكان الوحي شاقاً على رسول الله خاصة في أوله، فأراد الحق - سبحانه - أنْ يُخفِّف عن رسوله هذه المشقة، وأنْ يُريحه فترة من نزول الوحي ليريحه من ناحية وليُشوِّقه للوحي من ناحية أخرى، فقال تعالى: {أية : أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ * ٱلَّذِيۤ أَنقَضَ ظَهْرَكَ}تفسير : [الشرح: 1-3] والوِزْر هو الحِمْل الثقيل الذي كان يحمله رسول الله في نزول الوحي عليه. فلما فتر الوحي عن رسول الله شمتَ به الأعداء، وقالوا: إن ربَّ محمد قد قلاه. سبحان الله، أفي الجَفْوة تذكرون أن لمحمد رباً؟ ألستم القائلين له: كذاب وساحر؟ والآن أصبح له رب لأنه قلاه؟ وما فهم الكفار أن فتور الوحي لحكمة عالية، أرادها ربُّ محمد، هي أنْ يرتاح نفسياً من مشقة هذه التغيرات الكيماوية في تكوينه، وأنْ تتجدد طاقته، ويزداد شوقه للقاء جبريل من جديد، والشَّوْق إلى الشيء يُهوِّن الصعاب في سبيله. كما يسير المحب إلى حبيبه، لا تمنعه مشاقّ الطريق. فردَّ الله على الكفار: {أية : وَٱلضُّحَىٰ * وَٱللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ * وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ ٱلأُولَىٰ * وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ}تفسير : [الضحى: 1-5]. فنفى عن رسوله ما قاله الكفار، ثم عدَّل عبارتهم: إن ربَّ محمد قد قلاه فقال: {أية : مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ}تفسير : [الضحى: 3] هكذا بكاف الخطاب؛ لأن التوديع قد يكون للحبيب. أمَّا في قوله: {أية : وَمَا قَلَىٰ}تفسير : [الضحى: 3] فلم يأْتِ هنا بكاف الخطاب حتى مع النفي، فلم يقُلْ (وما قلاك)؛ لأن النفي مع ضمير المخاطب يُشْعِر بإمكانية حدوث الكُره لرسول الله. كما لو قلت: أنا لم أرَ شيخ الأزهر يشرب الخمر، أمدحتَ شيخ الأزهر بهذا القول أم ذَمَمْته؟ الحقيقة أنك ذممته؛ لأنك جعلته مظنة أن يحدث منه ذلك. فهذا التعبير القرآني يعطي لرسول الله منزلته العالية ومكانته عند ربه عز وجل. لكن، ما الحكمة في أن الحق - تبارك وتعالى - أقسم في هذه المسألة بالضحى وبالليل إذا سَجَى؟ وما صلتهما بموضوع غياب الوحي عن رسول الله؟ الله عز وجل يريد بقوله: {أية : وَٱلضُّحَىٰ * وَٱللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ}تفسير : [الضحى: 1ـ2] أن يرد هؤلاء إلى ظاهرة كونية مُشَاهدة ومُعْتَرف بها عند الجميع، وهي أن الله خلق النهار وجعله مَحلاً للحركة والنشاط والسعي، وخلق الليل وجعله مَحَلاً للراحة والسكون، فيرتاح الإنسان في الليل ليعاود نشاطه في الصباح من جديد. وهكذا أمر الوحي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما أجهده الوحي احتاج إلى وقت يرتاح فيه، لا لتنتهي المسألة بلا عودة، بل ليُجدِّد نشاط النبي، ويُشوِّقه للوحي من جديد؛ لذلك بشَّره بقوله: {أية : وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ ٱلأُولَىٰ}تفسير : [الضحى: 4] أي: انتظر يا محمد، فسوف يأتيك خير كثير. فالحق سبحانه يُرجِعهم إلى ظواهر الكون، وإلى الطبيعة التي يعيشون عليها، فأنتم ترتاحون من عَناء النهار بسكون الليل، فلماذا تنكرون على محمد أن يرتاح من عناء الوحي ومشقته؟ وهل راحتكم في سكون الليل تعني دوام الليل وعدم عودة النهار؟ وقوله تعالى: {وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً} [طه: 114] هذا توجيه للنبي صلى الله عليه وسلم للاستزادة من العلم، فما دُمْتَ أنت يا رب الحافظ فزِدْني منه، ذلك لأن رسول الله سيحتاج إلى علم تقوم عليه حركة الحياة من لَدُنْه إلى أن تقوم الساعة، عِلْمٌ يشمل الأزمنة والأمكنة، فلا بُدَّ له أنْ يُعَدَّ الإعدادَ اللازم لهذه المهمة. ثم يقول الحق سبحانه: {وَلَقَدْ عَهِدْنَآ إِلَىٰ ءَادَمَ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {مِن قَبْلِ أَن يُقْضَىٰ إِلَيْكَ وَحْيُهُ} معناه يُبيّنُ لَكَ بَيانَهُ.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : لما ذكر تعالى حكمه الجزائي في عباده، وحكمه الأمري الديني، الذي أنزله في كتابه، وكان هذا من آثار ملكه قال: { فَتَعَالَى اللَّهُ } أي: جل وارتفع وتقدس عن كل نقص وآفة، { الْمَلِكُ } الذي الملك وصفه، والخلق كلهم مماليك له، وأحكام الملك القدرية والشرعية، نافذة فيهم. { الْحَقُّ } أي: وجوده وملكه وكماله حق، فصفات الكمال، لا تكون حقيقة إلا لذي الجلال، ومن ذلك: الملك، فإن غيره من الخلق، وإن كان له ملك في بعض الأوقات، على بعض الأشياء، فإنه ملك قاصر باطل يزول، وأما الرب، فلا يزال ولا يزول ملكا حيا قيوما جليلا. { وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ } أي: لا تبادر بتلقف القرآن حين يتلوه عليك جبريل، واصبر حتى يفرغ منه، فإذا فرغ منه فاقرأه، فإن الله قد ضمن لك جمعه في صدرك وقراءتك إياه، كما قال تعالى: {أية : لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ } تفسير : ولما كانت عجلته صلى الله عليه وسلم على تلقف الوحي ومبادرته إليه تدل على محبته التامة للعلم وحرصه عليه أمره الله تعالى أن يسأله زيادة العلم فإن العلم خير وكثرة الخير مطلوبة وهي من الله والطريق إليها الاجتهاد والشوق للعلم وسؤال الله والاستعانة به والافتقار إليه في كل وقت. ويؤخذ من هذه الآية الكريمة الأدب في تلقي العلم وأن المستمع للعلم ينبغي له أن يتأنى ويصبر حتى يفرغ المملي والمعلم من كلامه المتصل بعضه ببعض فإذا فرغ منه سأل إن كان عنده سؤال ولا يبادر بالسؤال وقطع كلام ملقي العلم فإنه سبب للحرمان وكذلك المسئول ينبغي له أن يستملي سؤال السائل ويعرف المقصود منه قبل الجواب فإن ذلك سبب لإصابة الصواب.
همام الصنعاني
تفسير : 1839- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة، في قوله: {مِن قَبْلِ أَن يُقْضَىٰ إِلَيْكَ وَحْيُهُ} [الآية: 114]، قال: تبيانه.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):