٢٠ - طه
20 - Ta-Ha (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
115
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن هذا هي المرة السادسة من قصة آدم عليه السلام في القرآن: أولها في سورة البقرة ثم في الأعراف ثم في الحجر ثم في الإسراء ثم في الكهف، ثم ههنا. واعلم أن في تعلق هذه الآية بما قبلها وجوهاً. أحدها: أنه تعالى لما قال: { أية : كَذٰلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ } تفسير : [طه: 99] ثم إنه عظم أمر القرآن وبالغ فيه ذكر هذه القصة انجازاً للوعد في قوله: { كَذٰلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ}. وثانيها: أنه لما قال: { أية : وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ ٱلْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً } تفسير : [طه: 113] أردفه بقصة آدم عليه السلام كأنه قال: إن طاعة بني آدم للشيطان وتركهم التحفظ من وساوسه أمر قديم فإنا قد عهدنا إلى آدم من قبل أي من قبل هؤلاء الذين صرفنا لهم الوعيد وبالغنا في تنبيهه حيث قلنا: {إِنَّ هَـٰذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ } ثم إنه مع ذلك نسي وترك ذلك العهد فأمر البشر في ترك التحفظ من الشيطان أمر قديم. وثالثها: أنه لما قال لمحمد صلى الله عليه وسلم: { أية : وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً } تفسير : [طه: 114] ذكر بعده قصة آدم عليه السلام فإنه بعدما عهد الله إليه وبالغ في تجديد العهد وتحذيره من العدو نسي، فقد دل ذلك على ضعف القوة البشرية عن التحفظ فيحتاج حينئذ إلى الاستعانة بربه في أن يوفقه لتحصيل العلم ويجنبه عن السهو والنسيان. ورابعها: أن محمداً صلى الله عليه وسلم لما قيل له: { أية : وَلاَ تَعْجَلْ بِٱلْقُرْءَانِ مِن قَبْلِ إَن يُقْضَىٰ إِلَيْكَ وَحْيُهُ } تفسير : [طه: 114] دل على أنه كان في الجد في أمر الدين بحيث زاد على قدر الواجب فلما وصفه بالإفراط وصف آدم بالتفريط في ذلك فإنه تساهل في ذلك ولم يتحفظ حتى نسي فوصف الأول بالتفريط والآخر بالإفراط ليعلم أن البشر لا ينفك عن نوع زلة. وخامسها: أن محمداً صلى الله عليه وسلم لما قيل له: {وَلاَ تَعْجَلْ } ضاق قلبه وقال في نفسه: لولا أني أقدمت على ما لا ينبغي وإلا لما نهيت عنه فقيل له: إن كنت فعلت ما نهيت عنه فإنما فعلته حرصاً منك على العبادة، وحفظاً لأداء الوحي وإن أباك أقدم على ما لا ينبغي للتساهل وترك التحفظ فكان أمرك أحسن من أمره، أما قوله تعالى: {وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَىٰ آدَمَ من قَبْلُ } فلا شك أن المراد بالعهد أمر من الله تعالى أو نهي منه كما يقال في أوامر الملوك ووصاياهم أشار الملك إليه وعهد إليه. قال المفسرون: عهدنا إليه أن لا يأكل من الشجرة ولا يقربها، وفي قوله تعالى: {مِن قَبْلُ } وجوه. أحدها: من قبل هؤلاء الذين صرفنا لهم الوعيد في القرآن. وثانيها: قال ابن عباس: من قبل أن يأكل من الشجرة عهدنا إليه أن لا يأكل منها. وثالثها: أي من قبل محمد صلى الله عليه وسلم والقرآن وهو قول الحسن، أما قوله: {فَنَسِىَ } فقد تكلمنا فيه على سبيل الاستقصاء في سورة البقرة، ونعيد ههنا منه شيئاً قليلاً، وفي النسيان قولان: أحدهما: المراد ما هو نقيض الذكر، وإنما عوتب على ترك التحفظ والمبالغة في الضبط حتى تولد منه النسيان، وكان الحسن رحمه الله يقول: والله ما عصى قط إلا بنسيان. والثاني: أن المراد بالنسيان الترك وأنه ترك ما عهد إليه من الاحتراز عن الشجرة وأكل من ثمرتها، وقرىء: فنسي أي فنساه الشيطان، وعلى هذا التقدير يحتمل أن يقال: أقدم على المعصية من غير تأويل وأن يقال: أقدم عليها مع التأويل، والكلام فيه قد تقدم في سورة البقرة، وأما قوله: {وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً } ففيه أبحاث: البحث الأول: الوجود يجوز أن يكون بمعنى العلم ومنه ولم نجد له عزماً وأن يكون نقيض العدم كأنه قال: وعدمنا له عزماً. البحث الثاني: العزم هو التصميم والتصلب، ثم قوله: {وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً } يحتمل ولم نجد له عزماً على القيام على المعصية فيكون إلى المدح أقرب، ويحتمل أن يكون المراد ولم نجد له عزماً على ترك المعصية أو لم نجد له عزماً على التحفظ والاحتراز عن الغفلة، أو لم نجد له عزماً على الاحتياط في كيفية الاجتهاد إذا قلنا: إنه عليه السلام إنما أخطأ بالاجتهاد. وأما قوله: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَـٰئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَىٰ } فهذا يشتمل على مسائل: إحداها: أن المأمورين كل الملائكة أو بعضهم. وثانيتها: أنه ما معنى السجود. وثالثتها: أن إبليس هل كان من الملائكة أم لا؟ وإن لم يكن فكيف صح الاستثناء وبأي شيء صار مأموراً بالسجود؟ ورابعتها: أن هذا يدل على أن آدم أفضل من محمد صلى الله عليه وسلم أم لا؟ وخامستها: أن قوله في صفة إبليس أنه أبى كيف لزم الكفر من ذلك الإباء وأنه هل كان كافراً ابتداء أو كفر بسبب ذلك. واعلم أن هذه المسائل مرت على سبيل الاستقصاء في سورة البقرة، أما قوله: {فَقُلْنَا يٰـئَادَمُ إِن هَـٰذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ ٱلْجَنَّةِ فَتَشْقَىٰ } ففيه سؤالات: الأول: ما سبب تلك العداوة؟ الجواب من وجوه: أحدها: أن إبليس كان حسوداً فلما رآى آثار نعم الله تعالى في حق آدم عليه السلام حسده فصار عدواً له. وثانيها: أن آدم كان شاباً عالماً لقوله {وعلم آدم الأسماء كلها}، وإبليس كان شيخاً جاهلاً لأنه أثبت فضله بفضيلة أصله وذلك جهل، والشيخ الجاهل أبداً يكون عدواً للشاب العالم. وثالثها: أن إبليس مخلوق من النار وآدم مخلوق من الماء والتراب فبين أصليهما عداوة فبقيت تلك العداوة. السؤال الثاني: لم قال: {فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ ٱلْجَنَّةِ } مع أن المخرج لهما من الجنة هو الله تعالى. الجواب: لما كان بوسوسته هو الذي فعل ما ترتب عليه الخروج صح ذلك. السؤال الثالث: لم أسند إلى آدم وحده فعل الشقاء دون حواء مع اشتراكهما في الفعل. الجواب من وجهين: أحدهما: أن في ضمن شقاء الرجل وهو قيم أهله وأميرهم شقاءهم كما أن في ضمن سعادته سعادتهم فاختص الكلام بإسناده إليه دونها مع المحافظة على رعاية الفاصلة. الثاني: أريد بالشقاء التعب في طلب القوت وذلك على الرجل دون المرأة، وروي أنه أهبط إلى آدم ثور أحمر وكان يحرث عليه ويمسح العرق عن جبينه أما قوله: {إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلاَ تَعْرَىٰ * وَأَنَّكَ لاَ تَظْمَؤُا فِيهَا وَلاَ تَضْحَىٰ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: قرىء وإنك بالفتح والكسر ووجه الفتح العطف على أن لا تجوع فيها، فإن قيل: أن لا تدخل على أن فلا يقال أن أن زيداً منطلق والواو نائبة عن أن وقائمة مقامها فلم أدخلت عليها؟ قلنا: الواو لم توضع لتكون أبداً نائبة عن أن، إنما هي نائبة عن كل عامل، فلما لم تكن حرفاً موضوعاً للتحقيق خاصة كان لم يمتنع اجتماعهما كما امتنع اجتماع أن وأن. المسألة الثانية: الشبع والري والكسوة والإكتنان في الظل هي الأقطاب التي يدور عليها أمر الإنسان. فذكر الله تعالى حصول هذه الأشياء له في الجنة من غير حاجة إلى الكسب والطلب وذكرها بلفظ النفي لأضدادها التي هي الجوع والعري والظمأ والضحى ليطرق سمعه شيئاً من أصناف الشقوة التي حذره منها حتى يبالغ في الاحتراز عن السبب الذي يوقعه فيها، وهذه الأشياء كلها كأنها تفسير الشقاء المذكور في قوله: {فَتَشْقَىٰ }.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَلَقَدْ عَهِدْنَآ إِلَىٰ ءَادَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ} قرأ الأعمش باختلاف عنه «فَنَسِي» بإسكان الياء وله معنيان: أحدهما: ترك؛ أي تَرَكَ الأمر والعهد؛ وهذا قول مجاهد وأكثر المفسرين ومنه «نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ». وثانيهما قال ابن عباس: «نسي» هنا من السهو والنسيان، وإنما أخذ الإنسان من أنه عهد إليه فنسي. قال ابن زيد: نسي ما عهد الله إليه في ذلك، ولو كان له عزم ما أطاع عدوه إبليس. وعلى هذا القول يحتمل أن يكون آدم عليه السلام في ذلك الوقت مأخوذاً بالنسيان، وإن كان النسيان عنا اليوم مرفوعاً. ومعنى «مِنْ قَبْلُ» أي من قبل أن يأكل من الشجرة؛ لأنه نهي عنها. والمراد تسلية النبي صلى الله عليه وسلم؛ أي طاعة بني آدم للشيطان أمر قديم؛ أي إن نَقَضَ هؤلاء العهد فإن آدم أيضاً عهدنا إليه فنسي؛ حكاه القشيري وكذلك الطبري. أي وإن يعرض يا محمد هؤلاء الكفرة عن آياتي، ويخالفوا رسلي، ويطيعوا إبليس، فقدماً فعل ذلك أبوهم آدم. قال ابن عطية: وهذا التأويل ضعيف، وذلك كون آدم مثالاً للكفار الجاحدين بالله ليس بشيء، وآدم إنما عصى بتأويل، ففي هذا غضاضة عليه صلى الله عليه وسلم؛ وإنما الظاهر في الآية إما أن يكون ابتداء قصص لا تعلق له بما قبله، وإما أن يجعل تعلقه أنه لما عهد إلى محمد صلى الله عليه وسلم ألا يعجل بالقرآن، مثل له بنبيّ قبله عهد إليه فنسي فعوقب؛ ليكون أشد في التحذير، وأبلغ في العهد إلى محمد صلى الله عليه وسلم؛ والعهد هاهنا في معنى الوصية؛ «ونسي» معناه ترك؛ ونسيان الذهول لا يمكن هنا؛ لأنه لا يتعلق بالناسي عقاب. والعزم المضي على المعتقد في أي شيء كان؛ وآدم عليه السلام قد كان يعتقد ألا يأكل من الشجرة لكن لما وسوس إليه إبليس لم يعزم على معتقده. والشيء الذي عهد إلى آدم هو ألا يأكل من الشجرة، وأعلم مع ذلك أن إبليس عدوّ له. واختلف في معنى قوله: {وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً} فقال ابن عباس وقتادة: لم نجد له صبراً عن أكل الشجرة، ومواظبة على التزام الأمر. قال النحاس: وكذلك هو في اللغة؛ يقال: لفلان عزم أي صبر وثبات على التحفظ من المعاصي حتى يسلم منها، ومنه {أية : فَٱصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ٱلْعَزْمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ} تفسير : [الأحقاف: 35]. وعن ابن عباس أيضاً وعطية العوفي: حفظا لما أمر به؛ أي لم يتحفظ مما نهيته حتى نسي، وذهب عن علم ذلك بترك الاستدلال؛ وذلك أن إبليس قال له: إن أكلتها خُلِّدت في الجنة؛ يعني عين تلك الشجرة، فلم يطعه فدعاه إلى نظير تلك الشجرة مما دخل في عموم النهي وكان يجب أن يستدل عليه فلم يفعل، وظنّ أنها لم تدخل في النهي فأكلها تأويلا، ولا يكون ناسياً للشيء من يعلم أنه معصية. وقال ابن زيد: «عزماً» محافظة على أمر الله. وقال الضحاك: عزيمة أمر. ابن كيسان: إصراراً ولا إضماراً للعود إلى الذنب. قال القشيري: والأول أقرب إلى تأويل الكلام؛ ولهذا قال قوم: آدم لم يكن من أولي العزم من الرسل؛ لأن الله تعالى قال: {وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً}. وقال المُعْظَم: كل الرسل أولو العزم، وفي الخبر: «ما من نبيّ إلا وقد أخطأ أو همّ بخطيئة ما خلا يحيـى بن زكريا» فلو خرج آدم بسبب خطيئته من جملة أولي العزم لخرج جميع الأنبياء سوى يحيـى. وقد قال أبو أمامة: لو أن أحلام بني آدم جمعت منذ خلق الله الخلق إلى يوم القيامة، ووضعت في كفة ميزان، ووضع حِلم آدم في كفة أخرى لرجحهم؛ وقد قال الله تبارك وتعالى: {وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً}.
ابن كثير
تفسير : قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا أسباط بن محمد، حدثنا الأعمش عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: إنما سمي الإنسان؛ لأنه عهد إليه فنسي، وكذا رواه علي بن أبي طلحة عنه. وقال مجاهد والحسن: ترك. وقوله: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَـٰئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لأَِدَمَ} يذكر تعالى تشريف آدم، وتكريمه، وما فضله به على كثير ممن خلق تفضيلاً، وقد تقدم الكلام على هذه القصة في سورة البقرة وفي الأعراف وفي الحجر والكهف، وسيأتي في آخر سورة: "ص" يذكر تعالى فيها خلق آدم، وأمره الملائكة بالسجود له تشريفاً وتكريماً، ويبين عداوة إبليس لبني آدم ولأبيهم قديماً، ولهذا قال تعالى: {فَسَجَدُوۤاْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَىٰ} أي: امتنع واستكبر {فَقُلْنَا يَٰأَدَمُ إِنَّ هَـٰذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِك} يعني: حواء عليهما السلام {فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ ٱلْجَنَّةِ فَتَشْقَىٰ} أي: إياك أن تسعى في إخراجك منها، فتتعب وتعنى وتشقى في طلب رزقك، فإنك ههنا في عيش رغيد هنيء بلا كلفة ولا مشقة {إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلاَ تَعْرَىٰ} إنما قرن بين الجوع والعري؛ لأن الجوع ذل الباطن، والعري ذل الظاهر، {وَأَنَّكَ لاَ تَظْمَؤُا فِيهَا وَلاَ تَضْحَىٰ} وهذان أيضاً متقابلان، فالظمأ حر الباطن وهو العطش، والضحى حر الظاهر. وقوله: {فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ ٱلشَّيْطَـٰنُ قَالَ يَٰأَدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ ٱلْخُلْدِ وَمُلْكٍ لاَّ يَبْلَىٰ} قد تقدم أنه دلاهما بغرور {أية : وَقَاسَمَهُمَآ إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ ٱلنَّـٰصِحِينَ}تفسير : [الأعراف: 21] وقد تقدم أن الله تعالى عهد إلى آدم وزوجه أن يأكلا من كل الثمار، ولا يقربا هذه الشجرة المعينة في الجنة، فلم يزل بهما إبليس حتى أكلا منها، وكانت شجرة الخلد، يعني: التي من أكل منها، خلد ودام مكثه، وقد جاء في الحديث ذكر شجرة الخلد، فقال أبو داود الطيالسي: حدثنا شعبة عن أبي الضحاك، سمعت أبا هريرة يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام ما يقطعها، وهي شجرة الخلد» تفسير : ورواه الإمام أحمد. وقوله: {فَأَكَلاَ مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْءَٰتُهُمَا} قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين بن إشكاب، حدثنا علي بن عاصم عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن، عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : إن الله خلق آدم رجلاً طوالاً كثير شعر الرأس، كأنه نخلة سحوق، فلما ذاق الشجرة، سقط عنه لباسه، فأول ما بدا منه عورته، فلما نظر إلى عورته، جعل يشتد في الجنة، فأخذت شعره شجرة، فنازعها، فناداه الرحمن: يا آدم مني تفر؟ فلما سمع كلام الرحمن قال: يا رب لا، ولكن استحياء، أرأيت إن تبت ورجعت أعائدي إلى الجنة؟ قال: نعم» تفسير : فذلك قوله: {أية : فَتَلَقَّىٰ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ} تفسير : [البقرة: 37] وهذا منقطع بين الحسن وأبي بن كعب، فلم يسمعه منه، وفي رفعه نظر أيضاً. وقوله: {وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ ٱلْجَنَّةِ} قال مجاهد: يرقعان كهيئة الثوب، وكذا قال قتادة والسدي. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا جعفر بن عون، حدثنا سفيان عن ابن أبي ليلى، عن المنهال، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: {وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ ٱلْجَنَّةِ} قال: ينزعان ورق التين، فيجعلانه على سوآتهما. وقوله: { وَعَصَىٰ ءَادَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ ثُمَّ ٱجْتَبَـٰهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَىٰ } قال البخاري: حدثنا قتيبة، حدثنا أيوب بن النجار عن يحيـى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : حاج موسى آدم، فقال له: أنت الذي أخرجت الناس من الجنة بذنبك وأشقيتهم، قال آدم: يا موسى أنت الذي اصطفاك الله برسالاته وبكلامه، أتلومني على أمر كتبه الله علي قبل أن يخلقني، أو قدره الله عليّ قبل أن يخلقني؟ - قال رسول الله صلى الله عليه وسلم-: فحج آدم موسى»تفسير : ، وهذا الحديث له طرق في "الصحيحين" وغيرهما من المسانيد. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، أخبرني أنس بن عياض عن الحارث بن أبي ذُبَابَ، عن يزيد بن هرمز قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : احتج آدم وموسى عند ربهما، فحج آدم موسى، قال موسى: أنت الذي خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته، وأسكنك في جنته، ثم أهبطت الناس إلى الأرض بخطيئتك، قال آدم: أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالته وكلامه، وأعطاك الألواح فيها تبيان كل شيء، وقربك نجياً، فبكم وجدت الله كتب التوراة قبل أن أخلق؟ قال موسى: بأربعين عاماً، قال آدم: فهل وجدت فيها وعصى آدم ربه فغوى؟ قال: نعم، قال: أفتلومني على أن عملت عملاً كتب الله علي أن أعمله قبل أن يخلقني بأربعين سنة؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فحج آدم موسى»تفسير : ، قال الحارث: وحدثني عبد الرحمن بن هرمز بذلك عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَلَقَدْ عَهِدْنَآ إِلَىٰ ءَادَمَ } وصَّيناه أن لا يأكل من الشجرة {مِن قَبْلُ } أي قبل أكله منها {فَنَسِىَ } ترك عهدنا {وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً } حزماً وصبراً عما نهيناه عنه.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {وَلَقَدْ عَهِدْنآ إِلَى ءَادَمَ... } فيه تأويلان: أحدهما: يعني فترك أمر ربه، قاله مجاهد. الثاني: أنه نسي من النسيان والسهو، قال ابن عباس: إنما أخذ الإِنسان من أنه عهد إليه فنسي. {... وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً} فيه أربعة تأويلات: أحدها: صبراً، قاله قتادة. الثاني: حفظاً قاله عطية. الثالث: ثباتاً. قال ابن أمامة: لو قرنت أعمال بني آدم بحلم آدم لرجح حلمه على حلمهم، وقد قال الله: {وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً}. الرابع: عزماً في العودة إلى الذنب ثانياً. قوله عز وجل: {فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى} يعني أنت وزوجك لأنهما في استواء العلة واحد. ولم يقل: فتشقيا لأمرين: أحدهما: لأنه المخاطب دونها. الثاني: لأنه الكادّ والكاسب لها، فكان بالشقاء أخص.
ابن عطية
تفسير : قال الطبري المعنى وإن يعرض يا محمد هؤلاء الكفرة عن آياتي ويخالفوا رسلي ويطيعوا إبليس فقدماً فعل ذلك أبوهم آدم ع وهذا التأويل ضعيف، وذلك أن يكون {آدم} مثالاً للكفار الجاحدين بالله ليس بشيء، و {آدم} إنما عصى بتأويل ففي هذا غضاضة عليه صلى الله عليه وسلم وأما الظاهر في هذه الآية، إما ان يكون ابتداء قصص لا تعلق له بما قبله، وإما أن يجعل تعلقه أنه لما عهد إلى محمد صلى الله عليه وسلم أن لا يعجل بالقرآن مثل له بنبي قبله عهد إليه {فنسي} فعوقب لتكون أشد في التحذير وأبلغ في العهد إلى محمد صلى الله عليه وسلم. و"العهد" هنا في معنى الوصية. و"نسي" معناه ترك، والنسيان الذهول لكن هنا أنه لا يتعلق بالناسي عقاب، وقرأ الأعمش "فنسي" بسكون الياء ووجهها طلب الخفة، و"العزم" المضي على المعتقد في أي شيء كان، وآدم عليه السلام كان معتقداً لأن لا يأكل من الشجرة لما وسوس إليه إبليس لم يعزم على معتقده، وعبر بعض المفسرين عن العزم هنا بالصبر وبالحفظ وبغير ذلك مما هو أعم من حقيقة العزم والشيء الذي عهد إلى آدم هو أن يقرب الشجرة وأعلم مع ذلك أن إبليس عدو له، وقال أبو أمامة لو أن أحلام بني آدم وضعت منذ خلق الله إلى يوم القيامة ووضعت في كفة ميزان ووضع حلم آدم في كفة أخرى لرجحهم، وقد قال الله له {ولم نجد له عزماً} وقوله تعالى: {وإذ قلنا للملائكة} ابتداء قصة، والعامل، في {إذ} فعل مضمر وقد تقدم استيعاب هذه القصة لكن نذكر من ذلك ما تقتضيه ألفاظ هذه الآية، فالملائكة قيل كان جميعهم مأمور بذلك وقيل بل فرقة فاضلة منهم عددهم اثنان وعشرون، و"السجود" الذي أمروا به سجود كرامة لآدم وعبادة لله تعالى، وقوله تعالى: {إلا إبليس} الاستثناء متصل في قول من جعل إبليس من الملائكة، ومنقطع في قول من قال هو من قبيلة غير الملائكة يقال لها الجن. وقوله تعالى: {فلا يخرجنكما} أي لا يقع منكما طاعة له في إغوائه فيكون ذلك سبب خروجكما {من الجنة} ثم خصص بقوله {فتشقى} من حيث كان المخاطب أولاً والمقصود في الكلام، وقيل بل ذلك لأن الله تعالى جعل الشقاء في معيشة الدنيا في حيز الرجال وروي أن آدم لما أهبط هبط معه ثور أحمر فكأن يحرك ويمسح العرق فهذا هو الشقاء الذي خوف منه.
ابن عبد السلام
تفسير : {فَنَسِىَ} ترك أَوْ سَهَا {عَزْماً} صبراً، أو حفظاً، أو ثباتاً قال أبو أمامة لو وزنت أحلام بني آدم لرجح حلمه على حلمهم وقد قال الله ـ تعالى ـ {وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً} أو عزماً في العود إلى الذنب ثانياً.
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات: {وإنك} بالكسر: أبو بكر وحماد والخراز ونافع. الباقون بالفتح عطفاً على {أن لا تجوع} ولا يلزم منه دخول "إن" المكسورة على المفتوحة للفصل بالخبر، ولأنه يجوز في المعطوف ما لا يجوز في المعطوف عليه {أعمى} بالإمالة. حمزة وعلي وخلف {حشرتني} بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير. {ترضى} مبيناً للمفعول: علي وأبو بكر وحماد والمفضل {زهرة} بفتح الهاء: قتيبة وسهل ويعقوب. الآخرون بسكونها. وقرأ حمزة وعلي وخلف هذه السورة وكل سورة آياتها على الياء بالإمالة المفرطة وإن شاء بين الفتح والكسر. الوقوف: {عزماً} ه {إلا إبليس} ط {أبى} ه {فتشقى} ه {ولا تعرى} ه، لمن قرأ{وإنك} بالكسر {ولا تضحى} ه {لا يبلى} ه {الجنة} ز لنوع عدول عن ذكر حال اثنين إلى بيان فعل من هو المقصود {فغوى} ه ص {وهدى} ه {عدوّ} ج لابتداء الشرط مع الفاء {ولا يشقى}، ه {يوم القيامة أعمى} ه {بصيراً} ه {فنسيتها} ج لعطف المختلفين {تنسى} ه {يآت ربه} ط {وأبقى} ه {مساكنهم} ط {النهي} ه {مسمى} ه ط {غروبها} ج لعطف الجملتين مع اختلاف النظم {يرضى} ه {لنفتنهم فيه} ط {وأبقى} ه {عليها} ط {رزقاً} ط {نرزقك} ط {للتقوى} ه {من ربه} ط {الأولى} ه {ونخزى} ه {فتربصوا} ج لسين التهديد مع الفاء {اهتدى} ه. التفسير: في تعلق قصة آدم بما قبلها وجوه منها: أنه لما قال: {كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق} ثم عظم شأن القرآن وبالغ فيه ذكر القصة إنجازاً للوعد. ومنها أنه لما قال: {وصرفنا فيه من الوعيد} أردفه بهذه القصة ليعلم أن طاعة بني آدم للشيطان أمر قديم وخلة موروثة، وذلك أنه عهد إلى آدم من قبل هؤلاء الذين صرف لأجلهم الوعيد فنسي وترك العهد. ومنها أن قوله: {ولا تعجل بالقرآن} دليل على أنه صلى الله عليه وسلم زاد على قدر الواجب في رعاية أمر الدين وكان مفرطاً في أداء الرسالة وحفظ ما أمر به فناسب أن يعطف عليه قصة آدم لأنه كان موسوماً بالتفريط والإفراط والتفريط كلاهما من باب ترك الأولى، وإذا كان أوّل الأنبياء وخاتمهم موصوفين بما فيه نوع تقصير فما ظنك بغيرهما! ومن هنا يعرف أفضلية الخاتم فإنه سعى في طلب الكمال إلى أن عوتب بالخروج عن حد الاعتدال، وآدم توسط في حيز النقصان فلا جرم وسم بالظلم والعصيان. ومنها أن محمداً صلى الله عليه وسلم أمر بأن يقول {رب زدني علماً} ثم ذكر عقيبه قصة آدم تنبيهاً على أن بني آدم مفتقرون في جميع أحوالهم إلى التضرع واللجأ إلى الله حتى ينفتح عليهم أبواب التيسير في العلم والعمل. ومعنى {عهدنا إلى آدم} أمرناه ووصيناه {من قبل} أي من قبل محمد والقرآن. وفي النسيان قولان: أحدهما أنه نقيض الذكر. عن الحسن: والله ما عصي قط إلا بنسيان. والثاني أن معناه الترك وعلى هذا يحتمل أن يقال: أقدم على الأكل من غير تأويل. وأن يقال: أقدم عليه بتأويل قد مر في "البقرة". قال أهل الإشارة: عهد إليه أن لا يعلق نوره فانقاد للشيطان وهو النسيان. والعزم أيضاً فيه أقوال: أحدها عزماً على الذنب لأنه أخطأ ولم يتعمد. وثانيها عزماً في العود إلى الذنب ثانياً. وثالثها رأياً وصبراً أي لم يكن من أهل العزيمة والثبات إذ كان من حقه أن يتصلب في المأمور به تصلباً يؤيس الشيطان من التسويل. قال جار الله: قوله: {ولم نجد له} يجوز أن يكون بمعنى العلم ومفعولاه {له عزماً} وأن يكون بمعنى نقيض العدم كأنه قال: وعد مثاله عزماً. قوله: {وإذ قلنا للملائكة} سلف في "البقرة" مستقصى قوله: {إن هذا عدوّ لك} ذكروا في سبب عداوته إياه أنه كان شاباً عالماً لقوله: {وعلم آدم الأسماء كلها} وإبليس كان شيخاً جاهلاً لأنه أثبت فضله بفضيلة أصله، والشيخ الجاهل أبداً يكون عدوّاً للشاب العالم. وأيضاً الماء والتراب مضادان للنار {فلا يخرجنكما} فلا يكون سبباً لإخراجكما لأن الفاعل الحقيقي هو الله سبحانه {فتشقى} فتتعب في طلب القوت وسائر ما يتعيش به الإنسان أسند الشقاء إليه وحده مع اشتراكهما في الخروج لأن الرجل أصل في باب الإنفاق والكسب والمرأة تابعة له. ثم بين ذلك الشقاء بقوله: {إن لك ألا تجوع فيها} إلى آخره. والظمأ العطش وتقول: ضحيت للشمس بالكسر أضحى ضحاء ممدوداً إذا برزت لها. والمراد به الكن مع أن الجنة ليس فيها شمس حتى يتصور فيها الضحاء، نفى كون هذه الأمور في الجنة ليثبت حصولها في غيرها. ولا ريب أن أصول المتاعب في الدنيا هي: الشبع والري الكسوة والكن. وأما المنكوح فمشترك إلا أن مؤن النكاح تختص بالدنيا وأنها أيضاً ترجع إلى المذكورات. يروى أنه كان لباسهما الظفر فلما أصابا الخطيئة نزع عنهما وتركت هذه البقايا في أطراف الأصابع. {فوسوس إليه الشيطان} أنهى إليه وسوسة كما مر في "الأعراف". بيان الوسوسة أنه {قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد} أضافها إلى الخلد وهو الخلود لأن من أكل منها بزعمه كما قيل لحيزوم فرس الحياة لأنه من باشر أثره حيي {وملك لا يبلى} أي لا ينقطع ولا يزول. قال القاضي: ليس في الظاهر أنه قيل ذلك منه لأنه لا بد أن يحصل بين حال التكليف وحال المجازاة فصل بالموت، والنبي يمتنع أن لا يعلم هذا القدر. وأجيب بالمنع ولو سلم فلم لا يكفي الفصل بغشي أو نوح خفيف. ولو سلم أنه لا يكفي فلم استحال أن يجهل النبي ذلك كما جهل عدم جواز الرؤية زعمكم حين قال: {أية : أرني أنظر إليك} تفسير : [الأعراف: 143] ومما يدل على أن آدم قبل وسوسته قوله تعالى: {فأكلا} بالفاء مشعر بالعلية كقول الصحابي: "زنى ماعز فرجم" وما في الآية قد مر تفسيره في "الأعراف" إلا قوله: {وعصى آدم ربه فغوى} قال بعض الناس: إن آدم ذنبه كبيرة وإلا لم يوصف بالعصيان والغواية فإن العاصي والغاوي اسمان مذمومان عرفاً وشرعاً وقد ترتب الوعيد عليهما. وأجيب بأن المعصية مخالفة الأمر والأمر قد يكون مندوباً. وزيف بالمنع من أن المندوب غير مأمور به. ثم أن مخالفة عاص وإلا كان الأنبياء كلهم عصاة لأنهم لا ينكفون عن ترك المندوب. قالوا: يقال أشرت إليه في أمر كذا فعصاني وأمرته بشرب الدواء فعصاني. وأجيب بالمنع من أن هذا من مستعملات العرب العاربة، ولو سلم فلعله إنما يقال ذلك إذا عرف أن المستشير لا بد له أن يفعل ذلك، وحينئذ يكون معنى الإيجاب حاصلاً وإن لم يكن وجوب شرعي لأن ذلك الإيجاب لم يصدر عن الشارع. ومنهم من زعم أنه ذنب صغير وهم عامة المعتزلة ورد بأن المعاصي إسم من يستحق العقاب وهذا لا يليق بالصغيرة. وأجاب أبو مسلم الأصفهاني بأنه عصى في مصالح الدنيا لا فيما يتصل بالتكاليف ولهذا قال سبحانه {فغوى} أي خاب من نعيم الجنة لأن الرشد هو أن يتوصل بشيء إلى شيء فيصل إلى المقصود والغي ضده، وأنه سعى في طلب الخلود فنال ضد المقصود. وعن بعضهم {فغوى} أي بشم من كثرة الأكل وزيفه جار الله. ورد قول أبي مسلم بأن مصالح الدنيا تكون مباحة فلا يوصل تاركها بالعصيان. قلت: في هذا نظر، والأحوط في هذا الباب أن يعتقد كون هذه الواقعة قبل النبوة بدليل قوله: {ثم اجتباه ربه} أي اختاره للرسالة {وهدى} لحفظ أسباب العصمة. أصل الاجتباء هو الجمع كما مر في آخر "الأعراف". يروى عن أبي أمامة: لو وزنت أحلام بني آدم لرجح حلمه. وقد قال الله تعالى: {ولم نجد له عزماً} قال العلماء: فيه دليل على أنه لا رادَّ لقضائه وما قدره كائن لا محالة، وإذا جاء القضاء عمي البصر والدليل قد يكون غاية الظهور ومع ذلك يخفى على أعقل الناس كما خفي على آدم عداوة إبليس، وأنه تعرّض لسخط الله في شأنه حين امتنع من سجوده فكيف قبل من وسوسة {أية : لولا كتاب من الله سبق} تفسير : [الأنفال: 68] قال المحققون: الأولى أن لا يطلق لفظ العاصي والغاوي على آدم عليه السلام وإن ورد في القرآن {وعصى آدم ربه فغوى} لأنه لم تصدر عنه الزلة إلا مرة واحدة. وصيغة اسم الفاعل تنبىْ عن المزاولة، ولأن المسلم إذ تاب عن الشرب أو الزنا وحسنت توبته لا يقال له شارب وزان، ولأن السيد يجوز له أن يشتم عبده بما شاء وليس لغيره ذلك. {قال اهبطا} قد مر تفسير مثله في "البقرة" خاطبهما بالهبوط لأنهما أصلا البشر ثم عم الخطاب لهما ولذريتهما في قوله {فإما يأتينكم} أما قوله: {بعضكم لبعض عدوّ} فقد قال القاضي: يكفي في توفية هذا الظاهر حقه أن يكون إبليس والشياطين أعداء الناس والناس أعداء لهم، فإذا انضاف إلى ذلك عداوة بعض الفريقين لبعض لم يمتنع دخوله في الكلام. عن ابن عباس: ضمن الله لمن اتبع القرآن أن لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة ثم تلا قوله: {فمن ابتع هداي فلا يضل ولا يشقى} والسبب فيه أن العقاب في الآخرة لأجل أنه قد ضل عن الدين في مدة التكليف، واتباع كتاب الله يستلزم عدم الضلال عن الدين المستتبع للنجاة من العقاب في الآخرة. وأما الشقاء الذي قد يلحق المؤمن في الدنيا فلا اعتداد به لقصر مدته على أن الرضا بالقضاء يهوّن عليه مصائب الدنيا وآفاتها. ثم ذكر وعيد من أعرض عن ذكره ظاهر الكلام يدل على أن الذكر ههنا هو الهدى المذكور لأن قوله: {ومن أعرض عن ذكري} في مقابلة قوله: {فمن اتبع هداي}. وقد مر في أول "البقرة" أن المراد به الشريعة والبيان. وقال كثير من المفسرين: إن الذكر هو القرآن وسائر كتب الله وفيه نوع تخصيص. والضنك الضيق مصدر وصف به. ولهذا استوى فيه المذكر والمؤنث. يقال: منزل ضنك ومعيشة ضنك كأنه قيل: ذات ضنك. قالت الحكماء: عيش الدنيا ضنك ضيق لانقضائه وقصر مدّته وكثرة شوائبه، وإنما العيش الواسع عيش الآخرة. وهذا الضيق المتوعد به إما في الدنيا أو في القبر أو في الآخرة مال إلى كل طائفة. أما لأول فلأن المسلم الراضي بقضاء ربه معه من التسليم والتوكل والقناعة ما يعيش به عيشاً رافغاً. والمعرض عن الدين متول عليه الحرص والشح فلا ينفك عن الانقباض ولطموح ما ليس يناله من الفراغ والرفاغ الكلي فلا هم له إلا هم الدنيا. عن ابن عباس: المعيشة الضنك هي أن يضيق عليه أبواب الخير فلا يهتدي لشيء منها، ومن الكفرة من ضربت عليه الذلة والمسكنة. وسئل الشبلي عن قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا رأيتم أهل البلاء فاسألوا الله العافية"تفسير : فقال: أهل البلاء هم أهل الغفلات عن الله تعالى فعقوبتهم أن يردهم الله تعالى إلى أنفسهم وأيّ معيشة أضيق وأشد من أن يرد الأنسان إلى نفسه. قلت: التحقيق أن بعض البليات من العقوبات فطلب العافية منها لازم، وبعضها لمزيد الدرجات ولكن الإنسان خلق ضعيفاً فكثيراً ما يؤل أمر المبتلي إلى الجزع والفزع فيحرم الثواب فتطلب العافية من هذا القسم أيضاً خوفاً من المآل. وأما الثاني فعن ابن مسعود وأبي سعيد الخدري ورفعه أبو هريرة إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه: "حديث : عذاب القبر للكافر"تفسير : وعن ابن عباس أن الآية نزلت في الأسود بن عبد الله المخزومي والمراد ضغطة القبر تختلف فيه أضلاعه. وأما الثالث فعن الحسن وقتادة والكلبي أنه ضيق في الآخرة وفي جهنم، وأ طعامهم فيها الضريع والزقوم والحميم والغسلين، فلا يموتون فيها ولا يحيون. أما قوله: {ونحشره يوم القيامة أعمى} كقوله: {أية : ونحشر المجرمين يومئذ زرقاً} تفسير : [طه: 102] فيمن فسر الزرق بالعمى {أية : ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عمياً} تفسير : [الإسراء: 97] {أية : ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى} تفسير : [الإسراء: 72] قال الجبائي: أراد أنه لا يهتدي يوم القيامة إلى طريق ينال منه خيراً كالأعمى. وعن مجاهد والضحاك ومقاتل أنه أراد أعمى عن الحجة وهي رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس: قال القاضي: هذا القول ضعيف لأنه لا بد في القيامة أن يعلمهم الله تعالى بطلان ما كانوا عليه بتمييزه لهم الحق من الباطل، ومن هذه حاله لا يوصف بذلك إلا مجازاً باعتبار ما كان، لكن قوله: {وقد كنت بصيراً} ينافيه. قال الإمام فخر الدين الرازي رحمه الله: ومما يؤكد هذا الاعتراض أنه تعالى علل ذلك العمى بما أن المكلف نسي الدلائل في الدنيا، فلو كان العمى الحاصل في الآخرة عين ذلك النسيان لم يكن للمكلف بسبب ذلك ضرر كما في الدنيا. قال: والتحقيق في الجواب عن الاعتراض هو أن النفوس الجاهلة في الدنيا إذا فارقت أبدانها تبقى على جهالتها في الآخرة فتصير تلك الجهالة سبباً لأعظم الآلام الروحانية. وأقول على القاضي: يحتمل أن يكون مجازاً باعتبار الغاية. فقد ينفي الشيء باعتبار عدم غايته وثمرته فلا ينافي كونه أعمى في الآخرة بهذا الاعتبار إعلام الله تعالى إياه الحجة، ولا كونه بصيراً في الدنيا كونه أعمى في الآخرة بالاعتبار المذكور لأن المعرض عن الدليل يشبه أن يكون كافراً معانداً، ويكون الغرض من الإعلام التوبيخ والإلزام يؤيده قوله تعالى في جوابه: {كذلك} أي مثل ذلك فعلت أنت. ثم فسر ذلك بقوله: {أتتك آياتنا} أي دلائلنا وضاحة مستنيرة {فنسيتها} أي تركت العمل بها والقيام بموجبها {وكذلك اليوم تنسى} تترك بلا فائدة النظر والاعتبار. وعلى الإمام الرازي: إنه لا يلزم من كون المكلف غير متضرر بنسيان الدلائل في الدنيا كونه غير متضرر به في الآخرة. وأما قوله في الجواب المحقق بناء على قاعدة الحكيم إن جهل النفس يصير سبباً لتعذيبها فإن كان منعاً لقول المعتزلة إنه تعالى يعلم المكلف بطلان ما كان عليه في الدنيا فذاك لا يفتقر إلى العدول، وإن كان تسليماً لقولهم فمن أين يتحمل الاعتراض هذا وقد رأيت في بعض الآثار أن أشد الناس عمى يوم القيامة هم الذين حفظوا القرآن ثم نسوه. دليله قوله تعالى: {أتتك آياتنا فنسيتها} اللَّهم اجعلني ممن يواظب على تلاوة كتابك حتى لا أنساه يوم ألقاك. {وكذلك نجزي من أسرف} قيل: عصى ربه. والأظهر أنه أراد أشرك وكفر بدليل قوله: {ولم يؤمن بآيات ربه ولعذاب الآخرة} وهو الحشر على العمى {أشد وأبقى} من ضيق المعيشة في العاجل أو أراد، وتركنا إياه في العمى أشد وأبقى من تركه لآياتنا. ثم وبخ المعرضين عن الدلائل بعدم الاعتبار بأحوال القرون الخالية فقال: {أفلم يهد لهم} بالفاء وفي السجدة بالواو، لأن الكلام ههنا كالمتصل بقوله: {ومن أعرض عن ذكري} وهناك كالمنفصل عن الإعراض لأنه قال: {أية : ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم أعرض عنها} تفسير : [السجدة: 22]. وبعد ذلك أورد قصة موسى فناسب الاستئناف بالواو، وأما حذف من ههنا وإثباته هنالك فلما مر من أن "من" تفيد الاستيعاب وهنالك قد زاد في القرون بشرح قصة بني إسرائيل وما فيهم من الملوك والأنبياء. قال في الكشاف: فاعل: {لم يهد} الجملة بعده. وأنكر البصريون مثل هذا لأن الجملة لا تقع فاعلاً فلهذا قال: يريد أو لم يهد لهم هذا المعنى أو مضمون هذا الكلام. قال القفال: جعل كثرة ما أهلك من القرون مبيناً لهم. وقال الزجاج: أراد أَوَ لَمْ نبين لهم ما يهدون به لو تدبروا وتأملوا. وقيل: فيه ضمير الله أو الرسول والجملة بعده تفسره يريد أن قريشاً يتقلبون في السورة. قال بعض أهل اللغة: إن للنبيه مزية على العقل فلا يقال إلا لمن له عقل ينتهي به عن القبائح فقوله: {أولي النهى} كقوله: {أية : أولي العزم} تفسير : [الأحقاف: 35] والحزم ومن هذا فسره بعضهم بأهل الورع والتقوى. ثم بين الوجه الذي لأجله لا ينزل العذاب معجلاً على من كذب من هذه الأمة فقال: {ولولا كلمة} هي العدة بتأخير جزائهم إلى الآخرة كتبها في اللوح المحفوظ وأخبر بها ملائكته ورسله لأن فيهم أو في نسلهم من يؤمن، أو لمصلحة أخرى خفية. قال أهل السنة: إنه بحكم المالكية له أن يفعل ما يشاء من غير علة. واللزام مصدر لازم وصف به. وقيل: فعال لما يفعل به فهو بمعنى ملزم كأنه آلة اللزوم أي {لكان} الأخذ العاجل {لزاماً وأجل مسمى} وهو عذاب الآخرة. وقيل: يوم بدر معطوف على {كلمة} وجوز في الكشاف أن يكون معطوفاً على الضمير في كان. ولعله إنما جوز ذلك للفصل أي لكان الأخذ العاجل وأجل مسمى لازمين لهم كما كانا لازمين لعاد وثمود، ولم ينفرد الأجل المسمى دون الأخذ العاجل. وحين بين أنه لا يهلكهم بعذاب الاستئصال أمره بالصبر على ما يقولون من التكذيب وسائر الأذيات. زعم الكلبي ومقاتل أنها منسوخة بآية القتال وليس بذاك فإن كلاً منهما معمول بها في موضعها {وسبح بحمد ربك} أي متلبساً بحمده على أن وفقك للتسبيح وأعانك عليه، والأكثرون أنها بمعنى الصلاة ليكون كقوله: {أية : واستعينوا بالصبر والصلاة} تفسير : [البقرة: 45] ولأنه بين أوقاتها فقبل طلوع الشمس هو صلاة الفجر، وقبل غروبها صلاة الظهر والعصر لأنهما واقعتان في النصف الأخير من النهار {ومن آناء الليل فسبح} المغرب والعتمة. وقوله {وأطراف النهار} أي في طرفيه فجمع للمبالغة وأمن الإلباس، أو لأن أقل الجمع اثنان. أو أراد طرفي كل نهار تكرار لصلاتي الفجر والعصر لا المغرب على ما ظن اعتناء بشأنهما كقوله {أية : والصلاة الوسطى} تفسير : [البقرة: 238] وآناء جمع "أنى" وهو الساعة وقد مر في "آل عمران". وإنما قدم آنا الليل وأدخل الفاء في {فسبح} المؤذنة بتلازم ما قبلها وما بعدها تنبيهاً على زيادة الاهتمام بشأن صلاة الليل، لأن الليل وقت السكون والراحة وهدوّ الأصوات فالصلاة فيه أشق على النفس وأدخل في الإخلاص وأقرب من المحافظة على الخشوع والإخبات. وبعضهم أخرج من الآية صلاة الظهر لانه خصص قبل الغروب بصلاة العصر. ومنهم من زاد فيها النوافل لأن الصلاة في الأوقات المذكورة تشملها والأمر قد يكون للندب لا أقل من التغليب. وقال أبو مسلم: الأقرب حمل التسبيح على التنزيه والإجلال كأنه لما أمره بالصبر على أذية القوم بعثه على الاشتغال بالتقديس والمواظبة عليه في كل الأوقات. وقوله: {لعلك ترضى} كقوله: {أية : عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً} تفسير : [الإسراء: 79] {أية : ولسوف يعطيك ربك فترضى} تفسير : [الضحى: 5] ولا ريب أن الأطماع من الكريم واجب الوقوع اللَّهم ارزقنا شفاعته. ولما حث رسوله على الأمور الدينية نهاه عن الميل إلى الزخارف الدنيوية فقال: {ولا تمدّن عينيك} أي نظر عينيك. ومد النظر تطويله استحساناً للمنظور إليه، وفيه أن النظر الغير الممدود معفوّ عنه كما لو نظر فغض. وقال أبو مسلم: المنهي عنه في الآية ليس هو التطويل وإنما هو الأسف أي لا تأسف على ما فاتك مما نالوا من حظ الدنيا. قال أبو رافع: نزل ضيف بالنبي صلى الله عليه وسلم فبعثني إلى يهوديّ يستقرضه فقال: لا أقرضه إلا برهن. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : إني لأمين في السماء وإني لأمين في الأرض،أحمل إليه درعي الحديد فنزلت. تفسير : والأزواج الأصناف. وقيل: أي أشكالاً وأشباهاً من الكفار لأنهم أشكال في الذهاب عن الصواب. وقد مر في آخر الحجر. ولقد شدد العلماء المتقون في وجوب غض البصر عن أبنية الظلمة وملابسهم ومراكبهم لأنهم اتخذوها. قال جار الله: انتصب {زهرة} على الذم، أو على تضمين متعنا بمعنى خولنا وأعطينا، أو على إبداله من محل {به} أو على إبداله من {أزواجاً} والتقدير ذوي زهرة وهي الزينة والبهجة. ومن قرأ بفتح الهاء فبمعناها أيضاً أو هي جمع زاهر كأنهم لصفاء ألوانهم وظهور آثار النعومة عليهم زاهر وهذه الدنيا بخلاف ما عليه المؤمنون الصلحاء من شحوب الألوان والتقشف في الثياب. وقوله: {لنفتنهم} أي لنبلوهم كقوله: {أية : إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم} تفسير : [الكهف: 7] وقيل: لعذبهم كقوله: {أية : فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم} تفسير : [التوبة: 55]. وقال الكلبي ومقاتل: لنشدد عليهم في التكليف لأن الاجتناب عن المعاصي مع القدرة يكون أشق على النفس. {ورزق ربك} هو ثواب الآخرة أو ما رزقت من الإسلام والنبوّة {خير وأبقى} وقيل: أراد به الحلال الطيب الذي يحق أن ينسب إلى ربك خير من أموالهم التي غلب عليها الغصب والسرقة وسائر وجوه الخيانة، وأبقى بركة ونماء وحسن عاقبة. {وأمر أهلك} في سورة مريم {أية : وكان يأمر أهله بالصلاة} تفسير : [الآية: 55] أي أقبل أنت مع أهلك على عبادة الله. ومن السلف من كان إذا أصاب أهله خصاصة قال: قوموا فصلوا بهذا أمر الله رسوله ثم يتلو هذه الآية. وعن عروة بن الزبير أنه كان إذا رأى ما عند السلاطين قرأ {ولا تمدنّ عينيك} الآية. ثم ينادي الصلاة الصلاة رحمكم الله. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد نزول هذه الآية يذهب إلى فاطمة وعليّ كل صباح ويقول: حديث : الصلاة وكان يفعل ذلك شهراً تفسير : وقوله: {واصطبر عليها} أراد أنك كما تأمرهم بها فحافظ عليها فإن الوعظ بلسان الفعل أثم منه بلسان القول {لا نسألك رزقاً} كما يريد الملوك خراجاً من رعيتهم والسادة خرجاً من عبيدهم {بل نحن نرزقك} كقوله: {أية : وما أريد أن يطعمون إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين} تفسير : [الذاريات: 57 - 58] والحاصل أنا إنما أمرناك بالصلاة فذلك لأجل انتفاعك بثوابها لا لأنا ننتفع بها. وقيل: لا نسألك رزقاً لنفسك ولا لأهلك بل نحن نرزقك وإياهم فلا تهتم بأمر الرزق والمعيشة وفرغ بالك لأمر الآخرة وفي معناه قولهم "من كان في عمل الله كان الله في عمله". وقال أهل الإشارة {ورزق ربك} رمز إلى قوله: "حديث : أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني"تفسير : قال عبد الله بن سلام: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا نزل بأهله ضيق أو شدة أمرهم بالصلاة. {والعاقبة} أي الجميلة {للتقوى}. ثم عاد إلى قوله: {فاصبر على ما يقولون} فحكى واحدة من شبهاتهم هي قولهم: {لولا يأتينا بآية من ربه} كأنهم لم يتعدّوا بالقرآن الذي أخرس شقاشقهم فرد الله عليهم بقوله: {أولم تأتيهم بينة ما في الصحف الأولى} لأن القرآن برهان سائر الكتب المنزلة لأنه معجز دونها فهو شاهد لها بالصحة وأنها من عند الله. وقيل: أراد بالبينة ما فيها من بشارة مقدم محمد صلى الله عليه وسلم. وعن ابن جرير أنه ما رأوا فيها من قصص الأمم المكذبة وبيان إهلاكهم بعد اقتراح الآيات وإنما أتاهم هذا البيان في القرآن فلهذا وصف القرآن بكونه {بينة ما في الصحف الأولى} ثم بين الحكمة في نزول القرآن فقال: {ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله} أي من قبل البرهان المذكور الدال عليه البينة {لقالوا} أي في القيامة لأن الهالك لا قول له في الدنيا. وعن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : يحتج على الله تعالى يوم القيامة ثلاثة: الهالك في الفترة يقول لم يأتني رسول وإلا كنت أطوع خلقك" وتلا قوله: "{لولا أرسلت إلينا رسولاً} والمغلوب على عقله يقول لم تجعل لي عقلاً أنتفع به. ويقول الصبي: كنت صغيراً لا أعقل. فيرفع لهم نار ويقال لهم ادخلوها فيدخلها من كان في عالم الله أنه سعيد ويتلكأ من كان في علمه أنه شقى. فيقول الله تعالى: عسيتم اليوم فكيف برسولي لو أتاكم؟!"تفسير : . وطعن المعتزلة في هذا الخبر قالوا: لا يحسن العقاب على ما لم يفعل. وقال الجبائي: في الآية دلالة على وجوب فعل اللطف والمراد أنه يجيب أن يفعل بالمكلفين ما يؤمنون عنده وإلا كان لهم أن يقولوا: هلا فعلت ذلك بنا لنؤمن. وقال الكعبي: فيها أوضح دليل على أنه تعال يقبل الاحتجاج من عباده. وليس معنى قوله: {أية : لا يسأل عما يفعل} تفسير : [الأنبياء: 23] أن الجور منه يكون عدلاً بل تأويله أنه لا يقع منه إلا العدل. وإذا ثبت أنه تعالى يقبل الحجة فلو لم يكونوا قادرين على ما أمروا به لكان لهم فيه أعظم حجة. واستدل أهل السنة بها على أن الوجوب لا يتحقق إلا بالشرع وإلا لكان العقاب حاصلاً قبل مجيئه. ثم ختم السورة بوعيد إجمالي فقال: {قل كل} أي كل منا ومنكم {متربص} عاقبة أمره وهذا الانتظار إما قبل الموت بسبب الأمر بالجهاد أو ظهور الدولة والغلبة، أو بالموت فإن كان واحد من الخصمين ينتظر موت صاحبه، وإما بعد الموت وهو ظهور أثر الثواب والعقاب وتمييز المحق المبطل ويؤديه قوله: {فستعلمون} إلى آخره وهذا من كلام المنصف وبالله المستعان. (تم).
الثعالبي
تفسير : وقوله عز وجل: {وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَىٰ ءَادَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ...} الآية، العهدُ هنا بمعنى الوصِيّة، والشيءُ الّذي عهد إلى آدم عليه السلام هو أَلاَّ يقرَبَ الشجرة. * ت *: قال عِياضٌ: وأما قوله تعالى: {أية : وعَصَىٰ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ} تفسير : [طه:121] أي: جهل، فإنّ الله تعالى أخبر بعذره بقوله: {ولَقَدْ عَهدْنَا إلَىٰ آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً} قيل: نسي، ولم ينو المخالفة؛ فلذلك قال تعالى: {وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً}، أيْ: قصداً للمخالفة. * ت *: وقيل: غير هذا مما لا أرى ذكره هنا، ولِلَّه دَرُّ ٱبْنِ العَربيّ حيثُ قال: يجبُ تنْزِيه الأنْبياء عليهم الصلاة والسلام عما نَسَبَ إليهم الجهالُ. ولكن البَارِي سبحانه بحُكْمه النافذ، وقَضَائِه السابق أسلم آدم إلى الأكل من الشجرة متعمِّداً للأكل، ناسِياً للعهد، فقال في تعمده: {وَعَصَى آدَمَ} وقال في بيان عُذْرهُ: {ولَقَدْ عَهِدْنَا إلَىٰ آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ} فَمُتَعَلِّق العهد غيرُ متعلِّق النسيان، وجاز للمولى أن يقول في عبده لحقه: عَصَىٰ تَثْرِيباً، ويعودُ عليه بفضله فيقول: نَسِيَ تقريباً، ولا يجوز لأحد مِنّا أن يطلق ذلك على آدمَ، أو يذكره إلاَّ في تلاَوة القرآن أو قول النبيّ صلى الله عليه وسلم. انتهى. من «الأحكام».
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {وَلَقَدْ عَهِدْنَآ إِلَىٰ ءَادَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ} الآية. في تعليق هذه الآية بما قبلها وجوه: الأول: أنه تعالى لما قال {أية : كَذَٰلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَآءِ مَا قَدْ سَبَقَ} تفسير : [طه: 99] ثم إنه عظَّم أمر القرآن ذكر القصة إنجازاً للوعد في قوله: {كَذَٰلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ}. الثاني: أنه لما قال: {أية : وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ ٱلْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً} تفسير : [طه: 113] أردفه بقصة آدم عليه السلام كأنَّه قال: إنَّ طاعة بني آدم للشياطين، وتركهم التحفظ من الوساوِسِ أمر قديم، فإنَّا عهدنا إلى آدم من قبل، أي: من قبل هؤلاء الذين صرَّفنا لهم الوعيد، (وبالغنا في تنبيهه)، فقلنا له: {إِنَّ هَـٰذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ}، ثم إنه مع ذلك نسي وترك ذلك العهد، فأمر البشر في ترك التحفظ أمر قديم. الثالث: أنه لمَّا قال لِمُحمَّد {أية : وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً} تفسير : [طه: 114] ذكر بعده قصة آدم، فإنه عهد إليه وبالغ في تحذيره من العود، فدل ذلك على ضعف البشرية عن التحفظ فيحتاج حينئذ إلى الاستعانة بربه في أن يوفقه لتحصيل العلم ويجنبه عن السهو والنسيان. الرابع: أن محمداً - عليه السلام - لما قيل له: {أية : وَلاَ تَعْجَلْ بِٱلْقُرْءَانِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَىٰ إِلَيْكَ وَحْيُهُ} تفسير : [طه:114] دل على أنه كان في أمر الدين بحيث زاد على قدر الواجب فلما وصفه بالإفراط، وصف آدم بالتفريط في ذلك، فإنه تساهَلَ ولم يتحفظ حتى نسي، فوصف الأول بالتفريط والآخر بالإفراط، ليعلمه أن البشر لا ينفك عن نوع زلة. الخامس أن محمداً لما قيل به: "وَلاَ تَعْجَلْ" ضاق قلبه، وقال في نفسه: لولا أني أقدمت على ما لا ينبغي، وإلا لما نهيت عنه، فقيل له: يا محمد إن كنت فعلتَ ما نُهِيتَ عنه فإنما فعلته حرصاً منك على العبادة، وحفظاً لأداء الوحي وإن أباك أقدم على ما لا ينبغي لتساهله، وترك التحفظ فكان أمرك أحسن من أمره. والمراد بالعهد هنا أمر الله، أي: أمرناه وأوصينا إليه أن لا يأكل من الشجرة من قبل هؤلاء الذين صرفنا لهم الوعيد في القرآن فتركوا الإيمان. وقال ابن عباس: من قبل أن يأكل من الشجرة عَهِدْنَا إليه أن لا يأكل منها. وقال الحسن: من قبل محمد والقرآن. قوله: "فَنَسِيَ" قرأ اليماني بضم النون وتشديد السين بمعنى نَسَّاه الشيطان. وعلى هذه القراءة يحتمل أن يقال: أقدم على المعصية من غير تأويل، وأن يقال: أقدم عليها مع التأويل. وعلى القراءة المشهورة يحتمل أن يكون المراد بالنسيان نقيض الذكر، وإنما عوقب على ترك التحفظ، والمبالغة في الضبط حتى تولد منه النسيان، ويحتمل أن يكون المراد بالنسيان الترك، وأنه ترك ما عهد إليه من ترك أكل ثمرتها. قوله: {وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزماً}. يجوز أن تكون (وجد) علمية، فتتعدى لاثنين، وهما "لَهُ عَزْمًا". وأن تكون بمعنى الإصابة فتتعدى لواحد، وهو "عَزْمًا" (و "لَهُ") متعلق بالوجدان، أو بمحذوف على أنه حال من "عَزْمًا" إذ هو في الأصل صفة له قدمت عليه. والعازم: هو المصمم، فقوله: {وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً} يحتمل: ولم نجد له عزماً على ترك المعصية، أو على التحفظ والاحتراز عن الغفلة، أو على الاحتياط في كيفية الاجتهاد إذا قلنا: إنه - عليه السلام - إنما أخطأ بالاجتهاد. وقال الحسن: ولم نجدْ له صبراً عما نُهي عنه. وقال عطية: حفظاً لما أمر به. وقال ابن قتيبة: رأياً معزوماً. حيث أطاع عدوه إبليس الذي حسده وأبى أن يسجد له. والعزم في اللغة: هو توطين النفس على الفعل. قال أبو أمامة الباهليّ: لو وُزِنَ حلمُ آدم بحلم جميع ولده لرجح عليه وقد قال الله تعالى {وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً}. فإن قيل: أتقولون إن آدم كان ناسياً لأمر الله حين أكل من الشجرة. قيل: يجوز أن يكون نَسِي أمره، ولم يكن النسيان في ذلك الوقت مرفوعاً عن الإنسان بل كان مؤاخذاً به، وإنما رفع عنا. وقيل: نَسِيَ عقوبة الله، وظن أنَّه نَهي تنزيه. قوله تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لآدَمَ} تقدَّم الكلام على ذلك مفصَّلاً في سورة البقرة. وقوله: "أَبَى" جملة مستأنفة، لأنها جواب سؤال مقدر، أي: ما منعه من السجود؟ فأجيب بأنه أبَى واستكبر. ومفعول الإباء يجوز أن يكون مراداً، وقد صرَّح به في الآية الأخرى في قوله: {أية : أَبَىٰ أَن يَكُونَ مَعَ ٱلسَّاجِدِينَ} تفسير : [الحجر: 31] وحسن حذفه هنا كون العامل رأس فاصلة. ويجوز أن لا يراد ألبتة، وأن المعنى: أنه من أهل الإباء والعصيان من غير نظر إلى متعلق الإباء ما هو. قوله: {فَقُلْنَا يَا ءَادَمُ إِنَّ هَـٰذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ} وسبب تلك العداوة من وجوه: الأول: أن إبليس كان حسوداً، فلمَّا رأى آثار نِعَم الله تعالى في حق آدم حسده فصار عدواً له. الثاني: أن آدم - عليه السلام - كان شاباً عالماً لقوله تعالى {أية : وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلأَسْمَآءَ كُلَّهَا} تفسير : [البقرة: 31]، وإبليس كان شيخاً جاهلاً، لأنه أثبت فضيلته بفضيلة أصله، وذلك جهل والشيخ أبداً يكون عدواً للشَّاب العالم. الثالث: أن إبليس مخلوق من النار وآدم من الماء والتراب، فبين أصليهما عداوة، فبقيت تلك العداوة. فإن قيل: لم قال: {فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ ٱلْجَنَّةِ} مع أن المخرج لهم من الجنة هو الله تعالى؟ فالجواب لما كان بوسوسته هو الذي فعل ما ترتب عليه الخروج صح ذلك. قوله: "فَتَشْقَى" منصوب بإضمار (أنْ) في جواب النهي، والنهي في الصورة لإبليس والمراد به هما، أي لا تَتَعاطَيَا أسباب الخروج (فيحصل لكما الشقاء)، وهو الكد والتعب الدنيوي خاصة. ويجوز أن يكون مرفوعاً على الاستئناف، أي: فأنت تشقى، كذا قدره أبو حيان. وهو بعيد أو ممتنع، إذ ليس المقصود الإخبار بأنه يشقى بل إن وقع الإخراج لهما من إبليس حصل ما ذكر. وأسند الشقاء إليه دونها، لأن الأمور معدوقة برؤوس الرجال، وحسن ذلك كونه رأس فاصلة، ولأنَّه إن أريد بالشقاء التعب في طلب القوت فذلك على الرجل دون المرأة. قوله: {إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ} خبر "إنَّ"، و "أَلاَّ تَجُوعَ" في محل نصب اسماً لها، (والتقدير: إنَّ لَكَ عدم الجوع والعُرْي) و "تَعْرَى" منصوب تقديراً نسقاً على "تَجُوع" (والعُرْيُ تجرد الجلد عن شيء يقيه، يقال منه: عَرِيَ يَعْرَى عَرْياً) قال الشاعر: شعر : 3697- فَإنْ يَعْرَيْنَ إنْ كُسِيَ الجَوَارِي فتَنْبُو العينُ عَنْ كَرَم عِجَافِ تفسير : {وأنَّكَ لاَ تَظْمَأ} قرأ نافع وأبو بكر "وإنَّك" بكسر الهمزة. والباقون بفتحها. فمن كسر فيجوز أن يكون ذلك استئنافاً، وأن يكون نسقاً على "إنَّ" الأولى. ومن فتح فلأنه عطف مصدراً مؤولاً على اسم "إنَّ" الأولى، والخبر "لَكَ" المتقدم. والتقدير: إنَّ لَكَ عدم الجوع، وعدم العري، وعدم الظمأ والضحى. وجاز أن يكون "أنَّ" بالفتح اسماً لـ "إنَّ" بالكسر للفصل بينهما، ولولا ذلك لم يجز. لو قلت: إنَّ أنَّ زيداً حق لم يجز، فلما فصل بينهما جاز. وتقول: إنَّ عندِي أنَّ زيداً قائمٌ، فعندي هو الخبر على الاسم وهو أنَّ وَمَا في تأويلها لكونه ظرفاً، والآية من هذا القبيل إذ التقدير: فإن لك أنَّك لا تَظْمَأ وقال الزمخشري: فإن قلت: "إنَّ" لا تدخل على "أنَّ"، فلا يقال: إنَّ أنَّ زيداً منطلقٌ، والواو نائبة عن "إنَّ" وقائمة مقامها، فلم دخلت عليها؟ قلت: الواو لم توضع لتكون أبداً نائبة عن "إنَّ" إنما هي نائبة عن كل عامل، فلمَّا لم تكن حرفاً موضوعاً للتحقيق خاصة كإن لم يمتنع اجتماعهما كما اجتمع "إنَّ" و "أنَّ" وضَحِيَ يَضْحَى أي: برز للشمس، قال عمر بن أبي ربيعة: شعر : 3698- رَأَتْ رَجُلاً أمَّا إذَا الشَّمْسُ عَارَضَتْ فَيَضْحَى وَأَمَّا بالعَشِيِّ فَيَخْصَرُ تفسير : وذكر الزمخشري هنا معنى حسَناً في كونه تعالى ذكر هذه الأشياء بلفظ النفي دون أن يذكر أضدادها بلفظ الإثبات، فيقول: إنَّ لَكَ الشبع والكسوة والري والاكتنان في الظل، فقال: وذكرها بلفظ النفي لنقائضها التي هي الجوع والعُرْي، والظمأ، والصّحو ليطرق سمعه بأسامي أصناف الشقوة التي حذره منها حتى يتحامى السبب الموقع فيها كراهة لها.
السيوطي
تفسير : وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني في الصغير، وابن منده في التوحيد، والحاكم وصححه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إنما سمي الإنسان: لأنه عهد إليه فنسي. وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن عساكر، عن أبي أمامة الباهلي قال: لو أن أحلام بني آدم جمعت منذ يوم خلق آدم إلى أن تقوم الساعة فوضعت في كفة وحلم آدم في كفة، لرجح حلمه بأحلامهم. ثم قال الله: {ولم نجد له عزماً} قال: حفظاً. وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن الحسن قال: كان عقل آدم مثل عقل جميع ولده. قال الله: {فنسي ولم نجد له عزماً} . وأخرج عبد الغني بن سعيد في تفسيره، عن ابن عباس رضي الله عنهما {ولقد عهدنا إلى آدم} قال: أن لا يقرب الشجرة. وأخرج ابن جرير وابن منده عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {ولم نجد له عزماً} قال: حفظاً. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {فنسي} قال: فترك {ولم نجد له عزماً} يقول: لم نجعل له عزماً. وأخرج الزبير بن بكار في الموفقيات، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: سألت عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن قول الله: {أية : يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تَسؤْكُم} تفسير : [المائدة: 101] قال: كان رجال من المهاجرين في أنسابهم شيء، فقالوا يوماً، والله لوددنا أن الله أنزل قرآناً في نسبنا. فأنزل الله ما قرأت، ثم قال لي: إن صاحبكم هذا - يعني علي بن أبي طالب - إن ولِّي زهد، ولكني أخشى عجب نفسه أن يذهب به. قلت: يا أمير المؤمنين، إن صاحبنا من قد علمت... والله ما نقول أنه غيَّر ولا غدَل ولا أسخط رسول الله صلى الله عليه وسلم أيام صحبته، فقال: ولا في بنت أبي جهل. وهو يريد أن يخطبها على فاطمة، قلت: قال الله في معصية آدم عليه السلام {ولم نجد له عزماً} وصاحبنا لم يعزم على إسخاط رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن الخواطر التي لم يقدر على دفعها عن نفسه. وربما كانت من الفقيه في دين الله العالم بأمر الله، فإذا نبه عليها رجع وأناب. فقال: يا ابن عباس، منْ ظَنّ أنه يرد بحوركم فيغوص فيها حتى يبلغ قعرها فقد ظن عجزاً. وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول، عن ابن عباس أنه قال لعمر بن الخطاب: يا أمير المؤمنين، لم يذكر الرجل ولم ينس؟ فقال: إن على القلب طخاة كطخاة القمر، فإذا تغشت القلب نسي ابن آدم ما كان يذكر، فإذا انجلت ذكر ما نسي. وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس رضي الله عنه قال: لا تأكلوا بشمائلكم ولا تشربوا بشمائلكم، فإن آدم أكل بشماله فنسي فأورث ذلك النسيان. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن عطية {ولم نجد له عزماً} قال: حفظا لما أمر به. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: {ولم نجد له عزماً} قال: صبراً. وأخرج ابن المنذر عن محمد بن كعب قال: لو وزن حلم آدم بحلم العالمين لوزنه. أخرج ابن أبي حاتم عن عبيد بن عمير قال: لم يكن آدم من أولي العزم. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه في قوله: {فنسي} قال: ترك ما قدم إليه ولو كان منه نسيان ما كان عليه شيء؛ لأن الله قد وضع عن المؤمنين النسيان والخطأ، ولكن آدم ترك ما قدم إليه من أكل الشجرة.
السلمي
تفسير : سمعت منصور بن عبد الله يقول: سمعت أبا القاسم البزاز يقول: قال ابن عطاء فى قوله: {وَلَقَدْ عَهِدْنَآ إِلَىٰ ءَادَمَ} قال: عهدنا إلى آدم أن لا يطالع منى سواى فنسى عهدى وطالع الجنان: {وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً} أى لم يطالع بسره، ولكن طالعه بعينه. فنادى عليه {وَعَصَىٰ ءَادَمُ رَبَّهُ}. قال جعفر: عهدنا إلى آدم أن لا ينسانا فى حالٍ ونسينا واشتغل بالجنة، وابتلى بارتكاب النهى وذلك أنه ألهاه النعيم عن المنعم فوقع فى النقمة والبلية فأُخرج من النعيم والجنة، ليعلم أن النعيم هو مجاورة المنعم. لا التذاذ بالأكل والشرب. قال ابن عطاء: {لَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً} لم يطالع فى دخول الجنة الفضل وإنما طالعه بفعله لا بفضله. قال الواسطى رحمة الله عليه: {فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً} أى قوة على ضبط نفسه، وإن كان الواجب أن بركات المباشرة أوجبت زوال النسيان، وإنما غيَّبه عن شاهده ليريه شواهد عبوديته تنبيهًا وتزيينًا. قال الواسطى رحمة الله عليه: {فَنَسِيَ} له وجهان: أى جهد قدر عهده وفرق بين من نسى بالحضرة، وبين من نسى فى الغيبة. لذلك قال النبى صلى الله عليه وسلم: "حديث : رفع عن أمتى الخطأ والنسيان ". تفسير : وقال بعضهم: نسى فى وقت التناول مطالعة الأمر. سمعت أبا القاسم النصرآبادى يقول: ذنب لزمته فوجب عليك الاستغفار، وذنب ألزمته فأنت فيه معذور وقال الله تعالى: (فنسى ولم نجد له عزمًا). قال الحسين بن الفضل فى قوله: {وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً} قال: العود إلى الذنب ثانيًا.
القشيري
تفسير : لم تجد له قوةً بالكمال، وانكماشاً في مراعاة الأمر حتى وقعت عليه سِمةُ العصيان بقوله: {أية : وَعَصَىٰ ءَادَمُ رَبَّهُ}تفسير : [طه: 121]. ويقال: {وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً}: على الإصرار على المخالفة. ويقال لم نجد عزماً في القصد على الخلاف، وإنْ كان.. فذلك بمقتضى النسيان، قال تعالى: {فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً} على خلاف الأمر، وإنْ كان منه اتباعُ لبعض مطالبات الأمر. ويقال شرح قصة آدم - عليه السلام - لأولاده على حجة التسكين لقلوبهم حتى لا يقنطوا من رحمة الله؛ فإن آدم عليه السلام وقع عليه هذا الرقم، واستقبلته هذه الخطيئة، وقوله تعالى: {فَنَسِيَ} من النسيان، ولم يكن في وقته النسيان مرفوعاً عن الناس. ويقال عاتبه بقوله: {فَنَسِيَ} ثم أظهر عُذْرَه فقال: {وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً}.
اسماعيل حقي
تفسير : {ولقد عهدنا الى آدم} يقال عهد فلان الى فلان بعد اى القى العهد اليه واوصاه بحفظه والعهد حفظ الشئ ومراعاته حالا بعد حال وسمى الموثق الذى يلزم مراعاته عهدا وعهد الله تارة يكون بما ركزه فى عقولنا وتارة يكون بما امرنا به بكتابه وبألسنة رسله وتارة بما نلتزمه وليس بلازم فى اصل الشرع كالنذور وما يجرى مجراها وآدم ابو البشر عليه السلام قيل سمى بذلك لكون جسده من اديم الارض وقيل لسمرة فى ولنه يقال رجل آدم نحو اسمر وقيل سمى بذلك لكونه من عناصر مختلفة وقوى مفترقة يقال جعلت فلانا ادمة اهلى اى خلطته بهم وقيل سمى بذلك لما طيب به من الروح المنفوخ فيه وجعل له من العقل والفهم والرؤية التى فضل بها على غيره وذلك من قولهم الادام وهو ما يطيب به الطعام وقيل اعجمى وهو الاظهر والمعنى وبالله لقد امرناه ووصيناه بان لا يأكل من الشجرة وهى المعهودة ويأتى بيانه بعد هذه الآية {من قبل} من قبل هذا الزمان {فنسى} العهد ولم يهتم به حتى غفل عنه والنسيان بمعنى عدم الذكر او تركه ترك المنسى عنه. قال الراغب النسيان ترك الانسان ضبط ما استودع اما لضعف قلبه واما عن غفلة او عن قصد حتى ينحذف عن القلب ذكره وكل نسيان من الانسان ذمه الله تعالى به فهو ما كان اصله عن تعمد وما عذر فيه نحو ما روى (رفع عن امتى الخطأ والنسيان) فهو ما لم يكن سببه منه {ولم نجد له عزما} ان كان من الوجود العلمى فله وعزما مفعولاه وقدم الثانى على الاول لكونه ظرفا وان كان من الوجود المقابل للعدم وهو الانسب لان مصب الفائدة هو المفعول وليس فى الاخبار بكون العزم المعدوم له مزيد مزية فله متعلق به والعزم فى اللغة توطين النفس على الفعل وعقد القلب على امضاء الامر. والمعنى لم نعلم او لم نصادف له تصميم رأى وثبات قدم فى الامور ومحافظة على ما امر به وعزيمة على القيام به اذ لو كان كذلك لما ازله الشيطان ولما استطاع تغريره وقد كان ذلك منه عليه السلام فى بدء امره من قبل ان يجرب الامور ويتولى حارها وقارها ويذوق شريها واريها لا من نقصان عقله فانه ارجح الناس عقلا كما قال عليه السلام "حديث : لو وزنت احلام بنى آدم بحلم آدم لرجح حلمه"تفسير : وقد قال الله تعالى {ولم نجد له عزما} ومعنى هذا ان آدم مع ذلك اثر فيه وسوسته فكيف فى غيره: قال الحافظ شعر : دام سختست مكر لطف خدا يا رشود ورنه آدم نبرد صرفه زشيطان رجيم تفسير : قيل لم يكن النسيان فى ذلك الوقت مرفوعا عن الانسان فكان مؤاخذا به وانما رفع عنا. وفى التأويلات النجمية {ولقد عهدنا الى آدم من قبل} اى من قبل ان يكون اولا وان لا يتعلق بغيرنا ولا ينقاد لسوانا فلما دخل الجنة ونظر الى نعيمها {فنسى} عهدنا وتعلق بالشجرة وانقاد للشيطان {ولم نجد له عزما} يشير الى ان الله تعالى لما خلق آدم وتجلى فيه بجميع صفاته صارت ظلمات صفات خلقيته مغلوبة مستورة بسطوات تجلى انوار صفات الربوبية ولم يبق فيه عزم التعلق بما سواه والانقياد لغيره فلما تحركت فيه دواعى البشرية الحيوانية وتداعت الشهوات النفسانية الانسانية واشتغل باستيفاء الحظوظ نسى اداء الحقوق ولهذا سمى الناس ناسا لانه ناس فنشأت له من تلك العاملات ظلمات بعضها فوق بعض وتراكمت حتى صارت غيوم شموس المعارف واستار اقمار العوارف فنسى عهود الله ومواثيقه وتعلق بالشجرة المنهى عنها. قال العلامة ياانيسان عادتك النسيان اذكر الناس ناس وارق القلوب قاس. قال ابو الفتح البستى فى الاعتذار من النسيان الى بعض الرؤساء شعر : يا اكثر الناس احسانا الى الناس يا احسن الخلق اعراضا عن الباس نسيت وعدك والنسيان مغتفر فاغفر فاول ناس اول الناس تفسير : قال على رضى الله عنه عشرة يورثن النسيان. كثرة الهم. والحجامة فى النقرة. والبول فى الماء الراكد. واكل التفاح الحامض. واكل الكزبرة. واكل سؤر الفار. وقراءة الواح القبور. والنظر الى المصلوب. والمشى بين الجملين المقطورين. والقاء القملة حية كما فى روضة الخطيب لكن فى قاضى خان لا بأس بطرح القملة حية والادب ان يقتلها. وزاد فى المقاصد الحسنة مضغ العلك اى للرجال اذا لم يكن من علة كالبخر ولا يكره للمرأة ان لم تكن صائمة لقيامه مقام السواك فى حقهن لان سنها اضعف من سن الرجال كسائر اعضائها فيخاف من السواك سقوط سنها وهو ينقى الاسنان وتشد اللثة كالسواك. واعلم ان من اشد اسباب النسيان العصيان فنسأل الله العصمة والحفظ.
ابن عجيبة
تفسير : {وَلَقَدْ عَهِدْنَآ إِلَىٰ ءَادَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُوۤاْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَىٰ فَقُلْنَا يٰآدَمُ إِنَّ هَـٰذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ ٱلْجَنَّةِ فَتَشْقَىٰ إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلاَ تَعْرَىٰ وَأَنَّكَ لاَ تَظْمَأُ فِيهَا وَلاَ تَضْحَىٰ فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ ٱلشَّيْطَانُ قَالَ يٰآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ ٱلْخُلْدِ وَمُلْكٍ لاَّ يَبْلَىٰ فَأَكَلاَ مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ ٱلْجَنَّةِ...} قلت: يقال: عهد إليه الملك، وأوعد إليه، وتقدم إليه: إذا أمره ووصاه. يقول الحقّ جلّ جلاله: {و} الله {لقد عَهدنا} وتقدمنا {إِلى آدم} من غرور الشيطان وعداوته، ووصيناه ألا يغتر به، {فقلنا يا آدم إن هذا عدو لك ولزوجك}، فلا تغتر بنصحه {فَنَسِيَ} ذلك العهد ولم يحتفل به، حتى غفل عنه، واغتر بإظهار نصحه، حتى أكل من الشجرة، متأولاً أن النهي للتنزيه، أو عن عين الشجرة، لا عن جنسها، فأكل من غيرها، {ولم نَجِدْ له عَزْمًا} أي: ثبات قدم، وحزمًا في الأمور، إذ لو كان كذلك لما غرّه الشيطان بوسوسته، وقد كان ذلك منه عليه السلام في بدء أمره، قبل أن يجرب الأمور؛ ويتولى حارها وقارها، ويذوق شرِّيها وأريها. وعن النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : لو وُزنت أحلام بني آدم - أي: عقولهم - بحلم آدم، لرجح حلمه "تفسير : . وقيل: {ولم نجد له عزمًا} على الذنب، فإنه أخطأ، أو تأول، ولم يتعمد، وأما قوله: {وعصى…}؛ فلعلو شأنه وقُربه عُد عصيانًا في حقه، "حسنات الأبرار سيئات المقربين". ثم شرع في بيان المعهود، وكيفية ظهور نسيانه وفقدان عزمه، فقال: {وإذ قلنا} أي: واذكر وقت قولنا {للملائكة اسجدوا لآدم}، وتعليق الذكر بالوقت، مع أن المقصود تذكير ما وقع فيه من الحوادث؛ للمبالغة في إيجاب ذكرها، فإن الوقت مشتمل على تفاصيل الأمور الواقعة فيه، فالأمر بذكره أمر بذكر تفاصيل ما وقع فيه بالطريق البرهاني، أي: اذكر ما وقع في ذلك الوقت منا ومنه، حتى يتبين لك نسيانه وفقدان عزمه، فقد أمرنا الملائكة بالسجود {فسجدوا} كلهم {إِلا إبليس آَبَى} السجود واستكبر، أو فعل الإباء وأظهره. {فقلنا} عقب ذلك، اعتناء بنصحه، وهو العهد الذي عهدناه إليه: {يا آدمُ إِنَّ هذا} الذي رأيته فَعَلَ ما فعل {عدوٌّ لك ولزوجك}؛ حيث لم يرض بالسجود لك، {فلا يُخرجكما من الجنة} أي: لا يكونن سببًا لإخراجكما من الجنة، والمراد: نهيهما عن الاغترار به، {فتشقى}: جواب النهي، أي: فتتعب بما ينالكما من شدائد الدنيا، من الجوع والعطش، والفقر والضر، وتعب الأبدان في تحصيل المعاش واللباس، فيكون عيشك من كد يمينك. قال ابن جبير: (أهبط إلى آدم ثور أحمر، فكان يَحرث عليه، ويمسح العرق عن جبينه، فهو شقاؤه). ولم يقل: فتشقيا؛ لأنه غلَّب الذِّكَرَ؛ لأن تعبه أكثر، مع مراعاة الفواصل. قال تعالى له: {إِنَّ لك} يا آدم {أن لا تجوع فيها ولا تَعْرى} من فقد اللباس، {وأنك لا تظمأ}: لا تعطش {فيها ولا تضحى}؛ تبرزُ للشمس فيؤذيك حرها، إذ ليس في الجنة شمس ولا زمهرير والعدول عن التصريح له بما في الجنة من فنون النعم من المآكل والمشارب، والتمتع بأصناف الملابس البهية والمساكن المرضية - مع أن فيها من الترغيب في البقاء فيها ما لا يخفى - إلى ما ذكر من نفي نقائضها، التي هي الجوع والعطش والعري والضحو؛ لتنفير تلك الأمور المنكرة؛ ليبالغ في التحامي عن السبب المؤدي إليها، على أن الترغيب قد حصل له بما أباح له من التمتع بجميع ما فيها، سوى ما استثنى من الشجرة، حسبما نطق به قوله تعالى: {أية : يَاآدَمُ ٱسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا} تفسير : [البَقَرَة: 35]، وقد طوي ذكرها هنا؛ اكتفاءً بما في موضع آخر، واقتصر هناك على ما ذكر من الترغيب المتضمن للترهيب، ونفي الجوع وما بعده عن أهل الجنة لأنهم لا يُعْوزون طعامًا ولا شرابًا ولا كِنَّا، بل كلما تمتعوا بشيء مما ذكر، أتبعهم بأمثاله أو أفضل منه، من غير أن ينتهوا إلى حد الضرورة. قال تعالى: {فوسوس إِليه الشيطانُ} أي: أنهى إليه وسوسته، أو أسرها إليه، {قال} فيها: {يا آدمُ هل أدلُّكَ على شجرة الخُلْدِ}؟ أي: شجرة من أكل منها خلد، ولم يمت أصلاً، سواء كان على حاله، أو بأن يكون ملكًا، {و} أدلك على {مُلكٍ لا يَبْلَى} أي: لا يفنى ولا يزول، ولا يَخْتَلُّ بوجه من الوجوه، {فأكلا منها فبدتْ لهما سوآتُهما} قال ابن عباس رضي الله عنه: عَريا عن النور الذي كان الله تعالى ألبسهما، حتى بدت فروجهما. {وطفِقَا يَخْصِفَان}؛ يَرْقََعانِ {عليهما من ورقِ الجنة}، وقد تقدم في الأعراف. الإشارة: ولقد عهدنا إلى آدم ألا ينسانا، وألا يغيب عن شهودنا بمُتْعَةِ جنتنا، فنسي شهودنا، ومال إلى زخارف جنتنا، فأنزلناه إلى أرض العبودية، حتى يتطهر من البقايا، وتكمل فيه المزايا، فحينئذ نُسكنه في جوارنا، ونكشف له عن حضرة جمالنا، على سبيل الخلود في دارنا. قال جعفر الصادق: عهدنا إلى آدم ألا ينسانا، فنسي واشتغل بالجنة، فابتلى بارتكاب النهي، وذلك أنه ألهاه النعيم عن المنعم، فوقع من النعمة في البلية، فأُخرج من النعيم والجنة؛ ليعلم أن النعيم هو مجاورة المنعم، لا الالتذاذ بالأكل والشرب. فلا ينبغي لأحد أن ينظر إلى ما سواه، نسأل الله تعالى أن يمدنا وإياك بالتوفيق والعناية. هـ. قال بعض الحكماء: إنما نسي آدم العهد؛ لأنه لما خلقت له زوجته أوقع الله في قلبه الأنس بها، وابتلاه بشهوات النفس فيها، فرأى في وجهها شجرة الحسن بادية، وشهوة الوقاع عليه غالبة. هـ. أي: فترك النظر إلى جمال المعاني، واشتغل بحس الأواني، فأفضى به إلى ترك الأدب، ولزمه التعب، فليحذر المريد جهده من الميل إلى الحظوظ، وليكن على حذر من الغفلة حين تناولها، والعصمةُ من الله. وقوله تعالى: {ولم نجد له عزمًا}، قال الحاتمي: أي: على انتهاك الحرمة، بل وقع بمطالعة قدَر سابق، أنساه ما توجه على التركيب من خطاب الحِجْر. هـ. قال شيخ شيوخنا سيدي عبد الرحمن الفاسي: وبما أشار إليه من مطالعة القدر يتضح لك قوله عليه السلام: "حديث : فحج آدمُ موسى"تفسير : ، وليس ذلك لغيره إن لم يكن مجبورًا ومأخوذًا عنه، وهذا القدر هو الفارق بين ما يجري من المخالفة على الولي وغيره. وقد نبه على ذلك الجنيد بقوله: {وكان أمر الله قدرًا مقدورًا}، فأشار لغلبة القدر وقهره، من غير وجود عزم من العبد. هـ. قلت: احتجاج آدم وموسى - عليهما السلام - لم يكن في عالم الأشباح، الذي هو محل التشريع، إنما كان في عالم الأرواح، الذي هو محل التحقيق، فالنظر في ذلك العالم الروحاني، إنما هو لسر الحقيقة، وهو ألا نسبة لأحد في فعل ولا ترك، فمن احتج بهذا غَلب، بخلاف عالم الأشباح، لا يصح الاحتجاج بالقدر؛ لأن فيه خرق رداء الشريعة. فتأمله. وقال في التنوير: اعلم أن أكل آدم من الشجرة لم يكن عنادًا ولا خلافًا، فإما أن يكون نسي الأمر، فتعاطى الأكل وهو غير ذاكر، وهو قول بعضهم، ونحمل عليه قوله سبحانه: {فَنَسِيَ}، وإن كان تناوله، ذاكرًا للأمر، فهو إنما تناول لأنه قيل له: {أية : مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ...} تفسير : [الأعرَاف: 20] الآية، فلحبه في الله، وشغفه به، أحب ما يؤديه إلى الخلود في جواره والبقاء عنده، أو ما يؤديه إلى الملَكِية؛ لأن آدم عليه السلام عاين قُرب الملائكة من الله، فأحب أن يأكل من الشجرة؛ ليتناول الملَكِية، التي هي في ظنه أفضل، لا سيما وقد قال سبحانه: {أية : وَقَاسَمَهُمَآ إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ ٱلنَّاصِحِينَ} تفسير : [الأعرَاف: 21]، قال آدم عليه السلام: (ما ظننتُ أن أحدًا يحلف بالله كاذبًا)، فكان كما قال الله سبحانه: {فدلاهما بغرور}. هـ. وسُئل ابن عطاء عن قوله تعالى: {هل أدلك على شجرة الخلد}؟ فقال: قال آدم عليه السلام: يا رب لِمَ أدَّبتني، وإنما أكلتُ من الشجرة طمعًا في الخلود في جوارك؟ فقال الله: يا آدم طلبتَ الخلود من الشجرة لا مني، والخلود بيدي وملكي، فأشركْتَ بي، وأنت لا تعلم، ولكن نبهتك بالخروج من الجنة حتى لا تنساني في وقت من الأوقات. هـ. والحاصل: أنه إمَّا أن يُحمل النسيان على حقيقته، ويكون معه وقوع الأكل بمطالعة القدر وقبضة الجبر، ولا يُعارضه: {ما نهاكما عن هذه الشجرة}؛ لأنه اتفق ذلك صورة وظاهرًا، مع شهود الجبر باطنًا، وإمّا أن يُحمل النسيان على الترك، بتأويل أن النهي ليس على التحتم، فتركه لما أمل من جوار الحق وقربه في الأكل، فقدمه؛ لأنه أرجح عنده. قاله المحشي. وقوله تعالى: {فوسوس إِليه الشيطان...} الآية، يؤخذ منه سد باب التأويلات والرخص في الأمر الممنوع شرعًا، فإن أُبيح بعضه ومُنع البعض فلا توسعة، فلأن تترك مباحًا خير من أن تقع في محرم، وقد كان السلف يتركون مائة جزء من المباح، خوفًا من الوقوع في المحرم. والله الهادي إلى سواء الطريق. ثم قال تعالى: {... وَعَصَىٰ ءَادَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ ثُمَّ ٱجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَىٰ قَالَ ٱهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَىٰ وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ ٱلْقِيامَةِ أَعْمَىٰ قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِيۤ أَعْمَىٰ وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً قَالَ كَذٰلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذٰلِكَ ٱلْيَوْمَ تُنْسَىٰ وَكَذٰلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِن بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ ٱلآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَىٰ} يقول الحقّ جلّ جلاله: {وعصى آدمُ ربَّه} بما ذكر من أكل الشجرة {فَغَوى} أي: ضل عن مطلوبه، الذي هو الخلود، بل ترتب عليه نقيضه، فكان تأميل ذلك باطلاً فاسدًا؛ لأنه خلاف القدر، أو عن الرشد، حيث اغتر بقول العدو. وقال الكواشي: فعل فعلاً لم يكن له فعله، أو أخطأ طريق الحق، حيث طلب الخلد بأكل المنهي عنه، فخاب ولم ينل مراده. هـ. وفي وصفه عليه السلام بالعصيان والغواية، مع صغر زلته، تعظيم لها، وزجر بليغ لأولاده عن أمثالها. {ثم اجتباه ربُّه} أي: اصطفاه وقرّبه إليه، بالحمل على التوبة والتوفيق لها. وفي التعرض لعنوان الربوبية، مع الإضافة إلى ضميره، مزيد تشريف له عليه السلام، يعني: آدم. {فتاب عليه} أي: قَبِلَ توبته حين تاب هو وزوجته، قائلين: {أية : رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا} تفسير : [الأعرَاف: 23] الآية. {وهَدَى} أي: هداه إلى الثبات على التوبة والتمسك بأسباب العصمة. وإفراد آدم عليه السلام بقبول توبته واجتبائه؛ لأصالته في الأمور، واستلزام قبول توبته لقبول توبتها. {أية : ٱلرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ} تفسير : [النِّساء: 34]. {قال اهبطا منها جميعًا}، وهو استئناف بياني، كأنَّ سائلاً قال: فما قال تعالى بعد قبول توبته؟ فقيل: قال له ولزوجته: {اهبِطَا منها} أي انزلا من الجنة إلى الأرض، حال كونكم {بعضُكم لبعض عدوٌّ} أي متعادين في أمر المعاش، كما عليه الناس من التجاذب والتحارب والاختلاف في الدين. والجمع؛ لأنهما أصل الذرية ومنشأ الأولاد وفي اللباب: ولما أُهبطوا إلى الأرض ألقى آدمُ يده تحت خده، وبكى مائة سنة، وألقت حواءُ يدها على رأسها، وجعلت تصيح وتصرخ، فبقيت سنَّة في النساء. ولم يزل آدم يبكي حتى صار بخديه أخاديد من كثرة الدموع، وجرى من عينيه على الأرض جدولان، يجريان إلى قيام الساعة. وأُهبط آدم على ورقة من ورق الجنة، كان يتستر بها، وفي يده قبضة من ريحان الجنة، فلما اشتغل بالبكاء أدارتها الرياحُ في أرض الهند، فصار أكثر نباتها طيبًا. انظر بقية كلامه. {فإِمّا يأتينكم مني هُدًى} أي: هداية من رسول وكتاب يهدي إلى الوصول إليَّ، أي: سيأتيكم مني رسل وكتاب. والخطاب لهما بما اشتملا عليه من ذريتهما. {فمن اتبع هُدايَ} بأن آمن بالرسل وبما جاؤوا به من عند الله {فلا يضل} في الدنيا {ولا يشقى} في الآخرة. ووضع الظاهر موضع المضمر يعني: من اتبع هداي، مع الإضافة إلى ضميره تعالى؛ لتشريفه والمبالغة في إيجاب اتباعه. وعن ابن عباس رضي الله عنه: (من قرأ الفرقان، واتبع ما فيه، هداه الله من الضلالة، ووقاه يوم القيامة سوء الحساب، وذلك لأن الله تعالى يقول: {فمن اتبع هداي}؛ أي: كتابي ورسولي، {فلا يضل} في الدنيا، {ولا يشقى} في الآخرة). وفي لفظ آخر: (أجار الله تابع القرآن أن يضل في الدنيا ويشقى في الآخرة). قال ابن عرفة: والعطف بالفاء في قوله: {فإما…} الخ، إشارة إلى أن العداوة سبب في أن يبعث لهم الرسل يهدونهم إلى طريق الحق، فضلاً منه تعالى، ولذلك أتى "بإن"، دون "إذا" المقتضية للتحقيق الموهم للوجوب. فانظره. {ومَنْ أعرَضَ عَن ذِكْرِي}؛ عن القرآن، أو عن الهُدى الذاكر لي والداعي إليّ، {فإِنَّ له معيشةً ضنكًا}: ضيقًا، مصدر وصف به، ولذلك يستوي فيه المذكر والمؤنث، يقال: منزل ضنك وعيشة ضنك. وقرئ: "ضنكى" كسكرى. وإنما كان عيشُهُ ضيقًا؛ لأن مجامع همته، ومطامح نظره مقصورة على أغراض الدنيا، وهو متهالك على ازديادها، وخائف من انتقاصها، بخلاف المؤمن الطالب للآخرة، فإنَّ نور الإيمان يُوجب له القناعة، التي هي رأس الغنى وسبب الراحة، فيحيى حياة طيبة، وقيل: هو عذاب القبر. ورُوي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال أبو سعيد الخدري: "حديث : يُضيق عليه قبره، حتى تختلف أضلاعه، ويسلط عليه تسعة وتسعون تنينا…" تفسير : الحديث، وقيل: الصبر على الزقوم والضريع والغسلين. {ونحْشُره يومَ القيامةِ أعمى}: فاقد البصر كقوله: {أية : وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ عُمْياً} تفسير : [الإسراء: 97]. لا أعمى عن الحجة كما قيل. {قال ربِّ لِمَ حشرتني أعمى وقد كنت بصيرًا} في الدنيا؟ {قال كذلك} أي: مثل ذلك فعلتَ أنتَ؛ {أتتك آياتُنا} أي: حجتنا النيرة على أيدي رسلنا {فنسيتَها} أي: عميتَ عنها، وتركتها ترك المنسي الذي لا يذكر قط، {وكذلك اليومَ تُنسى}: تُترك في العمى والعذاب، جزاء وفاقًا. وحشره أعمى لا يدل على دوامه، بل يزيله عنه فيرى أهوال الموقف ومقعده، وكذلك الصمم والبكم يزيلهما الله تعالى عنهم. {أية : أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا} تفسير : [مريَم: 38]، فيومُ القيامة ألوان. ثم قال تعالى: {وكذلك} أي: مثل ذلك الجزاء الموافق للجنايات. {نجزي من أسْرَف} وتَعدى؛ بالانهماك في الشهوات، {ولم يُؤمن بآياتِ ربه}، بل كذّب بها وأعرض عنها، {ولعذابُ الآخرة} على الإطلاق، أو عذاب النار، {أشدُّ وأبقى} من ضنك العيش، أو منه ومن الحشر أعمى، عائذًا بالله من جميع ذلك. الإشارة: قوله تعالى: {وعصى آدمُ ربَّه}، اعلم أن العصيان الحقيقي هو عصيان القلوب، كالتكبر على عباد الله وتحقير شيء من خلق الله، وكالاعتراض على مقادير الله، وعدم الرضا بأحكام الله. قال بعض الصوفية: (أذنبتُ ذنبًا فأنا أبكي منه أربعين سنة، قيل: وما هو؟ قال: قلت لشيء كان: ليته لم يكن). وأما معصية الجوارح، إن لم يكن معها إصرار، فقد تُوجب القرب من الكريم الغفار؛ "معصية أورثت ذُلاً وافتقارًا خير من طاعة أورثت عزّا واستكبارًا"، وربما قضى عليك بالذنب فكان سبب الوصول وتأمل معصية إبليس حيث كانت من القلب أورثت طردًا وإبعادًا، ومخالفة آدم؛ حيث كانت الجوارح أورثت قُربًا واجتباء. والحاصل: أن كل ما يَردُّ العبد إلى مولاه، ويحقق له العبودية والانكسار، فهو شرف له وكمال، وكل ما يُقوي وجود النفس ورفعتها فهو نقص وإبعاد، كائنًا ما كان، فالعصمة والحِفظة إنما هي من المعاصي القلبية، أو من الإصرار، وأما معاصي الجوارح فيجري على العبد ما كتب، ولا تنقصه، بل تكمله، كما تقدم فالتنزيه إنما يكون من النقائص، وهي التي تُوجب البعد عن الحق، لا مما يؤدي إلى الكمال، وبهذا تفهم أن ما وقع من الأنبياء - عليهم السلام - مما صُورته المعصية، ليس بنقص، إنما هو كمال. وكذا ما يصدر من الأولياء، على سبيل الهفوة، فتأمله، ولا تبادر بالاعتراض، حتى تصحب الرجال، فيعلموك النقص من الكمال. قال الواسطي: العصيان لا يُؤثر في الاجتبائية، وقوله: {وعصى} أي: أظهر خلافًا، ثم أدركته الاجتبائية فأزالت عنه مذمة العصيان، ألا ترى كيف أظهر عذره بقوله: {فنسي ولم نجد له عزمًا}. هـ. وقال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه: (نعمت المعصية أورثت الخلافة). واعلم أن آدم عليه السلام قد أهبط إلى الأرض قبل أن يخلق، قال تعالى: {أية : إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً}تفسير : [البَقَرَة: 30]؛ فقد استخلفه قبل أن يخلقه، لكن حكمته اقتضت وجود الأسباب، فكان أكله سببًا في نزوله للخلافة والرسالة وعمارة الأرض، فهو نزول حسًا، ورفعة معنى، وكذلك زلة العارف تنزله لشرف العبودية، فيرتفع قدره عند الله. وقوله تعالى: {بعضكم لبعض عدو}، هذا فيمن غلبت عليها الطينية الإمشاجية، وأما من غلبت عليه الروحانية فهم إخوان متحابون، أخلاء متقون، قال تعالى: {أية : ٱلأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ ٱلْمُتَّقِينَ} تفسير : [الزُّخرُف: 67]. وقوله تعالى: {فإما يأتينكم مني هدى} أي: داع يدعو إليَّ، ويهدي إلى معرفتي ودخول حضرتي، فمن تبعهم دخل تحت تربيتهم، فلا يضل ولا يشقى، بل يهتدي ويسعد السعادة العظمى. ومن أعرض عن ذكرهم ووعظهم، وتنكب عن صحبتهم، فإن له معيشة ضنكًا، مصحوبة بالحرص والطمع، والجزع والهلع، ونحشره يوم القيامة أعمى عن شهود ذاتنا، فلا يرى إلا الأكوان الحسية، والزخارف الحسية دون أسرار الذات القدسية. قال ربِّ لِمَ حشرتني أعمى عن شهود أسرار المعاني، عند رؤية الأواني، وقد كنتُ بصيرًا في الدنيا ببصر الحس؟ قال: كذلك أتتك آياتنا، وهم الأولياء العارفون، فنسيتها ولم تحتفل بشانها، وكذلك اليوم تُنسى؛ لأن المرء يموت على ما عاش عليه، ويُبعث على ما مات عليه. قال الورتجبي: ونحشره يوم القيامة أعمى، يعني: جاهلاً بوجود الحق، كما كان جاهلاً في الدنيا، كما قال عليّ - كرم الله وجهه -: من لم يعرف الله في الدنيا لا يعرفه في الآخرة. وقيل: عن رؤية أوليائه وأصفيائه. هـ. وقال القشيري: في الخبر: "حديث : مَنْ كان بحالة لقي الله بها"تفسير : . فَمن كان في الدنيا أعمى القلب، يُحشرُ على حالته، يعيش على ما جهل، ويُحشر على ما جهل، ولذلك يقولون: {من بعثنا من مرقدنا}؟ إلى أنْ تصيرْ معارفُهم ضرورية، كما يَتركون التَدبُّرَ في آياتهِ يُتركون غدًا في العقوبة من غير رحمةٍ على ضعفِ حالاتهم. هـ. وكذلك نجزي من أسرف بالعكوف على شهواته، واغتنام أوقات لذاته، حتى انقضت أيام عمره في البطالة، نجزيه غم الحجاب والبعد عن حضرة الأحباب، حيث لم يصدق بوجود آيات ربه؛ وهم الدعاة إلى الله. ولعذاب حجاب الآخرة أشد وأبقى؛ لدوامه واتصاله، نعوذ بالله من غم الحجاب وسوء الحساب، والتخلف عن حضرة الأحباب. وبالله التوفيق. ثمَّ حض على الاعتبار في هذه الدار
الجنابذي
تفسير : {وَلَقَدْ عَهِدْنَآ} عطف على قوله كذلك انزلناه، والمقصود انّا انزلناه قرآناً عربيّاً وصرّفنا فيه من الوعيد لعلّهم يتّقون لكنّهم ينسون لانّا قد عهدنا الى آدم (ع) ابيهم فهو عطف فيه معنى التّعليل او عطف على لا تعجل باعتبار القسم المقدّر فانّ هذه الّلام هى الّلام المشعرة بالقسم والمعنى لا تعجل بالقرآن ولا تنس العهد والوصيّة الّتى اوحيناك بالتّوانى لانّا قد عهدنا {إِلَىٰ ءَادَمَ مِن قَبْلُ} اى من قبل هذا الزّمان، او من قبل خلق بنى آدم، او من قبل نزوله الى الدّنيا {فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً} فابتلى ببلاءٍ عظيمٍ فلا تنس فتبتلى مثل ابتلائه والمراد بالعزم الثّبات والتّمكّن فى الامر.
اطفيش
تفسير : {وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ} أى أنهينا وأوصلنا إليه أن لا يقرب الشجرة ولا يأْكل منها يقال: تقدم السلطان إلى زيد وأوعز إليه وعزم عليه، وعهد إليه إذا أمره وأوصاه والواو للاستئناف واللام فى جواب قسم محذوف وحرف القسم يقدر غير الواو وذلك لئلا يجتمع واوان. ويجوز تقديرها كما تقول بعد كلام: ووالله. وقيل: الواو عاطفة على صرفنا فيه من الوعيد، لأن القسم ولو كان إنشاء لكن الغرض جوابه وما هو إلا تأكيد لجوابه، وجوابه هنا إخبار. وأجاز كثير عطف الإنشاء على الإخبار والعكس. وقيل: اللام للابتداء. وقيل: زائدة للتأكيد، وهكذا فى مثل ذلك. {مِنْ قَبْلُ} من قبل هذا الزمان، أو من قبل هؤلاء الذين نقضوا عهدى وتركوا الإيمان بى، وهم المذكورون بقوله: {أية : لعلهم يتقون}تفسير : أو من قبل أكله من الشجرة. {فَنَسِىَ} ترك ما عهدنا إليه من آنه لا يأكل منها، أو لم يعتن بالعهد الاعتناء الصادق حتى زال من حافظته وقال عياض: نسى عداوة إبليس والعهد. وقيل: لم يقصد المخالفة بل اغتر بحلف إبليس. وقيل: ناولته من الشجرة حواء ولم يعلم أن ما ناولته من الشجرة المنهى عنها فالتصنيف من ترك التحفظ. وقيل: نسى ترك لأنه توهم أن النهى نهى تنزيه لا نهى تحريم وفى ذلك إشارة إلى أن أساس بنى آدم العصيان وعِرقهم راسخ فى النسيان كأنه قال: قد أوعدنا إياهم على الأكل منها من قبل أن نوعدهم على المعاصى والشرك فخالف إلى ما نهى عنه بالترك أو بالغفلة. وقرئ فنُسِّىَ بالبناء للمفعول وتشديد السين أى حمله الشيطان على الغفلة أو الترك. {وَلَمْ نِجِدْ لَهُ عزْمًا} من الوجود الذى هو ضد العدم، فله مفعول واحد وهو عزما. وأما قوله فمتعلق به، أو حال من عزما ولو نكرة لتقدم له عليه ولتقدم النفى أو من الوجود الذى بمعنى العلم فله مفعول ثان وعزما مفعول أول. والعزم: الثبات على الأمر والتصلب فيه ولو كان فى ذلك الوقت إثبات وتصلب لم يزله الشيطان وبعد ما جرب الأمور وذاق حلوها ومرها تصلب وثبت كما قال صلى الله عليه وسلم: حديث : لو وزنت أحلام بنى آدم بحلم آدم لرجح حلمه . تفسير : وفى رواية: وقد قال سبحانه وتعالى: {ولم نجد له عزما} وعليها فالحديث فى نقيصة الخليقة، أى أن الإنسان بالغاً ما بلغ قد يطفئ الشيطان نور عقله ويغره أو المعنى عزمًا على معصية ولكنه أخطأ.
اطفيش
تفسير : {ولَقَدْ عَهِدْنا الى آدمَ مِن قبْلُ} قبل هذا الزمان، أو قبل وجود هؤلاء المخالفين، وقبل نزول القرآن، أو قبل الأكل من الشجرة، والأولى أولى، ويليه الثالث، ثم الثانى، والكلام متعلق بقوله عز وجل: "ولا تعجل" بمعنى أن النسيان قد سبقك فى أبيك، وأنت منه مع أنه كان فى الجنة، وعهدنا عليه، وإنما العصمة منى، أو بمعنى لا تعجل فقد عجل أبوك بالأكل من الشجرة فوقع فيما علمت، أو متعلق بقوله صرفنا ولو تخالفا إخباراً وإنشاء، فإن القسم إنشاء، لكن محط الكلام جوابه، وهو خبر مثل صرفنا بمعنى أن هؤلاء المخالفين تركوا الوعيد، كما تركه أبوهم آدم، كذا قيل. ويبحث بأن فيه تشبيه آدم بالكفار، وتشبيههم به، مع أنهم عمدوا ولم يتعمد، بل نسى أو تأويل، ولو أجيب بأن محط الكلام مجرد تسلية عما وقع من المخالفة، وأن القصور شأن الإنسان ولو سعيداً، أو متعلق بنقص تمثيل له، وفيه بعد لكن فيه انجاز الموعود، وهو إخراج آدم، كما أن المقصوص عنهم منجز لهم الوعيد، وفيه إنجاز القص، أو متعلق بمحذوف مستأنف بمعنى إنَّا نمهل الوعيد، ونعفوا إلا من عاند وأصر. {فنسَى} ترك العهد، وهو الخروج من الجنة، أو أن هذا عدو لك لزوجك بتأويل أو لم يحافظ عليه حتى زال عن حافظته، والعطف على عهدنا، فالترتيب عرفى أو على محذوف أى لم يهتّمّ فنسى {ولم نَجدْ لهُ عَزْماً} عمداً للمعصية، بل تأويل أو زال عن حفظه، والنفس تميل الى ما لا ينبغى، والتفاضل فى أصحابها بجدها عنه، وقد اهتم على بن أبى طالب بعد موت رسول الله صلى الله عليه وسلم بتزوج بنت أبى جهل على فاطمة رضى الله عنها، فتذكر عداوة أبى جهل لرسول الله صلى الله عليه وآله، فتركها مع إسلامها لذلك، ولئلا تغتاظ فاطمة رضى الله عنها.
الالوسي
تفسير : {وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَىٰ ءادَمَ } كأنه لما مدح سبحانه القرآن، وحرض على استعمال التؤدة والرفق في أخذه وعهد على العزيمة بأمره وترك النسيان فيه ضرب حديث آدم مثلاً للنسيان وترك العزيمة. وذكر ابن عطية أن في ذلك مزيد تحذير للنبـي صلى الله عليه وسلم عن العجلة وعدم التؤدة لئلا يقع فيما لا ينبغي كما وقع آدم عليه السلام، فالكلام متعلق بقوله تعالى: {أية : وَلاَ تَعْجَلْ بِٱلْقُرْءانِ } تفسير : [طه: 114] الخ، وقال الزمخشري: هو عطف على {أية : صَرَفْنَا } تفسير : [طه: 113] عطف القصة على القصة، والتخالف فيه إنشاء وخبرية لا يضر مع أن المقصود بالعطف جواب القسم. وحاصل المعنى عليه صرفنا الوعيد وكررناه لعلهم يتقون أو يحدث لهم ذكراً لكنهم لم يلتفتوا لذلك ونسوه كما لم يلتفت أبوهم إلى الوعيد ونسي العهد إليه. والفائدة في ذلك الإشارة إلى أن مخالفتهم شنشنة أخزمية وأن أساس أمرهم ذلك وعرقهم راسخ فيه، وحكي نحو هذا عن الطبري. وتعقبه ابن عطية بأنه ضعيف لما فيه من الغضاضة من مقام آدم عليه السلام حيث جعلت قصته مثلاً للجاحدين لآيات الله تعالى وهو عليه السلام إنما وقع منه ما وقع بتأويل انتهى، والإنصاف يقضي بحسنه فلا تلتفت إلى ما قيل: إن فيه نظراً، وقال أبو مسلم: إنه عطف على قوله تعالى: {أية : كَذٰلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاء مَا قَدْ سَبَقَ } تفسير : [طه: 99] وليس بذاك، نعم فيه مع ما تقدم إنجاز الموعود في تلك الآية، واستظهر ابن عطية فيه أحد أمرين التعلق بـِ {أية : لاَ تَعْجَلْ} تفسير : [طه: 114] وكونه ابتداء كلام لا تعلق له بما قبله، وهذا الأخير وإن قدمه في كلامه ناشىء من ضيق العطن كما لا يخفى. والعهد الوصية يقال عهد إليه الملك ووغر إليه وعزم عليه وتقدم إليه إذا أمره ووصاه، والمعهود محذوف يدل عليه ما بعده، واللام واقعة في جواب قسم محذوف أي وأقسم بالله لقد أمرناه ووصيناه {مِن قَبْلُ } أي من قبل هذا الزمان، وقيل: أي من قبل وجود هؤلاء المخالفين. وعن الحسن أي من قبل إنزال القرآن، وقيل: أي من قبل أن يأكل من الشجرة {فَنَسِىَ } العهد ولم يهتم به ولم يشتغل بحفظه حتى غفل عنه، والعتاب جاء من ترك الاهتمام، ومثله عليه السلام يعاتب على مثل ذلك، وعن ابن عباس والحسن أن المراد فترك ما وصى به من الاحتراس عن الشجرة وأكل ثمرتها فالنسيان مجاز عن الترك والفاء للتعقيب وهو عرفي، وقيل: فصيحة أي لم يهتم به فنسي والمفعول محذوف وهو ما أشرنا إليه، وقيل: المنسي الوعيد بخروج الجنة إن أكل، وقيل قوله تعالى: {أية : إِنَّ هَـٰذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ } تفسير : [طه: 117] وقيل: الاستدلال على أن النهي عن الجنس دون الشخص، والظاهر ما أشرنا إليه. وقرأ اليماني والأعمش {فنسى } بضم النون وتشديد السين أي نساه الشيطان. {وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً } تصميم رأي وثبات قدم في الأمور، وهذا جار على القولين في النسيان، نعم قيل: إنه أنسب بالثاني وأوفق بسياق الآية على ما ذكرنا أولاً. وروى جماعة عن ابن عباس وقتادة أن المعنى لم نجد له صبراً عن أكل الشجرة، وعن / ابن زيد وجماعة أن المعنى لم نجد له عزماً على الذنب فإنه عليه السلام أخطأ ولم يتعمد وهو قول من قال: إن النسيان على حقيقته؛ وجاء عن ابن عباس ما يقتضيه، فقد أخرج الزبير بن بكار في «الموفقيات» عنه قال: قال لي عمر رضي الله تعالى عنه إن صاحبكم هذا ـ يعني علي بن أبـي طالب كرم الله تعالى وجهه ـ إن ولي زهد ولكني أخشى عجب نفسه أن يذهب به قلت: يا أمير المؤمنين إن صاحبنا من قد علمت والله ما نقول: إنه غير ولا بدل ولا أسخط رسول الله صلى الله عليه وسلم أيام صحبته فقال ولا في بنت أبـي جهل وهو يريد أن يخطبها على فاطمة قلت: قال الله تعالى في معصية آدم عليه السلام {وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً } فصاحبنا لم يعزم على إسخاط رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن الخواطر التي لا يقدر أحد دفعها عن نفسه وربما كانت من الفقيه في دين الله تعالى العالم بأمر الله سبحانه فإذا نبه عليها رجع وأناب فقال: يا ابن عباس من ظن أنه يرد بحوركم فيغوص فيها معكم حتى يبلغ قعرها فقد ظن عجزاً، لكن لا يخفى عليك أن هذا التفسير غير متبادر ولا كثير المناسبة للمقام. وحاصل لم نجد الخ عليه أنه نسي فيتكرر مع ما قبله. ثم إن {لَمْ نَجِدْ } إن كان من الوجود العلمي، ـ فله عزماً ـ مفعولاه قدم الثاني على الأول لكونه ظرفاً وإن كان من الوجود المقابل للعدم كما اختاره بعضهم ـ فله ـ متعلق به قدم على مفعوله لما مر غير مرة أو بمحذوف وقع حالاً من مفعوله المنكر، والمعنى على هذا ولم نصادف له عزماً.
ابن عاشور
تفسير : لما كانت قصة موسى ــــ عليه السلام ــــ مع فرعون ومع قومه ذات عبرة للمكذبين والمعاندين الذين كذبوا النبي - صلى الله عليه وسلم - وعاندوه، وذلك المقصود من قَصَصها كما أشرنا إليه آنفاً عند قوله {أية : كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق وقد آتيناك من لدنا ذكراً من أعرض عنه فإنه يحمل يوم القيامة وزراً}تفسير : [طه: 99، 100] فكأن النبي - صلى الله عليه وسلم - استحب الزيادة من هذه القِصص ذات العبرة رجاء أن قومه يفيقون من ضلالتهم كما أشرنا إليه قريباً عند قوله {أية : ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه}تفسير : [طه: 114]؛ أعقبت تلك القصة بقصة آدم ــــ عليه السلام ــــ وما عرّض له به الشيطان، تحقيقاً لفائدة قوله {أية : وقل رب زدني علماً}تفسير : [طه: 114]. فالجملة عطف قصة على قصة والمناسبة ما سمعتَ. والكلام معطوف على جملة {كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق}. وافتتاح الجملة بحرف التحقيق ولام القسم لمجرد الاهتمام بالقصة تنبيهاً على قصد التنظير بين القصتين في التفريط في العهد، لأن في القصة الأولى تفريط بني إسرائيل في عهد الله، كما قال فيها {أية : ألم يعدكم ربكم وعداً حسناً أفطال عليكم العهد}تفسير : [طه: 86]، وفي قصة آدم تفريطاً في العهد أيضاً. وفي كون ذلك من عمل الشيطان كما قال في القصة الأولى {أية : وكذلك سولت لي نفسي}تفسير : [طه: 96] وقال في هذه {أية : فوسوس إليه الشيطان}تفسير : [طه: 120]. وفي أن في القصتين نسياناً لما يجب الحفاظ عليه وتذكره فقال في القصة الأولى {أية : فَنَسِيَ}تفسير : [طه: 16] وقال في هذه القصة {فنسي ولم نجد له عزماً}. وعليه فقوله {من قبلُ} حُذف ما أضيف إليه (قبلُ). وتقديره: من قبل إرسال موسى أو من قبل ما ذكر، فإن بناء (قبلُ) على الضم علامة حذف المضاف إليه ونيّة معناه. والذي ذكر: إما عهد موسى الذي في قوله تعالى: {أية : وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى}تفسير : [طه: 13] وقوله {أية : فلا يصدنك عنها من لا يؤمن بها واتبع هواه فتردى}تفسير : [طه: 16]؛ وإما عهد الله لبني إسرائيل الذي ذكّرهم به موسى ــــ عليه السلام ــــ لما رجع إليهم غضبان أسفاً، وهو ما في قوله {أية : أفطال عليكم العهد}تفسير : [طه: 86] الآية. والمراد بالعهد إلى آدم: العهد إليه في الجنّة التي أنسي فيها. والنسيان: أطلق هنا على إهمال العمل بالعهد عمداً، كقوله في قصة السامري {فَنَسي}، فيكون عصياناً، وهو الذي يقتضيه قوله تعالى: {أية : وقال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين}تفسير : الآية، وقد مضت في سورة الأعراف (20، 21). وهذا العهد هو المُبيّن في الآية بقوله {أية : فقلنا يا آدم إن هذا عدو لك ولزوجك}تفسير : [طه: 117] الآية. والعزم: الجزم بالفعل وعدم التردد فيه، وهو مغالبة ما يدعو إليه الخاطر من الانكفاف عنه لعسر عمله أو إيثار ضده عليه. وتقدم قوله تعالى: {أية : وإن عزموا الطلاق}تفسير : في سورة البقرة (227). والمراد هنا: العزم على امتثال الأمر وإلغاءُ ما يحسِّن إليه عدمَ الامتثال، قال تعالى: {أية : فإذا عزمت فتوكل على الله}تفسير : [آل عمران: 159]، وقال {أية : فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل}تفسير : [الأحقاف: 35]، وهم نوح، وإبراهيم، وإسماعيل، ويعقوب، ويوسف، وأيوب، وموسى، وداوود، وعيسى عليهم السلام. واستعمل نفي وجدان العزم عند آدم في معنى عدم وجود العزم من صفته فيما عهد إليه تمثيلاً لحال طلب حصوله عنده بحال الباحث على عزمه فلم يجده عنده بعد البحث.
الشنقيطي
تفسير : قوله: {وَلَقَدْ عَهِدْنَآ إِلَىٰ ءَادَمَ} أي أوصيناه ألا يقرب تلك الشجرة. وهذا العهد إلى آدم الذي أجمله هنا بينه في غير هذا الموضع، كقوله في سورة "البقرة": {أية : وَقُلْنَا يَاآدَمُ ٱسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ ٱلْظَّالِمِينَ}تفسير : [البقرة: 35] فقوله: {وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ} هو عهده إلى آدم المذكور هنا. وقوله في "الأعراف": {أية : وَيَا آدَمُ ٱسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ فَكُلاَ مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ ٱلظَّالِمِينَ}تفسير : [الأعراف: 19]. وقوله تعالى: {فَنَسِيَ} فيه للعلماء معروفان: أحدهما - أن المراد بالنسيان الترك، فلا ينافي كون الترك عمداً. والعرب تطلق النسيان وتريد به الترك ولو عمداً، ومنه قوله تعالى: {أية : قَالَ كَذٰلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذٰلِكَ ٱلْيَوْمَ تُنْسَىٰ} تفسير : [طه: 126] فالمراد في هذه الآية: الترك قصداً. وكقوله تعالى: {أية : فَٱلْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُواْ لِقَآءَ يَوْمِهِمْ هَـٰذَا وَمَا كَانُواْ بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ}تفسير : [الأعراف: 51]، وقوله تعالى: {أية : فَذُوقُواْ بِمَا نَسِيتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَآ إِنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُـواْ عَذَابَ ٱلْخُلْدِ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}تفسير : [السجدة: 14]، وقوله تعالى: {أية : وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ نَسُواْ ٱللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ} تفسير : [الحشر: 19]، وقوله تعالى:{أية : وَقِيلَ ٱلْيَوْمَ نَنسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَا وَمَأْوَاكُمُ ٱلنَّارُ وَمَا لَكُمْ مِّن نَّاصِرِينَ}تفسير : [الجاثية: 34]. وعلى هذا فمعنى قوله: {فَنَسِيَ} أي ترك الوفاء بالعهد، وخالف ما أمره الله به من ترك الأكل من تلك الشجرة، لأن النهي عن الشيء يستلزم الأمر بضده. والوجه الثاني ـ هو أن المراد بالنسيان في الآية: النسيان الذي هو ضد الذكر، لأن إبليس لما أقسم له بالله أنه له ناصح فيما دعاه إليه من الأكل من الشجرة التي نهاه ربه عنها - غره وخدعه بذلك، حتى أنساه العهد المذكور. كما يشير إليه قوله تعالى: {أية : وَقَاسَمَهُمَآ إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ ٱلنَّاصِحِينَ فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ}تفسير : [الأعراف: 21-22]. وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إنما سمي الإنسان لأنه عهد إليه فنسي رواه عنه ابن أبي حاتم ا هـ. ولقد قال بعض الشعراء: شعر : وما سمي الإنسان إلا لنسيه ولا القلب إلا أنه يتقلب تفسير : أما على القول الأول فلا إشكال في قوله: {أية : وَعَصَىٰ ءَادَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ}تفسير : [طه: 121] وأما على الثاني ففيه إشكال معروف. لأن الناسي معذور فكيف يقال فيه {وَعَصَىٰ ءَادَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ}. وأظهر أوجه الجواب عندي عن ذلك: أن آدم لم يكن معذوراً بالنسيان. وقد بينت في كتابي (دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب) الأدلة الدالة على أن العذر بالنسيان والخطأ والإكراه من خصائص هذه الأمة. كقوله هنا {فَنَسِيَ} مع قوله {وَعَصَىٰ} فأسند إليه النسيان والعصيان، فدل على أنه غير معذور بالنسيان. ومما يدل على هذا ما ثبت في صحيح مسلم من حديث ابن عباس وأبي هريرة: أن النَّبي صلى الله عليه وسلم لما قرأ {أية : رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا} تفسير : [البقرة: 286] قال الله نعم قد فعلت. فلو كان ذلك معفواً عن جميع الأمم لما كان لذكره على سبيل الامتنان وتعظيم المنة عظيم موقع. ويستأنس لذلك بقوله: {أية : كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِنَا}تفسير : [البقرة: 286] ويؤيد ذلك حديث: "حديث : إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه"تفسير : . فقوله "تجاوز لي عن أمتي" يدل على الاختصاص بأمته. وليس مفهوم لقب. لأن مناط التجاوز عن ذلك هو ما خصه الله به من التفضيل على غيره من الرسل. والحديث المذكور وإن أعله الإمام أحمد وابن أبي حاتم فله شواهد ثابتة في الكتاب والسنة. ولم يزل علماء الأمة قديماً وحديثاً يتلقونه بالقبول. ومن الأدلة على ذلك حديث طارق بن شهاب المشهور في الذي دخل النار في ذباب قربه مع أنه مكره وصاحبه الذي امتنع من تقريب شيء للصنم ولو ذباباً قتلوه. فدل ذلك على أن الذي قربه مكره. لأنه لو لم يقرب لقتلوه كما قتلوا صاحبه، ومع هذا دخل النار فلم يكن إكراهه عذراً. ومن الأدلة على ذلك قوله تعالى عن أصحاب الكهف: {أية : إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُواْ عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَن تُفْلِحُوۤاْ إِذاً أَبَداً} تفسير : [الكهف: 20] فقوله: {يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ} دليل على الإكراه، وقوله: {وَلَن تُفْلِحُوۤاْ إِذاً أَبَداً} دليل على عدم العذر بذلك الإكراه. كما أوضحنا ذلك في غير هذا الموضع. واعلم أن في شرعنا ما يدل على نوع من التكليف بذلك في الجملة، كقوله تعالى: {أية : وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَئاً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} تفسير : [النساء: 92] الآية. فتحرير رقبة هنا كفارة لذلك القتل خطأ. والكفارة تشعر بوجود الذنب في الجملة. كما يشير إلى ذلك قوله في كفارة القتل خطأ {أية : فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ ٱللَّهِ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً} تفسير : [النساء: 92] فجعل صوم الشهرين بدلاً من العتق عند العجز عنه. وقوله بعد ذلك {تَوْبَةً مِّنَ ٱللَّهِ} يدل على أن هناك مؤاخذة في الجملة بذلك الخطأ، مع قوله: {أية : وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَآ أَخْطَأْتُمْ بِهِ} تفسير : [الأحزاب: 5] وما قدمنا من حديث مسلم: حديث : أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم لما قرأ {لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا} [البقرة: 286] قال الله نعم قد فعلتتفسير : ، فالمؤاخذة التي هي الإثم مرفوعة والكفارة المذكورة. قال بعض أهل العلم: هي بسبب التقصير في التحفظ والحذر من وقوع الخطإ والنسيان، والله جل وعلا أعلم. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {أية : وَعَصَىٰ ءَادَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ} تفسير : [طه: 121] هو ونحوه من الآيات مستند من قال من أهل الأصول بعدم عصمة الأنبياء من الصغائر التي لا تتعلق بالتبليغ. لأنهم يتداركونها بالتوبة والإنابة إلى الله حتى تصير كأنها لم تكن. واعلم أن جميع العلماء أجمعوا على عصمة الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم في كل ما يتعلق بالتبليغ. واختلفوا في عصمتهم من الصغائر التي لا تعلق لها بالتبليغ اختلافاً مشهوراً معروفاً في الأصول. ولا شك أنهم صلوات الله عليهم وسلامه إن وقع منهم بعض الشيء فإنهم يتداركونه بصدق الإنابة إلى الله حتى يبلغوا بذلك درجة أعلا من درجة من لم يقع منه ذلك. كما قال هنا: {أية : وَعَصَىٰ ءَادَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ} تفسير : [طه: 121] ثم أتبع ذلك بقوله: {أية : ثُمَّ ٱجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَىٰ} تفسير : [طه: 122]. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً} يدل على أن أبانا آدم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام ليس من الرسل الذين قال الله فيهم {أية : فَٱصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ٱلْعَزْمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ}تفسير : [الأحقاف: 35] وهم: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد صلى الله عليه وسلم. وقيل: هم جميع الرسل. وعن ابن عباس وقتادة {وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً} أي لم نجد له صبراً عن أكل الشجرة ومواظبة على التزام الأمر. وأقوال العلماء راجعة إلى هذا، والوجود في قوله: {لَمْ نَجِدْ} قال أبو حبان في البحر: يجوز أن يكون بمعنى العلم، ومفعولاه {لَهُ عَزْماً} وأن يكون نقيض العدم. كأنه قال: وعدّ مناله عزماً ـ ا هـ منه. والأول أظهر، والله تعالى أعلم.
د. أسعد حومد
تفسير : {ءَادَمَ} (115) - قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّمَا سُمِيَ الإِنْسَانُ إِنْسَاناً لأَِنَّ اللهَ عَهِدَ إِلَيْهِ فَنَسِيَ، فَقَدْ نَسِيَ آدَمُ مَا عَهِدَ اللهُ بِهِ إِلَيْهِ وَضَعُفَ أَمَامِ الإِغْرَاءِ بِالخُلُودِ، فَاسْتَمَعَ لِوَسْوَسَةِ الشَّيْطَانِ، وَلَمْ تَكُنْ لَهُ عَزِيمَةٌ ثَابِتَةٌ. وَكَانَ هذا ابْتِلاَءً مِنَ اللهِ تَعَالَى لَهُ، قَبْلَ أَنْ يَعْهَدَ إِلَيْهِ بِخِلاَفَةِ الأَرْضِ. وَهُنَا يُذَكِّرُ اللهُ تَعَالَى بَنِي آدَمَ بِعَدَاوَةِ إِبْلِيسَ لأَِبِيهِمْ آدَمَ لِيَحْذَرُوا وَيَتَّعِظُوا. عَهِدْنَا - أَمَرْنَا وَأَوْحَيْنا.
الثعلبي
تفسير : {وَلَقَدْ عَهِدْنَآ إِلَىٰ ءَادَمَ مِن قَبْلُ} الآية يقول الله سبحانه: وإن يضيّع هؤلاء الذين نصرّف لهم في القرآن الوعيد عهدي ويخالفوا أمري ويتركوا طاعتي فقد فعل ذلك أبوهم آدم (عليه السلام) حيث عهدنا إليه أي أمرناه وأوصينا إليه {فَنَسِيَ} فترك الأمر والعهد، نظيره قوله {أية : نَسُواْ ٱللَّهَ فَنَسِيَهُمْ} تفسير : [التوبة: 67] أي تركوا أمر الله فتركهم الله في النار. هذا قول أكثر المفسرين. وقال ابن زيد: نسي ما عهد الله إليه في ذلك، ولو كان له عزم ما أطاع عدوّه إبليس الذي حسده وأبى أن يسجد له، وعصى الله الذي كرّمه وشرّفه، وعلى هذا القول يحتمل أن يكون آدم في ذلك القول بالنسيان مأخوذ، وإن كان هو اليوم عنّا مرفوعاً. {وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً} قال ابن عباس: حفظاً لما أُمر به، قتادة ومقاتل: صبراً، ابن زيد: محافظة على أمر الله وتمسّكاً به، الضحّاك: صريمة أمر، عطية: رأياً، وقيل: جزماً، ابن كيسان: إصراراً وإضماراً على العود إلى الذنب ثانياً، وأصل العزم النيّة واعتقاد القلب على الشيء. قال أبو أمامة: لو أنّ أحلام بني آدم جمعت منذ يوم خلق الله سبحانه آدم إلى يوم تقوم الساعة، ووضعت في كفّة ميزان، ووضع حلم آدم في الكفّة الأُخرى لرجح حلمه بأحلامهم، وقد قال الله تعالى {وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً}. {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لأَدَمََ فَسَجَدُوۤاْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَىٰ} أن يسجد له {فَقُلْنَا يآءَادَمُ إِنَّ هَـٰذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ} حوّاء {فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ ٱلْجَنَّةِ} فتتعب ويكون عيشك من كدّ يمينك، بعرق جبينك. قال سعيد بن جبير: أُهبط إلى آدم ثور أحمر وكان يحرث عليه ويمسح العرق عن جبينه فهو شقاؤه الذي قال الله سبحانه، وكان حقّه أن يقول: فيشقيا ولكن غلب المذكّر رجوعاً به إلى آدم لأنّ تعبه أكثر، وقيل: لأجل رؤوس الآي. {إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا} أي في الجنّة {وَلاَ تَعْرَىٰ * وَأَنَّكَ} قرأ نافع بكسر الألف على الاستئناف، ومثله روى أبو بكر عن عاصم، وقرأ الباقون بالفتح نسقاً على قوله {أَلاَّ تَجُوعَ} {لاَ تَظْمَؤُاْ} بعطش فيها {وَلاَ تَضْحَىٰ} تبرز للشمس فيؤذيك حرّها. قال عمر بن أبي ربيعة: شعر : رأت رجلاً أمّا إذا الشمس عارضت فيضحى وأما بالعشيّ فيحصر تفسير : أخبرنا أبو بكر بن عبدوس المزكّى قال: أخبرنا أبو الحسن المحفوظي قال: حدَّثنا عبد الله بن هاشم قال: حدَّثنا عبد الرَّحْمن بن مهدي عن سفيان عن خصيف عن عكرمة: {وَلاَ تَضْحَىٰ} ولا تصيبك الشمس. {فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ ٱلشَّيْطَانُ قَالَ يٰآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ ٱلْخُلْدِ} يعني على شجرة إن أكلت منها بقيت خالداً مخلداً {وَمُلْكٍ لاَّ يَبْلَىٰ} لا يبيد ولا يفنى. {فَأَكَلاَ} يعني آدم وحوّاء {مِنْهَا} أي من شجرة المحنة {فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ ٱلْجَنَّةِ وَعَصَىٰ ءَادَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ} أي تعدّى إلى ما لم يكن له فعله. وقال أكثر المفسرين: فغوى: أي أخطأ وضلّ ولم ينل مراده ممّا أكل. {ثُمَّ ٱجْتَبَاهُ رَبُّهُ} اختاره واصطفاه {فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَىٰ} هداه إلى التوبة ووفقّه بها. {قَالَ ٱهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَايَ} يعني الكتاب والرسول {فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَىٰ}. أخبرنا أبو عمرو أحمد بن حمدون بقراءتي عليه قال: أخبرنا محمد بن إسحاق قال: حدَّثنا سعيد بن عيسى، قال: حدَّثنا فارس بن عمر وحدَّثنا صالح بن محمد: قال: حدَّثنا يحيى بن الضريس عن سفيان عن رجل عن الشعبي عن ابن عباس في قوله سبحانه {فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَىٰ} قال: أجار الله تعالى تابع القرآن من أن يضلّ في الدنيا ويشقى في الآخرة. وأخبرني محمد بن القاسم قال: حدَّثنا محمد بن يزيد قال: حدَّثنا الحسن بن سفيان قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبة. وأخبرني ابن المقرئ قال: حدَّثنا محمد بن أحمد بن سنان قال: حدَّثنا الحسن بن سفيان قال: حدَّثنا ابن شيبة قال: حدَّثنا أبو خالد الأحمر عن عمرو بن قيس عن عكرمة عن ابن عباس قال: ضمن الله لمن قرأ القرآن لا يضلّ في الدّنيا ولا يشقى في الآخرة ثمَّ قرأ {فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَىٰ}. وبإسناده عن أبي بكر بن أبي شيبة قال: حدَّثنا ابن فضيل عن عطاء بن السائب عن سعيد ابن جبير عن ابن عباس قال: من قرأ القرآن واتبع ما فيه هداه الله من الضلالة ووقاه يوم القيامة سوء الحساب، وذلك بأنّ الله يقول {فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَىٰ}. {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي} يعني عن القرآن فلم يؤمن به ولم يتّبعه {فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً} ضيقاً يقال: منزل ضنك وعيش ضنك، يستوي فيه الذكر والأُنثى والواحد والاثنان والجمع، قال عنترة: شعر : وإذا هم نزلوا بضنك فانزل تفسير : واختلف المفسّرون في المعيشة الضنك، فاخبرني أبو عثمان سعيد بن محمد بن محمد الحيري قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن أحمد المفيد قال: حدّثنا أبو خليفة الفضل بن الحباب قال: حدّثنا أبو الوليد الطيالسي قال: حدّثنا حماد بن سلمة عن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة حديث : أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال:في قوله سبحانه {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً} قال: "عذاب القبر" . تفسير : وقال ابن عباس: الشقاء، مجاهد: الضيق، الحسن وابن زيد: الزقوم والغسلين والضريع، قتادة: يعني في النار، عكرمة: الحرام، قيس بن أبي حازم: الرزق في المعصية، الضحاك: الكسب الخبيث، عطيّة عن ابن عباس يقول: كلّ مال أعطيته عبداً من عبادي قلَّ أو كثر لا يتّقيني فيه فلا خير فيه وهو الضنك في المعيشة، وإنّ قوماً ضُلاّلاً أعرضوا عن الحق وكانوا أُولي سعة من الدنيا مكثرين فكانت معيشتهم ضنكاً، وذلك أنّهم كانوا يرَون أنّ الله ليس بمخلف لهم معائشهم من سوء ظنّهم بالله والتكذيب به، فإذا كان العبد يكذب بالله ويسيء الظنّ به اشتدت عليه معيشته فذلك الضنك أبو سعيد الخدري: يضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه ويسُلّط عليه في قبره تسعة وتسعون تنّيناً، لكلّ تنّين سبعة رؤوس تنهشه وتخدش لحمه حتى يُبعث، ولو أنّ تنيّناً منها ينفخ في الأرض لم تنبت زرعاً. مقاتل: معيشة سوء لأنّها في معاصي الله. سعيد بن جبير: سلبه القناعة حتى لا يشبع. {وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ ٱلْقِيامَةِ أَعْمَىٰ} قال ابن عباس: أعمى البصر، مجاهد: أعمى عن الحجّة. {قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِيۤ أَعْمَىٰ وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً} بعيني، وقال مجاهد: عالماً بحجّتي. {قَالَ كَذٰلِكَ} يقول كما {أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا} فتركتها وأعرضت عنها {وَكَذٰلِكَ ٱلْيَوْمَ تُنْسَىٰ} تُترك في النار وكذلك أي وكما جزينا من أعرض {وَكَذٰلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ} أشرك {وَلَمْ يُؤْمِن بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ ٱلآخِرَةِ أَشَدُّ} ممّا يعذّبهم به في الدنيا والقبر. {وَأَبْقَىٰ} وأدوم وأثبت. {أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ} يتبيّن لهم {كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّنَ ٱلْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ} ومنازلهم إذا سافروا واتّجروا. {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لأُوْلِي ٱلنُّهَىٰ * وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ} نظم الآية، ولولا كلمة سبقت من ربّك في تأخير العذاب عنهم وأجل مسمّى وهو القيامة {لَكَانَ لِزَاماً} لكان العذاب لازماً لهم في الدنيا كما لزم القرون الماضية الكافرة. {فَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ} نسختها آية القتال {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ} وصلِّ بأمر ربّك، وقيل: بثناء ربك {قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ} يعني صلاة الصبح {وَقَبْلَ غُرُوبِهَا} يعني صلاة العصر {وَمِنْ ءَانَآءِ ٱلَّيْلِ} صلاة العشاء الآخر {فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ ٱلنَّهَارِ} صلاة الظهر والمغرب، وإنّما قال: أطراف لهاتين الصلاتين؛ لأنّ صلاة الظهر في آخر الطرف الأول من النهار، وفي أول الطرف الآخر من النهار فهي في طرفين منه الطرف الثالث غروب الشمس، وعند ذلك يصلّي المغرب، فلذلك قال: أطراف، ونصب عطفاً على قوله: قبل طلوع الشمس. {لَعَلَّكَ تَرْضَىٰ} بالشفاعة والثواب، قرأه العامة: بفتح التاء، ودليله قوله تعالى: {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ} [الضحى: 5] وقرأ الكسائي وعاصم برواية أبي بكر بضم التاء. {وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ} الآية. قال أبو رافع: أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يهودي يستسلفه فأبى أن يعطيه إلاّ برهن، فحزن رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله سبحانه {وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ} ولا تنظر {إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ} أي عطيناهم أصنافاً من نعيم الدنيا {زَهْرَةَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} أي زينتها وبهجتها، قرأه العامة بجزم الهاء، وقرأ يعقوب بفتحها وهما لغتان مثل: جهرة وجهرَة، وإنّما نصبها على القطع والخروج من الهاء في قوله: متّعنا به. {لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ * وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِٱلصَّلاَةِ وَٱصْطَبِرْ عَلَيْهَا لاَ نَسْأَلُكَ رِزْقاً} وإنّما نكلّفك عملاً {نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَٱلْعَاقِبَةُ} الجملية المحمودة {لِلتَّقْوَىٰ} أي لأهل التقوى. قال هشام بن عروة: كان عروة إذا رأى ما عند السلاطين دخل داره وقال: {وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ}، إلى قوله {وَٱلْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَىٰ} ثمَّ ينادي: الصلاة الصلاة يرحمكم الله. وقال مالك بن دينار: كان بكر بن عبد الله المزني إذا أصاب أهله خصاصة يقول: قوموا فصلّوا، ثم يقول: بهذا أمر الله رسوله، ويتلو هذه الآية. {وَقَالُواْ} يعني هؤلاء المشركين {لَوْلاَ يَأْتِينَا} محمد {بِآيَةٍ مِّن رَّبِّهِ} كما أتى بها الأنبياء من قبله. قال الله سبحانه {أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ} بالتاء، قرأه أهل المدينة والبصرة وبعض قرّاء الكوفة لتأنيث البينّة، وقرأ الآخرون بالياء لتقديم الفعل ولأنّ البيّنة هي البيان فردَّه إلى المعنى {بَيِّنَةُ مَا فِي ٱلصُّحُفِ} الكتب {ٱلأُولَىٰ} أي بيان ما فيها يعني القرآن أقوى دلالة وأوضح آية. وقال بعض أهل المعاني: يعني ألم يأتهم بيان ما في الكتب الأُولى التوراة والإنجيل وغيرهما من أنباء الأُمم التي أهلكناهم لمّا سألوا الآيات، فأتتهم فكفروا بها، كيف عجّلنا لهم العذاب والهلاك بكفرهم بها فما تؤمنهم إن أتتهم الآية أن يكون حالهم حال أُولئك. {وَلَوْ أَنَّآ أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ} أي من قبل نزول القرآن ومجيء محمد صلى الله عليه وسلم {لَقَالُواْ رَبَّنَا لَوْلاۤ} هلاّ {أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً} يدعونا {فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخْزَىٰ} بالعذاب {قُلْ} يا محمد لهم {كُلٌّ مُّتَرَبِّصٌ} منتظر دوائر الزمان وما يكون من الحدثان ولمن يكون الفلح والنصر. {فَتَرَبَّصُواْ فَسَتَعْلَمُونَ} إذا جاء أمر الله تعالى وقامت القيامة {مَنْ أَصْحَابُ ٱلصِّرَاطِ ٱلسَّوِيِّ} المستقيم {وَمَنِ ٱهْتَدَىٰ} من الضلالة أنحن أم أنتم؟.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : كأن الحق - تبارك وتعالى - يُعزِّي رسوله صلى الله عليه وسلم ويُخفِّف عنه ما يعانيه من كفر القوم وعنادهم بقوله له: اقبلهم على عِلاَّتهم، فهُمْ أولاد آدم، والعصيان أمر وارد فيهم، وسبق أن عهدنا إلى أبيهم فنسى، فإذا نسى هؤلاء فاقبل منهم فهم أولاد "نسَّاي". لذلك، إذا أوصيتَ أحداً بعمل شيء فلم يَقُمْ به، فلا تغضب، وارجع الأمر إلى هذه المسألة، والتمس له عُذْراً. وقوله: {عَهِدْنَآ إِلَىٰ ءَادَمَ ..} [طه: 115] أي: أمرنا ووصَّيْنا ووعظنا، وقلنا كل شيء. {مِن قَبْلُ ..} [طه: 115] هذه الكلمة لها دَوْر في القرآن، وقد حسمتْ لنا مواقف عدة، منها قوله هنا عن آدم والمراد: خُذْ لهم أُسْوة من أبيهم الذي كلّفه الله مباشرة، ليس بواسطة رسول، وكلّفه بأمر واحد، ثم نهاه أيضاً عن أمر واحد: كُل من كُلِّ الجنة إلا هذه بأمر واحد، ثم نهاه أيضاً عن أمر واحد: كُل من كُلِّ الجنة إلا هذه الشجرة، هذا هو التكليف، ومع ذلك نسى آدم ما أُمِر به. إذن: حينما يأتي التكليف بواسطة رسول، وبأمور كثيرة، فمَنْ نسى من ولد آدم فيجب أنْ نعذره ونلتمس له عذراً، ولكثرة النسيان في ذرية آدم قال تعالى: {أية : وَإِنِّي لَغَفَّارٌ ..}تفسير : [طه: 82] بالمبالغة؛ لأن الجميع عُرْضَة للنسيان وعُرْضة للخطأ، فالأمر - إذن - يحتاج إلى مغفرة كثيرة. كذلك جاءتْ (من قبل) في قوله تعالى: {أية : فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَآءَ ٱللَّهِ مِن قَبْلُ ..}تفسير : [البقرة: 91]. فكان لها دور ومَغْزى، فلو قال الحق سبحانه: فَلِمَ تقتلون أنبياء الله؟ فحسْب، فربما جرَّأهم على الاعتداء على رسول الله أنْ يقتلوه، أو يفهم منها رسول الله أنه عُرْضة للقتل كما حدث مع سابقيه من الأنبياء. لذلك قيَّدها الحق - تبارك وتعالى - وجعلها شيئاً من الماضي الذي لن يكون، فهذا شيء حدث من قبل، وليس هذا زمانه. وقوله: {فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً} [طه: 115] أي: نسي العَهْد، هذه واحدة. {وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً} [طه: 115] ليس عنده عزيمة قوية تُعينه على المضيِّ والثبات في الأمر. فالحق - تبارك وتعالى - يريد أن يعطينا فكرة بأنه سبحانه حين يأمر بأمْر فيه نفع لك تتهافت عليه، أمّا إذا أمر بشيء يُقيِّد شهواتك تأبَّيْتَ وخالفتَ، ومن هنا احتاج التكليف إلى عزيمة قوية تعينك على المضيّ فيه والثبات عليه، فإنْ أقبلتَ على الأمر الذي يخالف شهوتك نظرتَ فيه وتأملتَ: كيف أنه يعطيك شهوة عاجلة زائلة لكن يعقبها ذلٌّ آجل مستمر، فالعَزْم هنا ألاَّ تغريك الشهوة. ألا ترى أن الله تعالى سمَّى الرسل أصحاب الدعوات والرسالات الهامة في تاريخ البشرية {أية : أُوْلُواْ ٱلْعَزْمِ ..}تفسير : [الأحقاف: 35] لأنهم سيتحملون مشاقَ ومهامَ صعبة تحتاج إلى ثبات وصبر على التكاليف. ومن ذلك أيضاً قوله تعالى: {أية : خُذُواْ مَآ ءَاتَيْنَٰكُم بِقُوَّةٍ ..}تفسير : [البقرة: 63] أي: عزيمة تدفع إلى الطاعات، وتمنع من المعاصي. ومسألة نسيان العبد للمنهيات التي يترتب عليها عقاب وعذاب أثارتْ عند الناس مشكلة في القضاء والقدر، فتسمع البعض يقول: ما دام أن الله تعالى كتب عليَّ هذا الفعل فَلِمَ يعاقبني عليه؟ ونعجب لهذه المقولة، ولماذا لم تَقُلْ أيضاً: لماذا يثيبني على هذا الفعل، ما دام قد كتبه عليَّ؟ لماذا توقفتَ في الأولى و(بلعْت) الأخرى، بالطبع؛ لأن الأولى ليست في صالحك. إذن، عليك أن تتعامل مع ربك معاملة واحدة، وتقيس الأمور بمقياس واحد. والعهد الذي أخذه الله على آدم أنْ يأكل رَغَداً من كل نعيم الجنة كما يشاء إلا شجرة واحدة حذَّره من مجرد الاقتراب منها هو وزوجه: {أية : وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ ٱلْظَّالِمِينَ}تفسير : [البقرة: 35]. وهذه المسألة تلفتنا إلى أن المحللات كثيرة لا تُعَدُّ ولا تُحْصَى أمّا المحرمات فقليلة معدودة محصورة؛ لذلك حينما يُحدِّثنا الحق سبحانه عن التكليف يقول: {أية : قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ..}تفسير : [الأنعام: 151] فالمحرَّمات هي التي يمكن حصرها، أما المحللات فخارجة عن نطاق الحَصْر. ونلحظ أن الله تعالى حينما يُحذِّرنا من المحرمات لا يُحذِّرنا من مباشرتها، بلْ مِن مجرد الاقتراب منها {أية : وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ ..}تفسير : [البقرة: 35] ولم يقُلْ: لا تأكلا منها؛ ليظل الإنسان بعيداً عن منطقة الخطر ومظنّة الفِعْل. وحينما يُحدِّثنا ربُّنا عن حدوده التي حدَّهَا لنا يقول في الحدّ المحلَّل: {أية : تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا ..}تفسير : [البقرة: 229] وفي الحدِّ المحّرم يقول: {أية : تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا ..}تفسير : [البقرة: 187] ذلك لأن مَنْ حامَ حول الحِمَى يوشك أنْ يقع فيه. وقد كان للعلماء كلام طويل حول ما نسيه آدم عليه السلام، فمنهم مَنْ قال: نسى (كُل من هذه ولا تقرب هذه)، وعلى هذا الرأي لم يَنْسَ آدم لأنه نفَّذ الأمر فأكل مِمّا أحله الله له، أما كونه أكل من الشجرة التي نهاه الله عنها فليس في هذه أيضاً نسيان؛ لأن إبليس ذكّره بهذا النهي فقال: {أية : مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ ٱلْخَالِدِينَ}تفسير : [الأعراف: 20]. فحينما أكل آدم من الشجرة لم يكُنْ ناسياً ما نهاه الله عنه. إذن: ما المقصود بالنسيان هنا؟ المقصود أن آدم - عليه السلام - نسى ما أخبره الله به من عداوة إبليس - لعنه الله - حين قال له: {أية : إِنَّ هَـٰذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ ٱلْجَنَّةِ فَتَشْقَىٰ}تفسير : [طه: 117]. والفكر البشري لا بُدَّ أن تفوتَهُ بعض المسائل، ولو كان عند الإنسان يقظة وحَذَر ما انطلى عليه تغفيل إبليس، فتراه يُذكِّر آدمَ بالنهي ولم يَدَعْهُ في غفلته ثم يحاول إقناعه: إنْ أكلتُما من هذه الشجرة فسوف تكونَا ملَكين، أو تكونَا من الخالدين. وما دُمْتَ أنت يا إبليس بهذا الذكاء، فلماذا لم تأكل أنت من الشجرة وتكون مَلَكاً أو تكون من الخالدين؟ لماذا تضاءلت فصِرْتَ أرنباً تقول: {أية : أَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ}تفسير : [الأعراف: 14]. إذن: هذا نموذج من تغفيل إبليس لآدم وذريته من بعده، يلفتنا الله تعالى إليه يقول: تيقظوا واحذروا، فعداوته لكم مُسْبقة منذ سجد الجميع لآدم تكريماً، وأَبَى هو أن يسجد. فكان على آدم أنْ يُحذِّر عدوه، وأنْ يتحصَّن له بسوء الظن فيه، فينظر في قوله ويفكر في كلامه ويفتش في اقتراحه. والبعض يقول: إن خطأ آدم ناتج عن نسيان، فهو خطأ غير مُتعَمَّد، والنسيان مرفوع، كما جاء في الحديث الشريف: "حديث : إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ". تفسير : فهل كان النسيان قديماً لا يُرْفَع، ورُفِع لهذه الأمة إكْراماً لها؟ فأصحاب هذا القول يلتمسون العُذْر لآدم عليه السلام، لكن كيف وقد كلَّفه ربُّه مباشرة، وكلَّفه بأمر واحد، فالمسألة لا تحتمل نسياناً، فإذا نسي آدم مع وحدة التكليف وكَوْنه من الله مباشرة، فهذا على آية حال جريمة. ثم يقص الحق سبحانه علينا قصة آدم مع إبليس: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لأَدَمََ ...}.
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا أَبو فضالة، الفرج بن فضالة، عن لقمٰن بن عامر، عن أَبي أُمامة الباهلي قال: لو أَن أَحلام بني آدم كلهم جمعت فجعلت في كفة، وحلم آدم في كفة، لرجح حلم آدم أَحلامهم. يقول الله، عز وجل: {وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً} [الآية: 115]. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن عطاءِ بن السائب، عن أَبي الضحى، عن ابن عباس في قوله، عز جل: {فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَىٰ} [الآية: 123]. يقول: من قرأَ القرآن، واتبع ما فيه هداه الله من الضلالة ووقاه سوءَ الحساب. وذلك بأَن الله، عز وجل يقول: {فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَىٰ}. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو، عن أَبي سلمة، عن أَبي هريرة قال: حديث : قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: " المعيشة الضنك" عذاب القبر تفسير : [الآية: 124]. أَنا عبد الرحمن، قال: نا [إِبراهيم، قال: نا آدم]، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {مَعِيشَةً ضَنكاً} [الآية: 124]. قال: ضيقة يضيق عليه قبره. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ ٱلْقِيامَةِ أَعْمَىٰ} [الآية: 124]. قال: أَعمى عن الحجة. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً} [الآية: 125]. يقول: كنت في الدنيا بصيراً بحجتي. أَنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَكَانَ لِزَاماً وَأَجَلٌ مُّسَمًّى} [الآية: 129]. قال: الأَجل المسمى: الموت. وفيه تقديم وتأْخير. يقول: لولا كلمة سبقت من ربك وأَجل مسمى، لكان لزاماً.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَلَقَدْ عَهِدْنَآ إِلَىٰ ءَادَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً} معناه فَتَرَك ولَم يَحفظْ. والعَزمُ: الحِفظُ لَما أُمر بهِ. ويقالُ: صَبرٌ.
الجيلاني
تفسير : ثم بعد ذلك اقرأ عليهم، وبههم بما فيه من قدر عقولهم {وَ} لا تنسى نيهنا عن الاستعجال بأداء القرآن قبل تمام الوحي مثل نيسان أبيك آدم عليه السلام عهده معنا، فإنا {لَقَدْ عَهِدْنَآ إِلَىٰ} أبيك {ءَادَمَ مِن قَبْلُ} بقولنا نهياً له ولامرأته: {أية : وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ ٱلْظَّٰلِمِينَ}تفسير : [البقرة: 35] {فَنَسِيَ} عهدنا هذا لتغرير الشيطان له {وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً} [طه: 115] رأياً صائباً في حفظ العهد حتى يوطن نفسه على مقتضى النهي. {وَ} اذكر لنقض عهده وقصور رأيه وقت {إِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لأَدَمََ} أي: تذللوا له تكريماً وتعظيماً؛ لأنه أفضل منكم وأجمع لتجليات أوصافنا {فَسَجَدُوۤاْ} ووقعوا متذللين له على الأرض تكريماً له، وامتثالاً لأمر ربهم {إِلاَّ إِبْلِيسَ} من بينهم {أَبَىٰ} [طه: 116] وامتنع عن سجوده لاستكباره وعتوه. وإذ استكبر إبليس عن تعظيمه نبهنا عليه عداوته {فَقُلْنَا} له: {يآءَادَمُ} المكرم بسجود الملائكة {إِنَّ هَـٰذَا} المشار إليه بالإشارة القريبة الممتنع عن سجودك وتعظيمك {عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ} يريد إفسادكما فاحذروا عن مصاحبته وتغريره، ولا تتكلما معه {فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ ٱلْجَنَّةِ} إلى دار الابتلاء {فَتَشْقَىٰ} [طه: 117] أنت يا آدم على الخصوص، أي: تتعب وتعيى بسبب كسب المعيشة؛ لأن معيشتك حينئذٍ من كد يمينك. ولا تعب لك في الجنة، بل {إِنَّ لَكَ} أي: حق وثبت لك أيضاً {أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلاَ تَعْرَىٰ} [طه: 118] أي: في الجنة لسعة طعام الجنة وثيابها. {وَأَنَّكَ لاَ تَظْمَأُ فِيهَا} لأن العطش إنما هو من فرط الحرارة ولا حرارة فيها {وَ} كيف يكون فيها حرارة؛ إذ أهلها له {لاَ تَضْحَىٰ} [طه: 119] ولا يبرز منه الظل إلى الشمس من جهة البرودة؛ لأن أهلها لا يؤذون بالحرارة والبرودة. فلما عاش فيها زماناً مستريحاً بلا تعب ولا عناء أظهر إبليس عداوته، وأخذ يوسوس له ولزوجته ليخرجهما منها؛ لأ،هما ما داما في الجنة، لم يقدر على إضلالهما {فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ ٱلشَّيْطَانُ} أي: ألقى وسوسته في نفسه و{قَالَ يٰآدَمُ} على وجه النصيحة: هنيئاً لك عيشك في الجنة بلا تعب ومحنة {هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ ٱلْخُلْدِ} إن أكلت منها يخلدك أبداً فيها {وَ} أهديك على {مُلْكٍ لاَّ يَبْلَىٰ} [طه: 120] أي: لا يخلق ولا يعتق، بل يتجدد دائماً بتجدد الأمثال، بلا انتقالٍ وزوالٍ. وإذ وسوس إليهما سمعا قوله وقيلا وسوسته فنسيا عهد ربهما {فَأَكَلاَ مِنْهَا} حتى شيعا وأراد أن يتبرزا ويتغوطا، ثم لما اتكبا المنهي، وظهر منهما ما هو منافٍ لطهارة الجنة ونظافتها، أمر سبحانه بإخراجهما منها، فنزع أولاً عنهما لباسهما؛ أي: لباس الطهارة والنجاة الفطرية والتقوى الجبلية {فَبَدَتْ} ظهرت بعد نزع اللباس {لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا} عوراتهما، فاضطروا على التستر والتغطي {وَطَفِقَا} أي: شرعا {يَخْصِفَانِ} ويلزقان {عَلَيْهِمَا} أي: على عورتهما {مِن وَرَقِ ٱلْجَنَّةِ} أي: من أوراق بعض أشجارها، قيل: هي ورق التين. {وَ} إذا كان حالهما كذلك قالت الملائكة: {عَصَىٰ ءَادَمُ} المكرَم المسجود له {رَبَّهُ} الذي رباه بتناول ما يصلحه منها عن تناول ما يضره، بأن أعرض عن النهي، وبادر إلى ارتكاب المنهي بغرور الشيطان المغوي المضل {فَغَوَىٰ} [طه: 121] بإغوائه، وضل عن مراده الأصلي بتغرير العدو؛ لأن العدو إنما يلقى عدوه عكس مطلوبه. {ثُمَّ ٱجْتَبَاهُ رَبُّهُ} بعدما ألهمه الإنابة والرجوع إليه، فاعترف بذنبه، ورجع إلى ربه تائباً بقوله: {أية : رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا}تفسير : [الأعراف: 23] {فَتَابَ عَلَيْهِ} أي: قَبِل سبحانه توبته {وَهَدَىٰ} [طه: 122] أي: هداه إلى مقصده الأصلي، وقبلته الحقيقية، إلا أنه سبحانه لا يُبْطل حِكمةَ حُكمة السابق المترتب على النهي، وهو قوله تعالى: {أية : فَتَكُونَا مِنَ ٱلْظَّٰلِمِينَ}تفسير : [البقرة: 35] الخارجين عن مقتضى الحدود الإلهية. لذلك {قَالَ ٱهْبِطَا مِنْهَا} أي: انزلا من الجنة التي هي دار الأمن والسرور إلى الدنيا التي هي دار التفرقة والغرور {جَمِيعاً} أصلاً وفرعاً، صديقاً وعدواً، وبعد هبوطكم إليها {بَعْضُكُمْ} يا بني آدم {لِبَعْضٍ عَدُوٌّ} في أمور معاشكم، والشيطان عدو لكم في أمور معادكم، فتبقى هذه العداوة بينكم ما دمتم فيها، ومع أمرنا لكم بالهبوط والخروج منها إليها، لا نترككم هناك ضالّين محرومين مطرودين {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى} بواسطة الرسل والكتب المنزلة عليهم فاتبعوا هداي {فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَايَ} عزيمة وقصداً صحيحاً {فَلاَ يَضِلُّ} في النشأة ا لأولى لاتصافه بصفاتنا {وَلاَ يَشْقَىٰ} [طه: 123] في النشأة الأخرى لفنائه فينا وبقائه ببقائنا. {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي} أي: كتابي الجاري على ألسنة رسلي الهادين عن الضلال {فَإِنَّ لَهُ} أي: ثَبَتَ له وحقَّ ما دام دار الدنيا {مَعِيشَةً ضَنكاً} ضيقاً يضيق قلبه؛ بحيث لا يسع فيه غير التفكر في أمر المعاش {وَ} إذا انتقل منها {نَحْشُرُهُ يَوْمَ ٱلْقِيامَةِ} الكبرى {أَعْمَىٰ} [طه: 124] أي: يصور إعراضَه عن الحق في الدنيا على صورة العمى في الآخرة. حيث {قَالَ} تحسراً وتحزناً: {رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِيۤ أَعْمَىٰ} في الآخرة {وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً} [طه: 125] في الدنيا.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: ولقد وصينا آدم وأمرناه، وعهدنا إليه عهدا ليقوم به، فالتزمه، وأذعن له وانقاد، وعزم على القيام به، ومع ذلك نسي ما أمر به، وانتقضت عزيمته المحكمة، فجرى عليه ما جرى، فصار عبرة لذريته، وصارت طبائعهم مثل طبيعته، نسي آدم فنسيت ذريته، وخطئ فخطئوا، ولم يثبت على العزم المؤكد، وهم كذلك، وبادر بالتوبة من خطيئته، وأقر بها واعترف، فغفرت له، ومن يشابه أباه فما ظلم. ثم ذكر تفصيل ما أجمله فقال: { وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا ...}.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 621 : 28 : 27 - سفين (في) قوله {فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً} قال، حفظا. [الآية 115].
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):