٢٠ - طه
20 - Ta-Ha (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
117
Tafseer
البيضاوي
تفسير : {فَقُلْنَا يٰـئَادَمُ إِنَّ هَـٰذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا } فلا يكونن سبباً لإِخراجكما، والمراد نهيهما عن أن يكون بحيث يتسبب الشيطان إلى إخراجهما. {مِنَ ٱلْجَنَّةِ فَتَشْقَىٰ } وأفرده بإسناد الشقاء إليه بعد إشراكهما في الخروج اكتفاء باستلزام شقائه شقاءها من حيث إنه قيم عليها ومحافظة على الفواصل، أو لأن المراد بالشقاء التعب في طلب المعاش وذلك وظيفة الرجال ويؤيده قوله.
المحلي و السيوطي
تفسير : {فَقُلْنَا يٰئَادَمُ إِنَّ هَٰذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ } حواء بالمدّ {فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ ٱلْجَنَّةِ فَتَشْقَىٰ } تتعب بالحرث والزرع والحصد والطحن والخبز وغير ذلك، واقتصر على شقائه لأن الرجل يسعى على زوجته.
ابن عبد السلام
تفسير : {فَتَشْقَى} "بأن تأكل من كد يدك وما تكسبه بنفسك وتصنعه بيدك" أراد فيشقيا لاستوائهما في العلة، وخصه بالذكر لأنه المخاطب دونها، أو لأنه الكاد عليها الكاسب لها.
النسفي
تفسير : {فَقُلْنَا يٰـئَادَمُ أن هَـٰذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ } حيث لم يسجد لك ولم ير فضلك {فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ ٱلْجَنَّةِ } فلا يكونن سبباً لإخراجكما {فَتَشْقَىٰ } فتتعب في طلب القوت ولم يقل «فتشقيا» مراعاة لرؤوس الآي، أو دخلت تبعاً، أو لأن الرجل هو الكافل لنفقة المرأة. وروي أنه أهبط إلى آدم ثور أحمر وكان يحرث عليه ويمسح العرق من جبينه {إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا } في الجنة {وَلاَ تَعْرَىٰ } عن الملابس لأنها معدة أبداً فيها {وَأَنَّكَ } بالكسر: نافع وأبو بكر عطفاً على «إن» الأولى، وغيرهما بالفتح عطفاً على {أَلاَّ تَجُوعَ } ومحله نصب بـــــ «أن» وجاز للفصل كما تقول «إن في علمي أنك جالس» {لاَ تَظْمَؤُا فِيهَا } لا تعطش لوجود الأشربة فيها {وَلاَ تَضْحَىٰ } لا يصيبك حر الشمس إذ ليس فيها شمس فأهلها في ظل ممدود. {فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ ٱلشَّيْطَـٰنُ } أي أنهى إليه الوسوسة كأسر إليه {قَالَ يَـاءادَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ ٱلْخُلْدِ } أضاف الشجرة إلى الخلد وهو الخلود لأن من أكل منها خلد بزعمه ولا يموت {وَمُلْكٍ لاَّ يَبْلَىٰ } لا يفنى {فَأَكَلاَ } أي آدم وحواء {مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا } عوراتهما {سَوْءتُهُمَا} {وَطَفِقَا} طفق يفعل كذا مثل جعل يفعل وهو كـــــ «كاد» في وقوع الخبر فعلاً مضارعاً إلا أنه للشروع في أول الأمر وكاد للدنو منه {يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ ٱلْجَنَّةِ } أي يلزقان الورق بسواتهما للتستر وهو ورق التين {وَعَصَىٰ ءادَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ } ضل عن الرأي. وعن ابن عيسى خاب، والحاصل أن العصيان وقوع الفعل على خلاف الأمر والنهي، وقد يكون عمداً فيكون ذنباً وقد لا يكون عمداً فيكون زلة. ولما وصف فعله بالعصيان خرج فعله من أن يكون رشداً فكان غياً، لأن الغي خلاف الرشد. وفي التصريح بقوله {وَعَصَىٰ ءادَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ } والعدول عن قوله و «زل آدم» مزجرة بليغة وموعظة كافة للمكلفين كأنه قيل لهم: انظروا واعتبروا كيف نعيت على النبي المعصوم حبيب الله زلته بهذه الغلظة فلا تتهاونوا بما يفرط منكم من الصغائر فضلاً عن الكبائر.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {يآءَادَمُ إِنَّ هَـٰذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ} [الآية: 117]. قال الواسطى رحمة الله عليه: أضمر عداوته ولم يفزع إلى ربه مبتهلاً فى الكفاية والاستكفاء فأصغى إلى قوله وقسمه. قوله تعالى: {فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ ٱلْجَنَّةِ فَتَشْقَىٰ} [الآية: 117]. قال ابن عطاء فى هذه الآية: {فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ ٱلْجَنَّةِ فَتَشْقَىٰ} ولم يقل فتشقيا لأن آدم كان عالمًا بمراتب المحاورة، واختصاص الدنو، ولم تكن حواء تعلم من ذلك ما علم آدم. فقال لآدم: {فَتَشْقَىٰ} لأنك المخصوص بهذه الرتبة الجليلة، وحواء تبعًا لك فيه، وليس الأصل فيه كالفرع.
القشيري
تفسير : وما كان ينفعهم النُّصْحُ وقد أراد بهم ما حذَّرَهم، وعَلِم أنهم سيلقون ما خوَّفهم به. قوله: {فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ ٱلْجَنَّةِ فَتَشْقَىٰ}: علم أنهم سيلقون ذلك الشقاء؛ وأَمَّا إنَّه أضاف الشقاءَ إلى آدم وحدَه - وكلاهما لحقَهَ شقاءُ الدنيا - فذلك لمضارعة رؤؤس الآي، أو لأن التعبَ على الرجال دون النساء. ومَنْ أصغى إلى قول عدوِّه فإِنه يتجَرَّعُ النَّدَمَ ثم لا ينفعه.
اسماعيل حقي
تفسير : {فقلنا} عقيب ذلك اعتناء بنصحه {يا آدم ان هذا} الحقير الذى رأيت ما فعل {عدو لك ولزوجك} حواء والزوج اسم للفرد بشرط ان يكون معه آخر من جنسه ذكرا كان او انثى. ولعداوته وجوه. الاول انه كان حسودا فلما رأى نعم الله على آدم حسده فصار عدوا له. وفيه اشارة الى ان كل من حسد احدا يكون عدوا له ويريد هلاكه ويسعى فى افساد حاله. والثانى انه كان شابا عالما وابليس شيخا جاهلا لانه اثبت فضيلته بفضيلة اصله وانه جهل والشيخ الجاهل يكون ابدا عدو الشاب العالم شعر : زد شيخ شهر طعنه بر اسرار اهل دل المرء لا يزال عدوا لما جهل تفسير : والثالث انه مخلوق من النار وآدم من الماء والتراب وبين اصليهما عداوة فبقيت العداوة فيهما {فلا يخرجنكما من الجنة} اى لا يكونن سببا لاخراجكما منها فهو من قبيل اسناد الفعل الى السبب والا فالمخرج حقيقة هو الله تعالى وظاهره وان كان نهى ابليس عن الاخراج الا ان المراد نهيهما من ان يكونا بحيث يتسبب الشيطان فى اخراجهما منها بالطريق البرهانى {فتشقى} جواب للنهى واسناد الشقاء اليه لرعاية الفواصل ولا صالته. قال فى المفردات الشقاوة خلاف السعادة وكما ان السعادة ضربان سعادة دنيوية وسعادة اخروية ثم السعادة الدنيوية ثلاثة اضرب سعادة نفسية وبدنية وخارجية كذلك الشقاوة على هذه الاضرب وفى الشقاوة الاخروية قال تعالى {أية : فمن اتبع هداى فلا يضل ولا يشقى}تفسير : وفى الدنيوية {فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى} انتهى وقد يوضع الشقاء موضع التعب نحو شقيت فى كذا كما قال فى القاموس الشقا الشدة والعسر ويمد انتهى. فالمعنى لا تباشر اسباب الخروج فيحصل الشقاء وهو الكد والتعب الدنيوى مثل الحرث والزرع والحصد والطحن والعجن والخبز ونحو ذلك مما لا يخلو الناس عنه فى امر تعيشهم ويؤيده ما بعد الآية. قال الكاشفى [فتشقى كه تودررنج افتى يعنى جون ازبهشت بيرون روى بكديمين وعرق جبين اسباب معاش مهيا بايدكرد]. عن سعيد بن جبير اهبط الى آدم ثور احمر فكان يحرث عليه ويمسح العرق عن جبينه فذلك شقاؤه. يقول الفقير الظاهر ان الشيطان بسبب عداوته لا يخلو عن تحريض فعل يكون سببا للخروج فالشقاوة فى الحقيقة متفرعة على مباشرة امر منهى عنه فافهم. وفى التأويلات النجمية هى شقاوة البعد عن الحضرة ان لم يرجع الى مقام قربه من جوار الحق بالتوبة والاستغفار. وفيه اشارة الى ان العصيان وامتثال الشيطان موجب للاخراج من جنة القلب والهبوط الى ارض البشرية بعد الصعود عنها والعبور عليها.
الجنابذي
تفسير : {فَقُلْنَا يٰآدَمُ إِنَّ هَـٰذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا} يعنى فلا تكونا بحيث تؤثّر وسوسته فيكما فانّ المراد نهيهما لا نهيه {مِنَ ٱلْجَنَّةِ فَتَشْقَىٰ} افرد الضّمير للاشعار بانّ شقاء المرأة وسعادتها تابعتان لشقاء المرء وسعادته، ولمحافظة رؤس آلاى، او لانّ المراد بالشّقاء التّعب فى طلب المعاش فانّ وسوسته صارت سبباً لهبوطهما الى الارض واحتياجهما الى المأكول والمشروب والملبوس والمسكون، وتعب ذلك كلّه على الرّجال لا النّساء ويؤيّد هذا المعنى قوله تعالى {إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلاَ تَعْرَىٰ وَأَنَّكَ لاَ تَظْمَأُ فِيهَا وَلاَ تَضْحَىٰ} قرئ انّك بفتح الهمزة عطفاً على ان لا تجوع، وقرئ انّك بكسر الهمزة عطفاً عى انّ لك ان لا تجوع، وقوله انّ لك ان لا تجوع، استيناف بيانىّ فى مقام التّعليل.
اطفيش
تفسير : {فَقُلْنَا يَا آدَمُ إنَّ هذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ} حواء، عادا كما حسداً لما رأى من النعمة عليكما فاحذرا مكره، فإنه لا يألو لكما مكراً إلا بى. {فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ} أى لا تغفلا عن مكره حتى يخرجكما، أى احذرا أن يؤثر بكما وسوسته بالعصيان فتعصيانى فتخرجا منها بسببه. ولكونه سببًا أسند الإخراج إليه. {فَتَشْقَى} بالحرث والحصد والزرع والطحن والخَبْز وغير ذلك فلا تأكل أو تلبس إلا بكدّ يمينك وعَرق جبينك. روى أنه أُهبط إليه من الجنة ثور أحمر فكان يحرث عليه ويمسح العرق من جبينه. وروى أنه جاءه رغيف من الجنة قبل أن ينتفع من حرثه، فمد يده للأكل فطار إلى الجبل ليتعب فى المشى إليه، وأسند الشقاء إليه دون زوجة؛ لأنه إذا شقى الرجل أى ضاق أمره فى المعيشة ضاق أمر عياله؛ لأنه القائم عليهم، أو لأن الشقاء بمعنى التعب فى طلب المعيشة إنما هو على الرجل لا على زوجه ويزيد هذا ما بعد. وقد يقال: ليس فنفى خطابا لآدم لكنه فيه ضمير غيبة لحواء، أى فتضيق المعيشة على زوجك وفى ضمن هذا ضيقها عليه يقال فى الكفاية عن مقر الرجل: عرِيتْ زوجته وجاعت، أو خاطب آدم وحده رعاية للفاصلة؛ لأنه لو قيل فتشقيا لكان ألف الاثنين آخر الفاصلة وألف الفعل أولى.
اطفيش
تفسير : {فَقُلنا} نصحاء لآدم {يا آدمُ إنَّ هذا} أى الذى لم يسجد لك {عدوٌّ لك ولزّوجك} أعاد اللام للدلالة على ان عدواته لحواء بالأصالة، لا بالتبع له، ولولا ذلك لقيل لك وزوجك، بالنصب على المعية، أو بالجر عطفاً بلا إعادة للجار، كقوله تعالى: "أية : تَساءلُونَ به والأرْحَام" تفسير : [النساء: 1] بجر الأرحام، وعلى أنه لا بد من إعادة الجار فعلة إعادته أيضاً ما ذكر من الدلالة على الأصالة المذكورة، لأنه يمكن أن يقال احذره أنت وزوجتك، فإنه عدو لكما، أو عدو لك وزوجك بالنصب، ونحو ذلك مما لا يحتاج إلى إعادة اللام، كما نقول: التنكير للمبالغة فى: "أية : واشتعل الرأسُ شيباً" تفسير : [مريم: 4] مع أن التمييز أبداً نكرة، لأنه يمكن أن يقال اشتعل شيب الرأس، أو شيب الرأس اشتعل، واشتعل الرأس شيبة أو بشيب ونحو ذلك، مما لا تمييز فيه. وتلك العداوة حسد، وهو أول من حسد، وقيل عاداه، لأنه شيخ جاهل، وآدم شاب عالم، والجاهلون لأهل العلم أعداء، أو لتنافى النار للطين، ولا يقال إبليس أعلم لقدمه، وكثرة جاربه، لأن ذلك ليس على رسوخ منه، وآدم راسخ ولو قل علمه لأشياء ألا ترى ستغفارة عقب الذنب، وما ذلك إلا لرسوخ معرفته بالله، ولو قيل له يكون إبليس مكانك فى الجنة لم يمتنع، ولو ينقص استغفاره، ورمى أبو أمامة الباهلى، والحسن أن عقل آدم كعقل جميع أولاده. {فلا يُخرجنَّكُما مِنَ الجنَّة} لا يؤثر فيكما كيده، أو لا تأثراً بكيده {فتَشْقى} تلحقك متاعب الدنيا، من مرض وحزن، وحرارة وبرد، وجوع وعراء وظمأ ونحوا ذلك، ومشاق تحصيل المعاش، وأفرده بالذكر لأنه الأصل، ولاستلزام شقائه شقاءها لا للفاصلة، إذ لو قال فتشقيا لتمت، إلا أن يقال إتمام الفاصلة آخر الفعل أولى وأنسب من إتمامها بضمير كما تمت فى أبى وتضحى ويبلى وغوى، ومراعاة هذا وجه حسن، وكذا فى قوله: {إنَّ لكَ ألاَّ تجُوعَ فيها ولا تَعْرى * وأنَّك لا تَظمْأ فيها ولا تَضْحى} لا تكون منكشفاً للشمس، إذ لا يصل من فى الجنة الى جوع أو عطش أو عراء أو بروز للشمس، ولا شمس فيها، بل يتنعمون بتلك النعم على حسب خطور ذلك ببالهم، بدون حضور أضداده، وجمع الجوع مع العراء لا مع الظمأ، والظمأ مع الضحو، لأن الجوع خلو الباطن، والعرى خلو الظاهر، والظمأ حرارة الباطن، والضحو حرارة الظاهر، والحاصل أنه لا يصيبك ضرر باطن ولا ظاهر، ولو جمع انتفاء الجوع، وانتفاء الظمأ لتوهم أنهما نعمة واحدة، أو قرب التوهم، وكذا انتفاء الضحو والعرى، كما قطع امرؤ القيس كوب الجواد عن قوله لخيله كرى كرة، وقطع تبطن الكاعب عن ترشيف الكاسب فى قوله: شعر : كأنى لم أركب جواداً للذة ولم أتبطن كاعباً ذات خلخال ولم أسبا الزق الروى ولم أقل لخيلى كرى كرة بعد إجفال تفسير : وقد يقال جمع الأولين للذة، والأخيرين للشجاعة، والآية تفصيل لمضمون بعض قوله تعالى: {فلا يخرجنَّكما} الخ، وبقى كثير لكفاية التمثيل بقليل، فإن فى الجنة أيضاً نكاحاً وغيره، مما يلذ، ولا يصح أنه قال الى فى الجنة ما آكل وأشرب وألبس وأستظل، فذكر له ما طلب.
الالوسي
تفسير : {فَقُلْنَا } عقيب ذلك اعتناءً بنصح آدم عليه السلام {يَاءادَمُ إِنَّ هَذَا } الذي رأيت منه ما رأيت {عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ } أعيد اللام لأنه لا يعطف على الضمير المجرور بدون إعادة الجار عند الجمهور. وقيل: أعيد للدلالة على أن عداوة اللعين للزوجة أصالة لا تبعاً، وهو على القول بعدم لزوم إعادة الجار في مثله كما ذهب إليه ابن مالك ظاهر، وأما على القول باللزوم فقد قيل في توجيهه: إن كون الشيء لازماً بحسب القاعدة النحوية لا ينافي قصد إفادة ما يقتضيه المقام. وقد صرح السيد السند في «شرح المفتاح» في توجيه جعل صاحب «المفتاح» تنكير التمييز في قوله تعالى: {أية : وَٱشْتَعَلَ ٱلرَّأْسُ شَيْباً } تفسير : [مريم: 4] لإفادة المبالغة بما يرشد إلى ذلك، ولا يخفى ما في التعبير بزوجك دون حواء من مزيد التنفير والتحذير منه، واختلف في سبب العداوة فقيل مجرد الحسد وهو لعنه الله تعالى ولعن أتباعه أول من حسد، وقيل: كونه شيخاً جاهلاً وكون آدم عليه السلام شاباً عالماً، والشيخ الجاهل يكون أبداً عدواً للشاب العالم بل الجاهل مطلقاً عدو للعالم كذلك كما قيل:شعر : والجاهلون لأهل العلم أعداء تفسير : وقيل: تنافي الأصلين فإن / اللعين خلق من نار وآدم عليه السلام خلق من طين وحواء خلقت منه، وقد ذكر جميع ذلك الإمام الرازي. {فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا } أي فلا يكونن سبباً لإخراجكما {مِنَ ٱلْجَنَّةِ } وهذا كناية عن نهيهما عن أن يكونا بحيث يتسبب الشيطان في إخراجهما منها نحو قوله تعالى: {أية : فَلاَ يَكُن فِى صَدْرِكَ حَرَجٌ } تفسير : [الأعراف: 2] والفاء لترتيب موجب النهي على عداوته لهما أو على الإخبار بها {فَتَشْقَىٰ } أي فتتعب بمتاعب الدنيا وهي لا تكاد تحصى ولا يسلم منها أحد وإسناد ذلك إليه عليه السلام خاصة بعد تعليق الإخراج الموجب له بهما معاً لأصالته في الأمور واستلزام تعبه لتعبها مع ما في ذلك من مراعاة الفواصل على أتم وجه، وقيل: المراد بالشقاء التعب في تحصيل مبادي المعاش وهو من وظائف الرجال، وأيد هذا بما أخرجه عبد بن حميد وابن عساكر وجماعة عن سعيد بن جبير قال: «إن آدم عليه السلام لما أهبط من الجنة استقبله ثور أبلق فقيل له: اعمل عليه فجعل يمسح العرق عن جبينه ويقول: هذا ما وعدني ربـي {فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ ٱلْجَنَّةِ فَتَشْقَىٰ } ثم نادى حواء حواء أنت عملت بـي هذا فليس من ولد آدم أحد يعمل على ثور إلا قال: حو دخلت عليهم من قبل آدم عليه السلام، وكذا أيد بالآية بعد وفيه تأمل، ولعل القول بالعموم أولى، و {تشقى} يحتمل أن يكون منصوباً بإضمار أن في جواب النهي، ويحتمل أن يكون مرفوعاً على الاستئناف بتقدير فأنت تشقى، واستبعد هذا بأنه ليس المراد الإخبار عنه بالشقاء بل المراد أن وقع الإخراج حصل ذلك.
ابن عاشور
تفسير : قصة خلق آدم وسجود الملائكة له وإباء الشيطان من السجود تقدمت في سورة البقرة وسورة الأعراف، فلنقتصر على بيان ما اختصت به هاته السورة من الأفانين والتراكيب. فقوله {إن هذا} إشارة إلى الشيطان إشارةً مراداً منها التحقير، كما حكى الله في سورة الأنبياء (36) من قول المشركين {أية : أهذا الذي يذكر آلهتكم}تفسير : ، وفي سورة الأعراف (22) {أية : إن الشيطان لكما عدو} تفسير : عبر عنه باسمه. وقوله {عدوٌّ لكَ ولِزَوجِكَ} هو كقوله في الأعراف (22): {أية : وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين}تفسير : . فذكرت عداوته لهما جملة هنالك وذكرت تفصيلاً هنا، فابتدىء في ذكر متعلّق عداوته بآدم لأنّ آدم هو منشأ عداوة الشيطان لحسده، ثم أتّبع بذكر زوجه لأنّ عداوته إياها تبع لعداوته آدم زوجها، وكانت عداوته متعلّقة بكليهما لاتحاد علّة العداوة، وهي حسده إياهما على ما وهبهما الله من علم الأسماء الذي هو عنوان الفكر الموصل إلى الهدى وعنوان التعبير عن الضمير الموصل للإرشاد، وكل ذلك مما يبطل عمل الشيطان ويشق عليه في استهوائهما واستهواء ذريتهما، ولأنّ الشيطان رأى نفسه أجدر بالتفضيل على آدم فحنق لما أمر بالسجود لآدم. قوله {فَلا يُخرجَنَّكُما من الجنَّةِ} تفريع على الإخبار بعداوة إبليس له ولزوجه: بأن نُهيا نهي تحذير عن أن يتسبب إبليس في خروجهما من الجنة، لأنّ العدوّ لا يروقه صلاح حال عدوه. ووقع النهي في صورة نهي عن عمل هو من أعمال الشيطان لا مِنْ أعمال آدم كناية عن نهي آدم عن التأثر بوسائل إخراجهما من الجنّة، كما يقال: لا أعرفنّك تفعل كذا، كناية عن: لا تفعل، أي لا تفعل كذا حتى أعرفه منك، وليس المراد النهي عن أن يبلغ إلى المتكلّم خبر فعل المخاطب. وأسند ترتب الشقاء إلى آدم خاصة دون زوجه إيجازاً، لأنّ في شقاء أحد الزوجين شقاء الآخر لتلازمهما في الكون مع الإيماء إلى أنّ شقاء الذكر أصل شقاء المرأة، مع ما في ذلك من رعاية الفاصلة. وجملة {إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى} تعليل للشقاء المترتب على الخروج من الجنّة المنهي عنه، لأنه لما كان ممتعاً في الجنة برفاهية العيش من مأكل وملبس ومشرب واعتدال جوّ مناسب للمزاج كان الخروج منها مقتضياً فقدان ذلك. و {تضحى} مضارع ضَحِيَ: كرضي، إذا أصابه حر الشمس في وقت الضحى، ومصدره الضحو، وحر الشمس في ذلك الوقت هو مبدأ شدته، والمعنى: لا يصيبك ما ينافر مزاجك، فالاقتصار على انتفاء الضحو هنا اكتفاء، أي ولا تصردَ، وآدم لم يعرف الجوع والعَرى والظمأ والضحْو بالوجدان، وإنما عرفها بحقائقها ضِمن تعليمه الأسماء كلّها كما تقدّم في سورة البقرة. وجُمع له في هذا الخبر أصولُ كفاف الإنسان في معيشته إيماء إلى أن الاستكفاء منها سيكون غاية سعي الإنسان في حياته المستقبلة، لأن الأحوال التي تصاحب التكوين تكون إشعاراً بخصائص المكوّن في مقوماته، كما ورد في حديث الإسراء من توفيق النبي صلى الله عليه وسلم لاختيار اللبن على الخَمر فقيل له: لو اخترت الخمر لغَوَتْ أمّتك. وقد قُرن بين انتفاء الجوع واللباس في قوله {ألا تجوع فيها ولا تعرى}، وقرن بين انتفاء الظمأ وألم الجسم في قوله {لا تظمأ فيها ولا تضحى} لمناسبة بين الجوع والعَرى، في أن الجوع خلوّ باطن الجسم عما يقيه تألمه وذلك هو الطعام، وأن العري خلوّ ظاهر الجسم عما يقيه تألمه وهو لفح الحر وقرص البرد؛ ولمناسبة بين الظمأ وبين حرارة الشمس في أن الأول ألم حرارة الباطن والثاني ألم حرارة الظاهر. فهذا اقتضى عدم اقتران ذكر الظمأ والجوع، وعدم اقتران ذكر العري بألم الحر وإن كان مقتضى الظاهر جمع النظيرين في كليهما، إذ جَمْعُ النظائر من أساليب البديع في نظم الكلام بحسب الظاهر لولا أن عرض هنا ما أوجب تفريق النظائر. ومن هذا القبيل في تفريق النظائر قصة أدبيّة طريفة جرت بين سيف الدولة وبين أبي الطيّب المتنبي ذكرها المعري في «معجز أحمد» شرحه على «ديوان أبي الطيّب» إجمالاً، وبسطها الواحدي في «شرحه على الديوان». وهي: أن أبا الطيّب لما أنشد سيف الدولة قصيدته التي طالعها:شعر : على قَدر أهل العزم تأتي العزائم تفسير : قال في أثنائها يصف موقعة بين سيف الدولة والرّومِ في ثغر الحَدَث:شعر : وقفتَ ما في الموت شك لواقف كأنك في جفن الردَى وهو نائم تمرّ بك الأبطال كلمى هزيمةً ووجهك وضّاح وثَغرك باسم تفسير : فاستعادها سيف الدولة منه بعد ذلك فلما أنشده هذين البيتين، قال له سيف الدولة: إن صدريْ البيتين لا يلائمانِ عجُزَيْهما وكان ينبغي أن تقول:شعر : وقفت وما في الموت شك لواقف ووجهُك وضّاح وثغرك باسم تمرّ بك الأبطال كلمى هزيمة كأنك في جفن الردى وهو نائم تفسير : وأنت في هذا مثل امرىء القيس في قوله:شعر : كأني لم أركب جواداً للذة ولم أتبَطَّنْ كاعباً ذاتَ خَلْخال ولم أسْبَأ الزقّ الرويَّ ولم أقل لخيليَ كُرّي كَرّة بعد إجفال تفسير : ووجه الكلام على ما قال العلماء بالشعر أن يكون عجز البيت الأول للثّاني وعجز البيت الثاني للأول ليستقيم الكلام فيكون ركوب الخيل مع الأمر للخيل بالكر، ويكون سِباء الخمر للذة مع تبطن الكاعب. فقال أبو الطيّب: أدام الله عزّ الأمير، إن صح أن الذي استدرك على امرىء القيس هذا أعلمُ منه بالشعر فقد أخطأ امرؤ القيس وأخطأت أنا، ومولانا يعرف أن الثوب لا يعرفه البزاز معرفةَ الحائك لأن البزاز لا يعرف إلاّ جملته والحائك يعرف جملته وتفصيله لأنه أخرجه من الغزليّة إلى الثوبية. وإنما قرن امرؤ القيس لذّة النساء بلذة الركوب للصيد، وقرن السماحة في شراء الخمر للأضياف بالشجاعة في منازلة الأعداء. وأنا لما ذكرت الموت أتبعتُه بذكر الردى لتجانسه ولما كان وجه المهزوم لا يخلو أن يكون عبوساً وعينه من أن تكون باكية قلت:شعر : ووجهك وضّاح وثغرك باسم تفسير : لأجمع بين الأضداد في المعنى. ومعنى هذا أن امرؤ القيس خالف مقتضى الظاهر في جمع شيئين مشتهري المناسبة فجمع شيئين متناسبين مناسبة دقيقة، وأن أبا الطيّب خالف مقتضى الظاهر من جمع النظيرين ففرقهما لسلوك طريقة أبدع، وهي طريقة الطباق بالتضاد وهو أعرق في صناعة البديع. وجعلت المنة على آدم بهذه النعم مسوقة في سياق انتفاء أضدادها ليطرق سمعه بأسامي أصناف الشقوة تحذيراً منها لكي يتحامى من يسعى إلى إرزائه منها. وقرأ نافع، وأبو بكر عن عاصم {وإنك لا تظمأ} ــــ بكسر همزة (إنّ) ــــ عطفاً للجملة على الجملة. وقرأ الباقون {وأنك} بفتح الهمزة عطفاً على {ألاّ تجوع} عطف المفرد على المفرد، أي إن لك نفي الجوع والعري ونفي الظّمأ والضَحْو. وقد حصل تأكيد الجميع على القراءتين ب(إن) وبأختها، وبين الأسلوبين تفنّن.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {إِنَّ هَـٰذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ} قد قدمنا الآيات الموضحة له في "الكهف" فأغنى ذلك عن إعادته هنا. وقوله في هذه الآية الكريمة: {فَتَشْقَىٰ} أي فتتعب في طلب المعيشة بالكد والاكتساب. لأنه لا يحصل لقمة العيش في الدنيا بعد الخروج من الجنة حتى يحرث الأرض، ثم يزرعها، ثم يقوم على الزرع حتى يدرك، ثم يدسه، ثم ينقيه، ثم يطحنه، ثم يعجنه، ثم يخبره. فهذا شقاؤه المذكور. والدليل على أن المراد بالشقاء في هذه الآية: التعب في اكتساب المعيشة قوله تعالى بعده: {إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلاَ تَعْرَىٰ وَأَنَّكَ لاَ تَظْمَأُ فِيهَا وَلاَ تَضْحَىٰ} يعني احذر من عدوك أن يخرجك من دار الراحة التي يضمن لك فيها الشبع والري، والكسوة والسكن. قال الزمخشري: وهذه الأربعة هي الأقطاب التي يدور عليها كفاف الإنسان، فذكره استجماعها له في الجنة، وأنه مكفي لا يحتاج إلى كفاية كاف، ولا إلى كسب كاسب كما يحتاج إلى ذلك أهل الدنيا. وذكرها بلفظ النفي لنقائضها التي هي الجوع والعري والظمأ والضحو ليطرق سمعه بأسامي أصناف الشقوة التي حذره منها، حتى يتحامى السبب الموقع فيها كراهة لها ـ ا هـ. فقوله في هذه الآية الكريمة: {إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلاَ تَعْرَىٰ} قرينة واضحة على أن الشقاء المحذر منه تعب الدنيا في كد المعيشة ليدفع به الجوع والظمأ والعري والضحاء. والجوع معروف، والظمأ: العطش. والعري بالضم: خلاف اللبس. وقوله: {وَلاَ تَضْحَىٰ} أي لا تصير بارزاً للشمس، ليس لك ما تستكن فيه من حرها. تقول العرب: ضحى يضحى، كرضي يرضى. وضحى يضحى كسعى يسعى إذا كان بارزاً لحر الشمس ليس له ما يكنه منه. ومن هذا المعنى قول عمر بن أبي ربيعة: شعر : رأت رجلاً أيما إذا الشمس عارضت فيضحي وأما بالعشي فينحصر تفسير : وقول الآخر: شعر : ضحيت له كي أستظل بظله إذا الظل أضحى في القيامة قالصا تفسير : وقرأ هذا الحرف عامة السبعة ما عدا نافعاً وشعبة عن عاصم {وَأَنَّكَ لاَ تَظْمَأُ} بفتح همزة "أن"، والمصدر المنسبك من "أن" وصلتها معطوف على المصدر المنسبك من "أن" وصلتها في قوله: {إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ} أي وإن لك أنك لا تظمأ فيها ولا تضحى. ويجوز في المصدر المعطوف المذكور النصب والرفع، كما أشار إلى ذلك في الخلاصة بقوله: شعر : وجائز رفعك معطوفاً على منصوب إن بعد أن تستكملا تفسير : وإيضاح تقدير المصدرين المذكورين: إن لك عدم الجوع فيها، وعدم الظمأ. تنبيه: أخذ بعض العلماء من هذه الآية الكريمة وجوب نفقة الزوجة على زوجها لأن الله لما قال {إِنَّ هَـٰذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ ٱلْجَنَّةِ} بخطاب شامل لآدم وحواء، ثم خص آدم بالشقاء دونها في قوله {فَتَشْقَىٰ} دل ذلك على أنه هو المكلف بالكد عليها وتحصيل لوازم الحياة الضرورية لها: من مطعم، ومشرب، وملبس، ومسكن. قال أبو عبدالله القرطبي رحمه الله في تفسير هذه الآية الكريمة ما نصه: وإنما خصه بذكر الشقاء ولم يقل فتشقيا - يعلمنا أن نفقة الزوجة على الزوج، فمن يومئذ جرت نفقة النساء على الأزواج. فلما كانت نفقة حواء على آدم كذلك نفقات بناتها على بني آدم بحق الزوجية. وأعلمنا في هذه الآية: أن النفقة التي تجب للمرأة على زوجها هذه الأربعة: الطعام، والشراب، والكسوة، والمسكن. فإذا أعطاها هذه الأربعة فقد خرج إليها من نفقتها، فإن تفضل بعد ذلك فهو مأجور. فأما هذه الأربعة فلا بد منها. لأن بها إقامة المهجة ا هـ منه. وذكر في قصة آدم: أنه لما أهبط إلى الأرض أهبط إليه ثور أحمر وحبات من الجنة، فكان يحرث على ذلك الثور ويمسح للعرق عن جبينه وذلك من الشقاء المذكور في الآية. والظاهر أن الذي في هذه الآية الكريمة من البديع المعنوي في اصطلاح البلاغيين، هو ما يسمى "مراعاة النظير"، ويسمى "التناسب والائتلاف. والتوفيق والتلفيق". فهذه كلها أسماء لهذا النوع من البديع المعنوي. وضابطه: أنه جمع أمر وما يناسبه لا بالتضاد. كقوله تعالى: {أية : ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ} تفسير : [الرحمن: 5] فإن الشمس والقمر متناسبان لا بالتضاد. وكقول البحتري يصف الإبل الأنضاء المهازيل، أي الرماح: شعر : كالقسي المعطفات بل الأسهم مبرية بل الأوتار تفسير : وبين الأسهم والقسي المعطفات والأوتار مناسبة في الرقة وإن كان بعضها أرق من بعض، وهي مناسبة لا بالتضاد. وكقول ابن رشيق: شعر : أصح وأقوى ما سمعناه في الندى من الخير المأثور منذ قديم أحاديث ترويها السيول عن الحيا عن البحر عن كف الأمير تميم تفسير : فقد ناسب بين الصحة والقوة، والسماع والخبر المأثور، والأحاديث والرواية، وكذا ناسب بين السيل والحيا وهو المطر، والبحر وكف الأمير تميم، وكقول أسيد بن عنقاء الفزاري: شعر : كأن للثريا علقت في جبينه وفي خده الشعري وفي جهة البدر تفسير : فقد ناسب بين الثريا والشعري والبدر، كما ناسب بين الجبين والوجنة والوجه. وأمثلة هذا النوع كثيرة معروفة في فن البلاغة. وإذا علمت هذا فاعلم ـ أنه جل وعلا ناسب في هذه الآية الكريمة في قوله {إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلاَ تَعْرَىٰ} بين نفي الجوع المتضمن لنفي الحرارة الباطنية والألم الباطني الوجداني، وبين نفي العري المتضمن لنفي الألم الظاهري من أذى الحر والبرد، وهي مناسبة لا بالتضاد. كما أنه تعالى ناسب في قوله {وَأَنَّكَ لاَ تَظْمَأُ فِيهَا وَلاَ تَضْحَىٰ} بين نفي الظمأ المتضمن لنفي الألم الباطني الوجداني الذي يسببه الظمأ. وبين نفي الضحى المتضمن لنفي الألم الظاهري الذي يسببه حر الشمس ونحوه كما هو واضح. بما ذكرنا تعلم أن قول من قال: إن في الآية المذكورة ما يسمع قطع النظير عن النظير، وأن الغرض من قطع النظير عن النظير المزعوم تحقيق تعداد هذه النعم وتكثيرها. لأنه لو قرن النظير بنظيره لأوهم أن المعدودات نعمة واحدة، ولهذا قطع الظمأ عن الجوع، والضحو عن الكسوة، مع ما بين ذلك من التناسب. وقالوا: ومن قطع النظير عن النظير المذكور قول امرئ القيس: شعر : كأني لم أركب جواداً للذة ولم أتبطن كاعبا ذات خلخال ولم أسبا الزق الروي ولم أقل لخيل كرى كرة بعد إجفال تفسير : فقطع ركوب الجواد من قوله "لخيل كرى كرة" وقطع "تبطن الكاعب" عن شرب "الزق الروي" مع التناسب في ذلك. وغرضه أن يعدد ملاذه ومفاخره ويكثرها. كله كلام لا حاجة له لظهور المناسبة بين المذكورات في الآية كما أوضحنا، والعلم عند الله تعالى.
د. أسعد حومد
تفسير : {يآءَادَمُ} (117) - فَقَالَ اللهُ تَعَالَى لآدَمَ، مُحَذِّراً مِنْ عَدَاوَةِ إِبْلِيسَ لَهُ، وَلِزَوْجِهِ حَوَّاءَ: يَا آدَمُ إِنَّ إِبْلِيسَ عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ، وَهُوَ يُحَاوِلُ إِيْذَاءَكُمَا وَإِخْرَاجَكُمَا مِنَ الجَنَّةِ، فَإِيَّاكَ أَنْ يَصْدُرَ عَنْكَ مَا يَسْتَوْجِبُ إِخْرَاجَكَ مِنْهَا فَتَشْقَى فِي طَلَبِ رِزْقِكَ وَتَتْعَبَ وَتَنْصَبَ، وَأَنْتَ هُنَا فِي عَيْشٍ رَغِيدٍ، وَرِزْقٍ وَفِيرٍ بِلاَ كُلْفَةٍ وَلاَ مَشَقَّةٍ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : قوله تعالى: {وَلِزَوْجِكَ ..} [طه: 117] كلمة الزوج لا تعني اثنين كما يظن البعض، الزوج فرد واحد معه مثله، فليس صحيحاً أن نقول: توأم إنما توأمان، فكل منهما توأم للآخر؛ لذلك يقول تعالى: {أية : وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ ..}تفسير : [الذاريات: 49]. مَلْحَظ آخر في قوله تعالى: {فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ ٱلْجَنَّةِ ..} [طه: 117] الخطاب لآدم وزوجه يُحذِّرهما من إغواء إبليس وكَيْده، ثم يقول {فَتَشْقَىٰ} [طه: 117] بصيغة الإفراد، ولم يقُل: فتشقيَا. لماذا؟ لأن مسئولية الكَدْح والحركة للرجل أمَّا المرأة فهي السكن المريح المنشِّط لصاحب الحركة، على خلاف ما نرى في مجتمعنا من الحرص على عمل المرأة بحجة المساعدة في تبعات الحياة.
النسائي
تفسير : قوله تعالى: {فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ ٱلْجَنَّةِ فَتَشْقَىٰ} [117] 349 - أنا محمد بنُ عبد اللهِ بن يزيد، نا أيُّوبُ بن النجار الحنفي اليمامي، قال: حدثني يحيى بنُ [أبي] كثيرٍ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : حاجَّ آدمُ موسى، فقال لهُ: يا آدمُ أنت الذي أخرجت الناس من الجنة وأشقيتهم، قال آدمُ: يا موسى أنت الذي اصطفاك الله برسالتهِ وبكلامهِ، أتلُومُني على أمرٍ كتبهُ الله عليَّ أو قدرهُ عليَّ قبل أن يخلقني؟!" قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فحجَّ آدمُ موسى ".
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):