٢٠ - طه
20 - Ta-Ha (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
116
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُوۤاْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَىٰ } تقدم في «البقرة» مستوفى. {فَقُلْنَا يٰآدَمُ إِنَّ هَـٰذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا} نهى؛ ومجازه: لا تقبلا منه فيكون ذلك سبباً لخروجكما {مِنَ ٱلْجَنَّةِ}. {فَتَشْقَىٰ} يعني أنت وزوجك لأنهما في استواء العلة واحد؛ ولم يقل: فتشقيا؛ لأن المعنى معروف، وآدم عليه السلام هو المخاطب، وهو المقصود. وأيضاً لما كان الكادَّ عليها والكاسبَ لها كان بالشقاء أخص. وقيل: الإخراج واقع عليهما والشقاوة على آدم وحده، وهو شقاوة البدن؛ ألا ترى أنه عقبه بقوله: {إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلاَ تَعْرَىٰ} أي في الجنة {وَأَنَّكَ لاَ تَظْمَأُ فِيهَا وَلاَ تَضْحَىٰ} فأعلمه أن له في الجنة هذا كله: الكسوة والطعام والشراب والمسكن؛ وأنك إن ضَيَّعت الوصية، وأطعت العدوّ أخرِجكما من الجنة فشقيت تعباً ونصباً؛ أي جُعْتَ وعريتَ وظَمئتَ وأصابتك الشمس؛ لأنك ترد إلى الأرض إذا أخرجت من الجنة. وإنما خصّه بذكر الشقاء ولم يقل فتشقيان: يعلمنا أن نفقة الزوجة على الزوج؛ فمن يومئذٍ جرت نفقة النساء على الأزواج، فلما كانت نفقة حواء على آدم كذلك نفقات بناتها على بني آدم بحق الزوجية. وأعلمنا في هذه الآية أن النفقة التي تجب للمرأة على زوجها هذه الأربعة: الطعام والشراب والكسوة والمسكن؛ فإذا أعطاها هذه الأربعة فقد خرج إليها من نفقتها؛ فإن تفضل بعد ذلك فهو مأجور، فأما هذه الأربعة فلا بد لها منها؛ لأن بها إقامة المهجة. قال الحسن المراد بقوله: «فتشقى» شقاء الدنيا؛ لا يُرى ابنُ آدم إلا ناصباً. وقال الفراء: هو أن يأكل من كَدّ يديه. وقال سعيد بن جبير: أهبط إلى آدم ثور أحمر فكان يحرث عليه، ويمسح العرق عن جبينه، فهو شقاؤه الذي قال الله تبارك وتعالى. وقيل: لما أهبِط من الجنة كان من أول شقائه أن جبريل أنزل عليه حبات من الجنة؛ فقال: يا آدم ازرع هذا، فحرث وزرع، ثم حصد ثم درس ثم نقى ثم طحن ثم عجن ثم خبز، ثم جلس ليأكل بعد التعب؛ فتدحرج رغيفه من يده حتى صار أسفل الجبل، وجرى وراءه آدم حتى تعب وقد عرق جبينه، قال: يا آدم فكذلك رزقك بالتعب والشقاء، ورزق ولدك من بعدك ما كنت في الدنيا. قوله تعالى: {إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلاَ تَعْرَىٰ * وَأَنَّكَ لاَ تَظْمَأُ فِيهَا وَلاَ تَضْحَىٰ } فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: {إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا} أي في الجنة {وَلاَ تَعْرَىٰ}.{وَأَنَّكَ لاَ تَظْمَأُ فِيهَا} أي لا تعطش. والظمأ العطش. {وَلاَ تَضْحَىٰ} أي تبرز للشمس فتجد حرّها. إذ ليس في الجنة شمس، إنما هو ظل ممدود، كما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس. قال أبو العالية: نهار الجنة هكذا: وأشار إلى ساعة المصلين صلاة الفجر. قال أبو زيد: ضَحَا الطريقُ يَضْحُو ضُحُوًّا إذا بدا لك وظهر. وضَحَيْتُ وضَحِيتُ (بالكسر) ضَحاً عرِقت. وضَحِيتُ أيضاً للشمس ضَحاء ممدود بَرزتُ وضَحَيتُ (بالفتح) مثله، والمستقبل أَضْحَى في اللغتين جميعاً؛ قال عمر بن أبي ربيعة:شعر : رَأَتْ رَجُلاً أَيْمَا إذا الشمسُ عَارضَتْ فَيَضْحَى وأمَّا بالعَشِيِّ فَيَخْصَرُ تفسير : وفي الحديث أن ابن عمر رأى رجلاً محرماً قد استظل، فقال: أَضْحِ لمن أحرمت له. هكذا يرويه المحدِّثون بفتح الألف وكسر الحاء من أضحيت. وقال الأصمعي: إنما هو اضْحَ لمن أحرمتَ له؛ بكسر الألف وفتح الحاء، من ضَحِيت أَضْحَى؛ لأنه أمره بالبروز للشمس؛ ومنه قوله تعالى: {وَأَنَّكَ لاَ تَظْمَأُ فِيهَا وَلاَ تَضْحَىٰ} وأنشد:شعر : ضَحِيتُ له كَيْ أَستظلَّ بِظلِّهِ إِذا الظلُّ أَضْحَى في القيامة قَالِصا تفسير : وقرأ أبو عمرو والكوفيون إلا عاصما في رواية أبي بكر عنه «وَأَنَّكَ» بفتح الهمزة عطفاً على «أَلاَّ تَجُوعَ». ويجوز أن يكون في موضع رفع عطفاً على الموضع، والمعنى: ولك أنك لا تظمأ فيها. الباقون بالكسر على الاستئناف، أو على العطف على «إِنَّ لَكَ».
البيضاوي
تفسير : {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَـٰئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لآدَمَ } مقدر باذكر أي اذكر حاله في ذلك الوقت ليتبين لك أنه نسي ولم يكن من أولي العزيمة والثبات. {فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ } قد سبق القول فيه. {أَبَىٰ } جملة مستأنفة لبيان ما منعه من السجود وهو الاستكبار وعلى هذا لا يقدر له مفعول مثل السجود المدلول عليه بقوله {فَسَجَدُواْ } لأن المعنى أظهر الإِباء عن المطاوعة.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَ} اذكر {إِذْ قُلْنَا لِلْمَلَٰئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لأَدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ } وهو أبو الجنّ كان يصحب الملائكة ويعبد الله معهم {أَبَىٰ } عن السجود لآدم. فقال: (أنا خير منه).
البقاعي
تفسير : ولما كان المقصود من السورة - كما سلف - الإعلام بالحلم والأناة والتلطف بالنائي والقدرة على المعرض، ذكر فعله آدم عليه السلام هذه في هذه السورة بلفظ المعصية مع التصريح بأنها على وجه النسيان، وذكر ذلك أولاً مجملاً ثم أتبعه تفصيله ليكون ذلك مذكوراً مرتين، تأكيداً للمعنى المشار إليه، تقريراً وتحذيراً من الوقوع في منهيّ، وإرشاداً لمن "غلب عليه" طبع النقص إلى المباردة إلى الندم وتعاطي أسباب التوبة ليتوب الله عليه ما فعل بآدم عليه السلام فقال: {وإذ} أي اذكر هذا واذكر حين {قلنا} بما لنا من العظمة، أي اذكر قولنا في ذلك الوقت {للملائكة} أي المجبولين على مضي العزم والتصميم على القصد من غير مانع تردد ولا عائق فتور {اسجدوا لآدم} الذي خلقته بيدي، فلم نأمرهم بذلك إلا بعد أن اصطفيناه ونحن عالمون بما سيقع منه، وأنه لا يقدح في رتبة اصطفائه، فإن الحلم والكرم من صفاتنا، والرحمة من شأننا، فلا تيأس من عودنا بالفضل والرحمة على من بالغ في مقاطعتنا من قومك الذين وصفناهم باللدد {فسجدوا} أي الملائكة {إلا إبليس} الذي نسب الله إلى الجور والإخلال بالحكمة فكفر فأيس من الرحمة وسلب الخير فأصر على إضلال الخلق بالتلبيس، فكأنه قيل: ما كان من حاله في عدم سجوده؟ فقيل: {أبى*} أي تكبر على آدم فعصى أمر الله {فقلنا} بسبب ذلك بعد أن حلمنا عنه ولم نعاجله بالعقوبة: {يا آدم إن هذا} الشيطان الذي تكبر عليك {عدو لك} دائماً لأن الكبر الناشىء عن الحسد لا يزول {ولزوجك} لأنها منك {فلا يخرجنكما} أي لا تصغيا إليه بوجه فيخرجكما، ووجه النهي إليه والمراد: هما، تنبيهاً على أن لها من الجلالة ما ينبغي أن تصان عن أن يتوجه إليها نهي، وأسند الإخراج إليه لزيادة التحذير والإبلاغ في التنفير، وزاد في التنبيه بقوله: {من الجنة} أي فإنه لا يقصر في ضركما وإرادة إنزالكما عنها. ولما نص سبحانه على شركتها له في الإخراج فكان من المعلوم شركتها له في آثاره، وكانت المرأة تابعة للرجل، فكان هو المخصوص في هذه الدار بالكل في الكد والسعي، والذب والرعي، وكان أغلب تعبه في أمر المرأة، أفرد بالتحذير من التعب لذلك وعدّاً لتعبها بالنسبة إلى تعبه عدماً، وتعريفاً بأن أمرها بيده، وهو إن تصلب قادها إلى الخير، وإلا قادته إلى الضير، وعبر عن التعب بالشقاء زيادة في التحذير منه فقال: {فتشقى} أي فتتعب، ولم يرد شقاوة الآخر، لأنه لو أرادها ما دخل الجنة بعد ذلك، لأن الكلام المقدر بعد الفاء خبر، والخبر لا يخلف. ثم علل شقاوته على تقدير الإخراج بوصفها بما لا يوجد في غيرها من الأقطاب التي يدور علها كفاف الإنسان، وهي الشبع والريّ والكسوة والكن. ذاكراً لها بلفظ النفي لنقائضها ليطرق سمعه بأسماء أصناف الشقوة التي حذره منها ليصير بحيث يتحامى السبب الموقع فيها كراهة لها، فإذا مضت عليه القدرة الباهرة علم أنه لا يغني حذر من قدر، فقال: {إن لك} أي علينا {ألا تجوع فيها} أي يوماً ما {ولا تعرى*} فلا يتجرد باطنك ولا ظاهرك {وأنك لا تظمؤا} بالتهاب القلب {فيها ولا تضحى*} أي لا يكون بحيث يصيبك حر الشمس، والمعنى أنه لا يصيبك حر في الباطن ولا في الظاهر {فوسوس} أي فتعقب تحذيرنا هذا من غير بعد في الزمان أن وسوس {إليه الشيطان} المحترق المطرود، وهو إبليس، أي ألقى إليه وجه الخفاء بما مكناه من الجري في هذا النوع مجرى الدم، وقذف المعاني في قلبه، وكأنه عبر بـ "إلى "، لأن المقام لبيان سرعة قبول هذا النوع للنقائص وإن أتته من بعد، أو لأنه ما أنهى إليه ذلك إلا بواسطة زوجه، لذلك عدى الفعل عند ذكرهما بالام، وكأنه قيل: ما دس إليه؟ فقيل: {قال يا آدم} ثم ساق له الغش مساق العرض، إبعاداً لنفسه من التهمة والغرض؛ وشوقه إليه أولاً بقوله: {هل أدلك} فإن النفس شديدة الطلب لعلم ما تجهله؛ وثانياً بقوله: {على شجرة الخلد} أي التي من أكل منها خلد، فإن الإنسان أحب شيء في طول البقاء؛ وثالثاً بقوله: {وملك لا يبلى*} أي لا يخلق أصلاً، فكأنه قال له بلسان الحال أو القال: نعم، فقال: شجرة الخلد هذه - مشيراً إلى التي نهي عنها - ما بينك وبين الملك الدائم إلا أن تأكل منها. {فأكلا} أي فتسبب عن قوله وتعقب أن أكل {منها} هو وزوجه، متبعين لقوله ناسيين ما عهد إليهما {فبدت لهما} لما خرقا من ستر النهي وحرمته {سوءاتهما} وقوعاً لما حذرا منه من إخراجهما مما كانا فيه {وطفقا} أي شرعا {يخصفان} أي يخيطان أو يلصقان {عليهما من ورق الجنة} ليسترا عوراتهما {وعصى آدم} وإن كان إنما فعل المنهي نسياناً، لأن عظم مقامه وعلو رتبته يقتضيان له مزيد الاعتناء ودوام المراقبة مع ربط الجأش ويقظة الفكر {ربه} أي المحسن إليه بما لم ينله أحداً من بنيه من تصويره له بيده وإسجاد ملائكته له ومعاداة من عاداه {فغوى*} من الغواية وهي الضلال، ولذلك قالوا: المعنى: فضلّ عن طريق السداد، فأخطأ طريق التوصل إلى الخلد بمخالفة أمره، وهو صفيه، لم ينزله عن رتبة الاصطفاء، لأن رحمته واسعة، وحلمه عظيم، وعفوه شامل، فلا يهمنك أمر القوم اللد، فإنا قادرون على أن نقبل بقلوب من شئنا منهم فنجعلهم من أصفى الأصفياء، ونخرج من أصلاب من شئنا منهم من نجعل قلبه معدن الحكمة والعلم. ولما كان الرضى عنه - مع هذا الفعل الذي أسرع فيه اتباع العدو وعصيان الولي بشيء لا حاجة به إليه - مستبعداً جداً، أثبت ذلك تعالى مشيراً إليه بأداة التراخي فقال: {ثم اجتباه ربه} أي المحسن إليه {فتاب عليه} أي بسبب الاجتباء بالرجوع إلى ما كان عليه من طريق السداد {وهدى*} بالحفظ في ذلك كما هو الشأن في أهل الولاية والقرب.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن الحسن رضي الله عنه في قوله: {فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى} قال: عنى به شقاء الدنيا، فلا تلقى ابن آدم إلا شقياً ناصباً. وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان بن عيينة قال: لم يقل فتشقيان؛ لأنها دخلت معه فوقع المعنى عليهما جميعاً وعلى أولادهما، كقوله: {أية : يا أيها النبي إذا طلقتم} تفسير : [الطلاق: 1] و {أية : يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم} تفسير : [التحريم: 1 - 2] فدخلوا في المعنى معه وإنما كلم النبي وحده. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو نعيم في الحلية وابن عساكر، عن سعيد بن جبير رضي الله عنهما قال: إن آدم عليه السلام لما أهبط إلى الأرض استقبله ثور أبلق، فقيل له: اعمل عليه. فجعل يمسح العرق عن جبينه ويقول: هذا ما وعدني ربي {فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى} ثم نادى حواء: أحواء، أنت عملت في هذا؟ فليس أحد من بني آدم يعمل على ثور إلا قال: حوّاء دخلت عليهم من قبل آدم عليه السلام. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى} قال: لا يصيبك فيها عطش ولا حر. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنه في قوله: {لا تظمأ} قال: لا تعطش {ولا تضحى} قال: لا يصيبك فيها حر. وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس، أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله: {وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى} قال: لا تعرق فيها من شدة الشمس. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم. أما سمعت الشاعر يقول: شعر : رأت رجلاً أما إذا الشمس عارضت فيضحى وأما بالعشيّ فيخصر تفسير : وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن عكرمة رضي الله عنه في قوله: {ولا تضحى} قال: لا يصيبك حر الشمس. وأخرج أحمد وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها، وهي شجرة الخلد ". تفسير : وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد والحكيم الترمذي في نوادر الأصول، وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن وهب بن منبه رضي الله عنه قال: لما أسكن الله آدم الجنة وزوجته ونهاه عن الشجرة، رأى غصونها متشعبة بعضها على بعض، وكان لها ثمر تأكله الملائكة لخلدهم وهي الثمرة التي نهى الله آدم عنها وزوجته، فلما أراد إبليس أن يستزلهما دخل الحية، وكانت الحية لها أربع قوائم كأنها بختية من أحسن دابة خلقها الله، فلما دخلت الحية الجنة خرج من جوفها إبليس فأخذ من الشجرة التي نهى الله آدم وزوجته عنها فجاء بها إلى حواء فقال: انظري إلى هذه الشجرة، ما أطيب ريحها! وأطيب طعمها وأحسن لونها! فأخذتها حواء فأكلتها ثم ذهبت بها إلى آدم فقالت: انظر إلى هذه الشجرة ما أطيب ريحها وأطيب طعمها وأحسن لونها!.. فأكل منها آدم {فبدت لهما سوآتهما}، فدخل آدم في جوف الشجرة فناداه ربه: أين أنت؟ قال: ها أناذا يا رب. قال: ألا تخرج؟ قال: أستحي منك يا رب. قال: اهبط إلى الأرض. ثم قال: يا حواء، غررت عبدي؟ فإنك لا تحملين حملاً إلا حملتِ كرْهاً، فإذا أردت أن تضعي ما في بطنك أشرفت على الموت مراراً. وقال للحية: أنت التي دخل الملعون في جوفك حتى غرّ عبدي... أنت ملعونة لعنة تتحوّل قوائمك في بطنك ولا يكون لك رزق إلا التراب، أنت عدو بني آدم وهم أعداؤك، أينما لقيت أحداً منهم أخذت بعقبيه وحيث ما لقيك أحد منهم شرخ رأسك. قيل لوهب: وهل كانت الملائكة تأكل؟ قال: يفعل الله ما يشاء. وأخرج الحكيم الترمذي عن علقمة قال: اقتلوا الحيات كلها إلا الجان الذي كأنه ميل، فإنه جنها ولا يضر أحدكم كافراً قتل أو مسلماً. وأخرج البيهقي في شعب الإيمان، عن أبي عبد الله المغربي قال: تفكر إبراهيم عليه السلام في شأن آدم قال: يا رب، خلقته بيدك ونفخت فيه من روحك وأسجدت له ملائكتك، ثم بذنب واحد ملأت أفواه الناس حتى يقولوا: {وعصى آدم ربه فغوى} فأوحى الله إليه: يا إبراهيم، أما علمت أن مخالفة الحبيب على الحبيب شديدة؟
ابو السعود
تفسير : قوله تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَـٰئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لآدَمَ} شروعٌ في بـيان المعهودِ وكيفيةِ ظهور نسيانِه وفُقدانِ عزمِه، وإذ منصوبٌ على المفعولية بمضمر خوطب به النبـيُّ عليه الصلاة والسلام، أي واذكر وقتَ قولِنا لهم، وتعليقُ الذكر بالوقت مع أن المقصودَ تذكيرُ ما وقع فيه من الحوادث لما مر مراراً من المبالغة في إيجاب ذكرِها فإن الوقتَ مشتملٌ على تفاصيل الأمورِ الواقعةِ فيه، فالأمرُ بذكره أمرٌ بذكر تفاصيلِ ما وقع فيه بالطريق البرهانيِّ، ولأن الوقتَ مشتملٌ على أعيان الحوادثِ فإذا ذكر صارت الحوادثُ كأنها موجودةٌ في ذهن المخاطَبِ بوجود ذاتها العينيةِ، أي اذكر ما وقع في ذلك الوقتِ منا ومنه حتى يتبـينَ نسيانُه وفقدانُ عزمِه {فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ} قد سبق الكلامُ فيه مراراً {أَبَىٰ} جملةٌ مستأنفةٌ وقعت جواباً عن سؤال نشأ عن الإخبار بعدم سجودِه، كأنه قيل: ما بالُه لم يسجُدْ؟ فقيل: أبىٰ واستكبر، ومفعول أبىٰ إما محذوفٌ أي أبىٰ السجودَ كما في قوله تعالى: { أية : أَبَىٰ أَن يَكُونَ مَعَ ٱلسَّـٰجِدِينَ} تفسير : [الحجر: 31] أو غيرُ مَنْويَ رأساً بتنزيله منزلةَ اللام أي فعل الإباءَ وأظهره {فَقُلْنَا} عَقيبَ ذلك اعتناءً بنُصحه {يَاءَادَم إِنَّ هَـٰذا} الذي رأيتَ ما فعل {عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا} أي لا يكونَنّ سبباً لإخراجكما {مِنَ ٱلْجَنَّةِ} والمرادُ نهيُهما عن أن يكونا بحيث يتسبب الشيطانُ إلى إخراجهما منها بالطريق البرهاني، كما في قولك: لا أُرَينّك هٰهنا، والفاءُ لترتيب موجبِ النهي على عداوته لهما أو على الإخبار بها {فَتَشْقَىٰ} جوابٌ للنهي، وإسنادُ الشقاء إليه خاصةً بعد تعليقِ الإخراجِ الموجبِ له بهما معاً لأصالته في الأمور واستلزامِ شقائِه لشقائها مع ما فيه من مراعاة الفواصل، وقيل: المرادُ بالشقاء التعبُ في تحصيل مبادىء المعاشِ وذلك من وظائف الرجال. {إِنَّ لَكَ أَن لا تَجُوعَ فِيهَا وَلاَ تَعْرَىٰ * وَأَنَّكَ لاَ تَظْمَؤُا فِيهَا وَلاَ تَضْحَىٰ} تعليلٌ لما يوجبه النهيُ فإن اجتماعَ أسبابِ الراحة فيها مما يوجب المبالغةَ في الاهتمام بتحصيل مبادىء البقاءِ فيها، والجِدّ في الانتهاء عما يؤدّي إلى الخروج عنها. والعدلُ عن التصريح بأن له عليه السلام فيها تنعّماً بفنون النعم من المآكل والمشاربِ وتمتعاً بأصناف الملابسِ البهية والمساكنِ المرْضيةِ ـ مع أن فيه من الترغيب في البقاء فيها ما لا يخفى ـ إلى ما ذكر من نفْي نقائِضها التي هي الجوعُ والعطشُ والعُرْي والضُحِيّ لتذكير تلك الأمورِ المنْكرة، والتنبـيهِ على ما فيها من أنواع الشِّقوةِ التي حذّره عنها ليبالغَ في التحامي عن السبب المؤدي إليها، على أن الترغيبَ قد حصل بما سوّغ له من التمتع بجميع ما فيها سوى ما استثني من الشجرة حسبما نطق به قوله تعالى: { أية : وَقُلْنَا يَاءادَمُ ٱسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا} تفسير : [الأعراف: 19] وقد طُوي ذكرُه هٰهنا اكتفاءً بما ذكر في موضع آخرَ واقتصر على ما ذكر من الترغيب المتضمّنِ للترهيب، ومعنى {أَن لا تَجُوعَ فِيهَا} الخ، أن لا يصيبَه شيء من الأمور الأربعة أصلاً فإن الشِبعَ والرِّيَّ والكسوة، ولكن قد تحصُل بعد عروض أضدادِها بإعواز الطعام والشرابِ واللباس والمسكنِ وليس الأمر فيها كذلك، بل كلُّ ما وقع فيها شهوةٌ وميلٌ إلى شيء من الأمور المذكورة تمتع به من غير أن يصل إلى حد الضرورة، ووجهُ إفرادِه عليه السلام بما ذكر ما مر آنفاً، وفصلُ الظمأ عن الجوع في الذكر مع تجانُسهما وتقارنِهما في الذكر عادةً وكذا حالُ العُرْي والضَّحْو المتجانسين، لتوفية مقامِ الامتنان حقَّه بالإشارة إلى أن نفيَ كلِّ واحد من تلك الأمور نعمةٌ على حيالها، ولو جمُع بـين الجوعِ والظمأ لربما تُوهم أن نفيَهما نعمةٌ واحدةٌ، وكذا الحال في الجمع بـين العُرْي والضَّحْو على منهاج قصة البقرة ولزيادة التقريرِ بالتنبـيه على أن نفيَ كل واحد من الأمورالمذكورة مقصودٌ بالذات مذكورٌ بالأصالة لا أن نفيَ بعضِها مذكورٌ بطريق الاستطرادِ والتبعية لنفي بعضٍ آخرَ كما عسى يُتوهم لو جمع بـين كلَ من المتجانسين، وقرىء إنك بالكسر والجمهورُ على الفتح بالعطف على أن لا تجوع، وصحةُ وقوعِ الجملة المصدّرةِ بأن المفتوحة اسماً للمكسورة المشاركة لها في إفادة التحقيقِ مع امتناع وقوعِها خبراً لها لما أن المحذورَ اجتماعُ حرفي التحقيق في مادة واحدة ولا اجتماعَ فيما نحن فيه لاختلاف مناطِ التحقيقِ فيما في حيزهما، بخلاف ما لو وقعت خبراً لها فإن اتحادَ المناطِ حينئذ مما لا ريب فيه بـيانُه أن كل واحدةٍ من المكسورة والمفتوحة موضوعةٌ لتحقيق مضمونِ الجملة الخبريةِ المنعقدةِ من اسمها وخبرِها، ولا يخفى أن مرجِعَ خبريّتها ما فيها من الحُكم الإيجابـي أو السلبـيِّ وأن مناطَ ذلك الحكمِ خبرُها لا اسمُها، فمدلولُ كلَ منهما تحقيقُ ثبوتِ خبرِها لاسمها لا ثبوتِ اسمِها في نفسه، فاللازمُ من وقوع الجملةِ المصدرةِ بالفتحة اسماً للمكسورة تحقيقُ ثبوتِ خبرها لتلك الجملةِ المؤولة بالمصدر، وأما تحقيقُ ثبوتِها في نفسها فهو مدلولُ المفتوحةِ حتماً فلم يلزَم اجتماعُ حرفي التحقيق في مادة واحدة قطعاً، وإنما لم يجوّزوا أن يقال: أن زيداً قائم، حتى مع اختلاف المناطِ بل شرطوا الفصلَ بالخبر كقولنا: إن عندي أن زيداً قائم للتجافي عن صورة الاجتماعِ، والواوُ العاطفة وإن كانت نائبةً عن المكسورة التي يمتنع دخولُها على المفتوحة بلا فصل وقائمةً مقامَها في إفضاء معناها وإجزاءِ أحكامِها على مدخولها، لكنها حيث لم تكن حرفاً موضوعاً للتحقيق لم يلزم من دخولها على المفتوحة اجتماعُ حرفي التحقيقِ أصلاً، فالمعنى إن لك عدمَ الجوعِ وعدمَ العُري وعدَم الظمأ خلا أنه لم يُقتصَر على بـيان أن الثابتَ له عليه السلام عدمُ الظمأ والضَّحْو مطلقاً كما فُعل مثلُه في المعطوف عليه بل قُصد بـيانُ أن الثابتَ له عليه السلام تحقيقُ عدمِهما فوُضِع موضعَ الحرفِ المصدريّ المحض إنّ المفيدةُ له، كأنه قيل: إن لك فيها عدمَ ظمئك على التحقيق.
القشيري
تفسير : السجود نوع من التواضع وإكبار القَدْر، ولم تتقدم من آدم عليه السلام طاعة ولا عبادة فَخَلَقه الحقُّ بيده، ورَفَعَ شأنهَ بعدما علَّمه، وحُمِلَ إلى الجنة، وأمَرَ الملائكةَ في كل سماءٍ أن يسجدوا له تكريماً له على الابتلاء، واختباراً لهم. فسجدوا بأجمعهم، وامتنع إبليسُ من بينهم، فَلَقِيَ من الهوان ما سبق له في حكم التقدير. والعَجَبُ ممن يخفى عليه أنَّ مثل هذا يجري من دون إرادة الحقِّ ومشيئته وهو عالِمٌ بأنه كذلك يجري، واعتبروا الحكمةَ في أفعاله وأحكامه، ويزعمون أنه علم ما سيكون من حال إبليس وذريته، وكثرة مخالفات أولاد آدم، وكيف أن الشيطان يوسوس لهم... ثم يقولون إن الحقَّ سبحانه أراد خلاف ما عَلِمَ، وأجرى في سلطانه ما يكرهه وهو عالِمٌ، وكان عالماً بما سيكون! ثم خلق إبليس ومكَّنه من هذه المعاصي مع إرادته ألا يكون ذلك! ويدَّعُون حُسْنَ ذلك في الفعل اعتباراً إنما هو الحكمة...فسبحان مَنْ أَعْمَى بصائِرَهم، وعَمَّى حقيقةَ التوحيد عليهم!
اسماعيل حقي
تفسير : {واذ قلنا} اى واذكر يا محمد وقت قولنا {للملائكة} اى لمن فى الارض والسماء منهم عموما كما سبق تحقيقه {اسجدوا لآدم} سجود تحية وتكريم. وقال البيضاوى اذكر حاله فى ذلك الوقت ليتبين لك انه نسى ولم يكن من اولى العزيمة والثبات انتهى. وفيه اشارة الى استحاقه لسجودهم لمعان جمة. منها لانه خلق لامر عظيم هو الخلافة فاستحق لسجودهم. ومنها لان الله تعالى جعله مجمع مجرى عالمى الخلق والامر والملك والملكوت والدنيا والآخرة فما خلق شيئا فى عالم الخلق والدنيا الا وقد جعل فى قالبه انموذجا منه وما خلق شيئا فى عالم الامر والآخرة الا وقد اودع فى روحه حقائقه واما الملائكة فقد خلقت من عالم الامر والملكوت دون عالم الخلق والملك فبهذه النسبة اختص آدم بالكمال وما دونه بالنقصان فاستحق السجود والكمال. ومنها لانه خلق روحه فى احسن تقويم من بين سائر الارواح من الارواح الملكية وغيرها وخلقت صورته فى احسن صورة على صورة الرحمن والملائكة وان خلقت فى حسن ملكى روحانى لم يخلقوا فى حسن صورته فله الافضلية فى كلا الحالين فاستحق لسجودهم بالافضلية. ومنها لانه شرف فى تسوية قالبه بتشريف خمر طينة آدم بيده اربعين صباحا وباختصاص لما خلقت بيدى واكرم فى تعلق روحه بالقالب بكرامة ونفخت فيه من روحى فالزمهم سجود الكرامة بقوله فقعوا له ساجدين واثبت له استحقاق سجودهم بقوله يا ابليس ما منعك ان تسجد لما خلقت بيدى. ومنها لانه اختص بعلم الاسماء كلها وانهم قد احتاجوا فى انباء اسمائهم كما قال يا آدم انبئهم باسمائهم فوجب عليهم اداء حقوقه بالسجود. ومنها لانه لما خلقه الله تعالى تجلى فيه بجميع صفاته فاسجد الله تعالى ملائكته اياه تعظيما وتكريما واعزازا واجالالا فانه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد فسجدوا الا ابليس ابى ان يسجد وذلك لان الله تعالى لما قال للملائكة انى جاعل فى الارض خليفة الى ونقدس لك كان هذا الكلام منهم نوع اعتراض على الله وجنس غيبة لآدم واظهار فضيلة لانفسهم عليه فاجابهم الله بقوله انى اعلم ما لا تعلمون اى انى اودعت فيه من علم الاسماء واستعداد الخلافة ما لا تعرفون به فله الفضيلة عليكم فاسجدوا له كفارة لا عتراضكم واستغفارا لغيبته وتواضعا لانفسكم فاقر الملائكة واعترفوا بما جرى عليهم من الخطأ وتابوا واستسلموا لاحكام الله تعالى فسجدوا لآدم واما ابليس فقد اصر على ذنب الاعتراض والغيبة والعجب بنفسه ولم يستسلم لاحكام الله وزاد فى الاعتراض والغيبة والعجب فقال انا خير منه خلقتنى من نار وخلقته من طين وابى ان يسجد كذا فى التأويلات {فسجدوا} تعظيما لامر ربهم وامتثالا له {الا ابليس} فانه لم يسجد ولم يطرح اردية الكبر ولم يخفض جناحه: وفى المثنوى شعر : آنكه آدم را بدن دي اورميد وانكه نور مؤتمن ديد او حميد تفسير : يقال ابلس يئس وتحير ومنه ابليس او هو اعجمى كما فى القاموس كأنه قيل ما باله لم يسجد فقيل {ابى} السجود وامتنع منه. قال فى المفردات الاباء شدة الامتناع فكل اباء امتناع وليس كل امتناع اباء.
الطوسي
تفسير : قرأ نافع وابو بكر عن عاصم {وإنك لا تظمؤ} بكسر الهمزة على الاستئناف وقطعه عن الأول. الباقون بالنصب عطفاً على اسم (أن). يقول الله تعالى لنبيه (صلى الله عليه وسلم) يا محمد واذكر حين قال الله تعالى {للملائكة اسجدوا لآدم} أي أمرهم بالسجود له، وانهم سجدوا له بأجمعهم إلا إبليس وقد بينا - فيما تقدم - أن أمر الله تعالى للملائكة بالسجود لآدم يدل على تفضيله عليهم، وإن كان السجود لله تعالى لا لآدم، لأن السجود عبادة، لا يجوز أن يفعل إلا لله، فأما الخلوقات فلا تستحق شيئاً من العبادة بحال، لأن العبادة تستحق بأصول النعم وبقدر من النعم لا يوازيها نعمة منعم. وقال قوم: ان سجود الملائكة لآدم كان كما يسجد الى جهة الكعبة - وهو قول الجبائي - والصحيح الأول، لأن التعظيم الذي هو في أعلى المراتب حاصل لله لا لآدم باسجاد الملائكة له. ولو لم يكن الأمر على ما قلناه من أن في ذلك تفضيلا لآدم عليهم، لما كان لامتناع إبليس من السجود له وجه، و لما كان لقوله {أية : أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين} تفسير : وجه. فلما احتج إبليس بأنه أفضل من آدم - وإن أخطأ فى الاحتجاج - علمنا أن موضوع الأمر بالسجود لآدم على جهة التفضيل، وإلا كان يقول الله لابليس: إني ما فضلته على من أمرته بالسجود لآدم وإنما السجود لي، وهو بمنزلة القبلة، فلا ينبغي أن تانف من ذلك. وقد بينا أن الظاهر - فى روايات أصحابنا - أن ابليس كان من جملة الملائكة، وهو المشهور - في قول ابن عباس - وذكره البلخي - فعلى هذا يكون استثناء إبليس من جملة الملائكة استثناء متصلا. ومن قال: إن ابليس لم يكن من جملة الملائكة قال: هو استثناء منقطع، وانما جاز ذلك، لأنه كان مأموراً ايضاً بالسجود له، فاستثني على المعنى دون اللفظ، كما يقال: خرج أصحاب الأمير إلا الأمير، وكما قال عنتر ابن دجاجة: شعر : من كان أشرك فى تفرق مالح فلبونه جربت معاً واغذت الا كنا شرة الذي ضيعتم كالغصن فى غلوائه المتثبت تفسير : والمعنى لكن هذا كناشرة. وتقول: قام الأشراف للرئيس، إلا العامي الذي لا يلتفت اليه. قال الرماني: وإذا أمر الملائكة بالسجود اقتضى أن من دونهم داخل معهم، كما أنه اذا أمر الكبراء بالقيام للأمير اقتضى أن الصغار القدر، قد دخلوا معهم. وقوله {أبى} معناه امتنع {فقلنا يا آدم إن هذا عدو لك ولزوجك} حكاية عما قال الله لآدم: إن إبليس عدوك وعدو زوجتك يريد إخراجكما من الجنة، ونسب الاخراج الى ابليس إذ كان بدعائه واغوائه. وقوله {فتشقى} قيل: معناه تتعب بأن تأكل من كدّ يدك وما تكتسبه لنفسك. وقيل: فتشقى على خطاب الواحد، والمعنى فتشقى أنت وزوجك، لأن امرهما فى السبب واحد، فاستوى حكمهما لاستوائهما في العلة. وقيل: خص بالشقاء لأن الرجل يكد على زوجته. وقوله {إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى} يعني في الجنة ما دمت على طاعتك لي والامتثال لأمري وانك {لا تعرى} فيها من الكسوة {وإنك لا تظمأ فيها} اي لا تعطش فيها {ولا تضحى} أي لا يصيبك حر الشمس - وهو قول ابن عباس وسعيد بن جبير وقتادة - وقال عمر بن ابي ربيعة: شعر : رأت رجلا أما إذا الشمس عارضت فيضحى وأما بالعشي فيخضر تفسير : أي يخضر من البرد. وقيل: ليس فى الجنة شمس انما فيها نور وضياء. وانما الشمس في سماء الدنيا خاصة. وضحى الرجل يضحى إذا برز للشمس. قال أبو علي: إنما لم يجز أن يقول انك لا تجوع وإنك لا تظمأ. بغير فصل كراهة اجتماع حرفين متقاربين فى المعنى، فاذا فصل بينهما لم يكره ذلك، كما كرهوا: إن لزيداً قائم، ولم يكرهوا {إن في ذلك لآيات} مع الفصل. وقال الرماني إنما جاز أن تعمل {إنّ} في (أن) بفصل ولم يجز من غير فصل كراهية التعقيد بمداخلة المعاني المتقاربة، فاما المتباعدة فلا يقع بالاتصال فيها تعقيد، لأنها متباينة مع الاتصال لالفاظها، فلذلك جاز {إن لك أن لا تظمؤا فيها} ولم يجز ان انك لا تظمؤ، لأنه بغير فصل. ثم اخبر تعالى أن إبليس وسوس لادم، فقال له {هل أدلك على شجرة الخلد...} أي على شجرة إن تناولت منها بقيت في الجنة مخلداً لا تخرج منها، وحصل لك ملك وسلطان لا يبلى على آلابد، ولا يهلك، وهي الشجرة التي نهاه الله تعالى عن تناولها. وقد قدمنا أختلاف المفسرين في ماهية تلك الشجرة فيما مضى فلا وجه لاعادته.
الجنابذي
تفسير : {وَ} اذكر {إِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لآدَمَ} حتّى تعلم تكريمنا له وابتلاءنا له بسبب النّسيان حتّى تكون على حذرٍ من النسيان وعدم العزيمة {فَسَجَدُوۤاْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَىٰ} عن السّجود او عن المطاوعة.
الهواري
تفسير : قال عزّ وجلّ: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُوا لأَدَمَ فَسَجَدُوا إِلآ إِبْلِيسَ أَبَى} أن يسجد {فَقُلْنَا يَآءَادَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الجَنَّةِ فَتَشْقَى} أي: إنكما إن عصيتما الله أخرجكما من الجنة، فتشقى، أي في الدنيا، بالكدح فيها. وقال بعضهم: (فَتَشْقَى) أي تأكل من عمل يديك وعرق جبينك. {إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا} أي: في الجنة {وَلاَ تَعْرَى} كانا كسيا الظفر. {وَأَنَّكَ لاَ تَظْمَأُ فِيهَا} لا تعطش فيها {وَلاَ تَضْحَى} أي: لا تصيبك الشمس. أي: ما لم تعص. قال عزّ وجلّ: {فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ: يَآءَادَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الخُلْدِ وَمُلْكٍ لاَّ يَبْلَى} أي إنك إن أكلت من الشجرة خلدت في الجنة، وهو كقوله عزّ وجلّ: (أية : مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلآ أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَو تَكُونَا مِنَ الخَالِدِينَ) تفسير : [الأعراف: 20] يقول: إذا أكلتما من الشجرة تحوّلتما ملكين من ملائكة الله، أو كنتما من الخالدين الذين لا يموتون. ذكر بعضهم قال: إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلّها مائة عام ما يقطعها. قيل: أي شجرة هي؟ قال: شجرة الخلد. قوله عز وجل: {فَأَكَلاَ مِنْهَا} فبدأت حواء قبل آدم في تفسير الكلبي. {فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا} ذكر الحسن عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : كان آدم رجلاً طوالا كأنه نخلة سحوق، جعد الرأس. فلما وقع به ما وقع بدت له عورته، وكان لا يراها قبل ذلك. فانطلق هارباً في الجنة، فأخذت شجرة من شجر الجنة برأسه، فقال لها: أرسليني. فقالت: لست بمرسلتك. فناداه ربه: يا آدم، أمني تهرب؟ فقال: رب إني أستحييك . تفسير : قوله عزّ وجلّ: {وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الجَنَّةِ} أي: وجعلا يخصفان، أي يرقعان من ورق الجنة كهيئة الثوب. قال عز وجل: {وَعَصى ءَادَمُ رَبَّهُ فَغَوَى} يعني المعصية، ولم يبلغ بالمعصية الضلال. {ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ} وهو قوله: (أية : فَتَلَقَّى ءَادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ) تفسير : [البقرة: 37] و (أية : قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخَاسِرِينَ)تفسير : [الأعراف: 23]. قال عز وجل: {فَتَابَ عَلَيْهِ} أي: من ذلك الذنب {وَهَدَى} أي: مات على الهدى. {قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ}. وقد فسّرناه في سورة البقرة. {فَإِمَّا يَأتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ} [أي رسلي وكتبي] {فَلاَ يَضِلُّ} أي في الدنيا {وَلاَ يَشْقَى} أي في الآخرة.
اطفيش
تفسير : {وإِذْ} مفعول لمحذوف أى اذكر. {قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُوا} اختلفوا هل شمل الأمر إبليس فمن زعم أنه ملَك قال بشموله. ونسب بعض أصحابنا مَن قال ذلك للشرك وليس بشئ، لأنه تأول، ولأنه قد نسب القول بذلك إلى بعض الصحابة ومَن قال: ليس منهم قال: شمله تغليبا لأنه مع الملائكة محلا وعبادة. وقيل: لم يشمله إلا بالتقدير، أى وإذ قلنا للملائكة وإبليس. {لآدَمَ} أى لخالق آدم، أو السجود لآدم اعتراف بفصله، أو سجود لله إلى جهة آدم كالكعبة. قيل: المعنى اذكر حاله فى ذلك الوقت ليتبين لك أنه نسى ولم يثبت ويتصلب. {فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ} التحقيق أن الاستثناء متصل؛ لأن إبليس ولو كان جنيًّا لكنه قد جعل من الملائكة تغليبًا. وهو أبو الجن. وإنما صح أن يقال له: جنى، ومن الجن؛ لأن أبا القبيلة منهم. وذلك أنهم يعتبرون وأبوهم جملة. فيقال للأب: هو من تلك الجملة وينسب إليها وفى استثنائه دم عظيم، مثل أن يُقْبِل إلى المجلس عظيم فيقوم له مَن فى المجلس من الأشراف، وكان معهم رجل دنِىّ ولم يقم له فإنه يعنف تعنيفًا شديدًا، ويقال له: قد قام فلان وفلان فمن أنت حتى تتكبر عن القيام وفيه أيضًا تلويح بأَنه ليس من أهل الفضل ولو كان من أمله لعرف لآدم فضله إنما يعرف أهلَ الفضل ذووه. {أَبَى} كره أن يسجد فلم يسجد، أو امتنع من السجود. ويدل على هذا المتعلق وذلك المفعول قوله: اسجدوا وقوله: فسجدوا إلا إبليس والجملة حال مؤكدة؛ فإن استثناءه من الساجدين يكفى فى أنه لم يسجد. وقيل: لجملة مستأنفة لبيان المانع من السجود وهو الاستكبار وأنه لا يقدَّر مفعول ولا متعلق. وأن المعنى أظهر الإباء عن المطاوعة. ولعل وجه دلالة أبّى على المنع أن الإباء عن المطاوعة غالبًا يكون عن تكبر أو أن أبَى متضمن معنى قوله: أنا خير منه.
اطفيش
تفسير : {وإذْ قُلنا للملائكة اسْجُدوا لآدم} شروع فى بيان المعهود لآدم، أى واذكر يا محمد إذ قلنا الخ، عطف قصة على أخرى، أو على محذوف، أى اذكر هذا، واذكر إذْ قلنا الخ {فسَجدوا إلا إبلْيسَ} أكد هذا الاستثناء بقوله: {أبى} أى امتنع من السجود له، أو أبى السجود له، كما يحتملها قوله: "أية : أبى أن يكون مع الساجدين"تفسير : [الحجر: 31] أو الاباء أشد الامتناع، أو لا يقدر له معمول تنزيلا له منزلة اللازم، كذا قيل وفيه أن هذا التنزيل إنما يحسن إذا احتمل العامل متعالقات، وأما إذا كان له واحد متعين كالسجود هنا فلا.
الالوسي
تفسير : {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَـٰئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لأَِدَمَ } شروع في بيان المعهود وكيفية ظهور نسيانه وفقدان عزمه، {وَإِذْ } منصوب على المفعولية بمضمر خوطب به النبـي صلى الله عليه وسلم أي واذكر وقت قولنا للملائكة الخ. قيل: وهو معطوف على مقدر أي اذكر هذا واذكر إذ قلنا أو من عطف القصة على القصة. وأياً ما كان فالمراد اذكر ما وقع في ذلك الوقت منا ومنه حتى يتبين لك نسيانه وفقدان عزمه. {فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ } قد مر الكلام فيه مراراً {أَبَىٰ} جملة مستأنفة وقعت جواباً عن سؤال نشأ عن الإخبار بعدم سجوده كأنه قيل: فما باله لم يسجد؟ فقل: {أَبَىٰ } والإباء الامتناع أو شدته ومفعوله إما محذوف أي أبـى السجود كما في قوله تعالى: {أية : أَبَىٰ أَن يَكُونَ مَعَ ٱلسَّـٰجِدِينَ } تفسير : [الحجر: 31] أو غير منوي رأساً بتنزيله منزلة اللازم أي فعل الإباء وأظهره.
ابن عاشور
تفسير : هذا بيان لجملة {أية : ولقد عهدنا إلى آدم من قبل}تفسير : [طه: 115] إلى آخرها، فكان مقتضى الظاهر أن لا يكون معطوفاً بالواو بل أن يكون مفصولاً، فوقوع هذه الجملة معطوفة اهتمام بها لتكون قصة مستقلة فتلفت إليها أذهان السامعين. فتكون الواو عاطفة قصة آدم على قصة موسى عطفاً على قوله {أية : وهل أتاك حديث موسى إذ رأى ناراً}تفسير : [طه: 10]، ويكون التقدير: واذكر إذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم، وتكون جملة {ولقد عهدنا إلى آدم من قبل} تذييلاً لقصة هارون مع السامريّ وقوله {من قبل} أي من قبل هارون. والمعنى: أنّ هارون لم يكن له عزم في الحفاظ على ما عهد إليه موسى. وانتهت القصة بذلك التذييل، ثمّ عطف على قصة موسى قصة آدم تبعاً لقوله {أية : كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق}تفسير : [طه: 99].
الشنقيطي
تفسير : ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه أمر الملائكة بالسجود لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى. أي أبى أن يسجد. فذكر عنه هنا الإباء ولم يذكر عنه هنا الاستكبار. وذكر عنه الإباء أيضاً في "الحجر" في قوله: {أية : إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَىٰ أَن يَكُونَ مَعَ ٱلسَّاجِدِينَ} تفسير : [الحجر: 31]. وقوله في آية "الحجر" هذه {أَبَىٰ أَن يَكُونَ مَعَ ٱلسَّاجِدِينَ} يبين معمول "أبى" المحذوف في آية "طه" هذه التي هي قوله {إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَىٰ} أي أبى أن يكون مع الساجدين، كما صرح به في "الحجر" وكما أشار إلى ذلك في "الأعراف" في قوله: {أية : إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِّنَ ٱلسَّاجِدِينَ} تفسير : [الأعراف: 11] وذكر عنه في سورة "ص" الاستكبار وحده في قوله: {أية : إِلاَّ إِبْلِيسَ ٱسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ} تفسير : [ص: 74]، وذكر عنه الإباء والاستكبار معاً في سورة "البقرة" في قوله: {أية : إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَٱسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ} تفسير : [البقرة: 34]. وقد بينا في سورة "البقرة" سبب استكباره في زعمه وأدلة بطلان شبهته في زعمه المذكور. وقد بينا في سورة "الكهف" كلام العلماء فيه. هل أصله ملك من الملائكة أو لا؟ وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {فَسَجَدُوۤاْ إِلاَّ إِبْلِيسَ} صرح في غير هذا الموضع أن السجود المذكور سجده الملائكة كلهم أجمعون لا بعضهم، وذلك في قوله تعالى: {أية : فَسَجَدَ ٱلْمَلاۤئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلاَّ إِبْلِيسَ} تفسير : [الحجر: 30-31] الآية.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: وإذ قلنا للملائكة: أي اذكر قولنا للعظة والاعتبار. إلا إبليس أبى: أي امتنع من السجود لكبر في نفسه إذ هو ليس من الملائكة وإنما هو أبو الجان كان مع الملائكة يعبد الله معهم. عدو لك ولزوجك: أي حواء ومعنى عدو أنه لا يحب لكما الخير بل يريد لكما الشر. فتشقى: أي بالعمل في الأرض إذ تزرع وتحصد وتطحن وتخبز حتى تتغذى. لا تظمأ فيها ولا تضحى: أي لا تعطش ولا يصيبك حر شمس الضحى المؤلم في الأرض. شجرة الخلد: أي التي يخلد من أكل منها. وملك لا يبلى: أي لا يفنى ولا يبيد ولازم ذلك الخلود. فبدت لهما سواءتهما: أي ظهر لكل منها قُبُلَ صاحبه ودُبُرَهُ فاستاءا لذلك. وطفقا يخصفان: أي أخذا وجعلا يلزقان ورق الشجر عليهما ستراً لسوءاتهما. فغوى: أي بالأكل من الشجرة المنهي عنها. فاجتباه ربه فتاب عليه: أي اختاره لولايته فهداه للتوبة فتاب ليكون عبداً صالحاً. معنى الآيات: لما ذكر تعالى ضعف آدم عليه السلام حيث عهد الله إليه بعدم طاعة إبليس حتى لا يخرجه هو وزوجه من الجنة، وأن آدم نسي العهد فأكل من الشجرة ناسب ذكر قصة آدم بتمامها ليكون موعظة للمتقين وهدى للمؤمنين فقال تعالى لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم واذكر {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لأَدَمََ} وسجودهم عبادة لله تعالى وتحية لآدم لشرفه وعلمه. فامتثلت الملائكة أمر الله {فَسَجَدُوۤاْ} كلهم أجمعون {إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَىٰ} أن يسجد لما داخله من الكبر ولأنه لم يكن من الملائكة بل كان من الجن إلا أنه كان يتعبد الله تعالى مع الملائكة في السماء. هذا ما دلت عليه الآية الأولى [116]. وقوله تعالى {فَقُلْنَا يآءَادَمُ} أي بعد أن تكبّر إبليس عن السجود لآدم نصحنا آدم وقلنا له {إِنَّ هَـٰذَا} أي إبليس {عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ ٱلْجَنَّةِ فَتَشْقَىٰ} أي فلا تطيعانه فإن طاعته تكون سبب إخراجكما من الجنة ومتى خرجتما منها شقيتما، ووجه الخطاب إلى آدم في قوله تعالى: فتشقى لأن المراد من الشقاء هنا العمل كالزرع والحصاد وغيرهما مما هو ضروري للعيش خارج الجنة والزوج هو المسئول عن إعاشة زوجته فهو الذي يشقى دونها، وقوله تعالى لآدم {إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا} أي في الجنة {وَلاَ تَعْرَىٰ}، {وَأَنَّكَ لاَ تَظْمَأُ فِيهَا} أي لا تعطش {وَلاَ تَضْحَىٰ} أي لا تتعرض لحر شمس ضحى كما هي في الأرض والخطاب وإن كان لآدم فحواء تابعة له بحكم رئاسة الزوج على زوجته، ومن الأدب خطاب الرجل دون امرأته إذ هي تابعة له وقوله تعالى: {فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ ٱلشَّيْطَانُ} أي ناداه من طريق الوسوسة. {يٰآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ ٱلْخُلْدِ وَمُلْكٍ لاَّ يَبْلَىٰ} فقبل منه ذلك آدم واستجاب لوسوسته فأكلت حواء أولاً ثم أكل آدم وهو قوله تعالى {فَأَكَلاَ مِنْهَا} فترتب على ذلك انكشاف سوءاتهما لهما بذهاب النور الساتر لهما بسبب المعصية لله تعالى وقوله تعالى {وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا} من ورق الشجر أي فأخذا يشدان ورق الشجر على عوراتهما ستراً لهما لأن منظر العورة يسوء الآدمي ولذلك سميت العورة سوءة وهكذا عصى آدم ربه باستجابته لوسواس عدوه وأكله من الشجرة فبذلك غوى، إلا أن ربه تعالى اجتباه أي نبياً وقربه ولياً {فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَىٰ} وهداه للعمل بطاعته ليكون من جملة أصفيائه وصالح عباده. والحمد لله ذي الإِنعام والإِفضال. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- تقرير النبوة المحمدية بذكر مثل هذا القصص الذي لا يعلم إلا بالوحي الإِلهي. 2- تقرير عداوة إبليس لبني آدم. 3- بيان أن الجنة لا نصب فيها ولا تعب، وإنما ذلك في الأرض. 4- التحذير من أخطار الاستجابة لوسوسة إبليس فإنها تُرْدى صاحبها. 5- ضعف المرأة وقلة عزمها فقد أكلت قبل آدم فسهلت عليه المعصية. 6- كون المرأة تابعة للرجل وليس لها أن تستقل بحال من الأحوال. 7- حرمة كشف العورات ووجوب سترها. 8- إثبات نبوة آدم وتوبة الله عليه وقبولها منه وهدايته إلى العمل بمحابه وترك مكارهه.
د. أسعد حومد
تفسير : {لِلْمَلاَئِكَةِ} (116) - واذْكُرْ يَا مُحَمَّدُ مَا وَقَعَ فِي ذلِكَ الحِينِ مِنّا وَمِنْ آدَمَ حَتَّى يَسْتَبِينَ لَكَ كَيْفَ نَسِيَ وَفَقَدَ العَزِيمَةَ، وَضَعُفَ فَكَانَ ذلِكَ سَبَباً لإِخْرَاجِهِ مِنَ الجَنَّةِ. لَقَدْ فَضَّلَ اللهُ آدَمَ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ خَلْقِهِ، وَأَمَرَ المَلاَئِكَةَ بِأَنْ يَسْجُدُوا لَهُ، فَسَجَدُوا جَمِيعُهُمْ إِلاَّ إِبْلِيسَ فَإِنَّهُ امْتَنَعَ وَاسْتَكْبَرَ (أَبَى).
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : الحق - تبارك وتعالى - يقصُّ علينا قصة آدم عليه السلام، لكن نلاحظ أنه سبحانه أعطانا مُجْمل القصة ومُوجزها في قوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ عَهِدْنَآ إِلَىٰ ءَادَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً}تفسير : [طه: 115] وأصلْ القصة وترتيبها الطبيعي أنه سبحانه يقول: خلقْتُ آدم بيدي وصوَّرته، وكذا وكذا، ثم أمرْتُ الملائكة بالسجود له ثم قلت له: كذا .... وعَرْض القصة بهذه الطريقة أسلوبٌ من أساليب التشويق، يصنعه الآن المؤلفون والكُتَّاب في قصصهم، فيعطوننا في بداية القصة لقطة لنهايتها؛ لإثارة الرغبة في تتبُّع أحداثها، ثم يعود فيعرض لك القصة من بدايتها تفصيلاً، إذن: هذا لوْنٌ من ألوان الإثارة والتشويق والتنبيه. ومن ذلك أسلوب القرآن في قصة أهل الكهف، حيث ذكر القصة مُوجَزة فقال: {أية : أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ ٱلْكَهْفِ وَٱلرَّقِيمِ كَانُواْ مِنْ آيَاتِنَا عَجَباً * إِذْ أَوَى ٱلْفِتْيَةُ إِلَى ٱلْكَهْفِ فَقَالُواْ رَبَّنَآ آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّىءْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَداً * فَضَرَبْنَا عَلَىٰ آذَانِهِمْ فِي ٱلْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً * ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الحِزْبَيْنِ أَحْصَىٰ لِمَا لَبِثُواْ أَمَداً}تفسير : [الكهف: 9-12]. ثم أخذ في عَرْضها تفصيلاً: {أية : نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نبَأَهُم بِٱلْحَقِّ ..}تفسير : [الكهف: 13]. وقد جاء هذا الأسلوب كثيراً في قَصَص القرآن، ففي قصة لوط - عليه السلام - يبدأ بنهاية القصة وما حاق بهم من العذاب: {أية : كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِٱلنُّذُرِ * إِنَّآ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِباً إِلاَّ آلَ لُوطٍ نَّجَّيْنَاهُم بِسَحَرٍ}تفسير : [القمر: 33-34]. ثم يعود إلى تفصيل الأحداث: {أية : وَلَقَدْ أَنذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْاْ بِٱلنُّذُرِ * وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَن ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَآ أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُواْ عَذَابِي وَنُذُرِ}تفسير : [القمر: 36-37]. ومن أبرز هذه المواضع قوله تعالى في قصة موسى وفرعون: {أية : ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم مُّوسَىٰ بِآيَاتِنَآ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَظَلَمُواْ بِهَا فَٱنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُفْسِدِينَ}تفسير : [الأعراف: 103] أي: من بعد موكب الرسالات إلى فرعون ومَلئِه فظلموا بها، فانظر كيف كان عاقبة المفسدين، هذا مُجمل القصة، ثم يأخذ في قَصِّ الأحداث بالتفصيل: {أية : وَقَالَ مُوسَىٰ يٰفِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ}تفسير : [الأعراف: 104]. وهكذا أسلوب القرآن في قصة آدم عليه السلام، يعطينا مُجْمل القصة، ثم يُفصِّلها: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لأَدَمََ فَسَجَدُوۤاْ} [طه: 116] يعني: إذكر إذ قُلْنا للملائكة {أية : ٱسْجُدُواْ لأَدَمَ ..}تفسير : [البقرة: 34]. وقبل أن نخوضَ في قصة أبينا آدم - عليه السلام - يجب أن نشير إلى أنها تكررتْ كثيراً في القرآن، لكن هذا التكرار مقصود لحكمة، ولا يعني إعادة الأحداث، بل هي لقطاتٌ لجوانب مختلفة من الحدَث الواحد تتجمع في النهاية لتعطيك القصة الكاملة من جميع زواياها. كما أن الهدف من قَصَص القرآن تثبيت النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه سيمرُّ بكثير من الأحداث والشدائد، سيحتاج في كل منها إلى تثبيت، وهذا الغرض لا يتأتَّى إذا سردنا القصة مرة واحدة، كما في قصة يوسف عليه السلام مثلاً. قوله تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لأَدَمََ فَسَجَدُوۤاْ ..} [طه: 116] البعض يعترض يقول: كيف تسجد الملائكة لبشر؟ نعم، هم سجدوا لآدم، لكن ما سجدوا من عند أنفسهم، بل بأمر الله لهم، فالمسألة ليستْ سجوداً لآدم، بقدر ما هي إطاعة لأمر الله. ولقائل هذا الكلام: أأنت مَلِكيٌّ أكثر من الملك؟ يعني: أأنت ربانيّ أكثر من الربّ؟ وما معنى السجود؟ السجود معناه: الخضوع، كما جاء في قوله تعالى: {أية : وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى ٱلْعَرْشِ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدَاً ..}تفسير : [يوسف: 100] أي: سجودَ تعظيم وخضوع، لا سجودَ عبادة. وآدم - عليه السلام - هو خليفة الله في الأرض، لكنه ليس الوحيد عليها، فعلى الأرض مخلوقات كثيرة منها المحسّ، كالشمس والقمر والنجوم والهواء والماء والأرض والجبال، وكُلّ ما فيه مصلحة لهذا الخليفة، ومنها ما هو خفيّ كالملائكة التي تدير خفى هذا الكون، فمنهم الحفظة والكتبة، ومنهم المكلَّفون بالريح وبالمطر.. إلخ من الأمور التي تخدم الخَلْق. فلا بُدَّ - إذن - أن يخضع الجميع لهذا المخدوم الآتي. وقد يحلو للبعض أن يقول: لقد ظَلَمنا آدمُ حين عصى ربه، فأنزلنا من الجنة إلى الأرض. نقول: يجب أن نفهم عن الله تعالى، فالحق - تبارك وتعالى - لم يخلق آدم للجنة التي هي دار الخُلْد، إنما خلقه ليكون خليفة له في الأرض، كما قال سبحانه: {أية : إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً ..}تفسير : [البقرة: 30]. فأوّل بلاغ من الله عن آدم أنه خالقه للأرض لا للجنة. والجنة، وإن كانت تُطلَق على دار الخُلْد ودار النعيم الأُخْروي فهي تُطلَق أيضاً على حدائق وبساتين الدنيا، كما جاء في قول الحق سبحانه: {أية : إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَآ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُواْ لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ}تفسير : [القلم: 17]. وقوله: {أية : وَٱضْرِبْ لهُمْ مَّثَلاً رَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ ..}تفسير : [الكهف: 32]. إذن: تُطلَق الجنة على شيء في الدنيا يضمُّ كل ما تطلبه النفس وسمَّوْها الجنة؛ لأنها تستر بشجرها وكثافتها مَنْ يدخل فيها، أو جنة لأنها تكفي الإنسان ولا تُحوجه إلى شيء غيرها. فلا تظلموا آدم بأنه أخرجكم من الجنة؛ لأنه لم يكُنْ في جنة الخُلْد، إنما في مكان أعدَّه الله له، وأراد أنْ يُعطيه في هذا المكان درساً، ويُدرِّبه على القيام بمهمته في الحياة وخلافته في الأرض. أرأيتَ ما نفعله الآن من إقامة معسكرات للتدريب في شتى مجالات الحياة، وفيها نتكفّل بمعيشة المتدرب وإقامته ورعايته. إنها أماكن مُعدَّة للتدريب على المهام المختلفة: رياضية، أو علمية، أو عسكرية .. الخ. هكذا كانت جنة آدم مكاناً لتدريبه قبل أنْ يباشر مهمته كخليفة لله في الأرض، فأدخله الله في هذه التجربة العملية التطبيقية، وأعطاه فيها نموذجاً للتكليف بالأمر والنهي، وحذَّره من عدوه الذي سيتربص به وبذريته من بعده، وكشف له بعض أساليبه في الإضلال والإغواء. وهذه هي خلاصة منهج الله في الأرض، وما من رسول إلا وجاء بمثل هذا المنهج: أمر، ونهي، وتكليف، وتحذير من الشيطان ووسوسته حتى يُخرِجنا عن أمر الله ونَهْيه. وبعد هذا (الكورس) التدريبي في الجنة عَلِم آدم بالتطبيق العملي أن الشيطان عدوه، وأنه سيُغريه ويخدعه، ثم بعد هذه التجربة أنزله الله ليباشر مهمته في الأرض، فيكون من عدوه على ذِكْر وحذر. والبعض يقف طويلاً عند مسألة عصيان آدم: كيف يعصي الله وهو نبي؟ ويذكرون قوله تعالى: {أية : وَعَصَىٰ ءَادَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ}تفسير : [طه: 121]. نقول: ما دام أن آدم - عليه السلام - هو خليفة الله في أرضه، ومنه أَنْسَالُ الناس جميعاً إلى أنْ تقوم الساعة، ومن نَسله الأنبياء وغير الأنبياء، من نسله الرسل والمرسل إليهم. إذن: فهو بذاته يمثل الخَلْق الآتي كله بجميع أنواعه المعصومين وغير المعصومين. كما أن آدم - عليه السلام - مرَّ بهذه التجربة قبل أن يُنبأ، ومَرَّ بها بعد أن نُبىء، بدليل قوله تعالى: {أية : وَعَصَىٰ ءَادَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ * ثُمَّ ٱجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَىٰ}تفسير : [طه: 121-122]. فكان الاجتباء والعصمة بعد التجريب، ثم لما أُهبِط آدم وعدوه إلى الأرض خاطبه ربه: {أية : فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}تفسير : [البقرة: 38]. وهكذا بدأت مرحلة جديدة في حياة آدم عليه السلام، ومثَّل آدم الدَّوْريْن: دَوْر العصمة والنبوة بعدما اجتباه ربه، ودَوْر البشر العادي غير المعصوم والمعرَّض للنسيان وللمخالفة كأيِّ إنسان من أناس الأرض. ينبغي - إذن - أن نفهم أن آدم خُلِق للأرض وعمارتها، وقد هيَّأها الله لآدم وذريته من بعده، وأعدَّها بكُلِّ مقوِّمات الحياة ومُقوِّمات بقاء النوع، فمَنْ أراد ترف الحياة فليُعمل عقله في هذه المقوّمات وليستنبط منها ما يريد. لقد ذكرنا أن في الكون مُلكاً وملكوتاً: الملْك هو الظاهر الذي نراه ونشاهده، والملكوت ما خفى عنّا وراء هذا الملْك، ومن الملكوت أشياء تؤدي مهمتها في حياتنا دون أنْ نراها، فمثلاً ظاهرة الجاذبية الأرضية التي تتدخل في أمور كثيرة في حياتنا، كانت في حجاب الملكوت لا نراها ولا نعرف عنها شيئاً، ثم لما اهتدتْ إليها العقول واكتشفتْها عرفنا أن هناك ما يسمى بالجاذبية. ومن الملكوت الملائكة الموكّلون، كما قال تعالى: {أية : لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ ..}تفسير : [الرعد: 11]. ومنهم الكَتَبة: {أية : مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ}تفسير : [ق: 18]. فلما خلق الله آدم، وخلق الملائكة الموكلين بمصالحه في الأرض أمرهم بالسجود له؛ لأنهم سيكونون في خدمته، فالسجود طاعة لأمر الله، وخضوع للخليفة الذي سيعمر الأرض. وقوله تعالى: {إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَىٰ} [طه: 116] وفي آية أخرى: {أية : إِلاَّ إِبْلِيسَ ٱسْتَكْبَرَ ..}تفسير : [ص: 74]. وقد أوضح الحق سبحانه سبب رَفْض إبليس للسجود لآدم بقوله: {أية : أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ ٱلْعَالِينَ}تفسير : [ص: 75]. أي: لا سبب لامتناعك إلا الاستكبار على السجود، أو تكون من العالين. أي: الملائكة الذين لم يشملهم الأمر بالسجود، فكأن الأمر كان للملائكة خاصة هم الموكّلون بخدمة آدم، أمّا العالون فهم الملائكة المهيّمون، ولا علاقة لهم بآدم، وربما لا يدرُون به. ومن الأساليب التي أثارتْ جَدَلاً حول بلاغة القرآن لدى المستشرقين قوله تعالى: {أية : مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ ..}تفسير : [ص: 75] وقوله في موضع آخر: {أية : مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ ..}تفسير : [الأعراف: 12] فأيُّ التعبيريْن بليغ؟ وإنْ كان أحدهما بليغاً فالآخر غير بليغ. وهذا كله ناتج عن قصور في فَهْم لغة القرآن، وعدم وجود الملَكة العربية عند هؤلاء، فهناك فَرْق بين أنك تريد أن تسجدَ ويأتي مَنْ يقول لك: لا تسجد، وبين أنْ يُقنعك شخص بألاَّ تسجد. فقوله: {أية : مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ ..}تفسير : [ص: 75] كنت تريد السجود وواحد منعك، وقوله: {أية : مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ ..}تفسير : [الأعراف: 12] يعني: أمرك ألاَّ تسجد، وأقنعك وأنت اقتنعتَ. ومن المسائل التي أثيرتْ حول هذه القصة: أكان إبليس من الملائكة فشمله الأمر بالسجود؟ وكيف يكون من الملائكة وهم لا يعصُون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون؟ وإذا لم يكُنْ مَلَكاً فماذا أدخله في الأمر؟ ولتوضيح هذه المسألة نقول: خلق الله الثَّقليْن: الجن والإنس، وجعلهم مختارين في كثير من الأمور، ومقهورين في بعض الأمور، ليثبت طلاقة قدرته تعالى في خَلْقه، فإنْ كنتَ مختاراً في أمور التكليف وفي استطاعتك أنْ تطيع أو أنْ تعصي، فليس من اختيارك أنْ تكون صحيحاً أو مريضاً، طويلاً أو قصيراً، فقيراً أو غنياً، ليس في اختيارك أنْ تحيا أو تموت. والحق - تبارك وتعالى - لا يُكلِّفك بافعل كذا ولا تفعل كذا، إلا إذا خلقك صالحاً للفعل ولعدم الفعل، هذا في أمور التكليف وما عداه أمور قَهْرية لا اختيارَ لك فيها هي القدريات. لذلك نقول للذين أَلِفُوا التمرد وتعوَّدوا الخروج على أحكام الله في التكليفات: لماذا لا تتَمردوا أيضاً على القدريات ما دُمْتم قد أَلِفْتم المخالفة؟ إذن: أنت مقهور وعَبْد رَغماً عنك. لذلك، إذا كان المختار طائعاً يلزم نفسه بمنهج ربه، بل ويتنازل عن اختياره لاختيار الله، فمنزلته عند الله كبيرة، وهي أفضل من الملَك، لأن الملَك يطيع وهو مرغم. ومن هنا يأتي الفرْق بين عباد وعبيد، فالكل في القهر عبيد، لكن العباد هم الذين تركوا اختيارهم لاختيار ربهم. ومن هنا نقول: إن إبليس من الجن، وليس من الملائكة؛ لأنه أُمِر فامتنع فعُوقِب، وإنْ كان الأمر في الأصل للملائكة. وقد حسم القرآن هذه القضية حين قال: {أية : إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ ٱلْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ ..}تفسير : [الكهف: 50] وهذا نصٌّ صريح لا جدالَ حوله. فإنْ قُلْتَ: فلماذا شمله الأمر بالسجود، وهو ليس مَلَكاً؟ نقول: لأن إبليس قبل هذا الأمر كان طائعاً، وقد شهد عملية خَلْق آدم، وكان يُدْعَي "طاووس الملائكة" لأنه ألزم نفسه في الأمور الاختيارية ففاق بذلك الملائكة، وصار يزهو عليهم ويجلس في مجلسهم، فلما جاء الأمر للملائكة بالسجود لآدم شمله الأمر ولزمه من ناحيتين: الأولى: إنْ كان أعلى منهم منزلةً وهو طاووسهم الذي ألزم نفسه الطاعة رغم اختياره فهو أَوْلَى بطاعة الأمر منهم، ولماذا يعصي هذا الأمر بالذات؟ الأخرى: إنْ كان أقلّ منهم، فالأمر للأعلى لا بُدَّ أنْ يشمل الأدنى، كما لو أمرتَ الوزراء مثلاً بالقيام لرئيس الجمهورية، وبينهم وكلاء ومديرون، فطبيعيٌّ أنْ يشملهم الامر. ثم يقول الحق: {فَقُلْنَا يآءَادَمُ إِنَّ هَـٰذَا عَدُوٌّ لَّكَ ...}.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر عن كرم الكريم ولؤم اللئيم بقوله: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لأَدَمَ} [طه: 116] إلى قوله: {لَعَلَّكَ تَرْضَىٰ} [طه: 130] ولهذا قال: {أية : إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً} تفسير : [البقرة: 30]، ولهذا السر اصطفاه على العالمين فاستحق السجود لهم اصطفاء واجتباء؛ ومنها لأنه خلق خلقاً تاماً كاملاً في خلقه؛ وذلك لأن الله تعالى جعله مجمع بحري عالمي الخلق والأمر والملك والملكوت والدنيا والآخرة فما خلق شيئاَ في عالم الخلق والدنيا إلا، وقد جعل في قالبه أنموذجاً منه، وما خلق شيئاً في عالم الأمر والآخرة إلا التي جاءت من الله تعالى {وَلَعَذَابُ ٱلآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَىٰ} [طه: 127] أي: عذاب القلوب أشد من العذاب في الأبدان وأبقى وأدوم؛ لأن عذاب الأبدان يفنى وعذاب القلوب يبقى. {أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّنَ ٱلْقُرُونِ} [طه: 128] أي: فلم يسيروا بمدة خذلانهم وتركناهم إلى طبيعتهم الخبيثة من القرون الماضية. {يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ} [طه: 128] أي: يقصدون عالم السفل بالطبع. {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ} [طه: 128] دلالات واعتبارات {لأُوْلِي ٱلنُّهَىٰ} [طه: 128] لمن نُهي بجذبة كلمة كن في الأزل إلى الأبد على وفق الحكمة الإلهية والإرادة الأزلية بما هو كائن في كل وقت وأوان بلا مانع ولا مقدم لما أخره ولا مؤخر لما قدمه، فكان ما كان بحيث لم يكن بعده للنقص إليه سبيل {فَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ} [طه: 130] أهل الاعتراض والإنكار؛ لأنك محتاج في التربية إلى ذلك لتبلغ به إلى مقام الصبر بقوله تعالى: {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا} [طه: 130] يشير إلى أنك كما ذكرت ربك بالحمد والثناء قبل أن تطلع شمس تجلي صفات ربوبيته إلى أن طلعت اذكره بالعبودية على شهود الحق قبل أن تغرب، ولئن غرب غروب الرحمة والشفقة لئلا ينلها شيء لوجودك بسطوات التجلي إذا دامت {وَمِنْ آنَآءِ ٱلْلَّيْلِ} [طه: 130] أي: ليل الستر. {فَسَبِّحْ} [طه: 130] فاذكر، {وَأَطْرَافَ ٱلنَّهَارِ} [طه: 130] أي: نهار التجلي؛ أي: اذكره في كل حالاتك في حالة الستر وحالة التجلي؛ لتكون مذكوراً له ومشكوراً {أية : وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ} تفسير : [طه: 131].
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: لما أكمل خلق آدم بيده، وعلمه الأسماء، وفضله، وكرمه، أمر الملائكة بالسجود له، إكراما وتعظيما وإجلالا فبادروا بالسجود ممتثلين، وكان بينهم إبليس، فاستكبر عن أمر ربه، وامتنع من السجود لآدم وقال: {أية : أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ } تفسير : فتبينت حينئذ، عداوته البليغة لآدم وزوجه، لما كان عدوا لله، وظهر من حسده، ما كان سبب العداوة، فحذر الله آدم وزوجه منه، وقال { لا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى } إذا أخرجت منها، فإن لك فيها الرزق الهني، والراحة التامة. { إِنَّ لَكَ أَلا تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَى وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا وَلا تَضْحَى } أي: تصيبك الشمس بحرها، فضمن له استمرار الطعام والشراب، والكسوة، والماء، وعدم التعب والنصب، ولكنه نهاه عن أكل شجرة معينة فقال: {أية : وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ } تفسير : فلم يزل الشيطان يسول لهما، ويزين أكل الشجرة، ويقول: { هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ } أي: الشجرة التي من أكل منها خلد في الجنة. { وَمُلْكٍ لا يَبْلَى } أي: لا ينقطع إذا أكلت منها، فأتاه بصورة ناصح، وتلطف له في الكلام، فاغتر به آدم، وأكلا من الشجرة فسقط في أيديهما، وسقطت كسوتهما، واتضحت معصيتهما، وبدا لكل منهما سوأة الآخر، بعد أن كانا مستورين، وجعلا يخصفان على أنفسهما من ورق أشجار الجنة ليستترا بذلك، وأصابهما من الخجل ما الله به عليم. { وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى } فبادرا إلى التوبة والإنابة، وقالا {أية : رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ } تفسير : فاجتباه ربه، واختاره، ويسر له التوبة { فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى } فكان بعد التوبة أحسن منه قبلها، ورجع كيد العدو عليه، وبطل مكره، فتمت النعمة عليه وعلى ذريته، ووجب عليهم القيام بها والاعتراف، وأن يكونوا على حذر من هذا العدو المرابط الملازم لهم، ليلا ونهارا {أية : يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنزعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ }.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):