Verse. 2472 (AR)

٢٠ - طه

20 - Ta-Ha (AR)

وَمَنْ اَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِيْ فَاِنَّ لَہٗ مَعِيْشَۃً ضَنْكًا وَّنَحْشُرُہٗ يَوْمَ الْقِيٰمَۃِ اَعْمٰى۝۱۲۴
Waman aAArada AAan thikree fainna lahu maAAeeshatan dankan wanahshuruhu yawma alqiyamati aAAman

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ومن أعرض عن ذكري» القرآن فلم يؤمن به «فإن له معيشة ضنكاً» بالتنوين مصدر بمعنى ضيقة، وفسرت في حديث بعذاب الكافر في قبره «ونحشره» أي المعرض عن القرآن «يوم القيامة أعمى» أعمى البصر.

124

Tafseer

البيضاوي

تفسير : {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي} عن الهدى الذاكر لي والداعي إلى عبادتي. {فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً} ضيقاً مصدر وصف به ولذلك يستوي فيه المذكر والمؤنث، وقرىء {ضنكى} كسكرى، وذلك لأن مجامع همته ومطامح نظره تكون إلى أعراض الدنيا متهالكاً على ازديادها خائفاً على انتقاصها، بخلاف المؤمن الطالب للآخرة مع أنه تعالى قد يضيق بشؤم الكفر ويوسع ببركة الإِيمان كما قال {أية : وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذّلَّةُ وَٱلْمَسْكَنَةُ } تفسير : [البقرة: 61] {أية : وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإنجِيلَ }تفسير : [المائدة: 66] {أية : وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْقُرَىٰ ءامَنُواْ وَٱتَّقَوْاْ } تفسير : [الأعراف: 96] الآيات، وقيل هو الضريع والزقوم في النار، وقيل عذاب القبر {وَنَحْشُرُهُ } قرىء بسكون الهاء على لفظ الوقف وبالجزم عطفاً على محل {فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً} لأنه جواب الشرط. {يَوْمَ ٱلْقِيـٰمَةِ أَعْمَىٰ } أعمى البصر أو القلب ويؤيد الأول.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى } أي القرآن فلم يؤمن به {فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً } بالتنوين مصدر بمعنى ضيقة، وفُسِّرت في حديث بعذاب الكافر في قبره {وَنَحْشُرُهُ } أي المعرض عن القرآن {يَوْمَ ٱلْقِيٰمَةِ أَعْمَىٰ } أي أعمى البصر.

ابن عبد السلام

تفسير : {ضَنكاً} كسباً حراماً، أو إنفاق من لا يؤمن بالخلف "ع" أو عذاب القبر، قاله الرسول صلى الله عليه وسلم أو طعام الضريع والزقوم في جهنم. والضنك: الضيق. {أَعْمَى} في حال بصيراً في أُخرى، أو أعمى عن الحجة، أو عن جهات الخير لا يهتدي لشيء منها.

ابو السعود

تفسير : {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى} أي عن الهدى الذاكرِ لي والداعي إليّ {فَإِنَّ لَهُ} في الدنيا {مَعِيشَةً ضَنكاً} ضيقاً، مصدرٌ وصف به ولذلك يستوي فيه المذكرُ والمؤنثُ، وقرىء ضنْكىٰ كسَكْرى وذلك لأن مجامعَ همتِه ومطامحَ نظرِه مقصورةٌ على أعراض الدنيا وهو متهالكٌ على ازديادها وخائفٌ على انتقاصها بخلاف المؤمنِ الطالبِ للآخرة، مع أنه قد يضيق الله تعالى بشؤم الكفر ويوسع ببركة الإيمان كما قال تعالى: { أية : وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذّلَّةُ وَٱلْمَسْكَنَةُ} تفسير : [البقرة: 61] وقال تعالى: { أية : وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْقُرَىٰ ءامَنُواْ وَٱتَّقَوْاْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَـٰتٍ مّنَ ٱلسَّمَاء وَٱلأَرْضِ} تفسير : [الأعراف: 96] وقال تعالى: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ ءامَنُواْ} إلى قوله تعالى: {لأكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم} وقيل: هو الضَّريعُ والزقومُ في النار، وقيل: عذاب القبر {وَنَحْشُرُهُ} وقرىء بسكون الهاء على لفظ الوقفِ وبالجزم عطفاً على محل (فإن له معيشةً ضنكاً) لأنه جواب الشرط {يَوْمَ ٱلْقِيـٰمَةِ أَعْمَىٰ} فاقدَ البصر كما في قوله تعالى: { أية : وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمّا} تفسير : [الإسراء: 97] لا أعمى عن الحجة كما قيل {قَالَ} استئنافٌ كما مر {رَبّ لِمَ حَشَرْتَنِى أَعْمَىٰ وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً} أى في الدنيا، وقرىء أعمى بالإمالة في الموضعين وفي الأول فقط لكونه جديراً بالتغيـير لكونه رأسَ الآية ومحلَّ الوقف. {قَالَ كَذٰلِكَ} أي مثلَ ذلك فعلتَ أنت ثم فسره بقوله تعالى: {أَتَتْكَ ايَـٰتُنَا} واضحةً نيِّرةً بحيث لا تخفى على أحد {فَنَسِيتَهَا} أي عَمِيتَ عنها وتركتها ترْكَ المنسيِّ الذي لا يُذكر أصلاً {وَكَذٰلِكَ} ومثلَ ذلك النسيانِ الذي كنت فعلته في الدنيا {ٱلْيَوْمَ تُنْسَىٰ} تترك في العمى جزاءً وفاقاً لكن لا أبداً كما قيل بل إلى ما شاء الله، ثم يزيله عنه فيرى أهوالَ القيامة ويشاهد مقعدَه في النار ويكون ذلك له عذاباً فوق العذاب، وكذا البَكَم والصمَمُ يزيلهما الله تعالى عنهم { أية : أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا} تفسير : [مريم: 38] {وَكَذٰلِكَ} أي مثلَ ذلك الجزاءِ الموافقِ للجناية {نَجْزِى مَنْ أَسْرَفَ} بالإنهماك في الشهوات {وَلَمْ يُؤْمِن بِـئَايَـٰتِ رَبّهِ} بل كذبها وأعرض عنها {وَلَعَذَابُ ٱلآخِرَةِ} على الإطلاق أو عذابُ النار {أَشَدُّ وَأَبْقَىٰ} أي من ضنْك العيشِ أو منه ومن الحشر على العمى. {أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مّنَ ٱلْقُرُونِ} كلامٌ مستأنفٌ مَسوقٌ لتقرير ما قبله من قوله تعالى: {وَكَذٰلِكَ نَجْزِى} الآية، والهمزةُ للإنكارالتوبـيخي والفاءُ للعطف على مقدر يقتضيه المقام، واستعمالُ الهداية باللام إما لتنزيلها منزلةَ اللام فلا حاجةَ إلى المفعول أو لأنها بمعنى التبـيـين والمفعولُ محذوفٌ، وأياً ما كان فالفاعلُ هو الجملة بمضمونها ومعناها وضمير لهم للمشركين المعاصرين لرسول الله صلى الله عليه وسلم، والمعنى أغَفلوا فلم يَفعل الهدايةَ لهم أو فلم يبـين لهم مآلَ أمرِهم كثرةُ إهلاكنا للقرون الأولى وقد مر في قوله عز وجل: {أية : أَوَ لَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلأَرْضَ مِن بَعْدِ أَهْلِهَا } تفسير : [الأعراف: 100]، وقيل: الفاعلُ الضميرُ العائد إلى الله عز وجل ويؤيده القراءةُ بنون العظمة وقوله تعالى: {كَمْ أَهْلَكْنَا} الخ، إما معلِّقٌ للفعل سادٌّ مسدَّ مفعولِه أو مفسّرٌ لمفعوله المحذوف هكذا قيل، والأوجهُ أن لا يُلاحَظَ مفعولٌ كأنه قيل: أفلم يفعلِ الله تعالى لهم الهدايةَ؟ ثم قيل بطريق الالتفاتِ: كم أهلكنا الخ بـياناً لتلك الهدايةِ، ومن القرى في محل النصبِ على أنه وصفٌ لممُيِّزِكَم أي كم قرناً كائناً من القرون وقوله تعالى: {يَمْشُونَ فِى مَسَـٰكِنِهِمْ} حالٌ من القرون أو من مفعول أهلكْنا، أي أهلكناهم وهم في حال أمنٍ وتقلّبٍ في ديارهم أو من الضمير في لهم مؤكدٌ للإنكار والعاملُ يهد، والمعنى أفلم يهد لهم إهلاكُنا للقرون السالفة من أصحاب الحِجْر وثمودَ وقُريّات قوم لوطٍ حالَ كونهم ماشين في مساكنهم إذا سافروا إلى الشام مشاهدين لآثار هلاكِهم، مع أن ذلك مما يوجب أن يهتدوا إلى الحق فيعتبروا لئلا يحِلَّ بهم مثلُ ما حل بأولئك، وقرىء يُمْشَوْن على البناء للمفعول أي يمكثون على المشي {إِنَّ فِى ذَلِكَ} تعليلٌ للإنكار وتقريرٌ للهداية مع عدم اهتدائِهم، وذلك إشارةٌ إلى مضمون قوله تعالى: {كَمْ أَهْلَكْنَا} الخ، وما فيه من معنى البُعد للإشعار ببُعْد منزلتِه وعلوِّ شأنه في بابه {لآيَاتٍ} كثيرةً عظيمةً واضحاتِ الهداية ظاهراتِ الدِلالة على الحق، فإذن هو هادٍ وأيُّما هادٍ ويجوز أن تكون كلمةُ في تجريدية فافهم {لأُوْلِى ٱلنُّهَىٰ} لذوي العقولِ الناهيةِ عن القبائح التي من أقبحها ما يتعاطاه كفارُ مكّة من الكفر بآيات الله تعالى والتعامي عنها وغيرِ ذلك من فنون المعاصي، وفيه دلالةٌ على أن مضمونَ الجملة هو الفاعلُ لا المفعول.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً} [الآية: 124]. قال: لا يُعرض أحد عن ذكر ربه إلا أظلم عليه وقته، وتشوش عليه رزقه. وقال جعفر فى هذه الآية: لو عرفونى ما أعرضوا عنى، ومن أعرض عنى رددته إلى الإقبال على ما يليق به من الأجناس والألوان. قال الواسطى: ما كان ذلك ذكرى حتى أعرضوا عنه، بل كانت تلك أذكارهم، وذكرى قد سبق لمن يذكرنى على الحقيقة، فلا يكون له إعراض عنى، ولا على غيرى إقبال.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً}. الكافر إذا أعرض عن ذكره بالكلية فله المعيشة الضنك في الدنيا، وفي القبر، وفي النار، وبالقلب من حيث وحشة الكفر، وبالوقتِ من حيث انغلاق الأمور. ويقال مَنْ أعرض عن الانخراط في قضايا الوفاق انثالت عليه فنون الخذلان، ومن أعرض عن استدامة ذكره - سبحانه - بالقلب توالت عليه من تفرقة القلب ما يسلب عنه كلَّ رَوْحٍ. ومَنْ أعرض عن الاستئناس بذكره انفتحت عليه وساوسُ الشيطان وهواجسُ النَّفس بما يوجِب له وحشةَ الضمير، وانسداد أبواب الراحة والبسط. ويقال مَنْ أعرض عن ذِكْرِ الله في الخلوةِ قَيَّضَ اللَّهُ له في الظاهر من القرينِ السوءِ ما توجِبُ رؤيتُه له قَبْضَ القلوبِ واستيلاَءَ الوحشة. قوله جلّ ذكره: {وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ ٱلْقِيامَةِ أَعْمَىٰ قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِيۤ أَعْمَىٰ وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً قَالَ كَذٰلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذٰلِكَ ٱلْيَوْمَ تُنْسَىٰ}. في الخبر: "حديث : مَنْ كان بحالةٍ لَقِيَ اللَّهِ بها" تفسير : فَمَنْ كان في الدنيا أعمى القلب يُحْشَرُ على حالته، ومَنْ يَعِشْ على جهلٍ يحشر على جهلٍ، ولذا يقولون: {أية : مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا}تفسير : ؟ [يس: 52] إلى أَنْ تصيرَ معارفُهم ضروريةً. وكما يَتْرُِكُون - اليومَ - التَدبُّرَ في آياتِه يُتْرَكُون غداً في العقوبة من غير رحمةٍ على ضعفِ حالاتهم.

اسماعيل حقي

تفسير : {ومن اعرض عن ذكرى} اى الكتاب الذاكر لى والرسول الداعى الىّ والذكر يقع على القرآن وغيره من كتب الله كما سبق {فان له} فى الدنيا {معيشة ضنكا} ضيقا مصدر وصف به مبالغة ولذلك يستوى فيه المذكر والمؤنث. والمعنى معيشة ذات ضنك وذلك لان نظره مقصور على اغراض الدنيا وهو يتهالك على ازديادها وخائف من انتقاصها بخلاف المؤمن الطالب الآخرة مع انه قد يضيق الله عليه بشؤم الكفر ويوسع ببركة الايمان. واعلم ان من عقوبة المعصية ضيق المعيشة والرد على النفس والاجناس والاكوان من ضيق المعيشة. وفى التأويلات النجمية الهدى فى الحقيقة نور يقذفه الله فى قلوب انبيائه واوليائه ليهتدوا به اليه وفى الصورة العلماء السادة والمشايخ القادة بعد الانبياء والمرسلين {أية : فمن اتبع هداى}تفسير : بالتسليم والرضى والا سوة الحسنة {فلا يضل} عن طريق الحق {ولا يشقى} بالحرمان وحقيقة الهجران {ومن اعرض عن ذكرى} اى عن ملازمة ذكرى فى اتباع هداى اى اذا جاءه {فان له معيشة ضنكا} اى يعذب قلبه بذل الحجاب وسد الباب فان الذكر مفتاح القلوب والاعراض عنه سد بابها شعر : ذكر حق مفتاح باشد اى سعيد تانبكشايى در جان بى كليد جون ملك ذكر خدارا كن غذا اين بود دائم معاش اوليا تفسير : {ونحشره} اى المعرض. قال فى بحر العلوم الحشر يجئ بمعنى البعث والجمع والاول هو المراد هنا {يوم القيامة اعمى} فاقد البصر كما فى قوله تعالى {أية : ونحشرهم يوم القيامة على وجوهم عميا وبكما وصما } تفسير : وفى عرائس البقلى يعنى جاهلا بوجود الحق كما كان جاهلا فى الدنيا كما قال على رضى الله عنه من لم يعرف الله فى الدنيا لا يعرفه فى الآخرة.

الجنابذي

تفسير : {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً} قد فسّر الهدى فى اخبارٍ عديدةٍ بولاية أمير المؤمنين (ع) وبعلىٍّ (ع) نفسه وهكذا فسّر الذّكر والمراد بالمعيشة الضّنك امّا الضّيق فى ما يحتاج اليه فى الدّنيا من المأكول والملبوس وغيرهما وبهذا لاعتبار فسّرت بالضّيق فى الرّجعة فى اخبارٍ كثيرةٍ وانّهم يأكلون العذرة وفسّر فى بعض الاخبار بعذاب القبر وضنكه؛ والتّحقيق انّ الرّاحة وضعها الله تعالى فى الآخرة الّتى قلب الانسان انموذج منها، وسعة العيش والرّاحة للانسان ليست الاّ من طريق القلب الّذى هو طريق الولاية وطريق الآخرة وضيق العيش وعناؤه ليس الاّ من الدّنيا الّتى هى انموذج الجحيم وطريقها ومن أعرض عن الذّكر الّذى هو الولاية الّتى هى طريق القلب وطريق الآخرة توجّه الى الدّنيا الّتى هى طريق الجحيم وفيها العناء والضّيق، ومن توجّه الى الدّنيا سدّ باب الرّاحة على نفسه وفتح باب الضّيق والتّعب عليها، وكان فى ضيق استعشر به ام لم يستشعر، ومن تولّى عليّاً (ع) وفتح طريق القلب فتح طريق الرّاحة على نفسه فان دخل فى باب القلب والآخرة دخل فى السّعة والرّاحة، وان لم يدخل كان فى عناءٍ لبقائه بعدُ فى الدّنيا لكنّه كان فى طريق الوصول الى الرّاحة وضيق العيش فى الدّنيا وضيق الصّدر وضيق القبر وضيق العيش فى الرّجعة كلّه لازم لسدّ طريق القلب {وَنَحْشُرُهُ} قرئ بالرّفع وقرئ فى الشّواذّ بالجزم {يَوْمَ ٱلْقِيامَةِ أَعْمَىٰ} عن الولاية والامام والآيات ونعيم الآخرة.

فرات الكوفي

تفسير : فرات قال: حدثنا جعفر بن محمد [ش: أحمد] الأودي [قال: حدثنا جعفر بن عبد الله قال: حدثنا محمد بن عمر المازني قال: حدثنا يحيى بن راشد عن كامل عن أبي صالح]: عن ابن عباس رضي الله عنه في قوله [ش: قول الله. تعالى. ش، ر]: {ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكاً ونحشره يوم القيامة أعمى} إن [من. ش] ترك ولاية [أمير المؤمنين. ر] علي [بن أبي طالب عليه السلام. ر] أعماه الله [تعالى. ن] وأصمه عن النداء، و {ذكري} يعني ذكرى من الرسول [ص. أ] علي بن أبي طالب [عليه السلام. ر، أ].

الهواري

تفسير : {وَمَن أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي} أي: فلم يتّبع هداي ولم يؤمن {فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً} أي عذاب القبر. وذكروا عن ابن مسعود قال: (مَعِيشَةً ضَنْكاً): عذاب القبر. قال: يلتئم على صاحبه حتى تختلف أضلاعه. ذكروا أن الرجل المؤمن إذا وضع في قبره، فانصرف عنه الناس، أتاه صاحب القبر الذي وكل به، فأتاه من قبل جانبه الأيمن، فقالت له الزكاة التي كان يعطي: لا تفزعه من قِبَلي اليوم، ثم أتاه من قبل رأسه فقال له القرآن الذي كان يقرأ: لا تفزعه من قِبَلي اليوم. ثم جاءه من قبل رجليه فقالت الصلاة التي كان يصلّي: لا تفزعه من قِبَلي اليوم. ثم جاءه من جانبه الأيسر، فأيقظه إيقاظك الرجل الذي لا تحب أن تفزعه فقال له: من ربك؟ فقال: الله وحده لا شريك له. ثم قال له: من نبيّك؟ قال: محمد صلى الله عليه وسلم. قال: فما دينك؟ قال: الإسلام، وعلى ذلك حييت، وعلى ذلك مت؟ قال: نعم، وعلى ذلك تبعث؟ قال: نعم. قال: صدقت. قال: فيفتح له في جنب قبره، فيريه منزله من الجنة وما أعد الله له من الكرامات، فيشرق وجهه، وتفرح نفسه، ثم يقال له: نم نوم العروس الذي لا يوقظه إلا أعز أهله عليه. ويؤتى بالكافر فلا يجد شيئاً يحول دونه: لا صلاة ولا قراءة ولا زكاة، فيوقظه إيقاظك الرجل الذي تحبّ أن تفزعه، فيقول له: من ربّك؟ فيقول أنت. فيقول: من نبيّك؟ فيقول: أنت. فيقول: وما كان دينك؟ فيقول: أنت. فيقول: صدقت، لو كان لك إله تعبده لاهتديت له اليوم، فيفتح له في جنب قبره فيريه منزله من النار وما أعد الله له من العذاب، ويضربه ضربة يتناصل منها كل عظم من مفصله، فيسمعه الخلق إلا الثقلين: الإِنس والجن، ثم يقذف به في مقلى ينفخه نافخان لا يميل إلى هذا إلا رده إلى هذا، ولا يميل إلى هذا إلا رده إلى هذا حتى ينفخ في الصور النفخة الأولى فيقال له: اخمد؛ فيخمد حتى ينفخ في الصور النفخة الثانية؛ فيبعث مع الخلق فيقضى له كما يقضى لهم، لا راحة له إلا ما بين النفختين. قوله عزّ وجلّ: {وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ أَعْمَى} أي عن حجته. كقوله: (أية : وَمَن يَدْعُ مَعَ اللهِ إلهاً آخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ) تفسير : [المؤمنون: 117] أي: لا حجة لديه.

اطفيش

تفسير : {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِى} بأَن لم يؤمن به. {فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا} مصدر بمعنى الضيق، ولذا وصف به مؤنث وهو مذكر، وذلك مبالغة، أو يقدر مضاف، أو يؤول بالوصف. وقرئ ضَنْكَى بألف التأنيث وصفا كسكرى. وهذه المعيشة فى الدنيا. وقيل: فى الآخرة. وقيل: فى البرزخ. ويحتمل الجميع. ووجه الأول أن الكافر ولو وسع ماله لكن همته الدنيا وازداده ليرى الخلَف، لا خوف له من انتقاصها، فهو فى ضيق من ذلك، بخلاف المؤمن، فإنه فى سهولة لتوكله مع أن الرزق قد يضيق بشؤم الكفر. وكذا يسلط الله الذل به نحو {أية : ضُرِبتْ عليهم الذلة والمسكنة} تفسير : الخ {أية : ولو أنهم أقاموا التوراة} تفسير : الخ {أية : ولو أن أهل الكتاب آمنوا} تفسير : الخ {أية : استغفروا ربكم} تفسير : الخ {أية : وأن لو استقاموا}تفسير : الخ. وقال الحسن: المعيشة الضنك: الضريع والزقوم والغِسلين فى النار. وقال ابن مسعود وأبو هريرة وأبو سعيد الخدرى: إنه عذاب القبر، يضغطه القبر حتى تختلف أضلاعه، فلا يزال يعذب حتى يبعث. قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : المعيشة الضنك: عذاب الكافر فى القبر يسلط عليه تسعة وتسعون تنِّينا، لكل تِنِّينٍ تسعةُ رءوس تلسعه وتخدشه ". تفسير : وروى: إنه إذا وضع المؤمن فى قبره وانصرف عنه الناس، أتاه الملَك من اليمين فتقول له الزكاة: لا تفزِّعْه من قِبَلى، وجاءه من رأسه فيقول القرآن الذى يقرؤه كذلك، ثم مِن رجليه، فتقول الصلاة كذلك، فيوقظه بلين فيقول: مَن ربُّكَ؟ فيقول: الله لا شريك له. ومَن نبيك؟ فيقول: محمد صلى الله عليه وسلم. وما دينك؟ فيقول: الإسلام. فيقول الملَك: وعلى ذلك أُحييتَ، وعليه مُتُّ. فيقول: نعم. فيقول: وعلى ذلك تُبعث؟ فيقول: نعم. فيقول: صدقتَ. فيُفتح جنب قبره إلى منزله فى الجنة، فيبشر وجهه ويقول له: نم نوم العروس. وأما الكافر فلا يجادل عنه شئ، ويعنِّفه ويقول له: مَن ربك؟ فيقول: أنت. ومَن نبيك؟ فيقول: أنت. وما دينك؟ فيقول: أنت! لو كان لك إله تعبده لاهتديت له. فيُفتح له جنبَ قبره إلى منزله فى النار، ويضرب ضربة يزول بها كل عظم عن موضعه، يَسمع صياحَه غيرُ الثقلين، ثم يقذف فى مقلاة، ينفخ له نافخين، لا يميل إلى هذا إلا ردَّه هذا، حتى ينفخ فى الصور، فتخمد عنه النار إلى أن يُبعث. وقيل: المعيشة الضنك: الحرام. وعن ابن عباس: الشقاء. وعنه: المال الحرام، وما أنفق فى محرم. وقيل: سلب القناعة حتى لا يشبع. وعن بعض الصوفية: لا يعرض أحد عن ذكر ربه إلا أظلم عليه وقتله. {وَنَحْشُرُهُ} وقرئ بسكون الهاء إجراءً للوصل مجْرَى الوقف. وقرئ بالجزم عطفا على محل {فإن له معيشة ضنكا} فإنه فى محل جزم جواب من. وأما جواب إن فمجموع من وشرطها وجوابها. {يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} قال ابن عباس: أعمى البصر. وقيل: معناه لا حجة له. وقيل: أعمى القلب. ويؤيد الأول قوله: {قَالَ رَبِّ} يا رب {لِمَ حَشَرْتَنِى أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا} فى الدنيا، وعند البعث؛ فإن قلبه قد عمى أيضًا فى الدنيا، ولا حجة له فيها على كفره. وقد يقال: إنه كان فى الدنيا يحتج بأشياء، وإذا حشر أزالها الله عن قلبه، مع أنها لو حضرته لم تنفعه فيقول: يا رب قد كان لى شئ أتمسك به فزال عنى، أو قوله ذلك كناية عن اضمحلال ما قد كان فى الدنيا يحسبه حجة وبصيرة. ولما ظهر له أنه لا ينفع قال: يا رب هذه منك نقمة لِمَ لَمْ تحشرنى هنيئا كما كنت فى الدنيا؟

الالوسي

تفسير : ورجح على العموم بقيام القرينة عليه وهو قوله تعالى: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى } بناء على تفسير الذكر بالقرآن، وكذا قوله تعالى بعد {أية : كَذٰلِكَ أَتَتْكَ ءايَـٰتِنَا فَنَسِيتَهَا } تفسير : [طه: 126] ولمختار العموم أن يقول: الذكر يقع على القرآن وعلى سائر الكتب الإلٰهية، وكذا الآيات تكون بمعنى الأدلة مطلقاً، وقد فسر الذكر أيضاً هنا بالهدى لأنه سبب ذكره تعالى وعبادته سبحانه، فأطلق المسبب وأريد سببه لوقوعه في المقابلة، وما في الخبر من باب التنصيص على حكم أشرف الأفراد المدلول عليه بالعموم اعتناء بشأنه. ثم إن تقييد {لاَّ يَضِلُّ} بقولنا في الدنيا {أية : وَلاَ يَشْقَىٰ }تفسير : [طه: 123] بقولنا في الآخرة هو الذي يقتضيه الخبر. وجوز بعضهم العكس أي فلا يضل طريق الجنة في الآخرة ولا يتعب في أمر المعيشة في الدنيا، وجعل الأول في مقابلة {وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ ٱلْقِيـٰمَةِ أَعْمَىٰ } والثاني في مقابلة {فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً } ثم قال: وتقديم حال الآخرة على حال الدنيا في المهتدين لأن مطمح نظرهم أمر ءاخرتهم بخلاف خلافهم فإن نظرهم مقصور على دنياهم، ولا يخفى أن الذي نطقت به الآثار هو الأول، وذكر بعضهم أنه المتبادر، نعم ما ذكر لا يخلو عن حسن وإن قيل: فيه تكلف، وجوز الإمام كون الأمرين في الآخرة وكونهما في الدنيا، وذكر أن المراد على الأخير لا يضل في الدين ولا يشقى بسبب الدين لا مطلقاً فإن لحق المنعم بالهدى شقاء في الدنيا فبسبب آخر وذلك لا يضر اهـ، والمعول عليه ما سمعت، والمراد من الإعراض عن الذكر عدم الاتباع فكأنه قيل: ومن لم يتبع {فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً } أي ضيقة شديدة وهو مصدر ضنك وكذا ضناكة؛ ولذا يوصف به المذكر والمؤنث والمفرد والمثنى والمجموع، وقد وصف به هنا المؤنث باعتبار الأصل. وقرأ الحسن {ضنكى} بألف التأنيث كسكرى وبالإمالة. وهذا التأنيث باعتبار تأويله بالوصف. وعن ابن عباس تفسيره بالشديد من كل وجه، وأنشد قول الشاعر:شعر : / والخيل قد لحقت بنا في مأزق ضنك نواحيه شديد المقدم تفسير : والمتبادر أن تلك المعيشة له في الدنيا، وروي ذلك عن عطاء وابن جبير، ووجه ضيق معيشة الكافر المعرض في الدنيا أنه شديد الحرص على الدنيا متهالك على ازديادها خائف من انتقاصها غالب عليه الشح بها حيث لا غرض له سواها بخلاف المؤمن الطالب للآخرة، وقيل: الضنك مجاز عما لا خير فيه، ووصف معيشة الكافر بذلك لأنها وبال عليه وزيادة في عذابه يوم القيامة كما دلت عليه الآيات، وهو مأخوذ مما أخرجه ابن أبـي حاتم عن ابن عباس أنه قال في الآية: يقول كل مال أعطيته عبداً من عبادي قل أو كثر لا يتقيني فيه فلا خير فيه وهو الضنك في المعيشة، وقيل: المراد من كونها ضنكاً أنها سبب للضنك يوم القيامة فيكون وصفها بالضنك للمبالغة كأنها نفس الضنك كما يقال في السلطان: الموت بين شفتيه يريدون بالموت ما يكون سبباً للموت كالأمر بالقتل ونحوه، وعن عكرمة ومالك بن دينار ما يشعر بذلك، وقال بعضهم: إن تلك المعيشة له في القبر بأن يعذب فيه. وقد روى ذلك جماعة عن ابن مسعود وأبـي سعيد الخدري وأبـي صالح والربيع والسدي ومجاهد، وفي «البحر» عن ابن عباس أن الآية نزلت في الأسود بن عبد الأسد المخزومي، والمراد ضغطة القبر حتى تختلف فيه أضلاعه، وروي ذلك مرفوعاً أيضاً، فقد أخرج ابن أبـي الدنيا في «ذكر الموت». والحكيم الترمذي وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبـي حاتم وابن حبان وابن مردويه عن أبـي هريرة قال: «حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم المؤمن في قبره في روضة خضراء ويرحب له قبره سبعين ذراعاً ويضيء حتى يكون كالقمر ليلة البدر هل تدرون فيم أنزلت {فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً } قالوا: الله ورسوله أعلم قال: عذاب الكافر في قبره يسلط عليه تسع وتسعون تنيناً هل تدرون ما التنين؟ تسعة وتسعون حية لكل حية سبعة رؤوس يخدشونه ويلسعونه وينفخون في جسمه إلى يوم يبعثون».تفسير : وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور ومسدد في «مسنده» وعبد بن حميد والحاكم وصححه والبيهقي في كتاب «عذاب القبر» وجماعة عن أبـي سعيد قال:«حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: {مَعِيشَةً ضَنكاً } عذاب القبر» تفسير : ولفظ عبد الرزاق يضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه، ولفظ ابن أبـي حاتم ضمة القبر إلى غير ذلك ومن قال: الدنيا ما قبل القيامة الكبرى قال ما يكون بعد الموت واقع في الدنيا كالذي يكون قبل الموت. وقال بعضهم: إنها تكون يوم القيامة في جهنم، وأخرج ذلك ابن أبـي شيبة وابن المنذر عن الحسن، وأخرج ابن أبـي حاتم عن ابن زيد قال: المعيشة الضنك في النار شوك وزقوم وغسلين وضريع وليس في القبر ولا في الدنيا معيشة وما المعيشة والحياة إلا في الآخرة، ولعل الأخبار السابقة لم تبلغ هذا القائل أو لم تصح عنده، وأنت تعلم أنها إذا صحت فلا مساغ للعدول عما دلت عليه وإن لم تصح كان الأولى القول بأنها في الدنيا لا في الآخرة لظاهر ذكر قوله تعالى: {وَنَحْشُرُهُ } الخ بعد الإخبار بأن له معيشة ضنكاً، وقرأت فرقة منهم أبان بن تغلب {وَنَحْشُرُهُ} بإسكان الراء وخرج على أنه تخفيف أو جزم بالعطف على محل {فَإِنَّ لَهُ } الخ لأنه جواب الشرط كأنه قيل ومن أعرض عن ذكري تكن له معيشة ضنك ونحشره الخ. ونقل ابن خالويه عن أبان أنه قرأ {ونحشره } بسكون الهاء على إجراء الوصل مجرى الوقف. وفي «البحر» الأحسن تخريج ذلك على لغة بني كلاب وعقيل فإنهم يسكنون مثل هذه الهاء، وقد قرىء {لربه لكنود} [العاديات: 6] بإسكان الهاء، وقرأت / فرقة {ويحشره} بالياء {يَوْمَ ٱلْقِيـٰمَةِ أَعْمَىٰ } الظاهر أن المراد فاقد البصر كما في قوله تعالى: {أية : وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمّا } تفسير : [الإسراء: 97].

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً}. قد قدمنا في سورة "الكهف" في الكلام على قوله: {أية : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيِاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا} تفسير : [الكهف: 57] الآية ـ الآيات الموضحة نتائج الإعراض عن ذكر الله تعالى الوخيمة. فأغنى ذلك عن إعادته هنا. وقد قدمنا هناك أن منها المعيشة الضنك. واعلم أن الضنك في اللغة: الضيق. ومنه قول عنترة: شعر : إنْ يُلْحقوا أَكْررْ وإنْ يُستلحَمُوا أَشْدُد وإن يُلْفَوْا بضَنْكٍ أنزل تفسير : وقوله أيضاً: شعر : إن المنيةَ لو تُمثَّل مُثِّلَتْ مثلى إذا نَزلُوا بضَنْك المنزلِ تفسير : وأصل الضنك مصدر وصف به، فيستوي فيه المذكر والمؤنث والمفرد والجمع. وبه تعلم أن معنى قوله {مَعِيشَةً ضَنكاً} أي عيشاً ضيقاً والعياذ بالله تعالى. واختلف العلماء في المراد بهذا العيش الضيق على أقوال متقاربة، لا يكذب بعضها بعضاً. وقد قدمنا مراراً: أن الأولى في مثل ذلك شمول الآية لجميع الأقوال المذكورة. ومن الأقوال في ذلك: أن معنى ذلك أن الله عزّ وجل جعل مع الدين التسليم والقناعة، والتوكل على الله، والرضا بقسمته فصاحبه ينفق مما رزقه الله بسماح وسهولة، فيعيش عيشاً هنيئاً. ومما يدل على هذا المعنى من القرآن قوله تعالى: {أية : مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً} تفسير : [النحل: 97] الآية، وقوله تعالى: {أية : وَأَنِ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوۤاْ إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَّتَاعاً حَسَناً إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى} تفسير : [هود: 3] الآية، كما تقدم إيضاح ذلك كله. وأما المعرض عن الدين فإنه يستولي عليه الحرص الذي لا يزال يطمح به إلى الازدياد من الدنيا مسلط عليه الشح الذي يقبض يده عن الإنفاق، فعيشه ضنك، وحاله مظلمة. ومن الكفرة من ضرب الله عليه الذلة والمسكنة بسبب كفره، كما قال تعالى: {أية : وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذِّلَّةُ وَٱلْمَسْكَنَةُ وَبَآءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ ٱللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ} تفسير : [البقرة: 61] الآيات. وذلك من العيش الضنك بسبب الإعراض عن ذكر الله. وبين في مواضع أخر أنهم لو تركوا الإعراض عن ذكر الله فأطاعوه تعالى ـ أن عيشهم يصير واسعاً رغداً لا ضنكاً، كقوله تعالى: {أية : وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيهِمْ مِّن رَّبِّهِمْ لأَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم} تفسير : [المائدة: 66] الآية، وقوله تعالى: {أية : وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْقُرَىٰ آمَنُواْ وَٱتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ} تفسير : [الأعراف: 96] الآية، وكقوله تعالى عن نوح: {أية : فَقُلْتُ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً يُرْسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيْكُمْ مِّدْرَاراً وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَاراً} تفسير : [نوح: 10-12]، وقوله تعالى عن هود: {أية : وَيٰقَوْمِ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوۤاْ إِلَيْهِ يُرْسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيْكُمْ مِّدْرَاراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكُمْ} تفسير : [هود: 52] الآية، وقوله تعالى: {أية : وَأَلَّوِ ٱسْتَقَامُواْ عَلَى ٱلطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُم مَّآءً غَدَقاً لِّنَفْتِنَهُمْ فِيهِ} تفسير : [الجن: 16-17] الآية، إلى غير ذلك من الآيات. وعن الحسن أن المعيشة الضنك: هي طعام الضريع والزَّقُّوم يوم القيامة وذلك مذكور في آيات من كتاب الله تعالى، كقوله: {أية : لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِن ضَرِيعٍ}تفسير : [الغاشية: 6] الآية، وقوله: {أية : إِنَّ شَجَرَةَ ٱلزَّقُّومِ طَعَامُ ٱلأَثِيمِ} تفسير : [الدخان: 43-44] الآية ونحو ذلك من الآيات. وعن عكرمة والضحاك ومالك بن دينار: المعيشة الضنك: الكسب الحرام، والعمل السيِّئ. وعن أبي سعيد الخدري وعبد الله بن مسعود وأبي هريرة: المعيشة الضنك: عذاب القبر وضغطته. وقد أشار تعالى إلى فتنة القبر وعذابه في قوله {أية : يُثَبِّتُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱلْقَوْلِ ٱلثَّابِتِ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَفِي ٱلآخِرَةِ وَيُضِلُّ ٱللَّهُ ٱلظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ} تفسير : [إبراهيم: 27]. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: قد جاء عن النَّبي صلى الله عليه وسلم من حديث أبي هريرة: أن المعيشة الضنك في الآية: عذاب القبر. وبعض طرقه بإسناد جيد كما قاله ابن كثير في تفسير هذه الآية. ولا ينافي ذلك شمول المعيشة الضنك لمعيشته في الدنيا. وطعام الضريع والزَّقُّوم. فتكون معيشته ضنكاً في الدنيا والبرزخ والآخرة، والعياذ بالله تعالى. قوله تعالى: {وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ ٱلْقِيامَةِ أَعْمَىٰ}. ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن من أعرض عن ذكره يحشره يوم القيامة في حال كونه أعمى. قال مجاهد وأبو صالح والسدي: أعمى أي لا حجَّة له. وقال عكرمة: عمى عليه كل شيء إلا جهنم. وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك: أن من أنواع البيان التي تضمنها أن يقول بعض العلماء في الآية قولاً، ويكون في نفس الآية قرينة تدل على خلاف ذلك القول. وقد ذكرنا أمثلة متعددة لذلك. فإذا علمت ذلك ـ فاعلم أن في هذه الآية الكريمة قرينة دالة على خلاف قول مجاهد وأبي صالح والسدي وعكرمة. وأن المراد بقوله {أَعْمَىٰ} أي أعمى البصر لا يرى شيئاً. والقرينة المذكورة هي قوله تعالى: {أية : قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِيۤ أَعْمَىٰ وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً} تفسير : [طه: 125] فصرح بأن عماه هو العمى المقابل للبصر وهو بصر العين، لأن الكافر كان في الدنيا أعمى القلب كما دلت على ذلك آيات كثيرة من كتاب الله، وقد زاد جل وعلا في سورة "بني إسرائيل" أنه مع ذلك العمى يحشر أصم أبكم أيضاً، وذلك في قوله تعالى: {أية : وَمَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّاً مَّأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيراً} تفسير : [الإسراء: 97]. تنبيه في آية "طه" هذه وآية "الإسراء" المذكورتين إشكال معروف. وهو أن يُقال: إنهما قد دَلتا على أن الكافر يُحشَر يوم القيامة أعمى، وزادت آية "الإسراء" أنه يحشر أبكم أصم أيضاً، مع أنه دلت آيات من كتاب الله على أن الكفار يوم القيامة يبصرون ويسمعون ويتكلمون. كقوله تعالى: {أية : أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا} تفسير : [مريم: 38] الآية، وقوله تعالى: {أية : وَرَأَى ٱلْمُجْرِمُونَ ٱلنَّارَ فَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ مُّوَاقِعُوهَا} تفسير : [الكهف: 53] الآية، وقوله تعالى: {أية : رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَٱرْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً}تفسير : [السجدة: 12] الآية، إلى غير ذلك من الآيات. وقد ذكرنا في كتابنا (دفع إيهام الاضطراب. عن آيات الكتاب) الجواب عن هذا الإشكال من ثلاثة أوجه: الوجه الأول ـ واستظهره أبو حيان أن المراد بما ذكر من العمى والصمم والبكم حقيقته. ويكون ذلك في مبدأ الأمر ثم يرد الله تعالى إليهم أبصارهم ونطقهم وسمعهم فيرون النار ويسمعون زفيرها، وينطقون بما حكى الله تعالى عنهم في غير موضع. الوجه الثاني ـ أنهم لا يرون شيئاً يسرهم، ولا يسمعون كذلك، ولا ينطقون بحجة، كما أنهم كانوا في الدنيا لا يستبصرون ولا ينطقون بالحق ولا يسمعونه. وأخرج ذلك ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس وروي أيضاً عن الحسن كما ذكره الألوسي وغيره. وعلى هذا القول فقد نزل ما يقولونه ويسمعونه ويبصرونه منزلة العدم لعدم الانتفاع به. كما أوضحناه في غير هذا الموضع. ومن المعلوم أن العرب تطلق لا شيء على ما لا نفع فيه. ألا ترى أن الله يقول في المنافقين: {أية : صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ}تفسير : [البقرة: 18] الآية، مع أنه يقول فيهم: {أية : فَإِذَا ذَهَبَ ٱلْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ} تفسير : [الأحزاب: 19]، ويقول فيهم: {أية : وَإِن يَقُولُواْ تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ} تفسير : [المنافقون: 4] أي لفصاحتهم وحلاوة ألسنتهم. ويقول فيهم: {أية : وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ} تفسير : [البقرة: 20] وما ذلك إلا لأن الكلام ونحوه الذي لا فائدة فيه كلا شيء: فيصدق على صاحبه أنه أعمى وأصم وأبكم، ومن ذلك قول قعنب ابن أم صاحب: شعر : صُمٌّ إذا سمعوا خيراً ذُكِرت به وإن ذكرت بسوء عندهم أَذنوا تفسير : وقول الآخر: شعر : أصمٌّ عن الأمر الذي لا أريده وأسمع خلق الله حين أريد تفسير : وقول الآخر: شعر : قل ما بدا لك من زور ومن كذب حلمي أصم وأذني غير صماء تفسير : ونظائر هذا كثيرة في كلام العرب من إطلاق الصمم على السماع الذي لا فائدة فيه. وكذلك الكلام الذي لا فائدة فيه، والرؤية التي لا فائدة فيها. الوجه الثالث ـ أن الله إذا قال لهم: {أية : ٱخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ} تفسير : [المؤمنون: 108] وقع بهم ذلك العمى والصمم والبكم من شدة الكرب واليأس من الفرج ـ قال تعالى: {أية : وَوَقَعَ ٱلْقَوْلُ بِمَا ظَلَمُواْ فَهُمْ لاَ يَنطِقُونَ} تفسير : [النمل: 85] وعلى هذا القول تكون الأحوال الخمسة مقدرة: أعني قوله في "طه": {وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ ٱلْقِيامَةِ أَعْمَىٰ} [طه: 124]، وقوله فيها: {أية : لِمَ حَشَرْتَنِيۤ أَعْمَىٰ} تفسير : [طه: 125]، وقوله في "الإسراء": {أية : وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّاً} تفسير : [الإسراء: 97]، وأظهرها عندي الأول: والله تعالى أعلم. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {أية : فَنَسِيتَهَا وَكَذٰلِكَ ٱلْيَوْمَ تُنْسَىٰ} تفسير : [طه: 126] من النسيان بمعنى الترك عمداً كما قدمنا الآيات الموضحة له في هذه السورة الكريمة في الكلام على قوله: {أية : فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً} تفسير : [طه: 115].

الواحدي

تفسير : {من أعرض عن ذكري} موعظتي، وهي القرآن {فإنَّ له معيشة ضنكاً} ضيقى. يعني: في جهنَّم وقيل: يعني عذاب القبر. {ونحشره يوم القيامة أعمى} البصر. {قال ربِّ لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيراً}.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلْقِيامَةِ} (124) - وَمَنْ خَالَفَ أَمْرِي، وَكَفَرَ بِمَا أَنْزَلْتُ عَلَى رُسُلِي، وَأَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي وَتَنَاسَاهُ فَسَتَكُونُ مَعِيشَتُهُ فِي الدُّنيا ضَنْكاً لاَ طُمَأنِينَةَ لَهُ فِيهَا، وَلاَ يَنْشَرِحُ فِيهَا صَدْرُهُ، بَلْ يَبْقَى صَدْرُهُ ضَيِّقاً حَرَجاً، بِسَبَبِ ضَلاَلِهِ. وَمَا لَمْ يَخْلُصِ الهُدَى وَاليَقِينُ إِلَى قَلْبِهِ، فَإِنَّهُ سَيَبْقَى فِي قَلَقٍ وَحَيْرَةٍ وَشَكٍّ، وَيَحْشُرُهُ اللهُ يَوْمَ القِيَامَةِ أَعْمَى البَصَرِ وَالبَصِيرَةِ، قَدْ عَمِيَ عَلَيْهِ كُلُّ شَيءٍ إِلاَّ جَهَنَّمَ، لأَِنَّ الجَهَالَةَ التِي كَانَ فِيهَا فِي الدُّنْيا تَبْقَى مُلاَزِمَةً لَهُ فِي الآخِرَةِ. مَعِيشَة ضَنكاً - ضَيِّقَةً شَدِيدَةً.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : والإعراض: هو الانصراف، وأن تعطيه عَرْض أكتافك كما ذكرنا من قبل. وقوله: {مَعِيشَةً ضَنكاً ..} [طه: 124] الضنْك هو الضيق الشديد الذي تحاول أنْ تُفلتَ منه هنا أو هناك فلا تستطيع، والمعيشة الضَّنْك هذه تأتي مَنْ أعرض عن الله، لأن مَنْ آمن بإله إنْ عَزَّتْ عليه الأسباب لا تضيق به الحياة أبداً؛ لأنه يعلم أن له ربّاً يُخرِجه مما هو فيه. أما غير المؤمن فحينما تضيق به الأسباب وتُعجِزه لا يجد مَنْ يلجأ إليه فينتحر. المؤمن يقول: لي ربٌّ يرزقني ويُفرِّج كَرْبي، كما يقول عز وجل: {أية : ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ ٱللَّهِ أَلاَ بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ}تفسير : [الرعد: 28]. لذلك يقولون: لا كَرْب وأنت رَبٌّ، وإذا كان الولد لا يحمل هَمّاً في وجود أبيه فله أبٌ يكفيه متاعب الحياة ومشاقها، فلا يدري بأزمات ولا غلاء أسعار، ولا يحمل هَمَّ شيء، فما بالُكَ بمَنْ له رَبٌّ؟ وسبق أنْ ضربنا مثلاً - ولله المثل الأعلى -، قلنا: هَبْ أن معك جنيهاً ثم سقط من جيبك، أو ضاع منك فسوف تحزن عليه إنْ لم يكُنْ معك غيره، فإنْ كان معك غيره فلن تحزن عليه، فإن كان لديك حساب في البنك فكأن شيئاً لم يحدث. وهكذا المؤمن لديه في إيمانه بربه الرصيد الأعلى الذي يُعوِّضه عن كل شيء. والحق - تبارك وتعالى - أعطانا مثالاً لهذا الرصيد الإيماني في قصة موسى عليه السلام مع فرعون، حينما حُوصِر موسى وقومه بين البحر من أمامهم وفرعون بجنوده من خلفهم، وأيقن القوم أنهم مُدْركون، ماذا قال نبي الله موسى؟ قال: {أية : كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ}تفسير : [الشعراء: 62] هكذا بملْء فيه يقولها قَوْلةَ الواثق مع أنها قَوْلة يمكن أن تكذب بعد لحظات، لكنه الإيمان الذي تطمئن به القلوب، والرصيد الذي يثِقُ فيه كُلُّ مؤمن. إذن: مَنْ آمن بالله واتبع هُدَاه فلن يكون أبداً في ضَنْكٍ أو شِدَّة، فإنْ نزلت به شِدَّة فلن تُخرِج عَزْمه عن الرضى، واللجوء إلى ربه. ومن آيات الإعجاز القرآني في مسألة الضيق، قوله تعالى: {أية : فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي ٱلسَّمَآءِ ..}تفسير : [الأنعام: 125]. فمن أين عرف محمد صلى الله عليه وسلم أن مَنْ يصعِّد في السماء يضيق صدره؟ وهل صَعَد أحد إلى السماء في هذا الوقت وجَرَّب هذه المسألة؟ ومعنى ضيق الصدر أن حيِّز الرئة التي هي آلة التنفس يضيق بمرض أو مجهود زائد أو غيره، ألاَ ترى أنك لو صعدتَ سُلَّماً مرتفعاً تنهج، معنى ذلك أن الرئة وهي خزينة الهواء لا تجد الهواء الكافي الذي يتناسب والحركة المبذولة، وعندها تزداد حركة التنفس لتُعوِّض نَقْص الهواء. والآن وبعد غزو الفضاء عرفنا مسألة ضيق التنفّس في طبقات الجو العليا مما يضطرهم إلى أخذ أنابيب الأكسجين وغيرها من آلات التنفس.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {مَعِيشَةً ضَنكاً} معناه ضَيقٌ.

همام الصنعاني

تفسير : 1840- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة، في قوله: {مَعِيشَةً ضَنكاً} [الآية: 124]، قال الضنك: الضيق، يقول: {ضَنكاً} في النَّار. 1844- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا ابن عُيَيْنة، عن أبي حازم، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي سعيد الخدري قال: {فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً}: [الآية: 124]، قال: يضيق عليه قبره، حتى تختلف أضلاعه. 1846- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا الثوري، عن ابن أبي نجيح، عن مُجاهِد في قوله تعالى: {وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ ٱلْقِيامَةِ أَعْمَىٰ}: [الآية: 124]، قال: أعمى عن حُجَّته.