Verse. 2468 (AR)

٢٠ - طه

20 - Ta-Ha (AR)

فَوَسْوَسَ اِلَيْہِ الشَّيْطٰنُ قَالَ يٰۗاٰدَمُ ہَلْ اَدُلُّكَ عَلٰي شَجَرَۃِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلٰى۝۱۲۰
Fawaswasa ilayhi alshshaytanu qala ya adamu hal adulluka AAala shajarati alkhuldi wamulkin la yabla

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد» أي التي يخلد من يأكل منها «ومُلْك لا يبلى» لا يفنى وهو لازم الخلد.

120

Tafseer

الرازي

تفسير : واعلم أنه سبحانه بين أنه عظم آدم عليه السلام بأن جعله مسجوداً للملائكة وبين أنه عرفه شدة عداوة إبليس له ولزوجه وأنه لعداوته يدعوهم إلى المعصية التي إذا وقعت زالت تلك النعم بأسرها، ثم إنه مع ذلك اتفق منه ومن حواء الإقدام على الزلة ما اتفق، والعجب ما روي عن أبي أمامة الباهلي قال: «لو أن أحلام بني آدم إلى قيام الساعة وضعت في كفة ميزان ووضع حلم آدم في الأخرى لرجح حلمه بأحلامهم» ولكن المكادحة مع قضاء الله تعالى ممتنعة، واعلم أن واقعة آدم عجيبة وذلك لأن الله تعالى رغبه في دوام الراحة وانتظام المعيشة بقوله: { أية : فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ ٱلْجَنَّةِ فَتَشْقَىٰ * إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلاَ تَعْرَىٰ * وَأَنَّكَ لاَ تَظْمَؤُا فِيهَا وَلاَ تَضْحَىٰ } تفسير : [طه: 117 ـ 119] ورغبه إبليس أيضاً في دوام الراحة بقوله: {هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ ٱلْخُلْدِ } وفي انتظام المعيشة بقوله: {وَمُلْكٍ لاَّ يَبْلَىٰ } فكان الشيء الذي رغب الله آدم فيه هو الذي رغبه إبليس فيه إلا أن الله تعالى وقف ذلك على الاحتراس عن تلك الشجرة وإبليس وقفه على الإقدام عليها، ثم إن آدم عليه السلام مع كمال عقله وعلمه بأن الله تعالى مولاه وناصره ومربيه أعلمه بأن إبليس عدوه حيث امتنع من السجود له وعرض نفسه للعنة بسبب عداوته، كيف قبل في الواقعة الواحدة والمقصود الواحد قول إبليس مع علمه بكمال عداوته له وأعرض عن قول الله تعالى مع علمه بأنه هو الناصر والمربي. ومن تأمل في هذا الباب طال تعجبه وعرف آخر الأمر أن هذه القصة كالتنبيه على أنه لا دافع لقضاء الله ولا مانع منه، وأن الدليل وإن كان في غاية الظهور ونهاية القوة فإنه لا يحصل النفع به إلا إذا قضى الله تعالى ذلك وقدره. وأما قوله: {فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ ٱلشَّيْطَـٰنُ} فقد تقدم في سورة البقرة أنه كيف وسوس، وبماذا وسوس. فإن قيل: كيف عدى وسوس تارة باللام في قوله: { أية : فَوَسْوَسَ لَهُمَا ٱلشَّيْطَـٰنُ } تفسير : [الأعراف: 20] وأخرى بإلى؟ قلنا قوله: {فوسوس له} معناه لأجله وقوله: {وسوس إِلَيْهِ } معناه أنهى إليه الوسوسة كقوله حدث له وأسر إليه ثم بين أن تلك الوسوسة كانت بتطميعه في أمرين: أحدهما: قوله: {هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ ٱلْخُلْدِ } أضاف الشجرة إلى الخلد وهو الخلود لأن من أكل منها صار مخلداً بزعمه. الثاني: قوله: {وَمُلْكٍ لاَّ يَبْلَىٰ } أي من أكل من هذه الشجرة دام ملكه، قال القاضي: ليس في الظاهر أن آدم قبل ذلك منه بل لو وجدت هذه الوسوسة حال كون آدم عليه السلام نبياً لاستحال أن يكون آدم عليه السلام قبل ذلك منه، لأنه لا بد وأن تحصل بين حال التكليف وحال المجازاة فترة بالموت، وبالمعنى فآدم لما كان نبياً امتنع أن لا يعلم ذلك. قلنا: لا نسلم بأنه لا بد من حصول هذه الفترة بين حال التكليف وحال المجازاة، ولم لا يجوز أن يقال: لا حاجة إلى الفترة أصلاً، وإن كان ولا بد فيكفي حصول الفترة بغشي أو نوم خفيف. ثم إن كان ولا بد من حصول الفترة بالموت فلم قلت: النبي لا بد وأن يعلم ذلك، أليس قوم منكم يقولون إن موسى عليه السلام إنما سأل الرؤية لأنه ما كان يعرف امتناعها على الله تعالى فإذا جاز ذلك الجهل فلم لا يجوز هذا الجهل، ثم ما الدليل على أن آدم كان نبياً في ذلك الوقت فإن مذهبنا أن واقعة الزلة إنما حصلت قبل رسالته لا بعدها، ثم إن الذي يدل على أن آدم عليه السلام قبل ذلك قوله تعالى عقيب ذكر الوسوسة فأكلا منها، وهذا الترتيب مشعر بالعلية كقولهم: «زنى ماعز فرجم» «وسها رسول الله فسجد» فإن هذه الفاء تدل على أن الرجم كالمسبب للزنا والسجود كالمسبب للسهو فكذلك ههنا يجب أن يكون الأكل كالمعلل باستماع قوله: {هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ ٱلْخُلْدِ وَمُلْكٍ لاَّ يَبْلَىٰ } وإنما يحصل هذا التعليل لو قبل آدم ذلك منه، فإنه لو رد قوله لما أقدم على الأكل بناء على قوله، فثبت أن آدم عليه السلام قبل ذلك من إبليس ثم إنه سبحانه بين أنهما لما أكلا بدت لهما سوآتهما، قال ابن عباس: عريا من النور الذي كان الله ألبسهما حتى بدت فروجهما وإنما جمع فقيل سوآتهما كما قال: { أية : صَغَتْ قُلُوبُكُمَا } تفسير : [التحريم: 4] فإن قيل: هل كان ظهور سوآتهما كالجزاء على معصيتهما، قلنا: لا شك أن ذلك كالمعلق على ذلك الأكل، لكن يحتمل أن لا يكون عقاباً عليه، بل إنما ترتب عليه لمصلحة أخرى أما قوله: {وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ ٱلْجَنَّةِ } ففيه أبحاث: البحث الأول: قال صاحب «الكشاف»: طفق يفعل كذا مثل جعل يفعل وأخذ وأنشأ وحكمها حكم كاد في وقوع الخبر فعلاً مضارعاً وبينها وبينه مسافة قصيرة، وهي للشروع في أول الأمر، وكاد لمقاربته والدنو منه. البحث الثاني: قرى يخصفان للتكثير والتكرير من خصف النعل، وهو أن يخرز عليها الخصاف أي يلزقان الورقة على سوآتهما للستر وهو ورق التين، أما قوله: {وَعَصَىٰ ءَادَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ } فمن الناس من تمسك بهذا في صدور الكبيرة عنه من وجهين: الأول: أن العاصي اسم للذم فلا ينطلق إلا على صاحب الكبيرة لقوله تعالى: { أية : وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَـٰلِداً فِيهَا } تفسير : [النساء: 14] ولا معنى لصاحب الكبيرة إلا من فعل فعلاً يعاقب عليه. والوجه الثاني: أن الغواية والضلالة اسمان مترادفان والغي ضد الرشد ومثل هذا الإسم لا يتناول إلا الفاسق المنهمك في فسقه. أجاب قوم عن الكلام الأول فقالوا: المعصية مخالفة الأمر، والأمر قد يكون بالواجب والندب فإنهم يقولون: أشرت عليه في أمر ولده في كذا فعصاني، وأمرته بشرب الدواء فعصاني، وإذا كان الأمر كذلك لم يمتنع إطلاق اسم العصيان على آدم لا لكونه تاركاً للواجب بل لكونه تاركاً للمندوب، فأجاب المستدل عن هذا الاعتراض بأنا بينا أن ظاهر القرآن يدل على أن العاصي مستحق للعقاب والعرف يدل على أنه اسم ذم فوجب تخصيص اسم العاصي بتارك الواجب، ولأنه لو كان تارك المندوب عاصياً لوجب وصف الأنبياء بأسرهم بأنهم عصاة في كل حال لأنهم لا ينفكون من ترك المندوب، فإن قيل: وصف تارك المندوب بأنه عاص مجاز والمجاز لا يطرد، قلنا: لما سلمت كونه مجازاً فالأصل عدمه، أما قوله: أشرت عليه في أمر ولده في كذا فعصاني وأمرته بشرب الدواء فعصاني قلنا: لا نسلم أن هذا الاستعمال مروي عن العرب، ولئن سلمنا ذلك ولكنهم إنما يطلقون ذلك إذا جزموا على المستشير بأنه لا بد وأن يفعل ذلك الفعل وأنه لا يجوز الإخلال بذلك الفعل وحينئذ يكون معنى الإيجاب حاصلاً وإن لم يكن الوجوب حاصلاً، وذلك يدل على أن لفظ العصيان لا يجوز إطلاقه إلا عند تحقق الإيجاب، لكنا أجمعنا على أن الإيجاب من الله تعالى يقتضي الوجوب، فيلزم أن يكون إطلاق لفظ العصيان على آدم عليه السلام إنما كان لكونه تاركاً للواجب، ومن الناس من سلم أن الآية تدل على صدور المعصية منه لكنه زعم أن المعصية كانت من الصغائر لا من الكبائر، وهذا قول عامة المعتزلة وهو أيضاً ضعيف، لأنا بينا أن اسم العاصي اسم للذم، ولأن ظاهر القرآن يدل على أنه يستحق العقاب وذلك لا يليق بالصغيرة، وأجاب أبو مسلم الأصفهاني بأنه عصى في مصالح الدنيا لا فيما يتصل بالتكاليف وكذلك القول في غوى، وهذا أيضاً بعيد لأن مصالح الدنيا تكون مباحة، ومن يفعلها لا يوصف بالعصيان الذي هو اسم للذم ولا يقال: (فدلالهما بغرور) وأما التمسك بقوله تعالى: {فَغَوَىٰ } فأجابوا عنه من وجوه: أحدها: أنه خاب من نعيم الجنة وذلك لأنه لما أكل من تلك الشجرة ليصير ملكه دائماً ثم لما أكل زال فلما خاب سعيه وما نجح قيل إنه غوى، وتحقيقه أن الغي ضد الرشد، والرشد هو أن يتوصل بشيء إلى شيء يوصل إلى المقصود فمن توصل بشيء إلى شيء فحصل له ضد مقصوده كان ذلك غياً. وثانيها: قال بعضهم: غوى أي بشم من كثرة الأكل. قال صاحب «الكشاف»: هذا وإن صح على لغة من يقلب الياء المكسورة ما قبلها ألفاً، فيقول في فنى وبقى فنا وبقا، وهم بنو طيء فهو تفسير خبيث، واعلم أن الأولى عندي في هذا الباب والأحسم للشغب أن يقال: هذه الواقعة كانت قبل النبوة وقد شرحنا ذلك في سورة البقرة. وههنا بحث لا بد منه وهو أن ظاهر القرآن وإن دل على أن آدم عصى وغوى لكن ليس لأحد أن يقول: إن آدم كان عاصياً غاوياً، ويدل على صحة قولنا أمور: أحدها: قال العتبي: يقال لرجل قطع ثوباً وخاطه قد قطعه وخاطه، ولا يقال: خائط ولا خياط حتى يكون معاوداً لذلك الفعل معروفاً به، ومعلوم أن هذه الزلة لم تصدر عن آدم عليه السلام إلا مرة واحدة فوجب أن لا يجوز إطلاق هذا الاسم عليه. وثانيها: أن على تقدير أن تكون هذه الواقعة إنما وقعت قبل النبوة، لم يجز بعد أن قبل الله توبته وشرفه بالرسالة والنبوة، إطلاق هذا الاسم عليه كما لا يقال لمن أسلم بعد الكفر إنه كافر بمعنى أنه كان كافراً، بل وبتقدير أن يقال: هذه الواقعة وقعت بعد النبوة لم يجز أيضاً أن يقال ذلك لأنه عليه السلام تاب عنها، كما أن الرجل المسلم إذا شرب الخمر أو زنى ثم تاب وحسنت توبته لا يقال له بعد ذلك إنه شارب خمر أو زانٍ فكذا ههنا. وثالثها: أن قولنا: عاص وغاو يوهم كونه عاصياً في أكثر الأشياء وغاوياً عن معرفة الله تعالى ولم ترد هاتان اللفظتان في القرآن مطلقتين بل مقرونتين بالقصة التي عصى فيها فكأنه قال: عصى في كيت وكيت وذلك لا يوهم التوهم الباطل الذي ذكرناه. ورابعها: أنه يجوز من الله تعالى ما لا يجوز من غيره، كما يجوز للسيد في عبيده وولده عند معصيته من إطلاق القول ما لا يجوز لغير السيد في عبده وولده، أما قوله: {ثُمَّ ٱجْتَبَـٰهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَىٰ } فالمعنى ثم اصطفاه فتاب عليه أي عاد عليه بالعفو والمغفرة وهداه رشده حتى رجع إلى الندم والاستغفار وقبل الله منه ذلك، روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: « حديث : لو جمع بكاء أهل الدنيا إلى بكاء داود كان بكاؤه أكثر، ولو جمع كل ذلك إلى بكاء نوح لكان بكاء نوح أكثر، وإنما سمي نوحاً لنوحه على نفسه، ولو جمع كل ذلك إلى بكاء آدم لكان بكاء آدم على خطيئته أكثر » تفسير : وقال وهب: إنه لما كثر بكاؤه أوحى الله تعالى إليه وأمره بأن يقول: « لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك عملت سوءاً وظلمت نفسي فاغفر لي إنك خير الغافرين » فقالها آدم عليه السلام ثم قال قل: « لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك عملت سوءاً وظلمت نفسي فارحمني إنك أنت أرحم الراحمين » ثم قال قل: « لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك عملت سوءاً وظلمت نفسي فتب علي إنك أنت التواب الرحيم » قال ابن عباس رضي الله عنهما: هذه الكلمات هي التي تلقاها آدم عليه السلام من ربه.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ ٱلشَّيْطَانُ} تقدّم في «الأعراف». {قَالَ} يعني الشيطان {يٰآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ ٱلْخُلْدِ وَمُلْكٍ لاَّ يَبْلَىٰ } وهذا يدل على المشافهة، وأنه دخل الجنة في جوف الحية على ما تقدّم في «البقرة» بيانه، وتقدم هناك تعيين الشجرة، وما للعلماء فيها فلا معنى للإعادة. {فَأَكَلاَ مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ ٱلْجَنَّةِ} تقدّم في «الأعراف» مستوفى. وقال الفراء: «وَطَفِقَا» في العربية أقبلا؛ قال وقيل: جعلا يلصقان عليهما ورق التين. قوله تعالى: {وَعَصَىٰ ءَادَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ} فيه ست مسائل: لأولى: قوله تعالى: {وَعَصَىٰ} تقدّم في «البقرة» القول في ذنوب الأنبياء. وقال بعض المتأخرين من علمائنا والذي ينبغي أن يقال: إن الله تعالى قد أخبر بوقوع ذنوب من بعضهم، ونسبها إليهم، وعاتبهم عليها، وأخبروا بذلك عن نفوسهم، وتنصّلوا منها، واستغفروا منها وتابوا، وكل ذلك ورد في مواضع كثيرة لا يقبل التأويل جملتها، وإن قبل ذلك آحادها، وكل ذلك مما لا يزري بمناصبهم، وإنما تلك الأمور التي وقعت منهم على جهة الندور، وعلى جهة الخطأ والنسيان، أو تأويل دعا إلى ذلك، فهي بالنسبة إلى غيرهم حسنات، وفي حقهم سيئات بالنسبة إلى مناصبهم، وعلو أقدارهم؛ إذ قد يؤاخذ الوزير بما يثاب عليه السائس؛ فأشفقوا من ذلك في موقف القيامة، مع علمهم بالأمن والأمان والسلامة. قال: وهذا هو الحق. ولقد أحسن الجنيد حيث قال: حسنات الأبرار سيئات المقربين؛ فهم ـ صلوات الله وسلامه عليهم ـ وإن كانوا قد شهدت النصوص بوقوع ذنوب منهم، فلم يخل ذلك بمناصبهم، ولا قدح في رتبتهم، بل قد تلافاهم، واجتباهم وهداهم، ومدحهم وزكاهم واختارهم واصطفاهم؛ صلوات الله عليهم وسلامه. الثانية: قال القاضي أبو بكر بن العربي: لا يجوز لأحد منا اليوم أن يخبر بذلك عن آدم إلا إذا ذكرناه في أثناء قوله تعالى عنه، أو قول نبيه، فأما أن يبتدىء ذلك من قبل نفسه فليس بجائز لنا في آبائنا الأدنين إلينا، المماثلين لنا، فكيف في أبينا الأقدم الأعظم الأكرم النبي المقدّم، الذي عَذَره الله سبحانه وتعالى وتاب عليه وغفر له. قلت: وإذا كان هذا في المخلوق لا يجوز، فالإخبار عن صفات الله عز وجل كاليد والرجل والإصبع والجنب والنزول إلى غير ذلك أولى بالمنع، وأنه لا يجوز الابتداء بشيء من ذلك إلا في أثناء قراءة كتابه أو سنة رسوله، ولهذا قال الإمام مالك بن أنس رضي الله عنه: من وصف شيئاً من ذات الله عز وجل مثل قوله: {أية : وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ يَدُ ٱللَّهِ مَغْلُولَةٌ} تفسير : [المائدة: 64] فأشار بيده إلى عنقه قطعت يده، وكذلك في السمع والبصر يقطع ذلك منه؛ لأنه شبه الله تعالى بنفسه. الثالثة: روى الأئمة واللفظ لمسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : احتج آدم وموسى فقال موسى يا آدم أنت أبونا خيبتنا وأخرجتنا من الجنة فقال آدم له: يا موسى اصطفاك الله عز وجل بكلامه وخطّ لك بيده يا موسى: أتلومني على أمر قدّره الله عليّ قبل أن يخلقني بأربعين سنة فَحَجَّ آدم موسى ثلاثاً» تفسير : قال المهلب قوله: «فحج آدم موسى» أي غلبه بالحجة. قال الليث بن سعد إنما صحت الحجة في هذه القصة لآدم على موسى عليهما السلام من أجل أن الله تعالى قد غفر لآدم خطيئته وتاب عليه، فلم يكن لموسى أن يعيره بخطيئة قد غفرها الله تعالى له؛ ولذلك قال آدم: أنت موسى الذي آتاك الله التوراة، وفيها علم كل شيء، فوجدت فيها أن الله قد قدّر عليّ المعصية، وقدّر علي التوبة منها، وأسقط بذلك اللوم عني أفتلومني أنت والله لا يلومني؛ وبمثل هذا احتج ابن عمر على الذي قال له: إن عثمان فرّ يوم أحد؛ فقال ابن عمر: ما على عثمان ذنب؛ لأن الله تعالى قد عفا عنه بقوله: «وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ». وقد قيل: إن آدم عليه السلام أب وليس تعييره من برّه أن لو كان مما يعيّر به غيره؛ فإن الله تبارك وتعالى يقول في الأبوين الكافرين: {أية : وَصَاحِبْهُمَا فِي ٱلدُّنْيَا مَعْرُوفاً} تفسير : [لقمان: 15] ولهذا إن إبراهيم عليه السلام لما قال له أبوه وهو كافر: {أية : لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ وَٱهْجُرْنِي مَلِيّاً قَالَ سَلاَمٌ عَلَيْكَ} تفسير : [مريم: 46 ـ 47] فكيف بأبٍ هو نبيّ قد اجتباه ربه وتاب عليه وهدى. الرابعة: وأما من عمل الخطايا ولم تأته المغفرة، فإن العلماء مجمعون على أنه لا يجوز له أن يحتج بمثل حجة آدم، فيقول تلومني على أن قتلت أو زنيت أو سرقت وقد قدّر الله علي ذلك؛ والأمة مجمعة على جواز حمد المحسن على إحسانه، ولوم المسيء على إساءته، وتعديد ذنوبه عليه. الخامسة: قوله تعالى: {فَغَوَىٰ } أي ففسد عليه عيشه، حكاه النقاش واختاره القشيري. وسمعت شيخنا الأستاذ المقرىء أبا جعفر القرطبي يقول: {فَغَوَىٰ } ففسد عيشه بنزوله إلى الدنيا؛ والغيّ الفساد؛ وهو تأويل حسن، وهو أولى من تأويل من يقول: «فغوى» معناه ضلّ؛ من الغيّ الذي هو ضد الرشد. وقيل: معناه جهل موضع رشده؛ أي جهل أن تلك الشجرة هي التي نهي عنها؛ والغيّ الجهل. وعن بعضهم «فغوى» فبَشِم من كثرة الأكل؛ الزمخشريّ: وهذا وإن صحّ على لغة من يقلب الياء المكسور ما قبلها ألفاً؛ فيقول في فَنِيَ وبَقِيَ: فَنَى وبَقَى وهم بنو طيّ - تفسير خبيث. السادسة: قال القشيري أبو نصر قال قوم يقال: عصى آدم وغوى ولا يقال له عاصٍ ولا غاوٍ، كما أن من خاط مرة يقال له: خاط، ولا يقال له خيّاط ما لم تتكرر منه الخياطة. وقيل: يجوز للسيد أن يطلق في عبده عند معصيته ما لا يجوز لغيره أن يطلقه، وهذا تكلّف؛ وما أضيف من هذا إلى الأنبياء فإما أن تكون صغائر، أو ترك الأولى، أو قبل النبوّة. قلت: هذا حسن؛ قال الإمام أبو بكر بن فورك رحمه الله تعالى: كان هذا من آدم قبل النبوّة، ودليل ذلك قوله تعالى: {ثُمَّ ٱجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَىٰ} فذكر أن الاجتباء والهداية كانا بعد العصيان، وإذا كان هذا قبل النبوّة فجائز عليهم الذنوب وجهاً واحداً؛ لأن قبل النبوّة لا شرع علينا في تصديقهم، فإذا بعثهم الله تعالى إلى خلقه وكانوا مأمونين في الأداء معصومين لم يضر ما قد سلف منهم من الذنوب. وهذا نفيس والله أعلم.

البيضاوي

تفسير : {فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ ٱلشَّيْطَـٰنُ} فانتهى إليه وسوسته. {قَالَ يَـاءَادَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ ٱلْخُلْدِ} الشجرة التي من أكل منها خلد ولم يمت أصلاً. فأضافها إلى الخلد أي الخلود لأنها سببه بزعمه. {وَمُلْكٍ لاَّ يَبْلَىٰ } لا يزول ولا يضعف.

المحلي و السيوطي

تفسير : {فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ ٱلشَّيْطَٰنُ قَالَ يٰئَادَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ ٱلْخُلْدِ } أي التي يخلد من يأكل منها {وَمُلْكٍ لاَّ يَبْلَىٰ } لا يفنى؟ وهو لازم الخلد.

الخازن

تفسير : {فوسوس إليه الشيطان} أي أنهى إليه الوسوسة فأسر إليه ثم بين تلك الوسوسة ما هي فقال {قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد} أي على الشجرة التي إن أكلت منها بقيت مخلداً {وملك لا يبلى} أي لا يبيد ولا يفنى رغبة في دوام الراحة, فكان الشيء الذي رغب الله فيه آدم رغبة إبليس فيه، إلا أن الله تعالى وقف ذلك على الاحتراز عن تلك الشجرة وإبليس وقفه على الإقدام عليها وآدم مع كمال علمه بأن الله تعالى هو خالقه وربه ومولاه وناصره، وإبليس هو عدوه أعرض عن قول الله تعالى ولم يرد المخالفة ومن تأمل هذا السر عرف أنه لا دفع لقضاء الله ولا مانع منه. وقوله تعالى {فأكلا منها} يعني أكل آدم وحواء من الشجرة {فبدت لهما سوءاتهما} أي عريا من الثياب التي كانت عليهما حتى بدت فروجهما وظهرت عوراتهما {وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة} أي يلزقان بسوءاتهما من ورق التين {وعصى آدم ربه} أي بأكل الشجرة {فغوى} أي فعل ما لم يكن له فعله وقيل أخطأ طريق الحق وضل حيث طلب الخلد بأكل ما نهي عنه فخاب ولم ينل مراده وصار من العز إلى الذل ومن الراحة إلى التعب. قال ابن قتيبة: يجوز أن يقال عصى آدم ولايجوز أن يقال آدم عاص، لأنه إنما يقال لمن اعتاد فعل المعصية كالرجل يخيط ثوبه يقال خاط ثوبه ولا يقال هو خياط حتى يعاود ذلك مراراً ويعتاده. (ق) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه سلم "حديث : احتج آدم وموسى فقال موسى يا آدم أنت أبونا أخرجتنا من الجنة فقال له آدم أنت يا موسى اصطفاك الله بكلامه وخط لك التوراة بيده أفتلومني على أمر قدره الله تعالى علي قبل أن يخلقني بأربعين عاماً فحج آدم موسى ". تفسير : وفي رواية لمسلم "حديث : قال آدم بكم وجدت الله كتب التوراة قبل أن أخلق قال موسى بأربعين سنة قال فهل وجدت فيها وعصى آدم ربه فغوى. قال له نعم قال فهل تلومني على أن عملت عملاً كتب الله علي أن أعمله قبل أن يخلقني بأربعين سنة. قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فحج آدم موسى ". تفسير : (الكلام على معنى الحديث وشرحه) قوله احتج آدم وموسى: المجادلة والمخاصمة يقال حاججت فلاناً فحججته أي جادلته فغلبته. قال أبو سليمان الخطابي: قد يحسب كثير من الناس أن معنى القدر والقضاء من الله تعالى على معنى الإجبار والقهر للعبد على ما قضاه وقدره، ويتوهم أن قوله فحج آدم وموسى من هذا الوجه وليس كذلك. وإنما معناه الإخبار عن تقدم علم الله بما يكون من أفعال العباد وإكسابهم وصدورها عن تقدير منه وخلق لها خيرها وشرها. والقدر اسم لما صدر مقدراً عن فعل القادر والقضاء في هذا معناه الخلق وإذا كان الأمر كذلك فقد بقي عليهم من وراء علم الله فهم أفعالهم وأكسابهم ومباشرتهم الأمور وملابستهم إياها عن قصد وتعمد وتقدم إرادة واختبار. فالحجة إنما تلزمهم بها واللائمة تلحقهم عليها وجماع القول في هذا أنهما أمران لا ينفك أحدهما عن الآخر لأن أحدهما بمنزلة الأساس والآخر بمنزلة البناء. فمن رام الفصل بينهما فقد رام هذا البناء ونقضه وإنما موضع الحجة لآدم على موسى أن الله تعالى كان قد علم من آدم أنه يتناول الشجرة ويأكل منها، فكيف يمكنه أن يرد علم الله فيه وأن يبطله بعد ذلك. وإنما كان تناوله الشجرة سبباً لنزوله إلى الأرض التي خلق لها وإنما أدلى آدم بالحجة على هذا المعنى ودفع لائمة موسى عن نفسه ولذلك قال أتلومني على أمر الله علي من قبل أن يخلقني. (فصل: في بيان عصمة الأنبياء وما قيل في ذلك) قال الإمام فخر الدين الرازي: اختلف الناس في عصمة الأنبياء وضبط القول فيها يرجع إلى أقسام أربعة، أحدهما: ما يقع في باب الاعتقاد وهو اعتقاد الكفر والضلال فإن ذلك غير جائز عليهم. والثاني: ما يتعلق بالتبليغ فقد أجمعت الأمة على كونهم معصومين عن الكذب مواظبين على التبليغ والتحريض. وإلا لارتفع الوثوق بالأداء واتفقوا على أن ذلك لا يجوز وقوعه منهم عمداً ولا سهواً ومن الناس من جوز ذلك سهواً قالوا لأن الاحتراز عنه غير ممكن. الثالث: ما يتعلق بالفتيا فأجمعوا على أنه لا يجوز خطؤهم فيها على سبيل العمد وأجازه لبعضهم على سبيل السهو. الرابع: ما يقع في أفعالهم فقد اختلفت الأمة فيه على خمسة أقوال. أحدها: قول من جوز عليهم الكبائر. الثاني: قول من منع من الكبائر وجوز الصغائر على جهة العمد وهو قول أكثر المعتزلة. الثالث: لا يجوز أن يأتوا بصغيرة ولا كبيرة ألبتة بل على جهة التأويل وهو قول الجبائي. الرابع: أنه لا يقع منهم الذنب إلا على جهة السهو والخطأ. الخامس: أنه لا يقع منهم لا كبيرة ولا صغيرة لا على سبيل العمد ولا على سبيل السهو ولا على سبيل التأويل، وهو قول الشيعة. واختلفت الناس في وقت العصمة على ثلاثة أقوال: أحدها: قول من ذهب إلى أنهم معصومون من حين وقت الولادة وهو قول الشيعة. الثاني: قول من ذهب إلى عصمتهم من وقت بلوغهم وهو قول أكثر المعتزلة. الثالث قول من ذهب إلى أن ذلك لا يجوز منهم بعد النبوة وهو قول أكثر أصحابنا وأبي الهزيل وأبي علي من المعتزلة. قال الإمام والمختار عندنا لم يصدر عنهم ذنب لا صغيرة ولا كبيرة من حين جاءتهم النبوة. ويدل عليه وجوه أحدها: لو صدر الذنب عنهم لكانوا أقل درجة من أحد الأمة وذلك غير جائز لأن درجة الأنبياء غاية في الرفعة والشرف. الثاني: لو صدر منه وجب أن لا يكون مقبول الشهادة فكان أقل حالاً من عدول الأمة وذلك غير جائز أيضاً لأن معنى النبوة والرسالة هو أنه يشهد على الله أنه شرع هذا الحكم، وأيضاً فإنه يوم القيامة شاهد على الكل. الثالث: لو صدر من النبي ذنب وجب الاقتداء به فيه وذلك محال. الرابع: ثبت ببديهة العقل أنه لا شيء أقبح بمن رفع الله درجته وائتمنه على وحيه وجعله خليفته في عباده وبلاده يسمع ربه يناديه لا تفعل كذا فيقدم عليه ويفعله ترجيحاً لغرضه. واجتمعت الأمة على أن الأنبياء كانوا يأمرون الناس بطاعة الله فلو لم يطيعوه لدخلوا تحت قوله {أية : أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون}تفسير : [البقرة: 44] وقال {أية : وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه}تفسير : [هود: 88]. الخامس: قال الله تعالى {أية : إنهم كانوا يسارعون في الخيرات}تفسير : [الأَنبياء: 90] ولفظه للعموم فيتناول الكل ويدل على فعل ما ينبغي فعله وترك ما ينبغي تركه، فثبت أن الأنبياء كانوا فاعلين لكل خير وتاركين لكل منهي وذلك ينافي صدور الذنب عنهم. السادس: قال الله تعالى: {أية : الله يصطفي من الملائكة رسلاً ومن الناس إن الله سميع بصير} تفسير : .[الحج: 75]وقال تعالى: {أية : إن الله اصطفى آدم وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين}تفسير : [آل عمران: 33] وقال تعالى في حق موسى: {أية : إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي}تفسير : [الأَعراف: 144] وقال تعالى: {أية : واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار}تفسير : [ص: 45-46] وغير ذلك من الآيات التي تدل على كونهم موصوفين بالاصطفاء والخيرة، وذلك ينافي صدور الذنب عنهم، وذكر غير ذلك من الوجوه. قال وأما المخالف فقد تمسك بآيات منها قصة آدم هذه. والجواب عنها أن نقول إن كلامهم إنما يتم أن لو بينوا بالدلالة أن ذلك كان حال النبوة وذلك ممنوع ولم لا يجوز أن يقال إن آدم حال ما صدرت عنه هذه الأشياء ما كان نبياً وإن هذه الواقعة كانت قبل النبوة وإن الله تعالى قبل توبته وشرفه بالنبوة والرسالة. وقال القاضي عياض وأما قصة آدم {وعصى آدم ربه فغوى} أي جهل وقيل أخطأ فقد أخبر الله تعالى بعذره في قوله: {أية : ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما}تفسير : [طه: 115] أي نسي عداوة إبليس له وما عهد الله إليه. وقيل لم يقصد المخالفة استحلالاً لها ولكنه اغتر بحلف إبليس له إني لكما لمن الناصحين وتوهم أن أحداً لا يحلف بالله كاذباً، وقيل نسي ولم ينو المخالفة فلذلك قال ولم نجد له عزماً أي قصداً للمخالفة، وقيل بل أكل من الشجرة متأولاً وهو لا يعلم أنها الشجرة التي نهي عنها لأنه تأول نهي الله عن شجرة مخصوصة لا على الجنس، ولهذا قيل إنما كانت التوبة من ترك التحفظ لا من المخالفة وقيل تأويل أن الله تعالى لم ينه نهي تحريم. فإن قلت إذا نفيت عنهم الذنوب والمعاصي فما معنى قوله: {وعصى آدم ربه فغوى} وما تكرر في القرآن والحديث من اعتراف الأنبياء بذنوبهم وتوبتهم واستغفارهم وإشفاقهم وبكائهم على ما سلف منهم وهل يتوب ويستغفر من لا شيء عليه. قلت إن درجة الأنبياء من الرفعة والعلو والمعرفة بالله وسنته في عباده وعظم سلطانه وقوة بطشه، مما يحملهم على الخوف منه جل جلاله والإشفاق من المؤاخذة بما لا يؤاخذ به غيرهم، وإنهم في تصرفهم بأمور لم ينهوا عنها ولم يؤمروا، وآتوها على وجه التأويل أو السهو وتزيدوا من أمور الدنيا المباحة أوخذوا عليها وعوتبوا بسببها أو حذروا من المؤاخذة بها فهم خائفون وجلون، وهي ذنوب بالإضافة إلى علو منصبهم ومعاص بالنسبة إلى كمال طاعتهم، لا أنها ذنوب كذنوب غيرهم ومعاصيهم كان هذا أدنى أفعالهم وأسوأ ما يجري من أحوالهم كما قيل حسنات الأبرار سيئات المقربين، أي يرونها بالإضافة إلى علو أحوالهم كالسيئات وسنذكر في كل موضع ما يليق به وما قيل فيه إن شاء الله تعالى. قوله عز وجل: {ثم اجتباه ربه} أي اختاره واصطفاه {فتاب عليه} أي عاد بالعفو والمغفرة {وهدى} أي هداه لرشده حتى رجع إلى الندم والاستغفار {قال اهبطا منه جميعاً} قيل الخطاب لآدم ومعه ذريته ولإبلس ومعه ذريته فصح قوله اهبطا لاشتمال كل واحد من الجنسين على الكثرة، وقيل الخطاب لآدم وحواء لأنهما أصل البشر فجعلا كأنهما البشر فخوطبا بلفظ الجمع {بعضكم لبعض عدو} وقيل في تقوية هذا الظاهر حقه أن يكون إبليس والشياطين أعداء الناس، ويحتمل أن يكون بعض الفريقين لبعض عدواً {فأما يأتينكم مني هدى} أي كتاب ورسول {فمن اتبع هدايَ} أي الكتاب والرسول {فلا يضل ولا يشقى} قال ابن عباس: من قرأ القرآن واتبع ما فيه هداه الله من الضلالة ووقاه يوم القيامة سوء الحساب وذلك لأن الله تعالى يقول فمن اتبع هداي فلا يضل أي في الدنيا ولا يشقى أي في الآخرة {ومن أعرض عن ذكري} يعني القرآن فلم يؤمن به ولم يتبعه {فإن له معيشة ضنكاً} روي عن ابن مسعود وأبي سعيد الخدري رضي الله عنهم أنهم قالوا هو عذاب القبر. قال ابو سعيد يضغط في القبر حتى تخلتف أضلاعه. وفي بعض المسانيد مرفوعاً يلتئم عليه القبر حتى تختلف أضلاعه، فلا يزال يعذب حتى يبعث وقيل الزقوم والضريع والغسلين في النار، وقيل الحرام والكسب الخبيث. وقال ابن عباس الشقاء وعنه قال كل ما أعطي العبد قل أم كثر فلم يتق فلا خير فيه وهو الضنك في المعيشة. وإن قوماً أعرضوا عن الحق وكانوا أولي سعة من الدنيا مكثرين منها فكانت معيشتهم وذلك أنهم يرون أن الله ليس بمخلف لهم فاشتدت عليهم معايشهم من سوء ظنهم بالله تعالى. وقيل يسلب القناعة حتى لا يشبع {ونحشره يوم القيامة أعمى} قال ابن عباس أعمى البصر وقيل أعمى عن الحجة {قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيراً} يعني بصيراً العين أو بصير بالحجة {قال كذلك } يعني كما {أتتك آياتنا فنسيتها} يعني فطردتها وأعرضت عنها {وكذلك اليوم تنسى} يعني تترك في النار وقيل نسوا من الخير والرحمة ولم ينسوا من العذاب {وكذلك نجزي من أسرف} يعني كما جزينا من أعرض عن القرآن كذلك نجزي من أسرف أي أشرك {ولم يؤمن بآيات ربه ولعذاب الآخرة أشد} يعني مما يعذبهم الله به في الدنيا والقبر {وأبقى} يعني وأدوم قوله تعالى: {أفلم يهد لهم} يعني أفلم يبين القرآن لكفار مكة {كم أهلكنا قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم} يعني في ديارهم ومنازلهم إذ سافروا وذلك أن قريشاً كانوا يسافرون إلى الشام فيرون ديار المهلكين من أصحاب الحجر وهم ثمود وقريات قوم لوط {إن في ذلك لآيات لأولي النهى} أي لذوي العقول {ولولا كلمة سبقت من ربك} أي ولولا حكم سبق بتأخير العذاب عنهم {لكان لزاماً وأجل مسمى} تقديره ولولا كلمة سبقت من ربك وأجل مسمى وهو القيامة لكان العذاب لازماً لهم في الدنيا كما لزم القرون الماضية الكافرة.

الثعالبي

تفسير : وقوله: {فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ} * ص *: عدّي هنا بـ «إلىٰ» على معنى أنهى الوسوسة إليه، وفي «الأعراف» باللام، فقال أبو البقاء: لأنه بمعنى ذكر لهما. انتهى. ثم أعلمهم سُبْحانه: أن من اتّبع هُدَاه فلا يضِلّ في الدنيا، ولا يَشْقَىٰ في الآخرة، وأنَّ من أعرض عن ذِكْر اللّه، وكفر به؛ فَإنَّ له معيشةً ضَنْكاً، و«الضَّنْك»: النكدُ الشاقّ من العيش والمنازل، ونحو ذلك. وهل هذه المعيشةُ الضنك تكون في الدنيا، أو في البَرْزَخ، أو في الآخرة؟ أقوال. * ت *: ويُحْتَمَلُ في الجميع، قال القرطبي: قال أبو سعيد الخُدْرِيّ، وٱبْنُ مسعودٍ: ضَنْكاً: عذاب القبر، وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : أتَدْرُونَ فِيمَنْ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيةُ: {فَإنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً ونَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ أَعْمَىٰ} أَتَدْرُونَ مَا الْمَعِيشَةُ الضَّنك؟ قالوا: اللّهُ ورَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: عَذَابُ الكَافِرِ فِي الْقَبْرِ؛ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إنَّهُ لَيُسَلَّطُ عَلَيْهِ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ تِنِّيناً ـــ وَهِيَ الحَيَّاتُ ـــ لكُلِّ حَيَّةٍ تِسْعَةُ رُؤُوسٍ، يَنْفُخْنَ في جِسْمِهِ، وَيَلْسَعْنَهُ وَيَخْدِشْنَهُ إلَىٰ يَوْمِ القِيَامَةِ، ويُحْشَرُ مِنْ قَبْرِهِ إلَىٰ مَوْقِفِهِ أَعْمَىٰ»تفسير : . انتهى من «التذكرة» فَإنْ صَحَّ هذا الحديث، فلا نظر لأحد معه، وإن لم يصحَّ، فالصوابُ حملُ الآية على عُمُومها؛ والله أعلم. قال الثَّعْلَبِيُّ: قال ٱبنُ عباس: {فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يضِلُّ وَلاَ يَشْقَىٰ} قال: أَجار اللّهُ تعالى تابعَ القرآن من أنْ يضل في الدنيا، أو يشقى في الآخرة. وفي لفظ آخر: «ضمن اللّهُ تعالى لمن قرأَ القرآن...» الحديث، وعنه: مَنْ قرأَ القرآن واتَّبع ما فيه، هَدَاهُ اللّه تعالى مِنَ الضَّلاَلَةِ ووقاه اللّهُ تَعَالَى يَوْمَ القِيَامَةِ سُوءَ الحِسَابِ. انتهى. وقولُه سبحانه: «ونَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أعْمَىٰ» قالت فرقةٌ: وهو عَمَى البَصَر، وهذا هو الأوْجه، وأما عمى البَصِيرة، فهو حاصل للكافر. وقوله سبحانه: «كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا» النسيان هنا: هو التركُ، ولا مَدْخَلَ للذهول في هذا الموضع، و {تُنْسَىٰ} أيضاً بمعنى: تُتْرك في العذاب.

ابن عادل

تفسير : قوله: "فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ" أي: أنهى إليه الوسوسة، وأمَّا وَسوَسَ له فمعناه: لأجله قال الزمخشري: فإن قلت: كيف عدّى وَسْوَسَ باللام في قوله: {أية : فَوَسْوَسَ لَهُمَا ٱلشَّيْطَٰنُ} تفسير : [الأعراف: 20] وأخرى بإلى؟ قلت: وَسْوَسَةُ الشيطان كَوَلْوَلَةِ الثكلى ووَقْوَقَة الدجاجة في أنها حكايات الأصوات، فحكمُها حكمُ صوت أو جرس، ومنه: وسوسة المُبْرسَم وهو مُوَسْوس بالكسر، والفتح لحسن، وأنشد ابن الأعرابي: شعر : 3699- وَسْوَسَ يدعُو مُخْلصاً رَبَّ الفَلَقْ تفسير : فإذا قلت: وسوس له فمعناه لأجله كقوله: شعر : 3700- أجْرِسْ لَهَا يَا ابْنَ أبِي كِبَاشِ تفسير : ومعنى وسوس إليه أنهى الوسوسة كقوله: حدث إليه. وقال أبو البقاء: عُدّي "وَسْوَسَ" بـ "إلى" لأنه بمعنى أسرَّ، وعداه في موضع آخر باللام، لكونه بمعنى ذَكَرَ له، أو تكون بمعنى لأجله. قوله: {هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ ٱلْخُلْدِ} يعني على شجرة إن أكلتَ منها بَقيتَ مخلداً، {وَمُلْكٍ لاَ يَبْلَىٰ} أي مَنْ أكل من هذه الشجرة دام ملكه. قال ابن الخطيب: واقعة آدم عجيبة، وذلك لأن الله تعالى رغَّبه في دوام الراحة وانتظام المعيشة بقوله: {أية : فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ ٱلْجَنَّةِ فَتَشْقَىٰ إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلاَ تَعْرَىٰ وَأَنَّكَ لاَ تَظْمَأُ فِيهَا وَلاَ تَضْحَىٰ} تفسير : [طه: 117-119] ورغَّبه إبليس أيضاً في دوام الراحة بقوله: {هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ ٱلْخُلْدِ} وفي انتظام المعيشة بقوله: {وَمُلْكٍ لاَ يَبْلَىٰ} فكان الشيء الذي رغَّب (الله تعالى آدم) فيه هو الذي رغبه إبليس فيه إلا أن الله تعالى وقف ذلك على الاحتراس عن تلك الشجرة، وإبليس وقعه على الإقدام عليها، ثم إن آدم - عليه السلام - مع كمال عقله وعلمه (بأن الله تعالى مولاه وناصره ومربيه، وأعلمه) بأن عدوه حيث امتنع من السجود له، وعرض نفسه للعنة بسبب عداوته، كيف قبل في الواقعة الواحدة والمقصود الواحد قول إبليس مع علمه بعداوته له، وأعرض عن قول الله تعالى مع علمه بأنه هو الناصر والمولى. ومن تأمل هذا الباب طال تعجبه، وعرف آخر الأمر أنّ هذه القصة كالتنبيه على أنه لا دافع لقضاء الله، ولا مانع منه، وأن الدليل وإن كان في غاية الظهور ونهاية القوة فإنه لا يحصل النفع به إلا إذا قضى الله ذلك وقدره. روى البخاريُّ ومسلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "حديث : احتجَّ آدمُ وموسى عند ربهما، فحَجَّ آدمُ موسى، قال موسى: أنت آدم الذي خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته وأسكنك في جنته، ثم أهبطت الناس بخطيئتك إلى الأرض، فقال آدم: أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالته وبكلامه، وأعطاك الألواح فيها تبيان كل شيء وقربك نجياً وجدت الله كتب التوراة قبل أن أخلق، قال موسى: بأربعين عاماً، قال آدم: فهل وجدت فيها {وَعَصَىٰ ءَادَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ}؟ قال نعم، قال أفتلومني على أن عملت عملاً كتب الله عليّ أن أعمله قبل أن يخلقني بأربعين سنة. قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فحَجَّ آدمُ مُوسَى ". تفسير : وروى مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "حديث : كَتَبَ الله مَقَادِير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، قال وعَرْشُهُ على الماء"تفسير : . وقال: "حديث : كل شيء خلقه بقدر حتى العَجْز والكَيْسُ"تفسير : . قوله: "فَأَكَلاَ مِنْهَا" يعني آدم وحواء. {فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا}. قال ابن عباس: عريا من النور الذي كان الله ألبسهما حتى بدت فروجهما. وإنما جمع "سَوْآتِهمَا" كما قال: "صَغَتْ قُلُوبُكُمَا". {وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ ٱلْجَنَّةِ} قال الزمخشري: طَفِقَ بفعل كذا مثل جعل يفعَلُ وأخَذَ وأنْشَأ، وحكمها حكم كاد في وقوع الخبر فعلاً مضارعاً وبينها وبينه مسافة قصيرة. وقرىء "يُخَصِّفان" للتكثير والتكرير من خصف النعل، وهو أن يخرز عليها الخصاف، أي: يلزقان الورق بسوآتهما للتستر، وهو ورق التين. قوله: {وَعَصَىٰ آدَمُ رَبَّهُ} بأكل الشجرة "فَغَوى" أي" فعل (ما لم يكن له فعله). وقيل: أخطأ طريق الجنة وضلَّ حيث طلب الخلد بأكل ما نهي عن أكله فخاف ولم ينل مراده. وقال ابن الأعرابي: أي: فسد عليه عيشه وصار من العز إلى الذل، ومن الراحة إلى التعب. قال ابن قتيبة: يجوز أن يقال: عَصَى آدمُ، ولا يجوز أن يقال: آدم عاصٍ (لأنه إنما يقال: عَاصٍ) لمن اعتاد فعل المعصية كالرجل يخيط ثوبه فيقال خاط ثوبَه، ولا يقال: هو خياط (حتى يعاوده ويعتاده). قوله: "فَغَوَى" الجمهور على فتح الواو بعدها ألف وتقدم تفسيرها. وقيل: معناه بشم من قولهم: غوي البعير بكسر الواو والياء إذا أصابه ذلك. وحكى أبو البقاء هذه قراءة وفسروها بهذا المعنى. قال الزمخشري: زعم بعضهم "فَغَوى" فَبَشَم من كثرة الأكل، وهذا وإن صح على لغة من يقلب الياء المكسور ما قبلها ألفاً، فيقول في فَنِيَ، وبَقِيَ: فَنَا وَبَقَا، وهم بنو طيىء تفسير خبيث. قال شهاب الدين: كأنه لم يطلع على أنه قرىء بكسر الواو، ولو اطلع عليها لردها، وقد فرَّ القائل بهذه المقالة من نسبة آدم - عليه السلام - إلى الغي. فصل تمسك بعضهم بقوله: {وَعَصَىٰ ءَادَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ} في صدور الكبيرة عنه من وجهين: أحدهما: أن العاصي اسم للذمِّ فلا يطلق إلا على صاحب الكبيرة، ولقوله تعالى: {أية : وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَآ} تفسير : [الجن: 23] ولا معنى لصاحب الكبيرة إلا من فَعَل فِعْلاً يُعَاقَبُ عليه. الثاني: أن الغواية والضلالة اسمان مترادفان، والغي ضد الرشد، ومثل هذا لا يتناول إلا الفاسق المنهمك في فسقه. وأجيب عن الأول: بأن المعصية مخالفة الأمر، والأمر قد يكون بالواجب وبالندب، فإنك تقول: أمرته فعَصَاني، وأمرته بشرب الدواء فَعَصَاني وإذا كان كذلك لم يمتنع إطلاق اسم العصيان على آدم بكونه تاركاً للمندوب فأجاب المستدل بأنا قد بيّنّا أن ظاهر القرآن يدل على أنَّ العاصي يستحق العقاب، والعرف يدل على أنه اسم ذم، فوجب تخصيص اسم العاصي بتارك الواجب، ولأنه لو كان تارك المندوب عاصياً لوجب وصف الأنبياء بأسرهم بأنهم عصاة، لأنهم لا ينفكون من ترك المندوب. فإن قيل: وصف تارك المندوب بأنه عاص مجاز والمجاز لا يطرد. قلنا: لما سلمت كونه مجازاً فالأصل عدمه، وأما قوله: يقال أمرته بشرب الدواء فَعَصَاني، قلنا: لا نُسَلِّم أن هذا الاستعمال مروي عن العرب، ولئن سلَّمنا ذلك لكنهم إنما يطلقون ذلك إذا أجزموا عليه بالفعل. وحينئذ يكون معنى الإيجاب حاصلاً، وإن لم يكن الوجوب حاصلاً، وذلك يدل على أنَّ لفظ العصيان لا يجوز إطلاقه إلا عند تحقق الإيجاب، لكنا أجمعنا على أن الإيجاب من الله تعالى يقتضي الوجوب، فيلزم أن يكون إطلاق لفظ العصيان على آدم - عليه السلام - إنما كان لكونه تاركاً للواجب ومن الناس من سلَّم أن الآية تدل على صدور المعصية منه، لكنه زعم أن المعصية كانت من الصغائر لا من الكبائر، وهذا قول عامة المعتزلة. وهذا أيضاً ضعيف، لأنا بينا أن اسم العاصي اسم للذم، وأن ظاهره يدل على أنه يستحق العقاب، وذلك لا يليق بالصغيرة، وأجاب أبو مسلم: بأنه عَصَى في مصالح الدنيا لا فيما يتصل بالتكاليف، وكذا القول في "غَوَى". وهذا أيضاً بعيد، لأن مصالح الدنيا مباحة، من تركها لا يوصف بالعصيان الذي هو اسم ذم، ولا يقال: {أية : فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ} تفسير : [الأعراف: 22]. وأما التمسك بقوله: "فَغَوَى" فأجابوا عنه من وجوه: أحدها: أنه خابَ من نعيم الجنة، لأنه إنما أكل من الشجرة ليدومَ مُلْكه، فلما أكل زال، فلما خاب سَعْيه قيل: إنَّه غَوَى. وتحقيقه أن الغَيَّ ضدُّ الرشد، والرشد هو أن يتوصل بشيء إلى شيء فيصل إلى المقصود، ومن توصل بشيء إلى شيء فحصل ضد مقصوده كان ذلك غياً. وثانيها: قال بعضهم غَوَى أي: بَشَم من كثرة الأكل. قال ابن الخطيب: والأولى عندي في هذا الباب أن يقال: هذه الواقعة كانت قبل النبوة، وقد تقدم شرح ذلك في البقرة. وهاهنا بحث لا بد منه، وهو أن ظاهر القرآن وإن دلَّ على أن آدم عصى وغوى، ولكن ليس لأحد أن يقول: إن آدم كان عاصياً غاوياً. ويدل على صحة هذا القول أمور: أحدها: قال العُتبي: يقال للرجل يخيط ثوبه خاط ثوبه، ولا يقال: هو خياط حتى يعاوده ويعتاده، ويصير معروفاً بالخياطة. وهذه الزلة لم تصدر عن آدم إلا مرة واحدة، فوجب أن لا يجوز إطلاق الاسم عليه. وثانيها: أن على تقدير أن تكون هذه الواقعة إنما وقعت قبل النبوة، لم يجز بعد أن قبل الله توبته وشرَّفه بالرسالة والنبوة إطلاق هذا الاسم عليه كما لا يقال لمن أسلم بعد الكفر أو شرب أو زنا ثم تاب وحسنت توبته لا يقال له بعد ذلك كافر أو شارب أو زانٍ فكذا هنا. وثالثها: أن قولنا: عاصٍ وغاوٍ يُوهِمُ كونه عاصياً في أكثر الأشياء، (وغاوياً عن معرفة الله تعالى) ولم ترد هاتان اللفظتان في القرآن مطلقتين بل مقرونتين بالقصة التي عَصَى فيها، فكأنه قال: عصى في كيت وكيت، وذلك لا يوهم ما ذكرنا. ورابعها: أنه يجوز من الله ما لا يجوز من غيره، كما يجوز للسيد من ولده وعبده عند معصيته من إطلاق القول ما لا يجوز لغيره. قوله: {ثُمّ ٱجْتَبَاهُ رَبُّه} أي: اختاره واصطفاه، "فَتَابَ عَلَيْه" بالعفو وهداه إلى التوبة حين قال: {أية : رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا} تفسير : [الأعراف: 23]. قال عليه السلام: لو جُمِع بكاء أهل الدنيا إلى بكاء داود لكان بكاؤه أكثر ولو جمع ذلك إلى نوح لكان بكاؤه أكثر، وإنما سمي نوحاً لنوحه على نفسه. ولو جمع ذلك كله إلى بكاء آدم على خطيئته كان بكاؤه أكثر. قال وهب: لمّا كثر بكاؤه أمره الله تعالى أن يقول: "لاَ إلَه إلاَّ أنْتَ سُبْحَانَكَ وبحمدِك عَملتُ سوءاً وظَلَمْتُ نفسي فاغفر لي فإنَّكَ خَيْرُ الغَافِرِينَ" فقالها آدم، ثم قال: قل "سُبْحَانَكَ لاَ إلَهَ إلاَّ أنْتَ عَمِلتُ سوءاً وظلَمْتُ نَفْسِي فتُبْ عليَّ إنَّكَ أنْتَ التَوَّابُ". قال ابن عباس: هذه الكلمات التي تلقاها آدم من ربه.

ابو السعود

تفسير : {فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ ٱلشَّيْطَـٰنُ} أي أنهى إليه وسوسته أو أسرها إليه {قَالَ} إما بدلٌ من وسوس أو استئناف وقع جواباً عن سؤال نشأ منه، كأنه قيل: فماذا قال في وسوسته؟ فقيل: قال: {يـٰئَادَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ ٱلْخُلْدِ} أيْ شجرةٍ مَنْ أكل منها خلّد ولم يمُت أصلاً سواءٌ كان عن حاله أو بأن يكون ملَكاً لقوله تعالى: { أية : إِلا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ ٱلْخَـٰلِدِينَ} تفسير : [الأعراف: 20] {وَمُلْكٍ لاَّ يَبْلَىٰ} أي لا يزول ولا يختلّ بوجه من الوجوه. {فَأَكَلاَ مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْءتُهُمَا} قال ابن عباس رضي الله عنهما: عَرِيا عن النور الذي كان الله تعالى ألبسهما حتى بدت فروجُهما {وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ ٱلْجَنَّةِ} قد مر تفسيرة في سورة الأعراف {وَعَصَىٰ ءادَمَ رَبَّهُ} بما ذكر من أكل الشجرة {فَغَوَىٰ} ضل عن مطلوبه الذي هو الخلودُ أو المأمورُ به أو عن الرَّشَد حيث اغتر بقول العدوّ، وقرىء فغوي من غوي الفصيل إذا أُتخم من اللبن، وفي وصفه عليه السلام بالعصيان والغَواية مع صغر زلّتِه تعظيمٌ لها وزجرٌ بليغ لأولاده عن أمثالها. {ثُمَّ ٱجْتَبَـٰهُ رَبُّهُ} أي اصطفاه وقرّبه إليه بالحمل على التوبة والتوفيقِ لها، من اجتبى الشيءَ بمعنى جباه لنفسه أي جمعه، كقوله: اجتمعتُه أو من جبىٰ إليّ كذا فاجتبـيته مثل جليتُ على العروس فأجليتُها، وأصلُ الكلمة الجمعُ وفي التعرض لعنوان الربوبـيةِ مع الإضافة إلى ضميره عليه السلام مزيدُ تشريفٍ له عليه السلام {فَتَابَ عَلَيْهِ} أي قبِل توبتَه حين تاب هو وزوجتُه قائلين: { أية : رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ} تفسير : [الأعراف: 23] وإفرادُه عليه السلام بالاجتباء وقَبولِ التوبة قد مرّ وجهُه {وَهَدَىٰ} أي إلى الثبات على التوبة والتمسكِ بأسباب العصمة. {قَالَ} استئنافٌ مبنيّ على سؤال نشأ من الإخبار بأنه تعالى قبِل توبته وهداه، كأنه قيل: فماذا أمره تعالى بعد ذلك؟ فقيل: قال له ولزوجته: {ٱهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً} أي انزِلا من الجنة إلى الأرض وقوله تعالى: {بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ} حالٌ من ضمير المخاطب في اهبِطا والجمعُ لما أنهما أصلُ الذرية ومنشأُ الأولاد، أي مُتعادِين في أمر المعاشِ كما عليه الناسُ من التجاذُب والتحارُب {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مّنّى هُدًى} من كتاب ورسول {فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَاىَ} وُضع الظاهرُ موضعَ المضمرِ مع الإضافة إلى ضميره تعالى لتشريفه والمبالغة في إيجاب اتباعِه {فَلاَ يَضِلُّ} في الدنيا {وَلاَ يَشْقَىٰ} في الآخرة.

القشيري

تفسير : وسوس إليه الشيطان وكان الحقُّ يعلم ذلك ولم يذكُرْ آدمُ في الحال أن هذا من نزعات مَنْ قال له - سبحانه -: {أية : إِنَّ هَـٰذَا عَدُوٌّ لَّكَ}تفسير : [طه: 117]. ويقال: لو عَمَّى على إبليس تلك الشجرة حتى لم يعرفها بعينها، ولو لم يكن (...) حتى دلَّه على تلك الشجرة إيش الذي كان يمنعه منه إلا أَنَّ الحُكمَ منه بذلك سَبَقَ، والإرادةَ به تعلَّقت؟ ويقال إن الشيطان ظهر لآدم عليه السلام بعد ذلك فقال له: يا شقيُّ، فعلتَ وصنعتَ..! فقال إبليس لآدم: إنْ كنتُ شيطانَك فَمَنْ كان شيطاني؟ ويقال سُمِّي الشيطان شيطاناً لبعده عن طاعة الله، فكلُّ بعيدٍ عن طاعة الله يُبْعِدُ الناسَ عن طاعة الله فهو شيطان، ولذلك يقال: شياطين الإِنْسِ، وشياطين الإِنْسِ شرٌّ من شياطين الجن. ويقال لما طمع آدم في البقاء خالداً وَجَدَ الشيطان سبيلاً إليه بوسوسَتِه. والناسُ تكلموا في الشجرة: ما كانت؟ والصحيحُ أَنْ يقالَ إنها كانت شجرة المحنة. ويقال لو لم تُخْلَقْ في الجنة تلك الشجرة لَمَا كان في الجنة نقصانٌ في رتبتها. ويقال لولا أنه أراد لآدم ما كان لطالت تلك الشجرة حتى ما كانت لِِتَصلَ إليها يَدُه، ولكنه - كما في القصة - كانت لا تصل لى أوراقها يده - بعد ما أكل منها - حينما أراد أَنْ يأخذَ منها لِيَسْتُرَ عورتَه.

البقلي

تفسير : اجرى الله هذه الكلمة الغيبية على لسان الشيطان وهو بذلك مغرور طن انه اوقع أدم فى تيه الفرقة الابدية ولم يعلم ان ذلك سبب الوصلة الابدية وانها شجرة الخلد بالحقيقة لان الشجرة ملبسة بانوار السلطانة حاملة باسرار الربانية.

اسماعيل حقي

تفسير : {فوسوس اليه الشيطان} اى انهى الى آدم وسوسته وابلغ فتعديته بالى باعتبار تضمينه معنى الانهاء والابلاغ واذا قيل وسوس له فمعناه لاجله والوسوسة الصوت الخفى ومنها وسواس الحلى لاصواتها وهو فعل لازم. قال الكاشفى [بس وسوسه كرد بسوى آدم شيطان بس آزانكه ببهشت در آمد وحوارا ديد وازمرك بترسانيد وحوا باآدم بازكفت وآدم ازمرك ترسان شده بابليس كه بصورت بيرى برايشان ظاهر شده بودبدو رجوع كرده بود بطريق تضرع ازوى علاج مرك طلبيد] {قال} اما بدل من وسوس او استئناف كأنه قيل فماذا قال فى وسوسته فقيل قال {يا آدم}[علاج اين مرض خوردن ميؤه شجره خلداست]{هل ادلك}[آيادلالت كنم ترا]{على شجرة الخلد} اى شجرة من اكل منها خلد ولم يمت اصلا سواء كان على حاله او بان يكون ملكا فاضافها الى الخلد وهو الخلود لانها سببه بزعمه كما قيل لحيزوم فرس الحياة لانها سببها. قال الراغب الخلود تبرى الشئ من اعتراض الفساد وبقاؤه على الحالة التى هو عليها والخلود فى الجنة بقاء الاشياء على الحالة التى هى عليها من غير اعتراض الكون والفساد عليها {وملك لا يبلى} اى لا يزول ولا يختل بوجه من الوجوه: وبالفارسية [كهنه نشود آدم كفت دلالت كن مرابا آن ابليس راهنمون شد آدم وحوارا بشجره منهيه].

الجنابذي

تفسير : {فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ ٱلشَّيْطَانُ} القى اليه وسوسته {قَالَ} بيان لوسوسته {يٰآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ ٱلْخُلْدِ} اى الشّجرة الّتى صار الاكل منها سبباً للخلد فالاضافة لادنى ملابسة {وَمُلْكٍ لاَّ يَبْلَىٰ} عطف على شجرة الخلد او على الخلد فقبلا قوله وغرّا به.

اطفيش

تفسير : {فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ} أى أوصل إليه وسوسة، وهى كلام خفى فسره بقوله: {قَالَ يَا آدَمُ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ} أى على شجرة من أكل منها خُلِّد ولم يمت أصلا، فإضافتها للخلد إضافة سبب لمسبب، وذلك فى زعمه الباطل؛ لأن هذه الشجرة ليست كذلك، بل هى من أكل منها تعرض للخروج من الجنة، ولأسباب الموت؛ فإن طعامها كطعام الدنيا، وطعام الدنيا كثيراً ما يكون سببا للموت. قيل: هذه الشجرة يسير الراكب فيها مائة عام ولا يقطعها. ذكره الشيخ هود. قال الصبان: قال أهل المعانى: جملة قال: يا آدم الخ عطف بيان لجملة وسوس إليه الشيطان اهـ. والأولى أن يقال: إنها مستأنفة للبيان، فليست بيانا نحويا عند التحقيق. {وَمُلْكٍ لاَ يَبْلَى} لا يضعف ولا يفى وهذا دليل لقراءة الحسن وابن عباس إلا أن تكونا مَلَكين.

اطفيش

تفسير : {فوَسْوَس إليْه الشيطانُ} عدى بإلى لأن المراد انهى إليه لاوسوسة، وهى الخطرة الردية، وأصله صوت الحلى الخفى من مضاعف الحكاية للصوت، كولولة الثكلى، ووعوعة الذيب، ووقوقة الدجاج، وقطقطة القطا {قال يا آدمُ هَل أدلُّك على شَجَرة الخُلْد ومُلْك لا يَبْلى} بدل من وسوس، أو جواب سؤال ماذا قال فى وسوسته، ناداه باسمه، وألان له بالاستفهام، ليكون مقبلا عليه، وأمكن للاستماع موهماً له أن ينصحه كما نصحه الله بالنداء، وشجرة الخلد شجرة لا يموت من أكل منها، أو يكون ملكاً، وقد زعم زاعم أن الملائكة تأكل منها، وهو خطأ، وقد قال الله عز وجل عنه:"أية : إلاَّ أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين" تفسير : [الأعراف: 20] وهو كلام مناقض، فإن الشجرة المشار إليها هى التى أكل آدم وحواء منها، فخرجا ولم يخلدا، ومعنى لا يبلى لا يكون بالياً رثاً أو لا يفنى، وذلك من لوازم الخلود، ذكر تأكيداً وزيادة للترغيب: كذا قيل: وفيه أن الخلد لا يوجب عدم الرثة إلا أن يفسر بالفناء.

الالوسي

تفسير : {فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ ٱلشَّيْطَـٰنُ } أنهى الوسوسة إليه، وهي كما قال الراغب: الخطرة الرديئة؛ وأصلها من الوسواس وهو صوت الحلي والهمس الخفي، وقال الليث: الوسوسة حديث النفس والفعل وسوس بالبناء للفاعل، ويقال: رجل موسوس بالكسر والفتح لحن. وذكر غير واحد أن وسوس فعل لازم مأخوذ من الوسوسة وهي حكاية صوت كولولة الثكلى ووعوعة الذئب ووقوقة الدجاجة وإذا عدي بإلى ضمن معنى الإنهاء وإذا جيء باللام بعده نحو وسوس له فهي للبيان كما في {أية : هَيْتَ لَكَ } تفسير : [يوسف: 23] وقال الزمخشري: للأجل أي وسوس لأجله، وكذا إذا كانت بعد نظائر هذا الفعل نحو قوله:شعر : اجرس لها يا ابن أبـي كباش فما لها الليلة من إنفاش تفسير : وذكر في «الأساس» وسوس إليه في قسم الحقيقة، وظاهره عدم اعتبار التضمين والكثير على اعتباره. {قَالَ } إما بدل من {وسوس} أو استئناف وقع جواباً عن سؤال نشأ منه كأنه قيل: فما قال له في وسوسته: فقيل: قَال {يٰآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ ٱلْخُلْدِ } ناداه باسمه ليكون أقبل عليه وأمكن للاستماع ثم عرض عليه ما عرض على سبيل الاستفهام الذي يشعر بالنصح، ومعنى شجرة الخلد شجرة من أكل منها خلد ولم يمت أصلاً سواء كان على حاله أو بأن يكون ملكاً لقوله تعالى: {أية : إِلا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ ٱلْخَـٰلِدِينَ } تفسير : [الأعراف: 20]. وفي «البحر» أن ما حكى هنا مقدم على ما حكى في الأعراف [20] من قوله تعالى: {أية : مَا نَهَـٰكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ } تفسير : الخ كأنَّ اللعين لما رأى منه عليه السلام نوع إصغاء إلى ما عرض عليه انتقل إلى الإخبار والحصر انتهى، والحق / أنه لا جزم بما ذكر {وَمُلْكٍ لاَّ يَبْلَىٰ } أي لا يفنى أو لا يصير بالياً خلقاً قيل: إن هذا من لوازم الخلود فذكره للتأكيد وزيادة الترغيب.

ابن عاشور

تفسير : قوله {فوسوس إليه الشيطان} تقدم مثله في الأعراف. والفاء لتعقيب مضمون جملتها على مضمون التي قبلها، وهو تعقيب نسبي بما يناسب مدّة تقلب في خلالها بخيرات الجنة حتى حسده الشيطان واشتد حسده. وتعدية فعل (وسوس) هنا بحرف (إلى) وباللام في سورة الأعراف (20) {أية : فوسوس لهما الشيطان} تفسير : باعتبار كيفية تعليق المجرور بذلك الفعل في قصد المتكلّم، فإنه فعل قاصر لا غنى له عن التعدية بالحرف، فتعديته بحرف (إلى) هنا باعتبار انتهاء الوسوسة إلى آدم وبلوغها إياه، وتعديته باللاّم في الأعراف باعتبار أن الوسوسة كانت لأجلهما. وجملة {أية : قَالَ يَا آدَمِ}تفسير : [طه: 117] بيان لجملة {فوسوس لهما الشيطان}. وهذه الآية مثال للجملة المبيّنة لغيرها في علم المعاني. وهذا القول خاطر ألقاه الشيطان في نفس آدم بطريق الوسوسة وهي الكلام الخفي؛ إما بألفاظ نطق بها الشيطان سراً لآدم لئلا يطّلع عليه الملائكة فيحذروا آدم من كيد الشيطان، فيكونُ إطلاق القول عليه حقيقة؛ وإما بمجرد توجه أراده الشيطان كما يوسوس للناس في الدنيا، فيكون إطلاق القول عليه مجازاً باعتبار المشابهة. و {هَلْ أدُلُّكَ} استفهام مستعمل في العَرض، وهو أنسب المعاني المجازية للاستفهام لقربه من حقيقته. والافتتاح بالنداء ليتوجه إليه. والشجرة هي التي نهاه الله عن الأكل منها دون جميع شجر الجنّة، ولم يُذكر النهي عنها هنا وذكر في قصة سورة البقرة. وهذا العرض متقدم على الإغراء بالأكل منها المحكي في قوله تعالى في سورة الأعراف (20) {أية : قال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين}تفسير : ، ولم يدله الشيطان على شجرة الخلد بل كذبه ودله على شجرة أخرى بآية أن آدم لم يخلّد، فحصل لآدم توهم أنه إذا أكل من الشجرة التي دله عليها الشيطان أن يخلد في الحياة. والدلالة: الإرشاد إلى شيء مطلوب غير ظاهر لطالبه، والدلالة على الشجرة لقصد الأكل من ثمرتها. وسماها هنا {شجرة الخلد} بالإجمال للتشويق إلى تعيينها حتى يُقبِل عليها، ثم عيّنها له عقب ذلك بما أنبأ به قوله تعالى: {أية : فأكلا منها}تفسير : [طه: 121]. وقد أفصح هذا عن استقرار محبّة الحياة في جبلة البشر. والمُلك: التحرر من حكم الغير، وهو يوهم آدم أنه يصير هو المالك للجنة المتصرّف فيها غير مأمور لآمر. واستعمل البِلى مجازاً في الانتهاء، لأنّ الثوب إذا بلي فقد انتهى لبسه.

الشنقيطي

تفسير : الوسوسة والوسواس: الصوت الخفي. ويقال لهمس الصائد والكلاب، وصوت الحلي: وسواس. والوسوس بكسر الواو الأولى مصدر، وبفتحها الاسم، وهو أيضاً من أسماء الشيطان، كما في قوله تعالى: {أية : مِن شَرِّ ٱلْوَسْوَاسِ ٱلْخَنَّاسِ}تفسير : [الناس: 4] ويقال لحديث النفس: وسواس ووسوسة. ومن إطلاق الوسواس على صوت الحلي قول الأعشى: شعر : تسمع للحلي وسواساً إذا انصرفت كما استعان بريح عشرق زجل تفسير : ومن إطلاقه على همس الصائد قول ذي الرمة: شعر : فبات يشئزه ثأد ويسهره تذؤب الريح والوسواس والهضب تفسير : وقول رؤبة: شعر : وسوس يدعو مخلصاً رب الفلق سرا وقد أون تأوين العقق في الزرب لو يمضغ شربا ما بصق تفسير : وإذا علمت ذلك فاعلم أن قوله تعالى في هذه الآية الكريمة {فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ ٱلشَّيْطَانُ} أي كلمه كلاماً خفياً فسمعه منه آدم وفهمه. والدليل على أن الوسوسة المذكورة في هذه الآية الكريمة كلام من إبليس سمعه آدم وفهمه أنه فسر الوسوسة في هذه الآية بأنها قول، وذلك في قوله {فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ ٱلشَّيْطَانُ قَالَ يٰآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ ٱلْخُلْدِ} الآية. فالقول المذكور هو الوسوسة المذكورة. وقد أوضح هذا في سورة "الأعراف" وبين أنه وسوس إلى حواء أيضاً مع آدم، وذلك في قوله: {أية : فَوَسْوَسَ لَهُمَا ٱلشَّيْطَانُ} تفسير : [الأعراف: 20] إلى قوله {أية : وَقَاسَمَهُمَآ إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ ٱلنَّاصِحِينَ فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ} تفسير : [الأعراف: 21-22] لأن تصريحه تعالى في آية "الأعراف" هذه بأن إبليس قاسمهما أي حلف لهما على أنه ناصح لهما فيما ادعاه من الكذب ـ دليل واضح على أن الوسوسة المذكورة كلام مسموع. واعلم أن في وسوسة الشيطان إلى آدم إشكالاً معروفاً، وهو أن يقال: إبليس قد أخرج من الجنة صاغراً مذموماً مدحوراً، فكيف أمكنه الرجوع إلى الجنة حتى وسوس لآدم؟ والمفسرون يذكرون في ذلك قصة الحية، وأنه دخل فيها فأدخلته الجنة، والملائكة الموكلون بها لا يشعرون بذلك. وكل ذلك من الإسرائيليات. والواقع أنه لا إشكال في ذلك، لإمكان أن يقف إبليس خارج الجنة قريباً من طرفها بحيث يسمع آدم كلامه وهو في الجنة، وإمكان أن يدخله الله إياها لامتحان آدم وزوجه، لا لكرامة إبليس. فلا محال عقلاً في شيء من ذلك. والقرآن قد جاء بأن إبليس كلم آدم، وحلف له حتى غره وزوجه بذلك. وقوله في هذه الآية الكريمة {عَلَىٰ شَجَرَةِ ٱلْخُلْدِ} أضاف الشجرة إلى الخلد وهو الخلود. لأن من أكل منها يكون في زعمه الكاذب خالداً لا يموت ولا يزول، وكذلك يكون له في زعمه ملك لا يبلى أي لا يفنى ولا ينقطع. وقد قدمنا أن قوله هنا {وَمُلْكٍ لاَّ يَبْلَىٰ} يدل لمعنى قراءة من قرأ {أية : إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ}تفسير : [الأعراف: 20] بكسر اللام. وقوله {أية : أَوْ تَكُونَا مِنَ ٱلْخَالِدِينَ} تفسير : [الأعراف: 20] هو معنى قوله في "طه": {هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ ٱلْخُلْدِ}. والحاصل ـ أن إبليس لعنه الله كان من جملة ما وسوس به إلى آدم وحواء: أنهما أن أكلا من الشجرة التي نهاهما الله عنها نالا الخلود والملك، وصارا ملكين، وحلف لهما أنه ناصح لهما في ذلك، يريد لهما الخلود والبقاء والملك فدلاهما بغرور. وفي القصة: أن آدم لما سمعه يحلف بالله اعتقد من شدة تعظيمه لله أنه لا يمكن أن يحلف به أحد على الكذب، فأنساه ذلك العهد بالنهي عن الشجرة. تنبيه: في هذه الآية الكريمة سؤال معروف، وهو أن يقال: كيف عدى فعل الوسوسة في "طه" بإلى في قوله {فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ ٱلشَّيْطَانُ} مع أنه عداه في "الأعراف" باللام في قوله {أية : فَوَسْوَسَ لَهُمَا ٱلشَّيْطَانُ} تفسير : [الأعراف: 20]. وللعلماء عن هذا السؤال أجوبة. أحدها ـ أن حروف الجر يخلف بعضها بعضاً. فاللام تأتي بمعنى إلى كعكس ذلك. قال الجوهري في صحاحه: وقوله تعالى: {فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ ٱلشَّيْطَانُ} يريد إليهما، ولكن العرب توصل بهذه الحروف كلها الفعل ا هـ. وتبعه ابن منظور في اللسان. ومن الأجوبة عن ذلك: إرادة التضمين، قال الزمخشري في تفسير هذه الآية: فإن قلت كيف عدى "وسوس" تارة باللام في قوله {أية : فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ ٱلشَّيْطَانُ}تفسير : [الأعراف: 20] وأخرى بإلى؟ قلت: وسوسة الشيطان كولولة الثكلى، ووعوعة الذئب، ووقوقة الدجاجة، في أنها حكايات للأصوات، وحكمها حكم صوت وأجرس. ومنه وسوس المبرسم وهو موسوس بالكسر والفتح لحن. وأنشد ابن الأعرابي: شعر : وسوس يدعو مخلصا رب الفلق .... .... تفسير : فإن قلت: وسوس له. فمعناه لأجله. كقوله: شعر : أجرس لها يا ابن أبي كباش فما لها الليلة من إنفاش غير السرى وسائق نجاش تفسير : ومعنى {فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ} أنهى إليه الوسوسة. كقوله: حدث إليه وأسر إليه ـ ا هـ منه. وهذا الذي أشرنا إليه هو معنى الخلاف المشهور بين البصريين والكوفيين في تعاقب حروف الجرّ. وإتيان بعضها مكان بعض هل هو بالنظر إلى التضمين، أو لأن الحروف يأتي بعضها بمعنى بعض؟ وسنذكر مثالاً واحداً من ذلك يتضح به المقصود. فقوله تعالى مثلاً: {أية : وَنَصَرْنَاهُ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا} تفسير : [الأنبياء: 77] الآية، على القول بالتضمين. فالحرف الذي هو "من" وارد في معناه لكن "نصر" هنا مضمنة معنى الإنجاء والتخليص، أي أنجيناه وخلصناه من الذين كذبوا بآياتنا. والإنجاء مثلاً يتعدى بمن. وعلى القول الثاني فـ "نصر" وارد في معناه، لكن "من" بمعنى على، أي نصرناه على القوم الذين كذبوا الآية، وهكذا في كل ما يشاكله. وقد قدمنا في سورة "الكهف" أن اختلاف العلماء في تعيين الشجرة ا لتي نهى الله آدم عن الأكل منها اختلاف لا طائل تحته، لعدم الدليل على تعيينها، وعدم الفائدة في معرفة عينها. وبعضهم يقول: هي السنبلة. وبعضهم يقول: هي شجرة الكرم. وبعضهم يقول: هي شجرة التين، إلى غير ذلك من الأقوال.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلشَّيْطَانُ} {يٰآدَمُ} (120) - فَجَاءَهُ الشَّيْطَانُ فِي صُورَةِ نَاصِحٍ مُشْفِقٍ، وَحَاوَلَ إِغْرَاءَهُ وَإِضْلاَلَهُ لِيُخَالِفَ مَا عَهِدَ إِلَيْهِ رَبُّهُ، وَقَالَ لَهُ إِنَّ الشَّجَرَةَ التِي نَهَاكُمَا اللهُ عَنِ الأكْلِ مِنْهَا هِيَ شَجَرَةُ الخُلُودِ، مَنْ أَكَلَ مِنْهَا أَصْبَحَ مِنَ الخَالِدِينَ، وَأَصْبَحَ ذَا سُلْطَانٍ، وَمُلْكٍ لاَ يَبْلَى وَلاَ يَنْتَهِي. فَضَعُفَ آدَمُ وَزَوْجُهُ تِجَاهَ هذا الإِغْرَاءِ بِالمُلْكِ، وَالعُمْرِ المَدِيدِ، وَنَسِيَا مَا عَهِدَ اللهُ بِهِ إِلَيْهِمَا، فَأَكَلاَ مِنَ الشَّجَرَةِ. لاَ يَبْلَى - لاَ يَزُولُ وَلاَ يَفْنَى.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : نلحظ أن الحق سبحانه اختار لعمل الشيطان اسماً يناسب الإغراء بالشيء، وهي كلمة (الوَسْوَسة) وهي في الأصل صوت الحليّ - أي: الذهب الذي تتحلَّى به النساء، كما نقول: نقيق الضفادع، وصهيل الخيل، وخُوار البقر، ونهيق الحمير، وثغاء الشاة، وخرير الماء، وحفيف الشجر. وكذلك الوسوسة اسم لصوت الحليّ الذي يجذب الأسماع، ويُغرِي بالتطلع إليه، وكأن الحق سبحانه يُحذِّرنا أن الشيطان سيدخل لنا من طريق الإغراء والتزيين. فما الذي وَسوس به إلى آدم؟ {قَالَ يٰآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ ٱلْخُلْدِ وَمُلْكٍ لاَّ يَبْلَىٰ} [طه: 120]. ونعجب لإبليس: ما دُمْت تعرف شجرة الخُلْد والملْك الذي لا يبلى، لماذا لم تأكل أنت منها وتحوز هذه الميزة؟