Verse. 2471 (AR)

٢٠ - طه

20 - Ta-Ha (AR)

قَالَ اہْبِطَا مِنْہَا جَمِيْعًۢا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ۝۰ۚ فَاِمَّا يَاْتِيَنَّكُمْ مِّنِّيْ ہُدًى۝۰ۥۙ فَمَنِ اتَّبَعَ ہُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقٰي۝۱۲۳
Qala ihbita minha jameeAAan baAAdukum libaAAdin AAaduwwun faimma yatiyannakum minnee hudan famani ittabaAAa hudaya fala yadillu wala yashqa

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قال اهبطا» أي آدم وحواء بما اشمتلنا عليه من ذريتكما «منها» من الجنة «جميعاً بعضكم» بعض الذرية «لبعض عدو» من ظلم بعضهم بعضاً «فإما» فيه إدغام نون إن الشرطية في ما المزيدة «يأتينكم مني هدى فمن اتبع هدايَ» القرآن «فلا يضل» في الدنيا «ولا يشقى» في الآخرة.

123

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن على أول هذه الآية سؤالاً وهو أن قوله: {ٱهْبِطَا }، إما أن يكون خطاباً مع شخصين أو أكثر فإن كان خطاباً لشخصين فكيف قال بعده: {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مّنّى هُدًى } وهو خطاب الجمع وإن كان خطاباً لأكثر من شخصين فكيف قال: {ٱهْبِطَا } وذكروا في جوابه وجوهاً: أحدها: قال أبو مسلم: الخطاب لآدم ومعه ذريته ولإبليس ومعه ذريته فلكونهما جنسين صح قوله: {ٱهْبِطَا } ولأجل اشتمال كل واحد من الجنسين على الكثرة صح قوله: {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم } قال صاحب «الكشاف»: لما كان آدم وحواء عليهما السلام أصلا للبشر والسبب اللذين منهما تفرعوا جعلا كأنهما البشر أنفسهم فخوطبا مخاطبتهم فقال: {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم } على لفظ الجماعة، أما قوله: {بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ } فقال القاضي: يكفي في توفية هذا الظاهر حقه أن يكون إبليس والشياطين أعداء للناس والناس أعداء لهم، فإذا انضاف إلى ذلك عداوة بعض الفريقين لبعض لم يمتنع دخوله في الكلام، وقوله: {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مّنّي هُدًى فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَايَ } فيه دلالة على أن المراد الذرية، وقد اختلفوا في المراد بالهدى، فقال بعضهم: الرسل وبعضهم قال: الآخر والأدلة وبعضهم قال القرآن، والتحقيق أن الهدى عبارة عن الدلالة فيدخل فيه كل ذلك، وفي قوله: {فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَىٰ } دلالة على أن المراد بالهدى الذي ضمن الله على اتباعه ذلك اتباع الأدلة، واتباعها لا يتكامل إلا بأن يستدل بها وبأن يعمل بها، ومن هذا حاله فقد ضمن الله تعالى له أن لا يضل ولا يشقى، وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة. وثانيها: لا يضل ولا يشقى في الآخرة لأنه تعالى يهديه إلى الجنة ويمكنه فيها. وثالثها: لا يضل ولا يشقى في الدنيا فإن قيل: المتبع لهدى الله قد يحلقه الشقاء في الدنيا، قلنا: المراد لا يضل في الدين ولا يشقى بسبب الدين فإن حصل الشقاء بسبب آخر فلا بأس، ولما وعد الله تعالى من يتبع الهدى أتبعه بالوعيد فيمن أعرض، فقال: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي } والذكر يقع على القرآن وعلى سائر كتب الله تعالى على ما تقدم بيانه ويحتمل أن يراد به الأدلة، وقوله: {فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً } فالضنك أصله الضيق والشدة وهو مصدر ثم يوصف به فيقال: منزل ضنك، وعيش ضنك، فكأنه قال: معيشة ذات ضنك، واعلم أن هذا الضيق المتوعد به إما أن يكون في الدنيا أو في القبر أو في الآخرة أو في الدين أو في كل ذلك أو أكثره. أما الأول: فقال به جمع من المفسرين وذلك لأن المسلم لتوكله على الله يعيش في الدنيا عيشاً طيباً كما قال: { أية : فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَوٰةً طَيّبَةً } تفسير : [النحل: 97] والكافر بالله يكون حريصاً على الدنيا طالباً للزيادة أبداً فعيشته ضنك وحالته مظلمة، وأيضاً فمن الكفرة من ضرب الله عليه الذلة والمسكنة لكفره قال تعالى: { أية : وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذّلَّةُ وَٱلْمَسْكَنَةُ وَبَاءوا بِغَضَبٍ مّنَ ٱللَّهِ ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَـٰتِ ٱللَّهِ } تفسير : [البقرة: 61] وقال: { أية : وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيهِمْ مّن رَّبّهِمْ لأَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم } تفسير : [المائدة: 66] وقال تعالى: { أية : وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْقُرَىٰ ءَامَنُواْ وَٱتَّقَوْاْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَـٰتٍ مّنَ ٱلسَّمَاء وَٱلأَرْضِ } تفسير : [الأعراف: 96] وقال: {أية : ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ ٱلسَّمَاء عَلَيْكُمْ مُّدْرَاراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوٰلٍ وَبَنِينَ } تفسير : [نوح: 10 ـ 12] وقال: { أية : وَأَلَّوِ ٱسْتَقَـٰمُواْ عَلَى ٱلطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَـٰهُم مَّاء غَدَقاً } تفسير : [الجن: 16]. وأما الثاني: وهو عذاب القبر، فهذا قول عبد الله بن مسعود وأبي سعيد الخدري وعبد الله بن عباس ورفعه أبو هريرة إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : إن عذاب القبر للكافر قال والذي نفسي بيده إنه ليسلط عليه في قبره تسعة وتسعون تنيناً » تفسير : قال ابن عباس رضي الله عنهما: نزلت الآية في الأسود بن عبد العزى المخزومي والمراد ضغطة القبر تختلف فيها أضلاعه. وأما الثالث: وهو الضيق في الآخرة في جهنم، فإن طعامهم فيها الضريع والزقوم، وشرابهم الحميم والغسلين فلا يموتون فيها ولا يحيون وهذا قول الحسن وقتادة والكلبي. وأما الرابع: وهو الضيق في أحوال الدين فقال ابن عباس رضي الله عنهما: المعيشة الضنك هي أن تضيق عليه أبواب الخير فلا يهتدي لشيء منها. سئل الشبلي عن قوله عليه السلام: « حديث : إذا رأيتم أهل البلاء فاسألوا الله العافية » تفسير : فقال أهل البلاء هم أهل الغفلات عن الله تعالى فعقوبتهم أن يردهم الله تعالى إلى أنفسهم وأي معيشة أضيق وأشد من أن يرد الإنسان إلى نفسه، وعن عطاء قال: المعيشة الضنك هي معيشة الكافر لأنه غير موقن بالثواب والعقاب. وأما الخامس: وهو أن يكون المراد الضيق في كل ذلك أو أكثره فروي عن علي عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : عقوبة المعصية ثلاثة: ضيق المعيشة والعسر في الشدة، وأن لا يتوصل إلى قوته إلا بمعصية الله تعالى» تفسير : أما قوله تعالى: {وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ ٱلْقِيـٰمَةِ أَعْمَىٰ } ففيه وجوه: أحدها: هذا مثل قوله: { أية : وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمّا } تفسير : [الإسراء: 97] وكما فسرت الزرقة بالعمى، ثم قيل: إنه يحشر بصيراً فإذا سيق إلى المحشر عمى والكلام فيه وعليه قد تقدم في قوله: {أية : زُرْقاً} تفسير : [طه:102]. وثانيها: قال مجاهد والضحاك ومقاتل: يعني أعمى عن الحجة، وهي رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال القاضي: هذا القول ضعيف لأن في القيامة لا بد أن يعلمهم الله تعالى بطلان ما كانوا عليه حتى يتميز لهم الحق من الباطل، ومن هذا حاله لا يوصف بذلك إلا مجازاً، والمراد به أنه كان من قبل ذلك كذلك ولا يليق بهذا قوله: {وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً } ولم يكن كذلك في حال الدنيا أقول ومما يؤكد هذا الاعتراض أنه تعالى علل ذلك العمى بما أن المكلف نسي الدلائل في الدنيا فلو كان العمى الحاصل في الآخرة بين ذلك النسيان لم يكن للمكلف بسبب ذلك ضرر، كما أنه ما كان له في الدنيا بسبب ذلك ضرر، واعلم أن تحقيق الجواب عن هذا الاعتراض مأخوذ من أمر آخر وهو أن الأرواح الجاهلة في الدنيا المفارقة عن أبدانها على جهالتها تبقى على تلك الجهالة في الآخرة وأن تلك الجهالة تصير هناك سبباً لأعظم الآلام الروحانية. وبين هذه الطريقة وبين طريقة القاضي المبنية على أصول الاعتزال بون شديد. وثالثها: قال الجبائي: المراد من حشره أعمى أنه لا يهتدي يوم القيامة إلى طريق ينال منه خيراً بل يبقى واقفاً متحيراً كالأعمى الذي لا يهتدي إلى شيء، أما قوله: {قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَىٰ وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً * قَالَ كَذٰلِكَ أَتَتْكَ آيَـٰتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذٰلِكَ ٱلْيَوْمَ تُنْسَىٰ } ففي تقرير هذا الجواب وجهان: أحدهما: أنه تعالى إنما أنزل به هذا العمى جزاء على تركه اتباع الهدى والإعراض عنه. والثاني: هو أن الأرواح البشرية إذا فارقت أبدانها جاهلة ضالة عن الاتصال بالروحانيات بقيت على تلك الحالة بعد المفارقة وعظمت الآلام الروحانية، فلهذا علل الله تعالى حصول العمى في الآخرة بالإعراض عن الدلائل في الدنيا، ومن فسر المعيشة الضنك بالضيق في الدنيا، قال إنه تعالى بين أن من أعرض عن ذكره في الدنيا فله المعيشة الضنك في الدنيا، والعمى في الآخرة، أما قوله: {وَكَذٰلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِن بِـئَايَـٰتِ رَبّهِ } فقد اختلفوا فيه فبعضهم قال: أشرك وكفر، وبعضهم قال: أسرف في أن عصى الله وقد بين تعالى المراد بذلك بقوله: {وَلَمْ يُؤْمِن بِـئَايَـٰتِ رَبّهِ } لأن ذلك كالتفسير لقوله: أسرف وبين أنه يجزي من هذا حاله بما تقدم ذكره من المعيشة الضنك والعمى وبين بعد ذلك أن: {عَذَابَ ٱلآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَىٰ } أما الأشد فلعظمه، وأما الأبقى فلأنه غير منقطع.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {قَالَ ٱهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً} خاطب آدم وإبليس. «مِنها» أي من الجنة. وقد قال لإبليس: {أية : ٱخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُوماً مَّدْحُوراً} تفسير : [الأعراف: 18] فلعله أخرِج من الجنة إلى موضع من السماء، ثم أُهبِط إلى الأرض. {بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ} تقدم في «البقرة» أي أنت عدوّ للحية ولإبليس وهما عدوّان لك. وهذا يدل على أن قوله: «اهبِطا» ليس خطاباً لآدم وحوّاء؛ لأنهما ما كانا متعاديين؛ وتضمن هبوط آدم هبوط حواء. {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى} أي رشداً وقولاً حقاً. وقد تقدّم في «البقرة». {فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَايَ} يعني الرسل والكتب. {فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَىٰ} قال ابن عباس: ضمن الله تعالى لمن قرأ القرآن وعمل بما فيه ألا يضلّ في الدنيا، ولا يشقى في الآخرة، وتلا الآية. وعنه: من قرأ القرآن واتبع ما فيه هداه الله من الضلالة، ووقاه يوم القيامة سوء الحساب، ثم تلا الآية. {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي} أي ديني، وتلاوة كتابي، والعمل بما فيه. وقيل: عما أنزلت من الدلائل. ويحتمل أن يحمل الذكر على الرسول؛ لأنه كان منه الذكر. {فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً} أي عيشاً ضيقاً؛ يقال: منزل ضنك وعيش ضنك يستوي فيه الواحد والاثنان والمذكر والمؤنث والجمع؛ قال عنترة:شعر : إنْ يُلحقوا أَكْررْ وإنْ يُستلحَمُوا أَشدُدْ وإنْ يُلْفَوْا بضَنْكٍ أنزِل تفسير : وقال أيضاً:شعر : إنّ المنيةَ لو تُمثَّل مُثِّلتْ مثلي إذا نَزلُوا بضَنْكِ المنزلِ تفسير : وقرىء «ضَنْكَى» على وزن فَعْلَى: ومعنى ذلك أن الله عز وجل جعل مع الدين التسليم والقناعة والتوكل عليه وعلى قسمته، فصاحبه ينفق مما رزقه الله ـ عز وجل ـ بسماح وسهولة ويعيش عيشاً رافِغاً؛ كما قال الله تعالى: {أية : فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً} تفسير : [النمل: 97]. والمعرض عن الدين مستولٍ عليه الحرص الذي لا يزال يطمح به إلى الازدياد من الدنيا، مسلط عليه الشحّ، الذي يقبض يده عن الإنفاق، فعيشه ضَنك، وحاله مظلمة، كما قال بعضهم: لا يعرض أحد عن ذكر ربه إلا أظلم عليه وقته، وتَشوَّش عليه رزقُه، وكان في عيشة ضنك. وقال عكرمة: «ضَنْكاً» كسباً حراماً. الحسن: طعام الضَّرِيع والزَّقُّوم. وقول رابع وهو الصحيح أنه عذاب القبر؛ قاله أبو سعيد الخدري وعبد الله بن مسعود، ورواه أبو هريرة مرفوعاً: عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد ذكرناه في كتاب «التذكرة»؛ قال أبو هريرة: يضيق على الكافر قبره حتى تختلف فيه أضلاعه، وهو المعيشة الضنك. {وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ ٱلْقِيامَةِ أَعْمَىٰ} قيل: أعمى في حال وبصيراً في حال؛ وقد تقدّم في آخر «سبحان». وقيل: أعمى عن الحجة؛ قاله مجاهد. وقيل: أعمى عن جهات الخير، لا يهتدي لشيء منها. وقيل: عن الحيلة في دفع العذاب عن نفسه، كالأعمى الذي لا حيلة له فيما لا يراه. {قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِيۤ أَعْمَىٰ} أي بأي ذنب عاقبتني بالعمى. {وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً} أي في الدنيا، وكأنه يظن أنه لا ذنب له. وقال ابن عباس ومجاهد: أي {قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِيۤ أَعْمَىٰ} عن حجتي {وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً} أي عالماً بحجتي؛ القشيري: وهو بعيد إذ ما كان للكافر حجة في الدنيا. {قَالَ كَذٰلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا} أي قال الله تعالى له: {كَذٰلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا} أي دلالاتنا على وحدانيتنا وقدرتنا. {فَنَسِيتَهَا} أي تركتها ولم تنظر فيها، وأعرضت عنها. {وَكَذٰلِكَ ٱلْيَوْمَ تُنْسَىٰ} أي تترك في العذاب؛ يريد جهنم. {وَكَذٰلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ} أي وكما جزينا من أعرض عن القرآن، وعن النظر في المصنوعات، والتفكر فيها، وجاوز الحدّ في المعصية. {وَلَمْ يُؤْمِن بِآيَاتِ رَبِّهِ} أي لم يصدق بها. {وَلَعَذَابُ ٱلآخِرَةِ أَشَدُّ} أي أفظع من المعيشة الضّنك، وعذاب القبر. {وَأَبْقَىٰ } أي أدوم وأثبت؛ لأنه لا ينقطع ولا ينقضي.

البيضاوي

تفسير : {قَالَ ٱهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً} الخطاب لآدم وحواء، أو له ولإِبليس ولما كانا أصليَّ الذرية خاطبهما مخاطبتهم فقال: {بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ } لأمر المعاش كما عليه الناس من التجاذب والتحارب، أو لاختلال حال كل من النوعين بواسطة الآخر ويؤيد الأول قوله: {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنًى هُدًى} كتاب ورسول. {فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ} في الدنيا. {وَلاَ يَشْقَىٰ} في الآخرة.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى لآدم وحواء وإبليس: اهبطوا منها جميعاً، أي من الجنة كلكم، وقد بسطنا ذلك في سورة البقرة {أية : بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ} تفسير : [البقرة: 36] قال: آدم وذريته، وإبليس وذريته. وقوله: {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّى هُدًى} قال أبو العالية: الأنبياء والرسل والبيان {فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَاىَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَىٰ} قال ابن عباس: لا يضل في الدنيا، ولا يشقى في الآخرة {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى} أي: خالف أمري وما أنزلته على رسولي، أعرض عنه وتناساه، وأخذ من غيره هداه {فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً} أي: ضنكاً في الدنيا، فلا طمأنينة له، ولا انشراح لصدره، بل صدره ضيق حرج لضلاله، وإن تنعم ظاهره، ولبس ما شاء، وأكل ما شاء، وسكن حيث شاء، فإن قلبه ما لم يخلص إلى اليقين والهدى، فهو في قلق وحيرة وشك، فلا يزال في ريبة يتردد، فهذا من ضنك المعيشة. قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: {فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً} قال: الشقاء. وقال العوفي عن ابن عباس: {فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً} قال: كل ما أعطيته عبداً من عبادي، قل أو كثر، لا يتقيني فيه، فلا خير فيه، وهو الضنك في المعيشة، وقال أيضاً: إن قوماً ضلالاً أعرضوا عن الحق، وكانوا في سعة من الدنيا متكبرين، فكانت معيشتهم ضنكاً، وذلك أنهم كانوا يرون أن الله ليس مخلفاً لهم معايشهم من سوء ظنهم بالله والتكذيب، فإذا كان العبد يكذب بالله، ويسيء الظن به، والثقة به، اشتدت عليه معيشته، فذلك الضنك. وقال الضحاك: هو العمل السيىء والرزق الخبيث، وكذا قال عكرمة ومالك بن دينار. وقال سفيان بن عيينة: عن أبي حازم عن أبي سلمة عن أبي سعيد في قوله: {مَعِيشَةً ضَنكاً} قال: يضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه فيه، وقال أبو حاتم الرازي: النعمان بن أبي عياش يكنى أبا سلمة. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا صفوان، أنبأنا الوليد، أنبأنا عبد الله بن لهيعة، عن دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قول الله عز وجل: {فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً} قال: ضمة القبر له، والموقوف أصح. وقال ابن أبي حاتم أيضاً: حدثنا الربيع بن سليمان، حدثنا أسد بن موسى، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا دراج أبو السمح عن ابن حجيرة، واسمه عبد الرحمن، عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : المؤمن في قبره في روضة خضراء، ويفسح له في قبره سبعون ذراعاً، وينور له قبره كالقمر ليلة البدر، أتدرون فيم أنزلت هذه الآية: {فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً}، أتدرون ما المعيشة الضنك؟» تفسير : قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «حديث : عذاب الكافر في قبره، والذي نفسي بيده إنه ليسلط عليه تسعة وتسعون تنيناً. أتدرون ما التنين؟ تسعة وتسعون حية، لكل حية سبعة رؤوس، ينفخون في جسمه ويلسعونه ويخدشونه إلى يوم يبعثون» تفسير : رفعه منكر جداً. وقال البزار: حدثنا محمد بن يحيى الأزدي: حدثنا محمد بن عمرو، حدثنا هشام بن سعد عن سعيد بن أبي هلال عن ابن حجيرة، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في قول الله عز وجل: {فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً} قال: «حديث : المعيشة الضنك الذي قال الله إنه يسلط عليه تسعة وتسعون حية ينهشون لحمه حتى تقوم الساعة»تفسير : . وقال أيضاً: حدثنا أبو زرعة، حدثنا أبو الوليد، حدثنا حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم {فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً} قال: «حديث : عذاب القبر» تفسير : إسناد جيد. وقوله: {وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ ٱلْقِيـٰمَةِ أَعْمَىٰ} قال مجاهد وأبو صالح والسدي: لا حجة له، وقال عكرمة: عمي عليه كل شيء إلا جهنم، ويحتمل أن يكون المراد أنه يبعث أو يحشر إلى النار أعمى البصر والبصيرة أيضاً، كما قال تعالى: {أية : وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَّأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ} تفسير : [الإسراء: 97] الآية، ولهذا يقول: {رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِىۤ أَعْمَىٰ وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً} أي: في الدنيا {قَالَ كَذَٰلِكَ أَتَتْكَ آيَـٰتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذٰلِكَ ٱلْيَوْمَ تُنْسَىٰ} أي: لما أعرضت عن آيات الله، وعاملتها معاملة من لم يذكرها بعد بلاغها إليك، تناسيتها وأعرضت عنها وأغفلتها، كذلك اليوم نعاملك معاملة من ينساك {أية : فَٱلْيَوْمَ نَنسَـٰهُمْ كَمَا نَسُواْ لِقَآءَ يَوْمِهِمْ هَـٰذَا} تفسير : [الأعراف: 51] فإن الجزاء من جنس العمل. فأما نسيان لفظ القرآن مع فهم معناه والقيام بمقتضاه، فليس داخلاً في هذاالوعيد الخاص، وإن كان متوعداً عليه من جهة أخرى، فإنه قد وردت السنة بالنهي الأكيد والوعيد الشديد في ذلك. قال الإمام أحمد: حدثنا خلف بن الوليد، حدثنا خالد عن يزيد بن أبي زياد عن عيسى بن فائد عن رجل عن سعد بن عبادة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ما من رجل قرأ القرآن فنسيه، إلا لقي الله يوم يلقاه وهو أجذم»تفسير : ، ثم رواه الإمام أحمد من حديث يزيد بن أبي زياد عن عيسى بن فائد عن عبادة بن الصامت، عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكر مثله سواء.

المحلي و السيوطي

تفسير : {قَالَ ٱهْبِطَا } أي آدم وحوّاء بما اشتملتما عليه من ذرّيتكما {مِنْهَا } من الجنة {جَمِيعاً بَعْضُكُمْ } بعض الذرية {لِبَعْضٍ عَدُوٌّ } من ظلم بعضهم بعضاً {فَإِمَّا } فيه إدغام نون «إن» الشرطية في «ما» المزيدة {يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّى هُدًى فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَاىَ } أي القرآن {فَلاَ يَضِلُّ } في الدنيا {وَلاَ يَشْقَىٰ } في الآخرة.

الشوكاني

تفسير : قوله: {قَالَ ٱهْبِطَا } قد مرّ تفسيره في البقرة، أي انزلا من الجنة إلى الأرض، خصهما الله سبحانه بالهبوط؛ لأنهما أصل البشر، ثم عمم الخطاب لهما ولذرّيتهما فقال: {بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ } والجملة في محل نصب على الحال، ويجوز أن يقال: خاطبهما في هذا وما بعده خطاب الجمع؛ لأنهما منشأ الأولاد. ومعنى {بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ }: تعاديهم في أمر المعاش ونحوه، فيحدث بسبب ذلك القتال والخصام {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مّنّى هُدًى } بإرسال الرسل وإنزال الكتب {فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَىٰ } أي لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة. {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى } أي عن ديني، وتلاوة كتابي، والعمل بما فيه، ولم يتبع هداي {فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً } أي فإن له في هذه الدنيا معيشة ضنكاً، أي عيشاً ضيقاً. يقال: منزل ضنك وعيش ضنك، مصدر يستوي فيه الواحد وما فوقه والمذكر والمؤنث، قال عنترة:شعر : إن المنية لو تمثل مثلت مثلي إذا نزلوا بضنك المنزل تفسير : وقرىء {ضُنكى} بضم الضاد على فُعلى، ومعنى الآية: أن الله عزّ وجلّ جعل لمن اتبع هداه وتمسك بدينه أن يعيش في الدنيا عيشاً هنياً غير مهموم ولا مغموم ولا متعب نفسه، كما قال سبحانه: {أية : فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَوٰةً طَيّبَةً } تفسير : [النحل: 97]. وجعل لمن لم يتبع هداه وأعرض عن دينه أن يعيش عيشاً ضيقاً وفي تعب ونصب، ومع ما يصيبه في هذه الدنيا من المتاعب، فهو في الأخرى أشدّ تعباً وأعظم ضيقاً وأكثر نصباً، وذلك معنى: {وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ ٱلْقِيـٰمَةِ أَعْمَىٰ } أي مسلوب البصر. وقيل: المراد: العمى عن الحجة. وقيل: أعمى عن جهات الخير لا يهتدي إلى شيء منها. وقد قيل: إن المراد بالمعيشة الضنك: عذاب القبر، وسيأتي ما يرجح هذا ويقوّيه. {قَالَ رَبّى لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَىٰ وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً } في الدنيا {قَالَ كَذٰلِكَ } أي مثل ذلك فعلت أنت، ثم فسره بقوله: {أَتَتْكَ آيَـٰتُنَا فَنَسِيتَهَا } أي أعرضت عنها وتركتها ولم تنظر فيها {وَكَذٰلِكَ ٱلْيَوْمَ تُنْسَىٰ } أي مثل ذلك النسيان الذي كنت فعلته في الدنيا تنسى، أي: تترك في العمى والعذاب في النار. قال الفراء: يقال: إنه يخرج بصيراً من قبره فيعمى في حشره. {وَكَذٰلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ } أي مثل ذلك الجزاء نجزيه. والإسراف: الانهماك في الشهوات. وقيل: الشرك. {وَلَمْ يُؤْمِن بِـئَايَـٰتِ رَبّهِ } بل كذب بها {وَلَعَذَابُ ٱلاْخِرَةِ أَشَدُّ } أي أفظع من المعيشة الضنك {وَأَبْقَىٰ } أي أدوم وأثبت لأنه لا ينقطع. وقد أخرج ابن أبي شيبة والطبراني وأبو نعيم في الحلية، وابن مردويه عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من اتبع كتاب الله هداه الله من الضلالة في الدنيا، ووقاه سوء الحساب يوم القيامة، وذلك أن الله يقول: {فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَاىَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَىٰ}»تفسير : وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد ومحمد بن نصر وابن المنذر وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، والبيهقي في الشعب من طرق عن ابن عباس قال: أجار الله تابع القرآن من أن يضلّ في الدنيا أو يشقى في الآخرة، ثم قرأ: {فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَىٰ } قال: لا يضلّ في الدنيا ولا يشقى في الآخرة. وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور، ومسدد في مسنده، وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، وابن مردويه والبيهقي عن أبي سعيد الخدري مرفوعاً في قوله: {مَعِيشَةً ضَنكاً } قال: عذاب القبر. ولفظ عبد الرزاق قال: يضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه. ولفظ ابن أبي حاتم قال: ضمة القبر. وفي إسناده ابن لهيعة، وفيه مقال معروف. وقد روي موقوفاً. قال ابن كثير: الموقوف أصح. وأخرج البزار وابن أبي حاتم عن أبي هريرة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في قوله: «حديث : {فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً } قال: "المعيشة الضنكى أن يسلط عليه تسعة وتسعون حية ينهشون لحمه حتى تقوم الساعة»تفسير : . وأخرج ابن أبي الدنيا والحكيم الترمذي وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان وابن مردويه، والبيهقي عن أبي هريرة مرفوعاً نحوه بأطول منه. قال ابن كثير: رفعه منكر جداً. وأخرج ابن أبي شيبة والبزار وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وابن مردويه والبيهقي عن أبي هريرة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في قوله: "حديث : {فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً } قال: عذاب القبر"تفسير : . قال ابن كثير بعد إخراجه: إسناد جيد. وأخرج هناد وعبد بن حميد وابن المنذر والطبراني والبيهقي عن ابن مسعود في قوله: {فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً } قال: عذاب القبر، ومجموع ما ذكرنا هنا يرجح تفسير المعيشة الضنك بعذاب القبر. وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني، والبيهقي في كتاب عذاب القبر عن ابن مسعود؛ أنه فسر المعيشة الضنكى بالشقاء. وأخرج هناد وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله: {وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ ٱلْقِيـٰمَةِ أَعْمَىٰ } قال: عمي عليه كل شيء إلا جهنم، وفي لفظ: لا يبصر إلا النار. وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان في قوله: {وَكَذٰلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ } قال: من أشرك بالله.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ} وعمل بما فيه {فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَى} لا يضل في الدنيا ولا يشقى. قال ابن عباس: ضمن الله لمن يقرأ القرآن ويعمل بما فيه ألاّ يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة. {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً} فيه أربعة تأويلات: أحدها: كسباً حراماً، قاله عكرمة. الثاني: أن يكون عيشه منغَّصاً بأن ينفق من لا يوقن بالخلف، قاله ابن عباس. الثالث: أنه عذاب القبر، قاله ابو سعيد الخدري وابن مسعود وقد رفعه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم. الرابع: أنه الطعام الضريع والزقوم في جهنم، قاله الحسن، وقتادة، وابن زيد. والضنك في كلامهم الضيق قال، عنترة: شعر : إن المنية لو تمثل مثلت مثلي إذا نزلوا بضنك المنزل تفسير : ويحتمل خامساً: أن يكسب دون كفايته. {وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: أعمى في حال، وبصير في حال. الثاني: أعمى عن الحجة، قاله مجاهد. الثالث: أعمى عن وجهات الخير لا يهتدي لشيء منها.

ابن عبد السلام

تفسير : {فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَاىَ} ضمن الله ـ تعالى ـ لمن قرأ القرآن وعمل بما فيه ألا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة "ع".

ابن عادل

تفسير : قوله: {قَالَ ٱهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً} هنا سؤال وهو أن قوله: "اهْبِطَا" إما أن يكون خطاباً مع شخصين أو أكثر، فإن كان خطاباً مع شخصين فكيف قال بعده: "فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم" وهو خطاب الجمع؟ وإن كان خطاباً مع شخصين فكيف قال: "اهْبِطَا"؟ وأجاب أبو مسلم: بأن الخطاب لآدم ومعه ذريته، ولإبليس ومعه ذريته، ولكونهما جنسين صح قوله: "اهْبِطَا" ولأجل اشتمال كل من الجنسين على الكثرة صح قوله: "فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم". وقال الزمخشري: لما كان آدم وحواء عليهما السلام أصل البشر اللذين منهما تفرعوا كأنهما البشر أنفسُهُما، فخوطِبَا مخاطبتهم، فقيل: "فَإِمَّا يَأْتينكم" على لفظ الجماعة. ومن قال: بأنَّ أقَلَّ الجمع اثنان، أو بأنه يعبر عن الاثنين بلفظ الجمع، كقوله: {أية : فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} تفسير : [التحريم: 4] فلا يحتاج إلى التأويل. قوله: {بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ} تقدم تفسيره. {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ ٱتَّبعَ هُدَايَ} وهذا يدل على أن المراد الذرية والمراد بالهدى الرسل، وقيل: الآيات والأدلة، وقيل: القرآن. "فَلاَ يَضِلُّ" في الدُّنيا، "وَلاَ يَشْقَى" في الآخرة، لأنه تعالى يهديه إلى الجنة. وقيل: لا يَضِلُّ ولا يَشْقَى في الدُّنْيَا. فإن قيل: المتبع لهدى الله قَدْ يَشْقَى في الدنيا. فالجواب: أن المراد لا يضل في الدين، ولا يشقى بسبب الدين، فإن حصل بسبب آخر فلا بأس. ولما وعد الله تعالى من يتبع الهُدَى أتْبَعه بالوعيد لمن أعرض فقال: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي} والذكر يقع على القرآن وعلى سائر كتب الله تعالى على ما تقدم. قوله: "ضَنْكاً" صفة لمعيشة، وأصله المصدر، فكأنه قال: معيشة ذات ضنك، فلذلك لم يؤنث ويقع للمفرد والمثنى والمجموع بلفظ واحد. وقرأ الجمهور "ضَنْكاً" بالتنوين وصلاً وإبداله ألفاًَ وقفاً كسائر المعربات. وقرأت فرقة "ضنكى" بألف كسكرى. وفي هذه الألف احتمالان: أحدهما: أنها بدل من التنوين، وإنما أجري الوصل مجرى الوقف كما تقدم في نظائره، وسياتي منها بقية إن شاء الله تعالى. والثاني: أن تكون ألف التأنيث، بُنِي المصدر على (فَعْلَى) نحو دَعْوَى. والضنك الضيق والشدة، يقال منه: ضَنُكَ عيشُه يَضْنَكُ ضَنَاكَةً وَضَنْكاً، وامرأة ضنَاكٌ كثير لحم البدن، كأنهم تخيلوا ضيق جلدها به. فصل قال جماعة من المفسرين: الكافر بالله يكون حريصاً على الدنيا طالباً للزيادة أبداً فعيشه ضَنْكٌ، وأيضاً فمن الظلمة مَنْ ضرب الله عليهم الذلة والمسكنة بكفره قال تعالى: {أية : وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذِّلَّةُ وَٱلْمَسْكَنَةُ} تفسير : [البقرة: 61] وقال: {أية : وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِم مِّن رَّبِّهِمْ لأَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم} تفسير : [المائدة: 66]، وقال: {أية : وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْقُرَىٰ ءَامَنُواْ وَٱتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ} تفسير : [الأعراف: 96] وقال ابن مسعود وأبو هريرة وأبو سعيد الخدري - (رضي الله عنهم) -: المراد بالعيشة الضنكى عذاب القبر. وقال الحسن وقتادة والكلبي: هو الضيق في الآخرة في جهنم، فإن طعامهم الضريع والزقوم، وشرابهُمُ الحميم والغِسْلِين، فلا يموتون فيها ولا يَحْيُوْن. وقال ابن عباس: المعيشة الضنك هو أن يضيق عليه أبواب الخير فلا يهتدي لشيء منها. وعن عطاء: المعيشةُ الضَّنك هي معيشة الكافر، لأنه غير موقِنٍ بالثواب والعقاب. وروي عنه - عليه السلام - أنَّه قال: عقوبة المعصيةِ ثلاثة ضيقُ المعيشة والعُسْرُ في اللذة، وأن لا يتوصل إلى قوته إلا بمعصية الله (تعالى). قوله: {وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ أَعْمَىٰ} قرأ العامة "وَنَحْشُرُه" بالنون ورفع الفعل على الاستئناف. وقرأ أبان بن تغلب في آخرين بتسكين الراء، وهي محتملة لوجهين: أحدهما: أن يكون الفعل مجزوماً نسقاً على محل جزاء الشرط، وهو الجملة من قوله: {فَإنَّ لَهُ مَعِيشَةً} فإنَّ محلها الجزم، فهي كقراءة: {مَنْ يُضْلِل اللهُ فَلاَ هَادِي لَهُ وَيَذرْهُم} [الأعراف:186] بتسكين الراء. والثاني: أنْ يكون السكون سكون تخفيف (نحو "يَأْمُرْكُم" وبابه). وقرأت فرقة بياء الغيبة، وهو الله تعالى أو الملك. وأبان بن تغلب في رواية "وَنَحْشُرُهْ" بسكون الهاء وصلاً، وتخريجها إما على لغة بني عقيل وبني كلاب وإمَّا على إجراء الوصل مجرى الوقف. و "أَعْمَى" نصب على الحال. فصل قال ابن عباس: أعمى البصر. وقال مجاهد والضحاك ومقاتل: أعمى عن الحجة، وهو رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس. قال القاضي: وهذا ضعيف، لأن في القيامة لا بد أن يُعْلِمهم الله بطلان ما كانوا عليه حتى يتميز لهم الحق من الباطل، ومن هذا حاله لا يوصف بذلك إلا مجازاً، ولا يليق بهذا قوله: {وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً}، ولم يكن كذلك في حال الدنيا. ومما يؤيد ذلك أنه تعالى علَّل ذلك العمى بأن المكلف نَسِي الدلائل فلو كان العمى الحاصل في الآخرة عين ذلك النِّسيان لم يكن للمكلف بسبب ذلك ضرر. قوله: {لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَىٰ وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً} اعلم أنَّ الله - تعالى - جعل هذا العمى جزاءً على تركه اتباع الهدى. وقوله: {وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً} جملة حالية من مفعول "حَشَرْتَنِي". وفتح الياءَ من "حَشَرْتَنِي" قبل الهمزة نافع وابن كثير. قوله: "كَذَلِكَ أَتَتْكَ" قال أبو البقاء: "كَذَلِكَ" في موضع نصب أي: حَشَرْنَا مثل ذلك أو فَعَلْنَا مثل ذلك أو إتياناً مثل ذلك أو جزاءً مثل إعراضِك أو نسياناً وهذه الأوجه التي ذكرها تكون الكاف في بعضها نصباً (على المصدر، وفي بعضها نصباً) على المفعول به. ولم يذكر الزمخشري في غير المفعول به فقال: أي: مثل ذلك فعلتَ أنْتَ، ثم فُسِّر بأنَّ آياتنَا أتتك واضحة مستنيرة فلم تنظر إليها بعين المعتبر، فتركتَها وأعرضتَ عنها. {وَكَذَٰلِكَ ٱليَوْمَ تُنْسَىٰ} تُتْرَك في النار. قوله: {وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ} أي ومثل ذلك الجزاء نجزي "مَنْ أسْرَفَ" أي: أشرك، {وَلَمْ يُؤْمِن بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ ٱلآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَىٰ} مما يعذبهم في الدنيا (والقبر، "وَأَبْقَى" وأدْوَمُ).

البقاعي

تفسير : ولما كانت دور الملوك لا تحتمل مثل ذلك، وكان قد قدم سبحانه عنايته بآدم عليه السلام اهتماماً به، وكان الخبر عن زوجه وعن إبليس لم يذكر، فكانت نفس السامع لم تسكن عن تشوفها إلى سماع بقية الخبر، أجاب عن ذلك بأنه أهبط من داره المقدسة الحامل على المخالفة والمحمول وإن كان قد هيأه بالاجتباء لها، فقال على طريق الاستئناف: {قال} أي الرب الذي انتهكت حرمة داره: {اهبطا منها} أيها الفريقان: آدم وتبعه، وإبليس {جميعاً}. ولما كان السياق لوقوع النسيان وانحلال العزم بعد أكيد العهد، حرك العزم وبعث الهم بإيقاع العداوة التي تنشأ عنها المغالبة، فتبعث الهمم وتثير العزائم، فقال في جواب من كأنه قال: على أيّ حال يكون الهبوط: {بعضكم لبعض عدو} وهو صادق بعداوة كل من الفريقين للفريق الآخر: فريق إبليس - الذين هم الجن - بالإضلال، وفريق الإنس بالاحتراز منهم بالتعاويذ والرقى وغير ذلك، وبعداوة بعض كل فريق لبعضه {فإما} أي فتسبب عن ذلك العلم بأنه لا قدرة لأحد منكم على التحرز من عدوه إلا بي ولا حرز لكم من قبلي إلا اتباع أمري، فإما {يأتينكم} أي أيها الجماعة الذين هم أضلّ ذوي الشهوات من المكلفين {مني هدى} تحترزون به عن استهواء العدو واستزلاله {فمن اتبع} عبر بصيغة "افتعل" التي فيها تكلف وتتميم للتبع الناشىء عن شدة الاهتمام {هداي} الذي أسعفته به من أوامر الكتاب والرسول المؤيد بدلالة العقل، وللتعبير بصيغة "افتعل" قال: {فلا يضل} أي بسبب ذلك، عن طريق السداد في الدنيا ولا في الآخرة أصلاً {ولا يشقى*} أي في شيء من سعيه في واحدة منهما، فإن الشقاء عقاب الضلال، ويلزم من نفيه نفي الخوف والحزن بخلاف العكس، فهو أبلغ مما في البقرة، فإن المدعو إليه في تلك مطلق العبادة، والمقام في هذه للخشية والبعث على الجد بالعداوة {إلا تذكرة لمن يخشى} وللإقبال على الذكر {من أعرض عنه فإنه يحمل يوم القيامة وزراً} والتحفظ من المخالفة ولو بالنسيان {فنسي ولم نجد له عزماً}. قال الرازي في اللوامع: والشقاء: فراق العبد من الله، والسعادة وصوله إليه؛ وقال الأصبهاني عن ابن عباس رضي الله عنهما: ضمن الله عز وجل لمن اتبع القرآن أن لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة {ومن أعرض} أي فعل دون فعل الرضيع بتعمد الترك لما ينفعه بالمجاورة {عن ذكري} الذي هو الهدى {فإن له} ضد ذلك {معيشة} حقرها سبحانه بالتأنيث ثم وصفها بأفظع وصف وهو مصدر يستوي فيه المذكر والمؤنث والجمع وغيره فقال: {ضنكاً} أي ذات ضنك أي ضيق، لكونه على ضلال وإن رأى أن حاله على غير ذلك في السعة والراحة، فإن ضلاله لا بد أن يرديه، فهو ضنك لكونه سبباً للضيق وآئلاً إليه، من تسمية السبب باسم المسبب، مع أن المعرض عن الله لا يشبع ولا يضل إلى أن يقنع، مستولٍ عليه الحرص الذي لا يزال أن يطيح ببال من يريد الازدياد من الدنيا، مسلط عليه الشح الذي يقبض يده عن الانفاق، عن مناوأة الخصوم، وتعاقب الهموم، مع أنه لا يرجو ثواباً، ولا يأمن عقاباً، فهو لذلك في أضيق الضيق، لا يزال همه أكبر من وجده "لو كان لابن آدم واد من ذهب لابتغى إليه ثانياً، ولو أن له واديين لا بتغى لهما ثالثاً، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب" متفق عليه عن أنس رضي الله عنه، وهكذا حال من أتبع نفسه هواها، وأما المقبل على الذكر بكليته فهو قانع راض بما هو فيه، مستكثر من ذكر الله الشارح للصدور الجالي للقلوب فهو أوسع سعة، فلا تغتر بالصور وانظر إلى المعاني. ولما ذكر حاله في الدنيا، أتبعه قوله: {ونحشره يوم القيامة أعمى*} وكان ذلك في بعض أوقات ذلك اليوم، قال ابن عباس رضي الله عنهما: إذا خرج من القبر خرج بصيراً، فإذا سيق إلى المحشر عمي، أو يكون ذلك - وهو أقرب مفهوم العبارة - في بعض أهل الضلال ليجتمع مع قوله { أية : أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا }تفسير : [مريم: 38] وحديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما في الصحيح من هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: حديث : الظلم ظلمات يوم القيامة تفسير : . ثم استأنف قوله: {قال} مذكراً بالنعمة السابقة استعطافاً لأن من شأن مسلف نعمة أن يربيها وإن قصر المنعم عليه، وغاية ذلك إنما يكون مهما بقي للصلح موضع: {رب} أي أيها المحسن إليّ المسبغ نعمه عليّ {لم حشرتني} في هذا اليوم {أعمى وقد كنت} أي في الدنيا، أو في أول هذا اليوم {بصيراً*} فكأنه قيل: بم أجيب؟ فقيل: {قال} له ربه: {كذلك} أي مثل هذا الفعل الشنيع فعلت في الدنيا، والمعنى: مثل ما قلت كان؛ ثم فسر على الأول، وعلل على الثاني، فقال: {أتتك آياتنا} على عظمتها التي هي من عظمتنا {فنسيتها} أي فعاملتها بإعراضك عنها معامله المنسي الذي لا يبصره صاحبه، فقد جعلت نفسك أعمى البصر والبصيرة عنها، كما قال تعالى:{أية : الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكري } تفسير : [الكهف: 101] {وكذلك} أي ومثل ذلك النسيان الفظيع، وقدم الظرف ليسد سوقه للمظروف ويعظم اختباره لفهمه فقال: {اليوم تنسى*} أي تترك على ما أنت عليه بالعمى والشقاء بالنار، فتكون كالشيء الذي لا يبصره أحد ولا يلتفت إليه {وكذلك} أي ومثل ذلك الجزاء الشديد {نجزي من أسرف} في متابعة هواه فتكبر عن متابعة أوامرنا {ولم يؤمن بآيات ربه} فكفر إحسانه إما بالتكذيب وإما بفعله فعل المكذب. ولما ذكر أن هذا الضال كان في الدنيا معذباً بالضنك، وذكر بعض ما له في الآخرة، قال مقسماً لما له من التكذيب: {ولعذاب الآخرة} بأيّ نوع كان {أشد} من عذاب الدنيا {وأبقى*} منه، فإن الدنيا دار زوال، وموضع قلعة وارتحال.

السيوطي

تفسير : أخرج الطبراني والخطيب في المتفق والمفترق وابن مردويه عن أبي الطفيل، أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ‏:‏ ‏ {‏فمن اتبع هداي‏}‏‏. وأخرج ابن أبي شيبة والطبراني وأبو نعيم في الحلية وابن مردويه، عن ابن عباس قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏حديث : من اتبع كتاب الله، هداه الله من الضلالة في الدنيا ووقاه سوء الحساب يوم القيامة‏"‏‏‏ تفسير : . وذلك أن الله يقول‏:‏ ‏ {‏فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى‏}‏‏. وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد ومحمد بن نصر وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإيمان من طرق، عن ابن عباس قال‏:‏ أجار الله تابع القرآن من أن يضل في الدنيا أو يشقى في الآخرة‏.‏ ثم قرأ‏:‏ ‏ {‏فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى‏}‏ قال‏:‏ لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة‏. وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور ومسدد في مسنده، وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم وصححه والبيهقي في كتاب عذاب القبر، عن أبي سعيد الخدري مرفوعاً في قوله‏:‏ ‏{‏معيشة ضنكا‏} ‏ قال‏:‏ عذاب القبر‏.‏ ولفظ عبد الرزاق قال‏:‏ يضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه‏.‏ ولفظ ابن أبي حاتم عن ضمة القبر‏. وأخرج البيهقي عن أبي سعيد الخدري قال‏:‏ إن المعيشة الضنك‏:‏ أن يسلط عليه تسعة وتسعون تنيناً تنهشه في القبر‏. وأخرج البزار وابن أبي حاتم عن أبي هريرة، حديث : عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله‏:‏ ‏ {‏فإن له معيشة ضنكا‏ً}‏ قال‏:‏ المعيشة الضنك التي قال الله‏:‏ "إنه يسلط عليه تسعة وتسعون حية تنهش لحمه حتى تقوم الساعة"‏ ‏‏. تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة والبزار وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم من وجه آخر، عن أبي هريرة ‏حديث : عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله‏:‏ ‏{‏فإن له معيشة ضنكا‏ً} ‏ قال‏:‏ ‏"عذاب القبر"‏ ‏‏. تفسير : وأخرج ابن أبي الدنيا في ذكر الموت والحكيم الترمذي وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان وابن مردويه، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"حديث : ‏المؤمن في قبره في روضة خضراء، ويرحب له قبره سبعين ذراعاً، ويضيء حتى يكون كالقمر ليلة البدر‏.‏‏.‏‏.‏ هل تدرون فيما أنزلت ‏{‏فإن له معيشة ضنكاً‏}‏‏؟ قالوا‏:‏ الله ورسوله أعلم‏.‏ قال‏:‏ عذاب الكافر في قبره، يسلط عليه تسعة وتسعون تنينا‏ً.‏‏.‏‏.‏ هل تدرون ما التنين‏؟‏ تسعة وتسعون حية، لكل حية سبعة رؤوس يخدشونه ويلسعونه وينفخون في جسمه إلى يوم يبعثون‏ "‏. تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني والبيهقي في كتاب عذاب القبر، عن ابن مسعود قال‏:‏ إذا حدثتكم بحديث أنبأتكم بتصديق ذلك من كتاب الله، إن المؤمن إذا وضع في قبره أجلس فيه فيقال له‏:‏ من ربك‏؟‏ وما دينك‏؟‏ ومن نبيك‏؟‏ فيثبته الله فيقول‏:‏ ربي الله، وديني الإسلام، ونبيي محمد صلى الله عليه وسلم‏.‏ فيوسع له في قبره ويروّح له فيه‏.‏ ثم قرأ عبد الله ‏{‏يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة‏}‏ فإذا مات الكافر أجلس في قبره فيقال له‏:‏ من ربك‏؟‏ وما دينك‏؟‏ ومن نبيك‏؟‏ فيقول‏:‏ لا أدري‏.‏ قال‏:‏ فيضيق عليه قبره ويعذب فيه‏.‏ ثم قرأ‏:‏ ‏{‏ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا‏ً}‏‏. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏ {‏معيشة ضنكاً‏} ‏ قال‏:‏ الشقاء‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏ {‏معيشة ضنكاً‏} ‏ قال‏:‏ شدة عليه في النار. وأخرج الطستي عن ابن عباس، أن نافع بن الأزرق قال له‏:‏ أخبرني عن قوله‏:‏ ‏{‏معيشة ضنكا‏ً}‏ قال‏:‏ الضنك، الشديد من كل وجه‏.‏ قال‏:‏ وهل تعرف العرب ذلك‏؟‏ قال‏:‏ نعم، أما سمعت الشاعر وهو يقول‏:‏ شعر : والخيل قد لحقت بنا في مارق ضنك نواحيه شديد المقدم ‏ تفسير : وأخرج هناد وعبد بن حميد وابن المنذر والطبراني والبيهقي، عن ابن مسعود في قوله‏:‏ ‏ {‏فإن له معيشة ضنكا‏ً} ‏ قال‏:‏ عذاب القبر‏. وأخرج ابن أبي شيبة والبيهقي عن ابن مسعود مثله‏. وأخرج عبد بن حميد والبيهقي عن أبي صالح والربيع مثله‏. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن الحسن قال‏:‏ المعيشة الضنك، خصم. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏معيشة ضنكا‏ً} ‏ قال‏:‏ يقول‏:‏ كل مال أعطيته عبداً من عبادي قلّ أو كثر لا يطيعني فيه فلا خير فيه، وهو الضنك في المعيشة. وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله‏:‏ ‏ {‏معيشة ضنكا‏ً} ‏ قال‏:‏ ضيقة‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله‏:‏ ‏ {‏معيشة ضنكا‏ً} ‏ قال‏:‏ الضنك، من المعيشة إذا وسع الله على عبده أن يجعل معيشته من الحرام، فيجعله الله عليه ضيقاً في نار جهنم‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن مالك بن دينار في قوله‏:‏ ‏{‏معيشة ضنكاً‏} ‏ قال‏:‏ يحول الله رزقه في الحرام، فلا يطعمه إلا حراماً حتى يموت فيعذبه عليه‏. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله‏:‏ ‏{‏معيشة ضنكا‏ً}‏ قال‏:‏ العمل السيء والرزق الخبيث‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله‏:‏ ‏ {‏معيشة ضنكاً‏} ‏ قال‏:‏ في النار شوك وزقوم وغسلين والضريع، وليس في القبر ولا في الدنيا معيشة، ما المعيشة والحياة إلا في الآخرة‏. وأخرج البيهقي عن مجاهد ‏ {‏معيشة ضنكا‏ً}‏ ضيقة يضيق عليه قبره‏. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله‏:‏ ‏ {‏فإن له معيشة ضنكا‏ً} ‏ قال‏:‏ رزقاً ‏{‏ونحشره يوم القيامة أعمى‏}‏ قال‏:‏ عن الحجة ‏{‏قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا‏ً}‏ قال‏:‏ في الدنيا ‏{‏قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى‏} ‏ قال‏:‏ تترك في النار‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي صالح في قوله‏:‏ ‏ {‏ونحشره يوم القيامة أعمى‏} ‏ قال‏:‏ ليس له حجة‏. وأخرج هناد وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن عكرمة في قوله‏:‏ ‏ {‏ونحشره يوم القيامة أعمى‏}‏ قال‏:‏ عمي عليه كل شيء إلا جهنم‏.‏ وفي لفظ قال‏:‏ لا يبصر إلا النار‏. وأخرج هناد عن مجاهد في قوله‏:‏ ‏ {‏لم حشرتني أعمى‏} ‏ قال‏:‏ لا حجة له‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله‏:‏ ‏ {‏أتتك آياتنا فنسيتها‏} ‏ يقول‏:‏ تركتها أن تعمل بها‏.‏ ‏ {‏وكذلك اليوم تنسى‏} ‏ قال‏:‏ في النار‏.‏ والله أعلم‏.

التستري

تفسير : قوله: {فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَىٰ}[123] قال: هو الاقتداء وملازمة الكتاب والسنة، فلا يضل عن طريق الهدى، ولا يشقى في الآخرة والأولى.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَايَ} [الآية: 123]. قال سهل: هو الاقتداء، وملازمة الكتاب والسنة فلا يضل على طريق الهدى، ولا يشقى فى الآخرة والأولى.

القشيري

تفسير : أوقع العداوة بين آدم وإبليس والحية، وقد توالت المحنُ على آدم وحواء بعد خروجهما من الجنة بسمة العصيان، ومفارقة الجنة، ودخول الدنيا، وعداوة الشيطان، والابتلاء بالشهوات. ثم قال: {فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَايَ...} وترَكَ هواه، ولم يعمل بوسوسة العدوِّ فله كُلُّ خير، ولا يلحقه ضَيْر.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَىٰ} اى من طبع خطابى والهامى فلا يضل عن طريق السنة ولا يشقى عن المتابعة قال سهل هو الافتداء ملازمة الكتاب و السنة لا يضل عن طريق الهدى ولا يشقى فى الأخوة والاولى ثم بين ان من اعرض عن طريق الالهام والذكر ومتابعة السنة وقع منك عيش الفرقة بقوله {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً} اى من اشتغل بذكر غيرى احتجب عن انوار ذكرى ومن كان محجوبا عن انوار الذكر كان محجوبا عن انوار مشاهدة المذكور وله حية غير طيبة ويرزق غير هنى وان عيش افيض من فيض من كان محجوبا عن وصال الحق ومن اقبل الى الله اقبل الله اليه ومن اقبل الله اليه اقبل ----كل شئ بالخدمة والمتابعة قيل لا يعرض احد عن ذكر ربه الا اظلم عليه وفتنه وتشوش عليه حاله وقال جعفر لو عرفونى ما اعرضوا عنى ومن اعرض عنى ردته الى الاقبال على ما يليق به من الاجناس والاكوان وقيل قلة الصبر مع الذاكرين وقيل ضيق الصدر على مداومة الطامات ثم زاد عليه ضنك معيشة الأخرة بقوله {وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ ٱلْقِيامَةِ أَعْمَىٰ} يعنى جاهلا بوجود الحق كما كان جاهلا فى الدنيا كما قال على بن ابى طالب عليه السّلام من لم يعرف الله فى الدنيا لا يعرفه فى الأخرة وقيل عن رؤية اوليائه واصفيائه.

اسماعيل حقي

تفسير : {قال} الله تعالى لآدم وحواء بعد صدور الزلة {اهبطا منها جميعا} اى انزلا من الجنة الى الارض هذا خطاب العتاب واللوم فى الصورة وخطاب التكميل والتشريف فى المعنى يقال هبط هبوطا اذا نزل. قال الراغب الهبوط الانحدار على سبيل القهر كهبوط الحجر قال تعالى {أية : وان منها لما يهبط من خشية الله}تفسير : واذا استعمل فى الانسان الهبوط فعلى سبيل الاستخفاف بخلاف الانزال فان الانزال ذكره الله فى الاشياء التى نبه على شرفها كانزال القرآن والملائكة والمطر وغير ذلك والهبوط ذكره حيث نبه على البغض نحو {وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو} وقال {أية : فاهبط منها فما يكون لك ان تتكبر فيها}تفسير : {بعضكم لبعض عدو} اى بعض اولادكم عدو لبعض فى امر المعاش كما عليه الناس من التجاذب والتحارب فيكون نظير قوله تعالى {أية : فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء}تفسير : اى جعل اولادهما وجمع الخطاب باعتبار انهما اصل الذرية ومآله بعضكم يا ذرية آدم عدو لبعض. وفى التأويلات النجمية يشير الى انه جعل فيما بينهم العداوة لئلا يكون لهم حبيب الا هو كما قال تعالى عن ابراهيم عليه السلام {أية : فانهم عدو لى الا رب العالمين}تفسير : ولما ختص آدم منهم بالاجتباء والاصطفاء واهبطه الى الارض معهم للابتلاء وعده بالاهتداء فقال {فاما يأتينكم} يا ذرية آدم وحواء {منى هدى} كتاب ورسول والاصل فان يأتينكم وما مزيدة لتأكيد معنى الشرط وما هذه مثل لام القسم فى دخول النون المؤكدة معها وانما جئ بكلمة الشك ايذانا بان اتيان الهدى بطريق الكتاب والرسول ليس بقطعى الوقوع وانه تعالى ان شاء هدى وان شاء ترك لا يجب عليه شئ ولك ان تقول اتيان الكتاب والرسول لما لم يكن لازم التحقق والوقوع ابرز فى معرض الشك واكد حرف الشرط والفعل بالنون دلالة على رجحان جهة الوقوع والتحقق {فمن اتبع هداى} اى فمن آمن بالكتاب وصدق بالرسول {فلا يضل} فى الدنيا عن طريق الدين القويم ما دام حيا {ولا يشقى} فى الآخرة بالعقاب: يعنى [برنج نيفتد در آخرت وبعقوبت وعذاب مبتلا نشود].

الأعقم

تفسير : {قال اهبطا منها} خطاب لآدم وحزبه وإبليس وحزبه {بعضكم لبعض عدوّ فإمَّا يأتينَّكم مني هدىً} أي رسولٌ وكتاب {فمن اتّبع هداي} يعني الكتاب والرسول {فلا يضل} في الدنيا {ولا يشقى} في الآخرة {ومن أعرض عن ذكري} عن القرآن والعمل به {فإن له معيشة ضنكاً}، قيل: عيشاً ضيقاً، وقيل: هو الضريع والزقوم في النار، وقيل: هو عذاب القبر، فضمن الله لمن يقرأ القرآن وعمل بما فيه لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة {ومن أعرض عن ذكري} عن القرآن والعمل به {فإن له معيشة ضنكا} قال تعالى: {أية : وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباؤوا بغضب من الله ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله} تفسير : [البقرة: 61] وقال: {أية : ولو أنهم أقاموا التوراة والإِنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم} تفسير : [المائدة: 66] وقال: {أية : ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض} تفسير : [الأعراف: 96] وقال: {أية : استغفروا ربكم إنه كان غفاراً يرسل السماء عليكم مدراراً} تفسير : [النوح: 10-11] وقال تعالى: {أية : وألو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماءً غدقاً} تفسير : [الجن: 16] {ونحشره يوم القيامة أعمى}، قيل: عمي البصر {قال رب لم حشرتني أعمى} هو سؤال استفهام أي لأي ذنب، وقيل: تضرع، وقيل: كنت بصيراً بعينين، وقيل: كنت بصيراً بحجتي عند نفسي {كذلك أتتك آياتنا} حجتنا {فنسيتها وكذلك اليوم تنسى} أي كما أتتك آياتي فأعرضت عنها كذلك اليوم تترك، قال جار الله: كذلك أتتك آياتنا فلم تنظر إليها بعين المعتنين ولم تبصر وتركتها وعميت عنها فكذلك اليوم تترك ولا يزال غطاك عينك، قال جار الله: ختم آيات الوعيد بقوله: {ولعذاب الآخرة أشدّ وأبقى} كأنه قال: وللحشر على الأعمال الذي لا يزول أشد من ضيق العيش المبقى، وأراد لتركنا إياه في العمى أشد وأبقى من تركه آياتنا، قوله تعالى: {وكذلك نجزي} نعاقب {من} أسرف بالمعاصي {ولم يؤمن بآيات ربه ولعذاب الآخرة أشدّ} من عذاب الدنيا {وأبقى} أي أدوم {أفلم يهد لهم كم أهلكنا قبلهم من القرون} الأمم الماضية {يمشون في} ديارهم، قيل: كانت قريش تتجر إلى الشام فتمر بديار عاد وثمود وترى مساكنهم خالية، وقيل: {مساكنهم} قبورهم لأنها مساكن الموتى يعني لم يكن هادياً لهم، ودلائل وكم أهلكنا {إن في ذلك} أي في الهلاك للأمم {لآيات} لعبرة {لأولي النهى} لذوي العقول الذين تدبروا في أحوالهم وما كانوا فيه من نعم الدنيا وعظم الشأن.

اطفيش

تفسير : {قَالَ} الله: {اهْبِطَا} يا آدم وحواء {مِنْهَا} من الجنة {جَمِيعًا} حال {بَعْضُكُمْ} مبتدأ {لِبَعْضٍ} حال من عدو، أو لامة للتقوية راجعة لعدو، بعضكم معادٍ لبعض. {عَدُوٌّ} خبر، والجملة حال ثانية مقدرة، أو حال من ضمير جميعا مقدرة وإنما خاطبهما بصيغة خطاب الجماعة لأنهما أصل الذرية، بل كأنه قيل: اهبطا بما اشتملتما عليه من ذريتكما. ويدل لذلك لفظ العداوة؛ فإنها واقعة بين أولاهما لا بينهما اللهم إلا الأمر اليسير مما لا بد أن يقع بين المتعاشرين، أو الخطاب بصيغة الجمع لها ولإبليس، أى اهبطا منها كما قد هبط إبليس وأنتما، وهو متعادون، أو الأصل: اهبطا أنتما وإبليس بناء على أنهم هبطوا معا وهو ضعيف؛ فإنه - لعنه الله - بعد الإباء لم يدخلها، أو معنى قوله: قال: اهبطا أنتما وإبليس، أمرهم بالهبوط، فيشمل ما لو هبطا فى زمان وهبط فى آخر، أو ضمير الاثنين لآدم وإبليس، وأما حواء فهبوطها تابع لهبوط آدم، وضمير الجمع للثلاثة، أو لآدم وإبليس باعتبار أنهما أصلان لذريتهما، والعداوة بين آدم وحواء وذريتهما، وبين إبليس وذريته، وفيما بين ذرية آدم، وفيما بين ذرية إبليس، بأمر الدين وبأمر الدنيا. ويدل على أن الخطاب لآدم وحواء قوله: {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّى هُدًى} الخ كذا قيل: وفيه بحث بأن الهدى يأتى أولادَهما وأولاد إبليس والاتّباع والإعراض يكونان من الكل. والأصل: فإنْ يأتكم، زيدت ما، وأبدلت نون إن الشرطية ميما، وأدغمت فى ميم ما، وأكد الفعل بالنون، فثبتت الياء لبناء الفعل حينئذ. والهدى: الكتاب والرسول. {فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَاىَ} وقرأ أبو عاصم الجحدرى وابن إسحاق وعيسى بن عمر هُدَىً بقلب الألف باء وإدغامها فى الياء، وهو لغة هذيل. وحكاها عيسى ابن عمر عن قريش، وحكاها الواحدى فى البسيط عن طيِّئ. ورويت عن النبى صلى الله عليه وسلم قاله الشيخ خالد عن الشاطبى. {فَلاَ يَضِلُّ} فى الدنيا عن الدين. {وَلاَ يَشْقَى} فى الآخرة. وقيل: الخطاب فى يأتينكم لأمة محمد صلى الله عليه وسلم خاصة. والهدى: القرآن. قال ابن عباس: مَن قرأ القرآن واتّبع ما فيه هداه الله من الضلالة. ووقاه يوم القيامة سوء الحساب لقوله تعالى: {فمن اتبع هداى فلا يضل ولا يشقى} فيحتمل استدلاله بالآية هذا القول الأخير ويحتمل الأول، واستدل بها على ذلك لعمومها.

اطفيش

تفسير : {قال} كأنه قيل هل بقيا فى الجنة إذ تابا فيها فقال قال: {اهْبِطا} انزلا يا آدم وحواء {مِنْها} من الجنَّة الى الدنيا {جميعاً} لا يبقى واحد منكما {بعْضُكم لبعضٍ عدوّ} حال مقدرة، والجمع باعتبار ما يتولد منهما، والتعادى فى الحقيقة بين أولادهما، وذلك عكس خطاب اليهود بما فعل آباؤهم، أو الخطاب فى اهبطا لآدم وإبليس، وأما حواء فتبع لزوجها، والخطاب فى اهبطوا لآدم وإبليس وذريتهما، وهو المتبادر من قوله: "أية : عدوّ لك ولزوجك" تفسير : [طه: 117] كأنه قيل كذلك تكون العداوة بين أولاده وأولادك، وهذا أنسب بأن تفسر العدواة بالتعادى بين أولاد آدم، لكن لا مانع من أن يراد ذلك أو بين أولاد كل فيما بينهما، وأولاده وأولاد الآخر إخباراً بأن الدنيا دار التواء ديناً ودُنيا، لا كالجنة التى كنت فيها، وقيل الكاف لآدم وإبليس والحية إذ دخل إبليس فى فمها مستخفياً عن الملائكة للوسوسة، وهو بعيد إذ لا خطاب للحية بإتيان الهدى إليها، واتباعه والإعراض عنه المذكورين بعد، والحمل على المجموع خلاف الأصل، ولم يجر للحية ذكر، وعلى كل حال دخل إبليس الجنة بعد ما خرج منها، فصح أن يقال له اهبط منها. {فإمَّا} إن الشرطية وما المزيدة للتأكيدة {يأتينَّكم منِّى هُدًى} يوحيى أرسله إليكم، أو كتاب وذلك يعم، بخلاف ما لو قلنا هدى بنبى إذ لا يبعث الى آدم نبى، بل هو نبى، وإنما يصح ذلك لو خص الخطاب بالذرية {فَمَن اتبَّع هُداى} مقتضى الظاهر، فمن اتبعه، وأظهر وأضاف الى الله تشريفاً وتأكيداً الإيجاب الاتباع {فَلا يضلُّ} عن الدين أو عن الصواب أو الرشاد، لأن معه الهدى منَّا، وهو الدين والصواب والرشاد {ولا يَشْقى} فى الآخرة، ولا يصح أن يفسر الهدى بالقرآن خاصة، وأما قول ابن عباس رضى الله عنهما قارئاً للآية: أجار الله تابع القرآن من أن يضل فى الدنيا، أو يشفى فى الآخرة، وقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من اتبع كتاب الله هداه الله من الضلالة فى الدنيا ووقاه سوء الحساب فى الآخرة" تفسير : فلأن القرآن من جملة الهدى لا لكونه المراد بالهدى، ألا ترى أن الخطاب للمكلفين مطلقاً لا لهذه الأمة خاصة، وأما قوله: {ومن أعْرَض عَنْ ذكْرى} أى لم يتبعه، فالذكر فيه عام أيضاً لا يخص القرآن، فإنه كما يطلق على القرآن قد أطلق فيه على غيره، وعلى العموم، وكذا لا تخص الآيات فى قوله: "أية : أتتك آياتنا" تفسير : [طه: 126] بآيات القرآن، بل على العموم وعلى الدلائل، كما أنه فسر بعضهم ذكرى بهداى لأنه سبب ذكره وعبادته عز وجل، وقيل: لا يضل طريق الجنة فى الآخرة، وهو فى مقابلة {ونحشره يوم القيامة أعمى} ولا يتعب فى معيشة الدنيا، وهو مقابل قوله عز وجلّ: {فإن له معيشة ضنْكاً} وعليه فقدم حال الآخرة، لأنها محط رغبة المهتدين، وما مر أولى لأنه تفسير النبى صلى الله عليه وسلم، وابن عباس رضى الله عنهما، وأجيزا فى الآخرة، وأجيزا فى الدنيا، لأن الشقاء بما فيها من الانحراف. {فإن له مَعيشَةً} حياة {ضنْكاً} شديدة الضيق، وأصله مصدر، ولذلك يوصف به المفرد المذكر وغيره، والكافر فى الدنيا فى شدة الضيق، ولو كثر ماله لضيق قلبه بالحر والشح، وطلب الزيادة، وخوف النقص، وسلب القناعة حتى يشبع، وإن كان له قناعة بكثيراً أو قليل: فقلبه متقطع بالشهوات، ومعيشة الكافر أيضاً مطلقاً، ضنك أى سبب للشدة يوم القيامة، كما يعذب بماله أيضاً إذ لم يخرج حقوقه. وعن ابن مسعود وأبى سعيد: المعنى عذاب الكافر فى قبره، وعن أبى هريرة عنه صلى الله عليه وسلم:"حديث : المؤمن فى قبره فى روضة خضراء يرحب له سبعين ذراعاً فى ضوء كضوء القمر ليلة البدر، هل تدرون فيم نزلت {فإن له معيشة ضنكاً} قالوا: الله ورسوله أعلم، قال عذاب الكافر فى قبره يسلط عليه تسع وتسعون حية، لكل واحدة سبعة رءوس تلسعه، وتنفخ الى يوم ينفخ فى الصور، وما قبل قيام الساعة" تفسير : وبعد الموت من الدنيا فى قول، وقيل المعيشة الضنك بعد البعث الشوك والزقوم والغسلين. {ونْحشُره يَوم القيامة أعْمَى} تارة، وأزرق أخرى، أو أزرق زرقة مسببة عن موت ضوء العين، أو فساد الجسد، أو بعض أزرق وبعض أعمى، كما مر، وقال الله عز وجل: "أية : ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عمياً وبكماً وصماً" تفسير : [الإسراء: 97] وقد قال الله عز وجل: "أية : ورأى المجرمون النار" تفسير : [الكهف: 53] ويقرءون كتبهم، ويرون أهوال القيامة، وذلك بالبصر، وقال: "أية : أسمع بهم وأبصر" تفسير : [مريم: 38] ويتكلمون فيما بينهم، ولمالك خازن النار ولغيره، ويحابون ويسمعون الجواب، فكل منهم يتكلم ويخرس، ويبصر ويعمى، ويسمع ويصم، وذلك فى مواطن.

الالوسي

تفسير : {قَالَ } استئناف مبني على سؤال نشأ من الإخبار بأنه تعالى عامله بما عامله كأنه قيل: فماذا أمره بعد ذلك؟ فقيل: قال له ولزوجته {ٱهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً } أي انزلا من الجنة إلى الأرض مجتمعين، وقيل: الخطاب له عليه السلام ولإبليس عليه اللعنة فإنه دخل الجنة بعد ما قيل له: {أية : أُخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ } تفسير : [ص: 77] للوسوسة، وخطابهما / على الأول بقوله تعالى: {بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ } لما أنهما أصل الذرية ومنشأ الأولاد فالتعادي في الحقيقة بين أولادهما. وهذا على عكس مخاطبة اليهود ونسبة ما فعل ءاباؤهم اليهم. والجملة في موضع الحال أي متعادين في أمر المعاش وشهوات الأنفس. وعلى الثاني ظاهر لظهور العداوة بين آدم عليه السلام وإبليس عليه اللعنة وكذا بين ذرية آدم عليه السلام وذرية اللعين، ومن هنا قيل: الضمير لآدم وذريته وإبليس وذريته. وعزم بعضهم أنه لآدم وإبليس والحية والمعول عليه الأول ويؤيد ذلك قوله تعالى: {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مّنّى هُدًى } الخ أي بنبي أرسله إليكم وكتاب أنزله عليكم {فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَاىَ } وضع الظاهر موضع المضمر مع الإضافة إلى ضميره تعالى لتشريفه والمبالغة في إيجاب اتباعه. وأخرج الطبراني وغيره عن أبـي الطفيل أن النبـي صلى الله عليه وسلم قرأ {فمن ٱتبع هدى} {فَلاَ يَضِلُّ } في الدنيا {وَلاَ يَشْقَىٰ } في الآخرة، وفسر بعضهم الهدى بالقرآن لما أخرج ابن أبـي شيبة وعبد بن حميد وابن أبـي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في «شعب الإيمان» من طريق عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: أجار الله تعالى تابع القرآن من أن يضل في الدنيا أو يشقى في الآخرة ثم قرأ الآية، وأخرج جماعة عنه مرفوعاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بلفظ حديث : من اتبع كتاب الله هداه الله تعالى من الضلالة في الدنيا ووقاه سوء الحساب يوم القيامة.

ابن عاشور

تفسير : استئناف بياني، لأنّ الإخبار عن آدم بالعصيان والغواية يثير في نفس السامع سؤالاً عن جزاء ذلك. وضمير {قال} عائد إلى {أية : ربه}تفسير : [طه: 121] من قوله {وعصى آدم ربه} والخطاب لآدم وإبليس. والأمر في {اهبطا} أمر تكوين، لأنهما عاجزان عن الهبوط إلى الأرض إلاّ بتكوين من الله إذ كان قرارهما في عالم الجنة بتكوينه تعالى. و {جميعاً} يظهر أنه اسم لمعنى كل أفرادِ ما يوصف (بجميع)، وكأنه اسم مفرد يدل على التعدد مثل: فريق، ولذلك يستوي فيه المذكر وغيره والواحد وغيره، قال تعالى: {أية : فكيدوني جميعاً}تفسير : [هود: 55] ونصبه على الحال، وهو هنا حال من ضمير {اهبطا}. وجملة {بعضكم لبعض عدوٌّ} حال ثانية من ضمير {اهْبِطَا}. فالمأمور بالهبوط من الجنة آدم وإبليس وأما حواء فتبع لزوجها. والخطاب في قوله {بَعْضُكُم} خطاب لآدم وإبليس. وخوطبا بضمير الجمع لأنه أريد عداوة نسليهما، فإنهما أصلان لنوعين نوع الإنسان ونوع الشيطان. تفريع جملة {فإمَّا يأتينَّكم مني هُدىً} على الأمر بالهبوط من الجنة إلى الدنيا إنباءٌ بأنهم يستقبلون في هذه الدنيا سيرة غير التي كانوا عليها في الجنة لأنّهم أُودِعوا في عالَم خليط خيره بشرّه، وحقائقه بأوهامه، بعد أن كانوا في عالم الحقائق المحضة والخير الخالص، وفي هذا إنباء بطور طرأ على أصل الإنسان في جبلته كان مُعَدّاً له من أصل تركيبه. والخطاب في قوله {يَأتِيَنَّكُم} لآدم باعتبار أنه أصل لنوع الإنسان إشعاراً له بأنه سيكون منه جماعة، ولا يشمل هذا الخطاب إبليس لأنه مفطور على الشر والضلال إذ قد أنبأه الله بذلك عند إبايته السجود لآدم، فلا يكلفه الله باتباع الهدى، لأن طلب الاهتداء ممن أعلمه الله بأنه لا يزال في ضلال يعد عبثاً ينزه عنه فعل الحكيم تعالى. وليس هذا مثلَ أمر أبي جهل وأضرابه بالإسلام إذ أمثال أبي جهل لا يوقَن بأنهم لا يؤمنون، ولم يرد في السنّة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دعا الشيطان للإسلام ولا دعا الشياطين، وأما الحديث الذي رواه الدارَقطني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ما منكم من أحد إلا وقد وُكل به قرينه من الجنّ، قالوا: وإياك يا رسول الله؟ قال: وإياي ولكن الله أعانني فأسْلَمَ»تفسير : . فلا يقتضي أنه دعاه للإسلام ولكن الله ألهم قرينه إلى أن يأمره بالخير، والمراد بالقرين: شيطان قرين، والمراد بالهدى: الإرشاد إلى الخير. وفي هذه الآية وصاية الله آدم وذريته باتباع رسل الله والوحي الإلهي، وبذلك يعلم أن طلب الهدى مركوز في الجبلة البشريّة حتى قال كثير من علماء الإسلام: إن معرفة الإله الواحد كائنة في العقول أو شائعة في الأجيال والعصور. وإنه لذلك لم يُعذر أهل الشرك في مُدد الفِتر التي لم تجىء فيها رسل للأمم. وهذه مسألة عظيمة وقد استوعبها علماء الكلام، وحررناها في «رسالة النسب النبوي». وقد تقدم تفسير نظير الجملتين الأوليْن في سورة البقرة. وأما قوله {فلا يضل} فمعناه: أنه إذا اتبع الهُدى الوارد من الله على لسان رسله سَلِم من أن يعتريه شيء من ضلال، وهذا مأخوذ من دلالة الفِعل في حيّز النفي على العموم كعموم النكرة في سياق النفي، أي فلا يعتريه ضلال في الدنيا، بخلاف من اتبع ما فيه هدى وارد من غير الله فإنه وإن استفاد هدى في بعض الأحوال لا يسلم من الوقوع في الضلال في أحْوال أخرى. وهذا حال متبعي الشرائع غير الإلهية وهي الشرائع الوضعية فإن واضعيها وإن أفرغوا جهودهم في تطلب الحق لا يسلمون من الوقوع في ضلالات بسبب غَفلات، أو تعارض أدلة، أو انفعال بعادات مستقرة، أو مصانعة لرؤساء أو أمم رأوا أن من المصلحة طلبَ مرضاتهم. وهذا سقراط وهو سيّد حكماء اليونان قد كان يتذرع لإلقاء الأمر بالمعروف في أثينا بأن يفرغه في قوالب حكايات على ألسنة الحيوان، ولم يسلم من الخنوع لمصانعة اللفيف فإنه مع كونه لا يرى تأليه آلهتهم لم يسلم من أن يأمر قبل موته بقربان ديك لعطارد ربّ الحكمة. وحالهم بخلاف حال الرسل الذين يتلقون الوحي من علاّم الغيوب الذي لا يضل ولا ينسى، وأيدهم الله، وعصمهم من مصانعة أهل الأهواء، وكوّنهم تكويناً خاصاً مناسباً لما سبق في علمه من مراده منهم، وثبت قلوبهم على تحمل اللأواء، ولا يخافون في الله لومة لائم. وإن الذي ينظر في القوانين الوضعية نظرة حكيم يجدها مشتملة على مراعاة أوهام وعادات. والشقاء المنفي في قوله {ولا يشقى} هو شقاء الآخرة لأنه إذا سلم من الضلال في الدنيا سلم من الشقاء في الآخرة. ويدل لهذا مقابلة ضده في قوله {ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكاً ونحشره يوم القيامة أعمى}، إذ رتب على الإعراض عن هدي الله اختلال حَاله في الدنيا والآخرة، فالمعيشة مراد بها مدة المعيشة، أي مدّة الحياة. والضنك: مصدر ضَنُك، من باب كَرُم ضناكة وضنكاً، ولكونه مصدراً لم يتغيّر لفظه باختلاف موصوفه، فوصف به هنا {معيشة} وهي مؤنث. والضنك: الضيق، يقال: مكان ضنك، أي ضيق. ويستعمل مجازاً في عسر الأمور في الحياة، قال عنترة:شعر : إن يلحقوا أكرُر وإن يستلحموا أشدد وإن نَزلوا بضَنْك أنْزِلِ تفسير : أي بمنزل ضنك، أي فيه عسر على نازله. وهو هنا بمعنى عسر الحال من اضطراب البال وتبلبله. والمعنى: أن مجامع همه ومطامح نظره تكون إلى التحيل في إيجاد الأسباب والوسائل لمطالبه، فهو متهالك على الازدياد خائف على الانتقاص غير ملتفت إلى الكمالات ولا مأنوس بما يسعى إليه من الفضائل، يجعله الله في تلك الحالة وهو لا يشعر، وبعضهم يبدو للناس في حالة حسنة ورفاهية عيش ولكن نفسَه غير مطمئنة. وجعل الله عقابه يوم الحشر أن يكون أعمى تمثيلاً لحالته الحسية يومئذ بحالته المعنوية في الدنيا، وهي حالة عدم النظر في وسائل الهدى والنجاة. وذلك العمى عنوان على غضب الله عليه وإقصائه عن رحمته، فأعمى الأول مجاز وأعمى الثاني حقيقة. وجملة {قال رب لم حشرتني أعمى} مستأنفة استئنافاً ابتدائياً. وجملة {قال كذلك أتتك} الخ واقعة في طريق المحاورة فلذلك فصلت ولم تعطف. وفي هذه الآية دليل على أنّ الله أبلغ الإنسان من يوم نشأته التحذير من الضلال والشرك، فكان ذلك مستقراً في الفطرة حتى قال كثير من علماء الإسلام: بأن الإشراك بالله من الأمم التي يكون في الفتر بين الشرائع مستحق صاحبه العقاب، وقال جماعة من أهل السنّة والمعتزلة قاطبة: إنّ معرفة الله واجبة بالعقل، ولا شك أنّ المقصود من ذكرها في القرآن تنبيه المخاطبين بالقرآن إلى الحذر من الإعراض عن ذكر الله، وإنذار لهم بعاقبة مثل حالهم. والإشارة في {كذلك أتتك آياتنا} راجعة إلى العمى المضمن في قوله {لم حشرتني أعمى}، أي مثل ذلك الحال التي تساءلت عن سببها كنت نسيت آياتنا حين أتتك، وكنت تُعرض عن النظر في الآيات حين تُدعى إليه فكذلك الحال كان عقابك عليه جزاءً وفاقاً. وقد ظهر من نظم الآية أن فيها ثلاثة احتباكات، وأن تقدير الأول: ونحشره يوم القيامة أعمى ونَنْساه، أي نُقصيه من رحمتنا. وتقدير الثاني والثالث: قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وعميتَ عنها فكذلك اليوم تنسى وتُحْشَر أعمى. والنسيان في الموضعين مستعمل كناية أو استعارة في الحرمان من حظوظ الرحمة. وجملة {وكذلك نجزي من أسرف} الخ تذييل، يجوز أن تكون من حكاية ما يخاطب الله به من يحشر يوم القيامة أعمى قصد منها التوبيخ له والتنكيل، فالواوُ عاطفةٌ الجملةَ على التي قبلها. ويجوز أن تكون تذييلاً للقصّة وليست من الخطاب المخاطب به من يحشر يوم القيامة أعمى قصد منها موعظة السامعين ليحذروا من أن يصيروا إلى مثل ذلك المصير. فالواو اعتراضية لأن التذييل اعتراض في آخر الكلام، والواو الاعتراضية راجعة إلى الواو العاطفة إلاّ أنها عاطفة مجموع كلام على مجموع كلام آخر لا على بعض الكلام المعطوف عليه. والمعنى: ومثل ذلك الجزاء نجزي من أسرف، أي كفر ولم يؤمن بآيات ربّه. فالإسراف: الاعتقاد الضال وعدم الإيمان بالآيات ومكابرتها وتكذيبهما. والمشار إليه بقوله {وكذلك} هو مضمون قوله {فإن له معيشة ضنكاً}، أي وكذلك نجزي في الدنيا الذين أسرفوا ولم يؤمنوا بالآيات. وأعقبه بقوله {ولعذاب الآخرة أشد وأبقى}، وهذا يجوز أن يكون تذييلاً للقصة وليس من حكاية خطاب الله للذي حشره يوم القيامة أعمى. فالمراد بعذاب الآخرة مقابل عذاب الدنيا المفاد من قوله {فإن له معيشة ضنكاً} الآية، والواو اعتراضية. ويجوز أن تكون الجملة من حكاية خطاب الله للذي يحشره أعمى، فالمراد بعذاب الآخرة العذاب الذي وقع فيه المخاطب، أي أشد من عذاب الدنيا وأبقى منه لأنّه أطول مدة.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {قَالَ ٱهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ}. الظاهر أن ألف الاثنين في قوله {ٱهْبِطَا} راجعة إلى آدَم وحَوَّاء المذكورين في قوله {أية : فَأَكَلاَ مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا} تفسير : [طه: 121] الآية، خلافاً لمن زعم أنها راجعة إلى إبليس وآدم، وأمْرَه إياهما بالهبوط مِن الجنة المذكور في آية "طه" هذه جاء مُبيناً في غير هذا الموضع. كقوله في سورة "البقرة": {أية : وَقُلْنَا ٱهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ} تفسير : [البقرة: 38]، وقوله في "الأعراف": {أية : قَالَ ٱهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ} تفسير : [الأعراف: 24]. وفي هذه الآيات سؤال معروف، وهو أن يُقال: كيف جيء بصيغة الجمع في قوله {ٱهْبِطُواْ} في "البقرة" و "الأعراف" وبصيغة التثنية في "طه" في قوله: {ٱهْبِطَا} مع أنه اتَّبع صيغة التثنية في "طه" بصيغة الجمع في قوله {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى} [طه: 123] وأظهر الأجوبة عندي عن ذلك: أن التثنية باعتبار آدم وحَوَّاء فقط، والجمع باعتبارهما مع ذريتهما. خلافاً لمن زعم أن التثنية باعتبار آدم وإبليس، والجمع باعتبار معهم ذريتهما معهما، وخلافاً لمن زعم أن الجمع في قوله: {ٱهْبِطُواْ} مراد به آدم وحواء وإبليس والحَية. والدليل على أن الحية ليست مرادة في ذلك هو أنها لا تدخل في قوله {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى} لأنها غير مكلفة. واعلم أن المفسِّرين يذكرون قِصّة الحية، وأنها كانت ذات قوائم أربع كالبختية من أحسن خلقها الله، وأن إبليس دخل في فمها فأدخلته الجنة، فوسوس لآدَم وحوَّاء بعد أن عرض نفسه على كثير من الدواب فلم يدخله إلا الحية. فأهبط هو إلى الأرض ولُعِنَتْ هي وردت قوائمها في جوفها، وجُعِلَت العداوة بَينها وبين بني آدم، ولذلك أمروا بقتلها. وبهذه المناسبة ذكر القرطبي رحمه الله في تفسيره في سورة "البقرة" جملاً من أحكام قتل الحيات. فذكر عن ساكنة بنت الجعد أنها روت عن سري بنت نبهان الغنوية أنها سمعت النَّبي صلى الله عليه وسلم يأمر بقتل الحيات صغيرها وكبيرها، وأسودها وأبيضها، ويرغِّب في ذلك. ثم ذكر عن ابن جريج عن عمرو بن دينار عن أبي عبيدة بن عبدالله بن مسعود حديثاً فيه: أن النَّبي صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه بقتل حية فسبقتهم إلى جحرها. فأمرهم أن يضرموا عليها ناراً. وذكر عن علماء المالِكية أنهم خصّصوا بذلك النهي عن الإحراق بالنار، وعن أن يُعذب أحد بعذاب الله. ثم ذكر عن إبراهيم النخعي: أنه كره أن تحرق العقرب بالنار، وقال: هو مثله. وأجاب عن ذلك بأنه يحتمل أنه لم يبلغه الخبر المذكور. ثم ذكر حديث : حديث عبدالله بن مسعود الثابت في الصحيحين قال: كنا مع النَّبي صلى الله عليه وسلم في غار، وقد أنزلت عليه {وَٱلْمُرْسَلاَتِ عُرْفاً} [المرسلات: 1] فنحن نأخذها من فيه رطبة، إذ خرجَتْ علينا حية فقال اقْتُلُوها، فابتدرناها لِنَقْتُلها، فسبقَتْنا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "وقاها الله شرَّكم كما وقاكُم شرَّها" تفسير : فلم يضرم ناراً، ولا احتال في قتلها، وأجاب هو عن ذلك، بأنه يحتمل أنه لم يجد ناراً في ذلك الوقت، أو لم يكن الجحر بهيئة ينتفع بالنار هناك، مع ضرر الدخان وعدم وصوله إلى الحية. ثم ذكر أن الأمر بقتل الحيات من الإرشاد إلى دفع المضرة المخوفة من الحيات ثم ذكر أن الأمر بقتل الحيات عام في جميع أنواعها إن كانت غير حيات البيوت، ثم ذكر فيما خرجه أبو داود من حديث عبدالله بن مسعود: "اقتلوا الحيات كلهن، فمن خاف ثأرهن فليس مني" ثم ذكر أن حيات البيوت لا تقتل حتى تؤذن ثلاثة أيام. لحديث: "حديث : إن بالمدينة جناً قد أسلموا، فإذا رأيتم منهم شيئاً فآذنوه ثلاثة أيام" تفسير : ثم ذكر أن بعض العلماء خص ذلك بالمدينة دون غيرها. لحديث: "حديث : إن بالمدينة جنا قد أسلموا"تفسير : . قالوا: ولا نعلم هل أسلم من جن غير المدينة أحداً أو لا. قاله ابن نافع. ثم ذكر عن مالك النهي عن قتل جنان البيوت في جميع البلاد. ثم قال: وهو الصحيح. لأن الله عزّ وجل قال: {أية : وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ ٱلْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ ٱلْقُرْآنَ} تفسير : [الأحقاف: 29] الآية. وفي صحيح مسلم عن عبدالله بن مسعود عن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : أتاني داعي الجن فذهبت معهم فقرأت عليهم القرآن ـ وفيه ـ وسألوه الزاد وكانوا من جن الجزيرة" تفسير : وسيأتي بكماله في سورة "الجن" إن شاء الله تعالى. وإذا ثبت هذا فلا يقتل شيء منها حتى يخرج عليه وينذر، على ما يأتي بيانه إن شاء الله. (ثم قال): حديث : روى الأئمة عن أبي السائب مولى هشام بن زهرة: أنه دخل على أبي سعيد الخدري في بيته، قال: فوجدته يصلي فجلست أنتظره حتى يقضي صلاته، فسمعت تحريكاً في عراجين ناحية البيت، فالتفت فإذا حية فوثبت لأقتلها فأشار إلَي أن أجلس فجلست، فلما انصرف أشار إلى بيت في الدار فقال: أترى هذا البيت؟ فقلت نعم. قال: كان فيه فتى منا حديث عهد بعرس، قال: فخرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الخندق، فكان ذلك الفتى يستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنصاف النهار فيرجع إلى أهله، فاستأذنه يوماً فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خُذ عليك سلاحَك، فإنَّني أخْشَى عليك قُريظة" فأخذ الرجل سلاحه ثم رجع، فإذا امرأته بين البابين قائمة، فأهوى إليها بالرمح ليطعنها به وأصابته غيرة. فقالت له: اكفُف عليك رمحك، وادخل البيت حتى تنظر ما الذي أخرجني، فدخل فإذا بحية عظيمة مُنطوية على الفراش، فأهوى إليها بالرمح فانتظمها به، ثم خرج فركزه في الدار فاضطربت عليه، فما يدري أيُّهما كان أسرع موتاً الحية أم الفتى. قال: فجئنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرنا ذلك له، وقلنا: أدع الله يحيه لنا: فقال: "استغفروا لأخيكم ـ ثم قال ـ إن بالمدينة جناً قد أسلموا، فإذا رأيتم منهم شيئاً فأذنوه ثلاثة أيام فإن بدا لكم بعد ذلك فاقتلوه فإنما هو شيطان". وفي طريق أخرى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن لهذه البيوت عوامر، فإذا رأيتم شيئاً منها فحرِّجوا عليها ثلاثاً، فإن ذهب وإلا فاقتلوه فإنه كافر ـ وقال لهم: ـ اذهبوا فادفنوا صاحبكم""تفسير : . ثم قال: قال علماؤنا رحمة الله عليهم: لا يفهم من هذا الحديث أن هذا الجان الذي قتله الفتى كان مسلماً، وأن الجن قتلته به قصاصاً. لأنه لو سلم أن القصاص مشروع بيننا وبين الجن لكان إنما يكون في اعلمد المحض، وهذا الفتى لم يقصد ولم يتعمد قتل نفس مسلمة إذ لم يكن عنده علم من ذلك، وإنما قصد إلى قتل ما سُوغ قتل نوعه شرعاً، فهذا قتل خطأ ولا قصاص فيه. فالأولى أن يقال: إن كفار الجن أو فسقتهم قتلوا الفتى بصاحبهم عدْواً وانتقاماً. وقد قَتلت سعد بن عبادة رضي الله عنه، وذلك أنه وجد ميتاً في مغتسله وقد اخضر جسده، ولم يشعروا بموته حتى سمعوا قائلاً يقول ولا يرون أحداً: شعر : قد قتلنا سيد الخز رج سعد بن عُباده ورميناه بسهمين فلم تُخْطِ فُؤاده تفسير : وإنما قال النَّبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن بالمدينة جناً قد أسلموا"تفسير : ليبين طريقاً يحصل به التحرز من قتل المسلم منهم، ويتسلط به على قتل الكافر منهم. وروي من وجوه: أن عائشة زوج النَّبي صلى الله عليه وسلم قَتَلت جاناً. فأُريت في المنام أن قائلاً يقول لها: لقد قتلتِ مُسلماً. فقالت: لو كان مُسلما لم يدخل على أزواج النَّبي صلى الله عليه وسلم. قال: ما دخل عليك إلا وعليك ثيابك. فأصبحت فأمرت باثني عشر ألف درهم فجُعلت في سبيل الله. وفي رواية: ما دخل عليك إلا وأنت مستترة. فتصدقت وأعتقت رقاباً. وقال الربيع بن بدر: الجان من الحيات التي نهى النَّبي صلى الله عليه وسلم عن قتلها ـ هي التي تمشي ولا تلتوي. وعن علقمة نحوه. ثم ذكر صفة إنذار حيات البيوت فقال: قال مالك: أحب إلي أن ينذروا ثلاثة أيام. وقاله عيسى بن دينار: وإن ظهر في اليوم مراراً، ولا يقتصر على إنذاره ثلاث مرات في يوم واحد حتى يكون في ثلاثة أيام. وقيل: يكفي ثلاث مرار. لقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : فليؤذنه ثلاثاً"تفسير : ، وقوله "حديث : حرجوا عليه ثلاثاً" تفسير : ولأن ثلاثاً للعدد المؤنث، فظهر أن المراد ثلاث مرات. وقول مالك أولى لقوله صلى الله عليه وسلم "ثلاثة أيام" وهو نص صحيح مقيد لتلك المطلقات، ويحمل ثلاثاً على إرادة ليالي الأيام الثلاث، فغلب الليلة على عادة العرب في باب التاريخ، فإنها تغلب فيها التأنيث. قال مالك: ويكفي في الإنذار أن يقول: أحرج عليك بالله واليوم الآخر ألا تبدو لنا ولا تؤذونا. وذكر ثابت البُناني، عن عبدالرحمن بن أبي ليلى أنه ذكر عنده حيات البيوت فقال: إذا رأيتم منها شيئاً في مساكنكم فقولوا: أنشدكم بالعهد الذي أخذ عليكم نوح عليه السلام، وأنشدكم بالعهد الذي أخذ عليكم سليمان عليه السلام، فإذا رأيتم منهن شيئاً بعد فاقتلوه. ثم قال: وقد حكى ابن حبيب عن النَّبي صلى الله عليه وسلم أنه يقول: "حديث : أنشدكن بالعهد الذي أخذ عليكن سليمان عليه السلام ألا تؤذونا ولا تظهرن علينا" تفسير : انتهى كلام القرطبي ملخصاً قريباً من لفظه. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: التحقيق في هذه المسألة ـ أن ما لم يكن من الحيات في البيوت فإنه يُقتل كالحيات التي توجد في الفيافي، وأن حيات البيوت لا تُقتل إلا بعد الإنذار. وأظهر القولين عندي عموم الإنذار في المدينة وغيرها، وأنه لا بد من الإنذار ثلاثة أيام، ولا تكفي ثلاث مرات في يوم أو يومين، كما تقدمت أدلة ذلك في كلام القرطبي. وأن الأبتر وذا الطفيتين يقتلان في البيوت بلا إنذار. لما ثبت في بعض روايات مسلم بلفظ: فقال أبو لبابة: إنه قد نُهي عنهنَّ (يريد عوامر البيوت) وأُمر بقتل الأبتر ذي الطُّفْيَتَيْن. وفي رواية في صحيح البخاري عن أبي لبابة: "حديث : لا تقتلوا الجنان إلا كلُّ أبتر ذي طُفيتين، فإنه يُسقط الولد، ويُذهب البَصَر فاقتلوه ". تفسير : والدليل على قتل الحيات وإنذار حيات البيوت ثابت في الصحيحين وغيرهما. قال البخاري في صحيحه: حدثنا عبدالله بن محمد، حدثنا هشام بن يوسف حدثنا معمر عن الزهري، عن سالم عن ابن عمر رضي الله عنهما: أنه سمع النَّبي صلى الله لعيه وسلم يخطب على المنبر يقول: "حديث : اقتلوا الحيَّات واقتلوا ذا الطُّفيتين والأبتر. فإنهما يَطْمِسان البصر، ويَسْتَسْقطان الحَبَل" تفسير : قال عبدالله: فبينا أنا أطارد حيّة لأقتلها فناداني أبو لُبابة: لا يقتلها. فقلت إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمر بقتل الحيات؟ فقال: إنه نهى بعد ذلك عن ذوات البيوت، وهي العوامر. وقال عبدالرزاق عن معمر: فرآني أبو لُبابة أو زَيد بن الخطاب، وتابعه يونُس وابن عُيَيْنة وإسحاق الكَلْبي والزُّبَيْدي، وقال صالح وابن أبي حَفْصَة وابن مُجمِّع عن الزهري عن سالم عن ابن عمر: فرآني أبو لبابة وزيد بن الخطاب ـ ا هـ من صحيح البخاري رحمه الله تعالى. وقال مسلم بن الحجاج رحمه الله في صحيحه: وحدثني عمرو بن محمد الناقد، حدثنا سفيان بن أبي عُيَيْنة عن الزهري عن سالم عن أبيه عن النَّبي صلى الله عليه وسلم "حديث : اقتلوا الحيّات وذا الطُّفيتين والأبتر، فإنهما يَسْتَسْقِطانْ الحَبَل ويلتمسان البصر" تفسير : قال: فكان ابن عمر ـ يقتل كل حية وجدها. فأبصره أبو لُبابة بن عبد المنذر، أو زيد بن الخطاب وهو يطارد حيّة فقال: إنه قد نهى عن ذوات البيوت. ثم ذكره من طرق متعددة. وفي كلها التصريح بالنهي عن قتل جنان البيوت ـ يعني إلا بعد الإنذار ثلاثاً. وعن مالك رحمه الله: يقتل ما وجد منها بالمساجد. وقوله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث "حديث : وذا الطُّفْيَتين" تفسير : هو بضم الطاء المهملة وإسكان الفاء بعدها ياء. وأصل الطُفيْة خوصة المقل وهو شجر الدوم. وقيل: المقل ثم شجر الدوم. وجمعها طُفَى بضم اففتح على القياس. والمراد بالطُّفْيتين في الحديث: خَطَّان أبيضان. وقيل: أسودان على ظهر الحية المذكورة، يشبهان في صورتها خوص المقل المذكور. والأبتر: قصير الذنب من الحيات: وقال النضير بن شميل: هو صنف من الحيات أزرق مقطوع الذنب، لا تنظر إليه حامل إلا ألقت ما في بطنها. وقال الداودي: هو الأفعى التي تكون قدر شبر أو أكثر قليلاً وقوله في هذا الحديث: "حديث : يَسْتَسْقطَان الحَبَل" تفسير : معناها أن المرأة الحامل إذا نظرت إليهما وخافت أسقطت جنينها غالباً. وقد ذكر مسلم عن الزهري ما يدل على أن إسقاط الحبل المذكور خاصية فيهما من سمهما. والأظهر في معنى "يلتمسان البصر" أن الله جعل فيهما من شدة سمهما خاصية يخطفان بها البصر، ويطمسانه بها بمجرد نظرهما إليه. والقول: بأن معناه أنهما يقصدان البصر باللسع والنهش ضعيف. والعلم عند الله تعالى. وقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه: "حديث : اقتلوا الحيات" تفسير : يدل على وجوب قتلها. لما قدمنا من أن صيغة الأمر المجردة عن القرائن تدل على الوجوب. والجمهور على أن الأمر بذلك القتل المذكور للندب والاستحباب، والله تعالى أعلم. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ} على ما ذكرنا أنه الأظهر. فالمعنى: أن بعض بني آدم عدو لبعضهم. كما قال تعالى: {أية : أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ} تفسير : [الأنعام: 65] ونحوها من الآيات. وعلى أن المراد بقوله {ٱهْبِطَا} آدم وإبليس، فالمعنى أن إبليس وذرِّيته أعداء لآدم وذريته. كما قال تعالى: {أية : أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ} تفسير : [الكهف: 50] ونحوها من الآيات. والظاهر أن ما ذكره القرطبي: من إحراق الحية بالنار لم يثبت، وأنه لا ينبغي أن يعذب بعذاب الله، فلا ينبغي أن تقتل بالنار، والله أعلم. فإن قيل: الحديث المذكور يدل على أن ذا الطُّفْيتين غير الأبتر لعطفه عليه في الحديث، ورواية البخاري التي قدمنا عن أبي لُبابة: "لا تقتلوا الجنان إلا كل أبتر ذي طفيتين" يقتضي أنهما واحد؟ فالجواب: أن ابن حجر في الفتح أجاب عن هذا. بأن الرواية المذكورة ظاهرها اتحادهما، ولكنها لا تنفي المغايرة ا هـ. والظاهر أن مراده بأنها لا تنفي المغايرة: أن الأبتر وإن كان ذا طُفيتين فلا ينافي وجود ذي طفيتين غير الأبتر. والله تعالى أعلم. قوله تعالى: {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَىٰ}. الظاهر أن الخطاب لبني آدم. أي فإن يأتكم مني هُدَى أي رسول أرسله إليكم، وكتاب يأتي به رسول، فمن اتبع منكم هداي أي من آمن برسلي وصدق بكتبي، وامتثل ما أمرت به، واجتنب ما نهيت عنه على ألسنة رسلي. فإنه لا يضل في الدنيا، أي لا يزيغ عن طريق الحق لاستمساكه بالعُروة الوثقى، ولا يشقى في الآخرة لأنه كان في الدنيا عاملاً بما يستوجب السعادة من طاعة الله تعالى وطاعة رسله. وهذا المعنى المذكور هنا ذُكر في غير هذا الموضع. كقوله في "البقرة" {أية : فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} تفسير : [البقرة: 28] ونحو ذلك من الآيات. وفي هذه الآيات دليل على أن الله بعد أن أخرج أبوينا من الجنة لا يرد إليها أحداً منا إلا بعد الابتلاء والامتحان بالتكاليف من الأوامر والنواهي، ثم يطيع الله فيما ابتلاه به. كما تقدمت الإشارة إليه في سورة "البقرة".

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: قال اهبطا منها جميعا: أي آدم وحواء من الجنة وإبليس سبق أن أبلس وهبط. بعضكم لبعض عدو: أي آدم وحواء وذريتهما عدو لإِبليس وذريته، وإبليس وذريته عدو لآدم وحواء وذريتهما. فإما يأتينكم مني هدى: أي فإن يأتيكم مني هدى وهو كتاب ورسول. فمن اتبع هداي: أي الذي أرسلت به رسولي وهو القرآن. فلا يضل: أي في الدنيا. ولا يشقى: في الآخرة. ومن أعرض عن ذكري: أي عن القرآن فلم يؤمن به ولم يعمل بما فيه. معيشة ضنكا: أي ضيّقة تضيق بها نفسه ولم يسعد بها ولو كانت واسعة. أعمى: أي أعمى البصر لا يبصر. وقد كنت بصيرا: أي ذا بصر في الدنيا وعند البعث. قال كذلك: أي الأمر كذلك أتتك آياتنا فنسيتها فكما نسيتها تنسى في جهنم. وكذلك نجزي من أسرف: أي وكذلك الجزاء الذي جازينا به من نسي آياتنا نجزي من أسرف في المعاصي ولم يقف عند حد، ولم يؤمن بآيات ربه سبحانه وتعالى. أشد وأبقى: أي أشد من عذاب الدنيا وأدوم فلا ينقضي ولا ينتهي. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في قصة آدم إنه لما أكل آدم وحواء من الشجرة وبدت لهما سواءتهما وعاتبهما ربهما بقوله في آية غير هذه {أية : أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا ٱلشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَآ إِنَّ ٱلشَّيْطَآنَ لَكُمَا عَدُوٌ مُّبِينٌ}تفسير : [الأعراف: 22]. وأنزل على آدم كلمة التوبة فقالها مع زوجه فتاب الله عليهما لما تم كل ذلك قال {ٱهْبِطَا مِنْهَا} أي من الجنة {جَمِيعاً} إذ إبليس العدو قد اُبْلِس من قبل وطُرد من الجنة فهبطوا جميعاً. وقوله {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى} أي بيان عبادتي تحمله كتبي وتبينه رسلي، {فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَايَ} فآمن به وعمل بما فيه {فَلاَ يَضِلُّ} في حياته {وَلاَ يَشْقَىٰ} في آخرته {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي} أي فلم يؤمن به ولم يعمل بما فيه {فَإِنَّ لَهُ} أي جزاءً منا له {مَعِيشَةً ضَنكاً} أي ضيقة تضيق بها نفسه فلم يشعر بالغبطة والسعادة وإن اتسع رزقه كما يضيق عليه قبره ويشقى فيه طيلة حياة البرزخ، ويحشر يوم القيامة أعمى لا حجة له ولا بصر يبصر به. وقد يعجب لحاله ويسأل ربه {لِمَ حَشَرْتَنِيۤ أَعْمَىٰ وَقَدْ كُنتُ} في الدنيا وفي البعث {بَصِيراً} فيجيبه ربه تعالى: {كَذٰلِكَ} أي الأمر كذلك كنت بصيراً وأصبحت أعمى لأنك {أَتَتْكَ آيَاتُنَا} تحملها كتبنا وتبينها رسلنا {فَنَسِيتَهَا} أي تركتها ولم تلتفت إليها معرضا عنها فاليوم تترك في جهنم منسياً كذلك وقوله تعالى في الآية الآخرة [127] {وَكَذٰلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ} في معاصينا فلم يقف عند حد ولم يؤمن بآيات ربه فنجعل له معيشة ضنكاً في حياته الدنيا وفي البرزخ {وَلَعَذَابُ ٱلآخِرَةِ أَشَدُّ} من عذاب الدنيا {وَأَبْقَىٰ} أي أدوم حيث لا ينقضي ولا ينتهي. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- تقرير عداوة الشيطان للإِنسان. 2- عِدَةُ الله تعالى لمن آمن بالقرآن وعمل بما فيه أن لا يضل في حياته ولا يشقى في آخرته. 3- بيان جزاء من أعرض عن القرآن في الدنيا والآخرة. 4- التنديد بالإِسراف في الذنوب والمعاصي مع الكفر بآيات الله، وبيان جزاء ذلك.

القطان

تفسير : معيشة ضنكا: معيشة ضيقٍ شديد. أعمى: أعمى البصيرة: فنسيتَها: فتركتها. وكذلك اليوم تُنسى: تترك. لأولي النهى: لذوي العقول. لزاماً: لازما لهم. أمر الله آدم وزوجته ان يخرجا من الجنة، فقال لهما انزِلا منها الى الأرض، وأخبَرَهما بان العداوة ستكون بين ذريتهما، وان الله تعالى سيمدّهم بالهدى، فمن استقام واتبع الهدى منهم فإنه لا يضِلّ في هذه الحياة، ولا يشقى بالعذاب. روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ان قال: "حديث : من اتبع كتاب الله هداه الله من الضلالة في الدنيا، ووقاه سوء الحساب يوم القيامة"تفسير : ومن أعرضَ عن هدى الله وطاعته، فإن له معيشةً ضيقة شديدة {وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ ٱلْقِيامَةِ أَعْمَىٰ} أي أعمى البصيرة عاجزاً عن الحُجّة التي يعتذر بها، فيسأل ربَّه في هذا الموقف الحرج: {قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِيۤ أَعْمَىٰ وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً}. فيقول: يا ربّ، لِمَ حشرتَني أعمى عن حجتي وعن رؤية الاشياء على حقيقتها وقد كنتُ في الدنيا ذا بصرٍ بذلك؟. فيجيبه ربه بقوله: {... كَذٰلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذٰلِكَ ٱلْيَوْمَ تُنْسَىٰ}. لقد جاءتك آياتنا ورسُلنا في الدنيا فنسيتها، وتعاميتَ عنها، وكذلك اليوم تُترك وتنسى. وهكذا نعاقِب في الدنيا من أسرفَ فعصى ربه ولم يؤمن به وبرسُله، وان عذاب الآخرة في النار أشدّ أَلما، واكثر بقاء، لأنه لا نهاية له. {أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّنَ ٱلْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لأُوْلِي ٱلنُّهَىٰ}. افلم يرشدْهم الى وجهِ العِبرَ، إهلاكُنا لكثيرٍ من الأمم الماضية قبلهم بسبب كفرهم، ولم يتّعظوا بهم مع أنهم يمشُون في ديارِهم ومساكنهم، ويشهدون آثار ما حلّ بهم من العذاب! ان ما يشاهدون، ويرون من آثار ما حلّ بهم لدلائلَ وعبراً واضحة لأصحاب العقول الراجحة. ولولا حكمٌ سبقَ من ربك بتأخير العذاب عنهم إلى اجلٍ مسمّى هو يوم القيامة، لكان العذابُ لازماً لهم في الدنيا، كما حل بأصحاب القرون الماضية. وتقدير الكلام: ولولا كلمة واجلٌ مسمى لكان العذابُ لِزَاماً.

د. أسعد حومد

تفسير : (123) - فَأَمَرَ اللهُ تَعَالَى آدَمَ وَزَوْجَهُ وَإِبْلِيسَ بِأَنْ يَهْبِطُوا مِنَ الجَنَّةِ إِلى الأَرْضِ. وَقَالَ لَهُمْ: سَتَكُونُ هُنَاكَ عَدَاوَةٌ بَيْنَ ذُرِّيَّةِ آدَمَ، وَذُرِّيَّةِ إِبْلِيسَ، فَإِذَا جَاءَكُمْ هُدًى مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى لِسَانِ رُسُلِهِ وَأَنْبِيَائِهِ، فَمَنْ تَبِعَ هُدَى اللهِ فَإِنَّهُ لاَ يَضِلُّ فِي الدُّنْيا، وَلاَ يَشْقَى فِي الآخِرَةِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : أي: اهبطا إلى الأرض وامضوا فيها على ضوء التجربة الماضية، واعلما أن هناك أمراً ونهياً وعدواً يوسوس ويُزيِّن ويُغوِي حتى يظهر عوراتكم، وكأنه - عز وجل - يعطي آدم المناعة الكافية له ولذريته من بعده لتستقيم لهم حركة الحياة في ظل التكاليف؛ لأن التكاليف إما أمر وإما نهي، والشيطان هو الذي يفسد علينا هذه التكاليف. ومع ذلك لا ننسى طَرَفاً آخر هو النفس الأمَّارة التي تُحرِّكك نحو المعصية والمخالفة. إذن: ليس عدوك الشيطان فحسب فتجعله شماعة تُعلّق عليها كل معاصيك، فهناك مَعَاصٍ لا يدخل عليك الشيطان بها إلا عن طريق النفس، وإلا إبليس لما غوى؟ مَنْ أغواه؟ ومَنْ وسوس له؟ وقوله: {ٱهْبِطَا ..} [طه: 123] بصيغة التثنية أمر لاثنين: آدم مطمور فيه ذريته، وإبليس مطمور فيه ذريته، فقوله: {ٱهْبِطَا ..} [طه: 123] إشارة إلى الأصل، وقوله في موضع آخر: {أية : ٱهْبِطُواْ ..}تفسير : [البقرة: 38] إشارة إلى ما يتفرّع عن هذا الأصل. وقوله: {أية : بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ..}تفسير : [البقرة: 36] أي: بعض عدو للبعض الآخر، وكلمة (بعض) لها دَوْر كبير في القرآن، والمراد: أنت عدو الشيطان إنْ كنتَ طائعاً، والشيطان عدوك إنْ كنتَ طائعاً. فإنْ كنتَ عاصياً فلا عداوة إذن؛ لأن الشيطان يريدك عاصياً. وحين لا يُعيِّن البعض تكون العداوة متبادلة، فالبعض شائع في الجميع. كما في قوله تعالى: {أية : أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ ..}تفسير : [الزخرف: 32] فمَن المرفوع؟ ومَنْ المرفوع عليه؟ أصحاب النظرة السطحية يفهمون أن الغنيَّ مرفوع على الفقير. والمعنى أوسع من هذا بكثير، فكُلُّ الخَلْق بالنسبة للحق سبحانه سواء، ومهمات الحياة تحتاج قدرات كثيرة ومواهب متعددة؛ لذلك لا تتجمع المواهب في شخص، ويُحرم منها آخر، بل ينشر الخالق - عز وجل - المواهب بين خَلْقه، فهذا ماهر في شيء، وذاك ماهر في شيء آخر، وهكذا ليحتاج الناس بعضهم لبعض، ويتم الربْط بين أفراد المجتمع، ويحدث بينهما الانسجام اللازم لحركة الحياة. إذن: كُلُّ بعض في الوجود مرفوع في شيء، ومرفوع عليه في شيء آخر، فليكُنْ الإنسان مُؤدَّباً في حركة حياته لا يتعالى على غيره لأنه نبغ في شيء، ولينظر إلى ما نبغ فيه الآخرون، وإلى ما تميَّزوا به حتى لا يسخَر قوم من قوم، عسى أن يكونوا خيراً منهم، وربما لديهم من المواهب ما لم يتوفّر لك. لكن ما دام بعضكم لبعض عدواً أي: آدم مطمور فيه ذريته، وإبليس مطمور فيه ذريته، فَمنْ سيكون الحَكَم؟ الحَكَم بينهما منهج الله: {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى ..} [طه: 123] فإياكم أنْ تجعلوا الهدى من عندكم؛ لأن الهدى إنْ كان من عندكم فلن ينفع ولن يفلح. {فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَىٰ} [طه: 123] فكأن هدى الله ومنهجه هو (كتالوج) سلامة الإنسان وقانون صيانته. ألاَ ترى الصانع من البشر حين يرفق بصنعته (كتالوجاً) يضم تعليمات عن تشغيلها وصيانتها، فإن اتبعتَ هذه التعليمات خدمتْك هذه الآلة وأدَّتْ لك مهمتها دون تعطّل. وكما أن هذا (الكتالوج) لا يضعه إلا صانع الآلة، فكذلك الخالق - عز وجل - لا يضع لخَلْقه قانونهم وهَدْيَهم إلا هو سبحانه، فإنْ وضعه آخر فهذا افتئات على الله عز وجل، وكما لو ذهبتَ إلى الجزار تقول له: ضَعْ لي التعليمات اللازمة لصيانة (الميكروفون)!! إذن: الفساد في الكون يحدث حينما نخرج عن منهج الله، ونعتدي على قانونه وتشريعه، ونرتضي بهَدْي غير هَدْيه؛ لذلك يقول تعالى بعدها: {فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَىٰ} [طه: 123] فإنْ كانت هذه نتيجة مَنِ اتبع هدى الله وعاقبة السير على منهجه تعالى، فما عاقبة مَنْ أعرض عنه؟ {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَىٰ} معناه لا يَضِلُ: في الدّنيا. وَلاَ يَشقى: فِي الأَخرةِ.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يخبر تعالى، أنه أمر آدم وإبليس أن يهبطا إلى الأرض، وأن يتخذوا [آدم وبنوه] الشيطان عدوا لهم، فيأخذوا الحذر منه، ويعدوا له عدته ويحاربوه، وأنه سينزل عليهم كتبا، ويرسل إليهم رسلا يبينون لهم الطريق المستقيم الموصلة إليه وإلى جنته، ويحذرونهم من هذا العدو المبين، وأنهم أي: وقت جاءهم ذلك الهدى، الذي هو الكتب والرسل، فإن من اتبعه اتبع ما أمر به، واجتنب ما نهي عنه، فإنه لا يضل في الدنيا ولا في الآخرة، ولا يشقى فيهما، بل قد هدي إلى صراط مستقيم، في الدنيا والآخرة، وله السعادة والأمن في الآخرة. وقد نفى عنه الخوف والحزن في آية أخرى، بقوله: {أية : فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ } تفسير : واتباع الهدى، بتصديق الخبر، وعدم معارضته بالشبه، وامتثال الأمر بأن لا يعارضه بشهوة. { وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي } أي: كتابي الذي يتذكر به جميع المطالب العالية، وأن يتركه على وجه الإعراض عنه، أو ما هو أعظم من ذلك، بأن يكون على وجه الإنكار له، والكفر به { فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا } أي: فإن جزاءه، أن نجعل معيشته ضيقة مشقة، ولا يكون ذلك إلا عذابا. وفسرت المعيشة الضنك بعذاب القبر، وأنه يضيق عليه قبره، ويحصر فيه ويعذب، جزاء لإعراضه عن ذكر ربه، وهذه إحدى الآيات الدالة على عذاب القبر. والثانية قوله تعالى: {أية : وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ } تفسير : الآية. والثالثة قوله: {أية : وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الأدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأكْبَرِ } تفسير : والرابعة قوله عن آل فرعون: {أية : النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا } تفسير : الآية. والذي أوجب لمن فسرها بعذاب القبر فقط من السلف، وقصرها على ذلك -والله أعلم- آخر الآية، وأن الله ذكر في آخرها عذاب يوم القيامة. وبعض المفسرين، يرى أن المعيشة الضنك، عامة في دار الدنيا، بما يصيب المعرض عن ذكر ربه، من الهموم والغموم والآلام، التي هي عذاب معجل، وفي دار البرزخ، وفي الدار الآخرة، لإطلاق المعيشة الضنك، وعدم تقييدها. { وَنَحْشُرُهُ } أي: هذا المعرض عن ذكر ربه { يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى } البصر على الصحيح، كما قال تعالى: {أية : وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا}. تفسير : قال على وجه الذل والمراجعة والتألم والضجر من هذه الحالة: { رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ } في دار الدنيا { بَصِيرًا } فما الذي صيرني إلى هذه الحالة البشعة. { قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا } بإعراضك عنها { وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى } أي: تترك في العذاب، فأجيب، بأن هذا هو عين عملك، والجزاء من جنس العمل، فكما عميت عن ذكر ربك، وعشيت عنه ونسيته ونسيت حظك منه، أعمى الله بصرك في الآخرة، فحشرت إلى النار أعمى، أصم، أبكم، وأعرض عنك، ونسيك في العذاب. { وَكَذَلِكَ } أي: هذا الجزاء { نَجْزِي } به { مَنْ أَسْرَفَ } بأن تعدى الحدود، وارتكب المحارم وجاوز ما أذن له { وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ } الدالة على جميع مطالب الإيمان دلالة واضحة صريحة، فالله لم يظلمه ولم يضع العقوبة في غير محلها، وإنما السبب إسرافه وعدم إيمانه. { وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَدُّ } من عذاب الدنيا أضعافا مضاعفة { وَأَبْقَى } لكونه لا ينقطع، بخلاف عذاب الدنيا فإنه منقطع، فالواجب الخوف والحذر من عذاب الآخرة.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 622 : 29 : 10 - سفين عن جابر عن الشعبي قال، قال بن عباس، أجار الله تابع القرآن بان يضل في الدنيا وأن يشقى في الآخرة. ثم قرأ {فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَىٰ} [الآية 123].

همام الصنعاني

تفسير : 1843- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا ابن عُيَيْنَة، عن عطاء بن السَّائب قال: قال ابن عبَّاس: مَنْ قرأ القرآن فاتبع ما فيهِ، هداه الله من الضلالة في الدنيا، ووقاه الله يَوْمَ القيَامةِ الحسَاب قال: فذلك قوله: {فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَىٰ}: [الآية: 123].