Verse. 2469 (AR)

٢٠ - طه

20 - Ta-Ha (AR)

فَاَكَلَا مِنْہَا فَبَدَتْ لَہُمَا سَوْاٰتُہُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفٰنِ عَلَيْہِمَا مِنْ وَّرَقِ الْجَنَّۃِ۝۰ۡ وَعَصٰۗى اٰدَمُ رَبَّہٗ فَغَوٰى۝۱۲۱۠ۖ
Faakala minha fabadat lahuma sawatuhuma watafiqa yakhsifani AAalayhima min waraqi aljannati waAAasa adamu rabbahu faghawa

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«فأكلا» أي آدم وحواء «منها فبدت لهما سوآتهما» أي ظهر لكل منهما قبله وقبل الآخر ودُبره وسمي كل منهما سوأة لأن انكشافه يسوء صاحبه «وطفقا يخصفان» أخذا يلزقان «عليهما من ورق الجنة» ليستترا به «وعصى آدم ربه فغوى» بالأكل من الشجرة.

121

Tafseer

البيضاوي

تفسير : {فَأَكَلاَ مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْءٰتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ ٱلْجَنَّةِ} أخذا يلزقان الورق على سوآتهما للتستر وهو ورق التين {وَعَصَىٰ ءَادَمُ رَبَّهُ} بأكل الشجرة. {فَغَوَىٰ} فضل عن المطلوب وخاب حيث طلب الخلد بأكل الشجرة، أو عن المأمور به أو عن الرشد حيث اغتر بقول العدو. وقرىء {فَغوىٰ} من غوى الفصيل إذا أتخم من اللبن وفي النعي عليه بالعصيان والغواية مع صغر زلته تعظيم للزلة وزجر بليغ لأولاده عنها.

المحلي و السيوطي

تفسير : {فَأَكَلاَ } أي آدم وحوّاء {مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْءٰتُهُمَا} أي ظهر لكل منهما قُبله وقُبل الآخر ودُبره، وسمي كل منهما سوأة لأن انكشافه يسوءُ صاحبه { وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ } أخذا يلزقان {عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ ٱلْجَنَّةِ } ليستترا به {وَعَصَىٰ ءَادَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ } بالأكل من الشجرة.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا} [الآية: 121]. قال الحصرى: بدت لهما، ولم تبد لغيرهما لئلا يعلم الأغيار من مكافآت الجناية ما علما، ولو بدا للأغيار لقال: بدت منهما. قوله تعالى: {وَعَصَىٰ ءَادَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ}. قال ابن عطاء: اسم العصيان مذمة، إلا أن الاجتباء والاصطفاء منعا أن يلحق آدم اسم المذمة بحال. قال جعفر: طالع الجنان ونعيمها بعينه فنودى عليه إلى يوم القيامة {وَعَصَىٰ ءَادَمُ} ولو طالعها بقلبه لنودى عليها بالهجران أبد الآبد، ثم عطف عليه ورحمه بقوله تعالى: {ثُمَّ ٱجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ...} [الآية: 122]. وقال بعضهم: سبقت الاصطفائة والاجتبائة من الحق لآدم فلم تؤثر فيه سمة العصيان، ولا يخطر الأمر بالنسيان لأن اصطفائيته فى الأزل رَدَّ إلى الاجتبائية فى الأبد وهو فى قوله تعالى {أية : إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰ ءَادَمَ} تفسير : [آل عمران: 33] وقوله: {ثُمَّ ٱجْتَبَاهُ رَبُّهُ} فالاصطفاء أوجب له الاجتباء. وقال بعضهم: عصى آدم فعوقب أولاده بثلاث: ما ولدوا يموت، وما يبنوا يُهدم، وما يصلوا يُقطع. قوله تعالى: {ثُمَّ ٱجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَىٰ}. قال الواسطى رحمة الله عليه: العصيان لا يؤثر فى الاجتبائة. وقوله: {وَعَصَىٰ ءَادَمُ رَبَّهُ} أى أظهر أخلاقًا ثم أدركته الاجتبائة، فأزالت عنه مذمة العصيان ألا ترى كيف أظهر عذره بقوله: {فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً} وكيف يعزم على المخالفة من هو فى ستر العصمة وخصوصية الاصطفاء والاجتباء.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {فَأَكَلاَ مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا}. لمَّا ارتكبا المنهيَّ عنه ظهر ما يُسْتَحْيَي مِنْ ظهوره، ولكنَّ اللَّهَ - سبحانه - أَلْطَفَ معهما في هذه الحالة بقوله: فَبَدَتْ لهما سوآتهما، ولم يَقُلْ - مُطْلَقاً - فبدت سَوْءَتُهما؛ أي أنه لم يُطْلِع على سوءتهما غيرَهما. ويقال لَمَّا تجرَّدَا عن لِباس التقوى تناثر عنهما لباسهما الظاهر. قوله جلّ ذكره: {وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ ٱلْجَنَّةِ}. أولُ الحِرَفِ والصناعات - على مقتضى هذا - الخياطةُ، وخياطةُ الرِّقاع بعضها على بعض للفقراء ميراثٌ من أبينا آدم - عليه السلام. ويقال كان آدمُ - عليه السلام - قد أصبح وعليه من حُلَلِ الجنة وفنونِ اللِّباس ما اللَّهُ به أعلمُ، ثم لم يُمس حتى كان يخصف على نفسه من ورق الجنة، وهكذا كان في الابتداء ما هو موروثٌ في أولاده من هناء بعده بلاء. قوله تعالى: {أية : وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَآ أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا ٱلشَّجَرَةِ}تفسير : [الأعراف: 22] عند ذلك وقعت عليهما الخَجْلَةُ لمَّا وَرَدَ عليهما خطاب الحقِّ: { أية : أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن}تفسير : [الأعراف: 22] ولهذا قيل: كفى للمُقَصِّر الحياء يو اللقاء. قوله تعالى: {أية : قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا... }تفسير : [الأعراف: 23] لم يتكلما بلسان الحجة فقالا: {أية : رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا}تفسير : [الأعراف: 23]، ولم يقولا: بظلمنا صرنا من الخاسرين، بل قالا: {أية : وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ}تفسير : [الأعراف: 23] ليُعْلَم أَنَّ المدارَ على حُكْم الربِّ لا على جُرْمِ الخَلْق. قوله جلّ ذكره: {وَعَصَىٰ ءَادَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ}. لَمَّا وَقَعَتْ عليه سِمَةُ العصيان - وهو أَوَّلُ البشرِ - كان في ذكر هذا تنفيسٌ لأولاده؛ أن تجري عليهم زَلَّةٌ وهم بوصف الغيبة في حين الفترة. ويقال كانت تلك الأكلةُ شيئاً واحداً، ولكن قصتها يحفظها ويرددها الصبيانُ إلى يوم القيامة. وعصى آدم ربَّه ليُعْلَم أن عِظَمَ الذنوبِ لمخالفةِ الآمِرِ وعِظَمِ قَدْرِه.. لا لكثرة المخالفة في نفسها.

البقلي

تفسير : {فَأَكَلاَ مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا} اسرارهما التي انكشف لهما من الغيب بعد اكل الشجرة ولم ---- فلما علم الاسرار الالوهية خرجا من تحت موت الجهل وبلغا الى ملك لا يبلى وذلك الملك ------ على اسرار قدر الازال والأباد ولهما الشيطان الى هذه المعالم والمعادن والغيبة وهو معزول عن مثله ----- تمشى على وجه الارض الى راس كنز وخلقه انسان ليقتلها فلما ضربها ظهر تحت ضربه كنز فصار الكنز له صار الحية مقتولة وبلغ الى الامرين العظيمين البلوغ الى المامول الفلاح من العدو فهكذا شان أدم الملعون الى كنز من كنوز الربوبية غرضه العداوة والضلالة فوصل أدم الاجتبائية الابدية بعد الاصطفائية الازلية وبلغ الملعون الى اللعنة الازلية الابدية قال الحصر بدت لهما ولم تبد بغيرهما لئلا يعلم الاغبار من مكان الجنابة ما علما ولو بدا للاغيار لقال بدت مهما ثم ذكر سبحانه تغيير أدم بالظاهر وأخفى تلك الاسرار فى المباطن قال {وَعَصَىٰ ءَادَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ} عصيان أدم الرجوع من الاصل الى الفرع ومن مكاشفة الى الجنة والميل من طريق الامر الى طريق النهى ولو سلك طريق الامر ليكشف الحق سبحانه ما كان فى الشجرة بغير عصيان فى بساتين غيبة ماية الف الف شجرة غيبية مملوة حاملة من علوم الاسرار ولكن سلبته صولة المحبة وتعجيل الاشتياق اكل من شجر القدم وصار سكرانا فى واد الازل بكشف علم الازل له فطلع على الجنان وكاد ان يفشى سر السر والغيب الغيب ويشوش احوال الجنانيين فاخرجه الحق الى حبس الدنيا وحبس لسانه عن افشاء سر القدم والبقاء فكان اصطفائيته الازليّة مصحوبة زلته فاستهلكت الزلة فى الاصطفائية وزاد عليها اجتبائيته الابدية التى لا تغيرها حوادث الدهور قال ابن عطا اسم العصيان مذمة الا ان الاجتباء والاصطفاء منع ان يلحق أدم اسم المذمة بحال قال جعفر طالع الجنان ويغمها بعينه فنودى عليه الى القيامة وعصى أدم ولو طالعها بقلبها لنودى عليه بالهجران ابد الابد ثم عطف عليه فرحمه بقوله {ثُمَّ ٱجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَىٰ} فلما غرق فى بحر الامتحان والحجاب عن الجنان فاطلع على قلبه الرحمن ولم ير الا الشوق الى لقاء الرحمن اظهر نفسه له فى منازل الفرقة بوصف الوصلة بقوله ثم اجتنبه ربّه فتاب عليه وهدى زاد الاجتبائية على الاصطفائية وتاب الحق على صفية الازل القديم لا يلحقه الحدث وان اجتهد فاين يطلبه ولا اين فاقبل وكشف الجمال وهدى الى طريق الوصال الذى لا تفرق فيه بعد ذلك بادا بقوله فتاب عليه وهدى هدى منه اليه قال الواسطى العصيان لا يؤثر فى الاجتبائية وقوله ومعصى أدم اى اظهر خلافاً ثم ادركته الاجتبائية فازالت عنه من العصيان الا ترى كيف اظهر عذره بقوله فنسى لوم نجد له عزما وكيف يعزم على المخالفة من هو فى سر المعصية خصوصية الاجتباء والاصطفاء.

اسماعيل حقي

تفسير : {فاكلا منها فبدت لهما سوآتهما} يقال بدا الشئ بدوا وبدّوا ظهر ظهورا بينا وكنى عن الفرج بالسوءة لانه يسوء الانسان انكشافه اى يغمه ويحزنه. قال الكاشفى [يعنى لباس جنت ازايشان بريخت وبرهنه شدند]. قال ابن عباس انهما عريا عن النور الذى كان الله البسهما اياه حتى بدت فروجهما. وقيل كان لباسهما الظفر فلما اصابا الخطيئة نزع عنهما وتركت هذه البقايا فى اطراف الاصابع. وقيل كان لباسهما الخلة. وعن ابى بن كعب رضى الله عنه قال قال عليه السلام "حديث : ان اباكم آدم كان رجلا طويلا كالنخلة السحوق كثير الشعر موارى العورة فلما واقع الخطيئة بدت سوءته فانطلق فى الجنة هاربا فمر بشجرة فاخذت بناصيته فاجلسته فناداه ربه أفارا منى يا آدم قال لا يا رب ولكن حياء منك " تفسير : قال الحصيرى بدت لهما ولم تبد لغيرهما لئلا يعلم الاغيار من مكافاة الجناية ما علما ولو بدت للاغيار لقال بدت منهما {وطفقا} شرعا يقال طفق يفعل كذا اى اخذ وشرع ويستعمل فى الايجاب دون النفى لا يقال ما طفق {يخصفان عليهما من ورق الجنة} فى القاموس خصف النعل يخصفها خرزها والورق على بدنه الزقها واطبقها عليه ورقة ورقة اى يلزقان الورق على سوءاتهما للتستر وهو ورق التين قيل كان مدورا فصار على هذا الشكل من تحت اصابعهما {وعصى آدم ربه} باكل الشجرة: يعنى [خلاف كرد آدم امر بروردكار خودرا درخوردن درخت] يقال عصى عصيانا اذا خرج عن الطاعة واصله ان يتمنع بعصاه كما فى المفردات {فغوى} ضل عن مطلوبه الذى هو الخلود او عن المأمور به وهو التباعد عن الشجرة فى ضمن ولا تقربا هذه الشجرة او عن الرشد حيث اغتر بقول العدولان الغى خلاف الرشد. واعلم ان المعصية فعل محرم وقع عن قصد اليه والزلة ليست بمعصية ممن صدرت عنه لانها اسم لفعل حرام غير مقصود فى نفسه للفاعل ولكن وقع عن فعل مباح قصده فاطلاق اسم المعصية على الزلة فى هذه الآية مجاز لان الانبياء عليهم السلام معصومون من الكبائر والصغائر لا من الزلات عندنا وعند بعض الاشعرية لم يعصموا من الصغائر وذكر فى عصمة الانبياء ليس معنى الزلة انهم زلوا عن الحق الى الباطل ولكن معناها انهم زلوا عن الافضل الى الفاضل وانهم يعاتبون به لجلال قدرهم ومكانتهم من الله تعالى. قال ابن الشيخ فى حواشيه العصيان ترك الامر وارتكاب المنهى عنه وهو ان كان عمدا يسمى ذنبا وان كان خطأ يسمى زلة والآية دالة على انه عليه السلام صدرت عنه المعصية والمصنف سماها زلة حيث قال وفى النعى عليه بالعصيان والغواية مع صغر زلته تعظيم الزلة وزجر بليغ لأولاده عنها انتهى بناء على انه انما ترك الانتهاء عن اكل الشجرة اجتهادا لا بان تعمد المعصية ووجه الاجتهاد انه عليه السلام حمل النهى على التنزيه دون التحريم وحمل قوله تعالى {أية : هذه الشجرة}تفسير : على شجرة بعينها دون جنسها ومع ذلك الظاهران هذه الواقعة انما كانت قبل نبوته. وفى الاسئلة المقحمة فان قيل فاذا كان هذا خطأ فى الاجتهاد ومن اجتهد فاخطأ لا يؤخذ به فكيف آخد آدم بذلك قلنا لم يكن هذا موضع الاجتهاد اذا كان الوحى يتواتر عليه نزوله فكان تفريطه لو اجتهد فى غير الاجتهاد. فان قيل فهل اوحى اليه ليعلم ذلك. قلنا انقطع عنه الوحى ليقضى الله تعالى ما اراده كما انقطع عن الرسول عليه السلام ثمانية عشر يوما وقت افك عائشة رضى الله عنها ليقضى الله تعالى ما اراده. وفى الكبير فان قيل دل هذا على الكبيرة لان العاصى اسم ذم فلا يليق الا بصاحب الكبيرة ولان الغواية ترادف الضلالة وتضاد الرشد ومثله لا يتناول الا المنهمك فى الفسق واجيب بان المعصية خلاف الامر والامر قد يكون بالمندوب ويقال امرته بشرب الدواء فعصانى فلم يبعد اطلاقه على آدم لا لانه ترك الواجب بل لانه ترك المندوب. وفيه ايضا ليس لاحد ان يقول كان آدم عاصيا غاويا لوجوه. الاول قال العتبى يقال للرجل قطع ثوبا وخاطه قد قطعه وخاطه ولا يقال خائط وخياط الا اذا عاود الفعل فكان معروفا به والزلة لم تصدر من آدم الا مرة فلا تطلق عليه. والثانى ان الزلة ان وقعت قبل النبوة لم يجز بعد ان شرف الله تعالى بالرسالة اطلاقها عليه وان كانت بعد النبوة فكذلك بعد ان تاب كما لا يقال للمسلم التائب انه كافر او زان او شارب خمر اعتبارا بما قبل اسلامه وتوبته. والثالث ان قولنا عاص وغاو يوهم عصيانه فى الاكثر وغوايته عن معرفة الله والمراد فى القصة ليس ذلك فلا يطلق دفعا للوهم الفاسد. والرابع يجوز من الله ما لا يجوز من غيره كما يجوز للسيد فى ولده وعبده عند المعصية قول ما لا يجوز لغيره. قال الحسن والله ما عصى الا بنسيان. قال جعفر طالع الجنان ونعيمها فنودى عليه الى يوم القيامة وعصى آدم ولو طالعها بقلبه لنودى عليه بالهجران الى ابد الآباد. وفى التأويلات النجمية {وعصى آدم ربه} بصرف محبته فى طلب شهوات نفسه {فغوى} بصرف الفناء فى الله فى طلب الخلود وملك البقاء فى الجنة انتهى: وفى المثنوى شعر : جيست توحيد خدا آموختن خويشتن را بيش واحد سوختن كرهمى خواهى كه بفروزى جوروز هستئ همجون شب خودرا بسوز هستيت درهست آن هستى نواز همجومس دركيميا اندر كداز تفسير : سئل ابن عطاء عن قصة آدم ان الله تعالى نادى عليه بمعصية واحد وستر على كثير من ذريته فقال ان معصية آدم كانت على بساط القربة فى جواره ومعصية ذريته فى دار المحنة فزلته اكبر واعظم من زلتهم.

الطوسي

تفسير : اخبر الله تعالى عن آدم وحواء أنهما أكلا من الشجرة التي نهى الله عن أكلها، وعندنا أن النهي كان على وجه التنزيه. والأولى أن يكون على وجه الندب دون نهي الحظر والتحريم، لأن الحرام لا يكون إلا قبيحاً، والأنبياء لا يجوز عليهم شيء من القبائح لا كبيرها ولا صغيرها. وقال الجبائي: لا تقع معاصي الانبياء إلا سهواً، فأما مع العلم بأنها معاصي فلا تقع. وقال قوم آخرون: إنه وقع من آدم أكل الشجرة خطأ. لأنه كان نهي عن جنس الشجرة فظن انه نهي عن شجرة بعينها، فأخطأ فى ذلك. وهذا خطأ لأنه تنزيه له من وجه المعصية، ونسبة المعصية اليه من وجهين: أحدهما - أنه فعل القبيح. والثاني - أنه أخطأ فى الاستدلال. وقال قوم: انها وقعت منه عمداً، وكانت صغيرة، وقعت محبطة. وقد بينا أن ذلك لا يجوز عليهم (ع) عندنا بحال. وقال الرماني: لما حلف ابليس لهما لم يقبلا منه، ولم يصدقاه، ولكن فعلا ذلك لغلبة شهوتهما، كما يقول الغاوي للانسان إزن بهذه المرأة، فانك ان أخذت لم تحد، فلا يصدقه، ويزني بها لشهوته. وقال الحسن: أكلت حواء أولا وابت عليه ان يجامعها حتى يأكل منها، فأكل حينئذ. وقوله {فبدت لهما سوآتهما} أي ظهرت لهما عوراتهما، لان ما كان عليهما من اللباس نزع عنهما، ولم يكن ذلك على وجه العقوبة بل لتغيير المصلحة فى نزعهما وإخراجهما من الجنة وإهباطهما الأرض وتكليفهما فيها. وانما جمع سوآتهما، وهو لأثنين، لأن كل شيئين من شيئين، فهو من موضع التثنية جمع، لأن الاضافة تثنية مع أنه لا إخلال فيه لمناسبة الجمع للتثنية. وقال السدي: كان لباس سوآتهما الظفر. وقوله {طفقا} يعني ظلا، وجعلا يفعلان. وقوله {يخصفان عليهما من ورق الجنة} فالخصف خيط الشيء بقطعة من غيره، يقال: خصفه يخصفه خصفاً، فهو خاصف وخصاف. وقيل: انهما كانا يطبقان ورق الجنة بعضه على بعض ويخيطان بعضه الى بعض ليسترا به سوآتهما. وقوله {وعصى آدم ربه فغوى} معناه خالف ما أمره الله به فخاب ثوابه. والمعصية مخالفة الأمر سواء كان واجباً او ندباً قال الشاعر: شعر : أمرتك امراً جازماً فعصيتني تفسير : ويقال ايضاً: أشرت عليك بكذا، فعصيتني، ويقال غوى يغوي غواية وغياً إذا خاب، قال الشاعر: شعر : فمن يلق خيراً يحمد الناس أمره ومن يغو لا يعدم على الغي لائماً تفسير : أي من يخب، وفي الكلام حذف، لان تقديره ان آدم تاب الى الله وندم على ما فعل، فاجتباه الله واصطفاه {وتاب عليه} أي قبل توبته. وهداه الى معرفته والى الثواب الذي عرضه له. وقوله {قال اهبطوا منها جميعاً بعضكم لبعض عدو} يعني آدم وحواء وابليس وذريته. وقد بينا معنى الهبوط فيما تقدم واختلاف الناس فيه. والمعنى أنه أخرج هؤلاء من الجنة بأن أمرهم بالخروج منها على وجه تغيير المصلحة في أمره، ولابليس على وجه العقوبة. وقد بينا فيما تقدم ان إخراج ابليس من الجنة، كان قبل ذلك حين أمره الله بالسجود لآدم فامتنع فلعنه وأخرجه، وانما أغوى آدم من خارج الجنة، لأنه قيل: ان آدم كان يخرج الى باب الجنة. وذكرنا أقوال المفسرين فى ذلك فيما مضى. وقوله {فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا يضل ولا يشقى} معناه ان أتاكم هدى مني بأن أكلفكم، وانصب لكم الادلة على ما آمركم به من معرفتي وتوحيدي والعمل بطاعتي، فمن اتبع أدلتي وعمل بما آمره به، فانه {لا يضل} في الدنيا {ولا يشقى} في الآخرة. وقال ابن عباس: ضمن الله تعالى لمن قرأ القرآن وعمل بما فيه ألاّ يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة. وقوله {ومن أعرض عن ذكري} [أي من لم ينظر في ذكري الذي هو القرآن والادلة المنصوبة على الحق وصدف عنها] {فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى} فالضنك الضيق الصعب، منزل ضنك أي ضيق، وعيش ضنك، لا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث، لأن أصله المصدر. ثم وصف به، قال عنترة: شعر : إن يلحقوا أكرر وان يستلحموا أشدد وان يلفوا بضنك أنزل تفسير : وقال ايضاً: شعر : ان المنية لو تمثل مثلت مثلي اذا نزلوا بضنك المنزل تفسير : والضنك: الضيق، في قول مجاهد وقتادة: وقال الحسن وابن زيد: المعيشة الضنك هو الضريع، والزقوم في النار. وقيل: الضريع شوك من نار. وقال عكرمة والضحاك: هو الحرام في الدنيا الذي يؤدي الى النار. وقال ابن عباس: لأنه غير موقن بالخلف، فعيشه منغص. وقال ابو سعيد الخدري وعبد الله بن مسعود وأبو صالح، والسدي، ورواه ابو هريرة عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه عذاب القبر، ولقوله تعالى {ولعذاب الآخرة أشد وأبقى} يقتضي انه عذاب القبر. وقوله {ونحشره يوم القيامة أعمى} قيل معناه نحشره يوم القيامة أعمى البصر. وقيل أعمى الحجة. وقيل أعمى عن جهات الخير لا يهتدي اليها. والأول هو الظاهر اذا اطلق. فمن قال: أعمى البصر قال: معناه لا يبصر في حال ويبصر العذاب في حال. ومن قال: بالآخرة قال: هو أعمى عن جهات الخير لا يهتدي لشيء منها. وقوله {قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيراً} حكاية عما يقول الذي يحشره أعمى {لم حشرتني أعمى} ذاهب البصر {وقد كنت بصيراً} أبصر بها. وهذا يقوي أنه أراد عمى البصر دون عمى البصيرة، لان الكافر لم يكن بصيراً في الدنيا الا على وجه صحة الحاسة. وقيل معناه كنت بصيراً بحجتي عند نفسي.

الجنابذي

تفسير : {فَأَكَلاَ مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا} قد سبق فى سورة البقرة عند قوله تعالى {أية : وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ} تفسير : [البقرة:35] تحقيق الشّجرة المنهيّة وكيفيّة اغترارهما بقول ابليس {وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ ٱلْجَنَّةِ} اى يلتصقان على بدنهما من ورق اشجار الجنّة {وَعَصَىٰ ءَادَمُ رَبَّهُ} خالف امر ربّه امره التّكوينىّ او امره التّكليفىّ الّذى كان اولى له {فَغَوَىٰ} فضلّ الطّريق الّذى كان بالفطرة عليه. اعلم، انّ نسبة العصيان الى آدم (ع) مع انّه كان نبيّاً معصوماً عن الخطاء انّما كانت بملاحظة انحرافه عن فطرة التّوحيد الّتى كانت الاشياء كلّها مفطورة عليها، وهذا ليس معصيةً منافيةً للعصمة لانّه كان بأمره تعالى ورضاه او كانت بملاحظة تركه دار التّوحيد وتوجّهه الى الكثرات وقد امره الله تعالى بالبقاء على التّوحيد وعدم الالتفات الى الكثرات لكونه اولى به من الالتفات الى الكثرات وان كان الاولى بنظام العالم وايجاد بنى آدم توجّهه الى الكثرات، وتسميته عصياناً لمخالفته الامر الاولوىّ الّذى كان اولى بالنّسبة الى حاله، وهذا ايضاً لا ينافى عصمته، وفى خبرٍ: انّ نهيه كان فى الجنّة لا فى الدّنيا وقبل كونه حجّة لا بعده والمنافى لعصمته هو عصيانه فى الدّنيا وبعد كونه حجّةً، وفى خبرٍ: انّ المنافى للعصمة هو الكبيرة او الصّغيرة بعد كونه حجّة لا الصّغيرة قبل كونه حجّة، وفى خبرٍ: انّ الله نهى عن قرب شجرة بعينها ووسوس الشّيطان اليه فى شجرة اُخرى من جنسها، وعصيانها كان بغروره بقول الشّيطان.

اطفيش

تفسير : {فَأَكَلاَ} آدم وزوجه {مِنْهَا فَبَدَتْ} ظهرت {لَهُمَا سَوْآتُهُمَا} عورتهما. ظهر لكل واحد قبُله وقُبل الآخر ودبره. وسمى القبل والدبر سوأتين لأن انكشافه يسوء صاحبه وكانا قبل ذلك قد لبسا حُلل الجنة. وقيل: ألبس الله جسديهما الظفر ولما أكلا منها طار وما بقى إلا ما على الأصابع. وعن الحسن عن أبىّ بن كعب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: كان آدم رجلا طويلا كأنه نخلة، جعد الرأس ولما وقع به ما وقع بدت عورته، وكان لا يراها قال ذلك، فانطلق هاربا فى الجنة فأخذت شجرة من شجر الجنة برأسه من الشعر فقال لها: أرسلينى فقالت: لست بمراسلتك. فناداه ربه: يا آدم أمِنِّى تَفِرُّ؟ فقال: يا رب استحييت منك. {وَطَفِقَا} طفق واسمه، أى شرعا {يَخْصِفَانِ} خبره أى يلصقان. وقرئ بضم الياء والتشديد للمبالغة {عَلَيْهِمَا} الحق جواز عمل العامل مطلقا فى ضميرى مسمى واحد إذا عمل فى أحدهما بواسطة حرف جر فلا حاجة إلى تقدير يخصفان على جسديهما. {مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ} ورق التين يستران به جسديهما. وعن بعض: كان ورقا مدوراَ كالكلب. وقيل: سوآتهما فقط. وعن بعض: يرقعان بعضا إلى بعض كهيئة الثوب. {وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ} بالأكل من الشجرة. وخص آدم لأنه أكمل عقلا فعصيانه أشد. وقيل: لأن المراد عصى باتباعه حواء فى إرادة الكل. {فَغَوَى} دل عن المطلوب وخاب، حيث طلب الخلد بالأكل منها أو عن المأمور به أو عن الرشد حيث اعتر بقول العدو. ومعصيته هذه قيل: صغيرة وهو ظاهر كلام الشيخ هود - رحمه الله -. وقيل: ليست ذنباً أصلا وإنما أكل منها نسيانا للنهى فعنفه الله وعاب عليه على عدم تحفظه الموصل له إلى النسيان باسم المعصية والغواية مع أن ما فعل ليس ذنبا زجرا بليغا لأولاده عن الصغائر والكبائر وهو قول ابن العربى من علماء الأندلس. ومَن قال: إن الأنبياء تصدر منهم الكبائر أشرك. ذكره أصحابنا وغيرهم. والحق أنه لا يشرك؛ فإن من العلماء من جوَّز عليهم الكبائر وحوَّر أكثر المعتزلة الصغائر دون الكبائر. وقيل: لا تصدر منهم صغيرة ولا كبيرة وما نسب إليهم من ذنب فإنه ما صدر منهم عن ذهول أو مكان الأولى خلافه أعظم درجتهم والله أعلم. وهم معصومون من وقت الولادة عندنا وعند الشيعة. وقال أكثر المعتزلة: عُصِموا من وقت بلوغهم. وقال أكثر الشافعية وأبو على المعتزلى: عُصموا وقت النبوة. قال الفخر: لو صدر منهم الذنب لكانوا أقل درجة من آحاد الأمة لعظم شأنهم ولكانوا أقل حالا من عدول الأمة فى ذلك الوقت. قال: ولو وجب الاقتداء بهم فيه. قلت: لأنه لا يحب الاقتداء بنبى فى كل ما فعل إلا ببيانه وإن كان من رآه يفعل يعلم أنه ذنب فلا إشكال. قال: ولا أقبح ممن رفع الله درجته وائتمنه وقال: إنه بالوحى افعل أوْ لا تفعل خالف فيكون داخلا فى {أية : أتأمرون الناس} تفسير : الآية وقد قال: {أية : يسارعون فى الخيرات} تفسير : على العموم ومن الخيرات ترك الذنب، ووصفهم بالاصطفاء وهو ينافى الذنب وذكر وجوها غير ذلك قال: واتفقوا على أنهم معصومون من اعتقاد الكفر ومن الكذب والكتمان فى التبليغ وإلا ارتفع الوثوق بهم. وأجاز بعضهم السهو فى ذلك لإمكان الاستبراز عنه وعلى أنهم معصومون من الخطأ فى الفتيا عمدا. وأجازه بعضهم سهوا انتهى. قال ابن قتيبة: يجوز: عَصَى آدمُ ولا يجوز: عارض؛ لأنه يقال لمن اعتاد المعصية. وكان هذا معتمد أصحابنا فى قولهم فيمن فعل كبيرة نفاق من الموحدين أنه يقال: آمن ولا يقال: مؤمن فإن مؤمنا لمن بالغ فى الإيمان، حتى إنه يأبى بالفرائض ويجتنب المحرمات. وبعد، فالحق عندى جواز تسمية المنافق مؤمنا بمعنى موحدا؛ فإن العرب تسمى باسم الفاعل من فَعل الفعل ولو مرة، فمن خاط ولو مرة يقال له: خائط ولا يقال: خياط إلا إن اعتاد إلا إن كان لأصحابنا دليل نقلى فمسلَّم. وعن أبى هريرة عن النبى صلى الله عليه وسلم حديث : تحاجّ آدم وموسى، أى تخاصما. قال موسى: يا آدم أنت أبونا آدم أخرجتنا من الجنة. فقال له: أنت يا موسى اصطفاك الله بكلامه، وخَطَّ لك التوراة بيده، أى بقدرته، أو بأمره للملائكة، أتلومنى على أمر قدَّره الله عَلىَّ قبل أن يخلقنى بأربعين سنة، أى أظهَره الله فى الوجود، مثل أن يكتبه فى اللوح، أو يظهره للملائكة، أو خلَق مقدماته، وإلا فعلم الله لا أول له. قال صلى الله عليه وسلم: "فحج آدم موسى"تفسير : ، أى غلبه. وكان موسى لامه على مجرد ذلك، فكان آدم غالبا، ولو لامه على اهتمامه وإرادته وكسبه لم يكن غالبا، لأن العبد يلام على ذلك. وفسر بعضهم غوى ببَشِم أى بشم وتخم من كثرة الأكل. قال جار الله: وهو تفسير خبيث، وأصله على هذا غَوِىَ بكسر الواو بعده ياء مفتوحة كما قرأه بعضهم كذلك، فقلبت الكسرة فتحة والياء ألفا على لغة طيِّئ. يقولون فى بَقِىَ ورَضِىَ ونحوهما بوزن عَلِمَ: بَقَى ورَضَى، بوزن سمى.

اطفيش

تفسير : {فأكلا} آدم وزوجه {منها} من الشجرة التى سماها اللعين شجرة الخلد مع أنها شجرة الخروج والفناء والتعب، قال سعيد بن بير: لما خرج آدم استقبله ثور أبلق فقيل له: اعمل عليه فكان يعمل ويمسح العرق عن جبينه وقول: هذا ما وعدنى ربى "أية : ولا يخرجنَّكما من الجنَّة فتشفى" تفسير : [طه: 117] ثم نادى: يا حواء أنت عملت بى هذا، فعمال الثور يقولون حوحو مكرراً اختصاراً من قول آدم يا حواء فى بلادنا المضابية هذه، عند حرث الأرض والدوس مع البغال والحمير وغيرها، دخل عليهم ذلك من قبل آدم. {فبَدتْ لَهُما سوءاتهما} ظهرت لكل واحد سوأتان من الآخر، ولكل واحد قبل نفسه، وهما القبل والدبر، كانا مستورين بنور فنزع، أو بظفر فنزع، وبقيت بقية منه فى أصابعهما وبنانهما، ليذكرا بها شؤم الذنب، وذلك عقوبة للذنب، ولا يخلو عن مصالح أخرى، ولما ضرب ذلك الثور قال: لم؟ قال: لعصيانك لى، فقال: هل ضربك الله إذ عصيته {فَطَفقا} شرعا {يخصفان عليهما} يرفعان ويخيطان، وفيه عمل عامل واحد فى ضميرين لمسمى واحد، وهو عندى جائز مقيس مطرد فى كل عامل، إذا كان أحدهما بجار لكثرة ذلك فى القرآن، فألف يخصفان، وهاء عليهما لآدم وحواء معاً فى الموضعين، والعامل يخصف. {مِنْ وَرق الجنَّة} يلصقان ورقة بأخرى، والمتبادر أن شجر الجنة بأوراق كأوراق شجر الدنيا، وفى الآثار أنها من ذهب وفضة، ولعل المراد بورق الجنة هنا ورق تلك الشجرة التى أكلا منها، وأن أوراقها كأوراق شجر الدنيا، ولا مانع من أن يرفعا اليهما أوراق الذهب والفضة، وفى أثر أنه تفتت الورق عنهما إذا يبس {وعَصَى} لا يقال آدم عاص، لأن اسم الفاعل أقوى من الفعل {آدمُ ربَّه} بالأكل من الشجرة {فَغَوى} ضل عن الرشد باغتراره بقول العدو، أو عن الخلود الذى طلب بالأكل، أو عن المطلوب منه، وهو ترك الأكل من الشجرة، والذى أقول به: إن ما نسب الله عز وجل الى بعض الأنبياء من المعاصى، ليست من جنس معاصينا، لا عمداً ولا خطأ قبل النبوّة، ولا بعدها، بل دونها، عدها الله عليهم معاصى، لعظم مقامهم كمكروه، وجائز ومرجوح، ونسيان وتأويل كما ذكر فى آدم كما شاع: حسنات الأبرار سيئات المقربين. وقال إبراهيم: يا رب أدخلت آدم الجنة بلا عمل، وأحسنت اليه كل إحسان، وعصى مرة فملئت الأفواه بمعصيته؟ فقال: أما علمت أن مخالفة الحبيب للحبيب أمر عظيم، وذكر بعض أن ذلك ليزجر أولاده، وفى البخارى ومسلم، عن أبى هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : احتج آدم وموسى: قال موسى: يا آدم أنت أبونا أخرجتنا من الجنة. فقال له آدم: أنت يا موسى اصطفاك الله تعالى بكلامه وخط لك التوراة بيده أتلومنى على أمر قدره الله تعالى على، قبل أن يخلقنى بأربعين عاماً فحج آدم موسى" تفسير : وفى رواية المسلم: "قال آدم: بكم وجدت الله تعالى كتب التوراة قبل أن أخلق؟ قال: بأربعين سنة، قل فهل جدت فيها (وعصى آدم ربه فغوى)؟ قال: نعم، قال: فهل تلومنى على أن عملت عملا كتب الله علىَّ أن أعمله قبل أن يخلقنى بأربعين سنة" قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : فحج آدم موسى ". تفسير : وقال ابن العربى والقرطبى: إنه لا يجوز استئناف ذكر نبى بمعصية نسبها الله اليه، بل إذا قرئت الآية أو الحديث فيها كما فى المتشابه من القرآن والحديث، فى شأن الله، كاليد والأصبح، والنزول، وأجازت الأزارقة على الأنبياء الإشراك وما دونه، وأجاز الباقلانى صدور الكبيرة مطلقاً قبل النبوّة، وإرسال من أسلم من شرك، ووافقه كثير من الأشعرية ومن المعتزلة، ومنعت المعتزلة صدور الكبيرة قبل البعثة، وفى المواقف جوز الأكثرون صدور الكبيرة، غير الشرك، وغير الكذب فى المعجزة سهواً، أو خطأ، ونسب بعض جواز الصغيرة غير الخسيسة عمداً بعد البعث، ونسب للجمهور. ويقال: تجوز سهواً إجماعاً، واشترط المحققون أن ينبهوا فينتبهوا، وأجيزت الصغائر قبل البعثة، وذلك من آدم قبلها، قالت الشيعة الأنبياء معصومون عن الصغائر من وقت الولادة، وأكثر المعتزلة من وقت البلوغ، وأكثر الشافعية من وقت النبوّة، وعليه أبو الهذيل وأبو على من المعتزلة، وذلك أنه لا أقبح ممن رفعت درجته، وعصى رافعها ولو عصى كان كآحاد الأمة، وزال الوثوق به، وصار آمراً بما لا يفعل، ناهياً عما يفعل، وأجاز أكثر المعتزلة الصغائر عنهم عمداً.

الالوسي

تفسير : {فَأَكَلاَ } أي هو وزوجته {مِنْهَا } أي من الشجرة التي سماها اللعين شجرة الخلد {فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْءتُهُمَا } قال ابن عباس رضي الله عنهما: عريا عن النور الذي كان الله تعالى ألبسهما حتى بدت فروجهما، وفي رواية أخرى عنه أنه كان لباسهما الظفر فلما أصابا الخطيئة نزع عنهما وتركت هذه البقايا في أطراف الأصابع والله تعالى أعلم بصحة ذلك، ثم إن ما ذكر يحتمل أن يكون عقوبة للأكل ويحتمل أن يكون مرتباً عليه لمصلحة أخرى {وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ ٱلْجَنَّةِ } قد مر تفسيره. {وَعَصَىٰ ءادَمُ رَبَّهُ } بما ذكر من أكل الشجرة {فَغَوَىٰ } ضل عن مطلوبه الذي هو الخلود أو عن المطلوب منه وهو ترك الأكل من الشجرة أو عن الرشد حيث اغتر بقول العدو، وقيل: غوى أي فسد عليه عيشه، ومنه يقال: الغواء لسوء الرضاع. وقرىء {فَغَوَىٰ } بفتح الغين وكسر الواو وفتح الياء أي فبشم من كثرة الأكل من غوى الفصيل إذا اتخم من اللبن وبه فسرت القراءة الأخرى، وتعقب ذلك الزمخشري فقال وهذا وإن صح على لغة من يقلب الياء المكسور ما قبلها ألفاً فيقول في فني وبقي فنا وبقا بالألف وهم بنو طيىء تفسير خبيث. وظاهر الآية يدل على أن ما وقع من الكبائر وهو المفهوم من كلام الإمام فإن كان صدوره بعد البعثة تعمداً من غير نسيان ولا تأويل أشكل على ما اتفق عليه المحققون والأئمة المتقنون من وجوب عصمة الأنبياء عليهم السلام بعد البعثة عن صدور مثل ذلك منهم على ذلك الوجه، ولا يكاد يقول بذلك إلا الأزارقة من الخوارج فإنهم عليهم ما يستحقون جوزوا الكفر عليهم وحاشاهم فما دونه أولى بالتجويز، وإن كان صدوره قبل البعثة كما قال به جمع وقال الإمام: إنه مذهبنا فإن كان تعمداً أشكل على قول أكثر المعتزلة والشيعة بعصمتهم عليهم السلام عن صدور مثل ذلك تعمداً قبل البعثة أيضاً. نعم لا إشكال فيه على ما قاله القاضي أبو بكر من أنه لا يمتنع عقلاً ولا سمعاً أن يصدر من النبـي عليه السلام قبل نبوته معصية مطلقاً بل لا يمتنع عقلاً إرسال من أسلم بعد كفره، ووافقه على ذلك كما قال الآمدي في «أبكار الأفكار» أكثر الأصحاب وكثير من المعتزلة وإن كان سهواً كما يدل عليه قوله تعالى: {أية : فَنَسِىَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً } تفسير : [طه: 115] بناء على أحد القولين فيه أشكل على ما نقل عن الشيعة من منع صدور الكبيرة سهواً قبل البعثة أيضاً، ولا إشكال فيه على ما سمعت عن القاضي أبـي بكر، وإن كان بعد البعثة سهواً أشكل أيضاً عند بعض دون بعض، فقد قال عضد الملة في «المواقف» إن الأكثرين جوزوا صدور الكبيرة يعني ما عدا الكفر والكذب فيما دلت المعجزة على صدقهم عليهم السلام فيه سهواً وعلى سبيل الخطأ منهم، وقال العلامة الشريف المختار خلافه، وذهب كثير إلى أن ما وقع صغيرة والأمر عليه هين فإن الصغائر الغير المشعرة بالخسة يجوز على ما ذكره العلامة الثاني في «شرح العقائد» صدورها منهم عليهم السلام عمداً بعد البعثة عند الجمهور خلافاً للجبائي وأتباعه ويجوز صدورها سهواً بالاتفاق لكن المحققون اشترطوا أن ينبهوا على ذلك فينتهوا عنه. نعم ذكر في «شرح المقاصد» عصمتهم عن صدور ذلك عمداً. والأحوط نظراً إلى مقام آدم عليهم السلام أن يقال: إن صدور ما ذكر منه كان قبل النبوة وكان سهواً أو عن تأويل إلا أنه عظم الأمر عليه وعظم لديه / نظراً إلى علو شأنه ومزيد فضل الله تعالى عليه وإحسانه، وقد شاع حسنات الأبرار سيآت المقربين، ومما يدل على استعظام ذلك منه لعلو شأنه عليه السلام ما أخرجه البيهقي في «شعب الإيمان» عن أبـي عبد الله المغربـي قال: تفكر إبراهيم في شأن آدم عليهما السلام فقال: يا رب خلقته بيدك ونفخت فيه من روحك وأسجدت له ملائكتك ثم بذنب واحد ملأت أفواه الناس من ذكر معصيته فأوحى الله تعالى إليه يا إبراهيم أما علمت أن مخالفة الحبيب على الحبيب شديدة. وذكر بعضهم أن في استعظام ذلك منه عليه السلام زجراً بليغاً لأولاده عن أمثاله، وعلى العلات لا ينبغي لأحد أن ينسب إليه العصيان اليوم وأن يخبر بذلك إلا أن يكون تالياً لما تضمن ذلك أو راوياً له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأما أن يكون مبتدئاً من قبل نفسه فلا، وقد صرح القاضي أبو بكر بن العربـي بعدم جواز نسبة العصيان للآباء الأدنين إلينا المماثلين لنا فكيف يجوز نسبته للأنبياء الاقدام والنبـي المقدم الأكرم، وارتضى ذلك القرطبـي وادعى أن ابتداء الإخبار بشيء من صفات الله تعالى المتشابهة كاليد والأصبع والنزول أولى بالمنع وعدم الجواز، ثم إن ما وقع كان في الحقيقة بمحض قضاء الله تعالى وقدره، وإلا فقد روي عن أبـي أمامة الباهلي والحسن أن عقله عليه السلام مثل عقل جميع ولده وعداوة إبليس عليه اللعنة له عليه السلام في غاية الظهور، وفي ذلك دليل على أنه لا ينفع عقل ولا يغني شيء في جنب تقدير الله تعالى وقضائه.

ابن عاشور

تفسير : تفريع على ما قبله وثمّ جملة محذوفة دل عليها العرض، أي فعمل آدم بوسوسة الشيطان فأكل من الشجرة وأكلت حواء معه. واقتصار الشيطان على التسويل لآدم وهو يريد أن يأكل آدم وحواء، لعلمه بأن اقتداء المرأة بزوجها مركوز في الجبلة. وتقدم معنى {أية : فبدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة}تفسير : في سورة الأعراف (22). وقوله {وعصى آدم ربه} عطف على {فأكلا منها}، أي أكلا معاً، وتعمد آدم مخالفة نهي الله تعالى إياه عن الأكل من تلك الشجرة. وإثبات العصيان لآدم دون زوجه يدل على أن آدم كان قدوة لزوجه فلما أكل من الشجرة تبعته زوجه، وفي هذا المعنى قال الله تعالى: {أية : يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً}تفسير : [التحريم: 6]. والغواية: ضدّ الرشد، فهي عمل فاسد أو اعتقاد باطل، وإثبات العصيان لآدم دليل على أنه لم يكن يومئذ نبيئاً، ولأنّه كان في عالم غير عالم التكليف وكانت الغواية كذلك، فالعصيان والغواية يومئذ: الخروج عن الامتثال في التربية كعصيان بعض العائلة أمرَ كبيرها، وإنما كان شنيعاً لأنّه عصيان أمر الله.! وليس في هذه الآية مستند لتجويز المعصية على الأنبياء ولا لِمنعها، لأنّ ذلك العالَم لم يكن عالَم تكليف. وجملة {ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى} معترضة بين جملة {وعصى آدم} وجملة {قال اهبطا منها جميعاً}، لأن الاجتباء والتوبة عليه كانا بعد أن عوقب آدم وزوجه بالخروج من الجنة كما في سورة البقرة، وهو المناسب لترتب الإخراج من الجنة على المعصية دون أن يترتب على التوبة. وفائدة هذا الاعتراض التعجيل ببيان مآل آدم إلى صلاح. والاجتباء: الاصطفاء. وتقدم عند قوله تعالى: {أية : واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم}تفسير : في الأنعام (87)، وقوله {أية : اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم}تفسير : في النحل (121). والهداية: الإرشاد إلى النفع. والمراد بها إذا ذكرت مع الاجتباء في القرآن النبوءة كما في هذه الآيات الثلاث.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {فَأَكَلاَ مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ ٱلْجَنَّةِ}. الفاء في قوله {فَأَكَلاَ} تدل على أن سبب أكلها هو وسوسة الشيطان المذكورة قبله في قوله: {أية : فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ ٱلشَّيْطَانُ} تفسير : [طه: 120] أي فأكلا منها بسبب تلك الوسوسة. وكذلك الفاء في قوله: {فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا} تدل على أن سبب ذلك هو أكلهما من الشجرة المذكورة، فكانت وسوسة الشيطان سبباً للأكل من تلك الشجرة. وكان الأكل منها سبباً لبدو سوءاتهما. وقد تقرر في الأصول في مسلك (الإيماء والتنبيه): أن الفاء تدل على التعليل كقولهم: سها فسجد، أي لعلة سهوه. وسرق فقطعت يده، أي لعلة سرقته. كما قدمناه مراراً. وكذلك قوله هنا: {فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ ٱلشَّيْطَانُ قَالَ يٰآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ ٱلْخُلْدِ وَمُلْكٍ لاَّ يَبْلَىٰ فَأَكَلاَ مِنْهَا} أي بسبب تلك الوسوسة فبدت لهما سوءاتهما، أي بسبب ذلك الأكل، ففي الآية ذكر السبب وما دلت عليه الفاء هنا كما بينا من أن وسوسة الشيطان هي سبب ما وقع من آدم وحواء جاء مبيناً في مواضع من كتاب الله، كقوله تعالى: {أية : فَأَزَلَّهُمَا ٱلشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ} تفسير : [البقرة: 36] فصرح بأن الشيطان هو الذي أزلهما. وفي القراءة الأخرى "فأزالهما" وأنه هو الذي أخرجهما مما كانا فيه، أي من نعيم الجنة، وقوله تعالى: {أية : يَابَنِيۤ آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ ٱلشَّيْطَانُ كَمَآ أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِّنَ ٱلْجَنَّةِ}تفسير : [الأعراف: 27] الآية، وقوله: {أية : فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ}تفسير : [الأعراف: 22] إلى غير ذلك من الآيات. وما ذكره جل وعلا في آية "طه" هذه من ترتب بدو سوءاتهما على أكلهما من تلك الشجرة أوضحه في غير هذا الموضع، كقوله في "الأعراف": {أية : فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ}تفسير : [الأعراف: 22] إلى غير ذلك من الآيات. وما ذكره جل وعلا في آية "طه" هذه من ترتب بدو سوءاتهما على أكلهما من تلك الشجرة أوضحه في غير هذا الموضع، كقوله في "الأعراف": {أية : فَلَمَّا ذَاقَا ٱلشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا}تفسير : [الأعراف: 22]، وقوله فيها. أيضاً: {أية : كَمَآ أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِّنَ ٱلْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَآ}تفسير : [الأعراف: 27]. وقد دلت الآيات المذكورة على أن آدم وحواء كانا في ستر من الله يستر به سوءاتهما، وأنهما لما أكلا من الشجرة التي نهاهما ربهما عنهما انكشف ذلك الستر بسبب تلك الزلة. فبدت سوءاتهما أي عوراتهما. وسميت العورة سوءة لأن انكشافها يسوء صاحبها، وصارا يحاولان ستر العورة بورق شجر الجنة، كما قال هنا: {وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ ٱلْجَنَّةِ}، وقال في "الأعراف": {أية : فَلَمَّا ذَاقَا ٱلشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ ٱلْجَنَّةِ} تفسير : [الأعراف: 22] الآية. وقوله: {وَطَفِقَا} أي شرعا. فهي من أفعال الشروع، ولا يكون خبر أفعال الشروع إلا فعلاً مضارعاً غير مقترن بـ "أن" وإلى ذلك أشار في الخلاصة بقوله: شعر : ... ... وترك أن مع ذي الشروع وجبا كأنشأ السائق يحدو وطفق وكذا جعلت وأخذت وعلق تفسير : فمعنى قوله {وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ} أي شرعا يلزقان عليهما من ورق الجنة بعضه ببعض ليسترا به عوراتهما. والعرب تقول: خصف النعل يخصفها: إذا خرزها: وخصف الورق على بدنه: إذا ألزقها وأطبقها عليه ورقة ورقة. وكثير من المفسرين يقولون: إن ورق الجنة التي طفق آدم وحواء يخصفان عليهما منه إنه ورق التين. والله تعالى أعلم. واعلم أن الستر كان على آدم وحواء، وانكشف عنهما لما ذاقا الشجرة اختلف العلماء في تعيينه. فقالت جماعة من أهل العلم: كان عليهما لباس من جنس الظفر. فلما أكلا من الشجرة أزاله الله عنهما إلا ما أبقى منه على رؤوس الأصابع. وقال بعض أهل العلم: كان لباسهما نوراً يستر الله به سوءاتهما. وقيل: لباس من ياقوت، إلى غير ذلك من الأقوال. وهو من الاختلاف الذي لا طائل تحته، ولا دليل على الواقع فيه كما قدمنا كثيراً من أمثلة ذلك في سورة "الكهف". وغاية ما دل عليه القرآن: أنهما كان عليهما لباس يسترهما الله به. فلما أكلا من الشجرة نزع عنهما فبدت لهما سوءاتهما. ويمكن أن يكون اللباس المذكور الظفر أو النور، أو لباس التقوى، أو غير ذلك من الأقوال المذكورة فيه. وأسند جل وعلا إبداء ما وورى عنهما من سوءاتهما إلى الشيطان قوله: {أية : لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا} تفسير : [الأعراف: 20] كما أسند له نزع اللباس عنهما في قوله تعالى: {أية : كَمَآ أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِّنَ ٱلْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَآ}تفسير : [الأعراف: 27] لأنه هو المتسبب في ذلك بوسوسته وتزيينه كما قدمناه قريباً. وفي هذه الآية الكريمة سؤال معروف، وهو أن يقال: كيف جعل سبب الزلة في هذه الآية وهو وسوسة الشيطان مختصاً بآدم دون حواء قوله: {أية : فَوَسْوَسَ لَهُمَا ٱلشَّيْطَانُ} تفسير : [الأعراف: 20] مع أنه ذكر أن تلك الوسوسة سببت الزلة لهما معاً كما أوضحناه. والجواب ظاهر، ,هو أنه بين في "الأعراف" أنه وسوس لحواء أيضاً مع آدم في القصة بعينها في قوله: {أية : فَوَسْوَسَ لَهُمَا ٱلشَّيْطَانُ}تفسير : [الأعراف: 20] فبينت آية "الأعراف" ما لم تبينه آية "طه" كما ترى، والعلم عند الله تعالى. مسألة: أخذ بعض أهل العلم من هذه الآية الكريمة: وجوب ستر العورة، لأن قوله: {وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ ٱلْجَنَّةِ} يدل على قبح انكشاف العورة، وأنه ينبغي بذل الجهد في سترها. قال القرطبي رحمه الله في تفسيره في سورة "الأعراف" ما نصه: وفي الآية دليل على قبح كشف العورة، وأن الله أ وجب عليهما الستر، ولذلك ابتدرا إلى سترها، ولا يمتنع أن يؤمرا بذلك في الجنة كما قيل لهما {أية : وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ} تفسير : [البقرة: 35]. وقد حكى صاحب البيان عن الشافعي: أن من لم يجد ما يستر به عورته إلا ورق الشجر لزمه أن يستتر بذلك. لأنه سترة ظاهرة، عليه التستر بها كما فعل آدم في الجنة. والله أعلم ـ انتهى كلام القرطبي. ووجوب ستر العورة في الصلاة مجمع عليه بين المسلمين. وقد دلت عليه نصوص من الكتاب والسنة، كقوله تعالى: {أية : يَابَنِيۤ آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ} تفسير : [الأعراف: 31] الآية، وكبعثه صلى الله عليه وسلم من ينادي عام حج أبي بكر بالناس عام تسع: "إلا يحج بعد هذا العام مشرك، وألا يطوف بالبيت عريان". وكذلك لا خلاف بين العلماء في منع كشف العورة أمام الناس. وسيأتي بعض ما يتعلق بهذا إن شاء الله في سورة "النور". فإن قيل: لم جمع السوءات في قوله {سَوْءَاتُهُمَا} مع أنهما سوأتان فقط؟ فالجواب من ثلاثة أوجه: الوجه الأول ـ أن آدم وحواء كل واحد منهما له سوءتان: القبل والدبر، فهي أربع، فكل منهما يرى قبل نفسه وقبل الآخر، ودبره. وعلى هذا فلا إشكال في الجمع. الوجه الثاني ـ أن المثنى إذا أضيف إليه شيئان هما جزاءه جاز في ذلك المضاف الذي هو شيئان الجمع والتثنية، والإفراد، وأفصحها الجمع، فالإفراد، فالتثنية على الأصح، سواء كانت الإضافة لفظاً أو معنى. ومثال اللفظ: شويت رؤوس الكبشين أو رأسهما، أو رأسيهما. ومثال المعنى: قطعت من الكبشين الرؤوس، أو الرأس، أو الرأسين. فإن فرق المثنى المضاف إليه فالمختار في المضاف الإفراد، نحو: على لسان داود وعيسى ابن مريم. ومثال جمع المثنى المضاف المذكور الذي هو الأفصح قوله تعالى {أية : فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} تفسير : [التحريم: 4]، وقوله تعالى: {أية : وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقْطَعُوۤاْ أَيْدِيَهُمَا} تفسير : [المائدة: 38]، ومثال الإفراد قول الشاعر: شعر : حمامة بطن الواديين ترنمي سقاك من الغر الغوادي مطيرها تفسير : ومثال التثنية قول الراجز: شعر : ومهمهين قذفين مرتين ظهراهما مثل ظهور الترسين تفسير : وللضمائر الراجعة إلى المضاف المذكور المجموع لفظاً وهو مثنى معنى يجوز فيها الجمع نظراً إلى اللفظ، والتثنية نظراً إلى المعنى، فمن الأول قوله: شعر : خليلي لا تهلك نفوسكما أسى فإن لهما فيما به دهيت أسى تفسير : ومن الثاني قوله: شعر : قلوبكما يغشاهما الأمن عادة إذا منكما الأبطال يغشاهم الذعر تفسير : الوجه الثالث ـ ما ذهب إليه مالك بن أنس من أن أقل الجمع اثنان. قال في مراقي السعود: شعر : أقل معنى الجمع في المشتهر الاثنان في رأي الإمام الحميري تفسير : وأما إن كان الاثنان المضافان منفصلين عن المثنى المضاف إليه، أي كانا غير جزأيه فالقياس الجمع وفاقاً للفراء، كقولك: ما أخرجكما من بيوتكما، وإذا أويتما إلى مضاجعكما، وضرباه بأسيافهما، وسألتا عن إنفاقهما على أزواجهما، ونحو ذلك. وقوله تعالى: {وَعَصَىٰ ءَادَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ}. المعصية خلاف الطاعة. فقوله {وَعَصَىٰ ءَادَمُ رَبَّهُ} أي لم يطعه في اجتناب ما نهاه عنه مِن قُربان تلك الشجرة. وقوله: {فَغَوَىٰ} الغي: الضلال، وهو الذهاب عن طريق الصواب. فمعنى الآية: لم يُطِع آدمُ ربَّه فأخطأ طريق الصواب بسبب عدم الطاعة، وهذا العصيان والغي بيَّن الله جل وعلا في غير موضع مِن كتابه أن المراد به: أن الله أباح له أن يأكل هو وامرأته مِن الجنة رَغَداً حيثُ شاءَا، ونهاهما أن يَقرَبا شجرة مُعينة من شجرها. فلم يزل الشيطان يُوسوس لهما ويَحْلِف لهما بالله إنه لهما نَاصِح، وإِنَّهما إِنْ أكلا منهما نالا الخُلود والملْك الذي لا يَبْلى. فخدعهما بذلك كما نصّ الله على ذلك في قوله: {أية : وَقَاسَمَهُمَآ إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ ٱلنَّاصِحِينَ} تفسير : [الأعراف: 21] {أية : فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ} تفسير : [الأعراف: 22] فأكلا منها. وكان بعض أهل العلم يقول: من خادَعَنا بالله خَدَعنا. وهو مَروي عن عُمر. وفي حديث أبي هريرة عند أبي داود والترمذي والحاكم: "حديث : المؤمن غِرُّ كريم، والفاجر خِبٌّ لئيم"تفسير : . وأنشد لذلك نفطويه: شعر : إن الكريم إذا تَشاء خَدَعْتَه وترى اللئيم مجرباً لا يُخْدع تفسير : فآدم عليه الصلاة والسلام ما صدَرَتْ منه الزلة إلا بسبب غرور إبليس له. وقد قدمنا قول بعض أهل العلم: إن آدم مِن شدة تعظيمه لله اعتقد أنه لا يمكن أن يَحْلِف به أحد وهو كاذب فأنساه حلف إبليس بِالله العَهْد بالنهي عن الشجرة. وقول بعض أهل العلم: إن معنى قوله: {فَغَوَىٰ} أي فسد عليه عيشه بِنُزوله إلى الدنيا. قالوا: والغي. الفساد، خلاف الظاهر وإن حكاه النقاش واختاره القشيري واستحسنه القرطبي. وكذلك قول من قال {فَغَوَىٰ} أي بشم من كثرة الأكل. والبشم: التخمة، فهو قول باطل. وقال فيه الزمخشري في الكشاف: وهذا وإن صحَّ على لغة من يقلب الياء المكسورة ما قبلها ألفاً فيقول في فَنِي وبَقِيَ، فنا وبقا، وهم بَنُو طَيْئ ـ تفسير خبيث، ا هـ منه. وما أشار إليه الزمخشري من لغة طَيْئ معروف. فهم يقولون للجارية: جاراة، وللناصية ناصاة، ويقولون في بَقِيَ بقى كَرَمَى. ومِن هذه اللغة قول الشاعر: شعر : لعمرك لا أخشَى التصعلك ما بقي على الأرض قيسي يسوق الأباعرا تفسير : وهذه اللغة التي ذكرها الزمخشري لا حاجة لها في التفسير الباطل المذكور، لأن العرب تقول: غوى الفصيل كرضى وكرمى: إذا بشم من اللبن. وقوله تعالى في هذه الآية: {وَعَصَىٰ ءَادَمُ} يدل على أن معنى "غَوَى" ضلَّ عن طريق الصواب كما ذكرنا. وقد قدمنا أن هذه الآية الكريمة وأمثالها في القرآن هي حجة من قال بأن الأنبياء غير معصومين مِن الصغائر. وعِصمة الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم مبحث أصولي لعلماء الأصول فيه كلام كثير واختلاف معروف، وسنذكر هنا طرفاً من كلام أهل الأصول في ذلك. قال ابن الحاجب في مختصره في الأصول: مسألة: الأكثر على أنه لا يمتنع عقلاً على الأنبياء مَعْصية. وخالف الروافض، وخالف المعتزلة إلا في الصغائر. ومعتمدهم التقبيح العقلي. والإجماع على عصمتهم بعد الرسالة من تعمد الكذب في الأحكام. لدلالة المعجزة على الصدق. وجوَّزه القاضي غلطاً وقال: دلت على الصدق اعتقاداً. وأما غيره مِن المعاصي فالإجماع على عصمتهم من الكبائر والصغائر الخسيسة. والأكثر على جواز غيرهما ـ ا هـ منه بلفظه. وحاصل كلامه: عصمتهم من الكبائر، ومن صغائر الخِسّة دون غيرها من الصغائر. وقال العّلامة العلوي الشنقيطي في (نشر البنود شرح مراقي السعود) في الكلام على قوله: شعر : والأنبياء عُصِموا مما نهوا عنه ولم يكن لهم تفكّه بجائز بل ذاك لِلتشريع أو نية الزلفى من الرفيع تفسير : ما نصّه: فقد أجمع أهل الملل والشرائع كلها على وجوب عصمتهم من تعمد الكذب فيما دل المعجز القاطع على صدقهم فيه. كدعوى الرسالة، وما يبلغونه عن الله تعالى للخلائق. وصدور الكذب عنهم فيما ذكر سهواً أو نسياناً منعه الأكثرون وما سوى الكذب في التبليغ. فإن كان كُفراً فقد أجمعت الأُمَّة على عِصْمَتِهم منه قبل النبُوَّة وبعدها، وإن كان غيره فالجمهور على عِصْمَتهم مِن الكبائر عَمداً. ومخالف الجمهور الحشوية. واختلف أهل الحق: هل المانع لِوقوع الكبائر مِنهم عَمْداً العقل أو السمع؟ وأما المعتزلة فالعقل، وإن كان سهواً فالمختار العِصْمة منها. وأما الصغائر عمداً أو سهواً فقد جَوزها الجمهور عقلاً. لكنها لا تقع مِنْهم غير صغائر الخِسَّة فلا يجوز وقوعها منهم لا عمداً ولا سهواً ـ انتهى منه. وحاصل كلامه: عصمتهم من الكذب فيما يُبلِّغونه عن الله ومن الكُفر والكبائر وصغائر الخسّة. وأن الجمهور على جواز وُقوع الصغائر الأخرى منهم عقلاً. غير أن ذلك لم يقع فعلاً. وقال أبو حيَّان في البحر في سورة "البقرة" وفي المنتخب للإمام أبي عبدالله محمد بن أبي الفضل المرسي ما ملخصّه: مَنعت الأمَّة وقوع الكفر من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، إلا الفضيلية من الخوارج قالوا: وقد وقع منهم ذنوب والذنب عندهم كُفر. وأجاز الإمامية إظهار الكُفر منهم على سبيل التقية. واجتمعت الأمة على عِصْمتهم مِن الكذب والتحريف فيما يتعلق بالتبليغ، فلا يَجوز عمداً ولا سهواً. ومِن الناس من جوز ذلك سهواً. وأجمعوا على امتناع خطئهم في الفتيا عمداً. واختلفوا في السهو. وأما أفعالهم فقالت الحشوية: يجوز وقوع الكبائر منهم على جِهة العمد. وقال أكثر المعتزلة: بجواز الصغائر عمداً إلا في القول كالكذب. وقال الجبائي: يمتنعان عليهم إلا على جهة التأويل. وقيل: يمتنعان عليهم إلا على جهة السهو والخطأ، وهُم مأخُوذون بذلك وإن كان موضوعاً عن أمتهم. وقالت الرافضة يمتنع ذلك على كل جهة. واختلف في وقت العِصْمة. فقالت الرافضة: مِن وَقْت مَوْلدهم. وقال كثير من المعتزلة: مِن وَقْت النبوة. والمختار عندنا أنه لم يصدر عنهم ذنب حالة النبوة البتَّة لا الكبيرة ولا الصغيرة. لأنهم لو صَدَر عنهم الذنب لكانوا أقل درجة من عصاة الأمة لعظيم شرفهم وذلك محال، ولئلا يكونوا غير مقبولي الشهادة، ولئلا يجب زَجْرهم وإيذاؤهم، ولئلا يُقْتَدَى بهم في ذلك. ولئلا يكونوا مُسْتَحِقِّين لِلعقاب، ولِئلا يفعلوا ضِد ما أمروا به لأنهم مُصْطفون، ولأن إبليس استثناهم في الإغواء ـ انتهى ما لخَّصناه من (المنتخب)، والقول في الدلائل لهذه المذاهب. وفي إبطال ما ينبغي إبطاله منها مذكور في كتب أصول الدين. انتهى كلام أبي حَيان. وحاصل كلام الأصوليِّين في هذه المسألة: عِصْمَتهم مِن الكُفر وفي كل ما يتعلق بالتبليغ، ومن الكبائر وصغائر الخسة كسرقة لقمة وتطفيف حبة، وأن أكثر أهل الأصول على جواز وقوع الصغائر غير الصغائر الخسة منهم. ولكن جماعة كثيرة مِن متأخِّري الأصوليِّين اختاروا أن ذلك وإن جاز عقلاً لم يَقع فعلاً، وقالوا: إنما جاء في الكتاب والسنَّة مِن ذلك أن ما فعلوه بتأويل أو نسياناً أو سهواً، أو نحو ذلك. قال مقيده عفا الله وغفر له: الذي يظهر لنا أنه الصواب في هذه المسألة ـ أن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم لم يَقع منهم ما يزري بمراتبهم العَلِّية، ومناصبهم السامِيَة. ولا يستوجب خطأ منهم ولا نقصاً فيهم صَلوات الله وسلامه عليهم، ولو فَرَضْنا أنه وقع منهم بعض الذنوب لأنهم يتداركون ما وقع منهم بالتوبة، والإخلاص، وصِدق الإنابة إلى الله حتى ينالوا بذلك أعلى الدرجات فتكون بذلك درجاتهم أعلى من درجة من لم يرتكب شيئاً من ذلك. ومِما يوضح هذا قوله تعالى: {وَعَصَىٰ ءَادَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ ثُمَّ ٱجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَىٰ} [طه: 121-122]. فانظر أي أثر يبقى لِلعِصْيان والغي بعد توبة الله عليه، واجتبائه أي اصطفائه إياه، وهِدايته له، ولا شكّ أن بعض الزلات ينال صاحبها بالتوبة منها درجة أعلى من درجته قبل ارتكاب تلك الزلة. والعلم عند الله تعالى.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 121- ودلَّه على الشجرة المحرَّمة، فخُدع آدم وزوجه بإغراء إبليس، ونسيا نهى الله، وأكلا منها، فظهرت لهما عوراتهما، جزاء طمعهما، حتى نسيا ووقعا فى مخالفته، وصارا يقطعان من ورق شجر الجنة ويستران ما بدا منهما، وخالف آدم ربه، وكان ذلك قبل النبوة، فَحُرِم الخلود الذى تمناه وفسد عيشه. 122- ثم اصطفاه الله للرسالة، فقبل توبته، وهداه إلى الاعتذار والاستغفار. 123- أمر الله آدم وزوجه أن يخرجا من الجنة ويهبطا إلى الأرض، وأخبرهما سبحانه بأن العداوة ستكون فى الأرض بين ذريتهما، وأنه سبحانه سيمدهم بالهدى والرشاد، فمن اتَّبع منهم هدى الله فلا يقع فى المآثم فى الدنيا، ولا يشقى بالعذاب. 124- ومن أعرض عن هدى الله وطاعته فإنه يحيا حياة لا سعادة فيها، فلا يقنع بما قسم الله، ولا يستسلم إلى قضاء الله وقدره، حتى إذا كان يوم القيامة جاء إلى موقف الحساب مأخوذاً بذنبه، عاجزاً عن الحجة التى يعتذر بها، كما كان فى دنياه أعمى البصيرة عن النظر فى آيات الله. 125- وفى هذا الموقف يسأل ربه فى فزع: يا رب كيف أنسيتنى الحُجة، وأعجزتنى عن المعذرة، ووقفتنى كالأعمى؟! وقد كنت فى الدنيا أُبصر ما حولى وأجادل وأدافع. 126- الأمر فى شأنك كما وقع: جاءتك دلائلنا ورسلنا فى الدنيا فنسيتها، وتعاميت عنها، ولم تؤمن بها، وكذلك اليوم تترك منسيا فى العذاب والهوان. 127- ومثل هذا الجزاء السيئ نجزى فى الدنيا من أقبل على المعصية، وكذب بالله وآياته، وإن عذاب الآخرة لأشد ألماً، وأدْوَم مما كان فى الدنيا.

د. أسعد حومد

تفسير : {سَوْءَاتُهُمَا} {ءَادَمُ} (121) - فَأَكَلاَ مِنَ الشَّجَرَةِ، وَبَدَتْ لَهُمَا عَوْرَاتُهُمَا (سَوءاتُهُمَا)، وَكَانَتْ مَسْتُورَةً عَنْهُمَا، فَأَخَذا يَسْتُرَانِهَا بِوَرَقِ الشَّجَرِ، يَشْبِكَانِهِ لِيَسْترا مَوَاضِعَ العِفَّةِ مِنْهُمَا، وَبِذلِكَ عَصَى آدَمُ رَبَّهُ، فَضَلَّ وَغَوَى. سَوْءَاتُهُمَا - عَوْرَاتُهُمَا. طَفِقَا يَخْصِفَانِ - أَخَذَا يُلْصِقَانِ. عَصَى آدَمُ - خَالَفَ النَّهْيَ سَهْواً أَوْ بِتَأْوِيلٍ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : أي: بعد أن أكلا من هذه الشجرة ظهرتْ لهما سوءآتهما، والسَّوْأة هي العورة أي: المكان الذي يستحي الإنسان أن ينكشف منه، والمراد القُبُل والدُّبُر في الرجل والمرأة. ولكل من القُبل والدُّبر مهمة، وبهما يتخلص الجسم من الفضلات، الماء من ناحية الكُلى والحالب والمثانة عن طريق القُبل، وبقايا وفضلات الطعام الناتجة عن حركة الهَضْم وعملية الأَيْض، وهذه تخرج عن طريق الدُّبُر. لكن، متى أحسَّ آدم وزوجه بسوءاتهما، أبعد الأكل عموماً من شجر الجنة، أم بعد الأكل من هذه الشجرة بالذات؟ الحق - تبارك وتعالى - رتَّب ظهور العورة على الأكل من الشجرة التي نهاهما عنها {فَأَكَلاَ مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا ..} [طه: 121] فقبْل الأكل من هذه الشجرة لم يعرفا عورتيهما، ولم يعرفا عملية الإخراج هذه؛ لأن الغذاء كان طاهيه ربُّه، فيعطي القدرة والحياة دون أن يخلف في الجسم أيَّ فضلات. لكن، لما خالفوا وأكلوا من الشجرة بدأ الطعام يختمر وتحدث له عملية الهضم التي نعرفها، فكانت المرة الأولى التي يلاحظ فيها آدم وزوجه مسألة الفضلات، ويلتفتان إلى عورتيهما: ما هذا الذي يخرج منها؟ وهنا مسألة رمزية ينبغي الالتفات إليها، فحين ترى عورة في المجتمع فاعلم أن منهجاً من مناهج الله قد عُطل. إذن: لم يعرف آدم وزوجه فضلات الطعام وما ينتج عنه من ريح وأشياء مُنفِّرة قذرة إلا بعد المخالفة، وهنا تحيَّرا، ماذا يفعلان؟ ولم يكن أمامهما إلا ورق الشجر {وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ ٱلْجَنَّةِ ..} [طه: 121]. أي: أخذا يلصقان الورق على عورتيهما لسترها هكذا بالفطرة، وإلا ما الذي جعل هاتين الفتحتين عورة دون غيرهما من فتحات الجسم كالأنف والفم مثلاً؟ قالوا: لأن فَتْحتيْ القُبُل والدُّبُر يخرج منهما شيء قذر كريه يحرص المرء على سَتْره، ومن العجيب أن الإنسان وهو حيوان ناطق فضَّله الله، وحين يأكل يأكل باختيار، أمّا الحيوان فيأكل بغريزته، ومع ذلك يتجاوز الإنسان الحد في مأكله ومشربه، فيأكل أنواعاً مختلفة، ويأكل أكثر من حاجته ويأكل بعدما شبع، على خلاف الحيوان المحكوم بالغريزة. ولذلك ترى رائحة الفضلات في الإنسان قذرة مُنفّرة، ولا فائدة منها في شيء، أما فضلات الحيوان فلا تكاد تشمُّ لها رائحة، ويمكن الاستفادة منها فيجعلونها وقوداً أو سماداً طبيعياً. وبعد ذلك نتهم الحيوان ونقول: إنه بهيم .. إلخ. وقوله تعالى: {وَعَصَىٰ ءَادَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ} [طه: 121] أي: فيما قبل النبوة، وفي مرحلة التدريب، والإنسان في هذه المرحلة عُرْضة لأنْ يصيب، ولأنْ يخطىء، فإنْ أخطأ في هذه المرحلة لا تضربه بل تُصوِّب له الخطأ. كالتلميذ في فترة الدراسة، إنْ أخطأ صوَّب له المعلم، أما في الامتحان فيحاسبه. ومعنى: {فَغَوَىٰ} [طه: 121] يعني: لم يُصِبْ الحقيقة، كما يقولون لمن تاه في الصحراء غاوٍ أي: تائه. ثم تأتي المرحلة الأخرى: مرحلة العِصْمة. ثم يقول الحق سبحانه: {ثُمَّ ٱجْتَبَاهُ رَبُّهُ ...}.